بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم الكتاب
دروس من غزوة بنى قريظة
(١)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدى ومولاى رسول الله ﷺ ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ورضى الله عن قادة الفتح الإسلامي وجنوده، وقادة الفكر الإسلامي وجنوده، وعن الذين عملوا من قبل، والذين يعملون اليوم، والذين سيعملون غدًا، بشرف وصدق وإخلاص في خدمة الإسلام والمسلمين، وإعلاء شأنهم بين الأمم، لتكون كلمة الله هي العليا، ويغمر نور الإسلام وهديه القلوب والعقول معًا: مبددًا الظلم والظلمات، ناشرًا العدل والمساواة, رافعًا رايات القرآن عقيدة ولغة شرقًا وغربًا.
وبعد
فقد قرأت مسوَّدات الكتاب الرابع من معارك الإسلام الفاصلة (١) عن غزوة بنى قريظة, فوجدت فيه فائدة وفيه عبرة.
стр. 842
وربما لا أتفق مع بعض ما جاء في الكتاب من آراء المؤلف، وربما أخالفه في أسلوب العرض والتحليل واستخلاص النتائج، ولكننى موقن بأن كل ما يكتبه المؤلف صادر عن إخلاصه لعقيدته ولحضارة أمته، في وقت تنكر فيه كثير من المسلمين لعقيدتهم السمحاء، ولحضارتهم العريقة: ﴿ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم﴾ (١).
فما الذي يثيره هذا الكتاب في العرب خاصة وفي المسلمين عامة من دروس لحاضرهم ومستقبلهم.
لقد انتصر المسلمون الأولون في الصدر الأول من أيام الإسلام على أعدائهم من يهود (٢) ومنافقين ومرتدين وفرس وروم - بالإسلام، عقيدة وعملًا، وتضحية وفداء، وسياسة واقتصادًا، وأخلاقًا ومثلا عليا، واعتزازًا ونخوة، وحضارة وفكرًا .. ولن ينتصر المسلمون على أعدائهم بغير الإسلام بما فيه من تكاليف البذل والتضحية والفداء.
إن الله أعز العرب والمسلمين بهذا الدين القوى المتين، ولن يعزوا بغيره مهما بذلوا من جهد وحاولوا من محاولات.
كان المسلمون الأولون موضع تقدير العالم واحترامه، حين كانوا متمسكين بدينهم النابع من رسالة السماء، معتزين بحضارته، مدافعين عنها بالأفكار النيرة والآراء السديدة، ولن يكونوا موضع تقدير العالم
стр. 843
واحترامه بغير التمسك بدينهم، معتزين بحضارته، مدافعين عنها، مظهرين مفاخرها في ميادين العلوم والآداب والفنون.
لن يكونوا موضع تقدير العالم واحترامه، حتى يكونوا ترجمة عملية لمبادئ دينهم في تصرفاتهم وسلوكهم وأعمالهم، وتجسيدًا لها عملًا صالحًا يمشى على الأرض.
أما أن نستورد المبادئ من الشرق والغرب، مبهورين متخاذلين، ونترك مبادئنا وراءنا ظهريًا.
وأما أن نعرض عن حضارتنا ونتباهى بالحضارة الغربية أو الشرقية، وهي حضارة نصرانية في الغرب وحضارة ملحدة في الشرق: تحارب الإسلام علنًا، وتحاول القضاء على المسلمين لأنهم القوة النائمة التي يخشى الغرب والشرق معًا يقظتها من سباتها العميق ..
أما أن نستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير ...
أما أن نفعل كل ذلك مقلدين مستسلمين، مقبلين مدبرين، متواكلين متهافتين، فلن نكون أكثر من ذنب تافه للغرب أو الشرق، والذنب لا يكون أكبر من حقيقته: يركض وراء صاحبه دون أن يعرف المنقلب والمصير ..
والذين يظنون أن تهافتهم الذليل وراء الغرب أو الشرق سيجعل منهم جزءًا لا يتجزأ منهما قوة وعقيدة وحضارة ومكانه وتعاطفًا وانسجامًا، مغرورون كل الغرور، أو أغبياء كل الغباء، أو مخطئون كل الخطأ، أو عملاء كل العمالة .. ! .
هل أصبح الإفريقيون المتكلمون باللغة الإنكليزية جزءًا لا يتجزأ من الإنكليز؟ .
стр. 844
هل أصبح الإفريقيون المتكلمون باللغة الفرنسية جزءًا لا يتجزأ من الفرنسيين؟ .
هل أصبحت الدول الشيوعية القابعة وراء الستار الحديدى جزءًا لا يتجزأ من الروس؟ .
إن الإنكليز ينظرون إلى الشعوب الإفريقية المتكلمة بالإنكليزية نظرة السيد إلى المسود.
وإن الفرنسيين ينظرون إلى الشعوب الإفريقية المتكلمة بالفرنسية نظرة المتبوع إلى التابع.
والدول الشوعية التي وجدت نفسها ونهضت من كبوتها أظهرت تنكرها للاتحاد السوفياتي بعد جهد جهيد، لأنها وجدت أنها فقدت شخصيتها المميزة لها وأصبحت مستعبدة، كما فعلت الصين (١).
ويوغوسلافيا ورومانيا وألبانيا، وأول الغيث قطر ثم ينهمر .. ! .
والدول الإفريقية والآسيوية أيضًا التي وجدت نفسها ونهضت من كبوتها، أظهرت تنكرها لفرنسا وبريطانيا وللولايات المتحدة مستبعدة لتلك الدول الكبرى.
ولكن لا تزال بعض الدول الآسيوية والإفريقية تعانى ما تعانى من آثار الإستعمار الفكرى فيها.
ومن المؤسف حقًّا، أن تنشر إحدى المجلات العربية الصادرة خلال شهر حزيران (يونية) سنة ١٩٦٦: أن النشيد الوطنى السوفياتى أنشد
стр. 845
في معهد عربي في بلد عربي، فقوبل إنشاده بالهتاف والتصفيق. ولكن حين أُنشد النشيد الوطني لذلك البلد العربي في ذلك المعهد العربي قوبل بالسخرية والاستهزاء .. !
وقد نقلت هذا الخبر محطة إذاعة عربية وأذاعته في الساعة السابعة والربع مساء من يوم ٢٥ حزيران عام ١٩٦٦ ... ! وعلى نفسها جنت براقش ... !
ولكن لمصلحة من كل هذا التهافت والاستخذاء؟ ! ،
(٢)
لقد تنكر العرب والمسلمون لعقيدتهم وحضارتهم، والأمة التي لا تحترم نفسها لا يمكن أن تحترمها الأمم، والمرءُ حيث يضع نفسه، والأمة حيث تضع نفسها.
غير العرب والمسلمون ما بأنفسهم، فتداعت عليهم الأُمم كما تداعى الأكلة على الثريد، وأصبحوا مناطق نفوذ للدول الاستعمارية، وكانوا من قبل سادة الدنيا وقادة العالم.
حتى يهود أصبح لهم في بلاد العرب دولة، وأصبح لهم صولة وأصبحوا قوة لها شأن ولها كيان! !
هؤلاء الذين كانوا ولا يزالون وسيبقون وصمة عار في جبين الإنسانية، ولطخة خزى في ضمير البشرية، ونقمة على العالم كله.
هؤلاء الجبناء: سلاحهم الدس والخديعة، وعتادهم الغدر والخيانة ودأبهم الخسة والمكر ...
إن دولة إسرائيل نتيجة من نتائج إعراض العرب والمسلمين عن دينهم وحضارتهم، ولو كان العرب عربًا حقًّا، ولو كان المسلمون مسلمين حقًّا،
стр. 846
لقال يهود كما قال أسلافهم من قبل: ﴿إن فيها قومًا جبارين﴾.
تُرى! ماذا كان يحدث لو ترك الرسول القائد عليه أفضل الصلاة والسلام، يهود المدينة المنورة وما حولها، ويهود خيبر، يرتعون ويمرحون، ويغدرون ويدسون، ويخونون ويتآمرون؟ .
