فقد كان ذلك المكان هو أصلح مكان يجب أن يعسكر فيه من يريد الدفاع عن المدينة لأنه الناحية الوحيدة المكشوفة التي لا بد لأى غاز يريد احتلال المدينة من أن يتجه إليها.
لأن الجهات الأخرى من أطراف المدينة محاطة بأشجار النخيل والزروع الكثيفة الأخرى، والأبنية المتشابكة والحواجز الطبيعية الصعبة التي لا تسمح لقوات الأحزاب الكبيرة أن تقوم بإجراء أي قتال على نطاق واسع كما تريد، الأمر الذي يجعل قادة الأحزاب لا يفكرون في ارتياد تلك الجهات للهجوم على المدينة منها.
فالناحية الوحيدة الصالحة للقتال على أوسع نطاق (كما يريد قادة الأحزاب) هي الناحية الشمالية للمدينة حيث المسالك الواسعة والميادين الفسيحة، دونما حواحز طبيعية تذكر، وهذه الناحية هي التي قررت القيادة الإسلامية حفر الخندق فيها بصفة رئيسية.
كيف وأين حفر الخندق ؟
لقد كانت الخارطة التي وضعت (على أساس مشروع سلمان الفارسى) لحفر الخندق تقضى بحفر خندق رئيسى يمتد من الطرف الغربي لجبل (سلع) حتى طرف (حرة الوبرة) المطبقة على المدينة من الناحية الغربية، على أن يمر هذا الخندق بشكل قوس في الطرف الشرقي للحرة المذكورة، ثم يمتد على خط (شبه مستقيم) أمام جبل سلع متجهًا نحو الشرق حتى أطراف (حرة واقم) المطبقة على المدينة من الناحية
стр. 702
الشرقية، فيفصل (تمامًا) بين معسكر الأحزاب الوقع في الناحية الشمالية حول (أُحد ومجمع الأسيال) وبين معسكر الإسلام الواقع أمام جبل سلع وعند مداخل المدينة الشمالية الواقعة ما بين الحرتين.
كما يتناول المشروع حفر خنادق جزئية ثانوية يرتبط بعضها ببعض تمتد من طرف الخندق الرئيسى عند الطرف الغربي لجبل سلع وتتجه جنوبًا حتى مجمع وادي بطحان ورانونا بحيث تجئ هذه الخنادق المترابطة خلف المسجد النبوى من الناحية الغربية (١).
وبموجب الخريطة الموضوعة للخندق شرع رجال الجيش في حفره فورًا، وكان الرسول القائد ﷺ يشترك معهم في الحفر، فكان يعمل كأى فرد من المسلمين حتى انتهى حفر الخندق.
وقد باشر جند الإسلام في الحفر بجد وتصميم ومثابرة، وكانت قيادة المدينة قد قررت بذل الجهد لإنجاز حفر الخندق قبل أن تصل جيوش الأحزاب إلى ضواحي المدينة، وذلك أن هذا الخندق هو الذي سيكون خط الدفاع الرئيسى عن العاصمة، ولهذا كان لا بد من إنجازه قبل وصول جيوش العدو.
الجيش هو الذي حفر الخندق
وكان الذي قام بحفر الخندق هم أفراد الجيش الإسلامي فقط (بما فيهم النبي القائد) لأنهم ليس لهم خدم ولا عبيد (كالأمم الأخرى) يسخرونهم لمثل هذا العمل العسكري الشاق.
стр. 703
وبالرغم من أن يهود بنى قريظة هم من سكان يثرب ومواطنون ملزمون (بموجب المعاهدة المعقودة بينهم وبين المسلمين) بالمشاركة في حفر الخندق، كعمل من أعمال الدفاع عن المدينة، فإن هؤلاء اليهود لم يشارك منهم أحد في عملية حفر الخندق، وكان هذا أول عمل (غير ودى) ومخالفًا لنصوص المعاهدة قام به يهود بنى قريظة.
ومن أجل إنجاز حفر الخندق (قبل وصول جيوش الأحزاب) أجهد الجيش نفسه في العمل، فكانوا يعملون في الحفر طيلة النهار ولا يستريحون إلا في الليل، وكان النبي القائد * يشرف بنفسه على أعمال الحفر، ويحفر بيده الكريمة مع المسلمين حتى تم إنجاز الخندق.
ظروف صعبة
وبالإضافة إلى أن عملية حفر الخندق (الذي لا يقل طوله عن خمسة آلاف ذراع) كانت -في حد ذاتها- عملية شاقة لغاية، فإن الظروف المعيشية التي قام المسلمون فيها بحفر الخندق، كانت ظروفًا صعبة جدًّا.
فقد كان ذلك العام (بالنسبة للمسلمين) عام مجاعة، فكان أكثر المسلمين الذين يقومون بأعمال حفر لا يجدون القوت الضرورى الذي يسدون به جوعتهم، بما في ذلك النبي الأعظم * الذي كان (وهو يقوم بأعمال الحفر) يربط الحجر على بطنه من شدة الجوع، وكان الطعام الرئيسى، للذين يجدونه، هو التمر فقط.
стр. 704
ومما يدل على أن المسلمين كانوا عند حفر الخندق في ظروف معيشية صعبة، وفي حالة مجاعة شديدة ما رواه ابن إسحاق عن سعيد بن مينا أنه حدث: أن ابنة لبشير بن سعد -أخت النعمان بن بشير- قالت دعتنى أمى عمرة بنت رواحة، فأعطتنى حفنة من تمر في ثوبى، ثم قالت: أي بنية، أذهبى إلى أبيك وخالك عبد الله بن رواحة بغدائهما.
قالت: فأخذتها، فانطلقت بها فمررت برسول الله ﷺ وأنا ألتمس أبي وخالى فقال: تعالى يا بنية ما هذا معك؟ قالت: فقلت: يا رسول الله، هذا تمر بعثتنى به أمى إلى أبي بشير بن سعد، وخالى عبد الله بن رواحة يتغديانه.
قال: هاتيه، قالت: فصببته في كفى رسول الله ﷺ فما ملأتهما، ثم أمر بثوب فبسط له، ثم دعا بالتمر عليه، فتبدد فوق الثوب، ثم قال لإنسان عنده: أصرخ في أهل الخندق: أن هلم إلى الغداء، فاجتمع أهل الخندق عليه، فجعلوا يأكلون منه، وجعل يزيد، حتى صدر أهل الخندق عنه، وإنه ليسقط من أطراف الثوب.
وبالإضافة إلى حالة المجاعة الشديدة التي كان عليها المسلمون عند حفر الخندق، كان البرد قارصًا والرياح شديدة مزعجة.
قال البخاري روايًا عن سهل بن سعد قال: كنا مع النبي ﷺ في الخندق وهم يحفرون ونحن ننقل التراب على أكتافنا فقال رسول الله ﷺ :
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة.
стр. 705
وفي البخاري أيضًا عن أنس، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون (في غداة باردة)، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال:
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة فقالوا
مجيبين له:
نحن الذين بايعوا محمدًا ... على الجهاد ما بقينا أبدًا
النبي يحمل التراب في الخندق
ولقد كان النبي القائد ﷺ يعمل في حفر الخندق ويحمل التراب على ظهره كأنشط واحد في الجند، فقد روى البخاري من حديث البراء، قال: لما كان يوم الأحزاب وخندق رسول الله ﷺ ، رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عنى الغبار جلدة بطنه، وكان كثير الشعر فسمعته يرتجز بشعر ابن رواحة وهو ينقل التراب ويقول:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا
الصخرة التي حطمها الرسول
وقد جاء في صحيح البخاروى عن جابر قال: إنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كدية (١) شديدة (وعند النسائي: صخرة لا تأخذ منها المعاول) فجاءوا إلى النبي ﷺ فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق،
стр. 706
فقام -وبطنه مشدود بحجر (من الجوع) - ولنا ثلاثة أيام لا نذوق ذوقًا، فأخذ النبي ﷺ المعول فضرب، فعادت (أي الكدية) كثيبًا أهيل.
وعند أحمد والنسائي، فاشتكينا ذلك لرسول الله ﷺ فجاء فأخذ المعول فقال: بسم الله، فضرب ضربة فنثر ثلثها، وقال: والله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة، ثم ضرب الثانية فقطع ثلثًا آخر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، وإى والله لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن، ثم ضرب الثالثة فقال: بسم الله، فقطع بقية الحجر فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكانى الساعة أهـ.
