ليالى المصير الحالكة تلك - صامدًا في وجه العاصفة - سوى قلة قليلة من صفوة أصحابه الذين قد ربطوا مصيرهم بمصيره، مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن معاذ وطلحة بن عبيد الله ومن على مستوى هؤلاء شجاعة ويقينًا وإيمانًا.
ولقد بلغ الضيق والجهد والكرب والخوف - حتى من هذه الصفوة لشدة ما حاق بهم - شأوًا بعيدًا إلى درجة أنهم في تلك اللحظات الأخيرة من محنة الغزو المرعب، جاءوا إلى النبي القائد ﷺ وأفصحوا له بصراحة عما يعانونه من شدة الخوف والضيق والكرب.
فقد قالوا له .. يا رسول الله لقد بلغت القلوب الحناجر فهل من شيء نقوله؟ قال نعم، قولوا: اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا (١).
وفي تلك اللحظات التي تعظام فيها البلاء على المسلمين جاء جبريل إلى النبي ﷺ فبشره بقرب انهزام الأحزاب، وأن الله سيرسل عليهم ريحًا وجنودا من عنده.
وقد ذهب الرسول ﷺ ليطمأنهم وأخبرهم بما أخبره به جبريل من قرب نهاية الأحزاب، وصار ﷺ يرفع يديه نحو السماء قائلا .. شكرًا شكرًا.
دعاء الرسول وقت الشدة
وفي صحيح البخاري أن النبي ﷺ عندما تضافرت المحن وتحالفت البلايا عليه وعلى أصحابه وعندما تطورت عمليات الحصار واشتد ضغطها
стр. 772
في الليالى الأخيرة من الخندق، ورأى شدة الخوف الذي عليه أصحابه دعا ربه قائلًا: اللهم منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب .. اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم وزلزلهم .. ثم قام في الناس خطيبًا، فقال "أيها الناس لا تمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإن لقيتم العدو فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف".
وكان من دعائه يوم الخندق" .. "يا صريخ المكروبين، يا مجيب المضطرين إكشف همى وغمى وكربى فإنك ترى ما نزل بي وبأصحابى".
وهذا يدل على أن حالة المسلمين بلغت من التحرج - أمام محاولات الأحزاب الأخيرة المنظمة - أقصى الدرجات وأنهم صاروا في خوف شديد وكرب عظيم لا مثيل له أبدًا.
قريظة تتحرش بالمسلمين
ولقد أدركت قيادة الأحزاب ما يعانيه المسلمون من شدة وضيق وكرب وخوف، نتيجة تنظيمات الحصار الجديدة، فشددوا من ضغطهم وضاعفوا من نشاطهم، وأعطوا الإشارة ليهود بي قريظة بأن يبدأوا التحرش بالمسلمين من الخلف، فيشغلوهم ويقلقوهم بالإغارة على الحصون التي قد جمعت القيادة الإِسلامية فيها النساء والذرارى عند إخلاء المدينة، وأن يكونوا على أتم الاستعاد ليقوموا (ساعة الصفر) بالهجوم العام على مواقع المسلمين وراء الخندق.
وقد نفذ اليهود ما طلب الأحزاب منهم، فصاروا يلقون المسلمين ويشوشون عليهم (مع ما هم فيه كرب وبلاء) وبالإغارة على الحصون والآطام التي وضع المسلمون فيها نساءهم وأطفالهم.
стр. 773
ولا شيء أقلق لبال الإنسان من علمه بأن زوجته وأبناءه وبناته خطر، ومهددون بأن يسبيهم العدو، ويأخذهم أسرى.
وهذا هو الذي قصد إليه العدو عندما أوحى إلى يهود بني قريظة بالهجوم على الحصون والآطام التي يتحصن فيها نساء المسلمين وأطفالهم، ولقد قام اليهود (فعلًا) بالإغارة على هذه الحصون والآطام.
هجوم اليهود على النساء
فقد قام اليهود (في تلك الساعات الرهيبة من ليالى الأحزاب) بعدة محاولات للهجوم على تلك الحصون التي يعتصم بها النساء والأطفال.
ولما كانت الحصون (إيّاها) ليست بعيدة عن مواقع الجيش الإِسلامي وراء الخندق، فإن المسلمين لم يتركوا حرسًا دائمًا خاصًّا يحرس هذه الحصون؛ لأن دوريات المسلمين تطوف باستمرار داخل المدينة (وخاصة في الليل).
ولكن القيادة أوصت النساء أن يحركن السيوف في رأس الحصين إذا ما تعرضن لخطر الهجوم من قبل العدر، كإشارة لطلب النجدة، ليسارع المسملون إلى نجدتهن.
فقد روى الطبراني عن رافع بن خديج قال: لم يكن حصن أحصن من حصن بني حارثة، فجعل النبي ﷺ النساء والذرارى والصبيان فيه، وقال: إن لم يكن أحد فألمعن بالسيف.
فجاءهن رجل (من بني قريظة) من بني ثعلبة بن سعد يقال له نجدان، أحد بني جحاش على فرس، حتى كان في أصل الحصين، ثم
стр. 774
جعل يقول للنساء: أنزلن إليَّ خير لكن، فحركن السيف فأبصره أصحاب رسول الله ﷺ فابتدر الحصين قوم فيهم رجل من بني حارثة يقال له: ظفر بن رافع، فقال: يا نجدان أبرز، فبرز إليه، فحمل عليه فقتله وأخذ رأسه فذهب به إلى النبي ﷺ ،
محاولة اليهود الهجوم على نساء الناس
ولم يكتف اليهود بمحاولة الهجوم علي نساء الصحابة في الحصون ومحاولة سبيهن، بل حاولوا الهجوم على نساء النبي القائد ﷺ وعلى من معهن من النساء في حصن آخر، بغية إزعاج المسلمين وإقلاقهم والتشويش عليهم، وهم يواجهون قوات الأحزاب الرئيسية على مشارف الخندق. فقد روى البزار بإسناده عن الزبير بن العوام أن رسول الله ﷺ لما خرج للخندق جعل نساءه وعمته صفية في أطم (حصن) يقال له (فارع) وجعل معهم حسان بن ثابت. وروى ابن إسحاق كذلك، عن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع، حصن حسان بن ثابت، وكان حسان بن ثابت مع النساء والصبيان، قالت صفية: فمر بنا رجل من يهود فجعل يطيف بالحصن، وقد حاربت بنو قريظة، وقطعت ما بينها وبين رسول الله ﷺ ، وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله ﷺ والمسملون في نحور عدوهم، لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا إن أتانا آت، قالت: فقلت: بإحسان، إن هذا اليهودى كما ترى يطيف وإني والله ما آمنه أن يدل على عورتنا من ورائنا
стр. 775
من يهود، وقد شغل عنا رسول الله ﷺ وأصحابه، فأنزل إليه فاقتله، قال: يغفر الله لك يا ابنة عبد المطلب، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا.
قالت صفية: فلما قال لي ذلك، ولم أر عنده شيئًا احتجزت (أي شددت وسطى) ثم أخذت عمودًا، ثم نزلت من الحصين إليه فضربته بالعمود حتى قتلته، قالت: فلما فرغت منه، رجعت إلى الحصن، فقلت: يا حسان إنزل إليه فاسلبه، فإنه لم يمنعنى من سلمه إلا أنه رجل، قال: ما لي بسلبه من حاجة يا ابنة عبد المطلب.
وفي رواية البزار التي أوردها صاحب (وفاء الوفاء) ج ١ ص ٣٠٢ أن هذا اليهودى تسور الحصين حتى أشرف على نساء رسول الله ﷺ ، صفية بعد أن قتلته، قطعت رأسه وألقت به على اليهود الذين كانوا حول الحصين فراعهم ذلك فانسحبوا مذعورين، وهم يظنون أن هناك حرسًا من الجيش الإِسلامي يحمون النساء، فقد قال هؤلاء اليهود بعضهم لبعض (وهم يهربون) قد علمنا أن لم يك (أي النبي) يترك أهله خلوفًا ليس معهم أحد، ثم تفرقوا.