إن رسول الله ﷺ ، خاطب يهودًا باللغة الوحيدة التي يفهمونها هي لغة القوة: "الخطة المخزية أو الحرب المجلية" (١)، كما قال أبو بكر الصديق ﵁.
فلماذا يدّعى العرب والمسلمون، بأن رسول الله ﷺ هو أُسوتهم الحسنة وقدوتهم الكريمة، ثم لا يتأسون به ولا يقتدون بأعماله؟ .
إننا عرب ولكن من قوارير، ومسلمون ولكننا مسلمون جغرافيون! !
(٣)
في حرب سنة ١٩٤٨ بين العرب ويهود على أرض فلسطين، كنت ضابط ركن جحفل لواء (٢) مستقر في مدينة (جنين)، فلمست حقائق مذهلة عن جبن يهود الأصيل.
قبل الهدنة الأولى التي فرضتها هيئة الأمم المتحدة على العرب، كانت الجيوش العربية على أبواب (تل أبيب) عاصمة إسرائيل.
стр. 847
وفرض الهدنة الأولى، كان لإنقاذ يهود من اندحار أكيد ..
وبعد معركة (جنين) التي خاضها فوج (١) عراقى واحد مقابل ما يزيد على العشرة آلاف يهودى، أخلى اليهود مدينة العفولة وحيفا، وانفجرت مظاهراتهم الصاخبة مطالبة بإيقاف الحرب بأي ثمن وبدون قيد أو شرط.
ومعركة (جنين)، هي معركة العراء الوحيدة التي اضطر يهود على خوضها، ولم يشهدوا بعدها معركة عراء أبدًا، وصدق الله العظيم: ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٢)﴾.
وكان ضباط يهود حين يحضرون المفاوضات مع ضباط العرب بإشراف ممثلى الهدنة من هيئة الأمم المتحدة، ويرفضون الحضور ما لم يتأكدوا من أن الضباط العرب عُزل من السلاح.
وقد هاجمت دورية (٣) قتال يهودية قرية (جلبون) في ليلة من ليالى خريف سنة ١٩٤٨ وأسرت ستة رجال وامرأتين، فما كان من جيش العراق المرابط في (جنين) إلا أن قصف مستعمرة (تل العمال) القريبة من (بيسان) بست عشرة قنبلة من قنابل المدفعية، وأشاع أن هذه العملية هي انتقام من يهود لأسرهم العرب من جلبون)، فسارع يهود على أثرها بإطلاق سراح الأسرى، وأرسلوهم معززين مكرمين بعد أقل من أربع وعشرين ساعة من موعد قصف المدفعية لمستعمرة (تل العمال) (٤).
стр. 848
ومع ذلك وطدت إسرائيل أقدامها في الأرض المقدسة. ومع ذلك استطاع يهود أن يحتلوا اللدّ والرملة بثلاث مدرعات ...
ومع ذلك استطاعت إسرائيل أن تفرض إرادتها على العرب ...
لقد كان لمن وراء إسرائيل من الدول العظمى أثر بالغ على فرض إسرائيل في جزء مقدس من أرض العرب ودار الإسلام.
ولكن من وراء إسرائيل وزنوا العرب وهم مائة مليون أو يزيدون، ووزنوا المسلمين وهم خمسمائة مليون أو يزيدون، في ميزان القوة مع يهود إسرائيل، وهم يومئد مليون ونصف، فوجدوا أن وزن يهود في ميزان القوة أثقل من وزن العرب والمسلمين، لأن العرب والمسلمين حينذاك كانوا غثاء السيل، ولو كان الأمر خلاف ذلك لتبدل الحال غير الحال.
ويوم يثبت العرب والمسلمون أنهم رجال حقًّا، فسيجدون العالم كله إلى جانبهم، لزن صوت القوة هو الصوت المسموع في العالم كله وكل قول يخالف ذلك هراء في هراء.
لقد كانت الجيوش العربية عام ١٩٤٨ مقيدة بقيود ثقيلة من السياسيين المحترفين الذين كانت قلوبهم مع العرب وسيوفهم مع الاستعمار، لذلك قلت في حفلة توديع الجيش العراقي بمناسبة عودته من فلسطين إلى العراق:
لا تعذلوا جيش العراق وأهله ... بلواكموا ليست سوى بلوانا
إن السنان يكون عند مكبل ... بالقيد في رجليه ليس سنانا
إني لأعلم أن دين محمد ... لا يرتضى للمسلمين هوانا
وهو الخلود لمن يموت مجاهدًا ... ليس الخلود لمن يعيش جبانًا
стр. 849
إن اللغة الوحيدة التي يفهمها يهود، هي لغة القوة، ولن يحلّ مشكلة العرب في فلسطين غير السيف ..
أما هيئة الأمم المتحدة، أما مجلس الأمن الدولى، أما المؤتمرات الدولية، أو الاحتجاجات الصاخبة، أما الخطب والقصائد، أما الصراخ والعويل، فلن تحل هذه المشكلة، وينطبق عليها المثل العربي السائر: "أشبعتهم شتمًا وراحوا بالإبل".
(٤)
تلك هي الدروس التي تبرز من وراء الغيب عبرة للعرب والمسلمين من تاريخ غزوات النبي ﷺ في حرب يهود.
هذه الدروس، وهذه العبر، هي التي يجب أن يأخذ العرب والمسلمون بها لاستعادة حقهم المغتصب في أرض فلسطين.
وإذا لم يكن لهذا الكتاب من فائدة، غير التذكير بهذه الدروس والعبر، فقد كفاه فخرًا وكفى مؤلفه أجرًا.
تحية تقدير للأخ الأستاذ محمد أحمد باشميل على جهوده المثمرة وجهاده المفيد.
والحمد لله كثيرًا، وصلى الله على سيد القادات وقائد السادات رجل الرجال وبطل الأبطال، رسول الله ﷺ .
محمود شيت خطاب
عضو المجمع العلمي العراقي
стр. 850
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كلمة المؤلف
نحمدك اللهم وإياك نعبد وإياك نستعين، ونسألك أن تصلى على نبيك ورسولك محمد الأمين وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه الغُر الميامين، ونضرع إليك اللهم أن تجعل آمالنا خالصة لوجهك الكريم وأن تعصمنا من مزالق الغرور ومهاوى السمعة والرياء إنك سميع مجيب.
وبعد، فهذا هو الكتاب الرابع من سلسلة (معارك الإسلام الفاصلة) نحمد الله العلي القدير الذي أعاننا على إخراجه، ونرجوا (مخلصين) أن ينفع الله به من يقرأه، وشكرًا لمن أرشدنا إلى خطأ فيه لنقوم بإصلاحه.
(١)
منذ اللحظة الأولى التي أشرق فيها نور الإسلام، ومنذ الساعة التي وضل فيها النبي ﷺ إلى المدينة واليهود يكيدون للإسلام ويتربصون به وبالمرسل به الدوائر بغيًا وحسدًا عكس ما يوصيهم كتابهم (التوراة) الذي يجدون فيه محمدًا ﷺ مكتوبًا نبيًّا يجب اتباعه.
وبالرغم من اللين والتسامح الذي عامل به النبي ﷺ اليهود عند ما ألقت إليه يثرب كلها بزمام حكمها، وبالرغم من المعاهدة "معاهدة الدفاع
стр. 851
المشترك والتعايش السلمي وعدم الاعتداء" المعقودة بين المسلمين واليهود فقد ظل اليهود (ما أمكنهم) يقاومون الدعوة الإسلامية ويثيرون المتاعب في وجه حامل لوائها النبي ﷺ يبثون من أراجيف وينشرون من أكاذيب تستهدف تشكيل الناس في صدق دعوته والنفور منها، ويعضدون كل من يريد به شرًّا أو يبيت له ولأصحابه مكروهًا بل ويتآمرون ضد الإسلام بغية الإطاحة بحكمه والقضاء على رسوله.