وهذا القول النبوى الكريم أثبتت الأحداث (فيما بعد) صدقه فصار من أعلام النبوة التي لا تخطئ، فقد تم استيلاء المسلمين على كل الأماكن التي ذكر النبي ﷺ عند تفتيت هذه الصخرة في الخندق- أنه أعطى مفاتيحها (الشام واليمن وفارس بعاصمتها المدائن وقصرها الأبيض) وتم فتح كل ذلك في عهد الخليفتين أبي بكر وعمر.
وبالرغم من الهول وجو الرعب والفزع الذي يحيط المنطقة التي أصبحت كلها اذان في انتظار وصول جيوش الأحزاب التي سبقتها سيول من التخويف والترويع لأهل المدينة، بالرغم من ذلك كله، فقد كان المسلمون يعملون في حفر الخندق بثقة واطمئنان وثبات، قدوتهم الكبرى في ذلك نبيهم الأعظم ﷺ الذي (هو بينهم يعمل) يتبسط معهم في الحديث، ويداعب ويمازح في روح حلوة حانية لا يقول صاحبها إلا حقًّا.
стр. 707
وإنه لمنظر رائع حقًّا، محمد بن عبد الله النبي والقائد يحفر التراب بالمسحاة في الخندق ويضرب بالفأس والمعول، وينحنى ليجرف التراب ويحمله في المكتل على ظهره.
ويختلط بأصحابه كواحد منهم، ويرفع صوته مع المرتجزين وهم يرفعون أصواتهم بالرجز في أثناء العمل، فيشاركهم الترجيع، وقد كانوا يتغنون بأغانى ساذجة من وحى الحوادث الجارية.
كان هناك رجل من المسلمين اسمه جعيل، فكره رسول الله ﷺ ، اسمه وسماه عمرًا، فراح العاملون في الخندق يغنون جماعة بهذا الرجز الساذج
سماه من بعد جعيل عمرًا ... وكان للبائس يومًا ظهرًا
فإذا مروا في ترجيعهم بكلمة "عمرو" قال: رسول الله ﷺ ، "عمرا" وإذا مروا بكلمة "ظهر" قال رسول الله ﷺ "ظهرًا".
ولنا أن نتصور هذا الجو الذي يعمل فيه المسملون، والرسول ﷺ بينهم يضرب بالفأس، ويجرف بالمسحاة، ويحمل في المكتل، ويرجع هذا الغناء (إن صح تسميته غناء)، ولنا أن نتصور آية طاقة يطلقها هذا الجو في أرواحهم، وأى ينبوع يتفجر في كيانهم بالرضى والحماسة والثقة والاعتزاز (١).
أبو رقاد
ولم يخل ذلك الجو الجاد من ممازحة ومداعبة وتبسط، فقد كان زيد بن ثابت (٢) غلامًا صغيرًا، وكان فيمن يعمل بنقل التراب في الخندق،
стр. 708
وقد أثنى عليه النبي ﷺ عندما رآه (على صغر سنه) يعمل في الخندق) فقال: أما إنه نعم الغلام.
وغلبت الغلام (زيد) عيناه فنام في الخندق -بعد أن أحس الدفئ، وكان البرد شديدًا- فأخذ عمارة بن حزام سلاحه (مازحًا) وهو لا يشعر، فلما قام الغلام ولم يجد سلاحه، فزع، وكان النبي ﷺ حاضرًا، فقال له (مداعبًا): "يا أبا رقاد نمت حتى ذهب سلاحك" ثم قال: "من له علم بسلاح هذا الغلام؟ " فقال عمارة: يا رسول الله هو عندي، فقال: رده عليه، ونهى ﷺ أن يروع المسلم ويؤخذ متاعه لاعبًا.
وما أحلاها روح الدعابة واللطف التي مازح بها النبي الأعظم والقائد الأعلى ذلك الغلام الصغير الذي غلبه النوم أثناء العمل، فنام حتى أخذ منه سلاحه "يا أباد رقاد! نمت حتى ذهب سلاحك". وجرس الدعابة الحلوة الحانية يتجلى في كلمة "يا أبا رقاد" التي داعب بها النبي القائد ﷺ ذلك الغلام الصغير، وصدق الله الذي يقول في هذا النبي الكريم ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.
عمل المنافقين التخريبي في الخندق
وبينما العمل يجرى بجد ونشاط واجتهاد وإخلاص لحفر الخندق من جانب النبي ﷺ والصفوة من أصحابه، وبالرغم من حرص قيادة المدينة على إنجاز حفر الخندق، حتى يتم قبل وصول جيوش الأحزاب، فإن قيادة المدينة قد واجهت (منذ اللحظة الأولى) متاعب وأعمالًا عليها طابع التخريب والتفتيت، من فئات ينتسبون
стр. 709
إلى الإسلام وهم ليسو منه في شيء (وهم المنافقون) قد كان لهم (منذ بدأت الاستعدادات لمعركة الخندق) أدوار غير مشرفة وسيئة.
فقبل وصول الأحزاب، وأثناء عملية حفر الخندق كان هؤلاء المنافقون (الذين كانوا بحكم الظاهر جزءًا من الجيش الإسلامي) يتكاسلون في العمل أثناء عملية الحفر، وإن عملوا مع الجند، لا يعملون إلا الضعيف التافه من العمل.
وكانوا بالإضافة إلى هذا التكاسل، يقومون بأعمال تخريبية يشجعون بها ضعاف النفوس على التهاون في العمل في الخندق، بغية تأخير إنجاز الخندق حتى تصل جيوش الأحزاب.
فقد كان هؤلاء المنافقون (بالرغم من الأوامر العسكرية المشددة التي تقضى بأن لا يترك أحد مكانه في العمل في الخندق إلا بإذن خاص من النبي القائد ﷺ ) يتركون العمل ويتسللون منه إلى أهليهم دون أن يستأذنوا الرسول القائد ﷺ ، فيكون لأعمالهم التخريبية هذه آثار سيئة على سير العمل في حفر الخندق.
أما المسلمون الصادقون فقد كانوا يقدرون الظروف الاستثنائية الخطيرة التي تستلزم مواصلة الحفر لإنجاز الخندق بأسرع ما يمكن، فكانوا لذلك، لا يتركون العمل في الخندق إلا لضرورة قصوى تستدعى ذلك.
ومع ذلك فقد كانوا إذا نابت أحدهم نائبة من الحاجة التي لا بد منها، لا يتركون العمل لقضائها، إلا بعد أن يأخذوا إذنًا خاصًّا من النبي القائد ﷺ امتثالًا لأمر الله تعالى الذي جاء فيه ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى
стр. 710
يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
فيأذن لهم النبي ﷺ في اللحاق بحاجتهم، فإذا قضوها عادوا إلى ما كانوا عليه من العمل في الخندق بأقصى سرعة رغبة منهم في الخير وحرصًا على إطاعة أوامر نبيهم الكريم.
أما المنافقون فقد كانوا يتسللون من الخندق ويتركون العمل فيه، ويذهبون إلى حيث شاءوا دون أن يستأذنوا النبي القائد ﷺ يفعلون ذلك بقصد التخريب والتثبيط)، لأنهم لا يؤمنون في قرارة أنفسهم بالنبي ﷺ ولا بما يدعو إليه بالرغم من تظاهرهم بالإسلام وانخراطهم في سلك جيشه، ذلك التظاهر الذي لم يكن إلا (تقية) تجعلهم -فقط- يتمتعون بحقوق المواطن المسلم، وهم في حقيقتهم بأنهم غير ملزمين بالطاعة أمر النبي ﷺ ، وعلى أساس هذا الشعور كان تصرفهم المشين أثناء عملية حفر الخندق.
تنديد القرآن بالمنافقين
ولقد ندَّد القرآن الكريم بهولاء المنافقين الذين يتركون العمل في الخندق بدافع التخريب، فيتركونه دون أن يستأذنوا النبي القائد ﷺ ، فقال تعالى:
﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَينَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ
стр. 711
اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١).