وهكذا أقلق اليهود المسلمين (بتحرشهم بالنساء والذرارى) - وزادوا عن متاعبهم وضاعفوا من بلائهم، ولا شيء (كما قلنا) أشغل لبال الإنسان من أن تتعرض زوجته وأبناؤه وبناته لخطر السبى والأسر.
ولهذا اضطر المسلمون إلى أن يضاعفوا من قوات الحراسة لحماية نسائهم وأطفالهم من اليهود مما أنقص عدد قواتهم الرئيسية المرابطة على مشارف الخندق لمواجهة الأحزاب.
وشعر المشركون بالنقص الملموس في قوات المسلمين المواجهة لهم على الخندق، فاغتنموا الفرصة، فأطبقوا عليهم من كل ناحية وأشغلوهم
стр. 776
إلى درجة الإرهاق والإعياء، وإلى درجة أنهم لم يتركوا لهم فرصة يستريحون فيها أو حتى يؤدون فيها فريضة الصلاة، إذ أجبروهم على المرابطة (ليلا ونهارًا) على مشارف الخندق في حالة تعبئة لا يفارقهم السلاح.
فصار فرسان الأحزاب يطوفون (في استفزاز متزايد مرعدين ومبرقين) حول الخندق ويتجمعون بأعداد كبيرة حول المضائق طيلة ساعات الليل والنهار وبصورة مزعجة مخيفة لم يسبق لها مثيل مما أجبر المسلمين على البقاء في أسلحتهم مرابطين بصفة دائمة ليلًا ونهارًا على مشارف الخندق وخاصة النقط التي هي مظنة لأن يقتحمها سلاح فرسان الأحزاب، وضاعف المسلمون من نشاط دورياتهم التي أضناها (لقلة رجالها) الطواف المتواصل حول الخندق بصفة متعبة للغاية.
شدة الحصار تمنع المسلمين من الصلاة
وقد بلغت عملية الحراسة المتواصلة المضنية المرهقة التي يقوم بها النبي وصفوة أصحابة القلائل في تلك الليالى الأخيرة المخيفة المرعبة، بلغت بهم من جهد والإضناء والإشغال إلى درجة أن النبي ﷺ وبعضًا من أصحابه (الذين كانوا يتولون مراقبة وتحركات العدو وحراسة النقاط الاستراتيجية من الخندق) لم يتمكنوا من أداء صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء في أوقاتها.
ولقد صور المقريزى في كتابه (إمتاع الأسماع) حالة الكرب المتزايد والشدة المتناهية التي كان عليها المسلمون في تلك الليالى الرهيبة الحاسمة فقال:
стр. 777
"وافى المشركون سحرًا، وعبأ رسول الله ﷺ أصحابه فقاتلوا يومهم إلى هوى من الليل، وما يقدر رسول الله ﷺ ولا أحد من المسلمين أن يزولوا من موضعهم، وما قدر رسول الله ﷺ على صلاة ظهر ولا عصر ولا مغرب ولا عشاء، فجعل أصحابه يقولون: يا رسول الله ما صلينا؟ فيقول: ولا أنا والله ما صليت! حتى كشف الله المشركين ورجع كل من الفريقين إلى منزله.
وقام أسيد بن حضير (١) في مائتين على شفير الخندق فكرت خيل المشركين يطلبون غرة (وعليها خالد بن الوليد) (٢) فناوشهم ساعة، فزرق وحشى (قاتل حمزة بن عبد المطلب الطفيل بن النعمان بن خنساء الأنصاري بمزراق، فقتله -كما قلم حمزة ﵁ بأحد.
وقال ابن كثير في البداية والنهاية - عن موسى بن عقبة "وأحاط المشركون بالمسلمين حتى جعلوهم في مثل الحصين من كتائبهم، فحاصروهم قريبًا من عشرين ليلة وأخذوا بكل ناحية".
الهجوم على مقر قيادة الرسول
ثم قال بن كثير - يصف محاولة خيل المشركين على مقر القائد الأعلى ﷺ : "ووجهوا نحو منزل رسول الله ﷺ كتيبة غليظة فقاتلوهم يومًا إلى الليل.
стр. 778
فلما حانت صلاة العصر، دنت الكتيبة، فلم يقدر النبي ﷺ ، ولا أحد من أصحابه الذين كانوا معه أن يصلوا الصلاة على نحو ما أرادوا، فانكفأت الكتيبة مع الليل، قال فزعموا أن رسول الله ﷺ قال .. شغلونا عن صلاة العصر ملأ الله بطونهم وقلوبهم وقبورهم نارًا.
فلما اشتد البلاء نافق كثير من الناس وتكلموا بكلام قبيح، فلما رأى رسول الله ﷺ ما بالناس من البلاء والكرب جعل يبشرهم وفي قول .. والذي نفسي بيده ليفرجن عنكم ما ترون من الشدة، وإني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق آمنًا وأن يدفع الله إليّ مفاتيح الكعبة وليهلكن الله كسرى وقيصر ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله".
وجاء في رواية البخاري: أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش وقال .. يا رسول الله ما كدت أصلى حتى كادت الشمس أن تغرب، قال النبي ﷺ .. والله ما صليتها، فنزلنا مع رسول الله ﷺ بطحان -بضم الباء- وتوطأنا للصلاة وفتوطأ لها، فصلى العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب.
وفي مسند الإمام أحمد عن ابن عباس قال .. قاتل النبي ﷺ العدو فلم يفرغ منهم حتى أخر العصر عن وقتها فلما رأى ذلك قال .. اللهم من حبسنا عن الصلاة الوسطى فاملأ بيوتهم نارًا واملأ قلوبهم نارًا.
وفي مسند الإمام أحمد (أيضًا) عن ابن مسعود، أن المشركين شغلوا رسول الله ﷺ يوم الخندق عن أربع صلوات حتى ذهب من الليل ما شاء الله، قال .. فأمر بلالًا فأذن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب ثم أقام فصلى العشاء.
стр. 779
وقفة ففهية
وقد استدل كثير من أئمة الإسلام -ومنهم الإمام الأوزاعي ومكحول- بهذا الصنيع الذي صنع رسول الله ﷺ على جواز تأخير الصلوات عن أوقاتها لعذر القتال، إلا أن آخرين -ومنهم الإمام الشافعي) قالوا: إن ذلك قد نسخ بما أنزل الله تعالى في صلاة الخوف، والذي به أباح للمحارب أن يصلى -أثناء القتال- كيفما اتفق له بشرط أن لا يؤثر ذلك في سير القتال لصالح العدو.
وقد أبى كثير من العلماء المحققين التسليم بالنسخ لأن صلاة الخوف قد شرعت قبل معركة الخندق، حيث صلاها المسلمون في غزوة (ذات الرقاع) وفي عُسفان، وهما غزوتان قام بهما المسلمون بقيادة النبي ﷺ قبل غزوة الخندق.
وقد تردد الإمام ابن كثير -وهو من كبار فقهاء الشافعية- في قبول القول بالنسخ قائلًا .. وهو (أي القول بالنسخ) مشكل ثم قال .. قال ابن إسحاق .. وجماعة ذهبوا، إلى أن النبي ﷺ صلى صلاة الخوف بعسفان، وقد ذكرها ابن إسحاق (وهو إمام المغازي) قبل الخندق وكذلك ذات الرقاع، ذكرها قبل الخندق، فالله أعلم.
درجة الإنهيار
وبعد حوالي اثنين وعشرين ليلة من الحصار الخانق الشديد بلغت حالة المسلمين المحصورين من الخطورة إلى درجة ليس بعدها إلا الإنهيار.
فكل شيء كان -في تلك الساعات- يوحى بالإنهيار الكلى داخل صفوف الجيش الصغير الغارق في خضم كتائب الأحزاب الهائجة التي
стр. 780
تحيط به من كل جانب .. ويشعر بأن المسلمين هم قاب قوسين أو أدنى من الفناء أو الاستسلام لعدوهم الجبار المحاصر بدون قيد ولا شرط (لولا الإيمان الذي حصنهم الله به وجعله أقوى سلاح يواجهون به عدوهم الذي يفوقهم في كل شيء مادى أضعافًا مضاعفة).