غير مبالين بعهد أعطوه ولا مقيمين وزنًا لميثاق أبرموه، لأن هذه العهود والمواثيق (عند هؤلاء اليهود) لا قيمة لها ولا اعتبار إلا عندما يكون التمسك والالتزام بها يحقق لهم مصلحة خاصة فحسب.
ولذلك فقد كان سكونهم أو حركتهم (في يثرب) لا يأتيان تمشيًا مع روح العهود والمواثيق التي أعطوها وإنما يأتيان تبعًا للظروف في حدود المصلحة الشخصية، فإن رأوا فرصة مواتية أظهروا البغض والعداء وتحركوا للنيل من المسلمين، وإن لم يروا فرصة لاذوا بالصمت وانزووا كالأفاعي في انتظار الفرصة مواتية، فهؤلاء اليهود، هم (بحق) أول من وضع أسس المذهب (الميكافيلى) الخبيث، كما سيرى القارئ في هذا الكتاب.
ولقد عانى المسلمون ونبيهم ﷺ في يثرب من هذا الخلق اليهودى (طيلة أربع سنوات) مشاق كثيرة ومتاعب عظيمة كان الرسول ﷺ ، يقابلها بحلم واسع وتسامح عظيم، وحتى الذين تآمروا على حياته من هؤلاء اليهود وقرروا اغتياله ذهب في التسامح معهم إلى أبعد الحدود حيث اكتفى (فقط) بنفيهم من المدينة مع أنه قادر على إبادتهم بعد أن استسلموا له دونما قيد أو شرط بعد محاصرتهم وإدانتهم بجريمة التآمر على حياته.
стр. 852
ولم يقف النبي ﷺ من اليهود موقفًا صارمًا لسمعهم لغة السيف الدامية إلا عندما ارتكب فريق منهم (وهم ينو قريظة) أشنع وأخس جريمة في تاريخ الغدر والخيانة، حينما نكثوا العهد وخانوا الميثاق وداسوا شرف الكلمة التي أُعطوها، فانضموا إلى الغزاة من قريش وغطفان في غزوة الأحزاب الرهيبة.
واستعدوا لضرب المسلمين من الخلف في أدق ساعات مصيرهم، مستهدفين القضاء على الإسلام واستئصال شأفة المسلمين استئصالًا تامًّا، غير مبالين بما أعطوا من عهد ولا ملتفتين إلى ما أبرموا من مواثيق.
فكان جزاؤهم الإبادة الكاملة، وهو المصير الذي قد وطدوا العزم على أن يدفعوا المسلمين إليه عندما وضعوا أيديهم في أيدى الغزاة من الأحزاب وظاهروهم على المسلمين قولًا وعملًا، فكانت صرامة العقوبة "وهي إبادة حوالي ثمانمائة مقاتل من هؤلاء اليهود في يوم واحد بعد اندحار الأحزاب" تتناسب وجريمة الخيانة العظمى التي ارتكبها هؤلاء اليهود ضد المسلمين الذين كان يربطهم بهم ميثاق تحالف، ومعاهدة عدم اعتداء، وعهد تواطن في إطار أمة واحدة يجمعها وطن واحد وهو يثرب (١).
(٢)
وبما أن غزوة بنى قريظة، هي المعركة الكبرى والأخيرة التي بها تمت تصفية العنصر اليهودى في يثرب، وبها تم تطهير تلك البقعة الطيبة من شرور ذلك النوع الخبيث من البشر، وبما أن صلة هذا النوع بجزيرة
стр. 853
العرب، صلة موغلة في القدم ترجع إلى ما قبل ميلاد المسيح ﵇ بعدة قرون، فقد رأينا أن نعقد فصلين كاملين، هما الفصل الأول والثاني من هذا الكتاب يتضمنان موجز تاريخ اليهود في جزيرة العرب.
الفصل الأول يتضمن موجز تاريخ اليهود في جزيرة العرب قبل الإسلام، والفصل الثاني يتضمن موجز تاريخهم منذ ظهور الإسلام حتى غزوة خيبر - المعركة الختامية للصراع بين الإسلام واليهود والتي ستكون موضوع كتابنا الخامس من هذه السلسلة إن شاء الله.
في الفصل الأول تحدثنا بإيجاز (وبتوسع أحيانًا) عن تاريخ اليهود في يثرب وتيماء ووادي القرى وخيبر وأيلة (إيلات) ومناطق الشمال الأُخرى، كما تحدثنا في هذا الفصل عن اليهودية بين عرب الجاهلية، كما تحدثنا بإيجاز عن مواقف اليهود من الإسلام (وكلها مواقف عدائية)، وأشرنا إلى كل مراحل الحرب الباردة والساخنة التي كان اليهود يشنونها على الإسلام منذ أن سطع نوره على هذه الأرض. كل ذلك لنعطى القارئ فكرة واضحة عن حقيقة هذا العنصر الذي يمثل (في كل عصر وزمان) دور التخريب والإفساد.
(٣)
كذلك لما كان إعدام حوالي ثمانمائة رجل من يهود بني قريظة في هذه الغزوة مثار انتقادات مغرضة وتهجمات ظالمة على النبي ﷺ من
стр. 854
خصوم تقليديين للإسلام كبعض الكتاب الغربيين واليهود، ومن تلاميذ لهم (أيضًا) ينتسبون إلى الإسلام حيث زعموا جميعًا أن عملية إبادة هؤلاء اليهود تتسم بطابع الوحشية والهمجية، ولا تتفق مع روح التمدن وحقوق الإنسان، فقد أفردنا فصلًا خاصًّا في هذا الكتاب (وهو الفصل الرابع) تناولنا فيه التهم الموجهة إلى النبي ﷺ من هؤلاء الخصوم وناقشناها بالتفصيل وأثبتنا بالحجة والبرهان بطلان تلك التهم والانتقادات، وأوضحنا أن إعدام بنى قريظة لا غبار على شرعيته وتمشيه مع قواعد العدالة، وأنه عمل تقره أصول القضاء في جميع الأعراف والقوانين حتى هذه اللحظة، لأنه عقوبة عادلة نزلت بقوم ارتكبوا جرائم ثلاث، لا تزال القوانين الدولية في جميع أرجاء العالم (بلا إستثناء) تنزل عقوبة الموت بمن ارتكب واحدة منها فكيف بمن ارتكبها مجتمعة، كما فعل بنو قريظة.
وفي هذا الفصل (وعند تعرضنا لبحث استرقاق نساء وأطفال بنى قريظة) تعرضنا للرق في الإسلام بصفة عامة وناقشنا التهم التي وجهت إلى الإسلام من خصومه - عبر موقفه من الرق - وأثبتنا أن الإسلام لم يكن المشرع الأول للرق أو مشجعًا عليه بل هو الدين الوحيد الذي حارب الرق بمختلف الأساليب، فردم جميع منابعه ما عدا نوعًا واحدًا أبقى عليه بعد أن حصره في دائرة ضيقة، وهو الرق الناتج عن الحروب العادلة التي يخوضها المسلمون ضد أعداء الإسلام .. هذا النوع من الرق أبقى عليه الإسلام كإجراء حربى مقابل لا بد منه، لأنه معاملة بالمثل لا مناص للمسلمين من القيام بها تجاه أعداء يسترقوق ويستعبدون من يقع في أيديهم من أسرى المسلمين بما في ذلك النساء والأطفال، وأثبتنا في هذا الفصل أن
стр. 855
الإسلام مع إبقائه على هذا النوع من الرق، قد أعطى الرقيق من الحقوق وكفل له من الضمان والحماية ما لم يعطه أو يكفله له أي عرف أو قانون في الدنيا حيث بلغ به في الارتفاع إلى درجة ساوى فيها بينه وبين مالكه في الحقوق العامة.
