وكان هذا المنافق المجرم، لا يجد فرصة يكيد فيها للإسلام ويحط من شأن رسالته إلا اغتنمها.
وبينما هذا المنافق الأكبر موجودًا في المعسكر بين قومه الخزرج، إذا بالصحابى الجليل صفوان بن المعطل يمر بهودج أم المؤمنين عائشة ﵂، فيقول هذا المنافق (ابن أبي): من هذه؟ . فيقولون: عائشة ﵂، فيقول المنافق الأكبر: والله ما نجت منه ولا نجا منها، ثم يعقب على ذلك بقوله: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت، ثم جاء يقودها.
هذه القولة الخبيثة المنكرة، هي الشرارة الأولى التي أشعلت حديث الإفك، فكانت (بسببها) معركة كبرى من الآلام خاضها النبي ﷺ طيلة شهر كامل.
لقد كان حديث الإفك من تدبيرات المنافقين القاتلة، وهو أحد الأسلحة السياسية الكبيرة الفتاكة التي تلجأ إليها عصابة النفاق للكيد للإسلام وتفريق كلمة المسلمين وتفتيت وحدتهم.
ولقد نظم المنافق الأكبر وحزبه حملات واسعة أشاع بها هذا الحديث المفترى، وروج له بدقة وإحكام حتى انخدع به كثير من المسلمين، فخاض فيه منهم من خاض حتى وصل البعض منهم في الخوض في هذا الحديث المفترى، إلى الدرجة التي بها أقيم عليه الحد، كحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، ومسطح بن أثاثة، وقد تضخم حديث الإفك حتى صار شغل أهل المدينة الشاغل.
ولقد آتت مساعى عصبة الإفك والنفاق ثمارها إلى حد بعيد فقد فعلت حملات الإفك الظالمة فعلها المخيف في نفوس المجتمع الإسلامي ..
стр. 667
وحتى ذلك القلب الكبير النقى الطاهر، قلب النبي محمد ﷺ صار عرضة لنزوع الشك والحيرة والقلق، فقد أثرت تلك الإشاعات الكاذبة في نفسه فأعرض عن زوجته الطيبة الطاهرة الحنون، مما اضطرها إلى الانتقال إلى بيت أبيها الصديق ﵁ مشكوكًا فيها من زوجها العظيم وظلت هناك حتى نزلت براءتها من السماء قرآنًا يتلى أبد الآبدين.
وكانت محنة (بل أعظم محنة نفسية شاقة مضنية) تعرض لها النبي محمد ﷺ في حياته، وهل هناك أعظم وأشد إيلامًا من أن يطعن الإنسان في عرضه، وخاصة من هو على مستوى النبوة والقيادة للأمة كلها؟ .
ولقد استمرت المحنة (التي تكلف فيها صاحب أطهر نفس في تاريخ الإنسانية من الآلام ما تنهد له الجبال) شهرًا كاملًا انقطع خلاله اتصال السماء بالأرض، وظل فيه ذلك القلب الكبير النقى معلقًا بحبال الشك تعتصره الآلام إلى أخف منها آلام طعن الرماح ووقع السيوف.
أما آل الصديق، أما بنت الصديق، أما زوج الصديق، أما الصديق نفسه، ذو الوقار المتناهى والحساسية المرهفة والطيبة الكاملة فقد كانت مصيبتهم أعظم من أن توصف، ويا لها من مصيبة، وهل هناك أعظم من أن يصاب بيت كريم رفيع العماد بالطعن في عرض ابنته .. وزوجة من؟ ؟ .. زوجة محمد بن عبد الله ﷺ ، حبيب أبيها ورفيقه في النضال والجهاد منذ بزغت شمس الإسلام على هذه الأرض.
ولقد عقد هول الفاجعة ألسنة أهل ذلك البيت الطاهر بيت الصديق
стр. 668
الأكبر، فكانوا أمام تلك الإشاعات الظالمة الكاذبة المدبرة المغرضة التي أغرقت المدينة، لا يحيرون جوابًا. وماذا عساهم أن يقولوا، والشك في ابنتهم قد تسرب إلى قلب زوجها النبي ﷺ نفسه، ولقد انطوى أهل البيت الطيب الوادع الكريم على أنفسهم، يهد منهم الألم بعنف وضراوة وهم لا يدرون ما يصنعون أو يقولون، أمام هذه النازلة التي امتحنهم الله بها، ولقد فاض الألم المدمر على لسان ذلك الرجل الوقور الصابر المؤمن، الذي استفزته ضراوة ألم تلك الإشاعات القاتلة مرة فقال: والله ما رمينا بهذا في جاهلية، أفنرضى به في الإسلام؟ .
وعندما قالت له ابنته البرئية المعذبة المظلومة (والألم يطحن قلبها الأبيض الطاهر): أجب عنى رسول الله ﷺ قال- في ألم وإشفاق: والله ما أدرى ما أقول لرسول الله ﷺ .
حقًّا لقد كان حادث الإفك معركة آلام عنيفة طاحنة خاضها البيت النبوى الكريم، وأضنت جروحها الثخينة قلوبًا كبيرة طاهرة نقية، وكادت تودى بنفوس بريئة كمدًا وغمًا.
عائشة تروي القصة المؤلمة
ولما في هذا الحادث الخطير من عبر وعظات وتربيات يمكن أن يستفيد منها الذين يتسرعون في رمى الأبرياء، فإنا سندع أم المؤمنين عائشة ﵂ تروى لنا قصة هذا الألم القاتل الذي عاشته طيلة شهر كامل.
فقد روى الزهري عن عروة وغيره عن عائشة ﵂ قالت:
стр. 669
كان رسول الله ﷺ إذار أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها، خرج بها معه، وإنه أقرع بيننا في غزوة (وهي غزوة بنى المصطلق) فخرج سهمى، فخرجت معه بعد ما أُنزل الحجاب وأنا أُحمل في الهودج، وأنزل فيه.
فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوته تلك وقفل، ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت من شأنى أقبلت إلى الرحل فلمست صدرى فإذا (عقد) لي من جزع أظفار قد انقطع.
فرجعت فالتمسته فحبسنى ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلوننى، فاحتملوا هودجى، فرحلوه على بعيرى، وهم يحسبون أنى فيه، وكان النساءُ، إذا ذاك خفافًا لم يثقلهن اللحم، وإنما نأكل العلقة (١) من الطعام.
فلم يستنكر القوم حين رفعوه خفة الهودج، فحملوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدى بعد ما استمر الجيش، فجئت منزلهم، وليس فيه منهم، فتيممت منزلى الذي كنت فيه وظننت أنهم سيفقدوننى فيرجعون إليّ.
فبينما أنا جالسة غلبتنى عيناى فنمت، وكان صفوان بن المعطل (٢) السُلمى، ثم الذكوانى، قد عرَّس (٣) وراء الجيش، فأدلج فأصبح عند
стр. 670
منزلى، فرأى سواد إنسان نائم، فأتانى فعرفنى حين رآني، وكان يرانى قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه (١) حين عرفنى، فخمرت وجهى بجلبابى، والله ما كلمنى بكلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته فوطئ على يديها فركبتها.
فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا معرسين (٢) قالت: فهلك في شأنى من هلك، وكان الذي تولى كبر الإثم عبد الله بن أبي بن سلول.