ليالى الرعب المخيفة
فقد ارتفع ضغط عوامل البلاء والكرب ضد الجيش الصغير المحصور إلى درجة لم يكن لبشر أن يتحملها.
قريش وأحلافها بقواتهم العديدة الجبارة الغامرة المجهزة أحسن تجهيز تكاد (لكثرتها وقلتهم) يبتلعهم خضم جيشها الهائج المتحفز حولهم في كل مكان.
ويهود بني قريظة الغادرين الخونة يتحفزون ويستعدون (في نشوة وفرح) لانقضاض على جيش المدينة الصغير الرابض في خوف وقلق وراء استحكاماته الدفاعية خلف الخندق.
وعوامل الطبيعة التي أبى الله إلا أن تكون (في تلك الليالى الفاصلة) على هذا الجيش الصغير الممتحن قاسية مزعجة، البرد القارص الشديد والجوع المضنى والنقص المخيف في الألبسة الواقية من البرد القاتل، والريح الهائجة ذات الصفير المزعج في الظلام الدامس .. والمنافقون يتسللون (لواذًا) من صفوف الجيش المحصور الممتحن، ويثيرون بأراجيفهم الخوف والفزع في النفوس تاركين محمدًا ﷺ وصفوة أصحابه الأوفياء القلائل في مهب العاصفة.
стр. 781
ليالي الخندق الأخيرة
حقًّا، لقد كانت تلك الليالى الأخيرة الحاسمة من ليالى الأحزاب الرهيبة مختبرًا صهر الله (في بوتقة محنها وبلاياها) أمة محمد مرة أخرى ليعلم (وهو الأعلم بعباده) الصادق من الكاذب ويميز الخبيث من الطيب.
وفعلًا لم يثبت مع نبيه في خضم تلك البلايا المتلاحقة والمحن المتحالفة التي أخذ بعضها برقاب بعض، إلا ذوو الإيمان الراسخ رسوخ شوامخ الجبال، والذي لا يزعزعه شيء مهما عظم، حتى إن بعض المؤرخين ذكر أنه لم يبق في الليالى الأخيرة من ليالى الخندق الحاسمة مع النبي القائد ﷺ إلا حوالي ثلاثمائة مقاتل فقط، وماذا عسى أن يفعل ثمائة رجل (ينقصهم كل شيء مادى إلا الإيمان أمام أحد عشر ألف مقاتل يفوقونهم في كل شيء مادى؟ .
حذيفة يصف ليالي الكرب والشدة
ولنترك أحد الأعلام من صحابة محمد ﷺ الأوفياء الخلصاء الذين ثبتوا معه في تلك الليالى الرهيبة الحاسمة ليصف لنا ما تعرض له محمد ﷺ والصفوة من أصحابه في الليلة الأخيرة من ليالى الأحزاب المرعبة المخيفة، من محن وبلايا تعجز عن تحمل مثلها الشم الرواسى.
روى الحاكم والبيهقي من حديث عكرمة بن عمار، قال: ذكر حذيفة بن اليمان (١) مشاهدهم مع رسول الله ﷺ فقال جلساؤه (أي حذيفة) ..
стр. 782
أما والله لو كنا شهدنا ذلك لكنا فعلنا وفعلنا.
فقال حذيفة .. لا تمنَّوا ذلك، ثم قال .. لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعودًا، وأبو سفيان ومن معه فوقنا، وقريظة اليهود أسفل منا، نخافهم على ذرارينا.
وما أتت علينا ليلة قط، أشد ظلمة ولا أشد ريحًا منها، في أصوات ريحها أمثال الصواعق، وهي ظلمة ما يرى أحدنا إصبعه، فجعل المنافقون يستأذنون النبي ﷺ ويقولون: إن بيوتنا عورة، وما هي بعورة.
فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له، ويأذن لهم فيتسللون ونحن (في ثلاثمائة) أو نحو ذلك إذ استقبلنا رسول الله ﷺ رجلًا رجلًا حتى أتى وما عليَّ جُنة من العدو ولا من البرد إلا مرط لامرأتى ما يجوز ركبتى.
قال (أي حذيفة) فأتانى (أي رسول الله) ﷺ وأنا جاث على ركبتى فقال .. من هذا؟ حذيفة؟ .
فقلت .. حذيفة، فتقاصرت لمرض فقلت .. بلى يا رسول الله، كراهية أن أقوم فقمت.
فقال ﷺ : إنه كائن في القوم خبر، فأتني بخبر القوم (١).
وفي رواية ابن إسحاق عن محمد بن كعب القرظى، قال .. قال رجل من أهل الكوفة الحذيفة بن اليمان .. يا أبا عبد الله، أرأيتم رسول الله ﷺ وصحبتموه؟ .
стр. 783
قال .. نعم يا ابن أخي.
قال .. فكيف كنتم تصنعون؟ .
قال حذيفة .. قد كنا نجتهد.
قال ذلك الرجل "هو تابعي لم يدرك النبي ﷺ " .. والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض ولحملناه على أعناقنا، قال .. فقال حذيفة ... يا ابن أخي لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ بالخندق وصلى رسول الله ﷺ هويًا من الليل ثم التفت إلينا، فقال .. من ينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع - فشرط له الرجعة - (ثم قال رسول الله ﷺ ).
أسأل الله أن يكون رفيقى في الجنة.
قال حذيفة .. فما قام رجل منا من شدة الخوف وشدة الجوع والبرد فلما لم يقم أحد، دعاني، فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني.
فقال .. يا حذيفة إذهب فادخل في القوم فانظر ولا تحدثنى شيئًا حتى تأتينا الخ. وقد استجاب حذيفة لرغبة نبيه القائد ﷺ وذهب إلى معسكر المشركين واطلع على حقيقة الموقف بينهم كما سنفصله فيما يأتي من هذا الكتاب في موضعه إن شاء الله.
стр. 784
الفصل الرابع
* التحول المفاجئ الخطير في الموقف الحربي لصالح المسلمين.
* الاختلاف الشديد بين اليهود والأحزاب.
* الرجل الذي بدهائه غير مجري الأحداث لصالح المسلمين.
* انهيار الاتحاد القائم بين الأحزاب واليهود.
* فك الحصار عن المدينة وانسحاب الأحزاب إلى بلادهم.
* انتهاء المعركة.
ذكرنا في الفصل الثالث من هذا الكتاب كيف أن الكرب والضيق والخوف قد بلغ بالمسلمين إلى درجة الاختناق (وبلغت القلوب الحناجر) وأن كل شيء مادى كان يوحى (على نحو ساحق) بأن المسلمين كانوا (أمام ذلك الحصار الخانق الرهيب) قاب قوسين أو أدنى من الفناء أو الاستسلام بدون قيد أو شرط لقوات الأحزاب الضاربة المحاصرة.
وأن الصفوة المختارة من صحابة محمد (على متانة إيمانهم وشدة يقينهم) قد وقفوا -أمام تلك البلايا المتقة والرزايا المتشابكة والزلازل المتواصلة- حائرين لا يدرون كيف المخرج من تلك الورطة القاتلة
стр. 785
المستحكمة، وأنهم قد أبلغوا الرسول القائد ﷺ ما يشعرون به من ضيق وخوف وقلق لعل هناك ما يقولونه مما يمكن أن يخفف عنهم من شدة الكرب والخوف والضيق والقلق.
يا رسول الله لقد بلغت القلوب الحناجر فهل من شيء نقوله (١).
التحول الخطير في الموقف
وهكذا وبينما وقف صفوة أصحاب محمد (بعد أكثر من عشرين ليلة كلها مشحونة بالمحن والبلايا والخطوب والرزايا)، نعم بينما وقفت هذه الصفوة المختارة تنظر (في قلق وخوف متزايد) إلى ميزان المصير، وشوكته تهتز على الصفر تنذر بالميل نحو نهايتهم المفزعة، إذ برجل واحد يهديه الله للإسلام في تلك اللحظات الحاسمة من تاريخ الإسلام.
