ثروات ويتحكمون فيها اقتصاديًا، ولا ينكر أحد نفوذ المال وسلطانه القاهر.
اليهود في خيبر
مما لا جدال فيه أن منطقة خيبر (الواقعة شمال شرقي المدينة) تضاهى يثرب من حيث الوجود اليهودى وكثرة هذا العنصر الدخيل وسيطرته على تلك المنطقة الزراعية الخصبة، كما أنه مما لا جدال فيه أن هؤلاء اليهود كانوا قد استعمروا مقاطعة خيبر واستولوا عليها قبل ظهور الإسلام بعدة قرون.
إلا أنه لا يستطع أحد (كذلك الجزم بصفة قاطعة) متى كان وصول اليهود إلى خيبر: هل هو قبل الميلاد أم بعده، فقد اختلفت المصادر بهذا الصدد.
فبينما يذكر ابن خلدون في تاريخه الكبير (العبر: المجلد الثاني، القسم الأول ص ١٦٨) أن تاريخ الوجود اليهودى في خيبر هو نفس التاريخ الذي نزل فيه اليهود يثرب حيث يذكر أنهم من نفس الغزاة الذين جاءوا إلى أرض الحجاز فأبادوا العمالقة في الحجاز ثم استقروا في خيبر كما استقر إخوانهم في يثرب، بعد أن منعهم بنو إسرائيل من دخول الشام بعد وفاة نبي الله موسى لإبقائهم على أسير واحد من العماليق لم يقتلوه وحلفوا أن لا يدخلوها، فعادوا على تعبيتهم إلى الحجاز وسكنوا منازل العمالقة الذين أبادوهم قبل الميلاد بأكثر من ألف سنة. بينما يذكر ابن خلدون هذا نرى الدكتور جواد على يذكر في كتابه تاريخ العرب قبل الإسلام ج ٦ ص ١٧ أن يهود خيبر هم من نسل (ركاب المذكور في
стр. 877
التوراة) هاجرو بعد خراب الهيكل الأول بعد الميلاد إلى الحجاز فاستقروا في خيبر.
وأيا كان الأمر فإن المتفق عليه عند جميع المؤرخين أن اليهود في خيبر هم أجانب دخلاء استولوا على هذه المنطقة قبل ظهور الإسلام بعدة قرون فاشتغلوا بزراعة الحبوب والنخيل وكانوا محاربين أقوياء تمكنوا من السيطرة على خيبر من أول عهدهم حتى سقطت في أيدى المسلمين بقيادة النبي ﷺ بعد أن اتخذها يهود بنى النضير مركزًا للعدوان والتآمر ضد المسلمين، كما أشرنا إلى ذلك فيما مضى من هذا الكتاب، وكما هو مفصل في كتابنا غزوة (الأحزاب).
ولقد كان يهود خيبر على جانب كبير من القوة والمنعة، ولم يذكر التاريخ أنهم تعرضوا طيلة عهد استعمارهم لخيبر حتى ظهور الإسلام لأى غزو، كما لم يرو التاريخ أنه حدثت فيما بينهم أية حروب أهلية كما هو شأن يهود يثرب وكانت خيبر مشهورة بالحصون والقلاع المنيعة التي أنشأها اليهود عندما كانت لهم السيطرة عليها وأشهرها سبعة حصون وهي حصن ناعم، وحصن القموص، وحصن الشق، وحصن النطاة، وحصن السلالم، وحصن الوطيح، وحصن الكتيبة، وقد استولى المسلمون على كل هذه الحصون عندما فتحوا خيبر في السنة التاسعة من الهجرة.
هذا هو كل ما يمكن قوله عن تاريخ اليهود في خيبر قبل الإسلام وهو كما يرى القارئ تاريخ غير ذي بال إذا ما قورن بتاريخ اليهود في يثرب أو حتى تاريخ اليهود في اليمن أو تاريخهم في الشمال (منطقة تيماء) حيث السموؤل بن عاديا الذي اشتهر ذكره قبل الإسلام وظل شائعًا إلى يومنا هذا.
стр. 878
فتاريخ اليهود في خيبر لم يكتب ويشتهر إلا بعد أن جاء الإسلام وقد بدأ هذا التاريخ (وهو تاريخ أسود) بهجرة يهود بنى النضير المنفيين من يثرب، وانتهى بنفى اليهود كليًّا من جزيرة العرب في خلافة الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ كما سيأتي تفصيله في كتابنا الخامس من سلسلة معارك الإسلام الفاصلة (غزوة خيبر) إن شاء الله.
اليهود في الشمال
أما المنطقة الثالثة التي تمركز فيها اليهود من جزيرة العرب. فهي نقاط محددة في الشمال الممتد من وادي القرى حتى مقاطعة تيماء في أقصى الشمال.
والمنطقتان اللتان اشتهرتا بتمركز اليهود فيهما هما وادي القرى وتيماء وهما بقعتان خصبتان بهما العيون والمياه.
فقد ذكر التاريخ أن هاتين البقعتين كان بهما جاليات يهودية قبل الإسلام، ولا يعرف بالضبط تاريخ وجود هذه الجاليات كما هو الحال بالنسبة لتاريخ الوجود اليهودى في يثرب وخيبر، وتاريخ اليهود في هاتين المنطقتين ليس بذى بال (سواء قبل الإسلام أو بعده) إذا ما قورن بتاريخ اليهود في يثرب وخيبر واليمن، وخاصة تاريخ يهود وادي القرى إذ لم يسجل التاريخ لهم أكثر من ذكر وجودهم في هذه المنطقة.
وكل ما ذكره التاريخ عن يهود وادي القرى (الواقعة منازلهم بين المدينة وخيبر) بعد الإسلام هو أن الرسول ﷺ لما عاد من المدينة بعد أن فتح الله عليه خيبر مر بوادى القرى فدعا اليهود فيه إلى الإسلام فأبوا إلا
стр. 879
الحرب، فقاتلهم يومًا واحدًا فقط، شرعوا بعده في المفاوضة وطلبوا المصالحة، فصالحهم النبي ﷺ وأقامهم على أرضهم وأموالهم وذراريهم كما أقام أهل خيبر بعد فتحها (١)، فعاشوا في ظل الإسلام آمنين مطمئنين على أموالهم وأنفسهم أحرارًا في دينهم.
يهود تيماء
أما تيماء (وهي تقع في أقصى الشمال الغربي من جزيرة العرب) فقد كانت من المواضع القديمة التي حل بها اليهود قبل الإسلام، وتاريخ يهودها (أيضًا) خامل الذكر قبل الإسلام وبعده، إلا أن تاريخهم في هذه المنطقة (قبل الإسلام) قد تردد ذكره أكثر من تاريخ يهود وادي القرى وغيره من النقاط المبعثرة شمالي المدينة.
وذلك بسبب الشاعر اليهودى الشهير (السموأل بن عاديا) صاحب الحصن المشهور والذي ردد الإخباريون ذكره في تاريخ ما قبل الإسلام، ونسبوا إليه الشعر الجزل والوفاء بالعهد إلى درجة ضحى معها بأحد أبنائه مقابل وفائه لامرئ القيس الكندى الذي أبي أن يخفر ذمته كما هو مفصل في أمهات التاريخ وليس هذا محل تفصيله.
ولولا هذا اليهودى الشاعر (السموأل) لما احتفظ التاريخ ليهود تيماء قبل الإسلام بشيء يذكر.
أما تاريخ يهود تيماء بعد الإسلام، فليس فيه أكثر من أنهم كانوا مسالمين لم يثيروا حربًا ضد المسلمين ولم يفكروا في ذلك، بل بمجرد
стр. 880
سقوط خيبر في أيدى المسلمين وخضوع أهل وادي القرى لحكم الإسلام سنة تسع للهجرة سارعوا إلى الرضوخ لحكم الإسلام فأبلغوا الرسول ﷺ ذلك فصالحهم وقبل المسلمون الجزية فعاشوا مطمئنين في ظل الدولة الإسلامية (١).
نقاط أخرى في الشمال
وهناك جاليات يهودية صغيرة مبعثرة في الشمال الغربي، في تبوك، ومقنا وأيلة (٢) وغيرها، وعلى ساحل البحر الأحمر، كانت موجودة قبل الإسلام ولم يذكر التاريخ شيئًا عن هذه الجاليات قبل الإسلام ذا بال، اللهم إلا ما ذكره بعض المفسرين والإخباريين من أن يهود (أيلة هم الذين اعتدوا في السبت كما جاء في القرآن الكريم (٣).