(٤)
وفي هذا الكتاب سيرى القارئ كيف أن الخلق اليهودى، هو منذ أن حلت اللعنة بهذا الشعب على لسان دواد وعيسى بن مريم .. سيرى في تصرفات هذا العنصر في جزيرة العرب وخاصة مع المسلمين ونبيهم ﷺ ضروبًا مقرفة من الخسة واللؤم، وألوانًا كالحة من الغدر والخيانة، ونماذج كئيبة من الانتهازية والنكث .. مجموعة، من المخازى ورصيدًا هائلًا من الرذائل لم يسجل التاريخ مثله لأمة من الأمم المغضوب عليها من الله، اللهم إلا ما بدأ التاريخ يسجله الآن (ويا للأسف) لفئة من الناس في المنطقة تتلمذوا على المذهب الميكافيلى اللا أخلاقى فأخذوا يسيرون على نهج هولاء اليهود في الغدر والانتهازية ونكث العهود والمواثيق، فيدعون إلى إبرام الاتفاقيات والعهود والتمسك بها عندما يكتشفون أنها لا تحقق الكسب الخاص الذي دعوا إلى إبرامها من أجل تحقيقه.
بل ويرتكبون من الأعمال الوحشية والهمجية ما لم يرتكب مثله هؤلاء اليهود حيث يبيدون عشرات الألوف من النساء والأطفال المسلمين، ويمسحون من الوجود القرى العزلاء الآمنة ليرهبوا شعبًا مسلمًا أبيا شرسًا قام على كواهل أجداده بنيان تاريخ الإسلام العسكري الشامخ ..
стр. 856
بغية إخضاع واستعمار هذا الشعب العملاق الذي رد المعتدين وسحق الغزاة (عبر القرون) في كل مرة يحاولون فيها إخضاعه واستعماره فصار يضرب به المثل في الصمود ورفض التسلط الأجنبي مهما كان نوعه، حتى صار يطلق على هذا الشعب (من بين جميع الشعوب) اسم محطم الغزاة ومؤدب الطغاة، ومروض الجبابرة .. فلا يعتدى عليه طاغية أو يغزوه طامع إلا وقبر جيشه الغازى وحطم آماله وبدد أطعاعه وجعله وجيوشه (مهما قويت وكثفت) أضحوكة الثقلين وعبرة لمن بعده من الأجيال، وها هو التاريخ اليوم يعيد نفسه في أرض هذا الشعب العملاق الأبى الشرس.
(٥)
إن الذي لا يعرف الخلق اليهودى، ولم يسبق له معاشرة هذا النوع من البشر الذي هو كالجسم الغريب الضار في جسد البشرية ولم يحط علمًا بحقيقة تاريخه، قد يستعظم ما لاقاه ويلاقيه من كره لدى الشعوب عامة، وقد يستبشع ما ينزل أحيانًا بهذا النوع من نفى وتشريد وتقتيل.
ولكن الخبراء بنفسيات هذا الشعب اليهودى والملمين بحقيقة تاريخه (عبر القرون) يؤكدون بما لا يدع مجالًا للشك أن هذا الشعب هو الشعب الوحيد الذي يظهر كل فرد من أفراده وكأنه قد رسخ في ذهنه وامتزج في دمه أن مهمته في الحياة هي الإفساد والتخريب والتدمير لكل ما هو غير إِسرائيلي، فكل تيارات التدمير الخلقى والانحراف العقائدى وما صاحب ذلك من مجازر فظيعة في العالم وارتكاسات مدمرة في حياة الشعوب
стр. 857
وارتباكات في اقتصاديات الأمم إنما هو (في الغالب) من صنع التفكير اليهودى وتخطيطه.
ويكفى للتدليل على ذلك أن الحركة الشيوعية الماركسية التي ارتكب قادتها من جرائم التعذيب والقتل والإبادة - وعلى مستوى من الوحشية والهمجية لم يشهد التاريخ مثلها منذ أن خلق الله الدنيا - هذه الحركة التي لم تُصب البشرية في مختلف عصورها بنكبة مثل نكبتها إنما جاءت وفق بروتوكول وضعه مفكرون من اليهود، ولا أدل على ذلك من أن واضع النحلة الشيوعية (كارل ماركس) هو يهودى مجرم حاقد.
كذلك أثبت التاريخ أن واضع مخطط جرائم المجازر الوحشية الهمجية الرهيبة التي ارتكبت في أول عهد الثورة الفرنسية والمدبر المحرك لهذه المجازر إنما هم اليهود الذين من طبيعتهم التلذذ بما يصيب غيرهم من خراب وتدمير، والذين (تمشيًا مع هذه الطبيعة) لا يستقر بهم المقام بين غيرهم من الشعوب وإلا وشرعوا في تخريبهم وإفسادهم، كما يعرف ذلك كل شعوب العالم.
فما يحل دائمًا باليهود من نفى أو إبادة مما يتظلمون منه في كل عصر وزمان إنما هو (في الغاب) رد فعل معاكس عنيف لما يقومون به من جرائم وخيانات وأعمال تخريب وإفساد بين الشعوب التي يواطنونها ويجدون مستقرًا بينها، وما أصاب بنى قريظة على أيدى المسلمين إنما هو من صنع أولئك اليهود أنفسهم.
فكل القادة والمسئولين الحريصين على سلامة أوطانهم وشعوبهم يحاولون (منذ آلاف السنين) تطهير أوطانهم وتنقية مجتمعاتهم من هؤلاء
стр. 858
اليهود، لعلمهم بحقيقة نفسيات هذا النوع الخطر من البشر الذي لا يواطن أمة من غير جنسه إلا وأفسدها وأطلق (بوسائله الخاصة) به التخريب والتدمير فيها.
وبين أيدينا الآن وثيقة على غاية من الخطورة والأهمية تدين هؤلاء اليهود بالتخريب والإفساد أينما حلوا .. وأهمية هذه الوثيقة تتمثل في كون واضعها من أكبر زعماء الولايات المتحدة الأمريكية في القرن الثامن عشر وأعظم قادتها والمخلصين لها على الإطلاق وهو الرئيس (بنجامين فرنكلين).
ولأهيمة هذه الوثيقة الصادرة عن أحد روساء الولايات الأمريكية فإنا سنثبت هنا النص الحرفى الكامل للوثيقة باللغة الإنكليزية مع ترجمة لها باللغة العربية.
стр. 859
[نص الوثيقة باللغة الإنكليزية]
стр. 860
ترجمة الوثيقة باللغة العربية (١)
في عام ١٧٨٩ م ألقى الرئيس بنجامين فرنكلين خطابًا عند وضع دستور الولايات المتحدة جاء فيه ما يلي:
* هناك خطر عظيم يتهدد الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك الخطر العظيم هو خطر اليهود.
стр. 861
أيها السادة: في كل أرض حل به اليهود أطاحوا بالمستوى الخلقى وأفسدوا الذمة التجارية فيها، ولم يزالوا منعزلين لا يندمجون بغيرهم، وقد أدى بهم الأضطهاد إلى العمل على خنق الشعوب ماليًّا، كما هو الحال في البرتغال وأسبانيا.
منذ أكثر من ١٧٠٠ عام وهم يندبون حظهم الأسيف، يعنون بذلك أنهم قد طردوا من ديار آبائهم ولكنهم أيها السادة، لن يلبثوا إذا ردت إليهم الدول اليوم فلسطين، أن يجدرا أسبابًا تحملهم على ألا يعودوا إليها، لماذا؟ لأنهم طفيليات لا يعيش بعضهم على بعض، ولابد لهم من العيش بين المسيحيين وغيرهم ممن لا ينتمون إلى عرقهم.
إذا لم يبعد هؤلاء عن الولايات المتحدة "بنص "دستورها" فإن سيلهم سيتدفق إلى الولايات المتحدة في غضون مائة سنة إلى حد يقدرون معه على أن يحكموا شعبنا ويدمروه ويغيروا شكل الحكم الذي بذلنا في سبيله دماءنا وضحينا له بأرواحنا وممتلكاتنا وحرياتنا الفردية.
ولن تمضى مائتا سنة حتى يكون مصير أحفادنا أن يعملوا في الحقول لإطعام اليهود. على حين يظل اليهود في البيوتات المالية يفركون أيديهم مغتبطين.
