الموقف بعد نقض اليهود العهد
لقد كان نشاط الأحزاب العسكري -قبل أن تنقض قريظة العهد الذي بينها وبين المسلمين- فاترًا إلى حد ما فلم يكن هناك من عمل عسكرى يذكر سوى الطواف بالخيل للاستكشاف والإزعاج والإرهاب لأن المشركين قد قطعوا الأمل في عبور الخندق بأعداد كبيرة تمكنهم من الالتحام في معركة فاصلة مع جيش المدينة، لأن هذا الجيش قد أصبح بأكمله يقوم بأعمال الدورية وحراسة مشارف الخندق.
ولكن لما تلقت الأحزاب (رسميا) انضمام يهود بنى قريظة إليهم ازداد نشاطهم العسكري وصاروا يضاعفون من جولاتهم وتحفزاتهم الجدية حول الخندق حيث عاد إليهم الأمل في اقتحام مواقع المسلمين وراء الخندق بأعداد كبيرة بسهولة.
ذلك أن انضمام قريظة إليهم سيجبر أكثرية الجيش الإسلامي على ترك مواقعة التي يرابط فيها لحراسة مشارف الخندق، وإذا ما قامت القوات اليهودية -التي ليس بينها وبين المسلمين أي حاجز من خندق أو غيره- بالهجوم على معسكر المسلمين من الخلف كما هو المتفق عليه بين قادة قريش وغطفان وبين اليهود، فسيؤدى ذلك إلى إشغال عدد كبير من قوات المسلمين.
تدهور الحالة عند المسلمين
لقد كان موقف القوات الإسلامية منذ وصول جيش الأحزاب -وقبل نقض اليهود العهد- موقفًا حرجًا (دونما شك).
стр. 737
لأنه مهما يقال من مناعة خط الدفاع الأول (الخندق) ومهما يمتاز به المسلمون من شجاعة وثبات وإقدام فإن وجود تسعمائة مقاتل من هوْلاء المسلمين أمام عشرة آلاف مقاتل كلهم غيظ وحقد على المسلمين، يتحفزون لابتلاعهم، كما يتحفز البحر الهادر المحيط بالجزيرة الصغيرة جدًّا لابتلاعها -هو أمر من الخطورة بحيث يجعل مركز قوة المسلمين الصغيرة من الحراجة بمكان يقض مضاجع القيادة المسئولة عن هذه القوة ويجعلها في مركز حرج للغاية.
غير أن انضمام يهود بنى قريظة إلى معسكر الأحزاب قد عقد الوضع داخل المعسكر الإسلامى وجعل الحالة فيه تسير من سيء إلى أسوأ.
بلغت الحالة أعلى درجات الحراجة والتأزم، فأصبح مصير الكيان الإسلامى كله في مهب العاصفة.
بلوغ القلوب الحناجر
ولقد تحدث القرآن الكريم عن حالة الحرج والتدهور هذه ووصف ما وصل إليه المسلمون من جزع وخوف وفزع في تلك المحنة الرهيبة أصدق وصف، حيث قال الله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ (١).
стр. 738
فقد عظم البلاء على المسلمين وتضاعف الابتلاء، واشتد الخوف وانتاب الفزع كل القلوب (تقريبًا)، وبلغ الجزع بأفراد الجيش الصغير (كما حدثنا القرآن) إلى درجة الزلزال، بعد أن أصبح هذا الجيش الإسلامي الصغير -بعد غدر اليهود- بين نارين. . الأحزاب من الإمام. . واليهود من الخلف.
وكأن الله تعالى أراد بهذ البلاء العظيم أن يمتحن هذه الأمة الناشئة التي ستنشئ على كاهلها أعظم دولة عرفها التاريخ، ويوكل إليها مهمة نشر أشرف عقيدة عرفتها الدنيا.
فقد ظهر بهذا الامتحان العظيم الطيب من الخبيث والصادق من الكاذب.
أما المؤمنون فقد ثبتوا على إيمانهم ولم يزدهم توتر الحالة وتدهور الموقف إلا تمسكًا بدينهم والتفافًا حول نبيهم.
ظهور النفاق داخل جيش المدينة
أما الذين في قلوبهم مرض والذين يتسترون وراء التظاهر بالإسلام فقد كشفتهم هذه التطورات الخطيرة وظهروا- أمام هذه الامتحان العظيم على حقيقتهم كذابين مخادعين يظهرون ما لا يبطنون.
فقد كانت فئات من هذا النوع الخبيث (كالطابور الخامس (١) داخل
стр. 739
الجيش الإسلامي، يتظاهرون بالإسلام وهم -في حقيقتهم- يعملون ضد الإسلام ويتمنون زوال المسلمين، وهؤلاء هم المنافقون.
وكان ظهور هذا النوع الخبيث على حقيقته، بل وتظاهره (داخل الجيش الإسلامى) بميله نحو الأحزاب وإطلاقه الإشاعات والأراجيف ضد مقدرة المسلمين على الصمود في وجه العدو، كل ذلك ضاعف من بلاء المسلمين وجعل محنة جيش المدينة الصغيرة تستحكم حلقاتها.
ظهرت من داخل الجيش الإسلامى جماعة تناؤه وتتمرد على قيادته في تلك الساعات الحاسمة من تاريخه، وهذا من أخطر الأخطار التي تواجهها الجيوش المحاربة وتهددها بالدمار -حتى وإن كانت ضخمة كبيرة- فكيف بجيش صغير تبلغ نسبة جنوده حيال أعدائه المحيطين به واحدًا لأحد عشر.
لقد ظنت فئة المنافقين الموجودين داخل الجيش الإسلامي -وخاصة بعد غدر قريظة وانضمامها إلى الأحزاب- ظنت هذه الفئة أن الكيان الإسلامى أصبح قاب قوسين أو أدنى من الانهيار.
ولذلك تجرأت تلك الفئة المنافقة، وصارت -داخل المعسكر الإسلامي- تتفوه بكلمات خطيرة من شأنها إشاعة الفزع وتحطيم الروح المعنوية بين صفوف الجيش التي استحكمت عليه حلقات المحنة.
مقالة المنافقين
وقف واحد من هؤلاء المنافقين داخل المعسكر الإسلامى وقال -في سخرية واستهزاء: - "كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى
стр. 740
وقيصر وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط، وما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا".
ويقول ابن إسحاق: إن الذي قال هذا القول المنكر، هو معتب بن قشير أخو بنى عمرو بن عوف، غير أن الذي لا غبار عليه هو أن معتب بن قشير هذا كان من البدريين، وقد ذكر اسمه في عدادهم ابن إسحاق نفسه، ولهذا عقب ابن هشام الرواى للسيرة على قول ابن إسحاق بقوله. . وأخبرنى من أثق به من أهل العلم أن معتب بن قشير لم يكن من المنافقين، واحتج بأنه كان من أهل بدر.
وعلى العموم فقد تفوه المنافقون بهذا القول المنكر، وقد أشار القرآن إلى الذين تفوهوا به فقال تعالى:
﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ (١).
وهكذا كان وجود فئات المنافقين داخل الجيش الإسلامي ابتلاءًا ثالثًا ابتلى به المسلمون.
القوة الثالثة ضد المسلمين
فقد كان هؤلاء المنافقون -بالإضافة إلى قوة الأحزاب ويهود بنى قريظة- قوة ثالثة ضد المعسكر الإسلامي، صارت عن قصد وإصرار -وخاصة بعد نقض اليهود العهد- تقوم بأعمال تخريبية داخل صفوف
стр. 741
المسلمين معا زاد الطين بلة (كما يقولون) وضاعف من متاعب القيادة العليا في الجيش الإسلامي.
فقد صار هؤلاء المنافقون (وخاصة بعد غدر اليهود واشتداد الحالة على المسلمين) صاروا وبصورة شبه علنية يبثون روح الفزع والتخاذل واليأس داخل صفوف جيش المدينة.
انسحاب المنافقين من الجيش
ولم تكتف فئات المنافقين بالإرجاف والسخرية من الإسلام وبث روح الانهزام بين صفوف جيش المدينة، بل لقد ذهبوا إلي أبعد من ذلك حيث أخذوا في الانسحاب والتحريض على الانسحاب من الجيش في ذلك الظرف الدقيق الذي يمر به الكيان الإسلامي كله هادفين من وراء ذلك إلى مساندة الأحزاب وتسهيل مهمتهم بطريق غير مباشر، وتحت ستار حماية منازلهم من غارات يهود بنى قريظة.