وبالرغم من عمل المنافقين التخريبى وتكاسلهم عن العمل في الخندق، فإن عملهم الخبيث هذا لم يؤثر (كثيرًا) على سير عملية الحفر، فقد أجهد الصحابة أنفسهم في العمل حتى تم حفر الخندق كما أراد الرسول القائد ﷺ وقبل وصول جيوش الأحزاب بعد أيام.
ورغبة من القيادة العامة إنجاز حفر الخندق بأسرع ما يمكن لجأت إلى بث روح التنافس الشريف بين المسلمين في الحفر.
طول الخندق
فقد قسم الرسول ﷺ المساحات المطلوب حفرها خندقًا، بين أصحابه لكل عشرة منهم أربعين ذراعًا، عليهم أن ينجزوا حفرها، (في حدود العمق والعرض الذي حددته القيادة لهم)، بأسرع ما يمكن.
وقد بلغ طول الخندق حوالي خمسة آلاف ذراع، أما عمق الخندق فلا يمكن أن يكون أقل من سبعة أذرع، والعرض (كذلك) لا يمكن أن يكون أقل من تسعة أذرع، لأن الخيل باستطاعتها أن تقتحم ما هو أقل من هذه المسافة.
وقد استغرق حفر الخندق (كما يقول ابن القيم في الهدى النبوى) شهرًا كاملًا.
стр. 712
فعالية الخندق في الدفاع عن المدينة
وبعد حفر الخندق أصبحت المدينة كالحصن المنيع الذي لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق المغامرات الانتحارية، وبعد تضحيات باهظة جسيمة.
فقد كانت المدينة -بالإضافة إلى الخندق وهو خط الدفاع الرئيسى- مشبكة بالبنيان ومحاطة بأشجار النخيل الكثيفة ولمسافات بعيدة، وغير النخيل من الزورع الأخرى بالإضافة إلى الحواجز الطبيعية الصعبة الكبرى، وهي الحرار الثلاث التي تكتنف المدينة من جهاتها الثلاث .. حرة من الجنوب وحرة واقم من الشرق، وحرة الوبرة من الغرب.
والحرار في منطقة المدينة تشكل حواجز طبيعية فعالة لايستطيع أحد (راجلًا كان أم راكبًا) اجتيازها إلا بصعوبة كبيرة لأنها مزروعة بحجارة سوداء محروقة يكون لها (غالبًا) رؤوس جارحة كأطراف الآلات الحادة.
وهكذا وبحفر الخندق استطاعت قيادة الجيش الإسلامي أن تعزل جيوش العدو عن مكان تجمع الجيش الإسلامى المدافع عن المدينة عزلًا تامًّا وأن تحول بينه وبين اقتحام مداخل المدينة كما يريد لأن هذه المداخل صارت بعد حفر الخندق خلفه ممنوعة به.
فقد حال الخندق بين الجيشين وبين أي التحام جدى شامل، وهذا هو الذي تهدف إليه القيادة الإسلامية، وتكرهه ولا تريد حدوثه قيادة جيوش الأحزاب التي ما حشدت للك الحشود التي لم تشهد الجزيرة مثلها
стр. 713
إلا لتشتبك مع المسلمين في معركة فاصلة تهدف من ورائها إلى محو الكيان الإسلامى إلى الأبد.
لقد تحصن المسلمون وراء الخندق الواسع العميق الذي يبلغ طوله حوالي اثنين من الكيلو مترات، الخندق الذي لا يجرؤ على اقتحامه إلا فارس فذ زاهد في الحياة، أما المشاة فلا سبيل لهم إلى اقتحامه أبدًا.
وقد استفاد الجيش الإسلامى من مناعة جبل سلع الذي جعله خلف ظهره، كما استفاد من وعورة حرة الوبرة لحماية جناحه الأيسر ووعرة حرة واقم لحماية جناحه الأيمن، والحرة الجنوبية لحماية مؤخرته.
فأمن كليًّا من خطر أي التفاف يقوم به العدو، فظهره إلى جبل سلع ومن ورائه المدينة وأبنيتها المتشابكة ونخيلها المتلاصق مع الحرة وجناحاه محميتان بالحرتين مع جزء من الخندق، أما صدره فقد واجه به جيوش الأحزاب التي صار الخندق فاصلًا بينه وبينها.
وهكذا نجحت خطة الدفاع التي اتبعها المسلمون نجاحًا كاملًا، حيث صاروا بعد تطبيقها وكأنهم في قلعة منيعة يكون الموت مصير من تحدثه نفسه بالاقتراب منها من ناحية الخندق الشمالية التي لا يمكن لجيوش الأحزاب أن تقوم بأي قتال جدى وعلى نطاق واسع كما تريد إلا عن طريقها.
فكان الخندق بحق من أعظم الأعمال الدفاعية التي قام بها المسلمون لإحباط هجوم الأحزاب على المدينة، فقد وجد قادة الأحزاب المكان الذي حددوه ليكون هدف هجومهم الرئيسى وهو مداخل المدينة الفسيحة الواقعة بين الحرتين، وجدوا هذا المكان تعسكر فيه جيوش الإسلام رابضة ليوثها وراء الخندق العميق، فتحطمت أمالهم وانهارت خططهم التي رسموها لاقتحام المدينة من الأساس،
стр. 714
الفصل الثالث
* وصول جيوش الأحزاب إلى مشارف المدينة.
* ضرب الحصار على المدينة.
* بنو قريظة ينقضون العهد ويحاولون ضرب المسلمين من الخلف. * إنسحاب المنافقين من الجيش الإسلامي وإرجافهم ضد المسلمين.
* تشديد الحصار إلي درجة الإختناق.
* إقتحام الفرسان الخندق وقتل فارس قريش.
* اشتداد الكرب وبلوغ القلوب الحناجر.
* النبي يحاول عقد صلح منفرد مع غطفان ويعرض عليهم ثلث ثمار المدينة.
* الأنصار يرفضون فكرة عقد هذا الصلح ويقررون المقاومة حتى النهاية.
بعد أن أتم المسلمون حفر خندقهم حول المدينة بقيت قواتهم خلفه مرابطة متيقظة في انتظار جيوش الأحزاب بينما انتشرت دورياتهم المسلحة تطوف بمشارف المدينة مظهرة التهليل والتكبير لحراسة المدينة من أية مباغتة، وخاصة من ناحية يهود بنى قريظة الذين (بالرغم من الحلف المعقود بينهم وبين المسلمين) كان المسلمون يتوقعون منهم الشر.
стр. 715
النبي يستعرض جيشه
وكان النبي ﷺ بعد حفر الخندق قد استعرض جيشه وقام بتنظيمه (كما هي عادته) فقسم الجيش إلى فرقتين:
١ - المهاجرون وأعطى لواءهم لمولاه زيد بن حارثة (١).
٢ - الأنصار، وأعطى لواءهم لسعد بن عبادة.
وكانت أغلبية الجيش تتألف (كما هي العادة) من الأنصار.
وعند استعراض الجيش، عُرض عليه فتيان المسلمين الذين حاولوا الاشتراك في معركة الدفاع عن المدينة. وبعد استعراضهم أمر من لم يبلغ الخامسة عشرة من عمره بأن يرجع إلى أهله ولم يسمح له بالانخراط في سلك الجيش، وأجاز من الفتيان من بلغ الخامسة عشر، ومن هؤلاء الذين سمح لهم بالاشتراك في المعركة: عبد الله بن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وأبو سعيد الخدري والبراء بن عازب (٢).
أمير المدينة بالنيابة
وكما هي عادته عند العزم على خوض المعارك أصدر مرسومًا عين بموجبة ابن أم مكتوم (٣) ليكون أميرًا على المدينة حتى تنتهي معركة الأحزاب.
كما انتخبت لحراسة المدينة قوة خاصة، قسمها إلى فصيلتين،
стр. 716
فصيلة أعطى قيادتها لزيد بن حارثة، والأخرى أعطى قيادتها لمسلمة بن أسلم (١)، وأمر هاتين الفصيلتين بأن تقوما بأعمال الدورية داخل المدينة وعلى مشارفها وخاصة ناحية الجنوب حيث تقع منازل بنى قريظة الذين لم يكن المسلمون على ثقة منهم بالرغم من الحلف العسكري المعقود بين الفريقين.
