إلا القضاء عليه وتحطيم دعوته، فإنه يحسن بنا ذكر هذه القصة التي فيها خير درس لكل من يتولى أمرًا من أمور الأمة.
نجاح رأس النفاق في الشفاعة
فقد روى ابن إسحاق أن يهود بنى قينقاع لما استسلموا دونما قيد أو شرط، وصار مصيرهم بيد النبي ﷺ يحكم فيهم بما شاء، قام إليه رأس النفاق عبد الله بن أبي فقال: "يا محمد أحسن في موالى (يعني حلفاءه) فأبطأ عليه رسول الله ﷺ فكرر ابن أبيّ طلبه، فأعرض عنه النبي ﷺ ، فأدخل يده في جيب درع رسول الله ﷺ ، فتغير لون النبي ﷺ وقال لابن أبي: أرسلنى - (أي اسحب يدك من درعى)، وغضب ﷺ حتى رأوا لوجهه ظللا، ثم أعاد ﷺ القول (مغضبًا): "أرسلنى ويحك".
فلم يستجب رأس النفاق بل ظل ماسكًا درع النبي ﷺ ، وألح في طلب العفو عن اليهود قائلًا: (لا والله لا أُرسلك حتى تحسن في مواليّ، أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة إني والله امرؤ أخشى الدوائر.
ولم يسع النبي الحليم العظيم أمام هذا الإلحاح والمضايقة إلا أن يستجيب لالتماس رأس النفاق فيعفو عن حلفائه اليهود، حيث قال ﷺ : "هم لك".
وبهذا تمكن رأس النفاق من الحصول على حقن دماء حلفائه بنى قينقاع المتمردين الناكثين، فغادروا يثرب سالمين بعد أن كانوا يتوقعون الموت جزاء نكثهم وتمردهم.
стр. 947
طاغية اليهود الأكبر
ولم يتعظ باقي اليهود بما نزل بيهود بنى قينقاع (وهم أشجع وأقوى يهود يثرب)، بل ازدادوا توغلًا في سبيل الكيد للإسلام والعمل للقضاء عليه بقوة السلاح، إذ رأوا أن غير هذا الطريق الخطر لا يمكن أن يصل بهم إلى أهدافهم الشريرة المبيتة المدروسة.
وكان الطاغية الأكبر والمرابى الشهير وملك المال بين يهود يثرب (كعب بن الأشرف) اليهودى من أشد اليهود استخفافًا بالمسلمين وتحديًا لهم وأكثرهم إيذائًا لرسول الله ﷺ وتحريضًا عليه، وكان شاعرًا مجيدًا، فصار بالإضافة إلى كل ذلك يجرح شعور المسلمين فيشبب بنسائهم ويتغزل فيهن بأسمائهن الصريحة.
وكان هذا اليهودى يرجع نسبه إلى قبيلة طئ العربية، وأمه من يهود بنى النضير، وكان له حصن منيع في طرف المدينة جنوب وادي مهزور، يحتوي هذا الحصن على المياه وفيه كل ما يحتاجه وأتباعه من سلاح وذخيرة وفيرة.
الطاغية ينقض العهد
وكان أول حافز له على نقض العهد ومحاولة تحطيم المسلمين هو انتصار المسلمين في معركة بدر الكبرى.
وذلك أن هذا اليهودى الكبير لما بلغه انتصار المسلمين في (بدر) ورأى زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة (١) اللذين أرسلهما النبي ﷺ
стр. 948
يبشران المسلمين بالنصر، وسمع كعب هذا أسماء زعماء قريش وقادتها الذين صرعوا يوم بدر قال في حنق وغيظ:
أحق هذا؟ أترون محمدًا قتل هؤلاء الذين يسمى هذا الرجلان - يعني زيدًا وابن رواحة - فهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس، والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها (١).
التحريض على المسلمين
وبالرغم من المعاهدة المعقودة بين المسلمين والتزام اليهود بموجب هذه المعاهدة: عدم تأييد أو مد يد العون لقريش عدو المسلمين رقم واحد .. وبالرغم من أن اليهود لم يروا من المسلمين قبل بدر أو بعدها إلا الوفاء بالعهد وعدم إيصال أي أذى إلى اليهود، فإن هذا الطاغية (كعب بن الأشرف) قد اغتلم الحقد والغدر في نفسه فضرب بكل العهود والمواثيق عرض الحائط، وصمم على الإنتقام من المسلمين بغيًا وحسدًا ليس إلا.
الطاغية في مكة
ولعجزه عن القيام (منفردًا) بأي عمل عسكرى حاسم ضد المسلمين، فقد خرج من المدينة بقصد تحريض قبائل العرب على النبي ﷺ ، وحشدهم ودعوتهم إلى شن الحرب على المسلمين، وقد وصل في جولاته التحريضية إلى مكة معقل قريش، فقابل زعماءها (وكانوا له أصدقاء)
стр. 949
وفي اجتماعاته بهم صار يثير حفائظهم ويذكرهم بمصارع ساداتهم في معركة بدر، مثيرًا بذلك حقدهم على النبي ﷺ ، ومهيجًا في نفوسهم نوازع الإنتقام من المسلمين لشجعهم على شن الحرب على النبي ﷺ وأتباعه.
وقد سلك كل سبيل لإثارة قريش وتحريضها على النبي ﷺ ، حتى الشعر جعله من وسائل تحريضه، وكان (شاعرًا مجيدًا)، فصار يتنقل بين أندية قريش يلهب كوامن الحقد في نفوسهم بشعره المهيج المثير ويذكرهم بمن قتل من ساداتهم في معركة بدر، ومن شعره الذي قاله في مكة ورثى به قتلى قريش في بدر قوله:
طحنت رحى بدر لمهلك أهله ... ولمثل بدر تستهل وتدمع
قتلت سراة الناس حول حياضهم ... لا تبعدوا إن الملوك تصرع
كم قد أصيب به من أبيض ماجد ... ذي بهجة يأوى إليه الضيع
طلق اليدين إذا الكواكب أخلقت ... حمال أثقال يسود ويريع
ويقول أقوام أسر بسخطهم إن ... ابن الأشرف (١) ظل كعبا يجزع
صقوا فليت الأرض ساعة قتلوا ... ظلت تسوخ بأهلها وتصدع
ثم قال يرثى أبا جهل خاصة:
نبئت أن بنى المغيرة كلهم ... خشعوا لقتل أبي الحكيم وجدعوا
إلى غير ذلك مما قاله شعرًا ونثرًا
ولا شك أن الشعر الجزل من أكبر المؤثرات التي تتأثر به نفوس العرب، فيكون له اليد الطولى في تحريك النفس وإلهاب العاطفة نحو أية
стр. 950
جهة يقصد الشاعر المجيد توجيهها نحوها، وخاصة في ذلك العصر حيث كان العرب (بدون استثناء) على غاية من الفصاحة وفهم الشعر وتنوقه، الأمر الذي كانوا معه على غاية من دقة الحساسية والتأثر في مجال البلاغة.
ولا شك أن شعر كعب بن الاشرف قد كان له أثره المهيج في نفوس قريش بالإضافة إلى محادثاته وتحريضاته في جولاته بين القبائل.
ومما لا جدال فيه أن عمل كعب بن الأشرف التحريضي هذا بمثابة العمل التمهيدى لمعركة أُحد أو هو من العوامل الفعالة التي ساهمت في التهيئة لهذه المعركة الحاسمة التي نقلتها قريش إلى عقر دار المسلمين في يثرب بعد سنة واحدة تقريبًا من معركة بدر.
إذا لم يرجع هذا اليهودى الخبيث من مكة حتى تقرر في مكة غزو المسلمين في عقر دارهم، ولا شك أن كعب بن الأشرف وقد أوعد قريشًا بتأييدهم ومد يد العون لهم عندما يقومون بغزو المسلمين، إلا أن الله تعالى عجل بروحه إلى النار قبل أن تنشب معركة أُحد.
مقتل طاغية اليهود
وذلك أن كعبًا هذا لما عاد إلى المدينة تعاظم شره وازداد خطره على كيان المسلمين، إذ أصبح مصدر تهديد لسلامة يثرب بأجمعها لما يقوم به من تحديات وتحريضات ضد المسلمين سافرة، يضاف إلى هذا سلطانه المالى الذي أخذ يستخدمه للإخلال بالأمن والتحريض على الحرب ضد
стр. 951
النبي ﷺ (١) الذي صبر طويلًا على تحديات وتهديدات وإساءات هذا اليهودى الطاغية المتجبر الذي لم ير من النبي ﷺ وصحبه إلا الوفاء بالعهد.