ففي تلك الحالة التي بلغ فيها موقف المسلمين الذروة من الحرج، تقدم أحد هؤلاء المنافقين الموجودين في الجيش الإسلامي، فطلب -باسم ملأ من قومه- أن يسمح لهم الرسول القائد ﷺ بالانسحاب من المعسكر المواجه للأحزاب على مشارف الخندق بحجة أنهم بحاجة إلى حماية بيوتهم المكشوفة الواقعة في أطراف المدينة.
وما كان قصد هولاء المنافقين حماية بيوتهم، وإنما قصدهم الفرار ثم بث الفزع وروح الهزيمة والتذمر داخل الجيش الصغير الذي أحاط به عدوه من كل مكان.
стр. 742
قال أوس بن قيظى -أحد بنى حارثة بن الحارث- يا رسول الله، إن بيوتنا عورة من العدو (وذلك على ملأ من رجال قومه) فأذن لنا أن نخرج فنرجع إلى ديارنا، فإنها خارج المدينة.
وقد فضح القرآن الكريم هؤلاء المنافقين، حيث صرح بأن طلبهم الانسحاب من الجيش في ذلك الظرف الدقيق، لم يكن لحماية بيوتهم، وإنما كان القصد منه الفرار وتفتيت وحدة الجيش، وبث مزيد من الخوف والفزع في نفوس الجند، فبيوتهم لم تكن عورة (كما زعموا) وإنما هم كاذبون منافقون لا سيما وأن دوريات المسلمين داخل المدينة قد كلفت بحماية ديار هؤلاء، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إلا فِرَارًا﴾ (١).
وهكذا ازدادت حالة المسلمين دقة وازداد موقفهم تحرجًا، بعد اكتشاف فئات المنافقين الذين ظهروا على حقيقتهم داخل صفوف الجيش، وصاروا يسخرون من المسلمين ويبثون روح الهزيمة واليأس داخل صفوفهم.
وبالرغم من أن الخندق قد جمد نشاط جيوش الأحزاب، وجعلها عاجزة عن القيام بأي هجوم جدى واسع، فإن النبي كان (وخاصة بعد نقض اليهود العهد وانضمامهم إلى الأحزاب ونجوم النفاق داخل الجيش الإسلامي) يشعر بحراجة مركز جيشه ويخشى عليه -مع قلة رجاله بين
стр. 743
فكى الكماشة الرهيبة التي تمثلها جيوش الأحزاب وبنى قريظة، هذه الكماشة التي بدأت -وخاصة بعد غدر يهود بنى قريظة- تضغط بعنف على عنق جيش المدينة نفسه الذي برزت -داخل صفوفه- فئات المنافقين، تثبط وتُخَذِّلْ وتنشر روح الهزيمة والعصيان داخل هذا الجيش الصغير الذي بلغت نسبته إلى أعدائه واحدًا لأحد عشر.
محاولة النبي عقد صلح منفرد مع غطفان
ففي هذه الظروف الخانقة التي بلغت فيها الخطورة والاختناق بالجيش الإسلامي الذروة، وكان لا بد للقائد الأعلى النبي ﷺ من أن يفكر في وسيلة تخفف (على الأقل) من الضغط الخانق الذي يتعرض له جيشه الصغير، والذي ينتظر أن يتعرض لمزيد من الأخطار المزلزلة إذا ما وفت قريظة الخائنة بوعدها للأحزاب وشنت قواتها الهجوم من الخلف على الجيش الإسلامي، الذي كان قد جند كل إمكانياته المحدودة للمرابطة وراء الخندق ومنع الأحزاب من اجتياز هذا الخندق.
ولهذا -وقبل أن تقوم قريظة بأي هجوم فعلى على المسلمين- فكر النبي ﷺ كقائد عسكرى وسياسى- فكر في القيام بعمل يحدث به الفرقة والاختلاف بين قادة الأحزاب، ليخفف من شدة وطأة الحصار العنيف المضروب على المدينة، وليفت في عضد اليهود ليؤخروا (على الأقل) عملية القيام بضرب المسلمين من الخلف، هذه العملية المخيفة التي كان الجيش الإسلامى يتوقعها بين لحظة وأخرى.
стр. 744
اتصال النبي بقيادة غطفان
فقد اتصل الرسول القائد ﷺ بقائدى غطفان (سرًّا)، وهما (عيينة بن حصن الفزاري) و (الحارث بن عوف المرى). فقد أرسل إليهما (في جنح الظلام) أحد رجال استخباراته الأمناء الأذكياء ليبلغهما رغبته في الاجتماع بهما (سرًّا) في مقر قيادته وراء الخندق.
وكان النبي ﷺ كقائد أعلى مسئول وكسياسى محنك مجرب- أعلم الناس بنفسيات الرجال، وكان على علم تام بأهداف وغايات كل من القادة والزعماء الذين يقودون هذا الغزو الخطير الساحق.
فهو يعلم (مثلًا) أن غطفان وقادتها ليس لهم من وراء الاشتراك في هذا الغزو أي هدف سياسى يريديون تحقيقه أو باعث عقائدى يقاتلون تحت رايته، وإنما كان هدفهم الأول والأخير من الإشتراك في هذا الغزو الكبير هو الحصول على المال بالاستيلاء على ما يمكنهم الاستيلاء عليه من خيرات المدينة عند احتلالها.
ولهذا فإن الرسول القائد السياسي المحنك، لم يحاول الاتصال بقادة الأحزاب من اليهود (كحييى بن أخطب وكنانة بن الربيع) أو قادة قريش كأبى سفيان بن حرب، لأن هدف أولئك الرئيسى، لم يكن المال وإنما كان هدفهم، هدفًا سياسيًا وعقائديًا يتوقف تحقيقه والوصول إليه على هدم الكيان الإسلامى من الأساس، لذا فقد كان اتصاله (فقط) - بقادة غطفان، الذين (فعلًا) لم يترددوا في قبول العرض الذي عرضه عليهم النبي ﷺ .
فقد ليستجاب القائدان الغطفانيان (عيينة بن حصن والحارث بن عوف) لطلب النبي القائد ﷺ وحضرا (مع بعض أعوانهما) إلى مقر
стр. 745
قيادة النبي ﷺ ، اجتمعا به وراء الخندق مستخفين دون أن يعلم بهما أحد.
بنود الصلح المقترح
ولدى وصولهما، شرع النبي ﷺ في مفاوضتهما، كانت هذه المفاوضة تدور -بصفة رئيسية- حول عرض تقدم به النبي ﷺ يدعو فيه إلى عقد صلح منفرد بينه وبين غطفان، وأهم البنود التي جاءت في هذه الاتفاقية المقترحة هي:
١ - عقد صلح منفرد بين المسلمين وغطفان الموجودين ضمن جيوش الأحزاب.
٢ - توادع غطفان المسلمين وتتوقف عن القيام بأي عمل حربي ضدهم (وخاصة في هذه الفترة).
٣ - تفك غطفان الحصار عن المدينة وتنسحب بجيوشها عائدة إلى بلادها.
٤ - يدفع المسلمون لغطفان (مقابل ذلك) ثلث ثمار المدينة كلها من مختلف الأنواع، ويظهر أن ذلك لسنة واحدة.
وقد وافق قائد غطفان (عيينة بن حصن والحاثر بن عوف) على هذا العرض موافقة تامة إلا أنهما طلبا نصف ثمار المدينة بدل الثلث، ولكن النبي (في هذه المفاوضة الأولية) أصر على الثلث.
فقبلت غطفان ذلك ورضوا بثلث ثمار المدينة، وتم (مبدئيًا) الاتفاق على عقد الصلح، وفعلا، حررت المعاهدة وسجلت بنودها، وكان كاتبها
стр. 746
عثمان بن عفان ﵁، ولم يبق لإنفاذها إلا توقيع الطرفين عليها وإشهاد الشهود.
استشارة الأنصار
ويظهر أن النبي ﷺ قد اشترط موافقة سادة الأوس والخزرج من الأنصار على هذه الاتفاقية لتكون نافذة المفعول، لأن ثمار المدينة هي ملك للأنصار وحدهم، ولا يمكن التعهد بإعطاء أحد شيئًا من هذه الثمار دون موافقة مالكيها وخاصة إذا كان الأمر اجتهادًا سياسيًا من النبي ﷺ لا وحيًا من السماء.