وكان أخشى ما يخشاه المسلمون من ناحية يهود بنى قريظة هو تعرضهم للنساء والذرارى، ولذلك فإن الرسول ﷺ أمر بأن ترفع النساء والصبيان في الحصون والآطام ليمتنعوا فيها.
تحركات الأحزاب نحو المدينة
أما جيوش الأحزاب فبعد أن تكامل حشدها وتم تجهيزها تحرك بها قادتها نحو المدينة، ففصل من ديار غطفان وأحلافها ستة آلاف مقاتل يقودها أربعة من زعمائهم. هم (كما تقدم): عيينة بن حصن، قائد بنى فزارة، وطليحة بن خويلد الأسدي، قائد بنى أسد، ومسعود بن رخيلة، قائد بنى أشجع، والحارث بن عوف، قائد بنى مرة.
كما فصل من ديار قريش وأحلافها أربعة آلاف مقاتل يقودهم أبو سفيان بن حرب، وقد كان (ضمن الجيش القرشي) سبعمائة مقاتل من بنى سليم (٢)، يقودهم سفيان بن عبد شمس حليف بنى أمية، وقد وافى قريشًا بجيشه هذا بمر الظهران (٣)، أما اليهود فقد كان جيشهم الذي
стр. 717
كان من المتفق بين الوفد اليهودى وقريش أن يشترك مع جيوش الأحزاب هو جيش بنى قريظة الواقع في الطرف الجنوبي للمدينة، والذي تعاهد حيى بن أخطب لقادة الأحزاب أن يوجه ضربته المميتة من الخلف للمسلمين ساعة الصفر.
القائد العام لجيوش الأحزاب
وقد اتفق قادة جيوش الأحزاب على إسناد القيادة العامة لكل هذه الجيوش إلى أبي سفيان (صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس ن عبد مناف).
وقد كان الميعاد المتفق عليه بين قادة الأحزاب للتجمع حول المدينة هو شهر شوال من السنة الرابعة للهجرة.
ففي أول هذا الشهر تكامل حشد جيوش الأحزاب حول المدينة، فرابطت هناك عشرة آلاف مقاتل من قريش وأحلافها وغطفان وأحلافها يساندهم حوالي ألفين من اليهود داخل المدينة وخارجها، ظلوا لهم كالاحتياطى، بينما لا يزيد عدد المسلمين على ثلاثة آلاف مقاتل على أكثر تقدير.
حقيقية عدد قوات المسلمين
وذكر ابن حزم في كتابه (جوامع السيرة) ص ١٨٧ (وصححه) أن جيش المسلمين لم يزد على تسعمائة في غزوة الأحزاب.
وأقول .. هذا أقرب إلى الصواب، وخاصة بعد انسحاب المنافقين الذين كانوا يشكلون جزءًا كبيرًا من الجيش وتركهم المسلمين وشأنهم
стр. 718
عندما اشتد الكرب وتأزمت الحالة، وتصويبنا لرأى الإمام ابن حزم يستند إلى الأمور المنطقية التالية:
أ- أن الجيش الذي اشترك في معركة أُحد (وهو كل القوة التي لدى الدولة في المدينة) لا يزيد على سبعمائة مقاتل، حيث لم يتخلف عن معركة أُحد من يقدر على حمل السلاح.
ب- من الموكد أن المدة بين معركة الأحزاب وغزوة أُحد لا تزيد على سنة واحد (١)، ولم تكن هذه السنة إلا فترة صراع مرير بين الإسلام والوثنية في جميع أنحاء الجزيرة العربية، وخاصة المناطق المحيطة بالمدينة.
جـ- لذلك يكون من المؤكد أن الداخلين في الإسلام (في تلك المدة) هم قليلون جدًّا، وعلى هذا يكون من المستبعد أن يرتفع عدد الجيش الإسلامى (في فترة الصراع العصبية تلك) من سبعمائة مقاتل إلي ثلاثة آلاف مقاتل.
стр. 719
د- مما يعضد الرأي الذي ذهب إليه ابن حزم هو أن المصادر التاريخية (كما في حديث حذيفة بن اليمان في البداية والنهاية) ذكرت أنه في الليالى الأخيرة الحاسمة من ليالى الخندق، لم يبق مع النبي ﷺ في وجه الأحزاب أمام الخندق سوى ثلاثمائة مقاتل أو نحوهم (١).
هـ- لو كان جيش المسلمين الذي ظل صامدًا في وجه الأحزاب طيلة ليالى الخندق، هو ثلاثة آلاف مقاتل، لما خاف المسملون ذلك الخوف الشديد الذي بلغ حد الزلزال وبلوغ القلوب الحناجر، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ (٢).
ذلك أن نسبة المسلمين تكون (إذا كان جيشه ثلاثة آلاف مقاتل في غزوة الأحزاب) واحدًا لثلاثة تقريبًا، وهذه ليست أول مرة تكون فيها نسبة المحاربين المسلمين واحدًا لثلاثة من المشركين، ففي معركة أحد كانت النسبة أقل من ذلك، حيث كانت نسبة المسلمين واحد لأربعة من المشركين (تقريبًا) حيث خرج من المدينة سبعمائة مقاتل اصطدموا في العراء (حيث لا خندق ولا أبنية ولا حرار تحميهم) بثلاثة آلاف مقاتل فأنزلوا بهم في الجولة الأولى هزيمة منكرة كادت تكون ساحقة لولا غلطة الرماة.
فكيف (إذن) يبلغ الخوف والفزع بالمسلمين إلى تلك الدرجة وهم متحصنون داخل المدينة وكأنهم في قلعة منيعة، ونسبة محاربيهم واحد
стр. 720
لثلاثة فقط من محاربى الأحزاب، وهي نسبة أكثر من نسبتهم في معركة أُحد التي قابلوا فيها جيش العدو، دون أن يشعروا بخوف أو فزع؟ .
فهل انخفضت نسبة الشجاعة والثبات والإقدام بين المسلمين بعد معركة أُحد، حتى يبلغ بهم الخوف والفزع إلى تلك الدرجة في معركة الأحزاب، ونسبة عددهم إزاء عسكر الأحزاب فيها أكثر من نسبته إزاء عسكر مكة في معركة أُحد؟ . . الجواب الصحيح هو النفي (قطعًا) فالمسلمون بعد معركة أحد لم يزدادوا إلا شجاعة وثباتًا وإقدامًا وتضحية.
(إذن) وقد ثبت أن الخوف والفزع قد بلغ بين المسلمين إلى درجة الزلزال وبلوغ القلوب الحناجر في غزوة الأحزاب لا بد من القول (أو الترجيح على الأقل) بأن مصدر ذلك الخوف والفزع الأساسي، هو أن المسلمين (على شجاعتهم) كانوا (لكثرة عدوهم وقلتهم) كالجزيرة الصغيرة التي يحيط بها البحر الهائج ويهددها بالابتلاع في كل لحظة، وأن كثرة العدو الغامرة الهائلة التي بلغت فيها النسبة واحدًا من المسلمين لعشرة من المشركين مع تربص اليهود وتوقع المسلمين منهم نقض العهد وضربهم من الخلف، مع إرجاف المنافقين داخل الجيش، هي السبب الأكبر في ذلك الخوف والفزع الذي انتاب المسلمين بصورة لم يسبق لها مثيل.
وعلى هذا لا بد من ترجيع القول الذي قال به الإمام ابن حزم، وهو أن جيش المسلمين الذي رابط وراء الخندق وصمد في وجه عشرة آلاف مقاتل من عساكر الأحزاب لم يزد على تسعمائة مقاتل.
ولا يستبعد أن يكون عدد الجيش الإسلامي أول الأمر- وعندما كان
стр. 721
المنافقون يشكلون جزءًا منه- قد بلغ الألفين أو أكثر، وأنه بانخذالهم وتسللهم منه عندها بدأت جيوش الأحزاب تصل إلى المنطقة لم يبق فيه إلا تسعمائة من المؤمنين الصادقين الذين لم يجد الشك سبيلًا إلى نفوسهم، فيكون صحيحًا القول بأن الجيش الإسلامي الذي واجه الأعداء يوم الأحزاب لم يزد على تسعمائة مقاتل كما أكد ذلك الإمام ابن حزم، وبهذا (فقط) نستطيع أن نجد تفسيرًا مقنعًا لذلك الخوف الشديد الذي بلغ بالقلوب الحناجر.