في الطائف والبحرين
ويذكر المؤرخون أيضًا أن هناك جاليات يهودية كانت موجودة في الطائف والبحرين عند ظهور الإسلام، فقد ذكر البلاذرى في كتابه فتوح
стр. 881
البلدان ص ٦٣ أنه كان في الطائف يهود طردوا من يثرب واليمن وأن النبي ﷺ لما فتح الطائف صلحًا وأسلم أهلها من العرب جميعًا بقى اليهود فيها على دينهم، بعد أن خضعوا للحكم الإسلامي بدفع الجزية.
فقد قال البلاذرى في كتابه المذكور: "كان بمخلاف الطائف قوم من اليهود طردوا من اليمن ويثرب، فأقاموا بها للتجارة، فوضعت عليهم الجزية، ومن بعضهم ابتاع معاوية أمواله بالطائف =".
اليهود في اليمن
أما اليمن فقد كانت اليهودية فيها قبل الإسلام أقوى من أي مكان آخر في جزيرة العرب من حيث الانتشار وقوة السلطان، إذ أصبحت في عهد من العهود دين الدولة الرسمى وذلك في عهد بعض ملوك الحميريين.
ومع أن المؤرخين مجمعون على وجود اليهودية في اليمن قبل الإسلام، إلا أن أحدًا منهم لم يذكر بصفة قاطعة متى اعتنق أهل اليمن الدين اليهودى وفي أي تاريخ على وجه التحديد.
غير أن المؤرخين والإخباريين الإسلاميين يكادون يجمعون على أن أول اتصال لليهودية باليمن هو في عهد (تبان أسعد أبي كرب) تبع اليمن الثالث الذي اعتنق اليهودية في يثرب ثم حملها إلى اليمن ودعا شعبه إليها فدانوا بها دونما إكراه (١).
стр. 882
ويزعم بعض المورخين الغربيين أن اليمن قد عرفت اليهودية منذ أقدم العصور وفي عهد نبي الله سليمان ﵇ ومن هؤلاء المؤرخ المشهور (ثيودمور لكتور Theodorus) وهو من رجال النصف الأول للقرن السادس للميلاد.
فقد قال هذا المؤرخ: إن الحميريين كانوا في بادئ أمرهم على دين يهود، دخلوا فيه أيام ملكة سبأ المعروفة بقصتها مع الملك سليمان بدعوتهم إياهم إلى هذا الدين (١)، وإذا صح قول هذا المؤرخ الغربي فإن أهل اليمن يكونون قد دانوا جميعهم بدين الله الحق لا دين اليهودية المحرف، لأن ملكة سبأ إنما آمنت على يد سليمان وهو نبي، ودينه في الحقيقة (في جوهره) الإسلام، بدليل قوله تعالى في حق ملكة سبأ المؤمنة ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ (٢).
ومع عدم وجود أي دليل كاف على دخول اليهودية إلى اليمن في عهد الملكة سبأ، فإنه من المحتمل أن تكون الديانة الموسوية قد دخلت أرض اليمن بتأثير ملكة سبأ، وهذا ما لم يجزم به أحد من المؤرخين الإسلاميين ولكنه لا يستبعد حدوثه.
كيف دخلت اليهودية اليمن
وعلى ما رواه الإخباريون الإسلاميون (كابن إسحاق والطبرى) يمكن تقسيم الوجود اليهودى في اليمن قبل الإسلام إلى عهدين:
стр. 883
١ - عهد السيطرة والسلطان.
٢ - عهد الإنكسار والتشريد.
أما عهد السيطرة والسلطان فيبدأ باعتناق تبع اليمن الثالث (وكان وثنيًا) لليهودية في يثرب، وخلاصة ذلك أن هذا الملك الحميرى قد اعتنق الديانة اليهودية في يثرب عندما مر بها في عودته إلى اليمن من الشمال وإيران، حيث خاض هناك حروبًا وقام بفتوحات ليس هذا محل تفصيلها.
ويذكر الطبري وابن إسحاق أن تهود هذا الملك كان على يد حبرين من أحبار بنى قريظة في المدينة، ففي قصة يطول شرحها جاء هذا الملك الحميرى (تبع الثالث تبان أسعد أبي كرب) إلى يثرب يريد إهلاك أهلها من العرب لثأر له عندهم، فلما سمع حبران من أحبار بنى قريظة بذلك جاء إلى الملك تبع فنصحاه بأن لا يفعل ما اعتزم من إهلاك أهل المدينة قائلين:
أيها الملك لا تفعل، فإنك إن أبيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها، ولم نأمن عليك عاجل العقوبة، فقال: ولم ذلك؟ .
فقالا: هي مهاجر نبي يخرج من هذا الحرم من قريش في آخر الزمان، تكون داره وقراره، فتناهى عن ذلك ورأى أن لهما علمًا، وأعجبه ما سمع منهما، فانصرف عن المدينة بعد أن اتبعهما على دينهما.
وكان قد بلغ أهل اليمن دخول ملكهم في الديانة اليهودية فاستاءوا لذلك أشد الاستياء، ولذلك فإنه لما دنا من اليمن ليدخلها حالت قبائل حمير بينه وبين ذلك وقالوا: لا تدخلها علينا وقد فارقت ديننا. فأبلغهم بأن دينه الجديد خير من الوثنية التي هم عليها، وبعد مناقشات ومجادلات بين الملك
стр. 884
الحميرى وزعماء شعبه -يطول شرحها- أقنعهم بوجهة نظره يسانده في ذلك الحبران اليهوديان اللذان اصطحبهما معه من يثرب إلى اليمن، فدخل شعبه بأجمعه في اليهودية، فصارت من يوم ذاك الدين الرسمى لأهل اليمن، فذلك هو بداية وسبب دخول اليهودية إلى اليمن، والله أعلم.
أما عهد انحسار اليهودية في اليمن وتشريد أتباعها فيبتدى بانتهاء ملك ذو نواس (تبع اليمن الخامس) وآخر ملوك حمير وهو صاحب قصة الأخدود المذكورة في القرآن.
فقد روى المؤرخون أن تبع الخامس (ذو نواس) بلغه أن بنجران قومًا من النصارى فسار إليهم بجنوده، ثم دعاهم إلى اليهودية وترك دين عيسى بن مريم وخيرهم بين الدخول في اليهودية أو القتل، فاختاروا القتل على مفارقة دين عيسى ﵇، فاشتد غضبه فأمر بخد الأخدود لهم ثم ملأها بالنيران وأخذ يقذف بهم في نيران الأخدود فقتل منهم بشرًا كثيرًا بلغوا قريبًا من عشرين ألفًا.
وهذه الحادثة الفظيعة التي ارتكبها نو نواس أشار القرآن الكريم إليها بقوله ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (١).
ذهاب ملك التبابعة علي أيدي الحبش
وعندما بلغ ملك الحبش ما حدث بإخوانه في النصرانية على يد ملك الحمريين المتهود (ذو نواس) جهز (بإشارة من قيصر الروم) جيشًا كبيرًا
стр. 885
بلغ عدده سبعين ألف مقاتل من الأحباش وأمر قائده بعبور البحر إلى اليمن لمحاربة (ذو نواس) فصدع بالأمر، ولما التقى الجيشان انهزم ذو نواس وانتصر الأحباش بعد أن قتل ذو نواس حين اقتحم به فرسه البحر حتى غمره الماء، فاستولى القائد الحبشى على اليمن فكان هذا بداية نهاية اليهودية في اليمن قبل الإسلام، حيث نكل بهم الأحباش تنكيلًا شديدًا فانخضدت شوكتهم وتقلص ظل اليهودية من اليمن، حيث هاجر أكثرهم منها، ولم يبق منهم فيها إلا الذليل المستضعف الذي نجا من القتل.
وبالرغم من التنكيل الشديد والقتل الذريع الذي نزل بيهود اليمن قبل الإسلام بعد احتلال الأحباش لها فقد بقيت جاليات يهودية ظلت تقطن اليمن عدة قرون حتى ظهور الإسلام. وقد بقى العنصر اليهودى موجودًا في اليمن عدة قرون حتى ظهور الإسلام. وقد بقى العنصر اليهودى موجودًا في اليمن حتى أواسط القرن العشرين حيث هاجروا إلى إسرائيل على أثر الحوادث التي أدت إلى اغتصاب اليهود فلسطين.