ولهذا -وقبل التوقيع على هذه الاتفاقية- استدعى النبي ﷺ ، سعد بن معاذ (سيد الأوس) وسعد بن عبادة (سيد الخزرج) وشرح لهما -بحضور عيينة بن حصن والحارث بن عوف- ما دار بينه وبين هذين القائدين وما توصل إليه من اتفاق معهما تنسحب بموجبها وتفك الحصار عن المدينة جميع قبائل غطفان (التي يتكون منها العمود الفقرى لهذا الغزو الكبير) مقابل إعطائها ثلث ثمار المدينة.
ثم استشار النبي ﷺ السعدين في الأمر -وخاصة البند المتعلق بإعطاء ثلث ثمار المدينة لغطفان- وطلب منهما إبداء رأيهما الأخير في هذه الاتفاقية.
سادة الأنصار يرفضون الصلح
وبعد أن استمعا إلى النبي ﷺ وأطلعا علي بنود الاتفاقية - لم يعجبهما ولم يرق لهما البند المتعلق بإعطاء غطفان ثلث ثمار المدينة، فلم يلق قبولًا من نفسيهما بل استعظماه.
стр. 747
إلا أنهما كمؤمنين صادقين لا يبيحان لأنفسهما الخروج على أمر النبي -حتى ولو كان فيه هلاكهما- أبلغا النبي القائد ﷺ أنهما -باسم الأنصار جميعًا- على أتم استعداد للموافقة على هذه الاتفاقية بكاملها إذا كان ذلك عن أمر الله ووحى منه.
أما إذا كان الأمر، لا يعدو أن يكون رأيًا فيه مجال لأخذ والرد فإن لهما رأيا غير الرأي الذي رآه النبي ﷺ وهو أنهما يرفضان (بصراحة) إعطاء قبائل غطفان تمرة واحدة من ثمار المدينة على هذه الصورة.
فقد قال السعدان. . يا رسول الله. . أمرًا تحبه فتصنعه أم شيئًا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به، أم شيئًا تصنعه لنا، فإن كان أمرًا من السماء فامض له، وإن كان أمرًا لم تؤمر به ولك فيه هوى فسمع وطاعة، وإن كان إنما هو الرأي، فما لهم عندنا إلا السيف.
فقال رسول الله ﷺ . . لو أمرنى الله ما شاورتكما، والله ما أصنع ذلك إلا لأنى رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحد وكالبوكم من كل جانب فأردت أن أكسر شوكتهم إلى أمر ما.
والله لا نعطيهم إلا السيف
فقال له سعد بن معاذ (سيد الأوس) .. وكان شابًّا لم يكمل الأربعين من عمره: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم -يعني
стр. 748
غطفان لا يطمعون أن يأكلوا منا تمرة، إلا قِرى (١) أو بيعًا، وإن كانوا ليأكلوا العِلْهِز (٢) في الجاهلية من الجهد.
ثم قال سعد بن معاذ -معترضًا على الاتفاقية الآنفة الذكر-. . أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه، ونقطعهم أموالنا، ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم (٣).
ولما رأى رسول الله ﷺ معارضة سيدى الأنصار لهذه الاتفاقية التي كتبت ولم يبق إلا التوقيع عليها وشهادة الشهود (٤) عدل النبي ﷺ عن رأيه ومال إلى رأى السعدين قائلًا لسعد بن معاذ الذي تولى المناقشة. . فأنت وذاك.
وهنا أخذ سيد الأوس -سعد بن معاذ- الصحيفة التي قد تم فيه تسجيل اتفاقية الصلح ومزقها، ثم وجه حديثه إلى سيدى غطفان عيينة
стр. 749
ابن حصن والحارث بن عوف قائلًا -وقد رفع صوته في تحد- إرجعا ليس بيننا وبينكم غير السيف، فانصرفا إلى مقر قيادتهما في قيادة الأحزاب.
وهكذا ازداد البلاءُ على المسلمين، فقد ضاعف رفض سادة الأنصار فكرة عقد الصلح المنفرد مع غطفان مقابل إعطائهم ثلث ثمار المدينة. . ضاعف هذا الرفض من متاعب المسلمين العسكرية، وبدد الأمل في تخفيف الضغط عليهم، هذا التخفيف الذي كان هو المقصود بالدعوة إلى مصالحة غطفان.
إلا أن هذا الرفض من ناحية أخرى، أثبت للقادة المسئولين في الجانبين -الأحزاب والمسلمين- أن هناك داخل الجيش الإسلامى الصغير، رجالًا يعدون بالآلاف، لا تزيدهم المحن إلا قوة، ولا البلايا إلا إيمانًا وثباتًا وتمسكًا بينهم والتفافًا حوله.
فارتفعت (لهذا الموقف المتصلب) نسبة الروح المعنوية بين المؤمنين الصادقين، وخرج قادة غطفان من معسكر الجيش الصغير، وصور أولئك الأسود الضوارى الذين جاءوا ليقولوا لقادة أقوى قوة ضاربة تبلغ نسبة رجالها إلى رجالهم (أحد عشر لواحد) وقفوا ليقولوا لقادة هذه القوة (التي تكاد تغرقهم بكتائبها الهائجة من كل مكان وقفوا ليقولوا لها (في تحد واستخفاف). . والله لا نعطيكم ثمرة واحدة من ثمار المدينة إلا ضيافة، فافعلوا ما يحلو لكم.
موقف رائع
نعم عاد قادة غطفان من معسكر المسلمين، وقد أدركوا حقيقة كانوا يجهلونها كل الجهل، وهي أن الذي يصنع الانتصارات الحقيقية ويبعث
стр. 750
الأمن والطمأنينة في النفوس -ساعة الروع- ليس كثرة الجيوش وقوتها، وإنما الذي يصنع كل ذلك هو قوة العقيدة وزَخَم الإيمان بالله تعالى، عاد قادة غطفان من معسكر الجيش الصغير وهذه الكلمات تدوى في آذانهم دوى الرعود:
"يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون في أن يأكلوا منا تمرة إلا قرى أو بيعًا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نقطعهم أموالنا؟ ؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم".
كلمة قالها سعد بن معاذ -سيد الأوس- أمام قادة غطفان، في ذلك الظرف الحرج الدقيق الذي بلغت فيه قلوب المسلمين الحناجر من شدة الكرب وتلاحق المحن وتقاطر البلايا، . . كلمة ما كان ليقولها (لولا الإيمان الصادق) أمام قادة تلك القوة الضاربة، إلا الذي يملك قياد عشرين ألف مقاتل على الأقل.
ولكن محور العجب (هنا) هو أن الذي قال هذه الكلمة التي تتفجر منها ينابيع الرجولة والشجاعة والأنفة والإيمان والثقة المتناهية بالنفس ليس وراءه أكثر من ثمانمائة مقاتل تقابلها في الجانب المعادى الآخر أحد عشر ألف مقاتل ومن ورائها احتياطى لا يقل عن ثلاثة آلاف مقاتل في خيبر والمدينة.
ولعل هذه الكلمة التي قالها سعد بن معاذ للرسول القائد صلوات الله وتسليمه عليه بحضور قادة غطفان، كانت من أكبر الأسباب التي جعلت قادة هذه القبائل يعيدون النظر في مخططهم العدوانى، فيتقلّون بشأن
стр. 751
المجازفة في مقاتلة المسلمين، فمن الجدير بالذكر أنه (بعد عودة عيينة بن حصن والحارث بن عوف المرى من معسكر المسلمين وسماعهم الذي سمعوا من سعد بن معاذ) لم يكن لغطفان أي دور حربى ضد المسلمين، حيث ظلت قوات هذه القبائل مرابطة في معسكراتها حتى أذن القائد العام أبو سفيان بالرحيل وفكت الأحزاب الحصار عن المدنية.
توتر الحالة ومضاعفة التيقظ
ومما لا جدال فيه أن التوتر بعد نقض قريظة العهد ورفض الأنصار فكرة عقد الصلح المنفرد مع غطفان -كما اقترح النبي ﷺ قد بلغ الذروة.