وإننى أحذركم أيها السادة، أنكم إلا تبعدرا اليهود نهائيًا، فلسوف يلعنكم أبناؤكم وأحفادكم في قبوركم، إن اليهود لن يتخذنوا مثلنا العليا ولو عاشوا بين ظهرانينا عشرة أجيال، فإن الفهد لا يستطيع إبدال جلده الأرقط.
إن اليهود خطر على هذه البلاد إذا ما سمح لهم بحرية الدخول. إنهم سيقضون على مؤسساتنا، وعلى ذلك لا بد من أن يستبعدوا بنص الدستور" أهـ.
стр. 862
وبعد، فإلى الشباب المسلم وإلى كل إنسان رزقه الله نعمة السيطرة الحرة الكاملة على عقله وتفكيره، وعصمه من التردى في هوات التحيز والعناد والهوى أتقدم بهذا السفر الجديد سائلين المولى جل وعلا أن ينفع به وأن يتفضل علينا (وهو ذو الفضل العظيم) بالرضى الدائم والتوفيق المستديم إنه على كل شيء قدير، والله أكبر والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين جدة - المملكة السعودية.
شهر صفر سنة ١٣٨٦ هـ - مايو ١٩٦٦ م
محمد أحمد باشميل
стр. 863
الفصل الأول
* موجز عن تاريخ اليهود في جزيرة العرب قبل الإسلام.
* اليهود في يثرب وخيبر والشمال.
* مدي سلطان اليهود.
* خضد اليمانيين لشوكتهم قبل الإسلام.
* اليهود في اليمن.
* أثرهم الثقافي والديني بين العرب.
* شعر اليهود في الجزيرة.
نسب اليهود
يرجع نسب اليهود الإسرائيليين إلى نبي الله يعقوب المسمى (إسرائيل)، واشتقاق كلمة (اليهود) من قولهم هاد إذا رجع، ولزمها هذا الإسم من قول موسى ﵇ ﴿إنا هدنا إليك﴾ إى رجعنا وتضرعنا ومنتحلها اليهود المتمسكون بشريعة موسى ﵇، وهم أعم من بنى إسرائيل، لأنه ليس كل يهودى إسرائيلى، لأن الإسرائيلى في حقيقته هو الذي يعود نسبه إلى نبي الله يعقوب (وهو إسرائيل)، وكثير من أجناس العرب والروم وغيرهم قد دخلوا في اليهودية وليسوا من بنى إسرائيل (١)، كما أن هناك كثيرًا من إسرائيلى النسب دانوا بغير
стр. 864
اليهودية كالإسلام والمسيحية، وهكذا فليس كل يهودى إسرائيلى وليس كل إسرائيلى يهودى.
لقد كان لإبراهيم عدة أبناء كانوا آباء لأمم كثيرة في بلاد شتى أخصهم إسماعيل وإسحاق، أما إسماعيل فإنه سكن بلاد العرب، وكان من عقبه العرب المستعربة.
أما إسحاق فإنه أقام مع أبيه حتى مات، فكان الجد الثاني للعبرانيين، وخلف إسحاق ولدين عيسو (العيص) ويعقوب، فجلا عيسو، وحل يعقوب محل أبيه ولقب بـ (إسرائيل) وإليه ينسب الإسرائيليون كافة (١) ومنهم اليهود الذين استوطنوا يثرب وغيرها من جزيرة العرب.
قبائل اليهود في يثرب
وقد كان اليهود قبائل وبطونًا مختلفة الأسماء بلغت في يثرب اثنتا عشرة قبيلة وهم، بنو عكرمة، وبنو ثعلبة، وبنو محمر، وبنو قينقاع، وبنو زيد، وبنو النضير، وبنو قريظة، وبنو بهدل، وبنو عوف، وبنو الفصيص، وبنو مرانة، وبنو زاعوراء. وكل هذه (ما عدا زاعواء) أسماء عربية صرفة.
العنصرية بين اليهود
ويشير الإخباريون إلى أن بنى قريظة وبنى النضير قد عرفوا من
стр. 865
بين اليهود (بالكاهنين) نسبوا بذلك إلى جدهم الذي يقال له (الكاهن) (١).
والكاهن (عندهم) هو الكاهن بن هارون بن عمران على زعم بعض أهل الأخبار، فهم على هذه من أصل رفيع ومن نسب حسيب يميزهم عن بقية طوائف يهود، ولهذا كانوا يفتخرون بنسبهم هذا ويرون لهم السيادة والشرف على من سواهم من إخوانهم في الدين (٢).
كيف جاء اليهود إلى يثرب ؟
لا يستطيع أحد أن يذكر بصفة قاطعة متى وكيف استقر اليهود في هذه البقعة من الجزيرة العربية.
غير أن الذي لا سبيل إلى إنكاره واتفق عليه المؤرخون بالإجماع هو أن اليهود موجودين في هذه البقعة العربية، قبل الإسلام بعدة قرون.
كما أنه من المجمع عليه (أيضًا) أن العنصر اليهودى هو عنصر دخيل على الجزيرة العربية نازح إليها من بعيد، لا تربطه بسكان هذه الجزيرة أية رابطة من دين أو لغة أو دم.
أما متى نزل اليهود منطقة يثرب، فإن الإخباريين قد اختلفوا في تحديد ذلك، إلا أنهم كانوا يتفقون على أن اليهود قد جاءوا إلى منطقة يثرب في فترات متباعدة جدًّا.
فأول فترة (كما يقول هولاء الإخباريون) جاء فيها اليهود إلى يثرب
стр. 866
ترجع إلى سنة ١٢٠٠ قبل الميلاد، وذلك في أواخر أيام نبي الله موسى ﵇، وفي أوائل عهد النبي يوشع.
والفترة الرئيسية الثانية التي هاجرت فيها مجموعة كبيرة من اليهود إلى منطقة يثرب تقع ما بين خراب هيكلهم في عام ٧٠ م وتنكيل (هدريان) باليهود في عام ١٣٢ م (١).
ومن المصادر العربية التي جاء فيها هذا التحديد، كتاب الأغاني الشهير (٢) للإخبارى المشهور (أبو الفرج الأصبهاني).
فقد ذكر هذا المؤلف في كتابه المذكور، أن نبي الله موسى عند عودته من مصر ببنى إسرائيل إلى الشام بلغه أن قومًا جبارين من العمالقة (٣) في منطقة المدينة قد بغوا في الأرض وساموا الناس سوء العذاب، فجرد عليهم حملة عسكرية من قومه بنى إسرائيل، وأمر قائد هذه الحملة بأن يستأصل شأفه هؤلاء العماليق (٤) الجبابرة، ولا يبقى على أحد منهم.
ويقول الأصبهاني إن هذه الحملة العسكرية وصلت (فعلًا) إلى المدينة، فأوقعت بالعماليق وأبادتهم عن بكرة أبيهم إلا شابًّا واحدًا هو ابن مالك العماليق (الأرقم)، أعفوه من القتل واصطحبوه معهم ليرى فيه نبي الله موسى رأيه.
стр. 867
ولما قفل هذا الجيش راجعًا إلى الشام وجد نبي الله موسى قد توفاه الله.
ولكن زعماء بنى إسرائيل من بعده لما علموا أن الجيش قد أعفى شابًّا واحدًا من العماليق من القتل، قالوا هذه معصية عصى الجيش بها نبي الله موسى، ولهذا منع بنو إسرائيل هذا الجيش من البقاء بينهم، قائلين .. والله لا تدخلون علينا الشام أبدًا.
ويذكر الأصبهاني أن قادة هذا الجيش تشاوروا فيما بينهم، وأخيرًا استقر رأيهم على أن يعودوا بكامل جيشهم إلى المدينة قائلين: ما كان خيرًا لنا من منازل القوم الذين قتلناهم بالحجاز، نرجع إليهم فنقيم في أرضهم، فرجع على حاميتهم حتى قدموا المدينة واستقروا فيها.