وعندما وصل كعب بن الأشرف إلى هذه المنزلة - منزلة العدو الناكث المجاهر بعداواته المتهئ للحرب والمحرض عليها، والذي لم يبق له (مع ذلك) عهد ولا ذمة - رأى النبي ﷺ أنه لا بد من وضع حد لطغيان هذا اليهودى ليتخلص المجتمع اليثربى من شروره وآثامه، لأن بقاءه هكذا حرًّا يحرض على الحرب ويعمل على الإخلال بالأمن يعني بقاء يثرب في حالة قلق واضطراب مستمر.
لذلك قرر الرسول ﷺ القضاء على هذا اليهودى الغادر الناكث المتمرد، فانتدب لقتله الصحابي الشهير محمد بن مسلمة الأنصاري، فقام بالاشتراك مع عدد من رجال الأنصار بقتله خارج حصمه فتمكن من ذلك في قصة يطول شرحها (٢).
стр. 952
هدوء اليهود بعد مصرع الطاغية
وقد لزم باقي اليهود الهدوء وعادوا إلى جحورهم يرتجفون فزعًا، فانطووا على أنفسهم فعمهم الذعر بعد أن وقف النبي ﷺ من تحرشاتهم ومحاولاتهم العبث بالأمن والاستقرار تلك المواقف الحازمة التي تقضى مصلحة الامة ويفرض النص القرآنى الصريح أن يقفها النبي القائد المسئول من كل مخرب خائن، هذا النص الذي يقضى بالمبادرة إلى ضرب قواعد الغدر والخيانة وشل حركتها قبل أن يتعاظم شرها ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (١).
فقد كانت محاصرة يهود بنى قينقاع الناكثين ثم إجلاوهم عن المدينة، والتمكن من قتل الطاغية الناكث المتمرد كعب بن الأشرف درسًا قاسيًا وعاه اليهود جيدًا، فاستكانوا، لأنه تأكد لديهم أن الرسول ﷺ وهو المسئول الأول عن الأمن والنظام والاستقرار في المنطقة ﷺ والمكلف بحماية دعوة التوحيد من عبث العابثين وتأمر المخربين - لن يتوانى في اللجوء إلى القوة والضرب بعنف حين لا يجدى اللين والنصح والصبر والتسامح، مع من يريد العبث بالأمن والاستهتار بالعهود والمواثيق وعدم احترامها إلا عندما تكون في حاجة إليها.
استقرار الأحوال في المدينة
ولهذا - وبعد تلك الضربات السريعة الحاسمة التي وجهها النبي
стр. 953
القائد إلى أوكار الغدر والخيانة والتآمر - فقد استكان اليهود إذ لم يبد منهم (لفترة محدودة) أي تحرش أو استفزاز، فاستقرت الأحوال في الداخل طيلة تلك الفترة بعد أن لزم اليهود والمنافقون الهدوء وتظاهروا بأنهم عند عهدهم وميثاقهم المبرم.
وقد ساعد هذا الهدوء الداخلى النبي القائد ﷺ على التفرغ لمواجهة التهديدات الخطيرة التي يتوقع حدوثها من خارج المدينة، وخاصة من جانب الأعراب المحيطين بيثرب، ومن جانب قريش التي لم يغب عن بال المسلمين أنها لن تسكت عن الإهانة الكبرى التي نزلت بجيشها ومرغت كبرياءه في معركة بدر الكبرى والتي زعزعت سلطانها السياسي والروحى في جزيرة العرب، وأنها لذلك لا بد قائمة بحرب انتقامية واسعة النطاق ضد المسلمين.
النبي والخطر الخارجي
وفعلًا فقد واجه النبي ﷺ الأخطار الخارجية بمنتهى الحكمة والسرعة والحزم والثبات، فبعد أن فرض الهدوء والاستقرار في داخل يثرب بالقضاء على المخربين والمشاغبين من اليهود وجه خمس حملات عسكرية ضد الأعداء في الخارج، قاد أربعًا منها بنفسه .. ثلاثًا ضد أعراب نجد الواقعين شرقي المدينة، وواحدة طارد بها غزاة قرشيين جاؤوا بقيادة أبي سفيان الذي استعان بأحد سادات يهود بنى النضير ليدله على عورات المسلمين وهو سلام بن مشكم ..
أما الحملة الخارجية الخامسة فقد قادها مولى النبي ﷺ زيد ابن
стр. 954
حارثة فاستولت على قافلة لقريش جاءت من الشام في طريقها إلى مكة عبر طريق جديد يمر شرقي المدينة.
وقد نجح الرسول القائد ﷺ في كل هذه الحملات العسكرية الخمس نجاحًا كاملًا كان له أثره الكبير في شحن نفوس اليهود والمنافقين في الداخل بهيبته، فقد ضرب الأعراب في نجد ضربات سريعة صاعقة شتت بها شملهم في منازلهم، كما أوقع بقريش وأنزل بها خسائر مادية كبيرة زادت قريشًا وهنًا على وهن.
الموقف بعد نكسة أحد
سجل النبي ﷺ كل هذه الانتصارات في الداخل والخارج في الفترة الواقعة ما بين معركة (بدر) ومعركة (أحد) التي لم يعد اليهود إلى عبثهم وتحرشهم بالمسلمين وتآمرهم ضدهم إلا بعد أن أصيب الجيش الإسلامي في هذه المعركة بللك النكسة الموجعة التي فقد المسلمون بسببها سبعين شهيدًا من خيرة محاربيهم، هم في أمس الحاجة إليهم.
فبعد هذه النكسة تحركت كوامن الغدر والخيانة في نفوس اليهود من جديد، فقد شجعتهم هذه النكسة وبعثت الأمل في نفوسهم وزاد الطين بلة أن المعسكر الإسلامي في يثرب أصيب بنكبتين عقب نكستهم في أحد بأشهر قلائل، فقد المسلمون في هاتين النكبتين أكثر من ثمانين قتيلًا غدرًا على أيدى الأعراب في نجد والحجاز كما هو مفصل في حادثتى الرجيع وبئر معونة في الفصل الأول من كتبانا (غزوة الأحزاب)، وهذا
стр. 955
يعني أن المسلمين فقدوا في هذه الكوارث الثلاث (وفي سنة واحدة) أكثر من اثنين وعشرين في المائة من قواتهم المسلحة، وهي خسارة مفزعة مخيفة إذا ما علمنا أن مجموع القوات المسلحة الإسلامية الوليدة كلها لم يتجاوز في تلك الفترة الحاسمة أكثر من ثمانمائة مقاتل.
نشاط اليهود من جديد
وهذا دونما جدال هو الذي شجع اليهود على استعادة نشاطهم المشبوه ضد العهد الجديد، فأخذوا يتحركون من جديد، فاتصلوا بالمنافقين وصاروا مجتمعين يحبكون المؤامرات ويحيكون الدسائس ضد المسلمين، وعلى الخصوص ضد النبي ﷺ ، فأثبتوا مرة أخرى أن العهود والمواثيق التي يبرمونها مع غيرهم إنما هي (في نظرهم) حبر على ورق يتمسكون عندما يكون في صالحهم وعندما يكونون في حاجة إلى التمسك به.
بنو النضير ينقضون العهد
وقد كان يهود بنى النضير هذه المرة هم السابقين إلى نقض العهد والغدر بالمسلمين ومحاولة القضاء عليهم ولو عن طريق القوة وسفك الدم والاغتيال أو حتى إعلان الحرب، شجعهم على ذلك - بالإضافة إلى ما أصيبت به القوات الإسلامية المسلحة من خسائر فادحة في أحد والرجيع وبئر معونة - أن النبي القائد ﷺ كان بعد معركة أحد يواجه أخطارًا خارجية كبيرة شرع في معالجتها فورًا.
стр. 956
أتت هذه الأخطار من قبل أعراب نجد والحجاز الذين عادوا (كاليهود تمامًا) إلى نشاطهم ضد المسلمين، حيث طمعوا فيهم بعد أن ظنوا بهم الضعف والانهيار بعد النكسة العسكرية التي أصيبوا بها في موقعة أحد.
فقد أخذ هؤلاء الأعراب من بنى أسد في نجد وهذيل في الحجاز يحشدون قواهم للإغارة على المدينة بقصد القضاء على المسلمين والاستيلاء على كل خيرات المدينة وزروعها وثمارها، مما اضطر النبي القائد ﷺ إلى أن يبادر فيوجه جل إهتمامه لدفع الخطر والقضاء عليه في مكان تجمعه قبل أن يتحرك نحو يثرب.