وحسبانا للطوارئ التي ينتظر المسلمون حدوثها نتيجة هذه التطورات الخطيرة، ضاعف المسلمون من يقظتهم واستعدادهم وصاروا يرهقون أنفسهم بالعمل المتواصل للدفاع عن كيانهم.
فقد وضعت قيادة المدينة المواقع الضيقة من الخندق، المحتمل اقتحامها من جهة خيل الأحزاب- تحت المراقبة الشديدة المتواصلة، خوفًا من أن تدفع نشوة الفرح بانضمام اليهود إلى جانب الأحزاب، بعض شجعانهم إلى اقتحام الخندق بالخيل.
حتى إن الرسول القائد ﷺ قد رابط بنفسه حول أخطر نقطة يتوقع المسلمون اقتحامها من قبل خيل الأحزاب. كما ضاعفت القيادة النبوية من نشاط دوريات الحراسة المتجولة على طول الخندق. كما كلفوا قوة أخرى من احتياطيهم بالمرابطة خلف خطوطهم الخلفية لمراقبة اليهود والصمود في وجههم إذا ما حاولوا الهجوم.
стр. 752
ولقد تضاعف الخوف واشتد الفزع وركضت القلوب بين الجُنُوب (رعبًا وهلعًا) حتى بلغت الحناجر، وأخذ المنافقون -في تلك الليالى المخيفة التي تحالفت فيها (على المسلمين) البلايا وتقاطرت فيها ضدهم الخطوب والرزايا- أخذ هؤلاء المنافقون يتسللون (هربًا) من مواقعهم داخل صفوف الجيش الإسلامي، تاركين هذا الجيش الصغير لمصيره في مهب العاصفة التي تنوشه رياحها الهُوج بعنف وقسوة تنخلع لها القلوب.
ثبات العصبة المؤمنة
وظلت الصفوة المختارة من صحابة محمد ﷺ الأبرار بجانب الرسول القائد العظيم، صامدة ثابتة، في تلك الليالى الحاسمات المثقلات بالمحن والكروب، في انتظار ما ستتمخض عنه هذه الليالى من أحداث خطيرة مقلقة، لا يعلم مداها إلا الله، وخاصة ما يتوقعه المسلمون من هجوم تقوم به قريظة الغادرة على الجيش الإسلامي من الخلف، كما هي الخطة المتفق عليها بين اليهود والأحزاب.
نقطة التحول في المعركة عسكريًا
وبعد نقض قريظة العهد وانضمامها إلى الأحزاب، دخلت (فعلًا) الحرب في مراحل أكثر جدية من ذي قبل. فقد كانت مفاجأة قيادة المدينة لقيادة الأحزاب بحفر الخندق (كخط أول للدفاع عن المدينة) صدمة عنيفة جعلت قادة الأحزاب يفقدون الأمل في سحق المسلمين عن طريق الالتحام بهم في معركة فاصلة كما هي الخطة المرسومة للمعركة والمتفق عليها من الأساس.
стр. 753
ولكن الأمل في سحق المسلمين عن طريق الالتحام بهم في معركة فاصلة أخذ يعود إلى نفوس قادة الأحزاب، بعد أن تبلغوا من يهود بنى قريظة (رسميًا) انحيازهم إليهم واستعدادهم لضرب المسلمين من الخلف.
فأخذوا لذلك يضاعفون من تحفزاتهم ومحاولاتهم لاقتحام الخندق وعبوره نحو المسلمين، وضاعفوا من دورياتهم الاستفزازية على طول الخندق لإرهاب المسلمين وتحطيم معنوياتهم تمهيدًا للخطة الحاسمة التي يشنون فيها الهجوم العام المرتقب عليهم بالإشتراك مع يهود بنى قريظة.
ولذلك فقد اتفق قادة قريش (أبو سفيان بن حرب، وخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وضرار بن الخطاب الفهرى وعكرمة بن أبي جهل وهيبرة بن أبي هبيرة، ونوفل بن عبد الله) اتفقوا على أن يقودوا عملية مناوشة المسلمين وإزعاجهم بأنفسهم.
فقد اتفق هؤلاء القادة على أن يكون لكل واحد منهم يوم، يقود فيه عمليات الاستفزاز والمناوشات على طول مشارف الخندق، فصار رجال كل قائد من هؤلاء القادة يقوم بهذه العمليات لمدة يوم وليلة دونما انقطاع. (١)
стр. 754
إلا أن هذه المناوشات الجديدة المنظمة -بسبب وجود الخندق- لم تتعد الجولان بالخيل والرمى بالنبل والقذف بالحجارة، مما لم يكن له أي أثر حاسم يذكر في سير المعركة.
اللغز العسكري في المعركة
واللغز العسكري في سير عمليات الأحزاب الحربية هو أن أحدًا من المؤرخين لم يذكر أنه قد كان لقبائل غطفان النجدية- التي يشكل رجالها العمود الفقرى لهذا الغزو -أي عمل حربى بارز ضد المسلمين في هذه الغزوة المقصود بها استئصال شأفة المسلمين وهدم الإسلام.
فقد كان من المفروض أن يشارك قادة غطفان قادة قريش في عمليات الاستفزاز والمناوشة التي قادها أولئك القادة القرشيون بأنفسهم ضد المسلمين على مشارف الخندق، ولكن شيئًا من هذا لم يحدث طيلة أيام الحصار.
وهذا يعني بالتأكيد أن قبائل غطفان (طيلة أيام الحصار) لم تطلق سهمًا واحدًا ضد جيش المدينة ولم يقم أحد من رجالها بأي عمل حربى ضد المسلمين، فكل الذين جاء ذكرهم في كتب التاريخ أنهم قاتلوا وقاموا بمختلف العمليات الحربية ضد المسلمين طيلة أيام حصار المدينة إنما هم من قريش فقط.
ترى. ما هو السبب في هذا وما سر هذا اللغز؟ .
قد نتمكن في تعليقنا على المعركة في آخر الكتاب من الوصول إلى حل هذا اللغز العجيب.
стр. 755
نقل المعركة إلى معسكر المسلمين
ظل الحال هكذا مدة من الزمن قصيرة -ترام بالنبل وجولان بالخيل (للإرهاب) من جانب قريش، ودوريات مستمرة منظمة تتطوف بالخندق من الجانبين- حتى تطور القتال (قليلًا) من جانب الأحزاب.
فقد قام فريق من فرسانهم الأشداء المغامرين باقتحام الخندق بخيلهم من ناحية ضيقة به، فنقلوا المعركة (جزئيًّا) إلى معسكر المسلمين وراء الخندق.
فقد اقتحم عمر بن عبد ودّ العامري وعكرمة بن أبي جهل المخزومي وضرار بن الخطاب الفهرى، وهبيرة بن أبي وهب المخزومي ونوفل بن عبد الله. . اقتحم هؤلاء الفرسان (وكلهم من قريش) بخيلهم مضيقًا في الخندق، فسارع إلى ملاقاتهم ذوو النجدة والبأس من المسلمين، فأخذوا عليهم (أولًا) الطريق الذي اجتازوه، فقطعوا عليهم خط الرجعة، حيث احتلوا فم المضيق الذي اقتحموه، ثم اشتبكوا معهم في معركة سريعة عنيفة حتى أبادوا أكثرهم، وأجبروا الباقين على الفرار.
قال ابن إسحاق. . فأقام رسول الله ﷺ والمسلمون، وعدوهم محاصروهم، ولم يكن بينهم قتال إلا أن فوارس من قريش، منهم عمرو بن عبد ودّ، أخو عامر بن لؤى، وعكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان وضرار بن الخطاب الشاعر، وابن مرداس أخو بنى محارب بن فهر، تلبسوا للقتال، حتى مروا بمنازل بنى كنانة فقالوا تهيئوا يا بني
стр. 756
كنانة للحرب، فستعلمون من الفرسان، ثم أقبلوا تعنق بهم خيلهم حتى وقفوا على الخندق، فلما رأوه قالوا. . والله إن هذه لمكيدة ما كنت العرب تكيدها.
ثم تيمموا مكانًا ضيقًا من الخندق، فضربوا خيلهم فاقتحمت منه، فجالت بهم في السبخة، بين الخندق وسلع، وخرج علي بن أبي طالب ﵁ في نفر معه من المسلمين، حتى أخذوا عليهم الثغرة التي أقحموا منها خيلهم، وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم (أي تسرع) أهـ.
