الفصل الخامس
* عدد قتلى الفريقين في المعركة.
* حديث القرآن عن المعركة.
بالرغم من أن معركة الأحزاب هذه هي أخطر غزوة يتعرض لها المسلمون في تاريخهم، وبالرغم من أنها من أشد ما شهد المسلمون في عملياتهم الحربية، من حيث الخوف والقلق والتعب والرعب والإرهاق فإن قتلى الفريقين فيها لم يزيدوا على أحد عشر رجلًا وجريحين.
عدد شهداء المسلمين
فقد كان كل شهداء المسلمين في هذه المعركة (ثمانية فقط)، وكلهم من الأنصار، إذ لم يقتل أحد من المهاجرين في هذه المعركة وهؤلاء الشهداء هم:
(أ) من بني الأشهل (وهم بطن من الأوس) ثلاثة نفر، وهم:
١ - سيد الأوس وقائدهم (سعد بن معاذ (١). أصابه سهم وظل منه جريحًا حتى مات منه بعد غزوة بني قريظة.
٢ - أنس بن أوس بن عتيك (٢).
стр. 807
٣ - عبد الله بن سهل (١).
(ب) ومن بني جشم (وهم بطن من الخزرج) رجلان, وهما:
١ - الطفيل بن النعمان (٢)، قتله قاتل حمزة، زرقه بحربة عبر الخندق.
٢ - ثعلبة بن غنمة (٣).
(ج) ومن بني النجار (وهم بطن من الخزرج)، نفر واحد وهو:
١ - كعب بن زيد (٤).
هؤلاء الشهداء الستة ذكرهم ابن إسحاق، غير أن هناك شهيدين لم يذكرهما ابن إسحاق، قتلا وهما يقومان بأعمال الإستكشاف لمعرفة
стр. 808
تحركات جيوش العدو قتلتهما دورية لجيوش الأحزاب، كانت تقوم بأعمال الاستطلاع بالقرب من المدينة.
وقد ذكر هذين الشهيدين ابن برهان الدين في كتابه (السيرة الحلبية) ج ٢ ص ١٠١ وهما:
١ - (سليط) ولم يزد في السيرة الحلبية غير هذا، بل قال: (سليطًا) فقط.
١ - سفيان بن عوف.
ولم يذكر ابن برهان الدين في كتابه هل هذان الشهيدان من المهاجرين أم من الأنصار، والأقرب إلى الصواب أنهما من الأنصار, لأنه يستبعد (جدًّا) أن يرسل النبي ﷺ من يستطلع له أخبار العدو، في أرض هو ليس من أهلها, لأن الأنصار أدرى بتلك المناطق من المهاجرين، فمن المستبعد أن يرسل النبي ﷺ مهاجريًا للقيام - بالاستكشاف في تلك المناطق.
وقد بحثت عن ترجمة لهذين الشهيدين في "الإصابة" والاستيعاب "وطبقات ابن سعد الكبرى"، فلم أجد لهما شيئًا.
وكل ما وجدته - مما يتعلق بهما -هو ما أورده ابن برهان الدين في كتابه (السيرة الحلبية) ج ٢ ص ١٠١ بقوله:
"وأرسل (أي النبي ﷺ سليطًا وسفيان بن عوف طليعة للأحزاب فقتلوهما، فأتى بهما رسول الله ﷺ فدفنهما في قبر واحد، فهما الشهيدان القرينان".
стр. 809
قتلى لم يعرف عددهم
وعلاوة على هؤلاء الثمانية الذين استشهدوا من المسلمين فإن هناك قتلى وجرحى آخرين من المسليمن، أصيبوا (خطأ) في ليلة من ليالي الخندق.
فقد ذكر المؤرخون أن دوريتين للمسلمين خرجتا (ليلًا) لحراسة مشارف الخندق، فالتقتا - ولا يشعر بعضهم ببعض - فظنت كل دورية أن الأخرى من العدو، فاصطدموا، وكانت بينهم جراحة وقتل، ثم نادوا بشعار الإسلام "حم لا ينصرون" فكف بعضهم عن بعض، ولما بلغ الخبر رسول الله ﷺ قال: "جراحاكم في سبيل الله ومن قتل منكم فإنه شهيد".
إلا أن أحدًا من المؤرخين لم يذكر عدد وأسماء القتلى أو الجرحى الذين أصيبوا في هذه الحادثة، والله أعلم.
قتلى المشركين
أما قتلى المشركين في هذه المعركة، فهم أربعة فقط، وكلهم من قريش، وهم:
(أ) من بني عبد الدار رجل واحد، وهو:
١ - منبه بن عثمان بن عبيد.
(ب) ومن بني مخزوم رجل واحد، وهو:
١ - نوفل بن عبد الله بن المغيرة، قتله الزبير بن العوام بعد اقتحامه الخندق بفرسه.
стр. 810
(ج) ومن بني عامر بن لؤي رجلان، وهما:
١ - عمرو بن عبد ود، قتله علي بن أبي طالب.
٢ - حسل بن عمرو بن عبدود، قتله علي أيضًا فيما رواه ابن هشام عن الزهري.
حديث القرآن عن المعركة
وقد تحدث القرآن الكريم عن معركة الأحزاب، وتناول مراحل هذه المعركة في عدة آيات من سورة الأحزاب بلغت سبع عشرة آية، تبدأُ بالآية التاسعة من سورة الأحزاب، وتنتهي بالآية الخامسة والعشرين من نفس السورة.
وأول ما تحدث عنه القرآن هو نزول البلاء على المسلمين بوصول قوات الأحزاب، وإنعام الله على المسلمين بدحر هذه القوات وتسليط العوامل الطبيعية عليهم وإزعاجهم بجنود من عند الله لم يرها أحد، مما أدى إلى إجبارهم على الرحيل عن المدينة وفك الحصار عنها، فقال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾.
ويعنى القرآن الكريم بالجنود الذين جاءُوا لحرب المسلمين، قريش وغطفان وبني قريظة، أما الجنود الذين أشار القرآن إلى أن الله أرسلهم لإزعاج الأحزاب، فقد ذكر كثير من أهل التفسير أنهم الملائكة، ولم يثبت أن الملائكة قاتلوا الأحزاب، ولكنهم أرسلوا للإزعاج والتضييق.
стр. 811
قال الإمام الشوكاني في (فتح القدير) ج ٤ ص ٢٥٦ .. قال المفسرون .. بعث الله عليهم الملائكة فقلعت الأوتاد، وقطعت أطناب الفساطيط، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وجالت الخيل بعضها في بعض، وأرسل الله عليهم الرعب، وكثر تكبير الملائكة في جوانب العسكر، تخويفًا للأحزاب، حتى كان سيد كل قوم يقول لقومه: يا بني فلان هلم إليّ، فإذا اجتمعوا قال هلم: النجاءَ النجاءَ. أهـ.
وقد جاء هذا التأييد الإلهي للتضييق على الأحزاب، وإزعاجهم بعد أن محَّص الله المؤمنين وصهرهم في مختبر المحن والمصائب التي أخذت بخناقهم وأحاطتهم من كل جانب، فصمدوا لها وأثبتوا (عمليًّا) أنهم بإيمانهم - أكبر من هذه المصائب والنكبات، فقرروا مقاومة الغزو حتى النصر أو الفناء، ومن هنا جاءهم النصر المفاجئ من عند الله جزاء صبرهم وثباتهم وإيمانهم ويقينهم.