فانتشروا في نواحى المدينة كلها إلى العالية، فاتخذوا بها الآطام والأموال والمزارع.
فكان أفراد هذا الجيش (كما يقول الأصبهاني) أول من سكن المدينة من اليهود.
أما بشأن الفترة الثانية التي نزح فيها إلي اليهود إلى المدينة، فقد ذكر الإخباريون أن الروم لما استولوا على بلاد الشام في الفترة الواقعة ما بين سنة ٧٠، ١٣٢ للميلاد وفتكوا باليهود ونكلوا بهم اضطر هؤلاء اليهود إلى الفرار بأنفسهم وتفرقوا في أنحاء آمنة بعيدة عن مجالات الروم.
ومن هؤلاء اليهود (كما يذكر المستر أوليرى) يهود بنى قريظة وبنى النضير وبنى بهدل، فروا من وجه الرومان إلى الجنوب في اتجاه يثرب
стр. 868
وساروا في ذلك الاتجاه حتى استقروا مع من قبلهم في تلك المنطقة من الحجاز (١).
والمستر (أوليرى هذا) يتفق في قوله هذا مع صاحب الأغانى (الأصبهاني) أو هو ناقل عنه.
فقد ذكر الأصبهاني في كتابه الأغانى ج ١٩ ص ١٩٥ طبعة مكتبة دار الحياة: أن الروم لما تغلبوا علي بنى إسرائيل في الشام ونكلوا بهم خرج بنو النضير وبنو قريظة وبنو بهدل هاربين منهم إلى الحجاز.
وأن هؤلاء اليهود الفارين لما وصلوا إلى منطقة يثرب نزلوا الغابة (٢) فوجودها وبيئة فكرهوا الإقامة بها، ولذلك بعثوا رائدا منهم يلتمس لهم مكانًا صالحًا للسكنى نقى الهواء طيب التربة.
فخرج باحثًا عن ذلك حتى قاده البحث والاستكشاف إلى منطقة العالية، وهي بُطحان ومهزور -واديان في حرة- على تلاع أرض عذبة، بها مياه عذبة تنبت حر الشجر.
فرجع إلى قومه بالغابة وأخبرهم بما رأى فقر رأيهم على الإقامة في تلك المنطقة، فنزل بنو النضير ومن معهم على بطحان، ونزلت بنو قريظة وبنو بهدل، ومن معهم على مهزور، فكانت لهم تلاعه وما سقى من بعاث وسموات، وكان يساكن اليهود في يثرب- قبل نزول الأوس والخزرج عليهم - قبائل عربية غير يهودية، منها، بنو الحرمان- حيّ من اليمن- وبنو مرثد- حيّ من بلى- وبنو نيف- وهم من بلى أيضًا- وبنو معاوية- حي من بنى سليم ثم من بنى الحرث ابن بهثة-، وبنو الشطية حي من غسان.
стр. 869
أدوار التاريخ اليهودي في يثرب
ويمكن تقسيم تاريخ الوجود اليهودى في يثرب إلى قسمين.
القسم الأول: قسم ما قبل الإسلام، وهذا القسم قد مر فيه على اليهود عهدان.
أ - عهد السيطرة والتحكم المطلق في منطقة يثرب.
ب - عهد الإنكسار والهزيمة.
ويبدأ العهد الأول ببداية نزول العنصر اليهودى أرض يثرب، وقد استمر هذا العهد (على ما يقوله الإخباريون) أكثر من ألف سنة.
أما عهد الانكسار فيبدأ بهجرة الأوس والخزرج من مأرب اليمن إلى يثرب وذلك في أوائل القرن الأول للميلاد.
إخضاع اليهود لسيطرة اليمانيين على يثرب
لقد ظل اليهود -طيلة ألف ومئتى سنة- سادة يثرب دون منازع يتحكمون فيها تحكمًا استعماريًا (عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا) بالرغم من أن بعض القبائل العربية كانت تساكنهم في هذه المنطقة، فقد كانت هذه القبائل (على ما يظهر وحتى وصول اليمانيين) من الضعف والتفكك بحيث لم تستطع التعرض لليهود ساعة نزولهم يثرب ولم تقم بأية محاولة لمقاتلتهم كدخلاء أجانب. فليس فيما بين أيدينا من مصادر التاريخ شيء يشير إلى أن اليهود (قبل وصول الأوس والخزرج) كانوا يتعرضون لأية مكافحة أو مقاومة في هذه المنطقة.
ظل اليهود هكذا سادة يثرب حتى جاء القرن الميلادي الأول فأرسل الله سيل العرم على سد مأرب الشهير في التاريخ فتهدم، وكانت مملكة
стр. 870
(مأرب في اليمن) قبل انهدام السد من أخصب بقاع الشرق الأوسط، وكان أهلها يشكلون أقوى قوة حربية في جزيرة العرب، وكان ملكهم (عند انهدام السد) ملكًا عظيمًا اسمه عمرو بن عامر مزيقيا وهو الملقب في التارخ (بماء السماء).
الأوس والخزرج في المدينة
وعندما تهدم السد انتاب الضعف مملكة مأرب فتفرق أهلها (وهم من الأزد من أبناء كهلان بن سبإ) في الأرض، فذهب الغساسنة منهم إلى الشام فصاروا ملوكها، ونزل اللخميون منهم العراق فدانت لهم أيضًا فصار منهم ملوك (الحيرة) وهم المناذرة المشهورين في التاريخ، كما اتجه الأوس والخزرج منهم إلى يثرب فنزلوها، فكان نزولهم إيذانًا بزوال سلطان اليهود في المنطقة. فقد عمل هؤلاء اليمانيون -منذ نزولهم أرض يثرب- على مضايقة اليهود بغية مشاركتهم في سلطان المدينة وثرواتها الكبيرة.
ولكن الأوس والخزرج ظلوا عاجزين أمام سطوة اليهود وتماسكهم. فقد بقى الأوس والخزرج -منذ نزولهم المدينة- في حالة فقر مدقع لا حول لهم ولا طول، وكان إخوانهم من العرب (سكان المدينة الأصليين قبلهم) أضعف منهم، لذا قنع الأوس والخزرج بما حصلوا عليه من أرض جدباء لا تنبت إلا القليل من الزرع، فعاشوا في ضيق من العيش، وبقى اليهود يتمتعون بسلطان الملك، والثروة كلها في أيديهم.
ظل الحال على هذا المنوال ردحًا من الزمن، إلى أن فكر اليمانيون في الاستعانة بإخوانهم الغساسنة من ملوك الشام.
стр. 871
فقد أوفدت الأوس والخزرج أحد زعمائها -مالك بن العجلان- إلى ملك الغسانيين (أبو جبيلة)، ولما وصل إليه شرح له سوء حال قومه وغلبة اليهود المحللين على منطقة يثرب واستثارهم بثرواتها دونهم، وطلب منه العون العسكري لإخضاع هؤلاء اليهود.
فتوجه الملك الغساني بجيشه لنجدة أبناء عمومته إلى يثرب، وهناك أوقع باليهود فكسرهم وأذلهم، في خبر طويل ليس هذا محل شرحه، وبعد ذلك رجع الملك الغساني إلى بلاده.
فكانت هذه الوقعة التي أباد فيها الملك الغساني مجموعة كبيرة من سادة اليهود وقادتهم، تنفس الأوس والخزرج الصعداء فصاروا ندًّا لليهود يصاولونهم ويجاولونهم -بعد أن كانوا لا يجرأون على التعرض لهم-، ومع هذا بقى اليهود على جانب كبير من القوة والتماسك، يصاولون اليمانيين ويجاولونهم. ولهذا دامت الحروب والمناوشات بين الفريقين زمنًا غير قصير، إلى أن دبر مالك بن العجلان (زعيم الأوس والخزرج) مكيدة أفنى فيها مجموعة كبيرة من زعماء اليهود، وفتك الأوس والخزرج باليهود فتكًا ذريعًا (١).