مصرع فارس قريش
وكان عمر بن عبد ودّ العامري (وهو كبش الكتيبة) قد حضر معركة بدر الكبرى وذاق مرارة الهزيمة بعد أن جرح في المعركة، فنذر أن لا يمس رأسه دهنا حتى يقتل محمدًا، ولهذا كان أول الفرسان المقتحمين بخيلهم الخندق نحو المسلمين، فالتقى به علي بن أبي طالب فبارزه حتى قتله.
قال ابن إسحاق. . وكان عمرو بن عبد ودّ العامري (وهو كبش الكتيبة) قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد أُحدًا (لأنه كان لا يزال جريحًا) فلما كان يوم الخندق خرج مُعلمًا ليرى مكانه، فلما وقف هو وخيله قال .. من يبارز، فبرز إليه علي بن أبي طالب أهـ.
ولما مشى علي إلى عمرو ليبارزه قال له. . يا عمرو إنك كنت تقول لا يدعونى أحد إلى واحدة من ثلاث إلا قبلتها، قال له. . أجل.
فقال له. . إني أدعوك أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتسلم لرب العالمين.
стр. 757
فقال عمرو. . يا ابن أخي أخِّره عنى هذه.
قال علي. . وأخرى، ترجع إلى بلادك، فإن يك محمد رسول الله صادقًا كنت أسعد الناس به وإن يك كاذبًا كان الذي تريد.
فقال عمرو. . هذا ما لا تتحدث به نساء قريش أبدًا.
كيف وقد قدرت على استيفاء ما نذرت.
ثم قال عمرو. . فالثالثة ما هي؟ .
فقال علي. . البراز. .
فضحك فارس قريش عمرو -وكان فارسًا مشهورًا معمرًا قد جاوز الثمانين- ثم قال لعلي. . إنّ هذه الخصلة ما كنت أظن أحدًا من العرب يروعنى بها.
ثم قال لعلي. . لم يا بن أخي؟ فوالله ما أحب أن أقتلك.
فقال عليّ كرم الله وجهه. . ولكني والله أحب أن أقتلك فغضب عند ذلك عمرو غضبًا شديدًا.
ولما كان عمرو فارسًا وعليّ راجلًا، إقتحم عمرو عن فرسه، فعقره وضرب وجه (١) ثم أقبل على عليّ فتنازلا بالسيف حتى قتله وأراح المسلمين من شره.
وقد جُرح علي بن أبي طالب جرحًا بسيطًا في رأسه أثناء المبارزة (٢).
стр. 758
قال الحافظ البيهقي في دلائل النبوة. . إن عمروًا لما التقى بعلي قال له. . من أنت؟ .
قال له. . أنا عليّ.
قال .. ابن عبد مناف؟ .
فقال علي. . أنا علي بن أبي طالب.
فقال عمرو. . يا ابنى أخي. . من أعمامك من هو أسن منك، فإني أكره أن أُهريق دمك.
فقال له على. . ولكنى والله لا أكره أن أُهريق دمك.
فغضب عند ذلك عمرو، فنزل وسل سيفه كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو عليّ مغضبًا واستقبله عليّ بدرقته فضربه عمرو في درقته فقدَّها وأثبت السيف فيها وأصاب رأسه فشجه، وضربه عليّ على حبل عاتقه فسقط وثار العجاج، وسمع رسول الله ﷺ التكبير، فعرف الناس أن عليًّا قد قتل عمروًا.
إنهزام الفرسان الفدائيين
وبعد أن تم القضاء على فارس قريش قائد رعيل (١) الفدائيين من فرسانهم (عمرو بن عبد ودّ) فر باقي أفراد الرعيل القرشي وخرجت بهم خيلهم مسرعة تسابق الريح منهزمة نحو المضيق الذي اقتحموه من الخندق.
стр. 759
فطاردهم بعض فرسان المسلمين، ولحق الزبير بن العوام بنوفل بن عبد الله فضربه بالسيف حتى شقه نصفين، ووصلت الضربة إلى كاهل الفرس.
فقيل للزبير. . يا أبا عبد الله ما رأينا مثل سيفك، فقال: . والله ما هو السيف، ولكنه الساعد، كما أن الزبير أيضًا طارد فارسًا آخر من رعيل الفدائيين القرشيين -وهو هبيرة بن أبي وهب- فضرب ثغر فرسه فقطعه ولكنه تمكن من الفرار.
وقد حاول فارسان فدائيان من فرسان قريش الفدائيين الانتقام لقائدهم -عمرو بن عبد ود- وهما ضرار بن الخطاب وهبيرة بن أبي وهب، حاول هذا الفارسان الفتك بعلي بن أبي طالب، ولكنه صمد لهما وقاتلها حتى هزمهما.
وهكذا انتهت المعركة الجانبية -التي نقلها الفدائيون القرشيون إلى حيث يرابط المسلمون وراء الخندق- انتهت هذه المعركة الجانبية بالقضاء على كل أفراد رعيل الفرسان الفدائيين، ما عدا ثلاثة منهم تمكنوا من الفرار، إذ اقتحموا الخندق بأفراسهم، وهم ضرار بن الخطاب الفهرى (١)، هبيرة بن أبي وهب المخزومي، وعكرمة بن أبي جهل المخزومي، الذي ألقى برمحه عندما فر من المعركة.
стр. 760
أما المسلمون فلم يُصب أحد منهم أثناء هذه المعركة الجانبية اللهم إلا جرح بسيط أصاب علي بن أبي طالب في رأسه، وذلك عند مبارزته لعمرو بن ودّ العامري كما تقدم.
قريش تطلب جثة فارسها
وبعد انتهاء المعركة الجانبية بعث قادة قريش إلى النبي ﷺ ، يعرضون عليه عشرة آلاف ثمنًا لجثة فارسهم (عمرو بن عبد ودّ) فأبى النبي ﷺ أن يأخذ الثمن، وقال: . هو لكم لا نأكل ثمن الموتى.
وفي رواية الإمام أحمد (كما في البداية والنهاية) قال النبي ﷺ : ادفعوا إليهم جيفته فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية، فلم يقبل منهم شيئًا أهـ. وقد حملت قريش جثة فارسها إلى معسكرها.
وبهذا فشل رعيل الفدائيين من فرسان مكة في مهمته وعاد يجر أذيال الخيبة والهزيمة بعد أن قتل المسلمون أكثر أفراد هذا الرعيل.
ويظهر أن قيادة الأحزاب قررت القيام بهذه المغامرة لاختبار مدى قوة المسلمين الحربية، ومعرفة ما إذا كان الحصار الخانق قد أثر على معنوياتهم أم لا؟ .
стр. 761
رد فعل الهزيمة في نفوس الأحزاب
وكانت تهدف قريش -على ما يظهر- من وراء قيام فرسانها بهذه المغامرة، مواصلة القيام بمثل هذه الحركات الخاطفة- إذا ما نجحت التجربة التي قام بها الفرسان عبر الخندق- لأن قادة الأحزاب أدركوا أنه مع وجود الخندق حاجزًا بينهم وبين عدوهم ويستحيل عليهم القيام بأي هجوم شامل على مواقع المسلمين وراء الخندق، وخاصة من ناحية المشاة الذين يشكلون الأغلبية الساحقة في جيوش الأحزاب ولهذا قرر قادة الأحزاب الاعتماد على سلاح الفرسان ليكون هو السلاح الرئيسى في المعركة التي كانوا ينوون نقلها إلى هعسكر المسلمين ذاته، لا سيما وأنهم على موعد مع يهود بنى قريظة ليضرب هؤلاء اليهود المسلمين من الخلف ساعة الصفر.
ولكن فشل رعيل الفرسان هذا في المغامرة التي قام بها رجاله والتي انتهت بالقضاء على أكثرهم وفرار الباقين منهم أكدت لقادة الأحزاب أن كل هذه الزلازل والمحن والبلايا التي أحاطت بالمسلمين (على قلتهم وكثرة عدوهم) لم يكن له أي تأثير على قوتهم المعنوية وأن ذلك كله لم يزدهم إلا ثباتًا وضراوة وإيمانًا وتلهفًا للاستشهاد في سبيل الله.