حديث القرآن عن تدهور الحالة
وتحدث القرآن الكريم عن تدهور الحالة بين المسلمين، وانتشار الخوف والرعب والفزع بين صفوفهم نتيجة إطباق جيوش الأحزاب عليهم (بمساعدة يهود المدينة) من كل ناحية وإحكام الحصار عليهم بشكل مخيف رهيب، فقال تعالى:
﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾.
стр. 812
إنها صورة الهول الذي روع المدينة، والكرب الذي شملها، والذي لم ينتج منه أحد من أهلها، وقد أطبق عليها المشركون من قريش وغطفان واليهود من بني قريظة من كل جانب من أعلاها ومن أسفلها، فلم يختلف الشعور بالكرب والهول في قلب عن قلب، وإنما الذي اختلف هو استجابة تلك القلوب وظنها بالله، وسلوكها في الشدة، وتصوراتها للقيم والأسباب والنتائج، ومن ثم كان الإبتلاء كاملًا والإمتحان دقيقًا والتمييز بين المؤمنين حاسمًا لا تردد فيه (١).
حديث القرآن عن المنافقين
كما تحدث القرآن الكريم عن مواقف التخريب والإرجاف التي اتخذها المنافقون الموجودون في جيش المدينة، والتي بها ساهموا في مضاعفة الكرب والبلاء النازل بالنبي وصحبه، فقال تعالى:
﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾.
وذلك أن بعض المنافقين، وقفوا في تلك الساعات الحاسمة التي عم فيها الخوف والرعب بين المسلمين، وقف هؤلاء المنافقون يسخرون من وعد الله ورسوله المؤمنين بالنصر، فقالوا .. كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدنا الآن لا يستطيع الذهاب إلى الغائط (خوفًا) .. ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا.
وتحدث كذلك عن طائفة المنافقين الذين - عندما اشتد الكرب واستحكمت حلقات البلاء - انطلقوا يشيعون روح الهزيمة والفرار بين
стр. 813
الجند، بدائع الرغبة في نشر الفرقة والتخاذل داخل صفوف الجيش الإسلامي، فقال تعالى:
﴿وَإِذْ قَالتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إلا فِرَارًا (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إلا يَسِيرًا (١٤) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾.
ويستمر القرآن الكريم في التنديد بهولاء المنافقين الذين سلكوا ذلك المسلك الشائن يوم الأحزاب، فيقول:
﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَو الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلًا (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾.
ويتحدث القرآن عن طبيعة المنافقين الخبيثة المخربة، طبيعة القعود عن الجهاد، وطبيعة تحريض الغير على الإنفضاض من حول النبي ﷺ والانضمام إلى صفوف هؤلاء المنافقين المعوقين، كما يصور حالة الجبن والخور المتأصلة في نفوسهم، عندما تكون الحرب، مع الانتفاش وسلاطة اللسان والتشدق بقارص الكلام في حالة الأمن, فيقول:
﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَينَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إلا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ
стр. 814
حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾.
قال في ظلال القرآن: فخرجوا من الجحور وارتفعت أصواتهم بعد الارتعاش، وانتفخت أوداجهم بالعظمة ونفشوا بعد الانزواء، وادعوا في غير حياء ما شاء لهم الإدّعاء من البلاء في القتل والفضل في الأعمال والشجاعة والاستبسال.
وهذا النموذج من الناس لا ينقطع في جيل ولا في قبيل، فهو موجود دائمًا، وهو شجاع فصيح بارز، حيثما كان هناك أمن ورخاء.
وهو جبان صامت منزو، حيثما كان هناك شدة وخوف، وهو شحيح بخيل على الخير وأهل الخير لا ينالهم منه إلا سلاطة اللسان أهـ.
ويتحدث القرآن كيف كان الفزع والفشل مسيطرًا على قلوب المنافقين ومزيلًا لرشدهم وصوابهم - حتى بعد انصراف جيوش الأحزاب إلى درجة أنهم كانوا يعتقدون أن هذه الجيوش لا تزال في معسكراتها حول المدينة، بالرغم من أنها قد انسحبت نهائيًا.
وكيف أن هؤلاء المنافقين المحسوبين على المسلمين بالرغم من تسللهم من صفوف الجيش ساعة الشدة والروع، وهروبهم من الميدان وبعدهم عن خطر القتال، كانوا لشدة جبنهم يتمنون أنهم من أعراب البادية وأن لا علاقة تربطهم بالمدينة، التي كانت الهدف الأول للغزو، وكيف أنهم كانوا يسألون في فزع وقلق (كما يسأل الجبان الرعديد الذي يحسب كل شيء تحرك هو ضده) عن أخبار نتيجة القتال الدائر بين المسلمين والأحزاب، فقال تعالى:
стр. 815
﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إلا قَلِيلًا﴾.
حديث القرآن عن مواقف المسلمين المشرفة
ثم ينتقل القرآن من الحديث عن الصورة الكالحة الردئية البغيضة التي كان عليها المنافقون منذ نشوب معركة الأحزاب حتى نهايتها، إلى الحديث عن الصورة الوضيئة المشرقة الرائعة التي ظهر فيها النبي الأعظم ﷺ والصفوة من أصحابه يوم أن حاقت بهم المحن وتحالفت ضدهم البلايا وتقاطرت عليهم الرزايا، فصمدوا في وجهها وثبتوا أمام زعازعها ثبوت الرواسي، والتي بدلًا من أن تكون هذه المحن والبلايا لهم مصدر اضطراب وتضعضع وانهيار، كانت مصدرًا للطمأنينة والثقة والإيمان واليقين والاستبشار بنصر الله.
وقد بدأ السياق بذكر الرسول الأعظم ﷺ وهو القدوة الكاملة في الشجاعة والثبات والإيمان وقيادة الأمم إلى شاطئ النصر والظفر عندما تضطرب الأحوال وتتقاطر المحن والرزايا، فقال تعالى:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.
﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾.
ويتحدث القرآن هنا عن هذا النموذج من الرجال الذين (لصلتهم الوثيقة الصادقة بالسماء) لم يزدهم ذلك الكرب الذي نزل بهم - والزلزال
стр. 816
المخيف الذي أصابهم في غزوة الأحزاب، إلا صلابة في إيمانهم وصدقًا فيما عاهدوا الله عليه من الصبر والثبات والتضحية في سبيله حتى الموت، عكس ذلك النموذج الفج الهلوع المهزوز الجبان فريق المنافقين الذي لا يقف عند عهد ولا يوفي بميثاق، فقال تعالى:
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. ويعضهم يرى أن هذه الآية نزلت في أنس بن النضر ﵁، وأصحابه الذين ثبتوا مع رسول الله ﷺ في معركة أحد، فقد روى الإمام أحمد - بإسناده - من ثابت قال: "عمى أنس بن النضر - سميت به - لم يشهد مع رسول الله ﷺ ، فشق عليه، وقال في أول مشهد شهده رسول الله ﷺ غبت عنه، لئن أراني الله تعالى مشهدًا فيما بعد مع رسول الله ﷺ ليرين الله ما أصنع، قال: فهاب أن يقول غيرها.