فقدمنا المدينة، فاشتكيت (٣) بها شهرًا، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك، ولا أشعر، وهو يريبنى في وجعى أنى لا أرى من النبي ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين اشتكى، وإنما يدخل فيسلم ثم يقول: كيف تيكم؟ ثم ينصرف، فذلك الذي يريبنى منه، ولا أشعر بالشر حتى نقهت (٤).
فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع وهو متبررنا، وكنا لا نخرج إلا ليلًا إلى ليل، وذلك قبل أن تتخذ الكُنُف، وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط.
стр. 671
فأقبلت أنا وأم مسطح - وهي ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف، وأُمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن عبد المطلب - حين فرغنا من شأننا نمشى، فعثرت أم مسطح في مرطها (١) فقالت: تعس مسطح! فقلت لها: بئس ما قلت. أتسبين رجلًا شهد بدرًا؟ فقالت: ياهنتاه ألم تسمعى ما قال: فقلت: وما قال؟ .
فأخبرتنى بقول أهل الإفك، فازددت مرضًا إلى مرضى، فلما رجعت إلى بيتي دخل رسول الله ﷺ .
فقال: كيف تيكم؟ فقلت: ائذن لي أن آتى أبويَّ وأنا حينئذ أُريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي.
فأتيت أبويَّ فقلت لأمى: يا أمتاه ماذا يتحدث الناس به؟ .
فقالت: يا بنية هونى على نفسك الشأن، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها.
فقلت: سبحان الله! ولقد تحدث الناس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، حتى أصبحت أبكى.
فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد، حين استلبث الوحى يستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة فأشار عليه بما يعلم من براءة أهله، والذي يعلم في نفسه من الود لهم، فقال أسامة: هم أهلك يا رسول الله، ولا نعلم والله إلا خيرًا.
стр. 672
وأما علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تخبرك، قالت: فدعا رسول الله ﷺ بريرة فقال: أي بريرة، هل رأيت فيها شيئًا يربيك؟
فقالت: لا والذي بعثك بالحق نبيًّا إن رأيت (أي ما رأيت) منها أمرًا أغمصه (١) عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتى الداجن (٢) فتأكله.
النبي يطلب كف أذى رأس النفاق
قالت: فقام رسول الله من يومه، واستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول "كبير مجرمى الإفك والناشرين له "فقال - وهو على المنبر: - (من يعذرنى من رجل بلغني أذاه في أهلى؟ فوالله، ماعلمت على أهلى إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ماعلمت عليه إلا خيرًا وما كان يدخل على أهلى إلا معى).
قالت: فقام سعد بن معاذ ﵁ فقال: يا رسول الله أنا والله أعذرك منه. إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك.
فقام سعد بن عبادة ﵁ وهو سيد الخزرج، وكان رجلا صالحًا ولكن أخذته الحمية، فقال: لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله، لا تقتله ولا تقدر على ذلك، فقام أسيد بن حضير (٣) - وهو
стр. 673
ابن عم سعد بن معاذ - فقال لسعد بن عبادة (١): كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين.
كادت الفتنة أن تنشب بين الأوس والخزرج
قالت: فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا "وهذا أغلى ما يتمناه ويسعى إليه عبد الله بن أبي وحزبه من المنافقين واليهود" ورسول الله ﷺ على المنبر، فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا ونزل.
قالت: وبكيت يومى ذلك لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، فأصبح أبواى عندي، وقد بكيت ليلتين ويومًا حتى أظن أن البكاء فالق كبدى، فبينما هما جالسان عند وأنا أبكى إذا استأذنت امرأة من الأنصار، فأذنت لها فجلست تبكى معى.
فبينما نحن كذلك إذ دخل علينا رسول الله ﷺ ، ثم جلس ولم يجلس عندي من يوم قيل في ما قيل قبلها، وقد مكث شهرًا لا يوحى إليه في شأنى بشيء.
فتشهد حين جلس، ثم قال: "أما بعد فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإذا كنت بريئة فسيبرؤك الله تعالى وإن كنت ألممت بذنب فاستغفرى الله تعالى وتوبى إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب، تاب الله تعالى عليه".
стр. 674
قالت: فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص دمعى حتى ما أحس منه بقطرة، فقلت لأبي: أجب عنى رسول الله ﷺ فيما قال:
قال: والله ما أدرى ما أقول لرسول الله ﷺ ، فقلت لأمى أجيبى عنى رسول الله ﷺ قالت: والله ما أدرى ما أقول لرسول الله ﷺ .
قالت عائشة: وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرًا من القرآن فقلت: إني والله أعلم أنكم سمعتم حديثًا تحدث الناس به. فلئن قلت لكم إني بريئة لا تصدقونى بذلك ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أنى منه بريئة، لتصدقننى، فوالله ما أجد لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسف إذ قال: [فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون). ثم تحولت فاضطجعت على فراشى، وأنا والله حينئذ أعلم أنى بريئة، وأن الله تعالى مبرئى ببراءتى، ولشأنى في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله تعالى فيّ بأمر يتلى.
نزول الوحي ببراءة عائشة
قالت: ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرؤنى الله تعالى بها، فوالله ما رام مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل الله تعالى على نبيه ﷺ فأخذة ما كان يأخذه من البرحاء، فسرى عنه، وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: يا عائشة إحمدى الله تعالى فإنه قد برأك، فقالت أمى: قومى إلى رسول الله ﷺ -
стр. 675
فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله تعالى، وهو الذي أنزل براءتى.
قالت: فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ .. العشر آيات﴾.
قال عائشة: وكان رسول الله ﷺ سأل زينب بنت جحش عن أمرى، فقال: (يا زينب. ما علمت وما رأيت؟ ) فقالت: يا رسول الله أحمى سمعى وبصرى، والله ما علمت عليها إلا خيرًا، وهي التي كانت تسامينى من أزواج النبي ﷺ فعصمها الله تعالى بالورع، قالت: فطفقت أُختها حمنة بنت جحش تحارب لها، فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك. إ هـ
وقصة الإفك هذه أخرجها البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث الزهري، وهكذا رواها ابن إسحاق كذلك مع اختلاف يسير.
آيات التبرئة
وكانت الآيات التي نزلت لتبدد غيوم فتنة الإفك عشر من سورة النور وهي قوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيرٌ لَكُمْ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ (١) مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ - وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيرًا
وما قصدت عصبة النفاق (والله) من تضخيم حديث الإفك والتنظيم لإشاعته إلا تفريق كلمة المسلمين بإثارة النزعات بينهم، لأن هذه العصبة الخبيثة تعلم أن إشاعة مثل هذا الحديث الخطير سيكون مثار جدل واختلاف بين المسلمين، يصل بهم إلى درجة التلاحى وإثارة النعرات القديمة مما قد يكون سببًا في إثارة حرب قبلية بين الخصمين القديمين العنيدين (الأوس والخزرج)، ولقد كاد يحدث ذلك فعلًا، وذلك هو الغاية الكبرى التي يهدف إلى تحقيقها حزب النفاق الذي حمل لواء حديث الإفك وقام (بطرق مدروسة ملتوية) بإشاعته، فباعث الحديث هذا (في حد ذاته) هو باعث سياسى خبيث ذو مرامى بعيدة، ويكفى لتأكيد ما نقول أن مطلق شرارة فتنة حديث الإفك، هو رأس النفاق عبد الله بن أبي، الذي منذ وطئت قدما الرسول الأعظم تراب المدينة المنورة، وهو يحيك الدسائس وينظم المؤمرات ضد هذا النبي الكريم والدين القويم الذي جاء به.