توقف قريش عن مغامرات القفز بالخيل
ولهذا كفت قيادة الأحزاب عن مغامراتها الحربية، فتوقفت عمليات قفز الفرسان الأشداء بخيلهم عبر الخندق، فلم يستطع فرسان الأحزاب القيام بأية مغامرة من هذا النوع- بعد تلك المغامرة الفاشلة التي قتل فيها
стр. 762
المسلمون فارس قريش عمرو بن عبد ودّ- حتى انسحاب الأحزاب نهائيًا.
ولكن الأحزاب، إذا كانوا قد أوقفوا عمليات المغامرة عن طريق قفز الخيل عبر الخندق، فإنهم من ناحية أُخرى قد شددوا الحصار على المسلمين وضاعفوا من عمليات الضغط عليهم، فكأنهم أرادوا الاعتماد على حرب الأعصاب المرهقة عن طريق إرهاب المسلمين وإزعاجهم والجلب عليهم بالخيل والرجل وكل وسائل الإعنات والتخويف لعل ذلك يوهن من قوة المسلمين المعنوية التي هي السلاح الوحيد الرئيسى الذي بقى في أيديهم أمام هذه الجيوش الهائلة الجبارة التي تطبق عليهم من كل مكان.
(وفعلًا) لقد تقاطرت البلايا (من جديد) وتضخمت متاعب الجيش الصغير القابع وراء خطوطه خلف الخندق وكأنه نقطة يابسة بيضاء وسط بحر محيط هائج أسود، وبلغ الكرب والضيق والشدة (من جديد) بالرسول وصفوة أصحابه الأوفياء مبلغًا عظيمًا لم يكن ليصمد معه ويثبت إلا من كان على مستوى محمد ﷺ وصحبه الأبرار ﵃، إيمانًا وعزيمة وثقة بالله واطمئنانًا بوعده.
الفقر والجوع في الجيش الإسلامي
ولقد كان المسلمون -بالإضافة إلى المتاعب والمحن والكروب التي سببها لهم هذا الحصار الخانق الرهيب- يعانون متاعب كبيرة أخرى مصدرها حالة الفقر والعوز التي كانوا عليها في ذلك الظرف مع عوامل الطبيعة القاسية من برد قارص يلسع أجسادهم شبه العارية، وهم
стр. 763
مرابطون أو يقومون بأعمال الدورية الدائمة على طول الخندق ليلًا ونهارًا، فقد كانت تلك السنة سنة جدب وقحط بالنسبة للمسلمين، كما أن الفصل كان فصل شتاء قارس تتخلله الرياح الهوجاء.
روى البخاري عن أنس ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ ، إلي الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة ولم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى النبي ﷺ ما بهم من النصب والجوع قال:
"اللهم إن العيش عيش الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة".
كما جاء في "البداية والنهاية" -نقلًا عن صحيح البخاري- أن المجاعة كانت منتشرة بين المسلمين أيام الأحزاب، وأن النبي ﷺ ، كان من شدة الجوع -وقت حفر الخندق- يربط الحجر على بطنه الكريم.
وجاء في السيرة الحلبية ج ٢ ص ٩٨. . وحصل للصحابة ﵃ تعب وجوع، لأنه كان في زمن عسرة وعام مجاعة، ولما رأى رسول الله ﷺ ما بأصحابه من النصب والجوع قال متمثلًا بقول عبد الله بن رواحة:
اللهم لا خير إلا خير الآخرة ... فبارك الأنصار والمهاجرة
ومع هذه المحن والبلايا التي غرق فيها المسلمون جاءت قريظة الغادرة لتنقض العهد الذي بينها وبين المسلمين وتتواطأ مع الأحزاب على ضربهم.
فازدادت حلقات المحنة استحكامًا، وتحالفت عوامل الكرب والبلاء على المسلمين، ولكنهم -رغم كل هذا- ظلوا صامدين في انتظار الفرج من عند الله الذي كانوا على ثقة تامة من نصره لهم.
стр. 764
مصادرة قافلة للعدو
وقد استولى جيش المدينة على عشرين بعيرًا كانت محملة تمرًا وشعيرًا وتبنا، أرسلها اليهود لقريش مددًا وتقوية، فصادرها المسلمون وأتوا بها إلي الرسول القائد ﷺ فخفف الله بها من ضائقة المجاعة التي كان المسلمون فيها.
وكان الذي استولى على هذه القافلة دورية مسلحة من الأنصار كان قد خرج رجالها ليدفنوا ميتًا منهم في المدينة فصادفوا هذه القافلة، ولما بلغ أبا سفيان خبر استيلاء جيش المدينة على قافلة التموين هذه قال: . إن حيى بن أخطب لمشؤوم قطع بنا، ما نجد ما نحمل عليه إذا رجعنا (١).
نشاط خيل المشركين
ولقد تزايد نشاط خيل المشركين، فكانت هذه الخيل تطوف بأعداد كبيرة كل ليلة حول الخندق حتى الصباح، فتخلفها أعداد أخرى طول النهار حتى الليل، وأصحابها يطمعون في أن يأخذوا المسلمين على حين غرة، مما جعل البلاء يشتد والجهد ينال منهم إلى قرب درجة الإعياء.
فقد أجبرهم (في ليالى الخندق الأخيرة) نشاط خيل المشركين المتزايد حول الخندق على السهر (طول الليل) حتى الصباح، وذلك للقيام بأعمال الدورية لحراسة مشارف الخندق خوفًا من أن تأخذهم خيل العدو على حين غرة. .
стр. 765
وقد كان الرسول القائد صلوات الله وتسليمه عليه عندما اشتد ضغط خيل الأحزاب- يقوم بنفسه (ليلا) لحراسة أخطر نقطة في الخندق يخشى المسلمون أن يأتيهم المشركون عن طريقها.
فقد روى عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ كان يرابط ليلًا على ثلمة في الخندق لمنع العدو من اقتحامها وكان يقول ﷺ . . "ما أخشى أن يؤتى المسلمون إلا منها" أهـ.
فإذا أخذته شدة البرد جاء إلى خيمته ليدفأ فيها بعض الوقت، فإذا دفى عاد ليرابط على تلك الثلمة الخطيرة ويحرسها بنفسه.
وفي ليلة من تلك الليالى الباردة، وبينما هو في خيمته القريبة من الثلمة (يستدفئ) وباله على تلك الثلمة، قال (كما روت عائشة). . ليت رجلًا صالحًا يحرس هذه الثلمة الليلة.
فسمع ﷺ في غلس الظلام، صوت السلاح حول خيمته فقال: من هذا؟ .
فقال سعد بن أبي وقاص. . سعد يا رسول الله، أتيتك أحرسك، فطلب منه أن يتولى تلك الليلة (بدلًا منه) المرابطة على تلك الثلمة المهمة قائلًا. . عليك هذه الثّلمة فاحرسها.
فأطاع سعد أمر نبيه وسارع بمن معه من الجند ورابطوا عندها لحراستها.
وبعد أن أطمأن الرسول ﷺ إلى أن تلك النقطة الخطيرة الحساسة قد أصبحت تحت حراسة فارس يثق به، نام (وكان متعبًا من شدة السهر) نومًا هادئًا فترة من الليل حتى غط في نومه (كما قالت عائشة).
стр. 766
النبي يقوم بأعمال الدورية
وبعد أن أخذ النبي ﷺ قسطًا من النوم قام -قبل انقضاء الليل- وصلى ركعتين ثم خرج من خيمته، واتجه نحو مشارف الخندق ليشارك في القيام بأعمال الدورية، وترصد العدو الذي كان لا يكف عن الطواف بخيله حول الخندق طول الليل.
وأثناء قيامه ﷺ بأعمال الدورية (وكان ذلك في الثلث الأخير من الليل) شعر بحركة خيل المشركين وهي تتحفز حول مشارف الخندق فنبه أصحابه إلى مكانها قائلًا. . هذه خيل المشركين.
ثم نادى رئيس حرسه الخاص، وأمره بأن يراقب هو رجاله خيل العدو قائلًا. . يا عباد بن بشر، قال: لبيك (يا رسول الله) قال: . هل معك أحد، قال: نعم أنا في نفر حول قبتك يا رسول الله.
فأمره بأن يطيف بالخندق، وأخبره أن خيل المشركين تطيف به، فنفذ عباد أمر قائده الأعلى وصار يطيف برجاله إزاء خيل الأحزاب أينما طافت.