ومما تجدر الإشارة إليه أن يهود اليمن ليسوا إسرائيلى الجنس وإنما هم من العرب، لأن الذي نقل اليهودية إلى اليمن هو ملك عربي حميرى دعا قومه حمير إلى هذا الدين الذي اعتنقه على أيدى الحبرين اليهوديين في يثرب فاتبعوه ودانوا جميعًا باليهودية، ولم يثبت التاريخ أن هناك غزاة إسرائيليين جاءوا إلى اليمن بأعداد كبيرة، بل كل ما يرويه التاريخ العربي أن الملك تبع الذي اعتنق اليهودية في يثرب لم يصطحب معه من اليهود الإسرائيلين سوى الحبرين اللذين اعتنق اليهودية على أيديهما في يثرب، وعلى هذا فيهود اليمن لم يكونوا يهودًا إسرائيليين على الإطلاق
стр. 886
كما هو الحال في يثرب وإنما هم عرب حميريون دانوا باليهودية، فهم يختلفون في الجنس عن يهود يثرب والمناطق الشمالية من الجزيرة.
ولا يستبعد أن هناك يهودًا إسرائيلين نزحوا من الشام إلى اليمن بعد أن تمركزت فيه اليهودية على أيدى بعض تبابعتها الذين اعتنقوا هذا الدين فصار دين البلاد الرسمى، ولكن أحدًا من المؤرخين لم يشر إلى هذا، اللهم إلا ما أشار إليه الدكتور جواد على في كتابه (تاريخ العرب قبل الإسلام) ج ٦ ص ٢٤ حيث قال:
إني أرى أن دخول اليهودية اليمن مرده أيضًا إلى اتصال اليمن منذ عهد قديم بطرق القوافل التجارية والبحرية والبرية ببلاد الشام، وفي قصة سليمان وملكة سبإ إشارة إلى تلك الصلات وإلى هجرة جماعات من اليهود إلى هذا القطر عن طريق الحجاز بعوامل متعددة، منها التجارة، والهجرة إلى الخارج، ليس بسبب احتلال الرومان لفلسطين فقط، بل بسبب تنازع اليهود أنفسهم.
وليس هناك خلاف بين المؤرخين في أن اليهودية لم تقم لها أية قائمة في اليمن بعد مقتل تبع الخامس (ذو نواس) واستيلاء الأحباش على اليمن في أوائل القرن السادس لميلاد المسيح ﵇، ولهذا فإنه عند ظهور الإسلام لم يكن ليهود اليمن أي شأن يذكر كما هو الحال بالنسبة ليهود يثرب خصوصًا ويهود الشمال عمومًا. وكل ما سجل التاريخ لهؤلاء اليهود في اليمن هو أنهم عندما أسلم حاكم اليمن الفارسى أعلنوا الطاعة ودفعوا الجزية للمسلمين كاعتراف بنظام الحكم الإسلامي الجديد.
стр. 887
اليهود في مكة
هذا هو موجز عن تاريخ الوجود اليهودى في جزيرة العرب قبل الإسلام، وهذه هي المواطن الرئيسية والثانوية التي كان اليهود يتمركزون فيها قبل الإسلام، ولم يصل إلى علمنا فيما رأينا من مصادر تاريخية أن هناك مواطن أخرى في جزيرة العرب قد تمركز فيها اليهود كما تمركزوا في المواطن التي ذكرنا.
ويزعم بعض المستشرقين أن اليهود كانوا موجودين في مكة قبل الإسلام، ومن هؤلاء (ولفنسون)، غير أن هذا الزعم ليس له ما يسنده في أي مصدر من مصادر التاريخ، وخاصة التاريخ المتخصص كاتبوه في بحث التاريخ العربي قبل الإسلام وبعده، فلو كان لليهود وجود في مكة قبل الإسلام وعند ظهوره لما أغفله الإخباريون الإسلاميون الذين تعتبر كتبهم أصح مصدر لتاريخ الوجود اليهودى في جزيرة العرب، لا سيما وأن اليهود كانوا أشد العناصر (غير الإسلامية) عداوة ومقاومة للإسلام، فلو كانوا موجودين في مكة قبل الإسلام لكان لهم دورهم البارز المشهور في مقاومة النبي ﷺ في مكة لا سيما وأن قريشًا كانت (عند ظهور الإسلام) صاحبة السلطة المطلقة، وكانت معارضتها للإسلام عند ظهوره في غاية الضراوة والعنف.
أثر اليهود في العرب
إن المتتبع لتاريخ الوجود اليهودى في جريرة العرب يدرك بوضوح أنه بالرغم من مرور أكثر من سبعة عشر قرنًا على وجود اليهودية (قبل الإسلام) في جزيرة العرب، لم يكن للديانة اليهودية أي أثر ذو بال بين
стр. 888
الأعراب الوثنيين الذين عايشوا اليهود طيلة للك القرون الطويلة وخاصة في منطقة يثرب وخيبر ومناطق الشمال الأخرى التي كانت مركز الثقل ومناطق التجمع الرئيسية لليهود الإسرائيليين الدخلاء حتى ظهور الإسلام.
فلم يذكر التاريخ أن هناك (في خيبر ويثرب والشمال) قبيلة أو حتى عائلة عربية واحدة اتخذت من اليهودية دينًا لها (١).
ولو حدث شيء من هذا لأشار إليه الإخباريون الإسلاميون الذين عنوا بتاريخ أحداث الجزيرة العربية قبل الإسلام وبعده، كما أشاروا إلى تاريخ اليهود في جميع النواحي بهذه المناطق، بل إن التاريخ ليؤكد أن أعراب هذه المناطق (عمومًا) ظلوا على وثنيتهم حتى جاء بدين الإسلام فدخلوا فيه جميعًا.
وهذا لا يعني أن أحدًا من الأعراب لم يدن باليهودية على الإطلاق في هذه المناطق، بل ذكر المؤرخون أن هناك أعرابًا دانوا بذلك الدين إلا أنهم قليلون جدًّا بحيث لا يزيدون على اثنين في المائة من مجموع أعراب يثرب وخيبر والمناطق الشمالية التي كان اليهود مستقرين بها. ولهذا فإن اسم زعيم أية قبيلة عربية لم يبرز بين أسماء زعماء اليهود عند ذكر الأحداث المهمة التي تستوجب ذكرهم سواء قبل الإسلام أو بعده، اللهم إلا كعب بن الأشرف الطائي الذي برز ذكره كزعيم من زعماء اليهود، ومرد ذلك ليس
стр. 889
إلى أن قبيلته العربية (قبيلة طي) قد تهودت، وإنما لأن أمه يهودية تزوجها أبوه من بنى النضير فنشأ يهوديًّا بحكم التربية فحسب.
ومما يدل على ضعف أثر اليهودية وعدم انتشارها بين أعراب تلك المناطق، هو أنه لم يكن من الأعراب الذين دانوا باليهودية أي أثر في تدعيم الكيان اليهودى ومناصرة اليهود، لا قبل الإسلام -عندما كان اليهود عرضة لحرب ضروس شنها عليهم الأوس والخزرج بعد هجرتهم من مأرب- ولا بعد الإسلام عندما نشب الصراع المسلح وغير المسلح بين الإسلام واليهود.
ومرد ذلك على ما يظهر إلى أنانية اليهود حتى في مجال الدين الأمر الذي أضعف الرغبة أو أعدمها بالمرة عند هؤلاء اليهود في نشر ديانتهم بين الوثنيين العرب.
والدليل على ذلك أن أي مؤرخ من الذين أرخو للجزيرة العربية لم يذكر أي نشاط دعائى قام به كهان اليهود وأحبارهم لنشر اليهودية بين الأعراب الوثنيين طيلة تلك القرون الطويلة كما يفعل القسيسون من النصارى، حيث كانوا (قبل الإسلام) يتنقلون بين الأعراب لنشر النصرانية في جزيرة العرب قبل الإسلام.
وعادة عدم التحمس لنشر اليهودية بين الآخرين لا تزال ملازمة لجميع الفئات اليهودية حتى هذه اللحظة كما هو مشاهد ملموس، وهذا يعضد ما ذهبنا إليه من أن اليهودية لم يكن لها أي أثر يذكر على العرب الذين عايشوا اليهود الدخلاء في بلادهم طيلة تلك القرون الطويلة، وخاصة في منطقة يثرب وخيبر والشمال.
стр. 890
أثر اليهودية في اليمن
وإذا كان هناك أمة أو قبيلة عربية قد دانت باليهودية كالحميريين في اليمن، فإن ذلك ليس مرده إلى نشاط أحبار اليهود الواسع في مجال الدعاية لنشر اليهودية، وإنما مرده إلى أن تبع اليمن الثالث (تبان أسعد) وهو وثنى قد ألم بشيء من اليهودية في معرض النصح الذي تقدم به إليه الحبران من بنى قريظة بأن لا يتعرض للمدينة بسوء لأنها ستكون مقر نبي الإسلام المنتظر يوم ذلك محمد ﷺ فأعجبه ما سمع منهما فدان باليهودية ثم جعل من نفسه داعية لها، فذهب إلى اليمن ودعا الحميريين إلى اليهودية فدانوا بها (١).
ثم إنه يظهر من سياق المؤرخين لهذه الحادثة أن هذين الحبرين كانا على دين موسى الصحيح بدليل أنهما لم يخفيا ما أخفاه غيرهما من اليهود من أن نبيًّا عربيًّا سيظهر في مكة ويهاجر إلى المدينة التي لذلك حذرا (تبع اليمن) التعرض لعقوبة الله إن هو خرب المدينة كما كان قد قرر واعتزم. فحادثة انتشار اليهودية في اليمن حادثة فردية ليس لها مثيل في تاريخ انتشار اليهودية، وبدليل أن هذين الحبرين المؤمنين (كما يذكر ابن إسحاق) قد أيدهما الله بخوارق عندما ذهبا إلى اليمن مع الملك تبع وناظرًا الوثنيين فيها ودعياهم إلى دين التوحيد ونبذ الوثنية في قصة يطول شرحها (٢).
فحادثة انتشار اليهودية في اليمن حادثة فردية (حدثت على أيدى حبرين لم يكونا منحرفين ولا محرفين كباقى أحبار اليهود الأنانيين)،
стр. 891
حادثة فردية ليس لها مثيل في تاريخ انتشار اليهودية وخاصة بعد التحريف والتبديل الذي طرأ على التوراة على أيدى بعض الأحبار في عهود الانحراف.
يهود الجزيرة في نظر غيرهم من اليهود
أما نظرة اليهود الآخرين إلى يهود الجزيرة، فقد كانت نظرة عدم رضا بل كانوا ينظرون إلى يهود الجزيرة العربية كفئة منحرفة ضالة، فقد جاء في تاريخ العرب قبل الإسلام ج ٦ ص ٨ (نقلًا عن ولفنسون في كتابه: تاريخ اليهود في بلاد العرب ص ١٣): أن يهود جزيرة العرب كانوا في معزل عن بقية أبناء دينهم وانفصال، وأن اليهود الآخرين لم يكونوا يرون أن يهود العربية ملكهم في العقيدة، بل رأوا أنهم لم يكونوا يهودًا، لأنهم لم يحافظوا على الشرائع الموسوية، ولم يخضعوا لأحكام التلمود، ولهذا لم يرد عن يهود جزيرة العرب شيء في أخبار المؤلفين العبرانيين.
العرب والثقافة اليهودية
لم يرو التاريخ (مطلقًا) شيئًا عن تأثر العرب بالثقافة اليهودية في المناطق التي سيطر عليها اليهود من الجزيرة بالرغم من أنهم كانوا يسيطرون على بعض المناطق (كيثرب وخيبر والشمال) سيطرة تامة عدة قرون طويلة.
بل إن الذي حدث هو العكس وهو أن اليهود، هم الذين تأثروا بالثقافة العربية وتخلوا (على مر العصور) عن كثير من خصائصهم
стр. 892
الانفرادية التي كانوا يمتازون بها ويحملون أنفسهم على المحافظة عليها محافظة شديدة في أي زمن أو مكان كانوا.
فقد صهرتهم الثقافة العربية بدلًا من أن تصهر ثقافتهم العرب وخاصة في مجال اللغة والشعر والأدب، وحتى الأسماء .. أسماء البطون والقبائل بل والأفراد، لم يقو اليهود على الاحتفاظ بطابعها العبرانى الإسرائيلى كما هي طبيعتهم في أي بلد اجنبي يسكنونه حتى الآن.
فأكثر أسماء الأفراد والبطون والقبائل اليهودية في جزيرة العرب (وخاصة في يثرب وخيبر والشمال) هي أسماء عربية صرفة، إذ لم يبق بين الفخائذ اليهودية في جزيرة العرب فخيذة واحدة يحمل اسمها الطابع الإسرائيلى ما عدا اسم واحد وهو اسم (زاعوراء) في يثرب كما تقدم عند ذكر اسماء القبائل اليهودية في يثرب.
أما الأسماء، فيفى للدلالة على صحة ما تقول هو أنه حتى أسماء أحبار اليهود وزعمائهم لم تستطع الاحتفاظ بملامحها العبرانية، فكل أسماء هؤلاء الأحبار والزعماء تحمل الطابع العربي الصرف، سلام بن مشكم، وسلام بن أبي الحقيق، وأبي عامر الراهب، وعبد الله بن صيفى، وعدى بن زيد، والحارث بن عوف، والزبير بن باطا. وكل هؤلاء يهود إسرائيليون، لم يقل أحد من المؤرخين أنهم عرب تهودا. ولو كانوا كذلك لأوضحه المؤرخون كما فعلوا عندما أكدوا عروبة كعب بن الأشرف اليهودى وأنه من قبيلة طي العربية.
وهذا يعني بالتأكد، أن اليهود الإسرائيليين هم الذين تأثروا بالثقافة العربية، حيث طغت هذه الثقافة في جميع المجالات على
стр. 893
الثقافة اليهودية، حتى اللغة صارت (بالنسبة لهؤلاء اليهود) هي اللغة الرئيسية، لغة التخاطب لا فيما بينهم وبين العرب، بل فيما بين اليهود أنفسهم، أما اللغة العبرانية فقد استحالت إلى لغة ثانوية حيث حصرت في نطاق ضيق وهو نطاق دينهم فحسب. لا يجيديها غير كهانهم وأحبارهم، أما عامتهم فما كانوا يعرفون غير العربية، فلم يرد في شيء من كتب التاريخ أنهم كانوا يتحادثون باللغة العبرية ولو كانوا كذلك لذكره المؤرخون.
الشعراء اليهود
وبحكم صهر الثقافة العربية لهولاء اليهود وطغيانها على ثقافتهم طيلة قرون عديدة نسوا كيانهم الثقافى وأصبحوا (وهذا خاص برهبانهم فقط) لا يجيدون من الثقافة اليهودية غير لغة الدين، فأصبح طابعهم في مجال الفكر والشعر (مثلًا) لا يختلف عن الطابع العربي.
وبحكم البيئة العربية ابتلعهم خضم ثقافتها. نبغ بين هولاء اليهود شعراء مجيدون لا يختلفون في طابعهم العربي وجزالة إنتاجهم الشعرى عن كبار فحول الشعراء العرب الأصليين.
السموأل بن عاديا
ومن أبرز هؤلاء الشعراء اليهود السموأل بن عاديا الذي سارت بشعره الركبان، وهو من يهود تيماء في الشمال، وهو صاحب الحصن الأبلق والمشهور بالوفاء، ومن شعره تلك القصيدة اللامية المشهورة إلى صار كثير من أبياتها أمثالًا تضرب:
стр. 894
إذا المرء لم يدنس من اللوم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حُسن الثناء سبيل
ومنها:
تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها إن الكرام قليل
وما ضرنا أنا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل
ومن شعر السموأل الجزل أيضًا قوله:
أعاذلتى ألا لا تعذلينى ... فكم من أمر عاذلة عصيت
دعينى وارشدى إن كنت أغوى ... ولا تغوى زعمت كما غويت
أعاذل قد أطلت اللوم حتى ... لو أنى منته لقد انتهيت
وحتى لو يكون فتى أناس ... بكى من عدل عاذلة بكيت
وصفراء المعاصم قد دعتنى ... إلى وصل فقلت لها أبيت (١)
وللسموأل شعر جزل آخر ليس هذا تفصيله فليطلبه في مظانه من يريده.
أخو السموأل سعية
وللسموأل أيضًا أخ شاعر مجيد وهو سعية بن عريض بن عاديا، فمن شعره الجيد قوله:
стр. 895
يا دار سعدى بمفضى تلعة النعم ... حبيت دارًا على الإقواء والقدم
عُجنا فما كلمتنا الدار إذ سُئلت ... وما بها عن جواب خلت من صمم
وما بجزعك إلا الوحش ساكنة ... وهامدُ من رماد القدر والحمم
ومن روائع شعر هذا اليهودى سعيةُ بن عريض قوله:
إنا إذا مالت دواعى الهوى ... وأنصت السامع للقائل
واصطرع القوم بألبابهم ... نقضى بحكيم عادل فاصل
لا نجعل الباطل حقًّا ولا ... نلظ دون الحق بالباطل
نخاف أن تسفه أحلامنا ... فنخمل الدهر مع الخامل
وسعية بن عريض أخو السموأل هو القائل:
أرى الخلان لما قل مالى ... وأجحفت النوائب ودعونى
فلما أن غنيت وعاد مالى ... أراهم لا أبا لك راجعونى (١)
أوس بن دنن القرظي
ومن شعراء اليهود المجيدين في يثرب أوس بن دنن، وهو من بنى قريظة. فمن شعره قوله:
أنى تذكر زينب القلب ... عزيزة صعب وطلاب وصل
ما روضة جاء الربيع لها ... موشية ما حلوها جدبُ
بألذ منها إذ تقول لنا ... سيرًا قليلًا يلحق الركبُ
стр. 896
ومن شعره الذي عندما دعته زوجته التي أسلمت إلى الإسلام قوله:
دعتنى إلى الإسلام يوم لقيتها ... فقلت لها، لا بل تعالى تهودى
فنحن على توراة موسى ودينه ... ونعم لعمرى الدين دين محمد
كلانا يرى أن الرسالة دينه ... من يهد أبواب المراشد يرشد (١)
أبو الزناد اليهوي
ومن شعراء اليهود اليثربيين أبو الزناد الذي من شعره قوله:
هل تعرف الدار خف ساكنها ... بالحجر فالمستوى إلى ثمد
دار لبهانة خدلجة ... تضحك عن مثل جامد البرد
يا من لقلب متيم سدم ... عان رهين أُحيط بالفَقَد
أزجرُهُ وهو غير مزدجر ... عنها وطرفى مقارن السهد
تمشى الهوينا إذا كما مشت فضلا ... مشى النزيف المبهور في صعد
سارة القرظية
ومن نساء اليهود الشاعرات المجيدات سارة القرظية لها شعر جزل
стр. 897
من قولها ترثى قومها بنى قريظة بعد أن أوقع بهم الملك الغساني أبو جبيلة الذي سبق ذكره:
بنفسى أمة لم تغن شيئًا ... بذي حرض تعفيها الرياح
كهول من قريظة أتلفتها ... سيوف الخزرجية والرماح
رزئنا والرزية ذات ثقل ... يمر لأهلها الماء القراح
ولو أربوا بأمرهم لحالت ... هنالك دونهم جأوى رداح
وفي اليهود شعراء مُجيدون آخرون ذكرهم الجمحى في طبقات الشعراء، وأبو حيان في الصداقة والصديق. والبحترى في الحماسة منهم الربيع بن أبي الحقيق، وكعب بن الأشرف، وشريح بن عمران، وأبو قيس بن رفاعة، وأبو الذيال، ودرهم بن زيد، وقد أضربنا عن إيراد نماذج من أشعارهم هنا لضيق المجال إذ المقصود البرهنة (فحسب) على تأثر اليهود بالثقافة العربية إلى حد الانصهار ونسيان كيانهم الثقافى.
стр. 898
الفصل الثاني
* موجز تاريخ اليهود بعد الإسلام في جزيرة العرب.
* موقفهم من الإسلام عند ظهوره.
* مراحل الصراع الحربي السياسي بين المسلمين واليهود في الجزيرة.
اليهود بعد الإسلام
عندما جاء النبي ﷺ مهاجرًا إلى المدينة .. كان اليهود قد استعادوا جانبًا كبيرًا من سيطرتهم المادية ونفوذهم السياسي الذي كانوا يعتمدون لاستعادته على تفرق قبائل الأوس والخزرج وكثرة الحروب الأهلية الطاحنة التي اشتهر بخوضها الأوس والخزرج (قرونًا طويلة) دون سائر العرب.
فقد كان هؤلاء اليهود .. منذ انهدام سلطانهم وتحطمت قوتهم العسكرية على أيدى الأوس والخزرج أيام مالك بن العجلان في أوائل القرن الميلادي- يعملون، بما يجديون من وسائل المكر والدس، لبسط نفوذهم من جديد على منطقة يثرب، ليصبحوا سادتها كما كانوا قبل وصول القبائل اليمنية (الأوس والخزرج) من مأرب إلى المدينة. إلا أنه مما حمى الله به يثرب من هذه السيطرة أن انقسم هؤلاء اليهود على أنفسهم وصاروا يقاتلون بعضهم بعضًا.
стр. 899
ولما ظهر النبي ﷺ ودعا إلى الإسلام شرق اليهود بهذا الدين فناصبوه العداء لأنهم يرون في أنتشاره تحطيمًا لآمالهم التوسعية وتقليصًا لظل سلطانهم السياسي والمالى الذي بدأ يلف بجناحيه المنطقة اليثربية من جديد.
لذلك صاروا (منذ اللحظة الأولى) يقاومون هذا الدين وينشرون ظلالًا من الشكوك حول صدق دعوة حامله محمد ﷺ بالرغم من أن ظهور النبي ﷺ لم يكن مفاجأة لهؤلاء اليهود (وخاصة أحبارهم وكبار مثقفيهم).
فقد كان هؤلاء اليهود يعلمون -مما عندهم في التوارة- أن الله تعالى سيبعث نبيًّا من العرب في ناحية مكة، وكانوا- قبل ظهور الإسلام - يلقنون صبيانهم في المدارس والمعابد خبر هذا النبي المنتظر الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة.
بل إن هؤلاء اليهود كانوا- إلى ما قبل ظهور النبي ﷺ يجاهرون سكان المدينة، بل وينذرونهم -وخاصة إذا ما نالوهم بأذى- بأن نبيًّا سيبعث قريبًا، وأنهم سيكونون معه، وسينتقمون منهم، وسيأخذون ثاراتهم عن طريق الإيمان به واتباعه.
ولكن هؤلاء اليهود -عندما ظهر النبي ﷺ بدلًا من أن يؤمنوا به وقد عرفوا أنه النبي الذي كانوا يبشرون به- صاروا من أعدائه وأشد المقاومين لدعوته والمكذبين بها بغيًا وحسدًا، فشقوا وسعد غيرهم من أهل المدينة ممن كانوا يسمعون تكرار تبشيرهم بقرب خروج هذا النبي الكريم.
قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من
стр. 900
قومه قالوا .. إن مما دعانا إلى الإسلام، مع رحمة الله تعالى وهداه لنا، لما كنا نسمع من رجال يهود، وكنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور.
فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فكنا كثيرًا ما نسمع ذلك منهم.
فلما بعث الله رسوله ﷺ أجبناه، حين دعانا إلى الله تعالى وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به، فبادرناهم إليه فأمنا به وكفروا به، ففينا وفيهم نزل هؤلاء الآيات من البقرة:
﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
حديث اليهود عن نبوة محمد ﷺ -.
وذكر ابن إسحاق بسنده عن سلمة بن سلامة بن وقش (وكان من أصحاب بدر)، قال: كنا لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل، قال .. فخرج علينا يومًا من بينه حتى وقف علي بنى عبد الأشهل -قال سلمة وأنا يومئذ من أحدث من فيهم سنًّا، على بردة لي مضطجع فيها بفناء أهلي- فذكر القيامة والبعث والحساب والميزان والجنة والنار، قال .. فقال ذاك لقوم أهل شرك وأصحاب أوثان لا يرون أن بعثًا كائن بعد الموت.
стр. 901
فقالوا له: ويحك يا فلان، وترى هذا كائنا، أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار يجزون فيها بأعمالهم؟ قال نعم.، والذي يحلف به، ولوَدَّ أن له بحظه من تلك النار أعظم تَنّور في الدار يحمونه ثم يدخلونه فيطينونه عليه، بأن ينجو من للك النار غدًا.
فقالوا له .. ويحك يا فلان، فما آية ذلك؟ قال: نبي مبعوث من نحو هذه البلاد وأشار بيده إلى مكة واليمن، فقالوا .. ومتى تراه؟ قال .. فنظر إلي -وأنا من أحدثهم سنًّا- فقال .. إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه.
قال سلمة .. فو الله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله محمدًا رسوله ﷺ وهو (أي الحبر اليهودى) حيّ بين أظهرنا، فآمنا به وكفر به بغيًا وحسدًا، قال .. فقلنا له، ويحك يا فلان ألست الذي قلت لنا فيه ما قلت؟ قال بلى ولكنه ليس به -أي ليس هو.
ولكن هؤلاء اليهود إذا كان الحسد والجحود والبغى قد قاد أكثرهم إلى أن ينكروا الحق الذي كانوا يعرفونه -وقد كانت أمانة العلم تقضى عليهم بأن يعلنوا هذا الحق ويكونوا من أنصاره- فإن رجالًا منهم قد أنار الله بصائرهم فسارعوا إلى إتباع الحق الذي جاء به محمد ﷺ وكانت هذه المسارعة من هولاء النفر حصيلة ما كانوا يسمعون من علمائهم عن قرب هذا النبي الكريم، وما كانوا يحفظون من الصفات التي كان يصفه بها أولئك العلماء والتي وجدوها تنطبق عليه كما وصفوه تمامًا عندما بعثة الله تعالى.
ولنستمع إلى أحد هؤلاء اليهود الذين من الله عليهم فأسلموا "نتيجة
стр. 902
ما كانو يسمعون من أحبارهم من دعوة إلى اتباع النبي محمد ﷺ ، قبل أن يبعثه الله".
وهذا اليهودى (سابقًا) هو أحد شيوخ بنى قريظة .. فقد حدث عاصم بن عمر بن قتادة قائلًا له (كما رواه ابن إسحاق): أتدرى عم كان إسلام ثعلبة بن سعية وأسيد وأسد بن عبيد (١) -نفر من بنى بهدل إخوة بنى قريظة كانوا معهم في جاهليتهم ثم كانوا سادتهم في الإسلام- قال .. قلت .. لا والله، قال .. فإن رجلًا من يهود أهل الشام، يقال له ... ابن الهيبان، قدم علينا قبيل الإسلام بسنين، فحل بين أظهرنا، لا والله ما رأينا قط رجلًا يصلى الخمس أفضل منه.
فأقام عندنا، فكنا إذا قحط عنا المطر قلنا له .. أخرج يابن الهيبان فاستسق لنا، فيقول .. لا والله حتى تقدموا بين يدي مخرجكم صدقة، فنقول له كم؟ فيقول صاعًا من تمر .. أو مدين من شعير قال .. فنخرجها، ثم يخرج بنا إلى ظاهر حرتنا فيستسقى الله لنا، فو الله ما يبرح مجلسه حتى يمر السحاب ونسقى، قد فعل ذلك غيره مرة ولا مرتين ولا ثلاث.
قال .. ثم حضرته الوفاة عندنا، فلما عرف أنه ميت قال .. يا معشر يهود، ما ترونه أخرجنى من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ قال .. قلنا .. إنك أعلم.
قال .. فإني إنما قدمت هذه البلدة أتوكف (أي أنتظر) خروج نبي قد أظل (أي أشرف وقرب) زمانه، وهذه البلدة (أي المدينة) مُهاجرى
стр. 903
فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه، وقد أظلَّكم زمانه، فلا تُسْبَقُنَّ إليه يا معشر يهود، فإنه يبعث بسفك الدماء، وسبى الذرارى والنساء ممن خالفه، فلا يمنعكم ذلك منه.
فلما بعث رسول الله ﷺ وحاصر بنى قريظة، قال هؤلاء الفتية -وكانوا شبابًا أحداثًا- .. يا بني قريظة، والله إنه للنبي الذي كان عهد إليكم فيه ابن الهيبان، قالوا .. ليس به، وقالوا (أي الشباب) .. بلى والله، إنه لهو بصفته، فنزلوا وأسلموا وأحرزوا دماءهم وأموالهم وأهليهم.
وهكذا فإن اليهود بالرغم من استيقانهم أن محمدًا ﷺ نبي مرسل، قد شرقوا بالإسلام وصمموا -منذ اللحظة الأولى- على مقاومته والعمل على شل حركته حسدًا وبغيًا.
وأنا أخالف أولئك الرجال من كتابنا الذين يقولون في بعض مؤلفاتهم إن اليهود رحَّبوا بالنبي ﷺ وأحسنوا استقباله وألقوا إليه بالمودة وتقربوا منه باعتباره عدوًا للوثنية وحاملا لدين هو ودين موسى من معين واحد.
فهذا الزعم ليس له في مصادر التاريخ أي شيء يسنده، فلم يثبت أن هؤلاء اليهود قاموا نحو النبي ﷺ منذ وصوله المدينة، بأي شيء يمكن تسميته حفاوة أو مودة أو تكريمًا.
بل الثابت في أسفار التاريخ (بالنسد الصحيح) أن هؤلاء اليهود قد نزل بهم من الغم -لوصول النبي محمد ﷺ إلى يثرب- أمر عظيم كادت له أن تذهب نفوسهم، فقد قابلوا نزول النبي أرض المدينة بالامتعاض الشديد وأعلنوا كرههم له وانطووا على بغضه وأضمروا الكيد
стр. 904
له ولدينه منذ اللحظة الأولى التي حلَّ فيها بين الأنصار في المدينة.
كيف جحد اليهود الحق بعد معرفته
فهذان حبران من أكبر أحبار اليهود في المدينة، ومن الذين كان المفروض فيهم أن يستبشروا بقدوم النبي ﷺ ويقابلوه بالترحاب ويعلنوا الإيمان بدعوته لتأكدهم من أنه هو النبي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة، هذان الحبران وهما حُيى بن أخطب -الذي حشد الأحزاب فيما بعد، وقاد أكثر من عشرة آلاف مقاتل من مختلف قبائل العرب لإبادة المسلمين في المدينة- وأخوه ياسر قد عصفت بقلوبهما رياح الحسد وحملا للنبي ﷺ فور وصوله المدينة- من الحقد والبغض ما لا يستطيع حمله إلا قلب مثل قلبيهما الخبيثين. لاسيما بعد أن تأكدا لدى مقابلتهما محمدًا أن أوصاف النبي الموعود التي يجدونها عندهم في كتبهم تنطبق عليه تمامًا.
قال ابن إسحاق .. وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال .. حُدِّثتُ عن صفية بنت حيى بن أخطب أنها قالت .. كنت أحب ولد أبي إليه وإلى عمى ياسر، لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذانى دونه، قالت .. فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة، ونزل قباء في بني عمرو بن عوف. غدا عليه أبي حيى بن أخطب وعمى ياسر بن أخطب مغلسين، قالت .. فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس، قالت .. فأتيا كاليَّن كسلانين ساقطين يمشيان الهوينا قالت فهششت إليهما كما كنت أصنع، فوالله مالتفت إلى واحد منهما، مع ما بهما من الغم، قالت .. وسمعت
стр. 905
عمى ياسر يقول لأبي حيى بن أخطب:
أهو، هو؟ (يعني النبي ﷺ ).
قال .. نعم والله.
قال أتعرفه وتثبته؟ .
قال نعم.
قال .. فما في نفسك منه؟ .
قال ... عداوته ما بقيت أهـ.
وفعلًا فإن هذا اليهودى الخبيث ظل (وهو سيد بنى النضير في عصره) العدو اللدود رقم واحد للنبي ﷺ ودينه .. ظل طيلة حياته يحيك المؤمرات والدسائس ضد النبي ﷺ ، ويعمل جاهدًا للقضاء عليه.
فعندما كان يقيم في المدينة دبر (بالاتفاق مع قومه) مؤامرة لاغتيال النبي ﷺ ، فكان اكتشاف هذه المؤامرة قبل وقوعها من أكبر أسباب إجلاء يهود بنى النضير عن المدينة.
وما غزوة الأحزاب التي كاد كيان الإسلام أن يهدم بسببها إلا نتيجة لمساعى هذا اليهودى الشريرة، ومن على شاكلته من زعماء اليهود الذين تفرقوا وفودًا يطوفون بمضارب البدو، وخيامهم في مختلف القبائل يحشدون الجيوش لسحق المسلمين في عاصمة دولتهم المدينة، هذه المساعى التي نتجت عنها غزوة الأحزاب المفزعة المرعبة التي انتهت (ولله الحمد) باندحار الأحزاب، ودفع حُيي بن أخطب هذا رأسه ثمنًا لخيانته، حيث نفذ فيه حكم الإعدام في المدنية مع تسعمائة مقاتل من خونة بنى
стр. 906
قريظة كما سنفصله فيما يلي من هذا الكتاب إن شاء الله.
بدء المقاومة اليهودية للإسلام
لقد بدأ اليهود -منذ اللحظة الأولى التي حل فيها النبي بالمدينة يقاومون الإسلام ويرجفون ضده ويحاولون نشر ظلال من الشكوك حوله لينفر الناس منه ويبتعدوا عن حامل رسالته.
وكانت هذه المقاومة (بادئ الأمر) على شكل أسئلة محرجة يتقدمون بها إلى النبي ﷺ يتعنتونه بها ليوجدوا عن طريقها نوعًا من اللبس والغموض حول صدق النبي ﷺ في ما يدعو إليه، بغية تشكيك الناس فيه فلا يستجيبون له: بل ولا يستمعون إليه.
بل إن هؤلاء اليهود بلغ بهم الكيد للإسلام والحرص على وقف تيار دعوته أن رسموا مخططًا محكمًا لمقاومته وفض الناس من حوله، وبموجب هذا المخطط اليهودى دخل البعض منهم في الإسلام (ظاهرًا) وهو على كفره في الباطن وذلك ليتسنى لهم أن يعملوا (بحرية) على آخر الأمر إلى محاولة اغتيال رأس الدعوة الإسلامية محمد ﷺ ، ومقاومتها بحد السلاح كما حدث من بنى قينقاع بعد معركة بدر، وبنى النضير بعد معركة أُحُد.
نموذج من تشكيك اليهود وتلبيسهم
لقد كان اليهود (أول الأمر) يستغلون (كجزء من مقاومتهم) حوادث معينة لتشكيك الناس في نبوة محمد ﷺ .
стр. 907
ضلت (مرة) ناقة رسول الله ﷺ فذهب بعض الصحابة للبحث عنها فقال زيد بن اللصيت (وهو يهودى تظاهر بالإسلام) ساخرًا من النبي ﷺ ومن نوبته .. يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء وهو لا يدرى أين ناقته، يريد بذلك تصديع مراكز اليقين في نفوس الذين آمنوا بالله ورسوله.
ولما بلغ النبي ﷺ ما قال هذا اليهودى، قال .. إني قائلًا قال يزعم محمد أنه يأتيه خبر السماء، ولا يدرى أين ناقته؟ إن والله ما أعلم إلا ما علمنى الله، وقد دلنى الله عليها (١)، فهي في هذا الشعب، قد حبستها شجرة بزمامها فذهب رجال من المسلمين فوجدوها حيث قال الرسول ﷺ وكما وصف، فجاءت نتيجة سخرية هذا اليهودى (المتظاهر بالإسلام) عكس ما يريد إذ ازداد الناس إيمانًا بصدق نبيهم ﷺ .
اليهود وصرف القبلة عن الشام
وعندما صرفت القبلة عن الشام إلى مكة، استغل اليهود هذا
стр. 908
الحادث وقاموا بمناورات خبيثة هدفها زعزعة إيمان الناس بالدين الجديد، بل ومحاولة فتنة النبي ﷺ نفسه ليعصى أمر ربه.
فقد جاءه نفر من زعمائهم "رفاعة بن قيس وقردم بن عمرو بن الأشرف، وكنانة بن الربيع وغيرهم" وقالوا .. يا محمد، ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها وأنت تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه؟ إرجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتبعك ونصدقك وإنما يريدون بذلك فتنتة عن دينه، فلم يستجب لهم النبي ﷺ ففسدت مناورتهم الخبيثة ثم أنزل الله تعالى في هذه الحادثة.
﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيهَا﴾ (الآيات) إلى آخر قوله تعالى ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.
ولقد كان هؤلاء اليهود (في إرهاقهم النبي ﷺ وإعناته بالأسئلة وإثارة الشبه) على غاية من المكر واغتنام الفرص التي يظنون أنها تشد من باطلهم.
حاولوا (مرة) أن ينتزعوا من النبي ﷺ على حين غفلة شهادة بأنهم على الحق بنص القرآن، فتقدموا إليه ﷺ بهذا السؤال فقالوا .. يا محمد، ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه وتؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد أنها من الله حق؟ .
قال .. بلى، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخذ الله عليكم من الميثاق فيها، وكتمتم منها ما أمرتم أن تبينوه للناس، فبرئت من إحداثكم، فقالوا (والمغالطة تقودهم) فإنا نأخذ بما في أيدينا، فإنا على الهدى والحق، ولا نؤمن بك ولا نتبعك، فأنزل الله تعالى فيهم:
стр. 909
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (١).
وكانت تبلغ بهؤلاء اليهود القحة (أحيانًا) إلى أن يكذبوا على النبي ﷺ صراحة لينفروا الناس عنه وعن دينه.
فقد عقد ﷺ مجلسًا حضره أحبار من يهود المدينة ونصارى نجران، ولما دعاهم إلى الإسلام قال أحد زعماء اليهود (مفتريًا)، أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى بن مريم؟ وهنا تحرك أحد رهبان نجران واتجه بالسؤال إلى النبي ﷺ قائلًا .. أو ذاك تريد منا يا محمد وإليه تدعونا؟ أو كما قال، فقال النبي ﷺ .. معاذ الله أن أعبد غير الله أو آمر بعبادة غيره، فما بذلك بعثنى الله، ولا أمرنى، أو كما قال:
وفي تعنتهم بالأسئلة سألوه ﷺ حتى عن الساعة التي لا يعلمها إلا الله بغية تشكيك الناس في صدق دعوته، فقد سأله جبل بن أبي قشير وشمويل بن زيد قائلين .. يا محمد أخبرنا متى تقوم الساعة إن كنت نبيًّا كما تقول؟ فأجابه القرآن على هذا السؤال المحرج حيث أنزل الله تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إلا هُوَ﴾ (٢).
وكثرت مناظرات هؤلاء اليهود للنبي ﷺ التي يقصدون (عبثًا) إقحامه
стр. 910
لينفض الناس من حوله، فبلغ بهم السفه إلى أن يطلبوا من النبي ﷺ ما ليس في مقدوره ليوهموا الناس أنه ليس بنبي.
فقد حضرت (مرة) مجموعة من أحبارهم لمناظرة النبي ﷺ فقالوا أحق يا محمد أن هذا الذي جئت به لحق من عند الله، فإنا لا نراه متسقًا كما تتسق التوراة؟ .
فقال لهم .. أما والله إنكم لتعرفون أنه من عند الله، تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة، فغيروا مجرى الحديث وسألوه (في سخرية) .. أما يعلمك هذا إنس ولا جن؟ فقال لهم .. أما والله إنكم لتعلمون أنه من عند الله، وإني لرسول الله تجدونه ذلك مكتوبًا عندكم في التوراة، فغيروا مجرى الحديث مرة أخوى (للإعنات فحسب) فقالوا .. يا محمد، فإن الله يصنع لرسوله إذا بعثه ما يشاء ويقدر منه على ما أراد، فأنزل علينا كتابًا من السماء نقرؤه ونعرفه وإلا جئناك بمثل ما تأتى به، فأخرسهم الله حيث أنزل على نبيه ﷺ قوله تعالى:
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (١). واجتمع بهم الرسول ﷺ في معهد من معاهد علمهم (يقال له بيت المدارس) فدعاهم إلى الله، فقال له حبران من أحبارهم .. على أي دين أنت يا محمد قال .. على ملة إبراهيم ودينه، فقالا: فإن إبراهيم كان يهوديًّا فقال لهم ﷺ .. فهلم إلى التوراة، فهي بيننا وبينكم، فأبيا عليه.