وبهذا خضد اليمانيون (الأوس والخزرج) شوكة اليهود فذلوا وانهدم سلطانهم، فقل امتناعهم وخافوا العرب خوفًا شديدًا ولم يستطيعوا الوقوف على أقدامهم في المدينة إلا بعد أن قبلوا الإندماج (قبليًا) في
стр. 872
قبيلتى الأوس والخزرج بالحلف، حيث لجأ كل فريق من اليهود إلى قبيلة من قبائل الأوس والخزرج يتعزز ويمتنع بهم.
ومن ذلك اليوم صار بنو قريظة وبنو النضير ومن تبعهم حلفاء الأوس، وبنو قينقاع ومن تبعهم حلفاء الخزرج، فكان كلما نشبت حرب قبلية بين الأوس والخزرج، يكون بنو قريظة والنضير ومن تبعهم في صفوف الأوس، وبنو قينقاع ومن تبعهم في صفوف الخزرج.
وبهذا التحالف الذي اندمج فيه اليهود (قبليًا) بالأوس والخزرج، ضمن اليهود بقاءهم في منطقة يثرب، ولو لم يفعلوا ذلك لأبادتهم القبائل العربية عن آخرهم، طالما كان الاعتداء على اليهود سببًا في إثارة حرب طاحنة بين قبيلتى الأوس والخزرج نتيجة تحالف اليهود مع هذه القبائل. وما حرب بعاث الشهيرة الطاحنة التي دارت رحاها بين الأوس والخزرج قبل ظهور الإسلام بقليل، إلا لمحاولة قبائل الخزرج احتلال أراضى يهود بنى قريظة (حلفاء الأوس) وطردهم منها (١).
стр. 873
الحرب الأهلية بين اليهود
ولم يخلو اليهود من خوض غمار حرب أهلية فيما بينهم (في يثرب) فقد كان بنو قينقاع (وهم من أشجع يهود المدينة) على خلاف دائم مع بنى قريظة والنضير. يؤيد ذلك أن يهود بنى قريظة والنضير لم يحركوا ساكنًا لنصر يهود بنى قينقاع عندما حاصرهم النبي ﷺ بعد معركة بدر وإجلائهم عن المدينة.
ويقول المؤرخون إن سبب وجود يهود بنى قينقاع داخل المدينة بعد أن كانوا مثل إخوانهم بنى النضير وقريظة يسكنون في ضواحيها -هو أنه قبل الإسلام دارت معارك عديدة بين يهود بنى قينقاع وبنى قريظة ألحق فيها بنو قريظة والنضير ببنى قينقاع خسائر فادحة اضطروا على أثرها إلى الإلتجاء إلى داخل المدينة فأقاموا وسط حي من أحيائها (١).
حال اليهود بعد فقد السلطان
وبالرغم من الضربة الموجعة التي أنزلها الأوس والخزرج باليهود قبل الإسلام، (والتي انهدم على أثرها سلطانهم السياسي وتحطمت قوتهم العسكرية في يثرب) فإنهم ظلوا في حالة تماسك في ظل وحدة عنصرية محورها الديانة اليهودية.
ومع أنهم قد فقدوا سلطانهم السياسي والعسكري فإنهم (في ظل الارتباطات القبلية التي ربطوا أنفسهم بها مع رؤساء القبائل القوية
стр. 874
المحاربة) قد وسعوا من نفوذهم الاقتصادى بين قبائل العرب، حيث وجهوا كل نشاطهم إلى تضخيم ثرواتهم عن طريق الربا الفاحش والاتجار في مختلف السلع، واشتهروا بصنع الخمر وبيعه وجلبه أحيانًا من بلاد الشام.
مركز اليهود المالى
وكان الأعراب يقصدونهم (دائمًا): يبتاعون منهم ما يحتاجون ويقترضون منهم بالربا، وقد اتسعت ثرواتهم حتى صاروا ملوك المال، وعن طريق سلطان المال والثروة، استعادوا شيئًا من نفوذهم الذي فقدوه، فصاروا بما لهم من تأثير اقتصادى يثيرون الفتن والحروب بين القبائل الوثنية (وخاصة في منطقة يثرب) حتى لا تتم آية وحدة بين هذه القبائل لأن ذلك يهدد الكيان اليهودى بالخطر.
وظلوا يوسعون من نفوذهم الاقتصادى ويشترون زعماء القبائل العربية الوثنية بالمال، وكانوا يحاولون بشتى الوسائل، استعادة سلطانهم السياسي والعسكري الذي فقدوه على يد الأوس والخزرج، فصاروا يستغلون المشاحنات القبلية (وخاصة بين الأوس والخزرج) فيشعلون نيرانها بغية إنهاك قوة هاتين القبيلتين ليسهل على هؤلاء اليهود استعادة سلطانهم إلا أنهم لم يحققوا أهدافهم، بل ظلوا (حتى ظهور الإسلام) تابعين للأوس والخزرج، تحتمى كل قبيلة من هؤلاء اليهود بقبيلة من الأوس والخزرج عن طريق ارتباطات الأحلاف المعروفة في عهود الجاهلية.
стр. 875
وعلى العموم فقد بقى اليهود في يثرب -بالرغم من هزيمتهم العسكرية وانهدام سلطانهم على أيدى أوس اليمن وخزرجها- عنصرًا قويًّا من عناصر يثرب، وخاصة في المجال المالى والاقتصادى، حيث كانوا يشكلون أقوى عنصر في هذه الناحية حتى ظهور الإسلام.
فقد كان هؤلاء اليهود يعتمدون في تنمية ثرواتهم وتوطيد نفوذهم على إعطاء القروض الربوية (والربا من مميزات اليهود) التي كانت تدر عليهم أرباحًا طائلة تجعلهم الطبقة الغنية المتميزة بين الأعراب الذين لا يحسنون هذه التجارة الملعونة، ولم يقض على سلطان اليهود المالى القاهر إلا التشريعات الإسلامية التي حرمت التعامل بالربا الذي كان العمود الفقرى لاقتصاد اليهود وتجارتهم، ولهذا فقد كان تحريم التعامل بالربا ضربة قاصمة لظهور اليهود في يثرب وغيرها من بلاد العرب.
كما أن اليهود بالإضافة إلى تعاطى الربا (ركيزتهم الإقتصادية الأولى) كانوا يمتازون ببعض الصناعات المربحة كالصباغة، والنسيج، والحدادة التي كان العرب يأنفون منها ويعتبرونها من المهن الحقيرة، كما أنهم كانوا بالإضافة إلى ذلك كله نشطين إلى حد بعيد في المجالات التجارية الأخرى، فكانوا قبل الإسلام من أكثر اليثربيين نشاطًا في الاتجار بالبر والشعير والبلح، وكانوا مشهورين باحتكار الخمر وبيعها في الجاهلية، إذ كانوا يذهبون خصيصًا إلى الشام لجلب مختلف أنواع الخمر إلى يثرب بل إلى مختلف أقاليم الجزيرة فيدر عليهم بيع الخمر أرباحًا طائلة، وكانت لهم في المدينة (حتى نزول القرآن بتحريم الخمر) حانات يرتادها الكثيرون لتعاطى الخمر، فكان اليهود لذلك كله يحتكرون
стр. 876
ثروات ويتحكمون فيها اقتصاديًا، ولا ينكر أحد نفوذ المال وسلطانه القاهر.
اليهود في خيبر
مما لا جدال فيه أن منطقة خيبر (الواقعة شمال شرقي المدينة) تضاهى يثرب من حيث الوجود اليهودى وكثرة هذا العنصر الدخيل وسيطرته على تلك المنطقة الزراعية الخصبة، كما أنه مما لا جدال فيه أن هؤلاء اليهود كانوا قد استعمروا مقاطعة خيبر واستولوا عليها قبل ظهور الإسلام بعدة قرون.
إلا أنه لا يستطع أحد (كذلك الجزم بصفة قاطعة) متى كان وصول اليهود إلى خيبر: هل هو قبل الميلاد أم بعده، فقد اختلفت المصادر بهذا الصدد.