خالد بن الوليد واقتحام الخندق (١)
وفي ليلة من ليالى الأحزاب العصيبة حاول خالد بن الوليد مع مجموعة من فرسان قريش أن يقتحم الخندق على المسلمين في ناحية ضيقة منه ويأخذهم على حين غرة.
стр. 767
ولكن دوريات المسلمين حالت بينه وبين ما يهدف إليه، فقد كان المسلمون أعرف من المشركين بالمناطق الضيقة من الخندق، والتي يتوقعون أن تقتحمها خيل الأحزاب في غلس الظلام.
ولهذا كانت هذه المناطق تحت حراسة دوريات المسلمين المستمرة اليقظة، فعندما حاول خالد بن الوليد اقتحام ذلك المضيق من الخندق بخيله وجد نفسه أمام دورية مسلحة كبيرة من المسلمين بقيادة أسيد بن حضير الأنصاري الذي كان في مائتين من أصحابه، فتراجع خالد بن الوليد عن اقتحام المضيق.
إلا أن خيل خالد ناوشت المسلمين تلك الليلة، وكانت المناوشة (طبعًا) عبر الخندق بالنبال والحواب، وقد استشهد في تلك المناوشة الليلية، الطفيل بن النعمان، قتله وحشى الحبشى (قاتل حمزة يوم أُحد) زرق الطفيل بحربة عبر الخندق فأصابت منه مقتلا.
أبو سفيان يقود الخيل بنفسه
وقد بلغ نشاط خيل المشركين في الليالى الأخيرة من الخندق حدًّا خطيرًا، أرهق المسلمين وأجهدهم، فقد تولى القائد العام لجيوش الأحزاب، أبو سفيان بنفسه، القيام بعمليات التطواف بالخيل حول الخندق -إذ قاد الفرسان بنفسه- وصار بالإشتراك مع خيل خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل وعمرو بن العاص يتجول بخيل الأحزاب (في أعداد كبيرة وفي استفزاز وعناد وإصرار) حول مضايق الخندق.
стр. 768
ويظهر أن قيادة الأحزاب إنتابها السأم والملل بعد أن ظلت جيوشها أكثر من عشرين يومًا حائرة لا تدرى ماذا تصنع حيال هذه المكيدة الحربية العظيمة (الخندق) الذي يسر للمسلمين مهمة الدفاع عن مدينتهم إلى أبعد الحدود، فقد بقيت (طيلة هذه المدة) عشرة آلاف مقاتل من جيوش الأحزاب معطلة الحركة غير قادرة على القيام بأي عمل عسكري يذكر ضد المسلمين.
وليس أبعث على التذمر بين الجنود (وخاصة في ذلك العصر) من تجميدهم من معسكراتهم سيما إذا كانوا بعيدين عن أهاليهم وأوطانهم.
المحاولة الأخيرة لاحتلال المدينة
ويظهر أن قيادة الأحزاب لهذا كله قد قررت (بالرغم من فشل كل المحاولات التي قامت بها للعبور ناحية المسلمين) أن تقوم بمحاولة أخيرة لإجبار المسلمين على خوض معركة فاصلة، وكانت المحاولة هذه المرة أكبر من كل المحاولات التي سبقتها، وكانت مسبوقة بتخطيط ودراسة اشترك فيها كبار قادة الأحزاب الذين كانوا (كقادة جيوش مسئولين) يقدرون خطورة بقاء جيوشهم الجرارة تلك معطلة الحركة في معسكراتها بعيدة عن أوطانها وأهاليها، لا سيما وأن المحارب البدوى الذي هو عماد جيوش الأحزاب لم يتعود إلا على الحرب السريعة الخاطفة التي لا تزيد (في أطول أوقاته) على يوم واحد.
فقد جاء كل قادة الفرق من قريش بكل ما تحت يدهم من سلاح الفرسان إلي مشارف الخندق، ومن ورائهم كثير من المشاة وقفوا خلفهم كاحتياطى لدعوته عند اللزوم.
стр. 769
تفاصيل الخطة الجديدة
وصار قادة هذه الفرق من الفرسان يجولون بخيلهم بانتظام وحسب تكتيك معين وفق خطة مرسومة، وكانوا يديمون الجولان والتحفز حول المضايق من الخندق، التي يتصورون أنه بإمكانهم السيطرة عليها من الجانبين عن طرق قفز الخندق بأعداد كبيرة من فرسانهم، في أماكن متقاربة، بحيث يمكنهم (إذا ما نجحوا من القفز بأعداد كبيرة من الخيل) أن يقيموا الجيش من فرسانهم نقطة ارتكاز قوية على مشارف الخندق في مناطق معينة من ناحية المدينة.
وبهذا يسيطر سلاح فرسانهم على مناطق استراتيجية من الخندق تكون تحت حراستهم من الجانبين، ويقوم سلاح الفرسان الذي يتمكن من احتلال مناطق معينة ناحية المسلمين بالصمود في وجه المسلمين إذا ما أرادوا إجلاءهم عن هذه المناطق.
وبتنفيذ هذه الخطة يتمكن رجال الأحزاب -تحت حراسة سلاح الفرسان المتمركزين على مشارف الخندق من ناحية المدينة- من ردم مناطق ضيقة من الخندق قد حددت، وبردم هذه المناطق يتمكن مشاة الأحزاب (الذين يشكلون أكثرية جيوشهم) من عبور الخندق بسهولة إلى حيث يعسكر المسلمون.
وبهذا يتمكن قادة الأحزاب من التعجيل بالمعركة الفاصلة كما يريدون.
فقد كان لدى قادة الأحزاب ما يشبه اليقين بأن الغلبة ستكون لهم على المسلمين (وخاصة بعد انضمام يهود بني قريظة إليهم وتهديدها للمسلمين من الخلف) إذا ما التحمت جيوشهم الضخمة الهائلة مع جيش
стр. 770
المدينة الصغير في معركة فاصلة شاملة. الأمر الذي كانت تتحاشاه قيادة المدينة وتعمل على تجنبه بكل معاني الكلمة، والذي (لكي لا يحدث) قامت قيادة المدينة الحازمة الواعية بحفر الخندق ليكون عازلًا طبيعيًا منيعًا يفصل بينهم وبين جيوش الأحزاب.
ومن أجل تنفيذ هذا المخطط الجديد، تضاعف ضغط المشركين على مواقع الجيش الإِسلامي وراء الخندق بصفة عامة، وصار أبو سفيان القائد العام لجيوش الأحزاب الذي كان يكتفى بإرسال فصائل من سلاح الفرسان لمناوشة المسلمين - يشرف بنفسه على عمليات هذا الضغط، ويقود بنفسه سلاح الفرسان الذي هو السلاح الرئيسي في عملية الضغط والإرهاق هذه.
وهكذا - وبعد فترة من الجمود استمرت عدة أيام جند الأحزاب إمكانياتهم (كمحاولة أخيرة) لإجبار المسلمين على الاشتباك معهم في معركة فاصلة يستأصلون فيها شأفة المسلمين.
ونتيجة لهذه المحاولة الجبارة الأخيرة من قبل الأحزاب، بلغ الضغط على المسلمين الذروة، فاشتد النبلاء عليهم أكثر من أي وقت مضى، وأخذ الضيق والكرب والخوف منهم كل مأخذ.
فقد أجهدتهم تنظيمات الحصار الجديدة إجهادًا شديدًا مع ما يعانون من شدة الجوع وقسوة البرد القارص والتخوف من أن يهجم عليهم اليهود من الخلف وهم بين براثن هذه المحنة الشديدة.
أشد ليالي الخندق
ونتيجة لتلاحق عوامل البلاء ضد المسلمين انسحبت فئات أخرى من ضعاف الإيمان من صفوف الجيش الإِسلامي، ولم يبق مع محمد في
стр. 771
ليالى المصير الحالكة تلك - صامدًا في وجه العاصفة - سوى قلة قليلة من صفوة أصحابه الذين قد ربطوا مصيرهم بمصيره، مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن معاذ وطلحة بن عبيد الله ومن على مستوى هؤلاء شجاعة ويقينًا وإيمانًا.
ولقد بلغ الضيق والجهد والكرب والخوف - حتى من هذه الصفوة لشدة ما حاق بهم - شأوًا بعيدًا إلى درجة أنهم في تلك اللحظات الأخيرة من محنة الغزو المرعب، جاءوا إلى النبي القائد ﷺ وأفصحوا له بصراحة عما يعانونه من شدة الخوف والضيق والكرب.