فجرد حملة عسكرية بقيادة أحد أصحابه لتأديب بنى أسد وضربهم في ديارهم، كما أرسل أحد الفدائيين من أصحابه إلى الحجاز ليفتك بقائد الحشد الهذلى قبل أن يتحرك بحشوده، وقد نجح النبي ﷺ في تفادى خطر الغزو الخارجى هذا، إذ تمكن قائد جيشه إلى بنى أسد من الوصول إلى ديار هذه القبيلة وتشتيت حشودها قبل أن تتحرك كما تمكن الفدائى من أصحابه من قتل قائد الحشد الهذلى في الحجاز قبل أن يتحرك نحو المدينة (١). إلا أن هذه الحركات السريعة الناجحة التي دفع بها النبي ﷺ الخطر الخارجى لم يكن له كبير أثر على تحركات اليهود المشبوهة، فقد استمروا في رسم مخططاتهم العدوانية وتنظيماتهم التخريبية ضد المسلمين، شجعهم على ذلك ما تعرض له
стр. 957
المسلمون من كوارث متلاحقة خلال الأشهر القلائل التي تلت نكبة أُحد.
فاجعة بئر معونة
ففي شهر صفر من السنة الثالثة للهجرة، وبعد أربعة أشهر فقط من موقعة أحد نزلت بالأمة الإسلامية الوليدة نكبة مروعة، لا تقل في آثارها العميقة الموجعة عن نكبة أحد، فقد جاء أحد سادات بنى عامر في نجد وهو جعفر بن مالك الملقب (بملاعب الأسنة)، جاء إلى النبي ﷺ وبعد أن سمع من أعجبه ما سمع فلم يسلم ولكنه لم يبعد من الإسلام، ثم أشار على النبي ﷺ أن يرسل إلى نجد بعثة ممن أصحابه تدعو إلى الإسلام وتشرح للناس حقائقه وأهدافه لعلهم يستجيبوا له.
ولما أبدى النبي ﷺ تخوفه غدر أهل نجد على أصحابه، أعلن الزعيم العامري بأنهم في جواره ما داموا هناك .. والجوار له منزلته العظمى عند العرب، فهو بمثابة صك الحماية والأمان، يبذل معطيه روحه للدفاع عمن أعطاه له.
ولما كان (ملاعب الأسنة) زعيمًا من كبار زعماء بنى عامر، وكان صادقًا في حديثه اطمأن النبي ﷺ ووافق على اقتراحه، فأرسل (في جواره) إلى نجد سبعين من خيرة أصحابه وشجعانهم وكبار فقهائهم وقرائهم برسم الدعوة إلى الإسلام ونشره في تلك الربوع بالطرق وقرائهم برسم الدعوة إلى الإسلام بالطرق السليمة التعليمية الصرفة، ولكن عدو الله عامر بن الطفيل العامري وهو شاب وثنى طائش أرعن استخف بعضًا
стр. 958
من قومه الأشرار وبعض القبائل الأخرى المأجورة الذين بلغ عددهم الألف، فغدر بالمسلمين وهم في جوار عمه، إذ هجم عليهم على حين غرة فأبادهم عن بكرة أبيهم بعد أن قاوموا مقاومة باسلة (١).
من آثار النكبة
وقد اهتز المجتمع الإسلامي في يثرب لهذه الفاجعة وتأثر النبي ﷺ لها تأثرًا عظيمًا، بينما سر المنافقون واليهود سرورًا بالغًا، وكان من أثر هذا السرور أن نفخ الشيطان في مناخر يهود بنى النضير فنشطت في نفوسهم نوازع الشر والغدر والخيانة، فتحركوا في جديد وعادوا إلى مؤمراتهم الخبيثة، وفي هذه المرة توسعوا في مخططاتهم الإجرامية مستغلين أثر النكبة الجديدة التي نزلت بالمسليمن في بئر معونة بنجد، وكذلك التي نزلت بهم بعدها في ذات الرجيع.
فقد بلغت الجرأة بهؤلاء اليهود إلى أن يخططوا لارتكاب أشنع جريمة عرفها التاريخ، وهي اغتيال النبي ﷺ ، فبعد عدة أيام من الكارثة التي أصيب بها المسلمون في ديار بنى عامر بنجد سنحت الفرصة ليهود بنى النضير فعقدوا العزم على تنفيذ مخططهم الإجرامى باغتيال الرسول الأعظم ﷺ في ديارهم. فقد صادف أن رجلًا من المسلمين (عمرو بن أمية الضمرى) كان خارج المدينة، فقتل رجلين من بنى عامر الذين غدروا بالسبعين من الصحابة وهو يظن أنه قد ثأر للمسلمين، ولم يعلم أن النبي
стр. 959
- ﷺ ، قد أعطاهما عهدًا بالأمان بالرغم من أنهما مشركان ومن القبيلة التي غدر رجالها بالسبعين من الصحابة.
النبي في ديار بني النضير
وكما هي عادة النبي ﷺ وسجيته في الوفاء وتنفيذ العهود والمواثيق نصًّا وروحًا لم يترك دم هذين العامريين اللذين قتلا خطأ يذهب هدرًا، فقد قرر حسب أصول المعاهدات في مثل هذه الحالة أن يبعث بديتيهما إلى أهليهما في ديار بنى عامر الذين اشتركوا في الغدر بالسبعين من الصحابة وهم في جوار سيدهم ملاعب الأسنة.
وقد شاء الله (لهذه المناسبة) أن يحضر النبي ﷺ في قلة من أصحابه إلى ديار يهود بني النضير التي تبعد عن المدينة عدة أميال .. جاء إليهم غير مسلح ولا مستعد لحرب، لأن بينه وبينهم معاهدة عدم اعتداء، بل معاهدة دفاع مشترك عن المدينة، لذلك جاء إليهم وهو مطمئن لا يفكر في أنهم سيجرؤون على إيصال أي شر إليه.
وسبب مجيئه إلى ديار بنى النضير هو التحدث إلى هؤلاء اليهود (بحكم المعاهدة التي بينه وبينهم وبحكمهم حلفاء بنى عامر) ليساهموا مع المسلمين في دفع دية ذينك الرجلين العامريين المشركين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمرى دون علمه بعهدهما.
فرصة كبيرة ؟ ! !
وكان هؤلاء اليهود (كما قلنا) يتحينون الفرص ويتصيدون الأوقات المناسبة التي تمكنهم من اغتيال النبي ﷺ والتخلص منه شخصيًا دونما
стр. 960
للجوء إلى شن حرب شاملة سافرة، لأنهم أجبن وأحقر من أن يخوضوا مثل هذه الحرب ضد المسلمين في يثرب، ولهذا فقد كان وصول النبي القائد ﷺ إلى ديار هؤلاء اليهود منفردًا في قلة من أصحابه أكبر فرصة تسنح لهؤلاء اليهود المجرمين وتواتيهم لقتل النبي الأعظم ﷺ .
وقد شرعوا فورًا في اغتنام هذه الفرصة في الحال، فعندما فاتحهم النبي ﷺ بشأن دية العامريين لم يترددوا في إعلان الإستجابة إلى طلبه حيث قالوا: "نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أجبت مما استعنت بنا عليه" (١).
ولم يكن إعلان هذه الاستجابة من هؤلاء اليهود إلا خدعة أرادوا بها تطمين النبي الأعظم ﷺ ليبقى في ديارهم حتى يتمكنوا من اغتياله بعيدًا عن المدينة، وفعلًا شرعوا لا في جمع المال الذي وعدوا بتقديمه مساهمة في دفع ديتى العامريين، وإنما في تنفيذ المخطط الجهنمى الذي رسموه لاغتيال النبي، ﷺ غير أن الله فضحهم حيث انكشف أمرهم بعد أن عرف النبي ﷺ . حقيقة ما يدبرون له من مؤامرة الإغتيال الفظيعة، فنجاه الله من شر هذه المؤامرة، إذ تمكن (بمهارة) من مغادرة ديار هؤلاء اليهود قبل أن يتمكنوا من تنفيذ ما أرادوا تنفيذه من مخطط الغدر والخيانة.
فقد ذكر ابن إسحاق أن يهود بنى النضير عقدوا اجتماعًا فيما بينهم بمجرد وصول النبي ﷺ وبحثوا في هذا الاجتماع موضوع اغتيال النبي ﷺ والتخلص منه، مغتنمين فرصة انفراده بعيدًا عن المدينة، وقد
стр. 961
قال قائلهم ومقدم اقتراح القيام بالاغتيال في الحال" ولا أظنه إلا حيى بن أخطب": إنكم والله لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه (١).