أول شهيدين من المسلمين
وكان النبي ﷺ قبل وصول جيش الأحزاب قد بعث رجلين من رجال استخبارات الجيش الإسلامي للاستطلاع ومعرفة تحركات العدو والحصول على المعلومات الكافية عنه.
والرجلان هما (سليط) و (سفيان بن عوف) (١) وقد وقع هذان الرجلان في قبضة العدو، حيث التقيا وهما يقومان بعملية الاستكشاف التقيا بدورية كبيرة مسلحة من دوريات جيوش الأحزاب الاستطلاعية فطوقهما رجال الدورية ثم قبضوا عليهما، ثم سلموهما لقيادة الأحزاب، وبمجرد علم هذه القيادة أن الرجلين عينًا لمعسكر المدينة أمرت بإعدامهما فأعدما فورًا، وقد تمكن المسملون من نقل جثتى هذين الشهيدين إلى المدينة فدفنهما النبي ﷺ في قبر واحد، فكانا أول شهيدين قتلا في معركة الأحزاب.
стр. 722
أين عسكر الأحزاب ؟
ورد عد أن وصلت جيوش الأحزاب إلى المدينة. . عسكر الجيش المكي في مجمع الأسيال من رومة بين الجرف وزغابة، كما عسكرت غطفان بجيوشها بذنب نقمى إلى الطرف الغربي من جبل أحد.
وكان الزعيم اليهودى الكبير محزَّب الأحزاب، حيي بن أخطب موجودًا مع الأحزاب ينتقل بين المعسكرين وعلى اتصال دائم بقادة الفريقين (غطفان وقريش) يرسم الخطط ويقدم المشورة.
خطة الأحزاب لاحتلال المدينة
كانت الخطة التي وضعها قادة الأحزاب لاحتلال المدينة (باستشارة قادة اليهود) تقضى بأن يكون زحف جيوش الأحزاب على المدينة من الناحية الشمالية على هيئة قوس يمتد من الشمال الغربي حتى الشمال الشرقي، فيطبق هذا القوس -زحف سريح ساحق عارم- على عسكر الإسلام المرابط عند مداخل المدينة الشمالية.
على أن يتحرك -ساعة الصفر (كما هو المتفق عليه بين زعماء اليهود وقادة الأحزاب) تسعمائة مقاتل من يهود بنى قريظة (حلفاء المسلمين) والواقعين في الطرف الجنوبي من المدنية وخلف ظهو الجيش الإسلامى، فيسددوا إلى الجيش الإسلامى الصغير- ساعة الالتحام. من الخلف ضربة قاتلة، وبهذا (وكما تتصور قيادة الأحزاب) يتم استئصال شأفة المسلمين بسهولة.
стр. 723
الحلف بين المسلمين واليهود
ومن الجدير بالذكر أن حلفًا عسكريًا ومعاهدة دفاع مشترك كانت حتى وصول جيوش الأحزاب- معقودة بين المسلمين وبين يهود بنى قريظة، إلا أن زعيم خيبر وسيدها حيى بن أخطب النضرى قد أقنع يهود بنى قريظة بنقض هذا العهد والانقضاض على المسلمين من الخلف ساعة الصفر كما سيأتي تفصيله إن شاء الله.
الخندق يحبط خطة الأحزاب
وكانت خطة الأحزاب خطة دقيقة رهيبة محكمة كان من الممكن (لو نجحت) أن يحقق الغزو أهدافه فتجنى قيادة الأحزاب ثمار هذه الخطة بسهولة بسحق المسلمين واستئصال شأفتهم لو لم يهد الله المسلمين إلى حفر الخندق.
إذا لولا هذا الخندق لكان من السهل على أحد عشر ألف مقاتل تحيط بتسعمائة مقاتل من كل مكان أن تقضى على هذه التسعمائة إذا ما اشتبكت معها في معركة فاصلة، وخاصة إذا كانت هذه التسعمائة بينها من يتربص بها الدوائر ويشيع روح الهزيمة بين صفوفها من المنافقين كما هو واقع المسلمين في المدينة.
ولكن المسلمين بحفر الخندق نسفوا خطة الأحزاب المرسومة للمعركة من الأساس وأبطلوا مفعلوها، إذ حال هذا الخندق بين جيوش الأحزاب وبين الإلتحام مع عسكر الإسلام في معركة فاصلة كما تريد، وكما هي الخطة المرسومة سلفًا للمعركة.
стр. 724
فقد وقف قادة الأحزاب حائرين أمام هذه المكيدة الكبيرة (الخندق) هذه المكيدة التي ما كان العرب يكيدونها ولا يعرفون عنها شيئًا في تاريخهم الطويل.
تجيمد نشاط جيوش الأحزاب
فقد جمد وجود هذا الخندق نشاط تلك الآلاف المؤلفة من جيوش الأحزاب، التي كما سنفصله لم تستطع مقاتلة المسلمين إلا عن طريق حركات تسلل انتحارية عبر (الخندق) كانت نتيجة الإقدام عليها إما القتل وإما الفرار كما حدث لفرسان عمرو بن ود الذين اقتحموا الخندق بأفراسهم كما سيأتي تفصيله إن شاء الله.
لقد ذهب قادة الأحزاب ومعهم رأس الفتنة ومثير عواصف هذا الغزو (حُيى بن أخطب) ذهبوا بأنفسهم لارتياد واختيار مواقع الهجوم العام على المدينة ليوزعوا الكتائب ساعة الزحف على أساس هذا الاختيار.
مكيدة ما كنت العرب تكيدها
ولكنهم وجدوا أنفسهم أمام مفاجأة عسكرية وبدعة حربية ذهلوا لها وصعقوا. . وجدوا أنفسهم أمام خندق وكأنه أفعى تكاد تلف المدينة من جميع نواحيها (١). . خندق يبلغ طوله حوالي ألفى متر في سعة أربعة
стр. 725
أمتار وعمق ثلاثة، ترابط على مشارفه وتطوف بنواحيه ليل نهار كتائب من جند الله كأنها الأسد الضوارى في انتظار الفرائس.
فأسقط في يدي أولئك القادة، وأخذوا يطوفون بخيلهم (في ذهول وغيظ) حول الخندق لتفقده والكشف عليه فوجدوه أمنع خط دفاع أقامه المسلمون في وجههم.
فحاروا في هذه المكيدة الحربية العظيمة التي كانت سببًا في قلب خططهم رأسًا على عقب، وشل حركاتهم الواسعة التي كانوا ينوون القيام بها والتي كانت مناط أملهم للإطباق على المدينة وسحق المسلمين فيها.
وبعد أن طاف قادة الأحزاب بجيمع نواحى الخندق وتأكدوا من صعوبة اقتحامه، وقفوا على مشارفه فقالوا (وقد أخذ الغيظ منهم كل مأخذ). . إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها. . وفعلا فقد كانت عملية الخندق بدعة حربية ما كان العرب يعرفونها في تاريخهم الطويل بالرغم من أنهم شعب محارب منذ عرف.
ولكن المشركين بالرغم من أن الخندق قد شل حركة جيوشهم وجعلهم يقفون أمامه مكتوفي الأيدى حائرين، فإنهم قد صمموا على البقاء وفرض الحصار الخانق على المدينة، والقيام بمناوشة المسلمين على الدوام بالتناوب ليلًا ونهارًا لإرهاقهم، وفي إِنتظار الفرص المواتية لإقتحام المدينة. لا سيما وأنهم كانوا يتوقعون من اليهود ضرب المسلمين من الخلف. .
أما المسلمون، فالبرغم من تحصنهم وراء الخندق التي كان أحسن وأمن خط دفاع أقاموه في وجه جيوش الأحزاب الجرارة الغامرة، فإنهم ظلوا على حذر وخوف، لأفهم كانوا يخشون غدر يهود بنى قريظة الواقعة
стр. 726
حصونهم خلف خطوطهم، كما يخشون قيام المنافقين الموجودين بينهم بحملات تثبيط وإرجاف يشيعون بها روح الهزيمة بين ضعاف الإيمان داخل الجيش.
خوف المسلمين من غدر اليهود
وأخشى ما يخشاه قادة جيش المدينة (داخليًا) هو غدر يهود بنى قريظة عندما تتحرج الحالة، لأن ذلك يعني تعريض الكيان الإسلامى بأكمله لأشد الأخطار.