إقامة الحد على المفترين
وبعد نزول القرآن بتبرئة أم المؤمنين عائشة ﵂ أجرى التحقيق مع الذين لهم ضلع في إشاعة حديث الإفك، فلم يثبت التحقيق سوى إدانة ثلاثة نفر .. رجلين وامرأة، وهم حسان بن ثابت)، و (حمنة بنت جحش) و (مسطح بن أثاثة، وقد أُقيم حد القذف على هؤلاء الثلاثة (ثمانين جلدة جلد بها كل واحد منهم).
والغريب في الأمر أن كل الذين تعرضوا لعقاب الجلد ليس بينهم
стр. 679
منافق واحد، بل كلهم مسلمون تأثروا بقوة الأراجيف فجرفهم تيار الإشاعات الكاذبة، فنطقوا بما أوقعهم تحت طائلة العقوبة من صريح الكلام في عرض زوج نبيهم الطهور.
ولقد نجا عبد الله بن أبي وعصبته المنافقة من عقوبة القذف لأن التهمة لم تثبت عليه قانونًا، بالرغم من أن الناس يعلمون (في قرارة أنفسم ويشعرون ومنهم النبي الأعظم) أن المحرك الأول لحديث الإفك إنما هو هذا المنافق (ابن أبي وحزبه)، ولكن الشعور والاعتقاد شيء، والقانون وإجراءاته الرسمية شيء آخر.
ولهذا نجا رأس النفاق وعصابته من العذاب (عذاب السياط التي أصابت غيرهم حدًّا) لأن هذا المنافق كان يعلم عقوبة القذف الصريح، فكان لذلك أحذر من أن يقع تحت طائلة القانون، بكلام صريح مشهود يفوه به من حديث الإفك الذي لم يكن له سواه باعثًا ومروجًا، ولهذا أفلت من العقوبة بعد أن أوقع غيره لينال عذابها.
أضخم معركة يخوضها الرسول
قال في ظلال القرآن: لقد كانت - حادثة الإفك - معركة خاضها رسول الله ﷺ وخاضتها الجماعة المسلمة يومذاك، وخاضها الإسلام، معركة ضخمة لعلها أضخم المعارك التي خاضها الرسول ﷺ وخرج منها منتصرًا كاظمًا لآلامه الكبار محتفظًا بوقار نفسه وعظمة قلبه وجميل صبره، فلم تؤثر عنه كلمة واحدة تدل على نفاد صبره وضعف احتماله، والآلام التي تناوشه لعلها أعظم الآلام التي مرت به في حياته، والخطر على الإسلام من تلك الفرية من أشد الأخطار التي تعرض لها في تاريخه.
стр. 680
وإن الإنسان ليقف متململًا أمام هذه الصورة الفظيعة لتلك الفترة الأليمة في حياة الرسول ﷺ وأمام تلك الآلام العميقة اللاذعة لعائشة زوجته المقربة وهي فتاة صغيرة في نحو السادسة عشرة، تلك السن المليئة بالحساسية المرهفة والرفرفة الشفيفة.
فها هي ذي عائشة الطيبة الطاهرة، ها هي ذي في براءتها ووضاءة ضميرها ونظافة تصوراتها، ها هي ذي ترمى في أعز ما تعتز به، وترمى في شرفها وهي ابنة الصديق الناشئة في العش الظاهر الرفيع، وترمى في أمانتها، وهي زوج محمد بن عبد الله من ذرية بنى هاشم، وترمى في وفائها وهي الحبيبة المدللة القريبة من ذلك القلب الكبير .. ثم ترمى في إيمانها وهي المسلمة الناشئة في حجر الإسلام، من أول يوم تفتحت عيناها فيه على الحياة، وهي زوج رسول الله ﷺ .
ها هي ذي ترمى وهي بريئة غرة غافلة، لا تحتاط ليس، ولا تتوقع شيئًا، فلا تجد ما يبرؤها إلا أن ترجوا في جناب الله، وتترقب أي يرى رسول الله ﷺ رؤيا تبرؤها مما رميت به، ولكن الوحى يتلبث لحكمة يريدها الله شهرًا كاملًا، وهي في مثل هذا العذاب.
ويالله لها وهي تفاجأ بالنبأ من أم مسطح، وهي مهدودة من المرض فتعاودها الحمى وهي تقول لأمها في أسى: سبحان الله! وقد تحدث الناس بهذا، وفي رواية أُخرى تسأل: وقد علم به أبي؟ .
فتجيب أمها: نعم! .
فتقول: ورسول الله ﷺ ؟ . فتجيبها أمها كذلك نعم.
стр. 681
ويالله ورسول الله ﷺ نبيها الذي تؤمن به ورجلها الذي تحبه يقول لها: "أما بعد فإنه بلغني عنك كذا، فإن كنت بريئة فسيبرؤك الله تعالى، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفرى الله تعالى وتوبى إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه".
فتعلم أنه شاك فيها، لا يستيقن من طهارتها، ولا يقضى في تهمتها وربه لم يخبره بعد، ولم يكشف له عن براءتها التي تعلمها ولكن لا تملك إثباتها، فتمسى وتصبح وهي متهمة في ذلك القلب الكبير الذي أحبها، وأحلها في سويدائه.
وصف محنة الصديق الأكبر وأهل بيته
وها هو ذا أبو بكر الصديق - في وقاره وحساسيته وطيب نفسه يلذعه الألم وهو يرمى في عرضه في ابنته زوج محمد صاحبه الذي يحبه ويطمئن إليه، ونبيه الذي يؤمن به ويصدقه تصديق القلب المتصل، لا يطلب دليلًا من خارجه .. وإذا الألم يفيض على لسانه وهو الصابر المحتسب القوى على الألم، فيقول: والله ما رُمينا بهذا في جاهلية، أفنرضى به في الإسلام؟ .
وهي كلمة تحمل من المرارة ما تحمل حتى إذا قالت له ابنته المريضة المعذبة: أجب عنى رسول الله ﷺ قال، في مرارة هامدة والله ما أدرى ما أقول لرسول الله ﷺ .
وأُم رومان - زوج الصديق - وهي تتماسك أمام ابنتها المفجوعة في كل شيء. المريضة التي تبكى حتى تظن أن البكاء فالق كبدها، فتقول
стр. 682
لها: يا بنية هونى على نفسك الشأن، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها.
ولكن هذا التماسك يتزايل وعائشة تقول لها: أجيبى عنى رسول الله ﷺ فتقول كما قال زوجها من قبل: والله ما أدرى ما أقول لرسول الله ﷺ .
ابن المعطل يضرب حسانًا بالسيف
والرجل المسلم الطيب الطاهر المجاهد في سبيل الله، صفوان بن المعطل. وهو يُرمى بخيانة نبيه في زوجه. فيرمى بذلك في إسلامه وفي أمانته، وفي شرفه، وفي حميته، وفي كل ما يعتز به صحابى وهو من ذلك كله برئ.