وذكر بعض المؤرخين (وأظنه ابن سعد) أن أحد سادات بنى النضير وأحبارها وهو (سلام بن مشكم) عارض اقتراح اغتيال النبي ﷺ معارضة شديدة قائلًا: لا تفعلوا والله ليخبرن بما هممتم به وإنه لنقض العهد الذي بيننا وبينه.
غير أن معارضة ابن مشكم هذه رفضت حيث قرر المجتمعون السير في طريق المؤامرة والقيام بتنفيذها بأسرع ما يمكن، وشرعوا (فعلًا) في التنفيذ.
فقد أسندوا مهمة الاغتيال إلى أحد مجرميهم، فكلفوه بأن يصعد إلى أعلي الحصن الذي كان الرسول الأعظم ﷺ جالسًا في ظله آمنًا فيلقى عليه صخرة تقضى عليه في الحال.
إلا أن الله تعالى نجى نبيه إذ بلغه نبأ هذه المؤامرة الدنيئة قبل تنفيذها بقليل، فغادر مكانه قبل الشروع في تنفيذ المرحلة الأخيرة من هذه المؤامرة، ويقول ابن إسحاق إن خبر المؤامرة قد تلقاه النبي الأعظم ﷺ من السماء (١).
وهكذا افتضح أمر اليهود المجرمين فأسقط في أيديهم وتمنوا لو أنهم أصغوا إلى معارضة سلام بن مشكم الذي نصحهم وحذرهم وأنذرهم بأن الوحي سيكشف للنبي ﷺ خبر هذه المؤامرة إن هم استمروا في السير في طريقها الخطر.
стр. 962
المحاصرة ثم الجلاء
وبعد أن اكتشف النبي ﷺ هذه المؤامرة عاد لتوه إلى المدينة، ثم وجّه إنذارًا إلى يهود بنى النضير بأن يجلوا عن يثرب، وأعطاهم مهلة مدتها عشرة أيام، إذ استدعى الصحابي الشهير محمد بن مسلمة الأنصاري وقال له: "اذهب إلى يهود بنى النضير وقل لهم: إن رسول الله أرسلني إليكم أن اخرجوا من بلادى، لقد نقضتم العهد الذي جعلت لكم مما هممتم به من الغدر، لقد أجلتكم عشرًا، فمن رؤى بعد ذلك ضربت عنقه (١).
وقد رفض اليهود الإنذار النبوى، وأعلنوا أنهم سيقاومون حتى النهاية، فضرب النبي ﷺ عليهم الحصار فلم يصمدوا، فبعد مرور حوالي عشرين يومًا فقط على محاصرتهم شرعوا في مفاوضة النبي للتسليم، وقد انتهت المفاوضة بالاتفاق على أن يجلوا يهود بني النضير عن يثرب جلاءً تامًّا، ولهم أن يحملوا من أموالهم ما يقدرون على حمله ما عدا السلاح، وقد ضمن النبي القائد لهؤلاء اليهود عند الجلاء سلامة أوواحهم وأموالهم حتى يجتازوا المنطقة الخاضعة لسلطان المسلمين.
وفعلا تم إجلاء هؤلاء اليهود، اللهم إلا من أسلم منهم، وهم رجلان فقط، وبعد أن تمت عملية الجلاء نزل أكثر هؤلاء اليهود منطقة خيبر، والقليل منهم ذهب إلى الشام، وبجلاء يهود بنى النضير لم يبق في منطقة يثرب من اليهود سوى قبيلة واحدة وهي قبيلة بنى قريظة الذين يبلغ عددهم رجالا ونساء حوالي الألفين،
стр. 963
ويقول البخاري إن يهود بني قريظة حاربوا المسلمين إلى جانب بني النضير، إلا أن النبي ﷺ عفا عنهم في الوقت الذي أجلى فيه يهود بن النضير عن المدينة.
وقد أنزل الله تعالى في حادثة بنى النضير سورة الحشر بأكملها: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ الآيات (١).
مركز التآمر في خيبر
كانت خيبر (وهي تقع في الشمال الشرقي للمدينة) هي (بعد يثرب) المركز الثاني للتجمع اليهودى في جزيرة العرب، وإذا كان اليهود في يثرب قد بدأ الصدام بينهم وبين العرب (الأوس والخزرج) ونشبت بينهم الحروب للسيطرة على يثرب قبل ظهور الإسلام بعدّة قرون، فإن اليهود الدخلاء في خيبر منذ تمت لهم السيطرة على هذه الأرض العربية الزراعية الخصبة لم يستطع أحد من العرب أن ينازعهم السلطة عليها كما حدث لليهود في يثرب.
ولهذا فقد كانت خيبر (حتى سقوطها في أيدى المسلمين) أشبه بمستعمرة يهودية صرفة داخل قلب الجزيرة العربية، فكان اليهود يسيطرون عليها سيطرة تامة، وكانت لهم فيها قوات مسلحة كبيرة فكانت لذلك وجهة أكثرية يهود بنى النضير الذين أجلاهم النبي ﷺ عن يثرب، فقد نزل هؤلاء اليهود خيبر فرحب بهم إخوانهم
стр. 964
من أهلها، وكان من زعماء بنى النضير الذين نزلوا مع قومهم في خيبر، حيى بن أخطب وسلَّام بن أبي الحُقيَق، وكنانة بن الربيع.
سيطرة بني النضير على خيبر
لقد كان يهود بنى النضير من أغنياء اليهود في جزيرة العرب، وكانوا يتحكمون في اقتصاديات منطقة يثرب وما جاورها تحكمًا كاملًا، وكان زعماؤهم - بالإضافة إلى هذا - يمتازون بالدهاء والمكر والحقد العارم على النبي ﷺ خاصة.
ومع هذا لم يكن النبي ﷺ شديدًا في معاملتهم عندما نفاهم من المدينة بعد ضرب الحصار عليهم، فقد سمح لهم بأن ينقلوا معهم كل ما يقدرون على حمله من الأموال، ومن المعروف عن اليهود منذ القدم أن أكثر ما يكنزونه هو الذهب والفضة.
ولهذا فقد أوقر هؤلاء اليهود عشرات الجمال وحملوا معهم كل ما يملكون من ذهب وفضة وهو شيء عظيم، حتى إن أحد زعمائهم (وهو سلَّام بن أبي الحُقيق) حمل معه إلى خيبر خزينة كبيرة (جلد ثور) مملوءة ذهبًا وفضة، وكان يضرب على هذه الخزينة في حنق وغيظ، وهو يقول: (وكأنه يهدد المسلمين بالحرب): هذا الذي أعددناه لرفع الأرض وخفضها (١).
وبنزول يهود بني النضير في خيبر، شعر هؤلاء اليهود بالنشاط والقوة من جديد، لا سيما أن يهود خيبر دانوا لبني النضير بسبب
стр. 965
قوتهم المالية، فصار سادات بني النضير أمثال (حُيَيّ بن أخطب وكنانة بن الربيع، وسلّام بن أبي الحُقيَق)، هم سادة خيبر الحقيقيون.
لم يتّعظ اليهود بما أصابهم في المدينة وما حل بهم من نفي نتيجة غدرهم وخيانتهم وتآمرهم، ولم يثمر اللين والتسامح الذي انتهجه النبي الأعظم ﷺ معهم حين اكتفى بنفيهم من المدينة وسمح لهم بنقل كل ما يقدرون على نقله من أموالهم، بل أبت طبيعة الغدر والخيانة والتآمر السابحة في دمائهم إلا أن تسير بهم في طريقهم المألوف، طريق الدس والفتنة والتآمر وإثارة الحروب ضد المسلمين.
اليهود وغزوة الأحزاب
فقد ظلت أحلام العودة إلى يثرب والسيطرة عليها من جديد تراود زعماء خيبر الجدد من سادات بني النضير المنفيين من يثرب، وزادهم تشبثًا بأحلامهم وسدورا في غيهم أن رأوا خيبر قد دانت لهم، فرأوا حولهم من القوة فيها ووحدة الكلمة ما لم يروه بين بني دينهم في يثرب، لذلك شرعوا في التآمر من جديد على المسلمين وأخذوا يُعِدون العُدة لتهيئة ضربة إلى المسلمين قرروا أن تكون قاتلة لا حياة بعدها هذه المرة.