لأن انضمام يهود بنى قريظة الذين توازى قواتهم (فقط) قوات الجيش الإسلامي بأكمله، يجعل المسلمين بين نارين. . اليهود خلف خطوطهم، والأحزاب -بآلافهم العشرة- أمامهم.
ودخول بنى قريظة المعركة ضد المسلمين وضربهم من الخلف يقلل من أهمية الخندق بالنسبة لجيوش الأحزاب، لأن الخندق إنما يكون ذا أهمية بالنسبة للدفاع عن المدينة إذا كان هناك قوة كافية من المسلمين تطوف حوله ليلًا نهارًا لضرب آية قوة تحاول المغامرة باقتحامه عن طريق القفز بالخيل أو عن طريق الردم.
فضرب بنى قريظة المسلمين من الخلف، وهم (أي بنو قريظة) قوة لا يستهان بها يجبر المسلمين أو قسمًا كبيرًا من قواتهم المرابطة في وجه الأحزاب على مشارف الخندق يجبرهم على ترك مراكزهم حول الخندق لمواجهة الهجوم اليهودى الآتي من الخلف.
وهذا دونما شك يسهل لقوات الأحزاب اجتياز الخندق ناحية المسلمين، بأعداد كبيرة، سواء عن طرق القفز بالخيل، أو عن طريق ردم
стр. 727
الخندق في مواضع يستطيع رجال الأحزاب ردمها للعبور دون أن يجدوا مقاومة تذكر من المسلمين لأن رجالهم سيكونون قليلين جدًّا بعد الهجوم اليهودى مما يجعل مراقبة الخندق وحراسته حراسة فعالة من الأمور الصعبة، لا سيما وأن الخندق يبلغ طوله حوالي ألفى متر، قد جندت قيادة المدينة كل جيشها (تقريبا) لمراقبته وحراسة مشارفه.
ولقد حدث ما كان المسلمون يتوقعون حدوثه ويخشونه، سواء من ناحية نقض اليهود العهد وانضمامهم إلى جيوش الأحزاب، أو من ناحية انفضاض المنافقين من حول النبي ﷺ وتسللهم من الجيش ساعة الشدة وقيامهم بعمليات الإرجاف والتثبيط وبث روح الهزيمة بين المحاربين المسلمين.
كيف نقض اليهود العهد
لقد كانت استخبارات الجيش الإسلامى تراقب مناطق بنى قريظة مراقبة شديدة وتتبع حركاتهم وسكناتهم لتأتى بما يجد من أخبارها إلى النبي القائد ﷺ أولًا بأول، وذلك لئلا يؤخذ المسلمون على حين غرة.
فقد كانت القيادة الإسلامية في المدينة عند وصول الأحزاب على غاية من الحرج، وموقفها بلغ من الدقة إلى أبعد الحدود.
كان قادة جيش المدينة على يقين بأن شيطان بنى النضير (حيي بن أخطب) سيتصل بيهود بني قريظة لتحريضهم على نقض العهد وحملهم على الانضمام إلى جيوش الأحزاب.
стр. 728
وقد أجمع أصحاب المغازي والسير على أن زعيم يهود بنى قريظة (كعب بن أسد) ما كان راغبًا (مطلقًا) في نقض العهد الذين بينه وبين المسلمين ولم تكن له آية رغبة في الغدر بهم، خوفًا على اليهود من النتائج المخيفة التي ستترتب على نقض العهد والغدر بالمسلمين في تلك الظروف الخانقة التي بلغت فيها حالة المسلمين من الدقة والحراجة أقصى الدرجات، لأن اليهود لم يكونوا واثقين من تغلب الأحزاب على المسلمين.
شيطان خيبر في صفون بني قريظة
ولكن شيطان خيبر والعدو رقم واحد للإسلام والمسلمين- حيى بن أخطب. . الذي تعهد لقادة قريش وغطفان- عندما حزّبها وشجعها على حرب النبي ﷺ وفد علي بنى قريظة يدعوهم إلى اغتنام فرصة وجود جيوش الأحزاب وحسن لهم الغدر بالمسلمين والمشاركة مع الأحزاب في استئصال شأفتهم، هذا الاستئصال الذي ما كان سيد خيبر اليهودى الحاقد يشك لحظة في نجاح عمليته.
ولقد قاوم سيد بني قريظة كعب بن أسد هذه المحاولة الخطيرة طويلًا، وقبح لحيى بن أخطب فكرة ما يدعو إليه من الغدر بالمسلمين، وذكره بالعواقب الوخيمة التي سيتعرض لها شعب قريظة نتيجة هذا الغدر الذي يلح حيى بن أخطب في القيام به.
ممانعة سيد قريظة في نقض العهد
حتى إن كعبًا هذا عندما علم بقدوم حيى بن أخطب إلى ديار بنى قريظة لمقابلته أمر بإقفال باب الحصن في وجهه ورفض (أول الأمر
стр. 729
مقابلته) وطلب منه مغادرة ديار بنى قريظة والعودة من حيث أتى لأنه يعلم أن مجيئه لم يكن إلا لحمل بنى قريظة على نقض العهد والغدر بالمسلمين، فكعب هذا يعرف مدى العداوة الشديدة التي يحملها حُيى بن أخطب للنبي ﷺ خاصة.
ولكن هذا اليهودى الشرير (حيى بن أخطب) بالرغم من إقفال باب الحصن في وجهه وأمره بمغادرة ديار بنى قريظة ظل (في مكر وخبث) لاصقًا بباب حصن سيد بنى قريظة، طالبًا منه (وبإلحاح) أن يفتح له باب الحصن ليكلمه، حتى خجل من كلامه القارص الذي كان يوجهه إليه، ففتح له.
المناقشة بين الزعيمين اليهودين
ولقد دارت بين سيد بنى النضير وسيد بنى قريظة حول هذا الموضوع الخطير المناقشة التالية:
فعندما وقف حيى بن أَخطب بباب الحصن، نادى كعب بن أسد طالبًا منه أن يفتح له (وقد تمنع) قائلًا:
"ويحك يا كعب. . افتح لي".
فقال له كعب. . "ويحك يا حيى إنك امرؤ مشؤوم وإني قد عاهدت محمدًا فلست بناقض ما بيني وبينه ولم أر منه إلا وفاء وصدقًا".
فقال حيى. . "ويحك افتح لي أكلمك".
فقال: .. "ما أنا بفاعل".
стр. 730
فغاظ ذلك حييًا، فقال لكعب. . لا والله ما أغلقت دونى إلا تخوفًا على جشيشتك (١) أن آكل معك منها" فخجل منه كعب (على أثر هذا الكلام اللاذع) ففتح له.
فقال له حيى. . ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر، جئتك بقريش حتى أنزلتهم بجمع الأسيال وبغطفان حتى أنزلتهم بجانب أُحد. قد عاهدونى وعاقدونى أن لا يبرحوا حتى يستأصلوا محمدًا ومن معه.
فقال له كعب. . جئتنى والله بذل الدهر، وكل ما يخشى، فإني لم أر في محمد إلا صدقًا ووفاء. . جئتنى يا حيى بجهام قد هراق ماؤه فهو يرعد ويبرق ليس فيه شيء. يعني بذلك كعب: أن جيوش الأحزاب على كثرتها وعظمتها ليست إلا كالسحاب العظيم الذي تصك رعودة الآذان ويخطف برقة الأبصار وليس فيه قطرة ماء.
ثم أردف كعب قائلًا. "ويحك يا حيى فدعنى وما أنا عليه فإني لم أر من محمد إلا صدقًا ووفاءً".
ولما ألح حيي بن أخطب في كلامه وأخذ بأسلوبه الخادع الماكر يؤثر في نفوس القوم دعا سيد بنى قريظة كعب بن أسد إلى اجتماع حضره جميع زعماء وقادة بنى قريظة للتشاور في الأمر وبحث ما عرضه عليهم سيد بنى النضير من الانضمام إلى جيوش الأحزاب ونقض العهد الذي بين قريظة والمسلمين.