ثم يسخر الله مواهب هذا الرجل الألمعى في الذكاء والدهاء ليغير (بخدعة سياسية بارعة) مجرى الأحداث الخطيرة، فيقلب موازين القوى لصالح القلة المؤمنة الصابرة الثابتة في مهب العاصفة، فتحدث المعجزة، فيهزم الله الأحزاب ويكتب النصر المؤزر للمسلمين.
فقد فعل دهاء الرجل بقيادات الأحزاب وجيوشها أكثر مما تفعله الجيوش الجرارة.
فكان صنيع هذا الداهية العظيم من أكبر العوامل التي أن إلى تشتيت قوى الأحزاب وعودة الغزاة خائبين متنافرين إلى ديارهم دون أن يحققوا شيئًا من أهدافهم.
стр. 786
فبمجهود هذا الرجل ومكره السياسي وإخلاصه لدينه الذي لم يمض في دخوله فيه أكثر من أربع وعشرين ساعة تمكن من إشاعة الفرقة بين فئات الأحزاب ويهود بني قريظة.
فبذر (بمهارة فائقة) بنور الشك والريبة في نفوس قادة الأحزاب واليهود بعضهم ضد بعض حتى انعدمت الثقة بين هؤلاء الزعماء والقادة فتصدعت جبهاتهم وتفتتت وحدتهم مما جعل قادة قريش وغطفان يحنقون على اليهود ويفكون الحصار عن المدينة، كل منهم عائد إلى بلاده، تاركين يهود بني قريظة الناكثين الغادرين لمصيرهم المحتوم الذي انتهى بإبادتهم.
الرجل الذي غير مجرى الأحداث
وهذا الرجل الذي شاء الله أن تتحطم على يديه وحدة الأحزاب الغازية المعتدية هو (نعيم بن مسعود) وهو من قبيلة غطفان النجدية التي يمثل رجالها أكبر أجنحة الاتحاد القرشي الغطفاني اليهودى العسكري، الذي جاء لاحتلال المدينة وسحق المسلمين فيها.
فقد كان نعيم بن مسعود هذا من وجوه القوم والشخصيات البارزة المشهورة في المحيط العربي واليهودى، وكان من كبار المستشارين في قيادة جيش الاتحاد العربي الوثنى اليهودى الغازى.
ولكن لحكمة أرادها الله (في الليلة التي تلتها ليلة الأحزاب الأخيرة) فتح الله قلب هذا الرجل للإسلام وهو في معسكر الأحزاب.
стр. 787
نعيم بن مسعود في المعسكر النبوي
وعندما أشرق قلبه بنور الإسلام كتم الأمر في نفسه، ثم انسل من معسكر الأحزاب أمام الخندق واتجه على غلس الظلام نحو معسكر الرسول ﷺ حيث يرابط بجنده وراء الخندق.
وهناك تشرف بمقابلة الرسول الأعظم ﷺ في مقر قيادته وأبلغه (سرًّا) أن الله قد هداه للإسلام، وأبلغه أنه يضع نفسه تحت تصرفه وأنه على أتم الاستعداد للقيام بأي عمل يأمره به ﷺ .
فقد قال نعيم بن مسعود .. يا رسول الله إني قد أسلمت وإن قومى لم يعلموا بإسلامى فمرنى بما شئت، وهنا قال له الرسول القائد ﷺ .. أنت رجل واحد فخذِّل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة (١) وبعد أن أعطى النبي ﷺ نعيمًا مطلق الحرية ليعمل (قدر طاقته) أي شيء من شأنه أن يحدث الفرقة والانقسام والتخذيل داخل صفوف الأحزاب، توجه (فورًا) إلى ديار بني قريظة الذين عقد نقضهم (العهد) الموقف، وضاعف من عوامل الكرب والبلاء على المسلمين.
داهية الخندق عند بني قريظة
كان نعيم بن مسعود من الشخصيات المألوفة المعروفة بين بني قريظة وكان نديمًا لهم في الجاهلية وصديقًا، وهو الذي تحدث في الجاهلية في
стр. 788
حانة من حانات اليهود في المدينة (قبل تحريم الخمر) وهو سكران عن قافلة لكفار مكة سلكت طريق العراق إلى الشام، وكان في الحانة أحد الصحابة من استخبارات الجيش الإسلامي، فسارع بنقل الخبر إلى النبي القائد ﷺ فجهز حملة عسكرية أعطى قيادتها لزيد بن حارثة، وأمره باعتراض هذه القافلة عند عودتها من الشام، وقد نجح زيد بن حارثة في الاستيلاء على هذه القافلة وذلك في الغزوة المسماة (بسرية زيد بن حارثة) (١).
كيف انخدعت قريظة بداهية الخندق
ولما وصل نعيم بن مسعود إلى حصون بني قريظة (وهم لم يعلموا بإسلامه) بدأ في حياكة خيوط الخدعة الكبيرة التي أدى نجاحها إلى تشتيت شمل الأحزاب وانهزامهم وتخليص المسلمين من ذلك الكرب العظيم.
فقد قال نعيم .. يا بني قريظة قد عرفتم ودّى إياكم وخاصة، ما بيني وبينكم، فلم ينكروا ذلك بل أيدوه قائلين .. صدقت لست عندنا بمتهم.
وهنا بدأ في تنفيذ ما اعتزم تنفيذه من خطة بذر بذور الفرقة والشك وعدم الثقة بين اليهود وبين جيوش الأحزاب ليتسنى له نسف ما بينهم من عهد وتحالف.
стр. 789
فقد جمع زعماء بني قريظة (وكلهم يعرفه ويثق به) وقال لهم - كواحد منهم يحرص على مصلحتهم - إن قريشًا وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره.
وأن قريشًا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه وقد ظاهرتموهم عليه وبلدهم ونساؤهم وأموالهم بغيره، فليسوا كأنتم ..
فإن رأوا نهزة (أي فرصة) أصابوها وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم.
ثم استمر نعيم يشحن نفوس هؤلاء اليهود بالخوف والشك قائلًا .. ولا طاقة لكم به (أي النبي) إن خلا بكم.
ثم ضرب ضربته الأخيرة التي أصابت الهدف في الصميم قائلًا .. فلا تقاتلوا مع القوم (أي الأحزاب) - حتى تأخذوا منهم رهنًا من أشرافهم (سبعين رجلًا) يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمدًا حتى يناجزوه.
ويظهر أن قريظة الغادرة قد بدأ الخوف والفزع ينتابها وبدأت تشعر بالحاجة الماسة إلى ضمانات تحميها من أن ينزل بها عقاب الخيانة الصارم الذي بدأ شبحه المخيف يقلق بالها.
ولهذا فقد وقع نعيم بن مسعود من نفوس زعماء بني قريظة موقع الرضى والقبول، فشكر اليهود لنعيم بن مسعود مسعاه عندما تقدم إليهم بتلك النصيحة قائلين .. لقد أشرت بالرأي، وقرروا التمسك بما أشار به عليهم.
стр. 790
نعيم الداهية في قيادة الأحزاب
وبعد أن تأكد داهية الخندق (نعيم بن مسعود) من نجاح المرحلة الأولى من الخطة التي رسمها لنسف التحالف الوثني اليهودي، وتأكد لديه أن يهود بني قريظة قد انخدعوا بما قاله لهم، ولم يشكوا في أنه ناصح أمين لهم، توجه (فورًا) إلى القيادة المشتركة في معسكر الأحزاب أمام الخندق ليكمل المرحلة الأخيرة من الخطة التي رسمها لتفريق كلمة الأحزاب وإشاعة الفرقة والتخاصم بينهم وبين يهود بني قريظة.
ولما وصل نعيم إلى مقر القيادة المشتركة للأحزاب، طلب الاجتماع (أولًا وعلى انفراد) بالقائد العام لجيوش الأحزاب أبي سفيان وهيئة أركان حربه من القرشيين.