وهو يفاجأ بالاتهام الظالم وقلبه برئ من تصووه، فيقول: سبحان الله! والله ما كشفت كتف أنثى قط، ويعلم (وهو الشجاع) أن حسان بن ثابت يروج لهذا الإفك عنه.
فلا يملك نفسه أن يضربه بالسيف على رأسه ضربة تكاد تودى به، ودافعه إلى رفع سيفه على امرئ مسلم، وهو منهى عنه، أن الألم قد تجاوز طاقته فلم يملك زمام نفسه الجريح (١).
стр. 683
ثم ها هو ذا الرسول ﷺ وهو رسول الله، وهو في الذروة من بنى هاشم .. ها هو ذا يرمى في بيته وفي من؟ في عائشة التي حلت من قلبه في مكان الإبنة والزوجة الحبيبة.
وها هو ذا يرمى في طهارة فراشه، وهو الطاهر تفيض منه الطهارة، وها هو ذا يرمى في صيان حرمته، وهو القائم على الحرمات في أُمته، وها هو ذا يرمى في حياطة ربه له، وهو الرسول المعصوم من كل سوء.
ها هو ذا ﷺ يرمى في كل شيء حين يرمى في عائشة ﵂ .. يرمى في فراشه وعرضه وقلبه ورسالته، يرمى في هذا كله، ويتحدث الناس به في المدينة شهرًا كاملًا، فلا يملك أن يضع لهذا كله حدا والله يريد لحكمة يراها أن يدع هذا الأمر شهرًا كاملًا، لا يبين فيه بيانًا، ومحمد الإنسان يعانى ما يعانيه الإنسان في هذا الموقف الأليم، يعانى من العار، ويعانى فجيعة القلب، ويعانى فوق ذلك الوحشة المؤرقة، والوحشة من نور الله الذي اعتاد أن ينير له الطريق.
والشك يعمل في قلبه - مع وجود القرائن الكثيرة على براءة أهله، ولكنه لا يطمئن نهائيًا إلى هذه القرائن - والفرية تفوح في المدينة، وقلبه الإنسان المحب لزوجه الصغيرة يتعذب بالشك، فلا يملك أن يطرد الشك لأنه في النهاية (بشر) ينفعل في هذه انفعالات (البشر)، وزوج لا يطيق أن يمس فراشه .. ورجل تتضخم بذرة الشك في قلبه متى استقرت ويصعب عليه اقتلاعها دون دليل حاسم.
وها هو ذا يثقل عليه العبء وحده، فيبعث إلى أسامة بن زيد حبه
стр. 684
القريب إلى قلبه، ويبعث إلى علي بن أبي طالب، ابن عمه وسنده، يستشيرهما في خاصة أمره.
ورسول الله ﷺ في لهفة الإنسان، وفي قلق الإنسان يستمد من حديث أسامة، ومن شهادة الجارية مددًا وقوة يواجه بهما القوم في المسجد، فيستعذر ممن نالوا عرضه، ورموا أهله، ورموا رجلًا من فضلاء المسلمين لا يعلم أحد عليه من سوء.
فيقع بين الأوس والخزرج من تناور - وهم في مسجد رسول الله ﷺ ، وفي حضرة رسول الله ﷺ ويدل على هذا الجو الذي كان يظلل الجماعة المسلمة في هذه الفترة الغريبة، وقد خدشت قداسة القيادة.
ويحز هذا في نفس الرسول ﷺ والنور الذي اعتاد أن يسعفه لا ينير له الطريق! فإذا هو يذهب إلى عائشة نفسها يصارحها بما يقول الناس، ويطلب منها (هي) البيان الشافى المريح.
وعندما تصل الآلام إلى ذروتها على هذا النحو يتعطف عليه ربه، فيتنزل القرآن ببراءة عائشة الصديقة الطاهرة، وبراءة بيت النبوة الطيب الرفيع، ويكشف المنافقين الذين حاكوا هذا الإفك، ويرسم الطريق المستقيم للجماعة المسلمة في مواجهة مثل هذا الشأن العظيم أهـ.
стр. 685
الفصل الثاني
* مخطط اليهود لغزو المدينة
* طواف زعماء اليهود بين القبائل العربية لتحريضها علي الغزو.
* اليهود يرشون زعماء الأعراب.
* قيام التحالف بين الأحزاب - قريش - غطفان - اليهود - لاحتلال المدينة.
* رسم الخطط واستعداد الفريقين للمعركة الفاصلة.
* المسلمون يحفرون الخندق كخط رئيسي للدفاع عن العاصمة.
كما قلنا في مقدمة هذا الكتاب، إن غزوة الأحزاب الخطيرة هذه هي وإن كانت في الشكل والمظهر، غزوة قرشية غطفانية، إلا أنها في أهدافها البعيدة ومراميها العميقة هي غزوة يهودية لحمًا ودمًا، فاليد الحقيقية التي تكمن وراء هذه الحملة المخيفة الموجهة لإبادة المسلمين إبادة كاملة هي يد يهودية.
فغزوة الأحزاب الموجهة لاحتلال المدينة والقضاء على المسلمين وهدم الإسلام في عقر داره، قد جاءت وفق تصميمات مدروسة وضعها مفكرون إسرائيليون، كما أن تمويل هذه الحملة الخطيرة قد ساهم اليهود فيه مساهمة كبيرة.
стр. 686
لقد كان اليهود - وهم مصدر الفتن والقلاقل ومثيروا الحروب في كل عصر وزمان - هم الذين حزبوا تلك الأحزاب وحشدوا عشرة آلاف مقاتل من أعراب الجزيرة العربية لغزو المدينة واستئصال شأفة المسلمين فيها.
كما أن قريشًا - العدو العربي التقليدى للمسلمين - لها يد كبيرة في تنسيق هذا الغزو والتشجيع عليه والترحيب بفكرته التي جاءت من جانب اليهود.
أما قريش فقد كان نزاعها مع النبي ﷺ ودعوته نزاعًا قديمًا قدم الدعوة الإسلامية، وكان صراعها من أجل القضاء على الإسلام والمسلمين صراعًا قديمًا مزمنًا يرجع عهده إلى أول ظهور الإسلام، وقد خاضت قريش - في سبيل تحقيق هذا الهدف - مع المسلمين معارك رهيبة أولها معركة بدر الكبرى وآخرها معركة أُحد التي - بالرغم من انتصارها الوقتى فيها - لم تحقق لها هدفها المنشود.
أما اليهود فقد كانت العداوة والكره لكل من سواهم من البشر طبيعة متأصلة في نفوسهم، فما ظنك بمن جاء يحمل رسالة سماوية فيها الخطر كل الخطر على كيان هؤلاء اليهود المبنى على الغش والدس والوقيعة والاستغلال.
حقد اليهود على النبي ﷺ -
لقد كان اليهود (دونما جدال) يضمرون للنبي ودعوته من الحقد والبغض والحسد ما هو أعمق مما تضمره قريش وأحلافها من
стр. 687
أعراب الجزيرة، فكان اليهود - لذلك - أحرص من أعراب الجزيرة على محو الإسلام والقضاء على المسلمين.