فبينما يذكر ابن خلدون في تاريخه الكبير (العبر: المجلد الثاني، القسم الأول ص ١٦٨) أن تاريخ الوجود اليهودى في خيبر هو نفس التاريخ الذي نزل فيه اليهود يثرب حيث يذكر أنهم من نفس الغزاة الذين جاءوا إلى أرض الحجاز فأبادوا العمالقة في الحجاز ثم استقروا في خيبر كما استقر إخوانهم في يثرب، بعد أن منعهم بنو إسرائيل من دخول الشام بعد وفاة نبي الله موسى لإبقائهم على أسير واحد من العماليق لم يقتلوه وحلفوا أن لا يدخلوها، فعادوا على تعبيتهم إلى الحجاز وسكنوا منازل العمالقة الذين أبادوهم قبل الميلاد بأكثر من ألف سنة. بينما يذكر ابن خلدون هذا نرى الدكتور جواد على يذكر في كتابه تاريخ العرب قبل الإسلام ج ٦ ص ١٧ أن يهود خيبر هم من نسل (ركاب المذكور في
стр. 877
التوراة) هاجرو بعد خراب الهيكل الأول بعد الميلاد إلى الحجاز فاستقروا في خيبر.
وأيا كان الأمر فإن المتفق عليه عند جميع المؤرخين أن اليهود في خيبر هم أجانب دخلاء استولوا على هذه المنطقة قبل ظهور الإسلام بعدة قرون فاشتغلوا بزراعة الحبوب والنخيل وكانوا محاربين أقوياء تمكنوا من السيطرة على خيبر من أول عهدهم حتى سقطت في أيدى المسلمين بقيادة النبي ﷺ بعد أن اتخذها يهود بنى النضير مركزًا للعدوان والتآمر ضد المسلمين، كما أشرنا إلى ذلك فيما مضى من هذا الكتاب، وكما هو مفصل في كتابنا غزوة (الأحزاب).
ولقد كان يهود خيبر على جانب كبير من القوة والمنعة، ولم يذكر التاريخ أنهم تعرضوا طيلة عهد استعمارهم لخيبر حتى ظهور الإسلام لأى غزو، كما لم يرو التاريخ أنه حدثت فيما بينهم أية حروب أهلية كما هو شأن يهود يثرب وكانت خيبر مشهورة بالحصون والقلاع المنيعة التي أنشأها اليهود عندما كانت لهم السيطرة عليها وأشهرها سبعة حصون وهي حصن ناعم، وحصن القموص، وحصن الشق، وحصن النطاة، وحصن السلالم، وحصن الوطيح، وحصن الكتيبة، وقد استولى المسلمون على كل هذه الحصون عندما فتحوا خيبر في السنة التاسعة من الهجرة.
هذا هو كل ما يمكن قوله عن تاريخ اليهود في خيبر قبل الإسلام وهو كما يرى القارئ تاريخ غير ذي بال إذا ما قورن بتاريخ اليهود في يثرب أو حتى تاريخ اليهود في اليمن أو تاريخهم في الشمال (منطقة تيماء) حيث السموؤل بن عاديا الذي اشتهر ذكره قبل الإسلام وظل شائعًا إلى يومنا هذا.
стр. 878
فتاريخ اليهود في خيبر لم يكتب ويشتهر إلا بعد أن جاء الإسلام وقد بدأ هذا التاريخ (وهو تاريخ أسود) بهجرة يهود بنى النضير المنفيين من يثرب، وانتهى بنفى اليهود كليًّا من جزيرة العرب في خلافة الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ كما سيأتي تفصيله في كتابنا الخامس من سلسلة معارك الإسلام الفاصلة (غزوة خيبر) إن شاء الله.
اليهود في الشمال
أما المنطقة الثالثة التي تمركز فيها اليهود من جزيرة العرب. فهي نقاط محددة في الشمال الممتد من وادي القرى حتى مقاطعة تيماء في أقصى الشمال.
والمنطقتان اللتان اشتهرتا بتمركز اليهود فيهما هما وادي القرى وتيماء وهما بقعتان خصبتان بهما العيون والمياه.
فقد ذكر التاريخ أن هاتين البقعتين كان بهما جاليات يهودية قبل الإسلام، ولا يعرف بالضبط تاريخ وجود هذه الجاليات كما هو الحال بالنسبة لتاريخ الوجود اليهودى في يثرب وخيبر، وتاريخ اليهود في هاتين المنطقتين ليس بذى بال (سواء قبل الإسلام أو بعده) إذا ما قورن بتاريخ اليهود في يثرب وخيبر واليمن، وخاصة تاريخ يهود وادي القرى إذ لم يسجل التاريخ لهم أكثر من ذكر وجودهم في هذه المنطقة.
وكل ما ذكره التاريخ عن يهود وادي القرى (الواقعة منازلهم بين المدينة وخيبر) بعد الإسلام هو أن الرسول ﷺ لما عاد من المدينة بعد أن فتح الله عليه خيبر مر بوادى القرى فدعا اليهود فيه إلى الإسلام فأبوا إلا
стр. 879
الحرب، فقاتلهم يومًا واحدًا فقط، شرعوا بعده في المفاوضة وطلبوا المصالحة، فصالحهم النبي ﷺ وأقامهم على أرضهم وأموالهم وذراريهم كما أقام أهل خيبر بعد فتحها (١)، فعاشوا في ظل الإسلام آمنين مطمئنين على أموالهم وأنفسهم أحرارًا في دينهم.
يهود تيماء
أما تيماء (وهي تقع في أقصى الشمال الغربي من جزيرة العرب) فقد كانت من المواضع القديمة التي حل بها اليهود قبل الإسلام، وتاريخ يهودها (أيضًا) خامل الذكر قبل الإسلام وبعده، إلا أن تاريخهم في هذه المنطقة (قبل الإسلام) قد تردد ذكره أكثر من تاريخ يهود وادي القرى وغيره من النقاط المبعثرة شمالي المدينة.
وذلك بسبب الشاعر اليهودى الشهير (السموأل بن عاديا) صاحب الحصن المشهور والذي ردد الإخباريون ذكره في تاريخ ما قبل الإسلام، ونسبوا إليه الشعر الجزل والوفاء بالعهد إلى درجة ضحى معها بأحد أبنائه مقابل وفائه لامرئ القيس الكندى الذي أبي أن يخفر ذمته كما هو مفصل في أمهات التاريخ وليس هذا محل تفصيله.
ولولا هذا اليهودى الشاعر (السموأل) لما احتفظ التاريخ ليهود تيماء قبل الإسلام بشيء يذكر.
أما تاريخ يهود تيماء بعد الإسلام، فليس فيه أكثر من أنهم كانوا مسالمين لم يثيروا حربًا ضد المسلمين ولم يفكروا في ذلك، بل بمجرد
стр. 880
سقوط خيبر في أيدى المسلمين وخضوع أهل وادي القرى لحكم الإسلام سنة تسع للهجرة سارعوا إلى الرضوخ لحكم الإسلام فأبلغوا الرسول ﷺ ذلك فصالحهم وقبل المسلمون الجزية فعاشوا مطمئنين في ظل الدولة الإسلامية (١).
نقاط أخرى في الشمال
وهناك جاليات يهودية صغيرة مبعثرة في الشمال الغربي، في تبوك، ومقنا وأيلة (٢) وغيرها، وعلى ساحل البحر الأحمر، كانت موجودة قبل الإسلام ولم يذكر التاريخ شيئًا عن هذه الجاليات قبل الإسلام ذا بال، اللهم إلا ما ذكره بعض المفسرين والإخباريين من أن يهود (أيلة هم الذين اعتدوا في السبت كما جاء في القرآن الكريم (٣).
في الطائف والبحرين
ويذكر المؤرخون أيضًا أن هناك جاليات يهودية كانت موجودة في الطائف والبحرين عند ظهور الإسلام، فقد ذكر البلاذرى في كتابه فتوح