وحينما اجتمع بهم (وهم طبعًا لا يعلمون إسلامه) أخبرهم بأنه ما جاء إلا لأمر جلل، يتعلق بسلامتهم وسلامة جيوشهم، وأن حبه لهم وحرصه على سلامتهم وسمعة جيوشهم رأى أنه لزامًا عليه أن يخبرهم بأمر خطير علمه قبل حلفائهم يهود بني قريظة.
فقد قال لأبي سفيان وهيئة أركان حربه من القرشيين .. قد عرفتم ودّى لكم وعداوتي لمحمد ..
فلم ينكروا عليه هذا القول لأنهم كانوا يعرفونه مشركًا لا يدين بالإسلام، ومن وجوه الأحزاب الذين شاركوا في ضرب الحصار على المدينة ومناوشة المسلمين.
فلما رأى الثقة به بادية عليهم، نقل إليهم - كالناصح المخلص ما اعتزمت قريظة اليهود من طلب الرهائن منهم لتطمئن إلى أنهم لن يفكوا الحصار عن المدينة حتى يتم القضاء على المسلمين، وأضاف إلى هذا
стр. 791
الخبر (زيادة من عنده) أن اليهود ندموا على نكثهم العهد الذي بينهم وبين محمد وأنهم لن يطلبوا الرهائن السبعين منهم إلا ليسلموهم للنبي ﷺ ليقتلهم كترضية له وتكفيرًا عن نقضهم العهد وكدليل على ولائهم للمسلمين من جديد، فكان هذا من أحكم خطط الدس والوقيعة لتفريق كلمة العدو.
فقد قال نعيم بن مسعود لقادة قريش .. إنه قد بلغني أمر قد رأيت عليَّ حقًّا أن أبلغكموه نصحًا لكم، ولكن فاكتموا عني .. قالوا .. نفعل.
فقال لهم .. تعلمون أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوه فيما بينهم وبين محمد (يعني ما قاموا به من نقض العهد) وقد أرسلوا إليه إنا قد ندمنا على ما فعلنا - ثم أبلغوه استعدادهم لوضع يدهم في يده من جديد وأنهم مستعدون ليكونوا معه على الأحزاب وأنهم لكي يبرهنوا له على صدق ما ذكروا قالوا له - .. فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من قريش وغطفان رجالًا من أشرافهم، فنعطيكم فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقى منهم حتى تستأصلهم، وأنه (أي محمدًا) قد أرسل إليهم بالموافقة قائلًا .. أن نعم.
ثم قال نعيم لقادة قريش ناصحًا .. فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنًا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلًا واحدًا.
انخداع الأحزاب بداهية الخندق
وبعد أن ترك هذا الداهية العظيم ﵁ نفوس القادة القرشيين نهبًا لنوازع الشك والريبة والحقد على حلفائهم الجدد بني
стр. 792
قريظة، توجه فورًا إلى قومه (غطفان)، وفي معسكر هذه القبيلة العظيمة طلب (على انفراد) بزعمائها وقادتها (عيينة بن حصن الفزاري طليحة بن خويلد الأسدي والحارث بن عوف المرّى)، وعندما اجتمع بهم، قال لهم:
يا معشر غطفان: إنكم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إلي ولا أراكم تتهموني.
قالوا .. صدقت ما أنت عندنا بمتهم.
فأبلغهم أن لديه خبرًا خطيرًا يتعلق بسلامتهم .. قائلًا فاكتموا عني.
قالوا .. نفعل.
فقال لهم مثل الذي قال لقادة قريش بشأن ما عزم عليه اليهود من طلب الرهائن منهم، وحذرهم -كما حذر قادة قريش من أن يجيبوا قريظة إلى ما طلبوا من تسليم الرهائن.
فشكروا له صنيعه وأكدوا له أنهم لن يسلموا لقريظة رهينة ولا رجلًا واحدًا.
وهكذا نجح نعيم بن مسعود في حبك خديعته الكبرى نجاحًا كاملًا.
وفد الأحزاب إلي بني قريظة
فقد اهتم أركان القيادة المشتركة من الأحزاب (قريش وغطفان) لهذه الأنباء التي نقلها نعيم بن مسعود (الذي ما كانوا يشكون لحظة بأنه
стр. 793
على دينهم) اهتمامًا بالغًا وانزعجوا لها انزعاجًا كبيرًا، بعد أن وقع في نفوسهم صدق ما نقل إليهم نُعيم بن مسعود، فباتوا بشر ليلة من القلق وقد امتلأوا حنقًا وغيظًا علي بني قريظة.
وبهذا نجح هذا الداهية العظيم في وضع مواد التفجير في المواقع الحساسة من صرح التحالف بين الأحزاب وبين يهود بني قريظة حتى نسفه نسفًا كاملًا.
فبعد أن وصل الصحابي الألمعي نعيم بن مسعود إلى هذه الدرجة من شحن نفوس الفريقين (اليهود والأحزاب) بما لا مزيد عليه من الشك والريبة وعدم الثقة في بعضهم البعض اتفقت قيادة الأحزاب المشتركة (وكان ذلك مساء يوم الجمعة) على أن تبعث إلى بني قريظة وفدًا من قادتها وزعمائها ليتصل ببنى قريظة موضوع الأنباء التي نقلها نعيم بن مسعود.
ولكي يصلوا إلى الحقيقة ويعرفوها (بطريق غير مباشر) كلفوا وفدهم بأن يطلب من اليهود الاستعداد للدخول في المعركة مع المسلمين أن يبلغهم أن صباح يوم السبت هو الوقت المحدد للهجوم العام على المسلمين.
(وفعلًا) توجه وقد الأحزاب إلى منازل بني قريظة تلك الليلة في جنح الظلام، وقد تسلل رجال الوفد هذا (سرًّا) إلى منازل بني قريظة الواقعة خلف خطوط المسلمين، وذلك خوفًا من دوريات المسلمين التي كانت تطوف حول المدينة طول الليل.
стр. 794
الأحزاب تطلب الهجوم وقريظة تطلب الرهائن
ولما وصل وفد الأحزاب إلى حصون بني قريظة لمس (لأول وهلة) الفتور باديًا على زعماء هؤلاء اليهود، ولكن هذا الوفد أبلغ بني قريظة (باسم القيادة المشتركة للأحزاب) رغبة هذه القيادة في القيام بالهجوم العام الخاطف على المسلمين كما هو المتفق عليه (أصلًا) بين الفريقين وطلبوا منهم الاستعداد لذلك قائلين:
(يا بني قريظة) إنا لسنا بدار مقام، لقد هلك الخُف والحافر (١) فأعدوا للقتال حتى نناجز محمدًا ونفرغ مما بيننا وبينه، ولم يشأ زعماءُ اليهود أن يصدموا أعضاء وفد الأحزاب بإعلان رفضهم الهجوم على المسلمين إلا بعد أخذ الرهائن منهم (لأول وهلة) بل تدرجوا في ذلك حتى أعلنوه أخيرًا.
فقد كان جوابهم على طلب الاشتراك في الهجوم على المسلمين (صباح يوم السبت) هو اعتذارهم عن القتال في هذا اليوم بحجة أنهم (حسب تعاليم دينهم) لا يعملون في يوم السبت شيئًا مهما كان تافهًا فكيف بالحرب.
فقد قالوا لوفد الأحزاب .. نحن لا نقاتل يوم السبت، وقد علمتم ما زال منا من تعدَّى في السبت، وكان قد أحدث فيه (أي السبت) حدثًا فأصابه ما لم يخف عليكم.
ثم أفصحوا عن مخاوفهم من أن ينسحب الأحزاب قبل القضاء على المسلمين واستئصال شأفتهم - هذه المخاوف المستحكمة التي جاءت نتيجة
стр. 795
تدبير نعيم بن مسعود المحكم - أفصح هؤلاء اليهود لوفد القيادة المشتركة في الأحزاب بقولهم: ولسنا - مع ذلك - بالذي يقاتل معكم محمدًا فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب واشتد عليكم القتال أن تنثمروا عنا إلى بلادكم وتتركونا والرجل (يعني النبي ﷺ ) في بلادنا ولا طاقة لنا بذلك منه.