فشهد مع رسول الله ﷺ يوم أحد، فاستقبل سعد بن معاذ ﵁ فقال له أنس: يا أبا عمرو أين واهًا لريح الجنة، إني أجده دون أحد، قال: فقاتلهم حتى قتل، قال: فوجد في جسده بضع وثمانون بين ضربة وطعنة ورمية، فقالت أخته - عمتي الربيع ابنة النضر -: فما عرفت أخي إلا ببنانه، قال فنزلت الآية ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيهِ﴾ الآية .. قال فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه ﵃.
وعلى أي كان الأمر فإن هذه الآية ينطبق ما جاء فيها من وصف على ذلك النوع من الرجال الأبرار الذي ثبتوا بجانب نبيهم في كل المواقف ووفوا بعهدهم الذي عاهدوا الله عليه سواء كانوا أنس بن النضر وأصحابه
стр. 817
من أبطال أحد، أم الصفوة المختارة من صحابة محمد ﷺ ، الذين ثبتوا معه في معركة الأحزاب.
الابتلاء والإختبار
ثم يعقب القرآن الكريم على تلك المشاهد المختلفة والصور المتباينة التي واكبت معركة الأحزاب بأن ما شاهده الناس من أهوال وكروب ومحن إنما هو للإبتلاء والإختبار، لكي يظهر الصادق على حقيقته (كما هو) فينال جزاءه الطيب عند الله، ويتبين المنافق الكاذب ويظهر أمام الناس (كما هو)، لكي ينال ما يستحق من عذاب ونكال، فقال تعالى معقبًا على ذكر تلك الأحداث:
﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
ثم يختم الحديث عن هذا الحدث الضخم الرهيب (غزوة الأحزاب) بأن الله دائمًا مع المؤمنين الصادقين الصابرين لا يسلمهم لعدوهم ولا يمكنه منهم (ما داموا على صلة وثيقة بالله وعلى يقين بصدق وعده) بل ينصرهم على هذا العدو مهما كانت قوته وجبروته، كما حدث للنبي في غزوة الأحزاب المزلزلة هذه، فقال تعالى:
﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَال وَكَانَ اللَّهُ قَويًّا عَزِيزًا﴾.
كما تحدث القرآن الكريم عن تكاسل المنافقين وأعمالهم التخريبية أثناء حفر الخندق، وكيف أنهم كانوا، يتركون العمل في الخندق دونما
стр. 818
استئذان من النبي القائد ﷺ فندد القرآن الكريم بعملية التسلل التي كانوا يقومون بها تهربًا من المشاركة الفعالة في حفر الخندق الذي قررت قيادة المدينة أن يكون خط الدفاع الرئيسي عن العاصمة، كما أثنى (في الوقت نفسه) على المؤمنين الذين لا يتركون العمل في الحفر إلا عندما تدعو الحاجة الماسة الضرورية، والذين لا يتركون العمل (مع هذا) إلا بعد أخذ إذن خاص من النبي القائد ﷺ فقال تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
ثم وجه تحذيره للمنافقين فقال جل وعلا ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَينَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١).
قال محمد بن إسحاق في سبب نزول هذه الآيات إنه لما كان تجمع قريش والأحزاب في غزوة الخندق (الأحزاب)، فلما سمع بهم رسول الله ﷺ وما جمعوا له من الأمر، ضرب الخندق على المدينة فعمل فيه رسول الله ﷺ ترغيبًا للمسلمين في الأجر، وعمل معه المسلمون فيه فدأب ودأبوا.
стр. 819
وأبطأ عن رسول الله ﷺ وعن المسلمين في عملهم ذلك رجال من المنافقين، وجعلوا يورّون بالضعيف من العمل، ويتسللون إلى أهليهم بغير علم رسول الله ﷺ ولا إذنه، وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها، يذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، ويستأذنه في اللحوق بحاجته التي لا بد منها، فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله، رغبة في الخير واحتسابًا له، فأنزل الله تعالى في أولئك المؤمنون ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ .. الآية﴾ ثم قال تعالى يعصني المنافقون الذين يتسللون من العمل، ويذهبون بغير إذن من النبي ﷺ ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَينَكُمْ .. الآية﴾ أهـ.
стр. 820
الفصل السادس نظرة .. وتحليل
مما لا جدال فيه أن معركة الأحزاب كانت - بالنسبة للكيان الإسلامي الوليد بأكمله - معركة حياة أو موت.
كما أنها كانت -أيضًا - (بالنسبة للذين خططوا لها وقاموا بها) الأمل الوحيد في استعادة هيبتهم الضائعة وسلطانهم المفقود، وذلك بالقضاء على المسلمين ومحو كيانهم من الوجود.
ولهذا كانت غزوة الأحزاب أضخم عمل عسكرى تقوم به اليهودية والوثنية ضد الإسلام في العهد النبوى.
لقد سبقت معركة الأحزاب (من جانب الغزاة) استعدادات هائلة وتنظيمات دقيقة، ولذلك جاءت هذه الغزوة أكثر تنظيمًا وأدق تنسيقًا من كل الغزوات والحملات التي قام بها أعداء الإسلام ضده، فكانت قوات العدو في هذا الغزو أضخم قوة عسكرية يواجهها المسلمون في عقر دارهم، بل كانت أعظم قوة غامرة غازية يقف أمامها المسملون بنسبة واحد لعشرة.
стр. 821
دقة موقف المسلمين
لقد كان كل شيء مادى يوحى (على نحو ساحق) بأن الغلبة ستكون للأحزاب على المسلمين وأن نهايتهم في (حساب التقدير العسكري المجرد) أمر مفروغ منه، وذلك للأسباب الآتية:
١ - قوة العدو الساحقة المتفوقة في كل شيء مادي:
فقد أطبقت على المدينة عشرة آلاف مقاتل من العرب القرشيين والغطفانيين، مجهزين أحسن تجهيز، وكلهم غيظ وحنق على المسلمين يساند هذه القوات العسكرية الضخمة رأس المال اليهودى الطاغى ويخطط لها الفكر الإسرائيلى الماكر الخبيث.
يقابل كل هذه القوات الضخمة في الجانب الآخر (المسلمين) ألف مقاتل فقط هم دون هذه القوة في كل شيء مادى سوى الإيمان.
٢ - نقض اليهود للعهد:
- وبالإضافة إلى الخطر المدمر الذي وقف جيش الإسلام بأكمله لمواجهته، والمتمثل في هذه الحشود القرشية والنجدية الهائلة، تعرض هذا الجيش لوجة مزلزلة مخيفة وهي غدر يهود بنى قريظة، بنقضهم العهد وانضمامهم (وهم وراء خطوط جيش الإسلام) إلى الغزاة في تلك الساعات الرهيبة الحاسمة.
فقد كانت هناك معاهدة دفاع مشترك بين المسلمين ويهود بنى قريظة كان المفروض أن يكون اليهود (بموجبها) جزءًا من الجيش المدافع عن المدينة.
стр. 822
ولكن اليهود بدلًا من أن يشدوا من أزر حلفائهم المسلمين فيقفوا بجانبهم ضد الغزاة المعتدين، إنضموا إلى هؤلاء الغزاة وصاروا (وهم حوالي ألف مقاتل) قوة معادية للجيش الإسلامي تتحفز للانقضاض عليه من الخلف، فكان هذا العمل الشائن من اليهود ضربة موجعة وتهديدًا خطيرًا لا تقل فعاليته عن فعالية القوات الرئيسية الغازية.