وإذا كانت قريش في مكة قد استطاعت أول الأمر - لقوتها وضعف المسلمين - أن تنكل بهم وتفتن البعض منهم عن دينه تحت وسائل التعذيب بل وتجبر النبي ﷺ على مغادرة وطنه الأصلي (مكة) لجرأتها على الائتمار بقتله، فإن اليهود الذين يودون أن يفعلوا ذلك وأكثر بالنبي وصحبه، لم يكن في مقدورهم أن يفعلوا شيئًا من ذلك بمفردهم عندما جاءهم النبي ﷺ إلى يثرب.
لأنه ﷺ لم يصل إلى المدينة إلا وقد سبقه تكوين جبهة عسكرية قوية مشكلة من جميع القبائل القحطانية (الأوس والخزرج) في يثرب.
بالإضافة إلى مهاجرى قريش المسلمين الذين تركوا وطنهم فرارًا بدينهم، وانضموا إلى معسكر يثرب، فكانت هذه الجبهة العسكرية القوية درع الرسول الحربى الواقى الذي يحتمى به. الأمر الذي غاظ اليهود وقهرهم، وجعلهم يعجزون عن القيام منفردين بأي عمل عسكرى أو شبه عسكرى ضد المسلمين كما كانت تفعل قريش، لأن هؤلاء اليهود بالرغم من قدمهم في الجزيرة هم عنصر أجنبي دخيل على الأمة العربية لم يستطع الامتزاج بهذه الأمة - بالرغم من إقامته بينها آلاف السنين.
وكل ما قام به اليهود في يثرب ضد النبي - قبل غزوة الأحزاب - هو عمليات دس وتفريق بين المسلمين ومحاولات لإثارة الحرب
стр. 688
الأهلية بينهم، وحركات عصيان ضيقة النطاق .. عمليات كلها باءت بالفشل.
وآخر محاولة جريئة قام بها اليهود هي محاولة بنى النضير اغتيال النبي ﷺ وهو بين منازلهم، فكانت نهاية هذه المحاولة الفاشلة هي طرد يهود هذه القبيلة وإجلاءهم عن المدينة نهائيًا.
تفكير اليهود في تحزيب الأحزاب
من أجل ذلك ازداد حقد اليهود على النبي ﷺ ، وصار زعماؤهم يفكرون في رسم خطة محكمة تكون نهايتها سحق المسلمين سحقًا كاملًا وهدم كيان الإسلام من الأساس. فكانت ثمرة هذا التفكير اليهودى (غزوة الأحزاب) الخطيرة هذه التي كادت (فعلًا) أن تعصف بكيان الإسلام والمسلمين.
فقد توالت اجتماعات زعماء يهود بنى النضير في "خيبر" لبحث الوضع الذي آل إليه اليهود في الجزيرة العربية بعد انهيار مركزهم الرئيسى في المدينة وقيام الدولة الإسلامية قوية متماسكة في يثرب.
بعد بحث شامل دقيق للموضوع من جميع نواحيه قرر برلمان اليهود في خيبر وضع خطة محكمة لغزو شامل كامل ساحق ضد المسلمين يشترك فيه أكبر عدد ممكن من القبائل العربية القوية، وخاصة قبائل نجد وكنانة وقريش، على أن تتولى خيبر اليهود الدعوة إلى هذا الغزو وتنظيمه بل وتحمل جانب كبير من نفقاته المالية.
стр. 689
وفد اليهود يطوف بين الأعراب
ونتيجة لهذا القرار الخطير، قرر برلمان خيبر تشكيل وفد من أعضائه البارزين للقيام بهذه المهمة الخطيرة، والاتصال بالقبائل العربية المطلوب الاتصال بها للقيام بذلك الغزو.
وقد تكون هذا الوفد اليهودى على النحو التالي:
١ - حيي بن أخطب، رئيسًا.
٢ - سلام بن مشكم، عضوًا.
٣ - كنانة بن أبي الحقيق، عضوًا.
٤ - هوذة بن قيس الوائلى، عضوًا.
٥ - أبو عامر الفاسق، الذي كان قائد فصيلة خونة الأوس في معركة أحُد ضد المسلمين، عضوًا.
وقد غادر هذا الوفد اليهودى مدينة خيبر في أوائل شهر شعبان من السنة الرابعة للهجرة -أي بعد مرور حوالي سنة على معركة أُحد وبعد مرور أربعة أشهر (فقط) على إجلاء بنى النضير من المدينة.
الوفد اليهودي في مكة
وبالرغم من أن قبائل غطفان النجدية - التي ألفت فيما بعد العمود الفقرى لغزو الأحزاب - كانت منازلها أقرب إلى هؤلاء اليهود من قبائل الحجاز، فإن الوفد اليهودى قد توجه رأسًا إلى مكة.
فاتصل (أولًا) بزعمائها وقادتها وعرض عليهم كامل المخطط الذي يحمله لإنشاء الاتحاد العسكري القبلى الكبير لغزو المدينة ووضع حد لسلطان المسلمين باستئصال شأفتهم.
стр. 690
ولدى اطلاع زعماء مكة على المخطط اليهودى سروا سرورًا عظيمًا وأبدوا موافقتهم الكاملة عليه واستعدادهم لتنفيذه بكامله، بعد أن شكروا لليهود مجهودهم الكبير في وضع هذا المخطط والسعى من أجل تنفيذه.
اليهود في برلمان مكة
فعند وصول الوفد اليهودى إلى مكة عقد برلمانها جلسة خاصة لبحث المخطط اليهودى الموضوع لإنشاء الاتحاد العربي الوثنى اليهودى لمحاربة الإسلام والقضاء على المسلمين.
وبعد أن ألم أعضاء دار الندوة (برلمان مكة) بالمشروع اليهودى ودرسوه من جميع نواحيه وعرفوا أن في تنفيذه هدم الإسلام والقضاء على المسلمين أبدوا للوفد اليهودى سرورهم العظيم وموافقتهم الكاملة، ووقف قائد عام جيش مكة (أبو سفيان بن حرب) خطيبًا في البرلمان الذي سمحت مكة للوفد اليهودى بحضور جلسته الخاصة لأنها تتعلق ببحث مشروعهم لغزو المدينة.
وقف وأعلن أبو سفيان في خطبته باسم برلمان مكة وجيشها
الترحيب بفكرة اليهود الداعية إلى انشاء الإتحاد العربي اليهودى العسكري لغزو المدينة وسحق المسلمين فيها سحقًا كاملًا، فقال - مرحبًا باليهود - .. أهلًا ومرحبًا، وأحب الناس إلينا من أعاننا على عداوة محمد (١).
стр. 691
وقد جرت داخل برلمان مكة بين زعمائها وأعضاء الوفد اليهودى مناقشات حول الإسلام والوثنية، وتقدم بعض نواب مكة إلى أحبار اليهود في الوفد بأسئلة يسألونهم فيها (بصفتهم أهل كتاب والأكثر معرفة بالأديان منهم) عن دين محمد ودين الوثنية وأيهما أحق بالاتباع.
قال ابن إسحاق - يصف محادثات الوفد اليهودى مع قريش للتأليب على رسول الله ﷺ وهم (أي اليهود) الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله ﷺ ، خرجوا حتى قدموا على قريش مكة.
فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ وقالوا .. إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فقالت قريش .. يا معشر يهود .. إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟ .
وهنا تجلت طبيعة اليهود في الكذب والتزوير والتحريف حيث أجابوا قريشًا بعكس الحقيقة التي يعلمون إذ قالوا لقريش .. بل دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق منه لأنكم تعظمون هذا البيت وتقومون على السقاية وتنحرون البدن وتعبدون ما كان يعبد أباؤكم، بل إن اليهود لم يكتفوا بهذا الكذب والافتراء إذا سجدوا لأصنام قريش إرضاء لهم عندما طلبوا منهم ذلك ليطمئنوا إلى قولهم الذي قالوا بشأن الوثنية والاسلام (١).
وذكر ابن إسحاق أن الله تعالى أنزل في هذا الوفد اليهودى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ
стр. 692
وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ، وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ (١).
الوفد اليهودي في ديار غطفان
وبعد أن ضمن الوفد اليهودى موافقة قريش على مشروع غزو المدينة وحدد موعدًا لهذا الغزو، توجه هذا الوفد الشرير إلى ديار غطفان بنجد لعرض مخططه على زعماء تلك القبائل، وعندما وصل إلى منزل غطفان صار ينتقل بين مضارب البدو وخيامهم للدعاية لمشروعه الخبيث وإيغار صدر الأعراب على النبي ﷺ وشحن نفوسهم بالكره للمسلمين.
ثم شرع في محادثاته مع زعماء هذه القبائل العظيمة، فعرض عليهم مشروع غزو المدينة وأطلعهم على مخطط هذا الغزو، وأبلغهم موافقة قريش عليه، وأنها قد أخذت تتجهز للزحف على المدينة وفق هذا المخطط.
وقد دارت محادثات الوفد اليهودى الرئيسية مع عيينة بن حصن (٢)
стр. 693
الفزاري لأنه أقوى شخصية مطاعة بين قبائل غطفان، وهو الذي وصفه النبي ﷺ بالأحمق المطاع لأنه مع (حمقه) من جرارى الجيوش المشهورين تتبعه عشرة آلاف قناة ..
كما حضر محادثات الوفد اليهودى من زعماء قبائل غطفان كل من (الحارث بن عوف) قائد بنى مرة، و (أبي مسعود بن رخيلة) قائد بنى أشجع، و (سفيان بن عبد شمس) قائد بنى سليم، و (طليحة) ابن خويلد) (١). قائد بنى أسد.
وقد وافق زعماء هذه القبائل الغطفانية على المشروع اليهودى وأعجبهم المخطط المرسوم لغزو المدينة، وتم الاتفاق بينهم وبين اليهود على تنفيذه بحذافيره.
نجاح اليهود في إنشاء الاتحاد ضد المسلمين
وهكذا نجح اليهود في محادثاتهم مع قبائل غطفان نجاحًا كبيرًا هذه القبائل التي لم تكن أقل تحمسًا من قريش لفكرة قيام الاتحاد العربي الوثنى اليهودى العسكري ضد المسلمين.
فكم حاولت قبائل غطفان هذه القيام بغزو المسلمين في المدينة
стр. 694
منفردة فتفشل، حيث يحبط النبي القائد محاولاتها بضربها (بسرعة) في ديارها فيشتت جموعها قبل أن تتحرك.
ولهذا فقد كان ما عرضه اليهود في مشروعهم على هذه القبائل من المشاركة مع قريش واليهود في غزو المدينة أمنية تتمناها هذه القبائل.
اتفاقية الاتحاد وشروطها
وقد أبرم الوفد اليهودى مع زعماء أعراب غطفان اتفاقية الاتحاد العربي الوثنى اليهودى العسكري ضد المسلمين، وكان أهم بنود هذا الاتفاق هو:
١ - أن تكون قوة غطفان في جيش الاتحاد هذا ستة آلاف مقاتل.
٢ - أن يدفع اليهود لقبائل غطفان (مقابل ذلك) كل ثمر نخل خيبر لسنة واحدة.
وهكذا لم يعد الوفد اليهودى الشرير إلا بعد أن حشد عشرة آلاف مقاتل من قبائل قريش وغطفان وجمعها على حرب النبي ﷺ ، وهو جمع لم يسبق للمسلمين أن واجهوا مثله في حروبهم مع الأعداء وقد أبلغ الوفد اليهودى قادة قريش بتفاصيل الاتفاقية التي تمت بينه وبين قبائل غطفان ليكون تنسيق الغزو بموجبها، فاغتبطت قريش غاية الاغتباط بذلك.
стр. 695
الأحزاب يتجهزون
وقد شرع قادة الأحزاب في التجهيز، وبذلوا جهودًا جبارة لحشد جيوشهم وتنظيمها وتموينها لكى يكون الغزو مركزًا ناجحًا محققًا أهدافه.
أما قريش فقد استطاعت أن تحشد أربعة آلاف مقاتل بما في ذلك حلفاؤها، وكان جيشها في هذا الغزو أحسن جيش من حيث دقة التنظيم وجودة التسليح ووفرة التموين.
فقد كان لقريش من سلاح النقليات ألف وخمسائة بعير، ومن سلاح المطاردة ثلثمائة فرس.
وفي دار الندوة عقدت قريش اللواء وأعطته لعثمان بن طلحة (١) العبدرى، أما قيادة الجيش فقد أسندت إلى أبي سفيان بن حرب الأموي، وتسلم خالد بن الوليد المخزومي قيادة سلاح الفرسان، وهذا كله تم ويتم بموجب نظام أبدى تسير عليه قريش في حروبها منذ عهود سحيقة.
حيث كان النظام المتفق عليه بين قبائل قريش أن تكون القيادة العامة للجيش في بني أمية، والسقاية والرفادة في بني هاشم، وحمل اللواء في الحروب يختص به بنو عبد الدار مع الحجابة، وقيادة الفرسان (ضمن القيادة العامة) تكون دائمًا في بني مخزوم.
стр. 696
تحالف قريش عند أستار الكعبة
وزيادة في التصميم من قريش على حرب النبي ﷺ خرج من بطونها خمسون رجلًا إلى الحرم فتحالفوا وقد ألصقوا أكبادهم بالكعبة متعلقين بأستارها وتعاهدوا (وهم كذلك) على أن لا يخذل بعضهم بعضًا، ويكونوا يدًا واحدة على محمد ما بقى منهم رجل واحد (١).
قادة جيوش غطفان
أما قبائل غطفان فقد حشدت ستة آلاف مقاتل منها ومن أحلافها، ولما كانت غطفان ليس لها نظام ثابت تسير عليه في الحروب كما هو الحال عند قريش التي يكون القائد العام لجيوشها رجل من بنى أمية (دائمًا) فقد تحركت قواتها تحت أربع قيادات، وذلك حسب القبائل الرئيسية في غطفان وهي:
١ - بنو فزارة، وقائدها (عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر).
٢ - بنو أسد .. وقائدها (طليحة بن خويلد).
٣ - بنو أشجع .. وقائدهم (مسعود بن رخيلة بن نويرة).
٤ - بنو مرة .. وقائدهم (الحارث بن عوف).
الموقف في المدينة
ولم تكن المدينة غافلة عما يجرى ضدها في مكة وبين مضارب البدو في نجد، فقد كانت استخباراتها العسكرية على غاية من التيقظ والنشاط.