فقد قالوا له .. يا رسول الله لقد بلغت القلوب الحناجر فهل من شيء نقوله؟ قال نعم، قولوا: اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا (١).
وفي تلك اللحظات التي تعظام فيها البلاء على المسلمين جاء جبريل إلى النبي ﷺ فبشره بقرب انهزام الأحزاب، وأن الله سيرسل عليهم ريحًا وجنودا من عنده.
وقد ذهب الرسول ﷺ ليطمأنهم وأخبرهم بما أخبره به جبريل من قرب نهاية الأحزاب، وصار ﷺ يرفع يديه نحو السماء قائلا .. شكرًا شكرًا.
دعاء الرسول وقت الشدة
وفي صحيح البخاري أن النبي ﷺ عندما تضافرت المحن وتحالفت البلايا عليه وعلى أصحابه وعندما تطورت عمليات الحصار واشتد ضغطها
стр. 772
في الليالى الأخيرة من الخندق، ورأى شدة الخوف الذي عليه أصحابه دعا ربه قائلًا: اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب .. اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم وزلزلهم .. ثم قام في الناس خطيبًا، فقال "أيها الناس لا تمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإن لقيتم العدو فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف".
وكان من دعائه يوم الخندق" .. "يا صريخ المكروبين، يا مجيب المضطرين إكشف همى وغمى وكربى فإنك ترى ما نزل بي وبأصحابى".
وهذا يدل على أن حالة المسلمين بلغت من التحرج - أمام محاولات الأحزاب الأخيرة المنظمة - أقصى الدرجات وأنهم صاروا في خوف شديد وكرب عظيم لا مثيل له أبدًا.
قريظة تتحرش بالمسلمين
ولقد أدركت قيادة الأحزاب ما يعانيه المسلمون من شدة وضيق وكرب وخوف، نتيجة تنظيمات الحصار الجديدة، فشددوا من ضغطهم وضاعفوا من نشاطهم، وأعطوا الإشارة ليهود بي قريظة بأن يبدأوا التحرش بالمسلمين من الخلف، فيشغلوهم ويقلقوهم بالإغارة على الحصون التي قد جمعت القيادة الإِسلامية فيها النساء والذرارى عند إخلاء المدينة، وأن يكونوا على أتم الاستعاد ليقوموا (ساعة الصفر) بالهجوم العام على مواقع المسلمين وراء الخندق.
وقد نفذ اليهود ما طلب الأحزاب منهم، فصاروا يلقون المسلمين ويشوشون عليهم (مع ما هم فيه كرب وبلاء) وبالإغارة على الحصون والآطام التي وضع المسلمون فيها نساءهم وأطفالهم.
стр. 773
ولا شيء أقلق لبال الإنسان من علمه بأن زوجته وأبناءه وبناته خطر، ومهددون بأن يسبيهم العدو، ويأخذهم أسرى.
وهذا هو الذي قصد إليه العدو عندما أوحى إلى يهود بني قريظة بالهجوم على الحصون والآطام التي يتحصن فيها نساء المسلمين وأطفالهم، ولقد قام اليهود (فعلًا) بالإغارة على هذه الحصون والآطام.
هجوم اليهود على النساء
فقد قام اليهود (في تلك الساعات الرهيبة من ليالى الأحزاب) بعدة محاولات للهجوم على تلك الحصون التي يعتصم بها النساء والأطفال.
ولما كانت الحصون (إيّاها) ليست بعيدة عن مواقع الجيش الإِسلامي وراء الخندق، فإن المسلمين لم يتركوا حرسًا دائمًا خاصًّا يحرس هذه الحصون؛ لأن دوريات المسلمين تطوف باستمرار داخل المدينة (وخاصة في الليل).
ولكن القيادة أوصت النساء أن يحركن السيوف في رأس الحصين إذا ما تعرضن لخطر الهجوم من قبل العدر، كإشارة لطلب النجدة، ليسارع المسملون إلى نجدتهن.
فقد روى الطبراني عن رافع بن خديج قال: لم يكن حصن أحصن من حصن بني حارثة، فجعل النبي ﷺ النساء والذرارى والصبيان فيه، وقال: إن لم يكن أحد فألمعن بالسيف.
فجاءهن رجل (من بني قريظة) من بني ثعلبة بن سعد يقال له نجدان، أحد بني جحاش على فرس، حتى كان في أصل الحصين، ثم
стр. 774
جعل يقول للنساء: أنزلن إليَّ خير لكن، فحركن السيف فأبصره أصحاب رسول الله ﷺ فابتدر الحصين قوم فيهم رجل من بني حارثة يقال له: ظفر بن رافع، فقال: يا نجدان أبرز، فبرز إليه، فحمل عليه فقتله وأخذ رأسه فذهب به إلى النبي ﷺ ،
محاولة اليهود الهجوم على نساء الناس
ولم يكتف اليهود بمحاولة الهجوم علي نساء الصحابة في الحصون ومحاولة سبيهن، بل حاولوا الهجوم على نساء النبي القائد ﷺ وعلى من معهن من النساء في حصن آخر، بغية إزعاج المسلمين وإقلاقهم والتشويش عليهم، وهم يواجهون قوات الأحزاب الرئيسية على مشارف الخندق. فقد روى البزار بإسناده عن الزبير بن العوام أن رسول الله ﷺ لما خرج للخندق جعل نساءه وعمته صفية في أطم (حصن) يقال له (فارع) وجعل معهم حسان بن ثابت. وروى ابن إسحاق كذلك، عن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع، حصن حسان بن ثابت، وكان حسان بن ثابت مع النساء والصبيان، قالت صفية: فمر بنا رجل من يهود فجعل يطيف بالحصن، وقد حاربت بنو قريظة، وقطعت ما بينها وبين رسول الله ﷺ ، وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله ﷺ والمسملون في نحور عدوهم، لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا إن أتانا آت، قالت: فقلت: بإحسان، إن هذا اليهودى كما ترى يطيف وإني والله ما آمنه أن يدل على عورتنا من ورائنا
стр. 775
من يهود، وقد شغل عنا رسول الله ﷺ وأصحابه، فأنزل إليه فاقتله، قال: يغفر الله لك يا ابنة عبد المطلب، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا.
قالت صفية: فلما قال لي ذلك، ولم أر عنده شيئًا احتجزت (أي شددت وسطى) ثم أخذت عمودًا، ثم نزلت من الحصين إليه فضربته بالعمود حتى قتلته، قالت: فلما فرغت منه، رجعت إلى الحصن، فقلت: يا حسان إنزل إليه فاسلبه، فإنه لم يمنعنى من سلمه إلا أنه رجل، قال: ما لي بسلبه من حاجة يا ابنة عبد المطلب.
وفي رواية البزار التي أوردها صاحب (وفاء الوفاء) ج ١ ص ٣٠٢ أن هذا اليهودى تسور الحصين حتى أشرف على نساء رسول الله ﷺ ، صفية بعد أن قتلته، قطعت رأسه وألقت به على اليهود الذين كانوا حول الحصين فراعهم ذلك فانسحبوا مذعورين، وهم يظنون أن هناك حرسًا من الجيش الإِسلامي يحمون النساء، فقد قال هؤلاء اليهود بعضهم لبعض (وهم يهربون) قد علمنا أن لم يك (أي النبي) يترك أهله خلوفًا ليس معهم أحد، ثم تفرقوا.
وهكذا أقلق اليهود المسلمين (بتحرشهم بالنساء والذرارى) - وزادوا عن متاعبهم وضاعفوا من بلائهم، ولا شيء (كما قلنا) أشغل لبال الإنسان من أن تتعرض زوجته وأبناؤه وبناته لخطر السبى والأسر.
ولهذا اضطر المسلمون إلى أن يضاعفوا من قوات الحراسة لحماية نسائهم وأطفالهم من اليهود مما أنقص عدد قواتهم الرئيسية المرابطة على مشارف الخندق لمواجهة الأحزاب.
وشعر المشركون بالنقص الملموس في قوات المسلمين المواجهة لهم على الخندق، فاغتنموا الفرصة، فأطبقوا عليهم من كل ناحية وأشغلوهم