فلم تمض على نزولهم خيبر أيام معدودات حتى شرعوا بالاتفاق مع زعماء خيبر في إعداد خطط التآمر الجديدة الموجهة ضد النبي وصحبه في يثرب، وكانت نتيجة هذا السعي والإعداد أنه لم تمض على إقامتهم في منفاهم الجديد (خيبر) أربعة أشهر حتى خرجوا
стр. 966
بمخطط حربي شامل رهيب علقوا أملهم في العودة إلى يثرب ومحو الوجود الإسلامي على نجاحه.
فقد أعدوا للتخلص من الإسلام والمسلمين (نهائيا) مشروع غزو شامل كبير يتلخص فيا يلي:
١ - السعي لدى القبائل العربية المعادية للإسلام في نجد والحجاز لإثارة كوامن الحقد والبغض في نفوسها ضد المسلمين، وإغرائها بغزو المدينة للسلب والنهب والتخلص من المسلمين.
٢ - الاتصال بزعماء وقادة هذه القبائل القوية ودعوتهم وإغرائهم بالرشوة والوعود لإنشاء قوة عربية وثنية ضاربة من جميع هذه القبائل المختلفة تتحد في جيش واحد كبير تحت قيادة واحدة.
٣ - على أن يكون الهدف الرئيسى لهذه القوة الضاربة هو غزو المدينة واجتثاث جذور الإسلام ومحو كيان المسلمين فيها محوًا تامًّا.
٤ - الاتصال بزعماء يهود بني قريظة الباقين في يثرب (وعدد المقاتلين فيهم حوالي الألف) لإقناعهم بالموافقة على مشروع غزو المسلمين والانضمام إلى الجيوش الغازية إبان وصولها ضواحي المدينة، والتأكيد لزعماء القبائل العربية المعادية الغازية بأن بنى قريظة سيكون لهم عونًا على المسلمين ساعة شروعهم في غزوهم.
وعلى أساس هذا المخطط خرج من خيبر وفد يضم زعماء اليهود وعلى رأسهم قادة بنى النضير المنفيين من يثرب، يقدمهم رأس الفتنة والشر (حُيَي بن أخطب)، خرج هذا الوفد اليهودي من خيبر في شهر شعبان من السنة الرابعة للهجرة، بقصد الدعاية لهذا المشروع وتحقيقة بين العرب الوثنيين في نجد والحجاز.
стр. 967
وكانت الوجهة الأولى لهذا الوفد مكة المكرمة، حيث وصل إليها وأجرى محادثات مع زعمائها المشركين حول مشروع الغزو المخطط له في خيبر، وقد لقى هذا المشروع كل الترحيب والتأييد من زعماء قريش، ولم يخرج الوفد اليهودي من مكة حتى ضمن تأييد قريش لذلك المشروع العدواني بعد أن اتفق معهم على الميعاد المحدد لهذا الغزو.
وبعد أن نال المشروع اليهودي الموافقة التامة من قِبَل زعماء مكة، اتجه الوفد اليهودى ناحية قبائل نجد من غطفان وفَزارة وأشجع ومُرةً ولدى وصول الوفد إلى ديار هذه القبائل عرض على زعمائها مشروع الغزو الخطير، وبعد محادثات غير قصيرة وافقت هذه القبائل على الاشتراك في تنفيذ مشروع الغزو العدواني الخطير، ولم يعد الوفد اليهودي من رحلته إلى مكة ونجد إلا بعد أن حشد عشرة آلاف مقاتل من قريش وقبائل نجد تحركت كل هذه الآلاف نحو المدينة لغزوها وسحق المسلمين (١) فكانت غزوة الأحزاب الشهيرة التي كانت موضوع كتابنا الثالث من سلسلة (معارك الإسلام الفاصلة) والسابق لهذا الكتاب، الذي هو الكتاب الرابع من هذه السلسلة التاريخية.
وهكذا فغزوة الأحزاب الرهيبة المخيفة تلك، ليست في حد ذاتها إلا غزوة يهودية صرفة خطط لها التفكير الإسرائيلي في خيبر، وقام بتموينها المال اليهودي الذي لا يُنفق (إن أنفق) إلا على إثارة الحروب وشراء الذمم لبسط النفوذ اليهودي.
стр. 968
ولقد كاد اليهود ينجحون في تنفيذ مشروعهم العدواني الخبيث، إلا أن الله حال دون تنفيذ هذا المشروع في اللحظات الأخيرة، إذ رد كيد المعتدين إلى نحورهم وحفظ الله نبيه وصحبه فعاد الغزاة يجرون أذيال الخيبة والانحدار لم ينالوا خيرًا، ونجت المدينة من خطر الاحتلال، حيث انسحبت جيوش الأحزاب الغازية بعد حصار دام حوالي شهرين من الزمن دون تحقق أي هدف من أهدافها العدوانية، كما هو مفصل في كتابنا (غزوة الأحزاب)، كما نال الخونة الغادرون من يهود المدينة جزاءهم العادل الصارم، كما سيأتي تفصيله في هذا الكتاب ... كما مكن الله المسلمين من القضاء على قواعد العدوان اليهودي في خيبر باستيلاء المسلمين على هذه المنطقة وإبادة رؤوس الغدر والتآمر فيها الذين وضعوا مخطط مشروع غزوة الأحزاب الرهيبة كما سيأتي تفصيله إن شاء الله في كتابنا (غزوة خيبر) (١) وهو الكتاب الخامس من سلسلة (معارك الإسلام الفاصلة) الذي سيتلو هذا الكتاب مباشرة إن شاء الله.
стр. 969
الفصل الثالث
* محاسبة يهود بني قريظة على خيانتهم.
* فرض الحصار عليهم.
* استسلامهم بدون قيد ولا شروط.
* تحكيم حليفهم سعد بن معاذ.
* الحكم بالإعدام علي جميع رجالهم.
* تنفيذ حكم الموت في ثمانمائة رجل منهم.
ذكرنا في كتابنا (غزوة الأحزاب) الفصل الأول ص ٣٤: أن هناك معاهدة، تحالف قد عقدت بين المسلمين واليهود جميعًا. تتكون هذه المعاهدة من عدة بنود، من بينها بند، نص صراحة على التزام المسلمين واليهود بواجب الدفاع المشترك عن يثرب ضد أي اعتداء خارجى، عبء المسلمين في مسؤولية هذا الدفاع كعبء اليهود تمامًا.
كما نصت هذه المعاهدة (أيضًا) على وجوب التزام الفريقين بالتعايش السلمي والتعهد بعدم اعتداء أحدهما على الآخر في الداخل.
وكان المفروض (طبقًا لهذه المعاهدة) أن ينضم يهود بني قريظة إلى جانب المسلمين للدفاع عن المدينة عندما أحاطت بها جيوش
стр. 970
الأحزاب، وأن يكونوا ضمن جيش المسلمين في مواجهة تلك الجيوش الغازية المعتدية.
ولكن الذي حدث من بني قريظة (كما فصلناه في كتابنا -غزوة الأحزاب- في مكانه) هو العكس، فقد غدر هؤلاء اليهود بالمسلمين وحاولوا ضرب جيشهم من الخلف في أحرج الظروف وأدق ساعات المصير.
حيث أعلن هؤلاء اليهود (بدلًا من قيامهم بالتزامات المعاهدة) أعلنوا انضمامهم إلى الغزاة المعتدين في تلك الساعات الرهيبة الحاسمة التي كان فيها مصير كل الكيان الإسلامي في مهب العاصفة حيث كان جيش المسلمين الصغير الذي لا يزيد عدده على ألف مقاتل يواجه عشرة آلاف مقاتل يفوقونه في كل شيء مادي، قد أحاطوا به كما يحيط البحر الهادر بالجزيرة الصغيرة ويهددها بالابتلاع من جميع جهاتها في كل لحظة.
لقد غدر بنو قريظة بالمسلمين تلك الغدرة الشنعاء، غير مبالين بشرف الكلمة التي أعطوها لهم بتوقيعهم على معاهدة التحالف تلك، ولا مقدرين لما يترتب على ذلك الغدر الشنيع من نتائج خطيرة ... غدروا بالمسلمين وخانوهم في تلك الظروف الحربية الخانقة، بالرغم من أن هؤلاء اليهود -باعتراف زعيمهم كعب بن أسد- لم يروا من النبي ﷺ وأصحابه إلا الصدق والوفاء بالعهد والوقوف بشرف عند الكلمة التي أعطوها في عهد التحالف المبرم بين الفريقين (١).