ظهور الخلاف بين الأحزاب واليهود
وبعد أن سمع وقد قيادة الأحزاب هذا الجواب من حلفائهم اليهود لم يجر معهم أية مناقشة، بل عاد أدراجه إلى مقر القيادة المشتركة وأخبر قادة الأحزاب بما سمع من جواب من يهود بني قريظة.
وهنا لم يبق أي شك لدى هذه القيادة في صدق ما قاله لهم نعيم بن مسعود من أن هؤلاء اليهود قد بيتوا الغدر بهم وأنهم لم يطلبوا الرهائن منهم إلا ليسلموهم للنبي ﷺ لضرب أعناقهم كدليل على ولائهم للمسلمين وتكفيرًا عن جريمة نقض العهد الذي بينهم وبين النبي ﷺ .
فقد قال قادة الأحزاب بعضهم لبعض (بصوت واحد) .. والله إن الذي حدثكم به نعيم بن مسعود لحق.
وهنا تحول الشك في نفوس الأحزاب إلى يقين بأن يهود بني قريظة قد غدروا بهم واتفقوا مع المسلمين عليهم وأنهم (لا شك) مسلموا رهائنهم للنبي ﷺ إذا استلموهم منهم.
стр. 796
الأحزاب يرفضون إعطاء الرهائن
لذلك فاضت نفوس قادة الأحزاب بالغيظ والنقمة على اليهود فأرسلوا إليهم (في الحال) وفدًا آخر ليبلغهم رفض ما طلبوا من رهائن ويطلب منهم تنفيذ الاتفاقية بالهجوم على المسلمين، إن أرادوا.
وقد أسرع الوفد بالذهاب ثانية إلى ديار بني قريظة، وأبلغهم (باسم قيادة الأحزاب المشتركة) رفض ما طلبوا من تسليم الرهائن - وأن هذا الطلب هو دليل عدم الثقة وطعن في شرف كلمة قيادة الأحزاب التي أعطوها لليهود - فقد قال الوفد لزعماء بني قريظة .. (وعلى لسان قيادة الأحزاب المشتركة) .. إنا والله لا ندفع إليكم من رجالنا رجلًا واحدًا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا.
ولدى سماع زعماء قريظة هذا الجواب من قيادة الأحزاب المشتركة لم يبق لدى هؤلاء اليهود أي شك في صدق ما أشار به عليهم (نديمهم السابق) نعيم بن مسعود بشأن قريش وغطفان، فقد قال بعضهم لبعض:
"إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق، ما يريد القوم إلا أن تقاتلوا، فإن رأوا فرصة انتهزوها، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم، وخلوا بينكم وبين الرجل.
وعلى أساس هذا الاعتقاد، أرسلت قريظة إلى قيادة الأحزاب المشتركة مبعوثًا ليبلغهم (في إصرار) بأن هؤلاء اليهود لن يشتركوا في أي هجوم على الجيش الإسلامي إلا إذ أعطتهم قيادة الأحزاب الضمانات الكافية التي تضمن عدم انسحابهم إلا بعد القضاء على المسلمين قضاء تامًّا.
стр. 797
فقد قال مبعوث قريظة - على لسانها - لقادة الأحزاب .. إنا والله ما نقاتل محمدًا معكم حتى تعطونا رهنًا.
وبالطبع رفضت قيادة الأحزاب (مرة أخرى) طلب اليهود احتجاز الرهائن من الأحزاب.
شيطان بني النضير يحاول رأب الصدع
ولقد حاول زعيم يهود بني النضير ورأس الفتنة (حيي بن أخطب) إنقاذ الموقف المتدهور بين الأحزاب وبني قريظة، فذهب إلى يهود بني قريظة محاولًا إقناعهم بالإشتراك في الهجوم على المسلمين، ولكن محاولته هذه باءت بالفشل، فقد أصر بنو قريظة على موقفهم المتشدد قائلين لحيي بن أخطب.
"والله لا نقاتل معهم حتى يدفعوا إلينا سبعين رجلًا من قريش وغطفان رهنًا عندنا" (١).
وبهذا تم إحكام آخر فصل من فصول الخدعة الكبرى التي نسج خيوطها الداهية العظيم نعيم بن مسعود فاستحكمت حلقات الأزمة بين اليهود وقيادة الأحزاب وأصبح من المستحيل التوفيق بينهما، وبدأ المسلمون يتنفسون الصعداء.
стр. 798
بنو قريظة يفاوضون الناس في الصلح
ونقل البيهقي في (الدلائل) عن موسى بن عقبة أن اليهود لما تفاقم الخلاف بينهم وبين قيادة الأحزاب، ورفضت هذه القيادة إعطاء اليهود الرهائن الذين طلبوا، إتصلوا بالنبي ﷺ يطلبون الصلح على أن يسمح النبي ﷺ بعودة إخوانهم بني النضير إلى المدينة، ولكن هذا الطلب رفض من قبل النبي ﷺ .
وعلى كل حال فإن الشقاق قد حصل بين الأحزاب وحلفائهم الجدد (يهود بني قريظة)، وظن بعضهم ببعض سوءًا، ووصل الخلاف والتنافر بين الفريقين (اليهود والأحزاب) إلى درجة أصبح الحلف العسكري المعقود بينهما في حكم المنتهى، وصار كل منهما يحمل الآخر مسؤلية انفصام عرى هذا الحلف.
إنهيار الاتحاد الوثني اليهودي
وعندما وصل الخلاف والتنافر إلى هذه الدرجة، فكرت القيادة المشتركة للأحزاب في إنهاء الحصار المضروب على المدينة والرجوع بجيوشها كل إلى بلاده، وترك اليهود وشأنهم، ليلقوا مصيرهم الرهيب، لا سيما وأن التذمر والاستياء أخذ يظهر في معسكر الأحزاب الذي ظل جنوده (وهم أكثر من عشرة آلاف) قرابة ثلاثين يومًا معوقين مجمدين أمام الخندق لا يستطعون القيام بأي عمل عسكري حاسم ضد المسلمين وهذا مما يبعث السأم والضيق في نفوس هؤلاء القوم الذين لم يألفوا طيلة حياتهم (في الحروب) التجميد والمرابطة أمام المدن، وإنما ألفوا الحروب
стр. 799
الخاطفة والغارات السريعة التي لا تستغرق عملية القيام بها سوى يوم أو بعض يوم.
يضاف إليها أنه في الوقت الذي استحكم الخلاف فيه بين اليهود والأحزاب هبت على المنطقة التي يعسكر فيها الأحزاب رياح هوج كانت لقوتها تقتلع الخيام وتهدم الأبنية وتكفأ القدور ولا تترك نارًا تشتعل.
أبو سفيان يأمر بالإنسحاب
فأزعجهم هذا الوضع إلى حد سارع معه القائد العام أبو سفيان بن حرب - بعد التشاور مع بقية القيادة المشتركة - إلى إصدار الأوامر إلى جنود الأحزاب بالإنسحاب أن يعود كل منهم إلى دياره، وشرح لهم الأسباب التي ليسوا بحاجة إلى شرحها - والتي منها - وقد يكون أهمها - اعتقاد الأحزاب أن اليهود قد تصالحوا مع المسلمين وغدروا بهم.
ولما كان النبي ﷺ يتوقع انسحاب الأحزاب بعد الذي حدث بينهم وبين اليهود من خلاف، فقد كلف أحد رجال استخباراته الأذكياء الشجعان بأن يذهب ويدخل (متنكرًا) إلى قلب معسكر الأحزاب ليأتي إليه بحقيقة الموقف هناك.
وكان هذا الرجل هو حذيفة بن اليمان الذي ذكرنا جانبًا من قصته فيما مضى من هذا الكتاب.