أحد زعماء اليهود يحذر من نقض العهد
وفي هذا المجلس تكلم أحد عقلائهم من القادة وهو عمرو بن
стр. 731
سعدى، فنصح بنى قريظة وحذرهم مغبة نقض العهد، وذكرهم بوفاء محمد الدائم وصدقه في معاملته لهم، وأنهم ملزمون بالقتال إلى جانبه، فكيف يسوغ لهم (بدلًا من ذلك) أن يشهروا السلاح في وجهه ويعينوا عدموه عليه؟ ثم طلب منهم الثبات على العهد وألا يصغوا لكلام حيى بن أخطب، بل وطلب منهم حمل السلاح إِلى جانب المسلمين كما تفرض ذلك المعاهدة المعقودة بينهم، وطلب عمرو بن سعدى في هذا المجلس من قومه أن يقفوا على الأقل موقف الحياد إذا لم ينصروا النبي ﷺ قائلًا: "إذا لم تنصروا محمدًا فاتركوه وعدوه".
ولكن وساوس وتأثيرات حيى بن أخطب كانت أقوى من كل معارضة حيث ما زال -كما قال بن إسحاق- يستدرج زعماء بنى قريظة ويفتل كعبًا في الذروة والغارب حتى أجابوه إلى ما طلب، فوافقوا على نقض العهد والغدر بالمسلمين والانضمام إلى جيوش الأحزاب.
وذلك بعد أن أخذوا العهد والميثاق على سيد بنى النضير حيى بن أخطب أن يبقى معهم في حصونهم ليصيبه ما أصابهم إذا رجعت قريش وغطفان دون أن تقضى جيوشها على المسلمين، ويعد أن أخذت قريظة العهد على حيي بن أخطب بهذا الخصوص، أعلن زعيمها كعب بن أسد نقضه للعهد وبرئ ما كان بينه وبين النبي ﷺ .
إعلان قريظة الغدر بالمسلمين
ثم استدعى كعب زعماء بنى قريظة، ومنهم: الزبير بن باطا. . وعزال بن ميمون. . وشاس بن قيس وعقبة بن زيد وعمرو بن سعدى، وأحضر الصحيفة التي تتضمن نص العهد المعقود بين النبي ﷺ ويهود
стр. 732
بنى قريظة وطلب منهم الموافقة على تمزيقها إيذانًا بنقض العهد والانضمام إلى الأحزاب.
فوافق الجميع على ذلك، إلا الزعيم القرظى (عمر بن سعدى) فإنه أبي ذلك وأعلن رفضه المشاركة في جريمة الغدر هذه قائلًا: "والله لا أغدر بمحمد أبدًا" وبقى على عهده، وسانده في موقفه النبيل هذا ثلاثة من هؤلاء اليهود وهم ثعلبة وأسيد أبناء سعية، وأسد بن عبيد.
وقد كان موقف عمرو بن سعدى اليهودى هذا سببًا في نجاته عندما حاق بيهود بنى قريظة مكرهم السئ وأعدمهم المسلمون بعد انصراف الأحزاب عن المدينة، أما الثلاثة الآخرون فقد خرجوا إلى النبي ﷺ ، وأعلنوا إسلامهم كما سيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله.
تمزيق صحيفة المعاهدة
أما كعب بن أسد فقد تغلب طيشه على عقله وحلمه فأصر مع زعماء قريظة على الغدر بالمسلمين فأخذوا الصحيفة التي تتضمن نص العقد الذي بينهم وبين المسلمين فمزقوها، وبهذا أصبحوا حربًا على النبي ﷺ وجزءًا من قوة الأحزاب.
ولما كانت ديار بنى قريظة تحت مراقبة رجال الاستخبارات الإسلامية، فقد علم هؤلاء الرجال بالحدث الخطير الذي أحدثته قريظة الخائنة، فسارعوا بنقل الخبر إلى الرسول القائد ﷺ .
فجاءوا إليه وهو في معسكره وراء الخندق، وبلغوه (سرًّا) هذا الخبر الخطير، فشق عليه ذلك كثيرًا، إلا انه كتم الخبر وأمر بأن لا يشاع منه شيء.
стр. 733
وفد النبي إلى بني قريظة
ثم استدعى ﷺ حليف بنى قريظة وسيد الأوس (سعد بن معاذ) وهو شاب لم يبلغ الأربعين من عمره، كما استدعى سيد الخزرج (سعد بن عبادة) وهما قطبا الأنصار وعبد الله بن رواحة وأسيد بن حضير، والجميع من الأنصار، ويعد أن حضروا كلفهم النبي ﷺ بأن يذهبوا إلى بنى قريظة وأمرهم بأن يتصلوا رسميًا بزعماء هؤلاء اليهود، ويسألوهم عما بلغهم من خبر نقضهم العهد.
وقد أمر النبي ﷺ رجال هذا الوفد بأن يكتموا الخبر عن الجيش إذا ما صح أن يهود بنى قريظة قد نقضوا العهد وأعلنوا الحرب، وذلك لكى لا يؤثر هذا الخبر الخطير على معنويات الجند الإسلامى، الذي هو في حالة كرب وشدة لمواجهته الأحزاب على مشارف الخندق ليلًا ونهارًا.
قال ابن إسحاق. . فقال ﷺ . . انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا، فإن كان حقًّا، فالحنوا لي لحنًا أعرفه، دون القوم، ولا تفتوا في عضد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس.
فذهب الوفد النبوى إلى منازل بنى قريظة لمعرفة الحقيقة ومراجعة هؤلاء اليهود ومحاولة إعادتهم إلى الصواب إذا كانوا قد نقضوا العهد.
المشادة بين الوفد النبوي وبنى قريظة
ولما وصل الوفد النبوى استقبلهم زعماء بنى قريظة ودخلوا معهم حصنهم، وهناك بدأوا المحادثات، وقد بدأ الوفد الإسلامي هذه المحادثات
стр. 734
بدعوة بنى قريظة إلى توثيق الحلف الذي بينهم وبين المسلمين أو الوقوف على الحياد على الأقل (بالموادعة).
ولكن اليهود بمجرد سماعهم ذكر النبي ﷺ والحديث عن العهد قالوا. . في قحة وصفاقة: "من هو رسول الله هذا؟ ؟ " ثم أردفوا قائلين للوفد النبوى: "لا عهد بيننا وبين محمد"، وقالوا للوفد (وقدر تملكهم الغرور) ما معناه: " الآن جئتم تطلبون منا الوفاء بالعهد الذي بيننا وبين محمد، وهو الذي كسر جناحنا وأخرج إخواننا بنى النضير اذهبوا لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد".
فغضب عند ذلك سيد الخزرج سعد بن عبادة (وكان في طبعه حدة) وأخذ يشاتم اليهود فشاتموه وأغضبوه كثيرًا.
غير أن سيد الأوس الشاب وحليف هؤلاء اليهود (سعد بن معاذ) تدخل في الأمر، وطلب من سعد بن عبادة أن يسيطر على أعصابه قائلًا: "دع عنك مشاتمتهم، فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة".
سعد بن معاذ ينصح حلفاءه من اليهود
ثم توجه سعد بن معاذ إلى حلفائه (في محاولة أخيرة) ناصحًا إياهم بالرجوع عن غيهم ومحذرهم العواقب المخيفة التي ستترتب على إصرارهم على نقض العهد.
فقد قال سعد بن معاذ ليهود بنى قريظة: "إنكم قد علمتم الذي بيننا وبينكم يا بني قريظة وأنا أخاف عليكم مثل يوم بنى النضير أو أمّر منه".
стр. 735
فكان جواب هؤلاء اليهود لحليفهم الناصح على مستوى الخسة والسفاهة التي هي من طبيعتهم، حيث قالوا لسعد ساخرين من نصحه: "أكلت أير أبيك".
فقال لهم سعد (وكان حليمًا ثبتًا): "غير هذا من القول كان أجمل بكم وأحسن يا بني قريظة"، فتمادى بنو قريظة في غيهم وصاروا ينالون من النبي ﷺ ويقعون فيه، وهنا يئس سعد من معاذ من عودة حلفائه إلى جادة الصواب، فعاد الوفد الإسلامي يحمل إلى النبي ﷺ تأكيد غدر اليهود ونقضهم العهد.
كلمة السر بين النبي والوفد
وعندما وصل الوفد إلى المعسكر وراء الخندق سلموا على النبي ﷺ ، وأبلغوه (بواسطة كلمة السر) حقيقة الموقف وأن يهود بنى قريظة (فعلا) قد غدروا ونكلوا.