стр. 971
فضرب بنو قريظة بذلك أعلى رقم قياسي في دنيا الغدر والخيانة، فأعطوا الدليل (مرة أخرى) عن خبث معدنهم، وعلى اللؤم والنذالة والخسة المتأصلة في نفوسهم والسابحة في كيانهم، سبح الدم في سرايينهم، وعلى أن العهود والمواثيق (عندهم) لا قيمة لها ولا احترام، إلا عندما يكون في الإلتزام بها وتنفيذها مصلحة لهم.
وذكرنا في كتابنا (غزوة الأحزاب) الفصل الثالث ص ١٨٧ وما بعدها -أن النبي ﷺ إقامة للحجة ومحاولة لإصلاح ما أفسده اليهود- أرسل وفدًا إليهم ليذكرهم بالعهد ويطالبهم بالوفاء به والقيام بتنفيذ التزاماته، وذكرنا أن هذا الوفد وصل (فعلًا) إلى ديار بني قريظة برئاسة حليفهم سيد الأوس سعد بن معاذ، فذكرهم ونصحهم وحذرهم مغبة الإصرار على السير في طريق الغدر والخيانة ونبههم (بصدق) إلى ما قد يترتب على ذلك من نتائج وخيمة قد يكون فيها إبادتهم جميعًا.
وذكرنا أن هؤلاء اليهود قد ردوا هذا الوفد ردًّا قبيحًا وأعلنوا في (صفاقة ووقاحة) بأنهم لن يتراجعوا عن موقف الخيانة والغدر الذي أعلنوه، وأنهم قد أصبحوا حربا على المسلمين، وأنهم لا يعرفون محمدًا ولم يعد بينهم وبينه أي عهد أو حلف.
وذكرنا أنهم بدأوا بالفعل في الاستعداد للهجوم على المسلمين من الخلف حسب الخطة المتفق عليها مع الغزاة، وأنهم بدأوا، يمدون الغزاة بالمؤن (١) كدليل عملي على انضمامهم إليهم ضد مواطنيهم وحلفائهم المسلمين.
стр. 972
بنو قريظة وإبادة المسلمين
لقد اعتبر بنو قريظة وجود جيوش الأحزاب الضاربة حول المدينة فرصة ثمينة للتعجيل بسحق المسلمين وإبادتهم إبادة كاملة.
وما كانوا يشكون لحظة (إذ ارتكبوا ما ارتكبوا) في أن جيوش الأحزاب قادرة كل المقدرة على إبادة المسلمين واستئصال شأفتهم استئصالا كاملًا، ولذلك لم يتورعوا عن الانضمام إلى الغزاة، إذ فعلوا ذلك غير مبالين بما أعطوا من عهود وأبرموا من مواثيق.
وقد ذكرنا عبر كتابنا (غزوة الأحزاب) كيف انتهى ذلك الغزو المخيف بانسحاب الأحزاب دون أن تتمكن قواتهم من اقتحام المدينة، ودون أن تحقق أي شيء من الأهداف التي جاءت لتحقيقها وكيف تُرك بنو قريظة وحدهم في الميدان ليواجهوا المصير الذي يستحقه كل خائن وغادر وناكث.
غزوة بني قريظة امتداد للأحزاب
وعلى هذا فإن غزوة بني قريظة في حد ذاتها هي امتداد لمعركة الأحزاب، فقد كان يهود بني قريظة يمثلون الجناح الثالث للاتحاد العسكري الوثني اليهودي الذي قام لسحق المسلمين وإبادتهم إبادة كاملة.
فبنو قريظة بالإضافة إلى ارتكابهم جريمة الخيانة العظمى، يعتبرون غزاة محاربين بانضمامهم إلى جيوش الأحزاب الغازية وإعلانهم بأنهم جزء لا يتجزأ منهم ضد المسلمين، ومباشرتهم،
стр. 973
بالفعل التحرك لضربهم من الخلف مساندة للغزاة وقيامهم بمد هؤلاء الغزاة بالتموينات.
وعلى هذا فإن معركة الأحزاب عندما انتهت بذلك النصر المؤزّر للمسلمين على المشركين باندحارهم وانسحابهم خائبين لم يحققوا شيئًا من أهداف غزوهم ... هذه المعركة عندما انتهت باندحار المشركين، إنما انتهت (فقط) بالنسبة لجناحين من أجنحة ذلك الاتحاد الوثني اليهودي، وهما جناحا قريش وغطفان اللذين انشمرت حشودهم الضخمة من حول المدينة وعادت إلى ديارهم مجللة بعار أشنع هزيمة في تاريخها العسكري الطويل، بعد حصار رهيب مزعج مخيف دام شهرًا كاملًا.
تصفية الحساب مع اليهود
أما الجناح الثالث من أجنحة هذا الاتحاد المخيف الذي يمثله يهود بني قريظة الذين سجلوا بصنيعهم ذاك أخس وأشنع جريمة في تاريخ الخيانة والغدر فلم ينته الحساب معه بعد.
لقد كان بنو قريظة يتوقعون من الجيش الإسلامي هذا الحساب الذي ما كانوا يشكون لحظة في أنه سيكون حسابًا عسيرًا يتناسب وفظاعة الجريمة التي ارتكبها هؤلاء اليهود ضد هذا الجيش الذي لم يروا من قائده الأعلى وكافة زعمائه وأفراده إلا الصدق والبر والوفاء بالعهد.
ولذلك فقد اعتصم هؤلاء اليهود الغادرون بحصونهم، يرتجفون فزعًا من المصير المرعب الذي ينتظرهم على أيدى المسلمين جزاء
стр. 974
غدرهم وخيانتهم التي قاموا بها ضد المسلمين في ذلك الظرف الحرج الذي بلغت فيه حالة المسلمين أقصى درجات الخطورة، والذي فيه -بدلًا من أن يفى هؤلاء اليهود بالتزاماتهم العسكرية نحو المسلمين فينضموا بأسلحتهم ضد جيوش الأحزاب الغازية الباغية، كما تفرض عليهم اتفاقية الدفاع المشترك المعقودة بينهم وبين المسلمين (١) - استداروا بأسلحتهم وحاولوا طعن المسلمين من الخلف بغية التعجيل بالقضاء عليهم.
مع أن هؤلاء اليهود لم يروا من النبي ﷺ وصحبه -منذ تم التحالف بين الفريقين- إلا الصدق والبر والوفاء، ولكنه الغدر السابح في دماء هؤلاء اليهود الذين هم أئمته وأساتذته في كل عصر وزمان.
غير أن تصفية الحساب مع هؤلاء اليهود الغادرين، كانت على قدر الرصيد، فقد كان مستوى العقوبة في مستوى الجريمة.
ذلك أن جريمة غدر اليهود وخيانتهم إذا كانت قد بلغت غايتها في الفظاعة والبشاعة، فإن نتيجة محاكمتهم على هذه الخيانة كانت غاية في الشدة والصرامة ... جزاءًا وفاقًا.
ويظهر من سير الحوادث أن النبي القائد ﷺ كان يفضل إعطاء جيشه قسطا من الراحة قبل الزحف على معاقل الغدر والخيانة في بني قريظة لمحسابتهم.
стр. 975
ولكن الأوامر الصريحة المشددة جاءته من السماء بأن لا يفعل، وأن يسارع -قبل أن يضع جنده السلاح- بالزحف على حصون اليهود لإنزال العقاب العادل بأولئك الخونة المجرمين الذين كانوا -بغدرهم وخيانتهم- يتسبيون في إبادة الجيش الإسلامي الناشئ الصغير ومحو الكيان الإسلامي من الوجود.
فقد روي البيهقي عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ ، كان عندها، قالت: فسلم علينا رجل ونحن في البيت فقام رسول الله ﷺ وقمت في أثره، فإذا رجل على فرس والنبي ﷺ متكئ على معرفة الفرس يكلمه، قالت ... ، فرجعت، فلما دخل ﷺ قلت ... من ذلك الرجل الذي تكلمه؟ .
قال ... بمن تشبهينه؟ .
قلت ... بدحْية الكلبي
قال ذاكِ (بكسر الكاف) جبريل (﵇)، أمرني أن أمضى إلى بني قريظة.
وروي ابن إسحاق، قال ... ولما أصبح رسول الله ﷺ انصرف من الخندق راجعا إلى المدينة والمسلمون قد وضعوا السلاح.
فلما كانت الظهيرة أتى جبريل رسول الله ﷺ معتجرًا بعمامة من استبرق على بغلة عليها رحالة. عليها قطيفة من ديباج فقال ... أَوَقَد وضعت السلاح يا رسول الله؟
قال .. نعم.
فقال جبريل ... ما وضعت الملائكة السلاح بعد، وما رجعت الآن إلا من طلب القوم، إن الله يأمرك بالمسير إلى بني قريظة، فإني عامد إليهم فمزلزلهم.
стр. 976
وفي بعض الروايات، أن النبي ﷺ طلب التأجيل أيامًا، ليأخذ فيها جنده المتعب قسطًا من الراحة، قائلا لجبريل .. إن في أصحابي جهدًا فلو نظرتهم أياما.
فقال جبريل ﵇ ... انهض إليهم فو الله لأدقنهم كدق البيض على الصفا، ولأدخلن فرسى هذا عليهم في حصونهم ثم لأضعضعنها.
- وأمام هذا الأمر العاجل بالزحف على حصون بني قريظة لم يسع النبي ﷺ إلا أن يسارع بتنفيذ أمر ربه الذي تقاه من جبريل.
فقد أصدر القائد الأعلى النبي ﷺ أوامره الحازمة العاجلة إلى جند الإسلام بالتحرك (فورًا) نحو منازل يهود بني قريظة لتصفية الحساب معهم.
مرسوم الزحف على اليهود
وقد جاء هذا الأمر الكريم في مرسوم نبوي تلاه على الجند مؤذن رسول الله ﷺ بلال بن رباح (١) حيث نادى الجيش (حسب أمر الرسول ﷺ ) قائلًا .. من كان سامعًا مطيعًا فلا يصلِّين العصر إلا في بني قريظة.
وكان صدور الأمر النبوي بالتحرك نحو منازل بني قريظة بعد دخول وقت الظهر في اليوم التالي لمعركة الأحزاب.
وقد طاع المسلمون أوامر قائدهم الأعلى ﷺ فابتدروا سلاحهم وأخذت كتائب الإسلام تتدفق في اتجاه معاقل اليهود.
стр. 977
وسارع الرسول ﷺ إلى سلاحه فتدجج به، فلبس الدرع والمغفر والبيضة وأخذ الرمح في يده، ثم امتطى صهوة جواده المسمي (باللّجيف).
أمير المدينة
ولما كانت منازل بني قريظة الواقعة جنوب شرقي المدينة، تبعد عن المدينة عدة أميال، فقد أصدر النبي ﷺ مرسومًا عيّن بموجبه ابن أم مكتوم أميرًا على المدينة حتى يفزع من أمر بني قريظة.
وعندما اعتزم الرسول التحرك بجيشه نحو بني قريظة أعطى اللواء لعلي بن أبي طالب ﵁، وكان هذا اللواء هو نفس اللواء الذي قاتل المسلمون تحته أيام الخندق، لم يُحَل من ساريته.
وقد أصدر النبي ﷺ أمره إلى علي بن أبي طالب بأن يكون في مقدمة الجيش، ويسبق باللواء إلى ديار بني قريظة حتى يصل إليها قبل وصول عامة الجيش.
فسارع عليَّ (في مفرزة من جند الإسلام) حتى إذا ما وصل بين حصون اليهود، غرز اللواء هناك، فعلمت قريظة أنها الحرب ولا شئ سواها.
فرض الحصار على اليهود
وتتابعت كتائب الإسلام (بقيادة الرسول ﷺ ) حتى أحاطت بمعاقل بني قريظة وطوقتها من كل مكان.
стр. 978
ويظهر أن زحف المسلمين على بني قريظة كان على غير تعبئة حيث ثبت أنهم كانوا يتجهون نحو اليهود جماعات جماعات، فلم يكونوا في هذه الحركة جيشًا واحدًا يمشي على تعبئة (بساقة ومجنبة ومقدمة، كما هو الحال في كل الحملات التي كان النبي ﷺ يقودها.
فقد روى موسى بن عقبة في مغازية عن الزهري قال ... فبينما رسول الله ﷺ في مغتسله قد رجل أحد شقيه أتاه جبريل على فرس عليه لأُمته (أي عدة حربه) حتى وقف بباب المسجد عند موضع الجنائز، فخرج إليه رسول الله ﷺ فقال له جبريل ... - غفر الله لك أوقد وضعت السلاح؟
قال ... نعم. فقال جبريل ... لكنا لم نضعه منذ نزل بك العدو، وما زلت في طلبهم حتى هزمهم الله.
ثم قال له جبريل .. إن الله يأمرك بقتال بني قريظة، فخرج رسول الله في أثر جبريل، فمر ﷺ على مجلس بني غنم، وهم ينتظرون رسول الله ﷺ فسألهم فقال: ... مر عليكم فارس آنفا؟ .
قالوا ... مر علينا دِحْية الكلْبي على فرس أبيض تحته نمط وقطيفة ديباج عليه اللأمة، فذكروا أن رسول الله ﷺ قال لهم ... ذاك جبريل "وكان رسول الله ﷺ يشبه دحية الكلبي بجبريل" فقال رسول الله ﷺ ... إلحوقني ببني قريظة فصلوا فيهم العصر. وهذا يدل (دونما شك) على أن المسلمين زحفوا إلى بني قريظة على غير تعبئة وإنما ذهبوا إليهم في دفعات على غير نظام.
стр. 979
ويظهر أن السبب في ذلك هو قصر المسافة التي لا يخشى فيها المسلمون أية مباغتة من عدو أو كمين يُنَصب لهم، لأن كل المنطقة التي قطعوها إلى بني قريظة أراضٍ إسلامية صرفة.
وقفة فقهية هامة
قبل الدخول في تفاصيل غزوة بني قريظة وأحداثها ونتائجها يجدر بنا أن نقف وقفه فقهية، قد يستفيد القارئ منها.
لقد كان الأمر النبوي القاضي -عند الزحف علي بني قريظة- بأن لا يُصليَنَّ أحد العصر إلا في بني قريظة نصًّا تشريعيا اختلف حوله الباحثون من فقهاء الإسلام وأئمة الحديث.
وذلك أن الصحابة الذين صدر إليهم لأمر بأن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة، قد انقسموا في فهم هذا الأمر النبوى إلى قسمين.
وذلك أن صلاة العصر حانت وهم لما يزالوا في الطريق إلى بني قريظة، فناقشوا الموضوع على ضوء الأمر النبوي، فرأت طائفة من الصحابة أنه لا يمكن تأخير الصلاة عن وقتها وأنه (لذلك) لا بد من أدائها قبل الوصول إلى بني قريظة، وقد فسرت هذه الطائفة الأمر النبوي (بأن لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة) بأنه إنما يعني الحض بتعجيل السير إلى بني قريظة لا تأخير الصلاة عن وقتها.
وقد قامت هذه الطائفة بأداء صلاة العصر في وقتها أثناء الطريق وقبل الوصول إلى بني قريظة، استنادًا إلى تفسيرهم الذي ذكرنا.
أما الطائفة الأخرى من الصحابة فقد رأت أنه لا بد من تنفيذ الأمر النبوي (حرفيًّا) وأنه لذلك لا بد من أداء صلاة العصر في بني
стр. 980
قريظة حتى وإن كان ذلك بعد غروب الشمس الذي لم يبق معه وقت أساسي لصلاة العصر. وفعلًا، فإن هذه الطائفة من الصحابة لم تصل العصر (ذلك اليوم) إلا في بني قريظة، وكان ذلك بعد غروب الشمس، وهي إذ فعلت ذلك إنما تعتقد أنها قد امتثلت الأمر النبوي الذي ينص (صراحة) على ما فعلت
النبي يقر الجميع
وقد بلغ النبي ﷺ ما صنعت الطائفتان فلم يعنف أحدًا منهما ولم يلمه على ما فعل، بل أقر الجميع، الذين صلوا العصر في الطريق (في وقتها)، والذين أخروها وصلوها في بني قريظة بعد غروب الشمس.
فقد روي أصحاب الحديث والمغازي (كما في البداية والنهاية) من حديث موسى بن عقبة قوله .. وانطلقوا (أي المسلمون) إلى بني قريظة فحانت صلاة العصر وهم بالطريق فذكروا الصلاة فقال بعضهم لبعض .. ألم تعلموا أن رسول الله ﷺ أمركم أن تصلوا العصر في بني قريظة؟
وقال آخرون .. هي الصلاة، فصلى منهم قوم وأخرت طائفة الصلاة، حتى صلوها في بني قريظة، بعد أن غربت الشمس فذكروا لرسول الله ﷺ من عجل منهم الصلاة ومن أخرها، فذكروا، أن رسول الله ﷺ لم يعنف واحدًا من الفريقين.