لأن التهديد المفاجئ من الخلف لأى جيش (وهو في حالة مواجهة للعدو) قد يكون أشد خطرًا عليه من القوة الرئيسية التي يواجهها.
وفعلًا لقد كان لنقض اليهود العهد وانضمامهم إلى الغزاة أسوأ الأثر بين صفوف جيش المدينة الصغير، حيث تأزمت الحالة, واستحكمت المحنة وتحرج الموقف إلى درجة فكر معها النبي القائد ﷺ في أن يعقد صلحًا منفردا مع قادة غطفان ينصرفون بموجبه عن المدينة على أن يعطى لهم مقابل ذلك ثلث ثمار المدينة، وذلك سعى من النبي ﷺ لتخفيف الضغط العسكري الخانق الذي يتعرض له جيش الإسلام.
٣ - عنصر المنافقين والمرحفين الموجودين داخل جيش الإسلام كجزء منه:
فقد كان هذا العنصر من أشد البلايا على جيش الإسلام المدافع عن المدينة، حيث ظهر هذا العنصر الخبيث على حقيقتة والمسلمون في أقصى درجات المحنة.
فبعد أن نقض اليهود العهد، وآذنوا المسلمين بالحرب تحركت عوامل الخسة والدناءة المتأصلة في نفوس هؤلاء المنافقين الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، فأخذوا - في تلك الساعات الرهيبة التي يجتازها
стр. 823
الكيان الإسلامي - ينسحبون من الجيش، على شكل تسلل، واستئذان مشبوه (أحيانًا)، محدثين بذلك تصدعات خطيرة في معنويات الجند المدافع عن المدينة.
ولم يكتف المنافقون بذلك بل راحوا يشيعون روح الهزيمة في الجيش ويعملون (علنًا) على إشاعة الخوف والفزع داخل صفوفه، حتى أخذ عدده يتناقص إلى أن وصل في الليالى الأخيرة من المعركة إلى ثلاثمائة مقاتل (فقط) (١)، الأمر الذي ضاعف من متاعب قيادة المدينة إلى درجة لا مزيد عليها.
٤ - العوز وحالة الفقر مع برودة الطقس وشدة الرياح:
وبالإضافة إلى هذه الأمور الخطيرة المخيفة التي واجهتها قيادة المدينة، كان عام الأحزاب عام مجاعة وجدب بالنسبة للمسلمين، وكان الفصل فصل برد قارص ورياح هوج، وقد روى الثقاة من المؤرخين أن كثيرًا من المسلمين، يمر بهم اليوم واليومان لا يذوقون فيهما طعامًا وأن النبي ﷺ كما روى البخاري كان يربط الحجر على بطنه من شدة الجوع.
بينما كانت جيوش الأحزاب - من الناحية الأخرى - مزودة بكل المؤن الغذائية اللازمة، ويقف - مع هذا - من ورائها اليهود (وهم ملوك المال) يسدون بما لديهم من ثروات طائلة أي نقص يحدث في تموين جيوش الغزاة.
стр. 824
وقد رأينا (فيما مضى من هذا الكتاب) كيف كان بنو قريظة يرسلون القوافل محملة بالمؤمن إلى جيوش الأحزاب، وكيف وقعت إحدى هذه القوافل في أيدى إحدى دوريات جيش المدينة فصادرتها، وكانت عشرين بعيرًا، فخفف الله بأحمالها من ضائقة المسلمين.
كل هذه العوامل والأساب كانت توحى (لأول وهلة وعلى نحو لا يقبل النقاش) بأن النصر الساحق سيكون حليف الأحزاب ضد المسلمين وأن المدينة لا بد وأن تصبح في قبضة هذه الجيوش الغازية الضخمة الغامرة.
الأمر الذي غرر ببنى قريظة فحملهم على ارتكاب جريمة الخيانة البشعة تلك، إذ نقضوا العهد وانضموا إلى الجيوش الغازية ضد المسلمين ليأخذوا نصيبهم من ثمار النصر الذي لم يكن لديهم أدنى شك (إلا زعيمهم كعب بن أسد) بأنه سيكون حليف الأحزاب.
أسباب فشل الأحزاب
فما هي (إذن) الأسباب التي حالت دون تحقيق هذا النصر الذي توفرت للأحزاب كل أسبابه المادية؟ ؟ . وما هي الأسباب التي جعلت هذا النصر المتوقع يتحول إلى هزيمة منكرة، حيث مني هذا الغزو الكبير بذلك الفشل الذريع الذي يعتبر (على الإطلاق) أعظم فشل يصاب به اليهود والمشركون في تاريخ الصراع بين الإسلام وأعدائه في الجزيرة العربية؟ ؟ .
стр. 825
الأسباب الرئيسية
يمكننا تلخيص الأسباب الرئيسية التي حالت دون تحقيق ذلك النصر وأدت إلى ذلك الفشل الذريع، كما يلي:
السبب الأول ... حفر الخندق:
فقد كان نجاح قيادة المدينة في حفر هذا الخندق كخط أول للدفاع عن المدينة" مكيدة عسكرية فوجئت بها قيادة الأحزاب، بل وصعقت لها، لأن نجاح المسلمين في حفر الخندق قبل وصول جيوش الأحزاب نسف خطتهم (المرسومة لاحتلال المدينة) من الأساس.
لقد كانت قيادة الأحزاب (عندما وضعت نصب عينيها احتلال المدينة كهدف أساسى للغزو) تعتمد - لتحقيق هذا الهدف - على تلك الحشود الكبيرة التي جمعتها والتي بلغت (إزاءها) نسبة قوة المسلمين واحدًا لعشرة، وكانت تقصد من وراء هذا العدد الغامر إلى التغلب على الشجاعة الفائقة التي تميز بها المسلمون، وذلك عن طريق الالتحام معهم في معركة فاصلة، التي مهما كانت شجاعة المسلمين فيها فإن عامل التفوق العددى إلى الدرجة التي وصلت إليها جيوش الأحزاب يكون له أثره الذي لا يستهان به في كسب المعركة، وقديمًا قالوا: الكثرة تغلب الشجاعة ولكن قيام المسلمين بحفر الخندق نسف خطة الأحزاب وقلبها رأسًا على عقب، إذ حال هذا الخندق بين جيوش الأحزاب الهائجة المتدفقة وبين الالتحام مع عسكر الإسلام في معركة فاصلة كما تريد قيادة الأحزاب وكما هي الخطة المرسومة للمعركة.
стр. 826
فقد جمد وجود الخندق نشاط تلك الآلاف المؤلفة من جيوش الأحزاب وشل حركتها، حيث لم تستطع مقاتلة المسلمين إلا عن طريق تسللية انتحارية عبر الخندق، وهذا العمل (مهما تكرر) لا يؤدى إلى النتيجة المرجوة من الغزو ..