وكلمة السر هذه التي تبلغ بها النبي ﷺ هذا الخبر المزعج (دون أن يعلم أحد غيره في المعسكر) هي -عضل والقارة- فبمجرد أن قال رئيس الوفد هذه الكلمة للنبي ﷺ أدرك- حالًا- أن اليهود قد غدروا ونقضوا العهد.
وعضل والقارة هما قبيلتان من هذيل سبق منهما الغدر بأصحاب النبي ﷺ في ذات الرجيع من أرض الحجاز وهم في طريقهم للقيام بتعليم تلك القبائل أصول الدين الإسلامى -كما فصلناه فيما مضى من هذا الكتاب.
стр. 736
الموقف بعد نقض اليهود العهد
لقد كان نشاط الأحزاب العسكري -قبل أن تنقض قريظة العهد الذي بينها وبين المسلمين- فاترًا إلى حد ما فلم يكن هناك من عمل عسكرى يذكر سوى الطواف بالخيل للاستكشاف والإزعاج والإرهاب لأن المشركين قد قطعوا الأمل في عبور الخندق بأعداد كبيرة تمكنهم من الالتحام في معركة فاصلة مع جيش المدينة، لأن هذا الجيش قد أصبح بأكمله يقوم بأعمال الدورية وحراسة مشارف الخندق.
ولكن لما تلقت الأحزاب (رسميا) انضمام يهود بنى قريظة إليهم ازداد نشاطهم العسكري وصاروا يضاعفون من جولاتهم وتحفزاتهم الجدية حول الخندق حيث عاد إليهم الأمل في اقتحام مواقع المسلمين وراء الخندق بأعداد كبيرة بسهولة.
ذلك أن انضمام قريظة إليهم سيجبر أكثرية الجيش الإسلامي على ترك مواقعة التي يرابط فيها لحراسة مشارف الخندق، وإذا ما قامت القوات اليهودية -التي ليس بينها وبين المسلمين أي حاجز من خندق أو غيره- بالهجوم على معسكر المسلمين من الخلف كما هو المتفق عليه بين قادة قريش وغطفان وبين اليهود، فسيؤدى ذلك إلى إشغال عدد كبير من قوات المسلمين.
تدهور الحالة عند المسلمين
لقد كان موقف القوات الإسلامية منذ وصول جيش الأحزاب -وقبل نقض اليهود العهد- موقفًا حرجًا (دونما شك).
стр. 737
لأنه مهما يقال من مناعة خط الدفاع الأول (الخندق) ومهما يمتاز به المسلمون من شجاعة وثبات وإقدام فإن وجود تسعمائة مقاتل من هوْلاء المسلمين أمام عشرة آلاف مقاتل كلهم غيظ وحقد على المسلمين، يتحفزون لابتلاعهم، كما يتحفز البحر الهادر المحيط بالجزيرة الصغيرة جدًّا لابتلاعها -هو أمر من الخطورة بحيث يجعل مركز قوة المسلمين الصغيرة من الحراجة بمكان يقض مضاجع القيادة المسئولة عن هذه القوة ويجعلها في مركز حرج للغاية.
غير أن انضمام يهود بنى قريظة إلى معسكر الأحزاب قد عقد الوضع داخل المعسكر الإسلامى وجعل الحالة فيه تسير من سيء إلى أسوأ.
بلغت الحالة أعلى درجات الحراجة والتأزم، فأصبح مصير الكيان الإسلامى كله في مهب العاصفة.
بلوغ القلوب الحناجر
ولقد تحدث القرآن الكريم عن حالة الحرج والتدهور هذه ووصف ما وصل إليه المسلمون من جزع وخوف وفزع في تلك المحنة الرهيبة أصدق وصف، حيث قال الله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ (١).
стр. 738
فقد عظم البلاء على المسلمين وتضاعف الابتلاء، واشتد الخوف وانتاب الفزع كل القلوب (تقريبًا)، وبلغ الجزع بأفراد الجيش الصغير (كما حدثنا القرآن) إلى درجة الزلزال، بعد أن أصبح هذا الجيش الإسلامي الصغير -بعد غدر اليهود- بين نارين. . الأحزاب من الإمام. . واليهود من الخلف.
وكأن الله تعالى أراد بهذ البلاء العظيم أن يمتحن هذه الأمة الناشئة التي ستنشئ على كاهلها أعظم دولة عرفها التاريخ، ويوكل إليها مهمة نشر أشرف عقيدة عرفتها الدنيا.
فقد ظهر بهذا الامتحان العظيم الطيب من الخبيث والصادق من الكاذب.
أما المؤمنون فقد ثبتوا على إيمانهم ولم يزدهم توتر الحالة وتدهور الموقف إلا تمسكًا بدينهم والتفافًا حول نبيهم.
ظهور النفاق داخل جيش المدينة
أما الذين في قلوبهم مرض والذين يتسترون وراء التظاهر بالإسلام فقد كشفتهم هذه التطورات الخطيرة وظهروا- أمام هذه الامتحان العظيم على حقيقتهم كذابين مخادعين يظهرون ما لا يبطنون.
فقد كانت فئات من هذا النوع الخبيث (كالطابور الخامس (١) داخل
стр. 739
الجيش الإسلامي، يتظاهرون بالإسلام وهم -في حقيقتهم- يعملون ضد الإسلام ويتمنون زوال المسلمين، وهؤلاء هم المنافقون.
وكان ظهور هذا النوع الخبيث على حقيقته، بل وتظاهره (داخل الجيش الإسلامى) بميله نحو الأحزاب وإطلاقه الإشاعات والأراجيف ضد مقدرة المسلمين على الصمود في وجه العدو، كل ذلك ضاعف من بلاء المسلمين وجعل محنة جيش المدينة الصغيرة تستحكم حلقاتها.
ظهرت من داخل الجيش الإسلامى جماعة تناؤه وتتمرد على قيادته في تلك الساعات الحاسمة من تاريخه، وهذا من أخطر الأخطار التي تواجهها الجيوش المحاربة وتهددها بالدمار -حتى وإن كانت ضخمة كبيرة- فكيف بجيش صغير تبلغ نسبة جنوده حيال أعدائه المحيطين به واحدًا لأحد عشر.
لقد ظنت فئة المنافقين الموجودين داخل الجيش الإسلامي -وخاصة بعد غدر قريظة وانضمامها إلى الأحزاب- ظنت هذه الفئة أن الكيان الإسلامى أصبح قاب قوسين أو أدنى من الانهيار.
ولذلك تجرأت تلك الفئة المنافقة، وصارت -داخل المعسكر الإسلامي- تتفوه بكلمات خطيرة من شأنها إشاعة الفزع وتحطيم الروح المعنوية بين صفوف الجيش التي استحكمت عليه حلقات المحنة.
مقالة المنافقين
وقف واحد من هؤلاء المنافقين داخل المعسكر الإسلامى وقال -في سخرية واستهزاء: - "كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى
стр. 740
وقيصر وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط، وما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا".
ويقول ابن إسحاق: إن الذي قال هذا القول المنكر، هو معتب بن قشير أخو بنى عمرو بن عوف، غير أن الذي لا غبار عليه هو أن معتب بن قشير هذا كان من البدريين، وقد ذكر اسمه في عدادهم ابن إسحاق نفسه، ولهذا عقب ابن هشام الرواى للسيرة على قول ابن إسحاق بقوله. . وأخبرنى من أثق به من أهل العلم أن معتب بن قشير لم يكن من المنافقين، واحتج بأنه كان من أهل بدر.
وعلى العموم فقد تفوه المنافقون بهذا القول المنكر، وقد أشار القرآن إلى الذين تفوهوا به فقال تعالى:
﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ (١).
وهكذا كان وجود فئات المنافقين داخل الجيش الإسلامي ابتلاءًا ثالثًا ابتلى به المسلمون.
القوة الثالثة ضد المسلمين
فقد كان هؤلاء المنافقون -بالإضافة إلى قوة الأحزاب ويهود بنى قريظة- قوة ثالثة ضد المعسكر الإسلامي، صارت عن قصد وإصرار -وخاصة بعد نقض اليهود العهد- تقوم بأعمال تخريبية داخل صفوف