وجوب احترام وجهات النظر المختلفة
وقد وضع النبي ﷺ بتصرفه الحكيم هذا، الذي لم يعنف فيه
стр. 981
أحدًا من الفريقين على ماصنع ... وضع قاعدة تشريعية هامة يتحتم بموجبها احترام وجهات النظر المختلفة في فهم النصوص بشرط أن يكون هذا الاختلاف عن اجتهاد نزيه سليم صادق.
كما هو الحال عندما اختلف الصحابة رضوان الله عليهم حول مفهوم الأمر النبوي بشأن صلاة العصر، فقد كان هدف كل من الفريقين هو (فقط) أداء الصلاة على النحو الذي يرضى الله عنه ورسوله.
ومن الجدير بالذكر أن النبي ﷺ قد اعتبر صلاة كل من الطائفتين صلاة صحيحة، حيث لم يأمر أحدا منهما بإعادة صلاته سواء الذين أدوها في الطريق في وقتها، أو الذين أدوها في بني قريظة بعد خروج وقتها.
أما فقهاء الإسلام فقد اختلفوا كذلك في فهم الأمر الصادر بهذا الصدد، عند البحث في باب تأخير الصلاة وتقديمها في السفر وغيره .. اختلفوا في أي من الفريقين من الصحابة هو المصيب يومئذ.
إلا أنهم مع هذا الاختلاف قد أجمعوا على أن كلا من الفريقين مأجور.
ففريق من العلماء (وعلى رأسهم أبو محمد بن حزم) يرى أن الذين أدوا الصلاة في الطريق في وقتها أخطأوا في اجتهادهم، وأن الذين أدوها في بني قريظة بعد غروب الشمس في غير وقتها هم المصيبون لأنهم صلوا كما أمر النبي ﷺ .
تأخير الصلاة أقرب إلى الصواب
فقد قال أبو محمد في كتابه (جوامع السيرة) .. وعلم الله أنا لو كنا هناك لم نصل العصر إلا في بني قريظة، ولو بعد أيام.
стр. 982
وهذا القول من ابن حزم قد جاء على قاعدته الأساسية في الأخذ بالظاهر، فهو ظاهرى المذهب، لا يرى أي مبرر لصرف النص عن ظاهره ما لم يأت ما يوجب ذلك عن الشارع نفسه، وهو قول (في الحقيقة) أقرب إلى الحق والصواب من جميع الأقوال والأراء التي تخالفه.
ومما تجدر الإشارة إليه (هنا) هو أن النبي ﷺ وبعضًا من أصحابه قد أخروا صلاة الظهر والعصر ولم يصلوها إلا بعد غروب الشمس، وذلك في أحد أيام الخندق العصيبة عندما اشتد زحم المشركين في هجومهم فشغلوا المسلمين طيلة نهارهم ولم يتركوا لهم فرصة يؤدون فيها الصلاة في وقتها، مما أجبر المسلمين على ملازمة مواقعهم الدفاعية، الأمر الذي أدى إلى فوات صلاة الظهر والعصر عليهم.
تأخير الصلوات لعذر القتال
وقد ذهب الإمام محمد بن إسماعيل البخاري إلى القول بتأخير الصلاة عن وقتها سواء كانت ظهرًا، أو عصرًا، أو مغربًا أو صبحًا، أو عشاءً (لعذر القتال) وذلك إذا ما اضطرت المعركة الجنود ملازمة مواقعهم، كما حدث في معركة الخندق، وسند البخاري في هذا القول هو فعل النبي ﷺ وصحابته في ذلك اليوم الذي اضطرتهم فيه ظروف القتال إلى تأخير صلاة العصر والظهر والمغرب إلى وقت العشاء.
وأعتقد (وهذا رأى شخصى فحسب) أن قول الإمام البخاري
стр. 983
هذا هو أقرب إلى روح الشريعة الإسلامية، وأجدر أن يتبع وخاصة في هذا العصر، والله وحده أعلم بالصواب.
نيل اليهود من الذات النبوية الكريمة
وعندما نظر يهود بني قريظة إلى طلائع الجيش النبوي تتقدم نحو معاقلهم بقيادة علي بن أبي طالب، فاضت نفوسهم الشريرة ببعض ما تختزنه من خبث ودناءة ووضاعة.
فقد أسمعوا ابن عم رسول الله ﷺ (علي بن أبي طالب) في نبي الله (﵇) ونسائه الطيبات الطاهرات من السب والشتم والقذف ما لم يسمح أحد من المؤرخين لنفسه بأن يورد نصه لفظاعته وبشاعته.
ومع هذا فلم يرد المسلمون على هؤلاء اليهود السفهاء، بل التزموا الصمت، وكل الجواب الذي سمعه اليهود على شتمهم للنبي ﷺ ونسائه الطيبات، وهو قول علي بن أبي طالب، السيف بيننا وبينكم.
ولم يرد المسلمون على الشتم بمثله، لأنهم يسيرون في معاملتهم للناس (أيًا كانوا) حسب توجيه القرآن وتأديبه، وليس من آداب القرآن أن يقابل المسلم فاحش القول بمثله.
غير أن علي بن أبي طالب -وهو أول من سبق باللواء إلى بني قريظة- أشفق على الرسول ﷺ من أن يسمع في نفسه وفي نسائه ذلك السب القبيح.
стр. 984
النبي القائد في ديار قريظة
ولذلك فإن عليًّا لما رأى رسول الله ﷺ مقبلا من بعيد، ترك مقر كتيبة اللواء المرابطة حول حصون اليهود وانطلق -بعد أن أناب عنه في حمل اللواء وقيادة الكتيبة أبا قتادة الأنصاري (١) - انطلق مسرعًا نحو رسول الله ﷺ واستوقفه على بعد من حصون اليهود وطلب منه أن يقف بعيدًا عن هذه الحصون لئلا يتأذى بسماع ما فاه به اليهود من سب مقذع فيه وفي نسائه.
فقال على ... لا عليك يا رسول الله أن تدنو من هؤلاء الأخابث.
فقال النبي ﷺ ... لعلك سمعت منهم لي أذى؟
قال .. نعم يا رسول الله.
فقال ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم ... لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئًا (٢).
ثم واصل الرسول القائد ﷺ تقدمه نحو حصون اليهود تحيط به هيئة أركان حربه من صفوة أصحابه، حتى دنا من حصون قريظة الغادرة.
حديث النبي مع اليهود وقت الحصار
وهناك وحيث يسمع النبي ﷺ كلام اليهود ويسمعون كلامه نادى نفرًا من قادتهم، فلما ظهروا في أبراج حصونهم قال لهم ﷺ ،
стр. 985
يا إخوة القردة وعبدة الطاغوت، هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته (١)؟ وهنا أدركت اليهود طبيعتهم (سفاهة واعتداء وغدرًا وتطاولًا إذا قدروا، واستكانة وتلطفًا ووداعة إذا عجزوا) فعندما رأوا الرسول القائد ﷺ تحيطه هيئة أركان حربه وقد اتخذت كتائبة مواقعها حول الحصون، تأكد لديهم تصميم المسلمين على الإيقاع بهم ومحاسبتهم على ما ارتكبوا من فظيع الغدر وشنيع الخيانة، فأسقط في أيديهم فصاروا يتوددون إلى الرسول القائد.
فقد أنكروا، أن يكونوا شتموه ونساءه، وانطلقوا يحلفون (كذبًا) أنهم ما فاهوا بشيء مما بلغه بهذا الشأن، ثم اندفعوا (في ليونة الأفاعي) يسمعون رسول الله ﷺ من لين القول وطيب الكلام وجميل الإطراء، ما ظنوا، أنه سيساهم في تخفيف عقوبة خيانتهم العظمى التي صممت قيادة المدينة على إنزالها بهم.
فقد قال هؤلاء اليهود لرسول الله ﷺ ... يا أبا القاسم ما كنت جهولًا، وغير ذلك من الكلام المغلف بالطيبة والوادعة.
طبيعة اليهود التي لا تتغير
وهذه هي جبلة اليهود وخلتهم المتغلغة في نفوسهم أبد الدهر. لا يتورعون عن ارتكاب أية جريمة (مهما كانت بشاعتها) إذا ما قدروا.
ولا يخجلون من أن يقفوا موقف الحليم الواعظ الوديع البرئ، يذكرون بالحلم والصفح إذا ما أحاطت بهم خطيئتهم وأدركهم الوهن،