ولنترك هذا البطل ليقص تسلله إلى معسكر الأحزاب وكيف حصل
стр. 800
على كل ما تحتاج القيادة النبوية من معلومات قيمة هامة عن حالة العدو.
فقد ذكر حذيفة أن النبي ﷺ في تلك الليلة الحاسمة - استدعاه وقال له .. يا حذيفة، إذهب فادخل في القوم فانظر ماذا يفعلون، ولا تحدثن شيئًا حتى تأتيني، قال .. فذهبت فدخلت في القوم، والريح وجنود الله تفعل ما تفعل بهم لا تقر لهم قدرًا ولا بناء.
فقام أبو سفيان فقال .. يا معشر قريش لينظر امرؤ من جليسه - وهذا من أبي سفيان تحفظ من أن يكون داخل المعسكر أحد يتجسس لحساب المسلمين.
وقد أوقع هذا الأمر حذيفة في مأزق، ولكنه لذكائه تخلص في هذا المأزق حيث سارع إلى الرجل الذي بجانبه وبدأه بالسؤال قائلًا: من أنت، فقال: فلان بن فلان، وبهذا العمل تمكن حذيفة من الخروج من المأزق الذي وقع فيه والذي (فيه) كاد يقع في قبضة المشركين لو انكشف أمره (١).
أبو سفيان يخطب في الجيش
قال .. حذيفة (ثم) قال أبو سفيان .. يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا
стр. 801
عنهم الذي نكره ولقينا من شدة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناءُ فارتحلوا فإني مرتحل، ثم قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث فما أطلق عقاله إلا وهو قائم.
ويحدثنا حذيفة كيف أنه كان من السهل عليه قتل القائد العام أبي سفيان، وأنه حاول ذلك، لولا أنه تذكر الأوامر المشددة الصادرة إليه من قائده الأعلى رسول الله ﷺ بأن لا يحدث شيئًا حتى يأتيه.
فقد حدث حذيفة - يصف محاولته قتل أبي سفيان - فقال .. فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت ضوء نار لهم توقد، وإذا رجل أدهم ضخم يقول على النار بيده ويمسح خاصرته ويقول: الرحيل، ولم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك، فانتزعت سهمًا من كنانتي أبيض الريش فأضعه في كبد قوسي لأرميه به في ضوء النار فذكرت قول رسول الله ﷺ .. لا تحدثن شيئًا حتى تأتيني فأمسكت ورددت سهمي إلى كنانتي.
فك الحصار عن المدينة نهائيًا
قال حذيفة .. ثم إنني شجعت نفسي حتى دخلت العسكر فإذا أدنى الناس مني بنو عامر يقولون .. الرحيل الرحيل، لا مقام لكم، وإذا الريح في عسكرهم، فوالله لأني أسمع صوت الحجارة في رحالهم وفرشهم الريح تضرب بها، قال .. وسمعت غطفان بما فعلت قريش فانشمروا راجعين إلى بلادهم.
стр. 802
ويختتم حذيفة حديثه هذا قائلًا: ثم رجعت كأنما أمشي في حمام فأتيت رسول الله ﷺ , فلما انتصف بي الطريق أو نحو ذلك، إذا أنا بنحو من عشرين فارسًا أو نحو ذلك معتمين فقالوا .. أخبر صاحبك أن الله قد كفاه.
فرجعت إلى رسول الله ﷺ وهو مشتمل في شملة يصلي، فوالله ما عدا أن رجعت حتى راجعني القُرُّ (١) وجعلت أُقرقف من البرد، فأومأ إلي رسول الله ﷺ بيده وهو يصلي فدنوت منه، فأسبل عليَّ شملته، وكان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر صلَّى، فأخبرته أني تركتهم (أي الأحزاب) يرحلون (٢).
وهكذا انقشعت الغمة، وخلص الله المسلمين من براثن المحنة، وقطف المؤمنون الصادقون ثمار صدقهم وصبرهم وثباتهم مع نبيهم الحبيب في تلك الليالى الرهيبة المرعبة التي زاغت فيها الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، فقد أخذت جيوش الأحزاب في فك الحصار عن المدينة، وأخذت كتائبهم تولي الأدبار تجر أذيال الخيبة والخسران، لم تجن من غزوها الكبير هذا سوى التعب والنصب.
الأحزاب تنظم انسحابها
وعندما عزم الأحزاب على الإنسحاب وإنهاء الحصار، قرر القائد العام أبو سفيان، أن يكون الإنسحاب منظمًا لا فوضى فيه ولا اضطراب وأن يكون في حماية قوات مسلحة منظمة تتولى الإشراف عليه.
стр. 803
ولذلك أصدر أبو سفيان إلى قائد سلاح الفرسان في الجيش القرشي (خالد بن الوليد ومساعده عمرو بن العاص) أمره بأن يتوليا الإشراف على تنظيم هذا الإنسحاب، ويقوما بحماية مؤخرة الجيوش المنسحبة من أن يقوم المسلمون بضربها ساعة الإنسحاب.
فامتثل عمرو، وخالد، أمر القائد العام وسارعا، إلى انتخاب مائتين من الخيالة، ثم تمركز هؤلاء الخيالة في المنطقة الواقعة بين مؤخرة معسكر الأحزاب وبين المسلمين، وصاروا يضربون بخيلهم في تلك المنطقة، ويماشون الجيش المنسحب وهو على تعبئة واستعداد، لحمايته من أية غارة يقوم بها عسكر الإسلام، وظلت كتيبة الفرسان القرشية هكذا حتى اكتمل انسحاب جيوش الأحزاب من مواقعها أمام الخندق (تماما) وابتعدت عن منطقة الخطر (١).
أبو سفيان يكتب إلى النبي عند الإنسحاب
ويقول المؤرخون: إن قائد عام جيوش الأحزاب (أبا سفيان) قبل انسحابه، كتب إلى النبي ﷺ خطابًا يعيب فيه عليه الاحتماء بالخندق، ويذكر له أنه لولا مكيدة الخندق لما بقى للمسلمين من وجود، وقد بعث أبو سفيان هذا الخطاب مع أبي سلمة الخشني.
فلما أتى به دعا رسول الله ﷺ أبي بن كعب (٢) فدخل معه قبته فقرأه عليه، فإذا فيه:
стр. 804
"باسمك اللهم، فإني أحلف باللاة والعزى وأساف ونائلة وهبل، لقد سرت إليك في جمعنا وإنا نريد ألا نعود إليك أبدًا حتى نستأصلكم فرأيتك قد كرهت لقاءنا وجعلت مضائق وخنادق، واعتصمت بالخندق فاعتصمت بمكيدة ما كانت العرب تعرفها، وإنما تعرف ظل رماحها وشبا سيوفها، وما فعلت هذا إلا فرارًا من سيوفنا ولقائنا، فليت شعرى من علمك هذا، فإن نرجع عنكم، فلكم منا يوم كيوم أحد ننصر فيه النساء".
وبعد أن عرف النبي ﷺ محتوى خطاب أبي سفيان كتب إليه جوابًا يقول فيه:
"بسم الله الرحمن الرحيم .. من محمد رسول الله إلى أبي سفيان بن حرب أما بعد فقد أتاني كتابك وقديمًا غرك يا أحمق بني غالب وسفيههم بالله الغرور، وسيحول الله بينك وبين ما تريد ويجعل الله لنا العاقبة، وأما ما ذكرت أنك سرت إلينا في جمعكم وأنك لا تريد لنا العاقبة، حتى تستأصلنا فذلك أمر الله يحول بينك وبينه ويجعل لنا العاقبة وليأتين عليك يوم أكسر فيه اللات والعزى وأسافًا ونائلة وهبل حتى أذكرك بذلك - يا سفيه بني غالب - وأما قولك "من علمك" الذي صنعنا من الخندق فإن الله تعالى ألهمني ذلك لما أراد من غيظك به وغيظ أصحابك (١).