وقد جربت قيادة الأحزاب عملية القفز -عبر الخندق- بالخيل لعلها تستطيع (إن نجحت) أن تقيم معابر واسعة تمر منها مشاة الأحزاب (تحت حماية سلاح الفرسان القرشي) إلى ناحية المسلمين، ولكن هذه التجربة باءت بالفشل، إذ كان مصير الفرسان الذين قاموا بها إما القتل وإما الفرار إلى حيث أتوا، وهكذا ظلت قيادة الأحزاب حائرة لا تدري ماذا تصنع إزاء هذه المكيدة الحربية التي لجأ إليها المسلمون فشلوا بها حركة جيوش الأحزاب وعطلوها عن الحركة كما تريد.
التذمر في صفوف الأحزاب
وقد نتج عن تجميد جيوش الأحزاب وعدم قدرتها على القيام بعمل حاسم في معركة فاصلة (بسبب الخندق) تذمر داخل جيوش الأحزاب لأن جل هذه الجيوش من الأعراب (البدو) الذين ألفوا في حروبهم (دائمًا) المعارك الخاطفة التي لا تزيد على يوم أو بعض يوم وما كانوا يعرفون المرابطة أمام الخنادق كل هذه المدة التي رابطوها حول المدينة.
ولهذا فقد ثقل عليهم التجمد وراء الخندق دونما قتال فملوا المرابطة على غير جدوى، الأمر الذي لاحظته قيادة الأحزاب، فأخذت تشعر بالحرج، وصارت (نتيجة لذلك) تفكر في الإنسحاب، ولكن التزامها
стр. 827
لبنى قريظة بعدم فك الحصار عن المدينة إلا بعد القضاء على المسلمين جعلها تتريث لأنها كانت تخشى اللوم إن هي خلت بين اليهود وبين المسلمين الذين سيحاسبونهم حسابًا عسيرًا على غدرهم وخيانتهم دونما شك.
ولهذا فإن قيادة الأحزاب لم تتردد في الانسحاب وترك اليهود وشأنهم عندما حدث ما يبرر ذلك (ولو في الظاهر) وهو إحجام اليهود عن المشاركة في الهجوم على المسلمين إلا بعد الحصول على رهائن من رجالات الأحزاب يحتجزونها عندهم حتى يتم القضاء على المسلمين.
وهكذا فإن نجاح المسلمين في إقامة الخندق كخط دفاع (أول) لصد الغزاة عن المدينة كان من أكبر العوامل التي أدت إلى فشل الغزو بل هو أكبر هذه العوامل إذا ما نظرنا إلى الأمر من الزاوية العسكرية المجردة.
السبب الثاني .. خديعة نعيم بن مسعود
مما لا جدال فيه أن إحداث الفرقة والشقاق في صفوف أي جيش محارب هو من أكبر الأسلحة التي تؤتى ثمارها لصالح خصوم هذا الجيش.
وقد تفعل الفرقة والشقاق بالعدو ما لم تفعله جيوش جرارة مزودة بأحدث الأسلحة وأقواها، ولهذا فإن النبي القائد وهو ذو الخبرة الواسعة والباع الطويل في السياسة العسكرية - طلب من نعيم ابن مسعود (وكان معروفًا بالدهاء والمكر بين العرب) أن يستخدم هذا السلاح - سلاح
стр. 828
الفرقة والشقاق - ضد الأعداء المتحالفين في هذا الغزو المخيف، إذ قال له: - عندما أعلن إسلامه سرًّا ودون أن يعلم به أحد من قومه - "إنما أنت فينا رجل واحد فخذِّل عنا ما استطعت فإن الحرب خدعة".
وقد نجح نعيم بن مسعود في استخدام سلاح الفرقة والشقاق ضد الأعداء نجاحًا كاملًا، إذ استطاع أن يحطم بهذ السلاح وحدة الأحزاب وينسف اتحادهم مع اليهود من الأساس، كما هو مفصل فيما مضى من هذا الكتاب.
فكان هذا النجاح عاملًا مهمًا في تعجيل فك الحصار عن المدينة وإنهاء ذلك الغزو الكبير بانسحاب جيوش الأحزاب الجرارة على تلك الصورة المخزية.
فإقناع نعيم بن مسعود يهود بنى قريظة بعدم التعاون مع الأحزاب إلا بعد الحصول على الرهائن منهم، فتح الطريق أمام قريش وغطفان للتعجيل بالانسحاب، وحفظ لهم ماء الوجه، إن اتخذوا من عدم التعاون هذا مبررًا لانسحابهم وترك اليهود وحدهم يلقون مصيرهم على أيدى المسلمين، الأمر الذي كانت قيادة الأحزاب تتحرج من فعله، قبل أن ترفض قريظة التعاون معهم.
وقد سمعنا فيما مضى من هذا الكتاب كيف حمل أبو سفيان (قائد عام جيوش الأحزاب) بنى قريظة مسئولية ما حدث إذ قال (وهو يأمر بالانسحاب): إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الذي نكره.
стр. 829
السبب الثالث .. العقيدة
وبالإضافة إلى العاملين الحاسمين في فشل الغزو (من وجهة النظر العسكرية المجردة) فإن هناك - من الناحية المعنوية - عاملًا مهمًا (وقد يكون أهم العوامل) في إحباط هذا الغزو الخطير، وهو العقيدة.
فقد كانت العقيدة عند المسلمين الصادقين هي السلاح الرئيسي الذي يعتمدون عليه في كل المعارك، ولهذا فإن العقيدة - عند المسلمين تأتى في المقام الأول بين العوامل والدواعى التي تجعلهم يصمدون ويثبتون، حيث يكون الفرار أو الاستسلام (في حساب المقاييس العسكرية المادية) أمرًا لا مناص منه، بل ولا لوم على فاعليه.
وما يمكن أن نقوله بالتفصيل عن العقيدة وأثرها في نفوس المسلمين وإسهامها (بدرجة أولية ممتازة) في انتصارات المسلمين الحاسمة، قد قلناه مفصلًا في ختام كل من كتابينا (غزوة بدر الكبرى .. وغزوة أحد) تحت هذا العنوان (نظرة .. وتحليل) فليرجع إليه من يريد.
إلا أن العقيدة في معركة الأحزاب قد كان دورها (بالنسبة للمسلمين أهم الأدوار على الاطلاق، حيث كانت هي السلاح الرئيسى بل والوحيد في مواجهة الغزو وإحباطه.
فقد كان سلاح العدو الفعال الوحيد في هذه الغزوة هو الإرجاف والإرهاب والترويع والتخويف والخيانة والغدر والنكث والإرهاق .. وهو سلاح مفزع مخيف (حقًّا) بالنسبة للألف مقاتل تناقصوا حتى لم يبق منهم في آخر ليلة من ليالى هذا الغزو الرهيب إلا ثلاثمائة مقاتل، يحيط بهم أحد عشر ألف مقاتل من كل جانب .. سلاح مخيف رهيب حقًّا، لا يقف في
стр. 830
وجهه إلا سلاح رباطة الجأش وقوة الأعصاب. والاحتفاظ برجاحة العقل وهدوء النفس وثبات الجنان والثقة بنصر الله تعالى.
وهذه العوامل ذات الأثر الحاسم في مقاومة ذلك السلاح الرهيب المخيف الذي تنخلع له القلوب، لا تتوفر إلا لمن يحمل مثل تلك العقيدة الصافية السامية، عقيدة الإسلام، التي جعلت سيد الأوس الشاب (سعد بن معاذ) يقول للنبي ﷺ عندما حاول عقد صلح منفرد مع قبائل غطفان، مقابل ثلث ثمار المدينة (رحمة بجيشه الصغير المحصور) .. والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم.
لقد قال هذا الشاب السيد المؤمن هذه الكلمة الخالدة التي رفض بها الصلح مع غطفان، قالها والمسلمون في أعلى درجات الكرب والضيق قد أخذت المحنة بتلابيبهم وطوقتهم الرزايا والخطوب وأحاطتهم من كل جانب.
رفض سيد الأنصار الشاب فكرة عقد الصلح المنفرد مع غطفان على تلك الصورة، مع أن هذه الفكرة التي استشار النبي الأنصار للموافقة عليها، هي (في عرف السياسة العسكرية) فكرة صائبة لا غبار عليها يلجأ إليها القادة العسكويون ويستخدمونها لتخفيف مؤونة الحرب على جيوشهم حتى اليوم.
لأن تشتيت شمل العدو وإضعاف قوته وتفريق كلمته بأية وسيلة، لا يغيب عن بال أي قائد عسكرى مسئول في كل الحروب بلا استثناء، ولكن قوة العقيدة الراسخة البناءة التي جاء بها هذا النبي الكريم جعلت قادة الأنصار (وهم العمود الفقري لجيش المدينة) يستأذنون نبيهم في رفض فكرة الصلح هذه والاستمرار في المقاومة مهما كانت النتائج.
стр. 831
الخواء العقائدي عند الأحزاب
وإذا كان موقف سعد بن معاذ وقادة الأنصار قد أوضح لنا الصورة الجلية الواضحة عن فعالية سلاح العقيدة في جيش الإسلام الصغير، ومتانة هذه العقيدة وصلابتها إلى الحد الذي جعل المؤمنين بها يقفون ذلك الموقف الرائع، فإن مجئ قادة غطفان (وهم العمود الفقرى لجيوش الأحزاب) إلى مقر القيادة النبوية (سرًّا) ومد يدهم - من وراء ظهر قريش - لعقد صلح منفرد مع المسلمين مقابل ثلث ثمار المدينة، يعطينا الدليل القاطع على الخواء العقائدى الكامل داخل جيوش الأحزاب العظيمة، وأن هذه الآلاف المؤلفة، قد جاءت يسودها التفكك لأنها ليست لها رابطة موحدة تجمعها على عقيدة راسخة صادقة تصلها بالله، فتستعذب الموت في سبيلها، كما هو الحال عند المسلمين.
وإنما جاءت هذه الآلاف المؤلفة تحدوها أهداف رخيصة محدودة ضيقة، أهداف لا يمكن أن تكون أساسًا لنضال أو قاعدة لكفاح أهداف لحمتها وسداها الحصول على ما يمكن الحصول عليه من المغانم المادية بأية طريقة كانت، ثم العودة (بسرعة) إلى خيامها ومسارحها.
مقارنة بين الأحزاب والمسلمين
وبالمقارنة بين هذه الأهداف الرخيصة المحدودة التي جاءت الأحزاب تقاتل في سبيلها، وبين تلك العقيدة الشماء التي يقاتل المسلمون في سبيلها، والتي وقفت (في ظل رايتها) تلك القلة المؤمنة لتواجه تلك الحشود الهائلة، يتضح الفارق العظيم، ويتضح أي سلاح فعال سلاح العقيدة هو، عندما تكون عقيدة بناءة سليمة.
стр. 832
إنه لولا العقيدة التي تسلح به المسلمون في تلك الظروف الرهيبة المزلزلة، ما استطاعوا أن يثبتوا أمام للك الحشود الهائلة التي بلغت عشرة أضعاف المسلمين، ذلك الثبات الذي ظل (على مر العصور) مضرب الأمثال.
لقد كان باستطاعة جيوش الأحزاب الجرارة (لولا الخواء العقائدى الذي يسيطر عليها) أن تسجل على جيش المدينة الصغير، نصرًا حاسمًا حتى مع وجود الخندق، لأن الخندق لا يمكن أن يحول بينها وبين اقتحام المدينة على أية صورة من الصور، لا سيما وأنها تمتاز على المسلمين بذلك التفوق الساحق في العدد.
حقيق، أن اقتحام الخندق لاحتلال المدينة يتطلب تضحيات لا يستهان بها، وما كانت جيوش الأحزاب لتبخل بمئات من القتلى لاقتحام المدينة، لو كان باعث غزوها على مستوى الباعث العقائدى الذي وقف المسلمون (في ظله) يدافعون عن المدينة ذلك الدفاع الرائع.
ولكن لما كان الباعث الحقيقي لحشد هذه الجيوش حول المدينة هو ذلك الباعث المادى الضحل الرخيص، المتمثل في التمكن من السلب والنهب فحسب، فإنه من البديهى أن تحجم هذه الجيوش عن الإقدام على مثل هذا العمل الذي يتطلب الإقدام عليه بذل المهج والأرواح بسخاء كبير.
ولو كان الأمر على العكس، وكان المسلمون هم الذين جاءوا يقودون تلك الجيوش الجرارة التي جاء بها الأحزاب، لما وقف الخندق حائلًا بينهم
стр. 833
وبين احتلال المدينة، بل لاقتحموه في لحظات، كما حدث منهم ومن أبنائهم (مرات ومرات) في الشام والعراق عندما كان الفرس والرومان يخندقون على أنفسهم، وهم أقوى سمحًا وأكثر عددًا من المسلمين.
حصيلة الغزو العكسية
اتضح فيما مضى من هذا الكتاب أن المخطط الذي خرج به زعماء اليهود من خيبر والذي بموجبه تم تحشيد تلك الجيوش الجرارة من قريش وغطفان يهدف (في الدرجة الأولى) إلى إبادة المسلمين إبادة كاملة وهدم كيان الإسلام من الأساس، يشاطرهم في ذلك زعماء قريش وقادة غطفان.
ولكن ما هي النتائج التي جناها قادة اليهود وقريش وغطفان كحصيلة لهذا الغزو الكبير المنظم المخيف؟ .
النتائج كانت - بالتأكيد - عكسية مائة في المائة، وهي تتلخص فيما يلي:
١ - لقد منيت جيوش الأحزاب بهزيمة شنعاء لم تمن بمثلها قريش وغطفان واليهود في تاريخهم الطويل السابق واللاحق.
فقد جنى الأحزاب (كثمرة لهذا الغزو الكبير) تلك الهزيمة المنكرة وذلك الفشل الذريع، بدلًا من خضد شوكة المسلمين وهدم سلطانهم ونسف كيانهم.
فانحدرت هذه الهزيمة بسمعة قريش وغطفان العسكرية إلى درجة لم يستطع معها أي من هذه القبائل (وهي أقوى قبائل الجزيرة على
стр. 834
الإطلاق) مجرد التفكير في غزو المسلمين فكانت لذلك غزوة الأحزاب هذه آخر عملية غزو تقوم بها الوثنية العربية ضد الإسلام في جزيرة العرب.
سمعة المسلمين بعد غزوة الأحزاب
بينما ارتفعت (من ناحية أخرى) سمعة المسلمين العسكرية - بعد هذه المعركة - حتى بلغت الذروة، الأمر الذي جعلهم (حتى سقوط آخر معقل لليهودية والوثنية في جزيرة العرب) أسياد الموقف، يغزون ولا يقدر أحد على غزوهم.
٢ - أما حصيلة اليهود من هذا الغزو الذي هو من صنعهم ونتيجة تفكيرهم، فقد كانت خسارة افدح من خسارة الوثنيين في نجد والحجاز.
فإن هؤلاء القرشيين والنجديين إذا كانوا قد خسروا هيبتهم العسكرية فلزموا الهدوء والسكينة حتى دخلوا فيما دخل فيه العرب من اعتناق الإسلام بعد احتلال مكة هن قبل قوات المسلمين، فإن اليهود لم تبق لهم أية هيبة عسكرية حتى يخسروها، ولكن حصتهم من ثمرة هذا الغزو الذي أثاروا عواصفه، كانت تصفية العنصر اليهودى في يثرب، بإبادة كل رجال يهود بنى قريظة في المدينة، وهم ثمانمائة مقاتل، وسبى نسائهم وذراريهم وهي النكبة المروعة التي كان اليهود قد أعدوا العدة (بالاتفاق مع الأحزاب) لإنزالها بالمسلمين. (١).
стр. 835
ولم تتوقف نكبة هؤلاد اليهود المجرمين على محو ما تبقى لهم من كيان في يثرب، كحصيلة لأعمالهم الشريرة، بل امتدت هذه النكبة إلى موطن الإجرام ووكر التآمر (خيبر) التي رسم فيها مخطط ذلك الغزو الرهيب.
فقد كانت حملة الأحزاب المخيفة درسًا وعته قيادة المدينة - وأيقنت على أثره أن لا مناص من ضرب قواعد العدوان في خيبر، والتي إن لم تضرب وتحطم سيظل الكيان الإسلامى عرضة لخطر التآمر والعدوان في كل لحظة.
لا سيما وأن اليهود يملكون من المال الوفير المكنوز (والمال ذو سلطان قاهر) ما يمكنهم من إثارة أية حرب يريدون إثارتها ضد المسلمين .. ولهذا قامت المدينة - بقيادة النبي الأعظم ﷺ بعملية غزو واسعة ضد اليهود في خيبر حتى سقطت في أيدى المسلمين، وسقط كل قادتها وزعماؤها قتلى في المعركة.
وبسقوط خيبر تمت تصفية آخر معقل لليهود في الجزيرة العربية (١) ولم يقم لليهود بعدها أي سلطان في الجزيرة العربية حتى اليوم ولن يقوم إلى يوم القيامة إن شاء الله.
بقى موضوع يحتاج إلى شيء من الإيضاح في هذا التحليل، وهو موقف التكاسل الذي وقفته من معركة الأحزاب، قبائل غطفان النجدية (وهي التي تشكل الأغلبية في حشود هذا الغزو).
فأثناء استعراضنا لجميع أدوار المعركة لم نر لأى من رجال غطفان (قادة وجنود أي نشاط حربى ضد المسلمين في هذه المعركة.
стр. 836
فكل الذين قاموا بقفز الخندق بخيلهم هم من قريش وليس بينهم غطفانى واحد، كما أن كل القادة الذين تولوا (بالتناوب) عملية إرهاب المسلمين وإزعاجهم بالطواف بكتائبهم حول الخندق (ليلًا نهارًا) هم من قريش فقط، وليس بينهم قائد غطفانى واحد، كما أن التاريخ لم يذكر أنه كان ضمن جنود هؤلاء القادة القرشيين جندى غطفانى واحد.
فما هو السبب في هذا الموقف المتكاسل الذي وقفته قبائل غطفان في هذه الغزوة الكبيرة.
السبب الرئيسي
الذي يظهر لنا أن هناك سببًا رئيسيًا واحدًا، وهو أن قيادة غطفان قد يئست (بعد حفر الخندق) من احتلال المدينة إلا بعد تضحيات جسيمة باهظة.
وما كنت غطفان تحمل عقيدة صافية تصلها بالله، تستعذب الموت في سبيلها، وتؤمن بأن القتل تحت لوائها شهادة ترتفع بقتلاها إلى درجة الصديقين والشهداء، حتى تخاطر بأرواحها فتقتحم الخندق غير مبالية بما يصيبها من قتل وجرح كما هو الحال عند المسلمين.
بل لم تكن غطفان - على ما يظهر - تحمل للمسلمين ذلك العداء العقائدى المرير المتأصل الذي تحمله يهود وقريش، وإنما كل رجال غطفان أعراب خلص لا يعرفون للغزوات والحروب معنى، إلا أنها وسيلة (فقط) للنهب والسلب والحصول على المغنم المادى بأقل خسار ممكنة،
стр. 837
الأمر الذي كان أعراب غطفان يمنُّون النفس بالوصول إليه عندما تحركت جموعهم الغفيرة من مضاربها في صحارى نجد للمشاركة في غزو المدينة.
وحيث أن هذه المكيدة الحربية العظيمة التي ما كان العرب يكيدونها (وهي الخندق) قد جعلت من المستحيل على هؤلاء الأعراب الحصول على المغنم بالطريقة التي ألفوها في حروبهم المكشوفة الخاطفة التي لا تستغرق إلا ساعات قلائل وبصورة مفاجئة، ورأوا أن احتلال المدينة التي يحلمون بغنائمها, لن يكون (إذا ما نجحوا فيه) إلا بعد مغامرة خطيرة يكلفهم الإقدام عليها مئات القتلى مما يجعل المغنم الذي قد يحصلون عليه يتلاشى (في حسابهم المادى) أمام هذه التضحيات الجسام التي يبذلونها من الرجال للوصول إلى هذا المغنم المادى، فإنهم آثروا السلامة على المغنم المحفوف بكل هذه المخاطر الجسام ..
فمن هنا (والله أعلم) جاء إحجامهم عن القيام بأي عمل حربى يعرض أرواحهم للخطر في هذا الغزو الكبير الذي ما شاركوا فيه إلا للحصول على الغنائم والغنائم فقط، وحيث أن هذا أصبح مستحيلًا بعد حفر الخندق، فلا داعى لأن يتعرض هؤلاء الأعراب للقتل أو الجرح، وهذا أمر يتفق (تمامًا) مع منطق الأهداف الصغيرة الضيقة المحدودة التي جاء هؤلاء الأعراب لتحقيقها.
стр. 838
محمّد أحمدَ باشميل
الكِتَاب الرّابع
مِن معارك الإسلام الفاصِلة
- ٤ -
غَزْوَةُ بني قُرَيظَة
المطبَعَةُ السلِفيةَ - وَمكْتبتُها
٢١ شارع الفتح بالروضة - القاهرة ٨٤٠٣٦٤
стр. 839
الطبعة الثالثة
١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ مـ
جميع حقوق الطبع محفوظة
стр. 840
غَزْوَةُ بَنِي قُريظَة
стр. 841
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم الكتاب
دروس من غزوة بنى قريظة
(١)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدى ومولاى رسول الله ﷺ ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ورضى الله عن قادة الفتح الإسلامي وجنوده، وقادة الفكر الإسلامي وجنوده، وعن الذين عملوا من قبل، والذين يعملون اليوم، والذين سيعملون غدًا، بشرف وصدق وإخلاص في خدمة الإسلام والمسلمين، وإعلاء شأنهم بين الأمم، لتكون كلمة الله هي العليا، ويغمر نور الإسلام وهديه القلوب والعقول معًا: مبددًا الظلم والظلمات، ناشرًا العدل والمساواة, رافعًا رايات القرآن عقيدة ولغة شرقًا وغربًا.
وبعد
فقد قرأت مسوَّدات الكتاب الرابع من معارك الإسلام الفاصلة (١) عن غزوة بنى قريظة, فوجدت فيه فائدة وفيه عبرة.
стр. 842
وربما لا أتفق مع بعض ما جاء في الكتاب من آراء المؤلف، وربما أخالفه في أسلوب العرض والتحليل واستخلاص النتائج، ولكننى موقن بأن كل ما يكتبه المؤلف صادر عن إخلاصه لعقيدته ولحضارة أمته، في وقت تنكر فيه كثير من المسلمين لعقيدتهم السمحاء، ولحضارتهم العريقة: ﴿ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم﴾ (١).
فما الذي يثيره هذا الكتاب في العرب خاصة وفي المسلمين عامة من دروس لحاضرهم ومستقبلهم.
لقد انتصر المسلمون الأولون في الصدر الأول من أيام الإسلام على أعدائهم من يهود (٢) ومنافقين ومرتدين وفرس وروم - بالإسلام، عقيدة وعملًا، وتضحية وفداء، وسياسة واقتصادًا، وأخلاقًا ومثلا عليا، واعتزازًا ونخوة، وحضارة وفكرًا .. ولن ينتصر المسلمون على أعدائهم بغير الإسلام بما فيه من تكاليف البذل والتضحية والفداء.
إن الله أعز العرب والمسلمين بهذا الدين القوى المتين، ولن يعزوا بغيره مهما بذلوا من جهد وحاولوا من محاولات.
كان المسلمون الأولون موضع تقدير العالم واحترامه، حين كانوا متمسكين بدينهم النابع من رسالة السماء، معتزين بحضارته، مدافعين عنها بالأفكار النيرة والآراء السديدة، ولن يكونوا موضع تقدير العالم
стр. 843
واحترامه بغير التمسك بدينهم، معتزين بحضارته، مدافعين عنها، مظهرين مفاخرها في ميادين العلوم والآداب والفنون.
لن يكونوا موضع تقدير العالم واحترامه، حتى يكونوا ترجمة عملية لمبادئ دينهم في تصرفاتهم وسلوكهم وأعمالهم، وتجسيدًا لها عملًا صالحًا يمشى على الأرض.
أما أن نستورد المبادئ من الشرق والغرب، مبهورين متخاذلين، ونترك مبادئنا وراءنا ظهريًا.
وأما أن نعرض عن حضارتنا ونتباهى بالحضارة الغربية أو الشرقية، وهي حضارة نصرانية في الغرب وحضارة ملحدة في الشرق: تحارب الإسلام علنًا، وتحاول القضاء على المسلمين لأنهم القوة النائمة التي يخشى الغرب والشرق معًا يقظتها من سباتها العميق ..
أما أن نستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير ...
أما أن نفعل كل ذلك مقلدين مستسلمين، مقبلين مدبرين، متواكلين متهافتين، فلن نكون أكثر من ذنب تافه للغرب أو الشرق، والذنب لا يكون أكبر من حقيقته: يركض وراء صاحبه دون أن يعرف المنقلب والمصير ..
والذين يظنون أن تهافتهم الذليل وراء الغرب أو الشرق سيجعل منهم جزءًا لا يتجزأ منهما قوة وعقيدة وحضارة ومكانه وتعاطفًا وانسجامًا، مغرورون كل الغرور، أو أغبياء كل الغباء، أو مخطئون كل الخطأ، أو عملاء كل العمالة .. ! .
هل أصبح الإفريقيون المتكلمون باللغة الإنكليزية جزءًا لا يتجزأ من الإنكليز؟ .
стр. 844
هل أصبح الإفريقيون المتكلمون باللغة الفرنسية جزءًا لا يتجزأ من الفرنسيين؟ .
هل أصبحت الدول الشيوعية القابعة وراء الستار الحديدى جزءًا لا يتجزأ من الروس؟ .
إن الإنكليز ينظرون إلى الشعوب الإفريقية المتكلمة بالإنكليزية نظرة السيد إلى المسود.
وإن الفرنسيين ينظرون إلى الشعوب الإفريقية المتكلمة بالفرنسية نظرة المتبوع إلى التابع.
والدول الشوعية التي وجدت نفسها ونهضت من كبوتها أظهرت تنكرها للاتحاد السوفياتي بعد جهد جهيد، لأنها وجدت أنها فقدت شخصيتها المميزة لها وأصبحت مستعبدة، كما فعلت الصين (١).
ويوغوسلافيا ورومانيا وألبانيا، وأول الغيث قطر ثم ينهمر .. ! .
والدول الإفريقية والآسيوية أيضًا التي وجدت نفسها ونهضت من كبوتها، أظهرت تنكرها لفرنسا وبريطانيا وللولايات المتحدة مستبعدة لتلك الدول الكبرى.
ولكن لا تزال بعض الدول الآسيوية والإفريقية تعانى ما تعانى من آثار الإستعمار الفكرى فيها.
ومن المؤسف حقًّا، أن تنشر إحدى المجلات العربية الصادرة خلال شهر حزيران (يونية) سنة ١٩٦٦: أن النشيد الوطنى السوفياتى أنشد
стр. 845
في معهد عربي في بلد عربي، فقوبل إنشاده بالهتاف والتصفيق. ولكن حين أُنشد النشيد الوطني لذلك البلد العربي في ذلك المعهد العربي قوبل بالسخرية والاستهزاء .. !
وقد نقلت هذا الخبر محطة إذاعة عربية وأذاعته في الساعة السابعة والربع مساء من يوم ٢٥ حزيران عام ١٩٦٦ ... ! وعلى نفسها جنت براقش ... !
ولكن لمصلحة من كل هذا التهافت والاستخذاء؟ ! ،
(٢)
لقد تنكر العرب والمسلمون لعقيدتهم وحضارتهم، والأمة التي لا تحترم نفسها لا يمكن أن تحترمها الأمم، والمرءُ حيث يضع نفسه، والأمة حيث تضع نفسها.
غير العرب والمسلمون ما بأنفسهم، فتداعت عليهم الأُمم كما تداعى الأكلة على الثريد، وأصبحوا مناطق نفوذ للدول الاستعمارية، وكانوا من قبل سادة الدنيا وقادة العالم.
حتى يهود أصبح لهم في بلاد العرب دولة، وأصبح لهم صولة وأصبحوا قوة لها شأن ولها كيان! !
هؤلاء الذين كانوا ولا يزالون وسيبقون وصمة عار في جبين الإنسانية، ولطخة خزى في ضمير البشرية، ونقمة على العالم كله.
هؤلاء الجبناء: سلاحهم الدس والخديعة، وعتادهم الغدر والخيانة ودأبهم الخسة والمكر ...
إن دولة إسرائيل نتيجة من نتائج إعراض العرب والمسلمين عن دينهم وحضارتهم، ولو كان العرب عربًا حقًّا، ولو كان المسلمون مسلمين حقًّا،