стр. 697
فقد كان رجالها يتتبعون حركات الوفد اليهودى منذ فصل من خيبر في اتجاه مكة، وكانت على علم تام بكل ما يجرى بين الوفد اليهودى وبين قريش (أولًا) ثم غطفان ثانيًا.
فكان رجال هذه الاستخبارات يبعثون بمعلوماتهم الخطيرة عن مفاوضات الأحزاب، أولًا بأول.
فظل المسلمون على غاية من الحذر والترقب ينتظرون النتائج النهاية للمساعى التي كان يقوم بها وفد خبير لدى تلك القبائل العربية المعادية للمسلمين.
وبمجرد حصول الوفد اليهودى على موافقة قريش وغطفان على إنشاء الإتحاد العسكري الثلاثى المؤلف من اليهود وغطفان وقريش تلقت المدينة من رجال استخباراتها هذا النبأ الخطير، كما تلقت المدينة بعد ذلك من رجال استخبارات جيشها ما يجب أن تحصل عليه من معلومات دقيقة عن مبلغ قوة جيوش الأحزاب وعدد جنوده وأسماء قادته ومتى سيكون ميعاد تحركه نحو المدينة.
وفور حصول المدينة على هذه المعلومات عن العدو، شرع الرسول ﷺ في اتخاذ الإجراءات الفورية الدفاعية اللازمة، ودعا إلى اجتماع عاجل حضره كبار قادة جيشه من المهاجرين والأنصار، بحث فيه معهم هذا الموقف الخطير الناجم عن مساعى اليهود الخبيثة.
خطة الدفاع عن المدينة
ولما كانت المعلومات قد أكدت أن الهدف الرئيسى من الغزو هو احتلال المدينة نفسها، فقد دار البحث في مجلس الرسول
стр. 698
العسكري (بصفة رئيسية) حول ما يجب اتخاذه من خطوات فعالة حاسمة للدفاع عن العاصمة، وهل يخرج المسلمون للقاء الأحزاب خارج المدينة كما فعلوا في غزوة أُحد أم يبقون متحصنين داخل المدينة؟ .
وأخيرًا، تقرر أن يتحصن المسلمون في المدينة للدفاع عنها لا سيما وأن الجيش الذي جاء لغزوهم لا يقل عن عشرة آلاف مقاتل بينما لا يزيد جيش المدينة (في أكبر تقدير) على ثلاثة آلاف مقاتل: بينهم كثير من المنافقين الذين لا يؤمن جانبهم (ساعة الحرب).
ولقد اختيرت المنطقة الشمالية من المدينة لتكون خطًا للدفاع الرئيسى فيها.
المشكلة الكبرى
وبالرغم من توفيق القيادة الإسلامية في اختيار ذلك المكان للدفاع عن المدينة، والذي لا يوجد أصلح منه للصمود في وجه الغزاة فإن مشكلة (لدى وضع الخطط) قد اعترضت القادة المسلمين وأقلقت بالهم، وهي أنهم فكروا (لدى وضع خطة الدفاع عن المدينة) كيف يمكنهم الصمود في وجه جيوش الأُحزاب الجرارة ومنعها من احتلال المدينة إذا ما شدّت عليهم شدة رجل والتحموا معها في معركة فاصلة في ذلك المكان الواسع الواقع عند مداخل المدينة الشمالية؟ .
فجيش المسلمين وإن كان رجاله يمتازون بالشجاعة النادرة التي مبعثها قوة العقيدة الصادقة، إلا أن كثرة العدد الغامرة الساحقة التي
стр. 699
يتفوق بها جيش العدو، لا بد من أن يحسب حسابها بتعقل لأن الكثرة في أغلب الأحيان تغلب الشجاعة (كما يقولون).
صاحب فكرة الخندق
ولهذا كان المسلمون (وهم يبحثون خطة الدفاع عن المدينة) يفكرون في إيجاد وسيلة فعالة يتحاشون بها الالتحام الشامل المباشر مع جيوش الأحزاب الجرارة المتفوقة (عددًا وعدة) في معركة فاصلة ليتسنى لهم تجميدها وتعطيلها عن الحركة على النحو الواسع الذي تريد وترغب.
ولدي بحث هذا الموضوع، كان سلمان الفارسى موجودًا ضمن هيئة أركان حرب الجيش الإسلامى للتشاور، فتقدم إلى القائد الأعلى النبي ﷺ بمشروع مهم عظيم، وافق عليه النبي ﷺ واغتبط به القادة من أصحابه الكرام. ولقد كان لتنفيذ هذا المشروع الدفاعى أكبر الأثر في تجميد نشاط جيوش الأحزاب وشل حركتها ثم فشل الغزو في النهاية.
الخندق أعظم خط للدفاع عن المدينة
فقد اقترح سلمان الفارسى أن يسارع المسلمون إلى حفر خندق عميق يشمل كل المنطقة التي يتوقع أن ترتادها جيوش الأحزاب لاقتحام المدينة منها، على أن يتم حفر هذا الخندق قبل وصول جيوش الأحزاب إلي المكان الذي تبلغت القيادة في المدينة أنها قررت الوصول إليه، وهو السهل الواقع شمال غرب المدينة.
стр. 700
فقد قال سلمان الفارسى - بعد أن تقدم بمشروعه - يا رسول الله، إنا كنا بأرض فارس إذا تخوفنا الخيل خندقنا علينا.
تفاصيل خطة الدفاع
وهكذا تم الاتفاق بين قادة الجيش الإسلامي على خطة الدفاع عن المدينة، وهي كما يلي:
١ - أن يبقى المسلمون في المدينة للدفاع عنها وأن لا يخرجوا إلى الأحزاب خارجها.
٢ - أن تكون خطوط الدفاع الرئيسية في الطرف الشمالي من المدينة والواقع أمام جبل (سلع) على أن يكون هذا الجبل خلف ظهر القيادة الإسلامية.
٣ - أن يقوم المسملون بحفر خندق عميق يكون حاجزًا بينهم وبين جيوش الأحزاب.
٤ - أن يقوم المسلمون بإخلاء المدينة من النساء والأطفال والعجزة، على أن يجمعوهم في الحصون والآطام المنيعة، بعيدين عن العدو، ولتسهل حمايتهم (وخاصة من يهود بنى قريظة الواقعة منازلهم في المدينة والذين لا يأمن المسلمون جانبهم).
٥ - أن تقوم الدوريات الإسلامية بحراسة المدينة على التوالى، طول الليل حتى الصباح.
استراتيجية موقع الجيش الإسلامي
لقد كان اختيار المنطقة الشمالية من المدينة لتكون موقعًا رئيسيًا للجيش الإسلامي، اختيارًا موفقًا من الناحية الاستراتيجية.
стр. 701
فقد كان ذلك المكان هو أصلح مكان يجب أن يعسكر فيه من يريد الدفاع عن المدينة لأنه الناحية الوحيدة المكشوفة التي لا بد لأى غاز يريد احتلال المدينة من أن يتجه إليها.
لأن الجهات الأخرى من أطراف المدينة محاطة بأشجار النخيل والزروع الكثيفة الأخرى، والأبنية المتشابكة والحواجز الطبيعية الصعبة التي لا تسمح لقوات الأحزاب الكبيرة أن تقوم بإجراء أي قتال على نطاق واسع كما تريد، الأمر الذي يجعل قادة الأحزاب لا يفكرون في ارتياد تلك الجهات للهجوم على المدينة منها.
