← Сира

Сира · id 145203

من معارك الإسلام الفاصلة = موسوعة الغزوات الكبرى

محمد بن أحمد باشميل

Полный текст (2 672 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَينَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (١). تعنت اليهود وحلم النبي ﷺ عليهم وقد اشتط اليهود في حربهم الجدلية مع الرسول ﷺ وتمادوا في تعنتهم، وبالغوا في إيذاء الرسول ﷺ نفسيًا، إلى درجة أثاروا معها غضبه، فثاورهم وباطشهم من شدة الغضب لله تعالى، لشدة وقاحتهم واستفزازاتهم بالأسئلة الوقحة المحرجة ألتى لا تعنى شيئًا سوى الإعنات والتنكيد والتأثير على نفوس البسطاء وتشكيكهم ليبتعدوا عن النبي ﷺ ويزهدوا في دعوته. أتاه مرة رهط من هؤلاء اليهود، ققالوا له .. يا محمد هذا الله خلق الخلق، فمن خلق الله، فغضب رسول الله ﷺ حتى انتقع لونه ثم ساورهم غضبًا لربه، قال ابن إسحاق .. فجاءه جبريل ﵇ فسكنه، فقال .. خفض عليك يا محمد، ثم نزل الجواب على هذا السؤال الخطير المحرج من السماء ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (٢). فلما تلا عليهم هذا الجواب المُسكت الذي نزل به القرآن، سدروا في تعنهم وأوغلوا في عبثهم واستهتارهم .. صف لنا يا محمد، كيف ذراعه؟ كيف عضده؟ فغضب الرسول ﷺ أشد من غضبه الأول وساورهم (أي باطشهم من شدة الغضب) فأتاه جبريل فقال له .. مثل مقال له أول مرة

стр. 912

ثم تلا عليه الجواب المسكت على السؤال المعنت فتلاه ﷺ وهو قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْويَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١). اليهود يسبون الله وقد بلغ باليهود الحقد المقود بالكفر إلى أن يسبوا الله تعالى ويسخروا من القرآن الكريم، فقد جاء مرة أبو بكر الصديق إلى بيت المدارس (أحد معاهد اليهود الدينية في المدينة). فوجد فيه عدة من علمائهم يلقون الدروس على أبناء ملتهم، وكان بينهم حبر كبير يعرفه أبو بكر الصديق اسمه (فنحاص) فقال له أبو بكر (يدعوه إلى الله في رفق ولين): ويحك يا فنحاص إتق الله وأسلم فوالله إنك لتعلم أن محمدًا لرسول الله، قد جاءكم من عنده، تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة والإنجيل. فقال فنحاص: (في جرأة ووقاحة ما بعدها وقاحة) .. والله يا أبا بكر ما بينا إلى الله من فقر، وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء، وما هو عنا بغنى، ولو كان عنا غنيًّا ما استقرضنا أموالنا، كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطيناه، ولو كان غنيًّا ما أعطانا الربا، فغضب أبو بكر لهذا القول الفاحش، ثم ضرب وجه ذلك الحبر اللعين ضربًا شديدًا، وقال .. والذي نفسي بيده، لولا العهد الذي بيننا وبينكم لضربت رأسك أي عدو الله.

стр. 913

ولما كان العهد قائمًا بين المسلمين واليهود جاء الحبر فنحاص إلى النبي ﷺ وشكا أبا بكر فحقق الرسول ﷺ في الأمر، فلم ينكر الصديق ما صنع، وأبلغ الرسول ﷺ بمقالة اليهودى تلك والتي من أجلها ضربه، فأنكر اليهودى أنه قال: "إن الله فقير" فأنزل الله تعالى ردًّا على فنحاص وتصديقًا لأبي بكر ﵁ ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾، الآية (١). وكجزء من الحرب الباردة الواسعة العنيفة التي يشنها اليهود على الإسلام ونبي الإسلام في المجتمع اليثربى، كان هؤلاء اليهود ينددون ويشهرون (علنا) بمن هداه الله منهم للإسلام وينالون منه لئلا يتأثر أحد به فيسلم، فعندما أسلم عبد الله بن سلام (وهو من أحبارهم) وثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد وغيرهم من يهود، قام اليهود في المدينة بحملة تشهير ضدهم، وذهب الأحبار الكفرة في الأوساط اليهودية والمنافقة يقولون .. ما آمن بمحمد ولا اتبعه إلا شرارنا، ولو كانوا من أخيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره، فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿لَيسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (٢). مساومة الرسول لفتنته بل لقد بلغت بهم الجرأة إلى مساومة الرسول ﷺ في رسالته، فحاولوا إغراءه ليكذب على الله فيكونوا له أتباعًا، فقد تباحث أربعة من

стр. 914

أحبارهم في أمره وهم (كعب بن أسد وابن صلوبا، وعبد الله بن صوريا وشاس بن قيس) فقال بعضهم لبعض .. إذهبوا بنا إلى محمد، لعلنا نفتنه عن دينه، فإنما هو بشر، فأتوه، فقالوا له .. يا محمد إنك قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وسادتهم وأنا إن تبعناك اتبعتك يهود، ولم يخالفونا، وأن بيننا وبين بعض قومنا خصومة، أفنحاكمهم إليك فتقضى لنا عليهم، ونؤمن بك ونصدقك، ولكن الرسول ﷺ رفض هذه المساومة السخيفة وردهم خاسئين. وقد أنزل الله في هذه المحاولة اليهودية الرخيصة: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَينَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ (١). محاولة اليهود بعث الروح الجاهلية بين القبائل وبالإضافة إلى إعنات الرسول ﷺ والافتراء عليه ومحاولة تشكيك الناس في صدقه كان هؤلاء اليهود يحاولون (ما وسعهم) بث الفتنة بين أتباعه من الأوس والخزرج، والعودة بهم إلى فوضى الجاهلية بإثارة النعرات القبلية القديمة التي كانت ملتهبة بين هاتين القبيلتين، والتي قام عليها الوجود اليهودى واستقر في يثرب، وهدفهم من هذا أن تفشل الدعوة الإسلامية في جمع كلمة العرب فيتهاوى بنيان النظام الوليد الجديد.

стр. 915

فقد مر أحد أحبار اليهود وهو شماس بن قيس، وكان عظيم الكفر شديد الحقد والضغن على المسلمين، مر على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ من الأوس والخزرج، فغاظ ما رآهم عليه من ألفة ومحبة -وهم الذين كانوا إلى عهد قريب- لا يلتقون إِلا في معركة تسيل فيه الدماء وتزهق فيها الأواح، فيكون عليهم (سويًا) الغرم ولليهود الغنم .. غاظ هذا اليهودى المجرم اجتماع هذين الحيين على الإسلام فأفصح عن تخوفه على الوجود اليهودى من هذا الاجتماع، لأن بقاء هذا العنصر الغريب الدخيل على الأرض العربية إنما هو مرتهن ببقاء الأوس والخزرج (كما كانوا في الجاهلية) متقاطعين متحاربين. ولهذا قال هذا اليهودي -لما رأى الملأ من الأوس والخزرج مجتمعين متحابين في رحاب الإسلام-: قد اجتمع بنوقيلة (١) بهذه البلاد، لا والله مالنا معهم- إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار. وهنا أمر أحد الشباب اليهود بأن يندس بين أولئك النفر وكلفه بأن يبذر بذور الفتنة بينهم ما وجد إلى ذلك سبيلا، لعلهم يختلفون وتثور الحرب الجاهلية بينهم من جديد فتصاب الدعوة الإسلامية بانتكاسة ويتقوى جانب اليهود. فقد قال ذلك الحبر اليهودى لذلك الشاب .. إعمد إلى هؤلاء فاجلس معهم، ثم أمره بأن يضرب على أدق وتر حساس في تاريخ هاتين القبيلتين الجاهلى، له ذكرى مثيرة أليمة في نفوسهم (وخاصة الخزرج) أمره أن يحدثهم عن يوم بعاث الشهير، وهو يوم دارت فيه رحى معركة طاحنة بين الأوس والخزرج، كاد فيه الأوس يبيدون

стр. 916

إخوانهم من الخزرج حيث كان النصر لهم عليهم فيه، وذلك قبيل الإسلام، وهي آخر مآسى الحرب الأهلية التي كانت تدور في الجاهلية باستمرار بين هاتين القبيلتين. نجاح اليهود في إثارة الحرب الأهلية وفعلا نفذ هذا الشاب اليهودى رغبة الحبر المجرم، وانضم إلى مجلس الأوس والخزرج (إياه) وشارك معهم في الحديث ثم جرهم (بأسلوب يهودى ماكر خبيث) إلى ذكر يوم (بعاث)، فأخذت بوادر التحزيب والفتنة تظهر في المجلس، فسارع اليهودى (إياه) إلى إذكاء نيرانها حيث أنشدهم بعض ما قيل من أشعار حماسية مثيرة في يوم بُعاث، فظهرت الفتنة جلية واضحة في المجلس وتلاحى الحيان، وأخذ رجال كل منهما يساور الآخر ويفاخر وينازعه، وتحول الجدال إلى ما هو أخطر منه، حيث وقف أحد زعماء الخزرج (متحديًا) وقال للأوس .. إن شئتم رددناها جذعة يعني (الاستعداد لإحياء الحرب وقالوا .. موعدكم الظاهرة (والظاهرة الحرة) ثم أعلن النفير في القبيلتين فأخذ كل سلاحه وتوجه للحرب إلى المكان المحدد. الرسول ينقذ الموقف وكاد اليهود ينجحون في بلوغ أهدافهم الخبيثة لولا عناية الله

стр. 917

تعالى، إذ بلغ النبي ﷺ نبأ هذا الحدث الخطير فسارع - مع المهاجرين - بالخروج إلى المكان الذي اتعدوا فيه للحرب فوجدهم يحتشدون كل قبيلة في ناحية، فعمل بما أتاه الله من حكمة على إخماد هذه الفتنة الخطيرة. حيث وقف بين القبيلتين خطيبًا قائلًا .. يا معشر المسلمين الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام وأكرمكم به وقطع به عنكم أمر الجاهلية واستنقذكم به من الكفر، وألف بين قلوبكم؟ ؟ . وهنا عاد إلى الفريقين رشدهم وأدركوا أنها مكيدة يهودية فأغملوا سيوفهم ونكسوا رماحهم، ثم استرجعوا وبكوا وأخذ الرجال من القبيلتين يعانق بعضهم بعضًا. إحباط فتنة اليهود وبهذا أحبط النبي ﷺ مساعى اليهود الخبيثة وردهم على أعقابهم خائبين بعد أن كادت تنجح دسائسهم ومؤامراتهم التي تستهدف تمزيق وحدة المسلمين الوليدة. ولم يترك اليهود وسيلة يظنونها تنال من دين محمد ﷺ وتجعل الناس ينفضون من حوله ويتركوه وحيدًا إلا اتبعوها مهما كان فيها من السخف والتناقض، اجتمع (مرة) بعض أحبارهم - وقد أعيتهم الحيل وأقض مضاجعهم تزايد دخول العرب في الإسلام - فقال عبد الله بن صيف وعدى بن زيد والحارث بن عوف بعضهم لبعض .. تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد وأصحابه غدوة ونكفر به عشية حتى نلبس عليهم دينهم

стр. 918

لعلهم يصنعون كما نصنع ويرجعون عن دينه، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) وَقَالتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (١). ولقد أغرى اليهود موقف الحلم والصبر الذي يقفه النبي ﷺ ، إزاء تعنتاتهم واستفزازاتهم ومحاولاتهم الصد عن دين الإسلام وتفريق كلمة المسلمين والإطاحة بالعهد الجديد، فازدادوا في أذاهم وتوسعوا في ميدان الكيد إلى درجة صاروا معها يسخرون من النبي ﷺ فيدعون عليه وعلى أصحابه بالموت (في صيغة التحية التقليدية) فكانوا إذا مروا بمجلس فيه رسول الله ﷺ يقولون (بدل السلام عليكم): السام عليكم، وهي كلمة تعنى الموت لكم، فيحتمل ﷺ كل هذا، ثم يأمر أصحابه بأن إذا قال اليهود (السام عليكم) أن لا يزيدوا في الرد على قوله (وعليكم). وقد اشتط اليهود في جحودهم وصاروا ينكرون في كل مجلس أن يكون ذكر النبي محمد ﷺ قد جاء في شيء من كتبهم وأن جميع أحبارهم لا يعرفون شيئًا من هذا القبيل. حبر من اليهود بفضحهم غير أن أحد أحبارهم الكبار المعظمين بينهم فضحهم في مجلس عام في المدينة، وأثبت للناس تناقضهم وأنهم ليسوا إلا مشاغبين يريدون أن

стр. 919

ينكروا الحق الذي عرفوه، بغيًا وحسدًا، فأسقط هذا الحبر بما صنع آخر ما تبقى لهولاء الأحبار في نفوس الناس من احترام. وهذا الحبر هو عبد الله بن سلام (كان من أحبار يهود بنى قينقاع) هداه الله للإسلام، ولما كان عالمًا بطبيعة الدس والكذب والخديعة والافتراء المتأصلة في نفوس أحبار اليهود الذين هم مصدر الإعنات والإيذاء وإقامة العراقيل في سبيل الدعوة الجديدة داخل المجتمع اليثربى، أحب أن يسدى للدعوة الإسلامية خدمة عظيمة يقلل بها هن أهمية إرجافات هؤلاء الأحبار ضد نبي الإسلام، وتخرصاتهم على دين الإسلام، وذلك بإدانة هؤلاء اليهود (أمام الملأ) بالكذب والنفاق والتناقض. ولكي يحقق هذا الغرض - وبعد أن أسلم على يد النبي ﷺ طلب تأخير إعلان إسلامه حتى يجتمع بهؤلاء الأحبار في مجلس عام. فبعد أن أسلم قال للنبي ﷺ .. لقد علمت يهود أنى سيدهم وابن سيدهم وأعلمهم وابن أعلمهم فادعهم فسلهم عنى قبل أن يعلموا أنى أسلمت، فإنهم إن يعلموا أنى أسلمت قالوا في ما ليس فيَّ. فأرسل إليهم النبي ﷺ فلما دخلوا عليه قال لهم .. يا معشر اليهود، ويلكم اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنى رسول الله حقًّا وأنى جئتكم بحق فأسلموا، قالها لهم (ثلاثًا)، فأنكروا (كعادتهم) وقال: "ما نعلمه" أي ليس لدينا علم بأنك رسول الله.

стр. 920

وهنا سألهم عن الحبر (عبد الله بن سلام) قائلًا .. فأى رجل فيكم عبد الله بن سلام؟ . قالوا (بصوت واحد): ذاك سيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا، قال .. أفرأيتم إن إسلم؟ . قالوا .. حاش لله ما كان ليسلم. وهنا جبههم النبي ﷺ بالحقيقة المذهلة، حيث نادى .. يا ابن سلام، أخرج عليهم. وهكذا، وبعد أن انتزع عبد الله بن سلام من هؤلاء الأحبار اعترافهم بأنه سيدهم وأعلمهم وجعلهم يشهدون بذلك مختارين أمام الناس، خرج عليهم وخاطبهم قائلًا: يا معشر يهود، اتقوا الله .. فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله وأنه جاء بالحق. فصعقوا لقوله هذا، ثم وقعوا فيه سبًا وشتمًا، وقالوا له: كذبت، ثم قالوا: هذا شرنا ابن شرنا، فقال عبد الله بن سلام للنبي ﷺ .. هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله. تبديل اليهود حكم الرجم في التوراة ومرة اجتمع أحبار اليهود في بيت المدارس (وهو أشبه بجامعة عبرية لليهود في المدينة)، وتدارسوا موضوع مقاومة النبي ﷺ ، والصد عن دعوته، وبينما هم يتباحثون عرضت عليهم قضية رجل وامراة منهم ارتكبا جريمة الزنا، ومع تأكدهم من صدق نبوة محمد ﷺ فإنهم صاروا يغالطون أنفسهم.

стр. 921

فاتفقوا على أن يمتحنوا النبي ﷺ عن طريق عرض هذه القضية عليه ليحكم فيها، فقالوا .. ابعثوا بهذا الرجل وهذه المرأة إلى محمد، فسلوه كيف الحكم فيهما، وولوه الحكم عليهما (وكانا قد أُحصنا) فإن عمل فيهما بعملكم من التجبيه (١) فاتبعوه فإنما هو ملك، وصدقوه، وإن حكم فيهما بالرجم فإنه نبي، فاحذروه على ما في أيديكم أن يسلبكموه (٢). ونفذ الأحبار ما اتفقوا عليه وذهبوا إلى النبي ﷺ وعرضوا عليه قضية الزانيين منهما وجعلوه إليه أمرهما ليحكم فيهما، وتعهدوا له بتنفيذ الحكم الذي يصدره. وكان الإسلام قد ترك لليهود الفصل في أحوالهم الشخصية كما هي عادته في التسامح مع أصحاب الأديان الأخرى. ولم يتردد الرسول ﷺ في قبول التحكيم سيما وأنه (بموجب المعاهدة المبرمة بينه وبين اليهود) يعتبر الحاكم الاعلى لهؤلاء اليهود بصفتهم مواطنين في ظل دولة يثرب التي يرأسها. وقد حكم الرسول ﷺ في الزانيين بالرجم، وهو حكم جاءت به

стр. 922

التوراة والقرآن، ونفذ الحكم فأعدم الزانيان اليهوديان - رجمًا - عند باب المسجد في المدنية. افتضاح اليهود في تلاعبهم وفي هذه المناورة التي قام بها اليهود سجلت الدعوة الإسلامية في معركتها مع هؤلاءاليهود نصرًا معنويًا عظيمًا عليهم، فكأنما بعملهم هذا سعوا إلى حتفهم بظلفهم. وذلك أن النبي ﷺ لما امتحنه اليهود بعرض هذه القضية عليه ليحكم فيها، عقد مجلسًا ودعا إليه أحبار اليهود، ثم طلب منهم إحضار التوراة وكلف أحد أحبارهم بتلاوتها (بحضور المترجم عبد الله بن سلام)، وكان يهوديًّا من أكبر زعمائهم هداه الله للإسلام. ولقد كان فخًا أوقع أحبار اليهود فيه أنفسهم بإثارة هذه القضية على هذه النطاق، فقد كانت التوراة تنص على أن الرجم هو حكم الزانى المحصن، وكان اليهود يحرصون على أن لا يعلم النبي ﷺ ، هذا الحقيقة التي كان (فعلًا) لا يعلمها، لأنه لا يقرأ ولا يكتب بالعربية لغة قومه فضلًا عن اللغة العبرانية. وقد استمر الحبر في تلاوة التوراة، ولكنه عندما وصل إلى الآية التي تنص على وجوب رجم الزانى المحصن وضع يده عليها وأراد أن يتخطاها، ولكن عبد الله بن سلام - الذي يجيد اللغة العبرانية كأكبر أستاذ فيها - فضحه إذ دفع يده بعنف وخاطب النبي ﷺ ، قائلًا .. هذه يا نبي الله، آية الرجم يأبى (أي الحبر اليهودى) أن يتلوها عليك.

стр. 923

اعتراف الأحبار بالتلاعب في التوراة وأمام إدانة هؤلاء الأحبار الصريحة بالغش والكتمان وخيانة العلم، توجه إليهم النبي ﷺ بالكلام موبخًا قائلًا .. ويحكم يا معشر يهود، ما دعاكم إلى ترك حكم الله وهو بأيديكم؟ .. فتخاذل هؤلاء الأحبار ولم يسعهم إلا أن يعترفوا بالتحريف والتبديل والتلاعب في أحكام الله، حيث لم يعد لهم مفر من الإعتراف بعد أن فضحهم عبد الله بن سلام وسد كل السبل في وجوههم، فقالوا: أما والله إنه قد كان فينا يعمل به (أي بحكم التوراة في الرجم) حتى زنى رجل منا بعد إحصانه، من بيوت الملوك وأهل الشرف، فمنعه الملك من الرجم، ثم زنى رجل بعده، فأراد أن يرجمه فقالوا .. لا والله، حتى ترجم فلانًا، فلما قالوا له ذلك اجتمعوا فأصلحوا أمرهم على التجبيه وأماتوا ذكر الرجم والعمل به، فقال رسول الله ﷺ . أنا أول من أحيا أمر الله وكتابه وعمل به، ثم أمر بالزانيين فرجما، قال عبد الله بن عمر: فكنت فيمن رجمهما. وهكذا سدر اليهود في غيهم ولم يزدهم تجدد الأدلة لديهم على صدق نبوة محمد ﷺ إلا بغيًا وحسدًا، فقد ضاعفوا من نشاطهم ضد النبي ﷺ ولكن دونما جدوى. المد الإسلامي يجرف اليهود فقد كان المد الإسلامي - داخل المجتمع اليثربى - أقوى من كل ما يقوم به اليهود من مناورات ودسائس، وبالتالى أقدر على الذهاب بكل

стр. 924

الحواجز والعراقيل التي أرهقوا أنفسهم في إقامتها لصد تيار دعوة القرآن. حيث لم تزد هؤلاء اليهود الأيام، إلا تكشفًا (للرأى العام) على حقيقتهم الخبيثة، وصار كل يوم يمر على حربهم الجدلية المتعنتة مع الإسلام يكشف عن نقيصة من نقائص تناقضاتهم، أو يرفع الستار عن خبية من خبايا نواياهم الشريرة التي يبيتون لأهل يثرب خاصة. وبدلًا من أن ينصاع أهل يثرب إلى مغالطات اليهود ويتأثروا بتلبيساتهم وبسحب الشكوك التي يرسلونها حول الدعوة الجديدة الحقة فيندفعوا في تيار أراجيف هؤلاء اليهود المغرضة، تركوهم وحدهم في الميدان، ولم يمض أكثر من خمسة أشهر على وصول النبي ﷺ إلى المدينة حتى أصبح كل الناس في المدينة وما حواليها من منطقة يثرب (ما عدا اليهود) يدينون بالإسلام ويخضعون لنظامه، وحتى أصدقاء اليهود من العرب المنافقين الذين تعلموا النفاق على أيدى هؤلاء اليهود في المدينة، لم يسعهم - أمام المد الإسلامى الزاخر - إلا أن يُعلنوا (ظاهرًا) إيمانهم بالدين الجديد وخضوعهم لنظامه، وبقى العنصر الوحيد (في يثرب) الذي لم يدخل في الدين الجديد هو العنصر اليهودى من إسرائيليين وعرب. وقد عز على اليهود أن تكون نهاية حربهم الجدلية العقيمة الباردة ضد الإسلام ذلك الفشل الذريع، وساءهم جدًّا، أن تكون حصيلة صراعهم العقائدى المضنى مع دعوة الإسلام تلك الهزيمة المحطمة لآمالهم والتي انتهت بانضواء كل المجتمع اليثربى (عدا

стр. 925

اليهود) تحت لواء الإسلام، وخاصة بعد الانتصار الساحق الذي حققه المسلمون في بدر على المشركين. اغتباط اليهود بزحف قريش إلى بدر لقد كاد اليهود يطيرون فرحًا عند سماعهم تحركات الجيش المكي في السنة الثانية للهجرة نحو بدر لضرب المسلمين، وكانوا يعلقون أكبر الآمال على نشوب المعركة بين الفريقين في بدر. فقد كانوا يظنون أن جيش مكة الكبير سيكفيهم مؤونة القضاء على النبي ﷺ واتباعه، وبالتالي سيجتث جنور الدعوة الإسلامية من الأساس، لذلك كانوا حريصين كل الحرص على التقاء الجيشين في بدر، وكانوا يتمنون - بل يتوقعون جازمين - أن النصر والغلبة ستكون للمشركين على المسلمين، لأن كل شيء مادي يوجب الاعتقاد الجازم (من الناحية المجردة) بأن النصر في معركة بدر سيكون - إذا ما نشبت - حليف جيش مكة الذي بلغ تعداده ألف مقاتل مسلحين أحسن تسليح ومجهزين أحسن تجهيز، يقابله في الجانب الآخر ثلاثمائة مقاتل من المسلمين أكثرهم حفاة لا دروع لهم ولا مغافر. وكجزء من الحرب النفسية العنيفة التي كان اليهود قد بدأوها ضد الإسلام والمسلمين، وفي الظروف التي نشبت فيها معركة بدر الكبرى، وقبل أن تتلقى المدينة أخبار نتائجها النهائية، كان اليهود - يؤازرهم المنافقون - قد نظموا حملة دعائية واسعة من الإرجاف والتشويش

стр. 926

لتحطيم معنويات المسلمين وإشاعة روح التخاذل والتفكك والفزع بينهم. حتى إنهم أشاعوا أن النبي ﷺ قد قتل وأن جيشه قد تحطم في معركة بدر، وأن جيش مكة زاحف بقيادة أبي جهل لاحتلال المدينة ومحو آثار الدعوة الإسلامية من الوجود. وقد فعلت هذه الأراجيف فعلها السئ في نفوس المسلمين في المدينة، وهذا هو الذي هدف إليه اليهود من وراء إشاعاتهم الكاذبة. وبينما كان المسلمون نهبًا للقلق والخوف نتيجة هذه الإشاعات اليهودية التي زحمت أرجاء المدينة والتي كادت تذهب لها عقول المسلمين، إذا بالبشير بانتصار المسلمين في معركة بدر يسبق الجيش النبوى المنتصر ويدخل المدينة مبشرًا أهلها ومؤكدًا لهم انتصار المسلمين الساحق في معركة بدر على قوى الشر والعدوان. فتهتز مدينة الرسول ﷺ بالتكبير والتهليل من أقصاها إلى أقصاها فرحًا واستبشارًا بهذا النصر المؤزر الذي عن طريقه دخل المسلمون التاريخ من أوسع أبوابه. أما اليهود فقد صعقوا لنبإ الانتصار الساحق الذي ما كانوا بتصورون حدوثه مطلقًا، وكادوا يتهمون أسماعهم عندما سمعوا صوتى (البشير) عبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة يدويان، وهما يركضان راحلتيهما في أحياء المدينة يبشران المسلمين بانتصار الجيش النبوى على قريش في بدر. ولقد سقط في أيدى اليهود وكادوا يتهمون أبصارهم، وعلاهم الذهول عندما رأوا زعماء قريش وقادة جيشها في معركتهم الخاسرة

стр. 927

يساقون أسرى تحت حراسة رماح قوات الجيش النبوى المنتصر، قد شدت أيديهم إلى الوراء، يعلوهم ذل الهزيمة ومهانة الانكسار، يتعثرون في خطاهم وكأنهم لا يبصرون. فتحطمت آمال اليهود وانهارت أحلامهم وانقلبت أفراحهم أتراحًا حيث كانوا يتمنون بل يتوقعون سحق المسلمين في هذ المعركة التي كان انتصارهم فيها على قريش، ليس بداية تسلمهم مقاليد الأمور في يثرب فحسب، بل في جزيرة العرب بأكملها بل في العالم كله الأمر الذي أطار صواب اليهود وجعلهم يتوقعون نهاية أمرهم ويلجأون لذلك إلى أسلوب جديد في محاربة الإسلام. اليهود ينقلون المعركة إلى صعيد أوسع فبدلًا من أن يعود اليهود إلى صوابهم أمام ذلك النصر الساحق الذي حققته الدعوة الإسلامية في المجالين الحربى والعقائدى، تلك الدعوة التي تمكن حامل لوائها بصدق لهجته وصفاء نفسه ودماثة خلقه وشرف مقصده وحلمه الواسع أن يضم تحت جناحى هذه الدعوة الحانيين كل سكان يثرب دون أن يضطر إلى إراقة قطرة دم واحدة .. نعم بدلًا من أن يعود اليهود إلى صوابهم ويستجيبوا لداعى الحق الذي يهتف بهم في أعماق نفوسهم، فإنهم ازدادوا عنادًا ومكابرة وارتفعت درجة اشتعال الحقد والحسد والبغض في نفوسهم للإسلام وحامل لواء دعوته. وتمشيًا مع هذا الارتفاع الذي أعمى اليهود، فكروا في نقل المعركة

стр. 928

ضد النبي ودينه وأتباعه إلى صعيد أكثر فعالية، وأكثر شمولًا. فلم يكتف اليهود بالصد عن الإسلام ومحاولة تشكيد الناس في صدق النبي ﷺ أو سلخهم عن الدين الجديد، عن طريق الجدل والتزوير ونشر أعمدة من دخان اللبس والتشويه والتشكيك حول جوهر الدعوة الجديدة الحقة داخل يثرب. بل ذهب بهم الحقد الأعمى والحرص القاتل على تقويض معالم الدعوة الإسلامية والقضاء على حامل لوائها في عقر دارها إلى أن يذهب منهم أحبار دينيون ووجهاء ماليون وزعماء سياسيون يطوفون في أنحاء الجزيرة العربية بين مضارب البدو في الصحراء وأندية الحضر في المدن والحواضر، لا ليقوموا بحملات دعائية سلاحها التنفير والتشكيك والتكذيب ضد دعوة محمد فحسب (كما يفعلون في يثرب) وإنما ليقوموا بتحذير القبائل العربية ويشرحوا لها خطر الدعوة الإسلامية ويدعونهم إلى مقاومتها بحد السلاح، بل وتجريد الجيوش للقضاء على هذه الدعوة ودعاتها في مقرها الرئيسى قبل أن يستفحل أمرها فتقضى عليهم، وكان هذا من اليهود بداية خطيرة في تطور الصراع بينهم وبين المسلمين جعلت هذه البداية - التي لا تعنى سوى تصميم اليهود على القضاء على الإسلام والمسلمين ولو بالاستعانة بتجريد الجيوش من القبائل الوثنية - جعلت هذه البداية الخطيرة القيادة الإسلامية في المدينة تغير من نظرتها التقليدية المتسامحة إلى المقاومة اليهودية للدعوة الإسلامية، التي لم تعد -كما كانت

стр. 929

- مجرد حرب دعائية، سلاحها التنفير والتشكيك والإرجاف والتكذيب، وإنما السعي لدى القبائل العربية الوثنية القوية الضاربة وبث روح الكراهية بينها للإسلام والمسلمين، وتحريضها على حربهم وإغرائها عن طريق المال بغزو المسلمين وضربهم في مقر دعوتهم الرئيسى، مما حمل القيادة الإسلامية في المدينة على تغيير أساليب حماية الدعوة مما يهددها من اليهود في مخطط مقاومتهم الجديد. اليهود بعد انتصار المسلمين في بدر لقد كان اليهود (قبل معركة بدر) يكتفون في مقاومة دعوة الإسلام بشن حرب دعائية، سلاحها إعنات النبي ﷺ بالأسئلة المحرجة وإثارة عناصر اللبس والتشكيك حول الدعوة الإسلامية طمعًا في أن ينفض الناس من حولها ويفقدوا الثقة بحاملها فلا يبقى لها من خطر على سلطان اليهود في يثرب. وكان النبي ﷺ إزاء كل هذا (كما رأينا) قد ترك لليهود مطلق الحرية ليجهروا برأيهم في الدعوة الإسلامية بل وليبدوا طعونهم في جوهرها ويجاهروا بتكذيب حاملها وكان يكتفى بإيضاح بطلان هذه الآراء. إذ كان ﷺ وهو الحاكم الأعلى والسيد المطلق لمنطقة يثرب - يصغى لاستجواباتهم المتعنتة في صلب العقيدة والدين التي يتقدمون بها في مناظراتهم المعلنة التي لا يقصدون بها سوى الإحراج وإشاعة اللبس لتشكيك البسطاء في صدق ما جاء به هذا النبي العظيم ﷺ ، فيجيبهم

стр. 930

على هذه الإستجوابات المثيرة بكل هدوء دون أن يبدوا عليه الانزعاج أو الإنفعال. ولم يثبت أنه اتخذ أي إجراء تأديبى ضد هؤلاء اليهود مع علمه بأنهم في كل استجواباتهم ومناظراتهم لا يبحثون عن الحق لاتباعه، وإنما يبحثون عن المتاعب لإثارتها في وجه هذا الحق الذي جاء به محمد ﷺ ، والذي يعرفونه قبل غيرهم أنه الحق، فصاروا يقاومونه بكل وسيلة ممكنة، بغيًا وحسدًا. النبي وحرية القول ويمكننا الإعلان (بكل فخر واعتزاز) أن النبي ﷺ بذلك الموقف المتسامح الذي وقفه من اليهود الذين شنوا عليه وعلى دعوته حربًا إعلامية واسعة متواصلة عنيفة - كان أول من وضع ونفذ قانون حرية القول والفكر، للمخالفين في العقيدة والدين. فليس مشرعو القوانين الحديثة في البلاد الديمقراطية من العالم الحر الذين يفخرون بأن حكوماتهم تمنح الفرد مطلق الحرية ليفكر ويعلن عما يريد أن يقول، ولو كان هذا القول يتنافى مع رغبات الحاكم الأعلى ولا يتفق مع اتجاهاته، إلا عيالًا على ذلك القانون الذي وضع أسسه النبي الأعظم ﷺ وطبقه إزاء خصومه (من مواطنيه) في العقيدة والدين والاتجاه، منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنًا. بل إن مشرعي القوانين الحديثة (في البلاد الديمقراطية الغربية) لم يستطيعوا (حتى في القرن العشرين) أن يقتربوا - في مجال منح الحريات العامة - مما أعطاه النبي ﷺ في هذا المجال - من حريات مطلقة لمواطنيه ممن يخالفونه في الرأي والعقيدة والدين، كما رأينا في

стр. 931

مواقفه المتعددة من اليهود الذين لم يتركوا وسيلة من وسائل الإعلام إلا واستخدموها ضد النبي ﷺ ودعوته، وسخروها لتنفير الناس عنه وتشكيكهم فيما يدعو إليه بل والطعن (صراحة) فيه وفي رسالته. ومع هذا لم يقم ضدهم بأي أعمال تأديبية من سجن أو فرض غرامة أو نفى أو ما شابه ذلك، مع العلم أنه كان قادرًا على ذلك لأن الدولة له والأمة كلها (ما عدا اليهود) طوع إشارته. وهذه المعاملة مع الخصوم - في مجال العقيدة والسياسة - لم يستطع أرقى تشريع في العالم المتحضر اليوم الوصول إليها. فالقوانين العصرية في البلاد (المسماة بالديمقراطية في الغرب) تنص على إطلاق الحريات العامة للمواطنين على اختلاف اتجاهاتهم ومذاهبهم وتحمى هذه الحريات، ولكن بشرط أن لا تستخدم هذه الحرية للتخريب وإشاعة الفتنة والفرقة بين الناس. أما إذا استخدمت الحريات لهذا الغرض، فإن هذه القوانين تمنع هذه الحرية وتضرب على أيدى مستغليها لذلك الغرض التخريبى الذي يؤدي في النهاية إلى هدم النظام القائم. وإذا رجعنا إلى محاضر معاملة النبي ﷺ لليهود وجدنا أنه قد وقف منهم تلك المواقف المتسامحة ومنحهم مطلق الحرية ليقولوا فيه وفي دينه ونظامه ما شاعوا، مع العلم أنهم لا يقصدون بكل ما يقولونه من انتقادات ويتقدمون به من استجوابات حول الدين الجديد والنظام الذي جاء به، إلا هدم هذا الدين وإشاعة الفتنة بين المواطنين وإسقاط النظام القائم لتبقى لهم السيطرة على المجتمع.

стр. 932

وهذا هو الذي يجعلنا نجزم أن النظم في البلاد الغربية المتحضرة (وفي القرن العشرين) لا تزال في قوانينها حول منح الحريات العامة للفرد بعيدة كل البعد عن المنزلة التي وصل إليها القانون النبوى في هذه الناحية، وخاصة مع المخالفين له في العقيدة والدين والاتجاه. الطريق الخطر ولقد ظل النبي ﷺ على موقفه المرن مع اليهود، حيث ذهب في التسامح معهم - إزاء انتقاداتهم واستفزازاتهم ودعاياتهم المغرضة - إلى أبعد الحدود، حيث كانت مقاومتهم ومعارضتهم لدعوته لا تتعدى نطاق التسلح بالكلام والدعاية واللبس والتشويش والتكذيب. ولكن اليهود لما سلكوا في مقاومة الإسلام الطريق الآخر وهو طريق القوة، حيث بدأوا يتدرجون في هذا الطريق الخطر، مبتدئين بالتهديد بالحرب والطواف على القبائل العربية الوثنية لإثارتها وتحشيدها لحرب النبي وما حوله إغتيال الرسول ﷺ شخصيًا سلك النبي ﷺ في مواجهة هذا التخطيط اليهودى الجديد طريقًا آخر أكثر حزمًا وانتباهًا. وكانت فعالية هذا الحزم والانتباه لحماية الدعوة تتطور من جانب النبي ﷺ وتتسع بتطور إيغال اليهود وتوسعهم في ميادين المؤمرات والتكتلات التي غايتها هدم الدين الجديد والإطاحة بالنظام الذي جاء به عن طريق اللجوء ولو إلى سفك الدم، كما كشفت ذلك الأحداث فيما بعد.

стр. 933

ويحدثنا التاريخ أن أول اليهود المتحرشين بالمسلمين (عسكريًا) هم بنو قينقاع الذين كانوا أشجع الطوائف اليهودية في الجزيرة العربية، وكانوا - مع ذلك - من أغنياء المدينة (١). فقد كان هؤلاء اليهود (دون الطوائف اليهودية الأخرى) يسكنون داخل المدينة، وقد أخذوا يتحرشون بالمسلمين ويهددونهم بالحرب، وقد بلغ بهم التحدى والاستهتار بالمسلمين والاستخفاف بسلطانهم إلى الاعتداء على نساء المسلمين مما أدى إلى نشوب القتال بين الطرفين، وقد استعد بنو قينقاع للحرب فاعتصموا بحصونهم المنيعة فضرب المسلمون عليهم الحصار حتى أجبروهم على التسليم ثم تم إجلاؤهم عن المدينة (٢). ثم تتابعت أعمال اليهود الاستفزازية التي خرجت عن نطاق الكلام إلى العمل، فتلا إجلاء يهود بنى قينقاع قتل اليهودى الشهير كعب بن الأشرف، بعد أن أصبح مصدر خطر يقلق أمن المدينة بواسطة نفوذه المالي حيث كان أكبر غنى في تلك المنطقة، وكان يذهب إلى القبائل العربية (ومنها قريش) يحرضها على قتال المسلمين ويدعوها إلى غزو المدينة (٣). ثم تلا قتل كعب بن الأشرف إجلاء يهود بنى النضير عن المدينة،

стр. 934

فقد ذهب بهؤلاء اليهود الغدر والتآمر إلى محاولة اغتيال النبي ﷺ داخل منطقتهم. وقد كان انتصار المسلمين على المشركين في معركة بدر الشهيرة، هو الذي أفقد اليهود صوابهم وجعلهم ينقلون الحرب والمقاومة ضد النبي ودعوته من الكلام إلى ميدان العمل الدامى، حيث لم تأت هذه التطورات من جانب اليهود، التي نتجت عنها تلك الأحداث الدامية التي ابتدأت بفتنة يهود بنى قينقاع وانتهت بإبادة بنى قريظة إلا بعد أن انتصر المسلمون على المشركين في معركة بدر الكبرى. وهكذا فإن المطلع بدقة على سير الحوادث طيلة الخمس سنوات (وهي المدة التي استغرقت مراحل الصراع المختلفة بين النبي ﷺ ، واليهود في منطقة يثرب) يتضح له أن اليهود (منذ اللحظة الأولى) ما كانوا ليرضون - لو كتبت لهم الغلبة والبقاء في المدينة - إلا بهدم الكيان الإسلامي ومحو المسلمين من الوجود، بأية وسيلة تتوفر لهم، وفي مقدمة ذلك حد السلاح. وهذا أمر كان مجمعًا عليه بين جميع طوائفهم الرئيسية الثلاث بنى قينقاع .. وبنى النضير .. وبنى قريظة. إلا أن الظروف لم تسمح لهم بأن يكونوا في نزاعهم مع النبي كتلة واحدة. أما ما كان يقوم به اليهود من اعتراف بالنظام الجديد، والإنضواء تحت لواء الدولة الإسلامية، وما يقومون به من الدخول في ارتباط وأحلاف عسكرية مع المسلمين، توحى بأنهم قد رضوا الارتباط بالنظام الجديد والإنضواء في ظله كمواطنين لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم - مع بقاء

стр. 935

كل على دينه حرًّا - فإن ذلك ليس إلا بمثابة ستار أراد اليهود أن يضمنوا خلفه العمل بحرية ضد الإسلام والمسلمين، وهذا ما أثبته الأحداث بكل وضوح. وباستقصاء تصرفات اليهود - طيلة الخمس سنوات - يتضح أنه ما كان يحول بينهم وبين محو المسلمين من الوجود إلا عدم مواتاة الفرص لهم، والتي لو واتتهم (في أية لحظة) لما ترددوا في اغتنامها للقضاء على المسلمين بحد السلاح حتى ولو كان بينهم وبين المسلمين ألف عهد وألف حلف. ولا أدل على ذلك من فعلة يهود بنى قريظة الشنيعة حيث حاولوا تسديد ضربة ساحقة للمسلمين من الخلف وهم في أحرج موقف حربى يواجهون عدوا جبارًا قد غمرهم وأحاطهم بقواته التي تفوقهم عدة أضعاف كما يحيط البحر الهائج بالجزيرة الصغيرة. وقد قام يهود بنى قريظة بهذا الخيانة العظمى، وهم في حالة ارتباط مع المسلمين بموجب معاهدة عسكرية وسياسة عقدت بين الفريقين تنص بنودها على أن يكون اليهود - مع المسلمين - جزعًا من الجيش الذي يجب عليه الدفاع عن المدينة فيما إذا تعرضت لمثل الغزو الذي تعرضت له على يد الأحزاب، ولكن الذي حدث هو العكس حيث حاول يهود بنى قريظة ضرب المسلمين من الخلف بدلًا من الوقوف إلى جانبهم في ذلك الظرف الخطير. فهذا التصرف مع سابقه من تصرفات اليهود طيلة خمس سنوات، يعطى الدليل القاطع على أن اليهود كانوا - منذ اللحظة الأولى - قد بيتوا العزم على إبادة المسلمين وهدم كيان الإسلام بأية وسيلة كانت وفي أي ظرف كان، تواتيهم فيه الفرصة.

стр. 936

بينما كان المسلمون على العكس من ذلك، ليس لديهم أية نية مبيتة لإبادة هؤلاء اليهود، حتى بعد أن اتضحت نواياهم السيئة ضدهم. ولو كان لدى المسلمين شيء من هذا لأبادوا اليهود في الشهور الأولى التي دانت لهم فيها يثرب بأكملها، وصاروا قادرين (بكل معاني هذه الكلمة) على استئصال شأفة هؤلاء اليهود دون أن تستطيع قوة في الأرض الحيلولة بينهم وبين ذلك. ونحن نستمد تأكيدنا لهذه الحقائق من تصرفات المسلمين إزاء هؤلاء اليهود، فقد استسلمت قوات بنى قينقاع وبنى النضير للمسلمين في حوادث النزاع المسلح بعد حصار لم يدم في كلتا الحالتين أكثر من شهر واحد. فكان باستطاعة المسلمين أن يبيدوا هؤلاء اليهود المستسلمين - بكل سهولة - لو أنهم كانوا يبيتون لهم هذه الإبادة، ولكنهم لم يفعلوا لأن هذه النية لم تكن مبيتة لديهم، حيث اكتفوا بنفي هؤلاء اليهود من منطقة يثرب فحسب. أما اليهود (كما قلنا) فقد كانوا يبيتون العزم على قتل النبي ﷺ واستئصال شأفة المسلمين، لو أنهم وجدوا إلى ذلك سبيلًا، إلا أن الحظ لم يكن حليفهم في كل محاولاتهم الخبيثة. وأعتقد (جازمًا) لو أن اليهود ظفروا بالمسلمين كما ظفر المسلمون بهم في حادثتي حصار بنى قينقاع وبنى النضير لما ترددوا لحظة في إبادتهم عن بكرة أبيهم. لقد كان انتصار المسلمين في معركة بدر الكبرى (كما قلنا)،

стр. 937

هو العامل الأول في إلهاب نفوس اليهود بالحقد العارم الذي جعلهم يفكرون في نقل المعركة ضد النبي ﷺ والدين الذي جاء به من ميدان الكلام والدس والإشاعة والتكذيب إلى ميدان العنف وإيقاف تيار الدعوة ومقاومتها بالقوة وسفك الدم. اليهود يهددون بالحرب فقد أخذوا كخطوة أولى في هذا الطريق الخطر، يتحرشون بالمسلمين ويتفوهون بكلمات يشم منها رائحة تهديد النبي ﷺ ، بالحرب. ولم يكن النبي القائد ﷺ غافلًا عما يدبره اليهود، بل كان يرقب حركاتهم المريبة منذ بدأوا يسلكون هذا الطريق الخطر. وكان بنو قينقاع أول من سلك هذا الطريق وهدد بالحرب وإثارة الشغب على المسلمين، وكان يهود هذه القبيلة الذين (يقال: إنهم من أصل عربي (١) يمتازون على غيرهم من اليهود بالشجاعة والقوة الحربية والثراء الكبير. وكانت لهم حصون منيعة يعتزون بها، وكانت ديارهم أقرب ديار اليهود جميعًا إلى المسلمين، إذ تقع منازلهم داخل المدينة نفسها، بينما تقع ديار بقية القبائل اليهودية (وخاصة بني قريظة والنضير) خارج المدينة.

стр. 938

النبي ينصح بني قينقاع وعندما ظهر تحرش بنى قينقاع بالمسلمين، واتضح عزمهم على الوقوف في وجه الدعوة الإسلامية، ولو عن طريق الحرب وسفك الدم .. ولما بينهم وبين النبي ﷺ من عهد وتحالف .. وبالتالى لكره النبي ﷺ وبغضه الحرب وسفك الدم، لجأ (أولًا) - لإعادة هؤلاء اليهود إلى جادة الصواب - إلى النصح والمفاوضة، فطلب الاجتماع بيهود بنى قينقاع هؤلاء فاجتمعوا إليه في مؤتمر عقده معهم في سوقهم، محاولا إصلاحهم وإرجاعهم عن غيهم وثنيهم عن الإندفاع في الطريق الخطر طريق الحرب الذي لم يعد خافيًا على أحد أنهم يهدون بسلوكه. ولا شك أن النبي الأعظم ﷺ وهو الحريص على الأمن والاستقرار والحريص على حقن الدماء أيا كان نوعها - لم يدع بنى قينقاع إلى ذلك الإجتماع والتحدث إليهم من بلى جميع القبائل اليهودية في يثرب إلا بعد أن تأكد لديه أنهم يقومون بنشاط فيه إخلال بالأمن ونقض للمعاهدة المعقودة بينهم وبين المسلمين وتهديد بالحرب. ولقد حاول النبي ﷺ في هذا المؤتمر إرجاع بنى قينقاع إلى جادة الصواب والتزام نصوص المعاهدة المبرمة بين المسلمين وبين كافة اليهود، فنصحهم وذكرهم وحذرهم نتائج البغي والتحرش والعدوان إن هم سلكوا طريقه، ولم يفته أن يذكرهم بالثمار المرة التي جنتها قريش يوم بدر، نتيجة اندفاعها في طريق الغرور والبغى والعدوان، حيث قال لهم - فيما قال -: يا معشر يهود، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة"

стр. 939

وهذا بالتأكيد يدل على أن يهود بنى قينقاع قد بدر منهم ما يدل على أنهم عازمون على سلوك درب البغي والعدوان الذي سلكته قريش، ولولا ذلك ما ذكرهم (دون اليهود) بما أصاب قريشًا في معركة بدر. بنو قينقاع يغلظون القول للنبي ولكن هؤلاء اليهود كان جوابهم في ذلك المؤتمر على النصح النبوى الصادق غاية في الغطرسة المشوبة بالوقاحة والتحدى، مما أعطى الدليل على تصميم هؤلاء اليهود على سلوك طريق العنف والتهديد بالحرب، وذلك أن جوابهم على نصح النبي القائد وتحذيره لهم بأن يلتزموا نصوص المعاهدة ويعيشوا آمنين مطمئنين بعيدين عن إثارة الشغب وتعكير الأمن، كان التهديد بالحرب بل دماعلانهم الإستعداد لهذه الحرب، فقد قالوا للنبي ﷺ في ذلك المؤتمر بسوقهم: "أترى أنا قومك (يعني قريشًا) لا يغرنك أنك لقيت قومًا لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، أما نحن، أما والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس" (١). وأمام هذه الاستفزاز والتحدى الذي فهم منه النبي ﷺ ، أشياء، لا بد من أن يفهمها كقائد أعلى مسئول، كظم غيظه ولم يتخذ ضدهم أي إجراء كرد على هذا التحدى والتهديد، إلا أن المسلمين بعد هذا المؤتمر ظلوا متيقظين يرقبون الأحداث في انتظار ما ستتمخض عنه الليالى.

стр. 940

بنو قينقاع ينقضون العهد وتمشيًا مع النية المبيتة والمخطط المرسوم لدى هؤلاء اليهود، استمروا في تحرشهم بالمسلمين واستفزازهم ومحاولة إثارتهم وجرهم إلى حرب يرغب اليهود (سلفًا) في إثارتها، وما زالوا كذلك حتى نشبت الحرب بين الفريقين بعد أن تزايد طغيان اليهود إلى درجة نقضوا معها الذي بينهم وبين المسلمين. وقد ذكر ابن إسحاق أن سبب هذه الحرب هو أن امرأة مسلمة جاءت بحلى لها لتبيعه في سوق بني قينقاع في المدينة، ولما جلست اجتمع عليها نفرم من اليهود يستفزونها ويتحرشون بها فأرادوها على كشف وجهها فأبت ذلك، فعمد أحد اليهود إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها وهي غافلة، فلما قامت انكشفت سوأتها فضحك اليهود منها وسخروا، فصرخت مستغيثة بالمسلمين الذين كان أحدهم حاضرًا فوثب المسلم على اليهودى المعتدى فقتله، فشد اليهود على المسلم فقتلوه فوقع الشر بينهم، يقول ابن إسحاق إن النبي ﷺ بعد هذه الحادث ضرب الحصار على اليهود ولم يذكر تفصيلًا آخر. مناقشة ابن إسحاق غير أن الباحث المتعمق المتجرد يجد من الصعب عليه التسليم بأن هذا الحادث الفردى هو المبرر الوحيد لضرب النبي ﷺ ، الحصار على بنى قينقاع، فلا بد أن يكون من الأسباب ما هو أكبر من هذا الحادث قد

стр. 941

أدت إلى محاصرة بنى قينقاع وضرورة محاربتهم. فالذي يعرف أناة النبي ﷺ وصبره وحلمه يجزم أنه لم يضرب الحصار على هؤلاء اليهود إلا بعد أن تأكد لديه نقضهم العهد ومنابذته، يدلنا على ذلك سعيه للاجتماع بهم في سوقهم وتحذيرهم ونصحهم (دون سواهم من اليهود) وأن اليهود إنما اتخذوا من حادثة المرأة المسلمة وما نتج من الاعتداء عليها وسيلة وفرصة لإعلان الحرب على المسلمين. يدلنا على ذلك أنهم سارعوا إلى الاعتصام بحصونهم ورفضوا أية مفاوضة أو تفاهم، وأن ذلك قد حدث منهم نتيجة تخطيط سابق ونية مبيتة لسلوك طريق العدوان الذي سلكته قريش في بدر فنقضوا بذلك العهد. وقد أشار ابن إسحاق نفسه إلى ذلك بقوله: "إن بنى قينقاع كانوا أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله ﷺ وحاربوا فيما بين بدر وأحد. إلا أنه لم يفصل كيف كان نقضهم العهد. بل إن القرآن (وهو أصدق من كل حديث)، قد أشار إشارة واضحة إلى أن سبب الحرب بين بنى قينقاع والمسلمين هو أكبر من سبب حادث المرأة الذي ذكر ابن إسحاق، وهو أن اعتداء اليهود وتحرشهم بالمسلمين في المدينة كان على مستوى عدوان وطغيان قريش عندما سعوا لإشعال نار الحرب في بطاح بدر بغيًا وعدوانًا واحتقارًا لشأن المسلمين. فقد جاء في القرآن الكريم بشأن بنى قينقاع هؤلاء قوله تعالى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢) قَدْ كَانَ لَكُمْ

стр. 942

آيَةٌ فِي فِئَتَينِ الْتَقَتَا (أي المسلمين والمشركين في بدر) فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيهِمْ رَأْيَ الْعَينِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (١). فالذي نراه (والأمر مجرد اجتهاد واستنتاج) أن حادث سوق بنى قينقاع (مجردًا) يستبعد أن يكون الحافز الوحيد لضرب الحصار على هؤلاء اليهود بل لا بد من أن يكون هناك ملابسات ومضاعفات أخرى أتت من قبل اليهود، اضطر النبي ﷺ معها إلى ضرب الحصار على هؤلاء اليهود لتفادى شرهم ووضع حد لعبثهم واستهتارهم الذي يعرض الأمة اليثربية كلها لأخطار قد يصعب تلافيها. ولعله من عجيب الاتفاق أننى بعد أن حررت هذه الملاحظة حول سبب إجلاء بنى قينقاع، اطلعت على رأى للمؤلف الإنكليزى المعروف الدكتور (مونتجمرى وات) فقد قال هذا المؤلف في كتابه (محمد نبي ورجل دولة) ص ١٣٠ وما بعدها: "لقد كان طرد قبيلة بنى قينقاع أحد العوامل الهامة التي عملت على تثبيت مركز محمد ودعمه، وسبب هذا الطرد كما ترويه بعض الروايات - نزاع طفيف طرأ بين يهود القينقاع وبعض التجار المسلمين في السوق في المدينة، فبينما كانت إحدى النساء العربيات جالسة عند صائغ ذهب ربط أحد اليهود مجموعة من الشوك بثوبها حتى إذا نهضت انكشف معظم جسمها فضحك المشاهدون.

стр. 943

وقد اغتاظ أحد المسملين الحاضرين فقتل مدبر هذه الحيلة ثم لقى هو حتفه، ثم انسحب اليهود بعد هذه الحادثة إلى معاقلهم وتوجه محمد ﷺ مع بعض أتباعه فحاصرهم هناك"، ثم علق مونتجمرى على هذه الرواية بقوله: "غير أنه لا يمكن الاعتماد على هذه القصة، فهي أسطورة كثيرًا ما نقرأ عنها في تاريخ الجزيرة العربية قبل الإسلام، إلا أنه قد يكون هناك نزاع بين المسلمين واليهود". ثم يبدى الدكتور مونتجمرى رأيه الخاص فيقول: "أما الأسباب التي أدت بمحمد إلى اتخاذ قرار طرد اليهود فيظهر أنها أكثر عمقًا من هذه الحادثة العابرة، فاليهود لم يظهروا استعدادهم التام للاندماج في المجتمع الإسلامي، ولذا فقد رأى محمد أن يقاطعهم، ورغم أنهم كانوا لا يزالون يحتفظون ببعض الصلات معه، إلا أنه كان دائمًا يترقبهم بحذر ليغتنم أية فرصة يهيؤونها له بسبب مخالفتهم لروح المعاهدة المبرمة بينهم" (تأمل). ثم يضيف الدكتور مونتجمرى مبررًا آخر لما اتخذه النبي ﷺ ضد يهود بنى قينقاع فيقول: "وقد يكون محمد ﷺ أيضًا على علم بالعلاقات الودية بين اليهود ومناوئيه من قريش في مكة (وهذا بالتأكيد يعد مخالفة لروح الاتفاقية المبرمة بين المسلمين واليهود بل وناقضًا لها" (١).

стр. 944

انتهى من كتاب (محمد نبي ورجل دولة) ترجم لنا هذا الفصل الأستاذ أحمد سالم بالعمش. وعلى أي كان السبب، فإننا على يقين أن النبي الأعظم الذي لا ينطق عن الهوى لا يمكن أن يقدم على أي عمل إلا وفق قواعد الحق والعدل الذي جاء به من عند الله ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾. حصار بني قينقاع وإذ رأى النبي القائد ﷺ أن لا مناص من الاحتكام وهؤلاء اليهود المتمردين إلى السيف، إذ لم يجد النصح والمفاوضة فرض الحصار عليهم بعد أن استعدوا لحرب المسلمين فاعتصموا بحصونهم، وكان ذلك في منتصف شهر شوال من السنة الثانية للهجرة، وكان الحصار بقيادة حمزة بن عبد المطلب (١). وقد دام حصار اليهود خمس عشرة ليلة، قذف الله الرعب بعدها في قلوبهم، إذ انهارت معنوياتهم فطلبوا المفاوضة للتسليم، ففاوضهم النبي ﷺ ، وانتهت المفاوضة باستسلام هؤلاء اليهود، دونما قيد أو شرط ليحكم فيهم النبي ﷺ بما يريد الله، ومما تجدر الإشارة إليه أن قبيلتى بنى قريظة والنضير من اليهود لم يحركوا ساكنًا لنصرة إخوتهم في الدين، ويظهر أن مرجع ذلك العداء القبلى المستحكم بين بنى قينقاع (حلفاء الخزرج) وبين بنى قريظة والنضير (حلفاء الأوس).

стр. 945

المنافقون وبنو قينقاع لقد كان المنافقون بقيادة زعيمهم (عبد الله بن أبي) يرقبون (باهتمام بالغ) ما كان يجرى بين المسلمين وبين يهود بنى قينقاع وكانوا يمنون النفس بأن ينجح هؤلاء اليهود في انتقاضهم وتمردهم على المسلمين. غير أنه أسقط في يد هؤلاء المنافقين وصعق زعيمهم لنبأ استسلام حلفائه بنى قينقاع للمسلمين دونما قيد أو شرط، ولما كان هذا المنافق الكبير (عبد الله بن أبي) يتمتع بحصانة الإسلام المنتسب إليه في الظاهر، ولما كان زعيمًا من زعماء الخزرج حلفاء بنى قينقاع فقد قدم التماسًا إلى الرسول القائد ﷺ طلب فيه (باسم قومه الخزرج) أن يصدر النبي ﷺ عفوًا عامًا عن حلفائه يهود بنى قينقاع. وقد تجاهل النبي ﷺ هذا الطلب، غير أنه بعد محاولات متكررة ورجاعات ملحة من عبد الله بن أبي أصدر النبي ﷺ عفوًا عامًا عن هؤلاء اليهود شريطة أن يخرجوا من المدينة إلى أي مكان شاءوا، فجلوا عنها إلى الشام آمنين على أنفسهم وعلى ما قدروا على حمله من أموال، وبجلائهم تخلصت المدينة من عنصر يعد من أخطر العناصر اليهودية في يثرب. وبما أن قصة التماس رأس النفاق العفو عن يهود بنى قينقاع وإلحاحه إلى درجة مضايقة النبي ﷺ والإمساك بدرعه تلفت نظر العاقل إلى أي مدى يبلغ الحلم والأناة والتسامح بالنبي الأعظم إزاء من لا يهمهم

стр. 946

إلا القضاء عليه وتحطيم دعوته، فإنه يحسن بنا ذكر هذه القصة التي فيها خير درس لكل من يتولى أمرًا من أمور الأمة. نجاح رأس النفاق في الشفاعة فقد روى ابن إسحاق أن يهود بنى قينقاع لما استسلموا دونما قيد أو شرط، وصار مصيرهم بيد النبي ﷺ يحكم فيهم بما شاء، قام إليه رأس النفاق عبد الله بن أبي فقال: "يا محمد أحسن في موالى (يعني حلفاءه) فأبطأ عليه رسول الله ﷺ فكرر ابن أبيّ طلبه، فأعرض عنه النبي ﷺ ، فأدخل يده في جيب درع رسول الله ﷺ ، فتغير لون النبي ﷺ وقال لابن أبي: أرسلنى - (أي اسحب يدك من درعى)، وغضب ﷺ حتى رأوا لوجهه ظللا، ثم أعاد ﷺ القول (مغضبًا): "أرسلنى ويحك". فلم يستجب رأس النفاق بل ظل ماسكًا درع النبي ﷺ ، وألح في طلب العفو عن اليهود قائلًا: (لا والله لا أُرسلك حتى تحسن في مواليّ، أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة إني والله امرؤ أخشى الدوائر. ولم يسع النبي الحليم العظيم أمام هذا الإلحاح والمضايقة إلا أن يستجيب لالتماس رأس النفاق فيعفو عن حلفائه اليهود، حيث قال ﷺ : "هم لك". وبهذا تمكن رأس النفاق من الحصول على حقن دماء حلفائه بنى قينقاع المتمردين الناكثين، فغادروا يثرب سالمين بعد أن كانوا يتوقعون الموت جزاء نكثهم وتمردهم.

стр. 947

طاغية اليهود الأكبر ولم يتعظ باقي اليهود بما نزل بيهود بنى قينقاع (وهم أشجع وأقوى يهود يثرب)، بل ازدادوا توغلًا في سبيل الكيد للإسلام والعمل للقضاء عليه بقوة السلاح، إذ رأوا أن غير هذا الطريق الخطر لا يمكن أن يصل بهم إلى أهدافهم الشريرة المبيتة المدروسة. وكان الطاغية الأكبر والمرابى الشهير وملك المال بين يهود يثرب (كعب بن الأشرف) اليهودى من أشد اليهود استخفافًا بالمسلمين وتحديًا لهم وأكثرهم إيذائًا لرسول الله ﷺ وتحريضًا عليه، وكان شاعرًا مجيدًا، فصار بالإضافة إلى كل ذلك يجرح شعور المسلمين فيشبب بنسائهم ويتغزل فيهن بأسمائهن الصريحة. وكان هذا اليهودى يرجع نسبه إلى قبيلة طئ العربية، وأمه من يهود بنى النضير، وكان له حصن منيع في طرف المدينة جنوب وادي مهزور، يحتوي هذا الحصن على المياه وفيه كل ما يحتاجه وأتباعه من سلاح وذخيرة وفيرة. الطاغية ينقض العهد وكان أول حافز له على نقض العهد ومحاولة تحطيم المسلمين هو انتصار المسلمين في معركة بدر الكبرى. وذلك أن هذا اليهودى الكبير لما بلغه انتصار المسلمين في (بدر) ورأى زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة (١) اللذين أرسلهما النبي ﷺ

стр. 948

يبشران المسلمين بالنصر، وسمع كعب هذا أسماء زعماء قريش وقادتها الذين صرعوا يوم بدر قال في حنق وغيظ: أحق هذا؟ أترون محمدًا قتل هؤلاء الذين يسمى هذا الرجلان - يعني زيدًا وابن رواحة - فهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس، والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها (١). التحريض على المسلمين وبالرغم من المعاهدة المعقودة بين المسلمين والتزام اليهود بموجب هذه المعاهدة: عدم تأييد أو مد يد العون لقريش عدو المسلمين رقم واحد .. وبالرغم من أن اليهود لم يروا من المسلمين قبل بدر أو بعدها إلا الوفاء بالعهد وعدم إيصال أي أذى إلى اليهود، فإن هذا الطاغية (كعب بن الأشرف) قد اغتلم الحقد والغدر في نفسه فضرب بكل العهود والمواثيق عرض الحائط، وصمم على الإنتقام من المسلمين بغيًا وحسدًا ليس إلا. الطاغية في مكة ولعجزه عن القيام (منفردًا) بأي عمل عسكرى حاسم ضد المسلمين، فقد خرج من المدينة بقصد تحريض قبائل العرب على النبي ﷺ ، وحشدهم ودعوتهم إلى شن الحرب على المسلمين، وقد وصل في جولاته التحريضية إلى مكة معقل قريش، فقابل زعماءها (وكانوا له أصدقاء)

стр. 949

وفي اجتماعاته بهم صار يثير حفائظهم ويذكرهم بمصارع ساداتهم في معركة بدر، مثيرًا بذلك حقدهم على النبي ﷺ ، ومهيجًا في نفوسهم نوازع الإنتقام من المسلمين لشجعهم على شن الحرب على النبي ﷺ وأتباعه. وقد سلك كل سبيل لإثارة قريش وتحريضها على النبي ﷺ ، حتى الشعر جعله من وسائل تحريضه، وكان (شاعرًا مجيدًا)، فصار يتنقل بين أندية قريش يلهب كوامن الحقد في نفوسهم بشعره المهيج المثير ويذكرهم بمن قتل من ساداتهم في معركة بدر، ومن شعره الذي قاله في مكة ورثى به قتلى قريش في بدر قوله: طحنت رحى بدر لمهلك أهله ... ولمثل بدر تستهل وتدمع قتلت سراة الناس حول حياضهم ... لا تبعدوا إن الملوك تصرع كم قد أصيب به من أبيض ماجد ... ذي بهجة يأوى إليه الضيع طلق اليدين إذا الكواكب أخلقت ... حمال أثقال يسود ويريع ويقول أقوام أسر بسخطهم إن ... ابن الأشرف (١) ظل كعبا يجزع صقوا فليت الأرض ساعة قتلوا ... ظلت تسوخ بأهلها وتصدع ثم قال يرثى أبا جهل خاصة: نبئت أن بنى المغيرة كلهم ... خشعوا لقتل أبي الحكيم وجدعوا إلى غير ذلك مما قاله شعرًا ونثرًا ولا شك أن الشعر الجزل من أكبر المؤثرات التي تتأثر به نفوس العرب، فيكون له اليد الطولى في تحريك النفس وإلهاب العاطفة نحو أية

стр. 950

جهة يقصد الشاعر المجيد توجيهها نحوها، وخاصة في ذلك العصر حيث كان العرب (بدون استثناء) على غاية من الفصاحة وفهم الشعر وتنوقه، الأمر الذي كانوا معه على غاية من دقة الحساسية والتأثر في مجال البلاغة. ولا شك أن شعر كعب بن الاشرف قد كان له أثره المهيج في نفوس قريش بالإضافة إلى محادثاته وتحريضاته في جولاته بين القبائل. ومما لا جدال فيه أن عمل كعب بن الأشرف التحريضي هذا بمثابة العمل التمهيدى لمعركة أُحد أو هو من العوامل الفعالة التي ساهمت في التهيئة لهذه المعركة الحاسمة التي نقلتها قريش إلى عقر دار المسلمين في يثرب بعد سنة واحدة تقريبًا من معركة بدر. إذا لم يرجع هذا اليهودى الخبيث من مكة حتى تقرر في مكة غزو المسلمين في عقر دارهم، ولا شك أن كعب بن الأشرف وقد أوعد قريشًا بتأييدهم ومد يد العون لهم عندما يقومون بغزو المسلمين، إلا أن الله تعالى عجل بروحه إلى النار قبل أن تنشب معركة أُحد. مقتل طاغية اليهود وذلك أن كعبًا هذا لما عاد إلى المدينة تعاظم شره وازداد خطره على كيان المسلمين، إذ أصبح مصدر تهديد لسلامة يثرب بأجمعها لما يقوم به من تحديات وتحريضات ضد المسلمين سافرة، يضاف إلى هذا سلطانه المالى الذي أخذ يستخدمه للإخلال بالأمن والتحريض على الحرب ضد
следующие страницы →