فأنزل الله تعالى فيهما ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ
стр. 911
يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَينَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (١).
تعنت اليهود وحلم النبي ﷺ عليهم
وقد اشتط اليهود في حربهم الجدلية مع الرسول ﷺ وتمادوا في تعنتهم، وبالغوا في إيذاء الرسول ﷺ نفسيًا، إلى درجة أثاروا معها غضبه، فثاورهم وباطشهم من شدة الغضب لله تعالى، لشدة وقاحتهم واستفزازاتهم بالأسئلة الوقحة المحرجة ألتى لا تعنى شيئًا سوى الإعنات والتنكيد والتأثير على نفوس البسطاء وتشكيكهم ليبتعدوا عن النبي ﷺ ويزهدوا في دعوته.
أتاه مرة رهط من هؤلاء اليهود، ققالوا له .. يا محمد هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله، فغضب رسول الله ﷺ حتى انتقع لونه ثم ساورهم غضبًا لربه، قال ابن إسحاق .. فجاءه جبريل ﵇ فسكنه، فقال .. خفض عليك يا محمد، ثم نزل الجواب على هذا السؤال الخطير المحرج من السماء ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٢).
فلما تلا عليهم هذا الجواب المُسكت الذي نزل به القرآن، سدروا في تعنهم وأوغلوا في عبثهم واستهتارهم .. صف لنا يا محمد، كيف ذراعه؟ كيف عضده؟ فغضب الرسول ﷺ أشد من غضبه الأول وساورهم (أي باطشهم من شدة الغضب) فأتاه جبريل فقال له .. مثل مقال له أول مرة
стр. 912
ثم تلا عليه الجواب المسكت على السؤال المعنت فتلاه ﷺ وهو قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْويَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١).
اليهود يسبون الله
وقد بلغ باليهود الحقد المقود بالكفر إلى أن يسبوا الله تعالى ويسخروا من القرآن الكريم، فقد جاء مرة أبو بكر الصديق إلى بيت المدارس (أحد معاهد اليهود الدينية في المدينة). فوجد فيه عدة من علمائهم يلقون الدروس على أبناء ملتهم، وكان بينهم حبر كبير يعرفه أبو بكر الصديق اسمه (فنحاص) فقال له أبو بكر (يدعوه إلى الله في رفق ولين): ويحك يا فنحاص إتق الله وأسلم فوالله إنك لتعلم أن محمدًا لرسول الله، قد جاءكم من عنده، تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة والإنجيل.
فقال فنحاص: (في جرأة ووقاحة ما بعدها وقاحة) .. والله يا أبا بكر ما بينا إلى الله من فقر، وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، وما هو عنا بغنى، ولو كان عنا غنيًّا ما استقرضنا أموالنا، كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطيناه، ولو كان غنيًّا ما أعطانا الربا، فغضب أبو بكر لهذا القول الفاحش، ثم ضرب وجه ذلك الحبر اللعين ضربًا شديدًا، وقال .. والذي نفسي بيده، لولا العهد الذي بيننا وبينكم لضربت رأسك أي عدو الله.
стр. 913
ولما كان العهد قائمًا بين المسلمين واليهود جاء الحبر فنحاص إلى النبي ﷺ وشكا أبا بكر فحقق الرسول ﷺ في الأمر، فلم ينكر الصديق ما صنع، وأبلغ الرسول ﷺ بمقالة اليهودى تلك والتي من أجلها ضربه، فأنكر اليهودى أنه قال: "إن الله فقير" فأنزل الله تعالى ردًّا على فنحاص وتصديقًا لأبي بكر ﵁ ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾، الآية (١).
وكجزء من الحرب الباردة الواسعة العنيفة التي يشنها اليهود على الإسلام ونبي الإسلام في المجتمع اليثربى، كان هؤلاء اليهود ينددون ويشهرون (علنا) بمن هداه الله منهم للإسلام وينالون منه لئلا يتأثر أحد به فيسلم، فعندما أسلم عبد الله بن سلام (وهو من أحبارهم) وثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد وغيرهم من يهود، قام اليهود في المدينة بحملة تشهير ضدهم، وذهب الأحبار الكفرة في الأوساط اليهودية والمنافقة يقولون .. ما آمن بمحمد ولا اتبعه إلا شرارنا، ولو كانوا من أخيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره، فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿لَيسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (٢).
مساومة الرسول لفتنته
بل لقد بلغت بهم الجرأة إلى مساومة الرسول ﷺ في رسالته، فحاولوا إغراءه ليكذب على الله فيكونوا له أتباعًا، فقد تباحث أربعة من
стр. 914
أحبارهم في أمره وهم (كعب بن أسد وابن صلوبا، وعبد الله بن صوريا وشاس بن قيس) فقال بعضهم لبعض .. إذهبوا بنا إلى محمد، لعلنا نفتنه عن دينه، فإنما هو بشر، فأتوه، فقالوا له .. يا محمد إنك قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وسادتهم وأنا إن تبعناك اتبعتك يهود، ولم يخالفونا، وأن بيننا وبين بعض قومنا خصومة، أفنحاكمهم إليك فتقضى لنا عليهم، ونؤمن بك ونصدقك، ولكن الرسول ﷺ رفض هذه المساومة السخيفة وردهم خاسئين.
وقد أنزل الله في هذه المحاولة اليهودية الرخيصة: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَينَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ (١).
محاولة اليهود بعث الروح الجاهلية بين القبائل
وبالإضافة إلى إعنات الرسول ﷺ والافتراء عليه ومحاولة تشكيك الناس في صدقه كان هؤلاء اليهود يحاولون (ما وسعهم) بث الفتنة بين أتباعه من الأوس والخزرج، والعودة بهم إلى فوضى الجاهلية بإثارة النعرات القبلية القديمة التي كانت ملتهبة بين هاتين القبيلتين، والتي قام عليها الوجود اليهودى واستقر في يثرب، وهدفهم من هذا أن تفشل الدعوة الإسلامية في جمع كلمة العرب فيتهاوى بنيان النظام الوليد الجديد.
стр. 915
فقد مر أحد أحبار اليهود وهو شماس بن قيس، وكان عظيم الكفر شديد الحقد والضغن على المسلمين، مر على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ من الأوس والخزرج، فغاظ ما رآهم عليه من ألفة ومحبة -وهم الذين كانوا إلى عهد قريب- لا يلتقون إِلا في معركة تسيل فيه الدماء وتزهق فيها الأواح، فيكون عليهم (سويًا) الغرم ولليهود الغنم .. غاظ هذا اليهودى المجرم اجتماع هذين الحيين على الإسلام فأفصح عن تخوفه على الوجود اليهودى من هذا الاجتماع، لأن بقاء هذا العنصر الغريب الدخيل على الأرض العربية إنما هو مرتهن ببقاء الأوس والخزرج (كما كانوا في الجاهلية) متقاطعين متحاربين.
ولهذا قال هذا اليهودي -لما رأى الملأ من الأوس والخزرج مجتمعين متحابين في رحاب الإسلام-: قد اجتمع بنوقيلة (١) بهذه البلاد، لا والله مالنا معهم- إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار.
وهنا أمر أحد الشباب اليهود بأن يندس بين أولئك النفر وكلفه بأن يبذر بذور الفتنة بينهم ما وجد إلى ذلك سبيلا، لعلهم يختلفون وتثور الحرب الجاهلية بينهم من جديد فتصاب الدعوة الإسلامية بانتكاسة ويتقوى جانب اليهود.
فقد قال ذلك الحبر اليهودى لذلك الشاب .. إعمد إلى هؤلاء فاجلس معهم، ثم أمره بأن يضرب على أدق وتر حساس في تاريخ هاتين القبيلتين الجاهلى، له ذكرى مثيرة أليمة في نفوسهم (وخاصة الخزرج) أمره أن يحدثهم عن يوم بعاث الشهير، وهو يوم دارت فيه رحى معركة طاحنة بين الأوس والخزرج، كاد فيه الأوس يبيدون