وهكذا (وبعد حصار خانق شديد دام حوالي شهر بلغت فيه حالة المسلمين من الضيق والتعب والإرهاق حد الإعياء والزلزال) هزم الله
стр. 805
الأحزاب وكبت الخونة الغادرين من يهود بني قريظة، وكتب النصر للمؤمنين الصابرين، وكان نصرًا ساحقًا عظيمًا دون أن يتكبد المسلمون في سبيله خساره من الرجال تذكر، وهذا الذي عناه الله تعالى بقوله ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَال﴾.
وبعد أن تمت عملية انسحاب جيوش الأحزاب من معسكراتها حول المدينة، أصدر النبي ﷺ أمره إلى جيشه بالعودة إلى المدينة، فأخذ هذا الجيش في ترك مواقعه واتجه نحو المدينة، بعد أن تنفس الصعداء وتخلص من ذلك الكرب العظيم الذي لم يشهد مثله في تاريخه.
آخر غزوة يقوم بها العدو
ولقد أبلغ النبي ﷺ أصحابه (وهم يتركون مواقعهم خلف الخندق) بأن هذه الغزوة التي قام بها الأحزاب ستكون آخر عملية عسكرية يقوم بها الأعداء ضد المسلمين، وأن الجيش الإسلامي سيكون (بعد هذه الغزوة) هو الغازى دائمًا.
فقد أخرج البزار من حديث جابر بإسناد حسن أن النبي ﷺ قال يوم الأحزاب - وقد جمعوا له جموعًا كثيرة - "لا يغزونكم بعدها أبدًا ولكن أنتم تغزونهم".
وفعلًا، فإن المسلمين - بعد غزوة الأحزاب - لم يتعرضوا لأي غزو من قبل العدو، وإنما كانو هم الذين يقومون بغزو الأعداء، حتى تمت لهم السيطرة الكاملة على جزيرة العرب، وهكذا فإن محمدًا ﷺ ، لا ينطق عن الهوى (و) "إن هو إلا وحي يوحى"، ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 806
الفصل الخامس
* عدد قتلى الفريقين في المعركة.
* حديث القرآن عن المعركة.
بالرغم من أن معركة الأحزاب هذه هي أخطر غزوة يتعرض لها المسلمون في تاريخهم، وبالرغم من أنها من أشد ما شهد المسلمون في عملياتهم الحربية، من حيث الخوف والقلق والتعب والرعب والإرهاق فإن قتلى الفريقين فيها لم يزيدوا على أحد عشر رجلًا وجريحين.
عدد شهداء المسلمين
فقد كان كل شهداء المسلمين في هذه المعركة (ثمانية فقط)، وكلهم من الأنصار، إذ لم يقتل أحد من المهاجرين في هذه المعركة وهؤلاء الشهداء هم:
(أ) من بني الأشهل (وهم بطن من الأوس) ثلاثة نفر، وهم:
١ - سيد الأوس وقائدهم (سعد بن معاذ (١). أصابه سهم وظل منه جريحًا حتى مات منه بعد غزوة بني قريظة.
٢ - أنس بن أوس بن عتيك (٢).
стр. 807
٣ - عبد الله بن سهل (١).
(ب) ومن بني جشم (وهم بطن من الخزرج) رجلان, وهما:
١ - الطفيل بن النعمان (٢)، قتله قاتل حمزة، زرقه بحربة عبر الخندق.
٢ - ثعلبة بن غنمة (٣).
(ج) ومن بني النجار (وهم بطن من الخزرج)، نفر واحد وهو:
١ - كعب بن زيد (٤).
هؤلاء الشهداء الستة ذكرهم ابن إسحاق، غير أن هناك شهيدين لم يذكرهما ابن إسحاق، قتلا وهما يقومان بأعمال الإستكشاف لمعرفة
стр. 808
تحركات جيوش العدو قتلتهما دورية لجيوش الأحزاب، كانت تقوم بأعمال الاستطلاع بالقرب من المدينة.
وقد ذكر هذين الشهيدين ابن برهان الدين في كتابه (السيرة الحلبية) ج ٢ ص ١٠١ وهما:
١ - (سليط) ولم يزد في السيرة الحلبية غير هذا، بل قال: (سليطًا) فقط.
١ - سفيان بن عوف.
ولم يذكر ابن برهان الدين في كتابه هل هذان الشهيدان من المهاجرين أم من الأنصار، والأقرب إلى الصواب أنهما من الأنصار, لأنه يستبعد (جدًّا) أن يرسل النبي ﷺ من يستطلع له أخبار العدو، في أرض هو ليس من أهلها, لأن الأنصار أدرى بتلك المناطق من المهاجرين، فمن المستبعد أن يرسل النبي ﷺ مهاجريًا للقيام - بالاستكشاف في تلك المناطق.
وقد بحثت عن ترجمة لهذين الشهيدين في "الإصابة" والاستيعاب "وطبقات ابن سعد الكبرى"، فلم أجد لهما شيئًا.
وكل ما وجدته - مما يتعلق بهما -هو ما أورده ابن برهان الدين في كتابه (السيرة الحلبية) ج ٢ ص ١٠١ بقوله:
"وأرسل (أي النبي ﷺ سليطًا وسفيان بن عوف طليعة للأحزاب فقتلوهما، فأتى بهما رسول الله ﷺ فدفنهما في قبر واحد، فهما الشهيدان القرينان".
стр. 809
قتلى لم يعرف عددهم
وعلاوة على هؤلاء الثمانية الذين استشهدوا من المسلمين فإن هناك قتلى وجرحى آخرين من المسليمن، أصيبوا (خطأ) في ليلة من ليالي الخندق.
فقد ذكر المؤرخون أن دوريتين للمسلمين خرجتا (ليلًا) لحراسة مشارف الخندق، فالتقتا - ولا يشعر بعضهم ببعض - فظنت كل دورية أن الأخرى من العدو، فاصطدموا، وكانت بينهم جراحة وقتل، ثم نادوا بشعار الإسلام "حم لا ينصرون" فكف بعضهم عن بعض، ولما بلغ الخبر رسول الله ﷺ قال: "جراحاكم في سبيل الله ومن قتل منكم فإنه شهيد".
إلا أن أحدًا من المؤرخين لم يذكر عدد وأسماء القتلى أو الجرحى الذين أصيبوا في هذه الحادثة، والله أعلم.
قتلى المشركين
أما قتلى المشركين في هذه المعركة، فهم أربعة فقط، وكلهم من قريش، وهم:
(أ) من بني عبد الدار رجل واحد، وهو:
١ - منبه بن عثمان بن عبيد.
(ب) ومن بني مخزوم رجل واحد، وهو:
١ - نوفل بن عبد الله بن المغيرة، قتله الزبير بن العوام بعد اقتحامه الخندق بفرسه.
стр. 810
(ج) ومن بني عامر بن لؤي رجلان، وهما:
١ - عمرو بن عبد ود، قتله علي بن أبي طالب.
٢ - حسل بن عمرو بن عبدود، قتله علي أيضًا فيما رواه ابن هشام عن الزهري.
حديث القرآن عن المعركة
وقد تحدث القرآن الكريم عن معركة الأحزاب، وتناول مراحل هذه المعركة في عدة آيات من سورة الأحزاب بلغت سبع عشرة آية، تبدأُ بالآية التاسعة من سورة الأحزاب، وتنتهي بالآية الخامسة والعشرين من نفس السورة.
وأول ما تحدث عنه القرآن هو نزول البلاء على المسلمين بوصول قوات الأحزاب، وإنعام الله على المسلمين بدحر هذه القوات وتسليط العوامل الطبيعية عليهم وإزعاجهم بجنود من عند الله لم يرها أحد، مما أدى إلى إجبارهم على الرحيل عن المدينة وفك الحصار عنها، فقال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾.
ويعنى القرآن الكريم بالجنود الذين جاءُوا لحرب المسلمين، قريش وغطفان وبني قريظة، أما الجنود الذين أشار القرآن إلى أن الله أرسلهم لإزعاج الأحزاب، فقد ذكر كثير من أهل التفسير أنهم الملائكة، ولم يثبت أن الملائكة قاتلوا الأحزاب، ولكنهم أرسلوا للإزعاج والتضييق.