فالناحية الوحيدة الصالحة للقتال على أوسع نطاق (كما يريد قادة الأحزاب) هي الناحية الشمالية للمدينة حيث المسالك الواسعة والميادين الفسيحة، دونما حواحز طبيعية تذكر، وهذه الناحية هي التي قررت القيادة الإسلامية حفر الخندق فيها بصفة رئيسية.
كيف وأين حفر الخندق ؟
لقد كانت الخارطة التي وضعت (على أساس مشروع سلمان الفارسى) لحفر الخندق تقضى بحفر خندق رئيسى يمتد من الطرف الغربي لجبل (سلع) حتى طرف (حرة الوبرة) المطبقة على المدينة من الناحية الغربية، على أن يمر هذا الخندق بشكل قوس في الطرف الشرقي للحرة المذكورة، ثم يمتد على خط (شبه مستقيم) أمام جبل سلع متجهًا نحو الشرق حتى أطراف (حرة واقم) المطبقة على المدينة من الناحية
стр. 702
الشرقية، فيفصل (تمامًا) بين معسكر الأحزاب الوقع في الناحية الشمالية حول (أُحد ومجمع الأسيال) وبين معسكر الإسلام الواقع أمام جبل سلع وعند مداخل المدينة الشمالية الواقعة ما بين الحرتين.
كما يتناول المشروع حفر خنادق جزئية ثانوية يرتبط بعضها ببعض تمتد من طرف الخندق الرئيسى عند الطرف الغربي لجبل سلع وتتجه جنوبًا حتى مجمع وادي بطحان ورانونا بحيث تجئ هذه الخنادق المترابطة خلف المسجد النبوى من الناحية الغربية (١).
وبموجب الخريطة الموضوعة للخندق شرع رجال الجيش في حفره فورًا، وكان الرسول القائد ﷺ يشترك معهم في الحفر، فكان يعمل كأى فرد من المسلمين حتى انتهى حفر الخندق.
وقد باشر جند الإسلام في الحفر بجد وتصميم ومثابرة، وكانت قيادة المدينة قد قررت بذل الجهد لإنجاز حفر الخندق قبل أن تصل جيوش الأحزاب إلى ضواحي المدينة، وذلك أن هذا الخندق هو الذي سيكون خط الدفاع الرئيسى عن العاصمة، ولهذا كان لا بد من إنجازه قبل وصول جيوش العدو.
الجيش هو الذي حفر الخندق
وكان الذي قام بحفر الخندق هم أفراد الجيش الإسلامي فقط (بما فيهم النبي القائد) لأنهم ليس لهم خدم ولا عبيد (كالأمم الأخرى) يسخرونهم لمثل هذا العمل العسكري الشاق.
стр. 703
وبالرغم من أن يهود بنى قريظة هم من سكان يثرب ومواطنون ملزمون (بموجب المعاهدة المعقودة بينهم وبين المسلمين) بالمشاركة في حفر الخندق، كعمل من أعمال الدفاع عن المدينة، فإن هؤلاء اليهود لم يشارك منهم أحد في عملية حفر الخندق، وكان هذا أول عمل (غير ودى) ومخالفًا لنصوص المعاهدة قام به يهود بنى قريظة.
ومن أجل إنجاز حفر الخندق (قبل وصول جيوش الأحزاب) أجهد الجيش نفسه في العمل، فكانوا يعملون في الحفر طيلة النهار ولا يستريحون إلا في الليل، وكان النبي القائد * يشرف بنفسه على أعمال الحفر، ويحفر بيده الكريمة مع المسلمين حتى تم إنجاز الخندق.
ظروف صعبة
وبالإضافة إلى أن عملية حفر الخندق (الذي لا يقل طوله عن خمسة آلاف ذراع) كانت -في حد ذاتها- عملية شاقة لغاية، فإن الظروف المعيشية التي قام المسلمون فيها بحفر الخندق، كانت ظروفًا صعبة جدًّا.
فقد كان ذلك العام (بالنسبة للمسلمين) عام مجاعة، فكان أكثر المسلمين الذين يقومون بأعمال حفر لا يجدون القوت الضرورى الذي يسدون به جوعتهم، بما في ذلك النبي الأعظم * الذي كان (وهو يقوم بأعمال الحفر) يربط الحجر على بطنه من شدة الجوع، وكان الطعام الرئيسى، للذين يجدونه، هو التمر فقط.
стр. 704
ومما يدل على أن المسلمين كانوا عند حفر الخندق في ظروف معيشية صعبة، وفي حالة مجاعة شديدة ما رواه ابن إسحاق عن سعيد بن مينا أنه حدث: أن ابنة لبشير بن سعد -أخت النعمان بن بشير- قالت دعتنى أمى عمرة بنت رواحة، فأعطتنى حفنة من تمر في ثوبى، ثم قالت: أي بنية، أذهبى إلى أبيك وخالك عبد الله بن رواحة بغدائهما.
قالت: فأخذتها، فانطلقت بها فمررت برسول الله ﷺ وأنا ألتمس أبي وخالى فقال: تعالى يا بنية ما هذا معك؟ قالت: فقلت: يا رسول الله، هذا تمر بعثتنى به أمى إلى أبي بشير بن سعد، وخالى عبد الله بن رواحة يتغديانه.
قال: هاتيه، قالت: فصببته في كفى رسول الله ﷺ فما ملأتهما، ثم أمر بثوب فبسط له، ثم دعا بالتمر عليه، فتبدد فوق الثوب، ثم قال لإنسان عنده: أصرخ في أهل الخندق: أن هلم إلى الغداء، فاجتمع أهل الخندق عليه، فجعلوا يأكلون منه، وجعل يزيد، حتى صدر أهل الخندق عنه، وإنه ليسقط من أطراف الثوب.
وبالإضافة إلى حالة المجاعة الشديدة التي كان عليها المسلمون عند حفر الخندق، كان البرد قارصًا والرياح شديدة مزعجة.
قال البخاري روايًا عن سهل بن سعد قال: كنا مع النبي ﷺ في الخندق وهم يحفرون ونحن ننقل التراب على أكتافنا فقال رسول الله ﷺ :
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة.
стр. 705
وفي البخاري أيضًا عن أنس، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون (في غداة باردة)، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال:
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة فقالوا
مجيبين له:
نحن الذين بايعوا محمدًا ... على الجهاد ما بقينا أبدًا
النبي يحمل التراب في الخندق
ولقد كان النبي القائد ﷺ يعمل في حفر الخندق ويحمل التراب على ظهره كأنشط واحد في الجند، فقد روى البخاري من حديث البراء، قال: لما كان يوم الأحزاب وخندق رسول الله ﷺ ، رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عنى الغبار جلدة بطنه، وكان كثير الشعر فسمعته يرتجز بشعر ابن رواحة وهو ينقل التراب ويقول:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا
الصخرة التي حطمها الرسول
وقد جاء في صحيح البخاروى عن جابر قال: إنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كدية (١) شديدة (وعند النسائي: صخرة لا تأخذ منها المعاول) فجاءوا إلى النبي ﷺ فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق،