← Фикх общий

Фикх общий · id 145204

جامع تراث العلامة الألباني في الفقه

ناصر الدين الألباني

Полный текст (8 195 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة. وقال أبو داود في «مسائله» «٧٦»: قلت لأحمد: الرجل يكون في السَّرِيَّةِ، ويكون الثلج كثيراً؛ لا يقدر يسجد عليه الرجل؟ قال: يصلي على دابته. قال: قلت: يكون مطرٌ فيخاف أن تبتل ثيابه؟ قال: يصلي على دابته. وقال المروزي في «مسائله»: قلت - يعني لأحمد -: إذا صلى في ماء وطين؛ كيف يسجد؟ قال: إذا كان لا يقدر على السجود ويفسد ثيابه؛ يومئ إيماءً - كما قال أنس -. قال إسحاق: كما قال. قال: ويجزيه المكتوبة في الحضر -كما قال أنس-. [أصل صفة الصلاة (١/ ٦٥)] النزول من على الراحلة لصلاة الفريضة وكان إذا أراد أن يصلي الفريضة؛ نزل، فاستقبل القبلة. قال الحافظ في «الفتح»: قال ابن بطال: أجمع العلماء على اشتراط النزول للفريضة، وأنه لا يجوز لأحد أن يصلي الفريضة على الدابة من غير عذر، حاشا ما ذكر في صلاة شدة الخوف. [أصل صفة الصلاة (١/ ٦٦)] يسقط الاستقبال عن المحارب في صلاة الخوف والقتال الشديد قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٢: يسقط الاستقبال عن المحارب في صلاة الخوف والقتال الشديد.

стр. 1052

[وقال في أصل الصفة]: وأما في صلاة الخوف الشديد؛ فقد سنَّ ﷺ لأمته أن يصلوا رجالاً؛ قياماً على أقدامهم، أو ركباناً؛ مستقبلي القبلة، أو غير مستقبليها. وقال ﷺ : «إذا اختلطوا؛ فإنما هو التكبير والإشارة بالرأس». قال الحافظ: المعنى: أن الخوف إذا اشتد، والعدو إذا كثر، فخيف من الانقسام لذلك؛ جازت الصلاة حينئذ بحسب الإمكان، وجاز ترك مراعاة ما لا يقدر عليه من الأركان؛ فينتقل عن القيام إلى الركوع، وعن الركوع والسجود إلى الإيماء، إلى غير ذلك، وبهذا قال الجمهور. ولكن قال المالكية: لا يصنعون ذلك حتى يخشى فوات الوقت. اهـ. وبمثل ما ذكره عن الجمهور حكاه الطحاوي «١/ ١٩٠» عن الأئمة الثلاثة؛ قالوا: «وكذلك لو أن رجلاً كان على الأرض، فخاف إن سجد أن يفترسه سَبُع، أو يضربه رجل بسيف؛ فله أن يصلي قاعداً، إن كان يخاف ذلك في القيام، ويومئ إيماء». [أصل صفة الصلاة (١/ ٦٧)] يسقط الاستقبال عن المريض الذي لا يستطيع استقبال القبلة [قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٢]: ويسقط الاستقبال عن العاجز عنه كالمريض. ما بين المشرق والمغرب قبلة وكان ﷺ يقول: «ما بين المشرق والمغرب قبلة». قال البيهقي: «والمراد به - والله أعلم - أهل المدينة، ومن كان قبلته على سمت أهل المدينة فيما بين المشرق والمغرب». اهـ.

стр. 1053

وذلك ينطبق على من كان في الشمال أو الجنوب بالنسبة لمكة. وأما من كان في الشرق أو الغرب؛ فقبلته ما بين الشمال والجنوب. [أصل صفة الصلاة (١/ ٦٩)] ويجب على كل من كان مشاهدا للكعبة أن يستقبل عينها. وأما من كان غير مشاهد لها فيستقبل جهتها قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٣: يجب على كل من كان مشاهدا للكعبة أن يستقبل عينها، وأما من كان غير مشاهد لها فيستقبل جهتها. [وقال في آصل الصفة]: قال العلامة الصنعاني في «سبل السلام» «١/ ١٨٨»: والحديث [أي حديث ما بين المشرق والمغرب قبلة] دليل على أن الواجب استقبال الجهة لا العين في حق من تعذرت عليه العين، وقد ذهب إليه جماعة من العلماء؛ لهذا الحديث. قلت: وعليه الحنفية. قال: «ووجه الاستدلال به على ذلك أن المراد أن بين الجهتين قبلةً لغير المُعايِن، ومَن في حكمه؛ لأن المعايِن لا تنحصر قبلته بين الجهتين المشرق والمغرب، بل كل الجهات في حقه سواء متى قابل العين أو شطرها». [أصل صفة الصلاة (١/ ٧١)]

стр. 1054

يجب على من كان مشاهدًا للكعبة أو في حكم المشاهد لها أن يستقبل عينها ويجب على من كان مشاهدا للكعبة أو في حكم المشاهد لها أن يستقبل عينها لأن النبي ﷺ لما دخل البيت دعا في نواحيه كلها ... فلما خرج ركع في قبل البيت «وفي رواية مستقبل وجه الكعبة» «وفي أخرى: عند باب البيت» ركعتين وقال: هذه القبلة [هذه القبلة]». الحديث من رواية أسامة بن بن زيد ﵄ وقد اختصرنا منه جملة: «ولم يصل فيه» لأنه ثبت من طريق غيره من الصحابة أنه ﵇ صلى فيه كما سبق بيانه قبيل «أحكام المساجد». والحديث هذا أخرجه البخاري ومسلم - والسياق له -. قال النووي ﵀ في «شرح المهذب»: وقوله ﷺ : «هذه القبلة». قال الخطابي: معناه: أن أمر القبلة قد استقر على هذا البيت فلا ينسخ بعد اليوم فصلوا إليه أبدا فهو قبلتكم. قال: ويحتمل أنه علمهم سنة موقف الإمام وأنه يقف في وجهها دون أركانها وإن كانت الصلاة في جميع جهاتها مجزئة. هذا كلام الخطابي. ويحتمل معنى ثالثا وهو أن معناه: هذه الكعبة هي المسجد الحرام الذي أمرتم باستقباله لا كل الحرم ولا مكة ولا المسجد الذي حول الكعبة بل هي الكعبة نفسها فقط». قال الحافظ في «التلخيص» بعد أن ذكر هذا الاحتمال عن النووي: «وهو احتمال حسن بديع». وأما الاحتمال المذكور عن الخطابي فقد نقله الشيخ علي القاري في «المرقاة» عن قول الطيبي ولعله أخذه عن الخطابي ثم تعقبه القاري بقوله: «قلت: هذا إنما يتم في الجملة لو كان صلى صلاة فرض جماعة».

стр. 1055

وهو تعقب قوي كما ترى فلم يبق إلا المعنى الأول والاحتمال الذي قاله النووي وهو المتبادر لنا من الحديث. والله أعلم. وقد نقل غير واحد الاتفاق على وجوب استقبال عين الكعبة للمشاهد ففي «تفسير القرطبي»: «لا خلاف بين العلماء أن الكعبة قبلة في كل أفق، وأجمعوا على أن من شاهدها وعاينها فرض عليه استقبالها وأنه إن ترك استقبالها وهو معاين لها وعالم بجهتها فلا صلاة له وعليه إعادة كل ما صلى. ذكره أبو عمر». وقال ابن حزم: «ولا خلاف بين أحد من الأمة في أن امرءا لو كان بمكة بحيث يقدر على استقبال الكعبة في صلاته فصرف وجهه عامدا عنها إلى أبعاض المسجد الحرام من خارجه أو من داخله فإن صلاته باطلة وأنه إن استجاز ذلك كافر. قال: وأما المريض والجاهل والخائف والمكره فإن الله تعالى يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقال رسول الله ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». وقد اتفقت كلمة ابن حزم وأبي عمر بن عبد البر على نقل الإجماع في بطلان صلاة من ترك استقبال الكعبة عمدا. وقد سبق الكلام على ذلك قبيل هذا الحديث الذي كنا بصدد الكلام حوله. [الثمر المستطاب (٢/ ٨٤٤)]. من كان غير مشاهد للكعبة ولم يعرف موضعها فيكفيه أن يستقبل الجهة التي هي فيها «وأما من كان غير مشاهد لها ولم يعرف موضعها فيكفيه أن يستقبل الجهة التي هي فيها لقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ وقوله ﵊: «ما بين المشرق والمغرب قبلة». [صحيح بشواهده].

стр. 1056

ثم قال البيهقي: «والمراد به - والله أعلم - أهل المدينة ومن كانت قبلته على سمت من أهل المدينة فيما بين المشرق والمغرب، وذلك ينطبق على من كان في الشمال والجنوب، وأما من كان في الشرق والغرب فقبلته ما بين الشمال والجنوب». وقال الصنعاني في «سبل السلام»: «والحديث دليل على أن الواجب استبقال الجهة لا العين في حق من تعذر عليه العين وقد ذهب إليه جماعة من العلماء لهذا الحديث». قلت: وعليه علماؤنا الحنفية قال في «المجموع»: «وحكاه الترمذي عن عمر بن الخطاب وعن علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر وابن المبارك». وقد نقل القرطبي في «تفسيره» إجماع العلماء (١) على ذلك وفيه نظر فقد ذكر النووي أن الصحيح عند الشافعية أن الواجب إصابة عين الكعبة. قال: «وبه قال بعض المالكية ورواية عن أحمد». قلت: وهذا مخالف للمنقول عن الصحابة ولهذا الحديث. ثم قال الصنعاني: «ووجه الاستدلال به على ذلك أن المراد أن بين الجهتين قبلة لغير المعاين ومن في حكمه لأن المعاين لا تنحصر قبلته بين الجهتين المشرق والمغرب بل في كل الجهات في حقه سواء متى قابلت العين أو شطرها». وقال العلامة أبو الطيب صديق حسن في «الروضة الندية» ما نصه: «أقول: استقبال القبلة هو من ضروريات الدين فمن أمكنه استقبال القبلة تحقيقا فذلك الواجب عليه مثل القاطن حولها المشاهد لها من دون قطع مسافة ولا تجشم مشقة، ومن لم يكن كذلك ففرضه استقبال الجهة، وليس المراد من تلك الجهة الكعبة على الخصوص بل المراد ما أرشد إليه ﷺ من كون بين المشرق والمغرب

стр. 1057

قبلة، فمن كان في جهات اليمن وعرف جهة المشرق وجهة المغرب توجه بين الجهتين فإن تلك الجهة هي القبلة، وكذلك من كان بجهة الشام يتوجه بين الجهتين من دون إتعاب للنفس في تقدير الجهات فإن ذلك ... (١). [الثمر المستطاب (٢/ ٨٤٧)]. إن صلى المصلي إلى غير القبلة لغيم أو غيره بعد الاجتهاد والتحري جازت صلاته، ولا إعادة عليه قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٤: وإن صلى إلى غير القبلة لغيم أو غيره بعد الاجتهاد والتحري جازت صلاته، ولا إعادة عليه. وقال في أصل الصفة: وقال جابر ﵁: كنا مع رسول الله ﷺ في مسيرةٍ أو سريَّة، فأصابنا غيم، فتحرَّينا واختلفنا في القبلة؛ فصلى كلُّ رجل منا على حدة، فجعل أحدنا يخطُّ بين يديه؛ لنعلم أمكنتنا، فلما أصبحنا؛ نظرناه، فإذا نحن صلينا على غير القبلة، فذكرنا ذلك للنبي ﷺ ، [فلم يأمرنا بالإعادة]، وقال: «قد أجزأت صلاتكم». قلت: وهو مذهب أحمد وغيره؛ فقد قال الترمذي - بعد أن ساق حديث عامر بن ربيعة -: وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى هذا. قالوا: إذا صلى في الغيم لغير القبلة، ثم استبان له بعدما صلى أنه صلى لغير القبلة؛ فإن صلاته جائزة. وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق. وكلامهما في ذلك مذكور في «مسائل المروزي» عنهما، وفي «مسائل عبد الله» عن أبيه.

стр. 1058

قلت: وهو الصحيح من مذهب الحنفية - كما في «الهداية» -، خلافاً للشافعية؛ فإن الأصح عندهم - كما قال النووي «٣/ ٢٥٥» - أنه: «تجب الإعادة؛ إن تيقن الخطأ». وعليه يدل كلام الشافعي في «الأم» «١/ ٨٢». والصواب: ما ذهب إليه الأولون للأحاديث التي ذكرنا، ولحديث صلاة أهل قباء نحو بيت المقدس، واستدارتهم إلى الكعبة - كما يأتي قريباً -. وإلى هذا ذهب الصنعاني. [أصل صفة الصلاة (١/ ٧٢)]. تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة وكان ﷺ يصلي نحو بيت المقدس -[والكعبة بين يديه]- قبل أن تنزل هذه الآية: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤]. فلما نزلت؛ استقبلَ الكعبة. فبينما الناس بقُباء في صلاة الصبح؛ إذ جاءهم آتٍ، فقال: إنَّ رسول الله ﷺ قد أُنزل عليه الليلة قرآن، وقد أُمِرَ أن يستقبل الكعبة؛ [ألا] فاستقبلوها. وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا، [واستدار إمامهم حتى استقبل بهم القبلة]. «١» ورد ذلك كله في أحاديث صحيحة: الحديث الأول: عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يصلي نحو بيت المقدس، فنزلت: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾. فمرّ رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر، وقد صلوا ركعة فنادى: ألا إن القبلة قد حُوِّلَتْ. فمالوا كما هم نحو القبلة. أخرجه مسلم «٢/ ٦٦»، وأبو داود «١/ ١٦٤ - ١٦٥»، وعنه البيهقي «٢/ ١١»، وابن سعد «١/ ٢٤٢»، وأحمد «٣/ ٢٨٤»، والحازمي في «الاعتبار» «٤٣» عن حماد عن ثابت - زاد أبو داود: وحميد - عنه.

стр. 1059

الثاني: حديث ابن عمر قال: بينما الناس بقباء ... الحديث. وفي آخره: فاستداروا إلى الكعبة. أخرجه البخاري «١/ ٤٠٢ و ٨/ ١٤١»، ومسلم، ومالك «١/ ٢٠١»، ومن طريقه محمد في «موطئه» «١٥٢»، والشافعي في «الأم» «١/ ٨١ - ٨٢»، وعنه البيهقي «٢/ ٢»، والنسائي أيضاً «١/ ٨٥ و ١٢٢»، والدارمي «١/ ٢٨١»، والدارقطني «١٠٢»، وأحمد «٢/ ١٥ - ١٦ و ٢٦ و ١٠٥ و ١١٣» من طرق عن عبد الله بن دينار عنه. والسياق للبخاري. والزيادة الأولى هي عنده في رواية. وأما الرواية الأخرى؛ فهي في حديث آخر، وهو: الثالث: عن سهل بن سعد: أن النبي ﷺ . كان يصلي قِبَل بيت المقدس، فلما حُوِّلَ؛ انطلق رجل إلى أهل قباء، فوجدهم يصلون صلاة الغداة، فقال: إن رسول الله ﷺ أمر أن يصلى إلى الكعبة. فاستدار إِمامُهم؛ حتى استقبل بهم القبلة. قال الهيثمي «٢/ ١٤»: «رواه الطبراني في الكبير» «٣/ ١٠٨/٢» [٦/ ١٦٢/٥٨٦٠]» ورجاله موثقون. قلت: وأخرجه أيضاً الدارقطني «١٠٢» من طريق عبيد الله بن موسى: ثنا عبد السلام بن حفص عن أبي حازم عنه به. وهذا سند جيد؛ رجاله رجال الستة، غير عبد السلام هذا، وقد روى عنه جمع، ووثقه ابن معين. وقد جاء بيان كيفية التحول الوارد في هذا الحديث في حديث آخر بأوضح منه، وهو: الحديث الرابع: عن تُوَيلة - بالمثناة الفوقية مصغراً - بنت أسلم قالت: إنَّا لَبِمَقَامِنا نصلي في بني حارثة، فقال عباد بن قبطي: إن رسول الله ﷺ قد استقبل البيتَ الحرامَ والكعبةَ. فتحول الرجالُ مكان النساءِ، والنساءُ مكان الرجالِ؛ فصلوا الركعتين الباقيتين نحو الكعبة.

стр. 1060

قال الهيثمي: «رواه الطبراني في الكبير». ورجاله موثقون. قلت: وعزاه الحافظ في «الفتح» «١/ ٣٩٩ و ٤٠٢» لابن أبي حاتم، وسكت عليه. فالعهدة عليهما؛ فإني رأيت الحافظ قد ذكره في «الإصابة» في ترجمة تويلة، فقال: «روى حديثها الطبراني من طريق إبراهيم بن حمزة الزبيري عن إبراهيم بن جعفر ابن محمود بن محمد بن مسلمة عن أبيه عن جدته أم أبيه تُويَلة بنت أسلم - وهي من المبايعات - قالت: ... » فذكر الحديث. وهذا إسناد رجاله ثقات، غير إبراهيم بن جعفر هذا؛ فإني لم أجد من ذكره، وأظن أنه في كتاب «الثقات» لابن حبان؛ فإنه عمدة الهيثمي فيمن يوثقه في «المجمع» ممن لا ذكر لهم في الكتب المشهورة. والله أعلم. ثم قال الحافظ - بعد أن ساق القطعة الأخيرة من حديث تُويلة -: قلت: وتصويره: أن الإمام تحول من مكانه في مقدم المسجد إلى مؤخر المسجد. لأن من استقبل الكعبة؛ استدبر بيت المقدس. وهو لو دار كما هو في مكانه؛ لم يكن خلفه مكان يسع الصفوف. ولَمَّا تحول الإمام؛ تحولت الرجال حتى صاروا خلفه، وتحوّلت النساءُ حتى صِرْنَ خلف الرجالِ. وهذا يستدعي عملاً كثيراً في الصلاة؛ فيحتمل أن يكون ذلك وقعَ قبل تحريم العمل الكثير - كما كان قَبْلَ تحريم الكلام -. ويحتمل أن يكون اغْتُفِرَ العملُ المذكور؛ من أجل المصلحة المذكورة، أو لم تَتَوَالَ الخُطى عند التحول؛ بل وقعت مفرقة. والله أعلم. ثم إن هذه القصة التي روتها تويلة هي غير قصة أهل قباء؛ بدليل أن هذه كانت في بني حارثة، وكانت الصلاة رباعية، وتلك كانت في بني عمرو بن عوف، وهم أهل قباء وكانت الصلاة ثنائية وهي صلاة الصبح - كما سبق -.

стр. 1061

ويشهد لما ذكرنا حديث البراء بن عازب، وهو: الحديث الخامس: قال: كان رسول الله ﷺ [لما قدم المدينة] صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، وكان رسول الله ﷺ يحب أن يُوَجَّهَ إلى الكعبة؛ فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾؛ فتوجه نحو الكعبة. وقال السفهاء من الناس «وهم اليهود»: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ يَهْدِيْ مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيْمٍ﴾. فصلى مع النبي ﷺ رجل، ثم خرج بعدما صلى، فمرَّ على قوم من الأنصار في صلاة العصر نحو بيت المقدس، فقال: هو يشهد أنه صلى مع رسول الله ﷺ ، وأنه توجه نحو الكعبة. فَتَحَرَّفَ القوم حتى توجهوا نحو الكعبة. أخرجه البخاري «١/ ٧٩ - ٨١ و ٣٩٩ - ٤٠٠ و ٨/ ١٣٨ - ١٣٩»، - واللفظ له، إلا الرواية الثانية؛ فهي للترمذي -، ومسلم «٢/ ٥٥ و ٦٦»، والنسائي «١/ ٨٥ و ١٢١»، والترمذي «٢/ ١٦٩ - ١٧٠» - وقال: «حسن صحيح» -، وابن ماجه «٣١٧»، والدارقطني «١٠٢»، والبيهقي «٢/ ٢ - ٣»، والطيالسي «٩٨»، وأحمد «٤/ ٢٨٣ و ٢٨٩ و ٣٠٤» من طرق عن أبي إسحاق عنه؛ صرح في بعضها بسماعه منه. فهذا شاهد قوي لرواية تويلة: أن الصلاة كانت صلاة العصر. قال القاضي أبو بكر ابن العربي في عارضة الأحوذي شرح الترمذي «٢/ ١٣٩»: ووجه الجمع بين اختلاف الرواية في الصبح والعصر: أن الأمر بلغ إلى قوم في العصر، وبلغ إلى أهل قباء في الصبح. وذكر مثله الحافظ ابن حجر في «الفتح». [أصل صفة الصلاة (١/ ٧٤)]

стр. 1062

من كان في صلاة فعلم أنه قد اخطأ القبلة؛ فعليه أن يستدير فيها نحوها قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٥: وإذا جاءه من يثق به وهو يصلي فأخبره بجهتها فعليه أن يبادر إلى استقبالها. وصلاته صحيحة. وقال في أصل الصفة: من كان في صلاة فعلم أنه قد اخطأ القبلة؛ فعليه أن يستدير فيها نحوها، ولو تكرر ذلك مراراً - كما قال به علماؤنا -، وقال الإمام محمد في «الموطأ» - بعد أن ساق الحديث -: «وبهذا نأخذ فيمن أخطأ القبلة حتى صلى ركعة أو ركعتين، ثم علم أنه يصلي إلى غير القبلة؛ فليحرف إلى القبلة، فيصلي ما بقي، ويعتد بما مضى. وهو قول أبي حنيفة ﵀». [أصل صفة الصلاة (١/ ٧٨)] الدليل على شرطية استقبال القبلة في الصلاة مداخلة: التوجه إلى القبلة شرط من شروط صحة الصلاة، كما يذكر يعني في الكتب الثابتة، أيش الدليل على هذه المسألة؟ الشيخ: ما فيه معنا دليل بالمعنى الأصولي، إلا شيئاً كنت قرأته ما أدري من ثلاثين أو أربعين سنة، إذا أمر الله بشيء، هذا الشيء ليس مأموراً به إلا في خصوص الشيء الذي هو جزء منه، فهذا دليل شرطية، مفهوم هذا الكلام أم فيه غموض؟ مداخلة: مفهوم.

стр. 1063

الشيخ: يعني: لسنا مأمورين بالاستقبال إلا في الصلاة، فإذا كنا نجلس لسنا مأمورين باستقبال القبلة، وهكذا قِس على ذلك. فإذا أمر الله بشيء مثل هذا، لخصوص الأمر الذي هو جزء منه، فهذا قرينة على أنه هذا الأمر جزء من أجزائه، وركن من أركانه. وكذلك يقال بالنسبة للركوع والسجود، ما فيه عندنا أدلة على الطريقة التي نفهمها أنه لا صلاة لمن لم يركع، لا صلاة لمن لم يسجد، ما فيه عندنا هيك أدلة أبداً، لكن أخذت هذه الأدلة من الأوامر التي هي خاصة بالصلاة. مداخلة: فلا تكون إلا في الصلاة. الشيخ: نعم. مداخلة: ولا تتم الصلاة إلا بها. الشيخ: وهناك شيء آخر ممكن أن نَدْعَم فيه ما سبق، وهو: تَتَابُع المسلمين واتفاقهم على كون هذا الشيء ركناً يكفينا حجة. وليس من الضروري أن يكون عندنا نص صريح نفهمه نحن. مداخلة: ... القرآن يا سيدي؟ الشيخ: أيش هو يا سيدي؟ مداخلة: سنولينك ... الشيخ: البحث، ليس أنه فيه أمر في القرآن باستقبال القبلة أم لا، سامحك الله! ليس البحث أنه هل هناك أمر باستقبال القبلة في الصلاة أم لا يوجد أمر، ليس البحث في هذا، البحث: هل الأمر هذا يفيد الركنية أم لا؟ إن شاء الله، وضح لك؟ مداخلة: نعم. (الهدى والنور /١٣٥/ ٢٨: ٥٣: ٠٠)

стр. 1064

حكم استخدام البوصلة في تحديد القبلة مداخلة: ما حكم تحديد القبلة بالبوصلة الحديثة التي فيها أرقام تبين رقم كل قطر أو إقليم فتحدد القبلة على ضوئها؟ الشيخ: هذه وسيلة .. هذه طبعاً يجوز الاعتماد عليها ... [وسيلة] علمية دقيقة لتحديد الجهات الأربعة أولاً، ثم أخيراً عنده حسابات دقيقة مكن المسلمين من أن يعرفوا القبلة من أي بلد كان في العالم طبعاً تحديداً أقرب ما يكون إلى الواقع وليس تحديداً بحيث يصيب عين الكعبة، وإذا كان النبي ﷺ يقول: «ما بين المشرق والمغرب قبلة» ففيه توسعة على الغائبين عن عين الكعبة ما بعدها توسعة، فهذه البوصلة هي تقرب تحديد الكعبة إلى ما يكاد أن يكون كأنه يشاهدها وليس كذلك؛ ولهذا فالاعتماد عليها أرى أنها من الوسائل العلمية حديثاً، وأنا هنا أُهديت إلي آلة جديدة لتحديد القبلة، لكن تبينت مع دقتها أنها غير صالحة؛ ولذلك فأريد أن أضيف إلى ما سبق من صحة الاعتماد على البوصلة أنه قد تنتج الآلات وسائل حديثة لتحديد القبلة فينبغي ألا يعتمد عليها إلا قبل تجربتها تجارب متعددة حتى تصبح دلالاتها كدلالة البوصلة التي مضى عليها سنين طويلة وهي لا [تخطئ] ولا تخالف، هذا ما عندي. (رحلة النور: ٠٥ أ/٠٠: ٣٩: ٣٧) حكم أخذ البوصلة في الرحلة لتحديد القبلة الملقي: يسأل السائل هنا شيخنا يقول: [حكم] أَخْذِ البوصلة، أخذها في الرحلات من أجل تحديد القبلة لمن لا يعرف الجهات الأربعة، أو تحديدها أو غير ذلك؟ الشيخ: واجب. (الهدى والنور /٥٣٠/ ٠٣: ٠٢: ٠١)

стр. 1065

كيف نعرف القبلة في العراء أو في الصحراء الشيخ: بقيت هناك مسألة طُلب مني بيانها قبيل الصلاة وهي: كيف نتمكن من معرفة سمت القبلة ووجهتها حينما نكون في العراء أو في الصحراء، ليس هناك مسجد وُجِد في ذلك المكان، وقد يوجد المسجد ويكون قبلته منحرفة عن بيت الله الحرام، فما هي الطرق، ما هي الوسائل؟ تعلمون جميعاً أن ما يُعرف اليوم بالبوصلة وتعرف في زمن الأتراك حتى في البلاد العربية «بالقبلة نامة» اسم أجنبي طبعاً عن العربية، وهو ترجمته: «الدالة على القبلة» قبل أن توجد هذه الآلة كيف كان يعرف المسلمون الأولون وهم مسافرون ما بين مكة والمدينة والطرق متعرجة بهم بلا شك، وما بين المدينة وتبوك مثلاً في غزوة تبوك، كيف كانوا يعرفون اتجاه القبلة في تلك الصحارى والأرض القفر؟ ذلك يمكن بسهولة لمن كانت له عناية بأن يتعرف على معرفة وسائل الاهتداء إلى القبلة، مما لا شك فيه أن ذلك يختلف باختلاف مواقع البلاد التي نحن نكون فيها، فمثلاً: خروجهم من المدينة إلى تبوك، من الواضح لدى هؤلاء الناس جميعاً أنهم خرجوا شمالاً لكن لما ذهب الدعاة الإسلاميون إلى اليمن مثلاً كمعاذ بن جبل وعلي بن أبي طالب وأبي موسى الأشعري فهم يذهبون جنوباً، فيختلف حينئذٍ معرفة القبلة بين الذي توجه شمالاً وبين الذي توجه جنوباً، كما أنه يختلف الأمر بين الذي ذهب شرقاً وبين الذي ذهب غرباً، ومعنى هذا أن المسلم يجب أن يعرف بفطرته أو بعلمه الجهات الأربعة يجب أن يعرف الشرق والغرب والشمال والجنوب، وهذا ليس من علم الجغرافيا أو علم الفلك الذي ينبغي أن يتعلمه المسلم كما يتعلم سائر العلوم النظرية، هذه معرفة الجهات أمر فطري يشترك في معرفته القارئ والأمي؛ لأنه يرى الشمس تشرق من هاهنا وتغرب من هاهنا، وحينما تشرق يراها تميل إلى الجنوب وليست تميل إلى الشمال، ثم يراها أن ميلانها إلى الجنوب يختلف باختلاف الفصول، فهو مثلاً: في الصيف ... كما نحن في زمننا في وقتنا في يومنا هذا نكاد نرى الشمس فوق رأسنا في الظهيرة، بينما في الشتاء نرى

стр. 1066

الشمس مائلة إلى الجنوب، هذه أمور من تنظيم الله بحكمته البالغة لهذه الكواكب من أجل فائدة البشر كما قال: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] فمن فائدة الشمس أننا نستدل بها على جهة القبلة في أي مكان كنا، لكن كما قلت آنفاً في فرق بين أن نكون نحن بالنسبة للقبلة للكعبة شمالها وبين أن نكون جنوبها. نحن الآن في واقعنا هنا في شمال الكعبة، لكي نعرف القبلة حيثما كنا يجب أن نحدد جهة الشرق وجهة الغرب، وهذا أمر سهل حينما تكون الشمس طالعة، فإذا أردنا أن نعرف جهة الكعبة حينما تدركنا صلاة الظهر مثلاً أو الجمعة، فقبل كل شيء نحدد إذاً جهة المشرق والمغرب، نضع يدنا الشمال إلى جهة الشرق فتكون يدنا اليمنى إلى جهة الغرب، ويكون أمامنا الجنوب، هنا الآن يوجد بحث فيه شيء من الدقة. الجغرافيون يقسمون الأرض إلى خطوط وهمية ذهنية لكن يبنون عليها حقائق علمية مهمة، منها مما يهمنا نحن الآن الخطوط التي يسمونها: بخطوط الطول وهي متصلة من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي، هذه الخطوط عليها بلاد الدنيا كلها، نفترض الآن أن الخط الوهمي المستقيم من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي يمر خط من هذه الخطوط بلا شك في المسجد الحرام في مكة، فالذين يقعون في هذا الخط شمالاً وجنوباً، الذين هم شمال بيت الله الحرام يستقبلون الكعبة مباشرة دون أن ينحرفوا يميناً أو يساراً؛ لأن المفروض الآن أن البلد التي نحن فيها هي بنفس خط الطول الذي يقع فيه المسجد الحرام أو مكة، وعلى العكس من كان جنوب مكة فهو يستقبل الآن الشمال؛ لأن القبلة أو الكعبة شماله هذا أمر واضح، لكن الفرق الآن أن هذا خط الطول الذي أخيله لكم يمشي أمامي ومن خلفي، لكن قد تكون الكعبة بالنسبة لبعض البلاد يميناً أو يساراً، هنا يحتاج الأمر إلى شيء مما يتعلق بعلم الجغرافيا، يعني: بأن تعرف أن بلدك واقعة في أي خط؟ أنا أضرب لكم مثلاً الآن واضحاً جداً: نحن هنا في عمّان العراق بالنسبة إلينا تقع في الشرق، مثلاً: مصر تقع بالنسبة إلينا غرب جنوب أو جنوب غربي أو غرب

стр. 1067

جنوبي تعبير ليس محدود، إذاً لو فرضنا الآن بالنسبة إلينا الكعبة في العراق نستقبل ماذا؟ مداخلة: الشرق. الشيخ: الشرق، الكعبة في مصر نستقبل ماذا؟ جنوب غربي وهكذا، الآن تصوروا أنتم أنفسكم في مصر، مصر بالنسبة للقبلة تقع القبلة بالنسبة لهم شرقاً، مثل: جدة تماماً، من لم يذهب منكم إلى مصر فقد ذهب ولا بد إن شاء الله إلى جدة، فجدة الذين يصلون ويستقبلون المسجد الحرام يستقبلون الشمس تماماً يستقبلون الشرق يعني، فإذاً الدنيا هكذا كل بلادها تحيط بالكعبة كدائرة، ولذلك فالذي يريد أن يحدد جهة الكعبة لا بد أن يكون في ذهنه معرفة موقعه هو هل هو شمال الكعبة أو جنوبها، ثم إذا كان شمالها كما نحن هل هو شمال تماماً على خط الطول، أو منحرف عشر درجات عشرين درجة ثلاثين درجة، إذا عرف هذا الفارق من حيث خطوط الطول سهل عليه بعد ذلك أن يعرف جهة القبلة. وإذا تحدَّدت عنده جهة القبلة سهل عليه بعد ذلك معرفة دخول وقت الصلوات صلاة الظهر وصلاة العصر؛ لأنك إن لم تحدد جهة القبلة لا تستطيع أن تعرف وقت الظهر مثلاً؛ لأن وقت الظهر كما هو معروف في كتب الفقه هو: إذا زالت الشمس عن وسط السماء لكن وسط السماء زوال الشمس يختلف باختلاف المواطن التي أنت فيها، فزوال الشمس وأنت في اليمن غير زوال الشمس وأنت في مصر وأنت في العراق وأنت هاهنا، فهنا حينما تزول الشمس يجب أن تكون قد راقبت طلوع الشمس وارتفاعها، حينما تلاحظ ارتفاع الشمس تلاحظ أن ظل الشيء يتناقص ويتناقص ويتناقص، أظن أنتم معي في هذا التخيُّل. مداخلة: نعم. الشيخ: أما القضايا الأخرى قد تكون خافية على البعض، فحينما يظل هذا الظل ظل الشاخص يتناقص ويتناقص، فإذا رأيته وقف تناقصه ولو لحظات، فهذا ما يُعرف عند الفقهاء بوقت الكراهة أي: قبل الزوال فلا يجوز في هذه اللحظة

стр. 1068

الصلاة؛ لأنه وقت تُسَعَّر فيه جهنم كما جاء في الحديث، فإذا رأيت هذا الظل قد بدأ يطول، فهذا معنى دخول وقت الظهر، لكنك إذا لم تحدد الجهة في المشرق والمغرب لا تعرف أن هذا وقت الطول هو هذا وقت الزوال وإلا ليس كذلك. هذا وقت الظهر إذاً: نعرفه بعد أن استمر ظل الشيء يتقاصر ويتقاصر حتى يقف لا ترونه طال ولا قَصُر، هذا وقت كراهة الصلاة، فإذا طال قليلاً حينذاك دخل وقت الظهر وخرجنا عن وقت الكراهة. آتي لوقت العصر: حينما وقف ظل الشيء عن التقاصر وعن التطاول، هذا الوقوف .. هذا الظل الواقف يُعرف عند الفقهاء بفيء الزوال، فيء الزوال هذا يجب أن تستحضروا حقيقة طبيعية أنه يطول ويقصر، قلنا آنفاً: إن الشمس الآن تكاد تكون على رأسنا وبذلك يكون الظل قصير جداً، ولهذا هذا الظل ظل الزوال الذي هو فيء الزوال عند الفقهاء لا يرى في خط الاستواء؛ لأن العمود .. العصا الواقعة عمودياً في وسط خط الاستواء يظل الظل يتقاصر ويتقاصر حتى يركب نفسه يعني: لا يبقى لهذا ظل، فإذا ظهر قليلاً معناه أصبح وقت الظهر أي: زالت الشمس عن وقت الكراهة ودخل وقت الظهر، هذا في خط الاستواء، أما الخطَّين اللذَينِ هما حوالي خط الاستواء ماذا يسموه؟ مداخلة: الجدي والسرطان. الشيخ: الجدي والسرطان، هذان يطول ظل هذا الزوال ويختلف طوله باختلاف الفصول كما قلنا، الآن: فيء هذا الشاخص الذي نتخيله الآن قصير، لكن في الشتاء حينما تميل الشمس إلى نحو الجنوب يبقى هذا الفيء طويلاً، فإذا أردنا أن نعرف وقت العصر، وقت العصر كما جاء في الأحاديث إذا صار ظل الشيء مثله مع فيء الزوال. مداخلة: المثلين.

стр. 1069

الشيخ: لا المثلين هذا مذهب لا نرضاه، المثلين هذا مذهب أبي حنيفة وخالفه فيه أصحابه، الشاهد: النص في الحديث وقت العصر إذا صار ظل الشيء مثله زائد فيء الزوال، ما معنى هذا الكلام؟ نفترض عندنا الآن هنا شاخص طوله متر نصبناه لنعرف وقت الظهر فتتبعنا ظله وإذا به يقصر يقصر، إلى أن وقف عند طول الظل تقريباً عشر سنتي، بعد عشر سنتي طال ربع سنتي مثلاً معناه: صار وقت الظهر. الآن نحن نضع في بالنا أن طول فيء الزوال قدر ماذا؟ عشر سنتي، هذا الشاخص عندما نراه ضرب الظل نحو الشرق متر زائد عشر سنتي معناه: صار وقت العصر. يوجد مذهب آخر أشار إليه الأستاذ هنا: إذا صار ظل الشيء مثليه يعني: مترين زائد عشر سنتي .. مداخلة: عشرين .. الشيخ: لا، الفيء لا يتضاعف .. مترين زائداً عشرة سنتي يكون صار وقت العصر عند أبي حنيفة ﵀ ومن تبعه ويسموه هذا العصر الثاني، لكن الذي جاءت فيه الأحاديث هو لا يوجد غير عصر واحد وهو: إذا صار ظل الشيء مثله زائداً فيء الزوال، فيء الزوال في وقت الشتاء يصير متر فأصبح في ذلك الوقت تريد أن تحط متر زائد متر حينئذٍ يكون صار وقت العصر. فهذه قضايا في الواقع يجب يعني: طلاب العلم على الأقل يعرفوها حتى يستدلوا بها أولاً: على جهة القبلة، وثانياً: على التعرف على وقت الظهر والعصر، أما بقية الأوقات فهي أسهل بلا شك؛ لأنه تعرفون الفجر وقته عندما يمتد النور إذا في الشرق ممتد من الشمال إلى الجنوب هذا يراه كل إنسان، وقت المغرب عند غروب الشمس وهذا أيضاً يعرفه البدوي مثل الحضري. (الهدى والنور / ١٤/ ٥١: ١٠: .. )

стр. 1070

حديث (ما بين المشرق والمغرب قبلة) هذا لأهل المدينة وكل بلد بحسبه الشيخ: مقصد الرسول ﷺ «ما بين المشرق والمغرب قبلة» بالنسبة للمدينة، لكن بالنسبة لِجُدَّة مثلاً، ما بين الجنوب والشمال هو قبلتهم، لا يعني الرسول ما بين المشرق والمغرب قبلة بالنسبة لكل سكان الأرض، هذا يعرفه أهل العلم. (الهدى والنور / ٩٣/ ٥٤: ١٩: .. )

стр. 1071

حكم الكلام في الصلاة وحكم استماع المصلي لمن ليس في صلاة

стр. 1072

سنية رد المصلي السلام إشارةً ونسخه لفظًا عن أبي سعيد الخدري: أن رجلا سلم على رسول الله ﷺ وهو في الصلاة، فرد النبي ﷺ بإشارة، فلما سلم قال له النبي ﷺ : «إنا كنا نرد السلام في صلاتنا، فنهينا عن ذلك». ترجمه الإمام بقوله: سنية رد المصلي السلام إشارةً ونسخه لفظًا. ثم قال: من فقه الحديث: وفي الحديث دلالة صريحة على أن رد السلام من المصلي لفظا كان مشروعا في أول الإسلام في مكة، ثم نسخ إلى رده بالإشارة في المدينة. وإذا كان ذلك كذلك، ففيه استحباب إلقاء السلام على المصلي، لإقراره ﷺ ابن مسعود على إلقائه، كما أقر على ذلك غيره ممن كانوا يسلمون عليه وهو يصلي، وفي ذلك أحاديث كثيرة معروفة من طرق مختلفة، وهي مخرجة في غير ما موضع. وعلى ذلك فعلى أنصار السنة التمسك بها، والتلطف في تبليغها وتطبيقها، فإن الناس أعداء لما جهلوا، ولاسيما أهل الأهواء والبدع منهم. السلسلة الصحيحة (٢/ ١/ ٩٩٩). جواز الإشارة اليسيرة في الصلاة ونحوها [روي عن النبي ﷺ أنه قال]: «من أشار في صلاته إشارة تفهم عنه، فليعد لها. يعني الصلاة». منكر. أخرجه أبو داود «٩٤٤» والطحاوي «١/ ٢٦٣» والدارقطني «١٩٥ - ١٩٦» وعنه البيهقي «٢/ ٢٦٢» من طريق محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة بن الأخنس عن أبي غطفان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره. وقال أبو داود: «هذا الحديث وهم». وقال الدارقطني: قال لنا ابن أبي داود: أبو غطفان رجل مجهول، ولعل الحديث من قول ابن إسحاق، والصحيح عن النبي ﷺ أنه كان يشير في الصلاة، رواه أنس وجابر وغيرهما عن النبي ﷺ قال الدارقطني: رواه ابن عمر وعائشة أيضا. قلت: أبو غطفان قد وثقه ابن معين والنسائي وابن حبان، وروى عنه جماعة من الثقات، ولم يقل فيه مجهول غير ابن أبي

стр. 1073

داود، فهو ثقة كما قال الحافظ في «التقريب». وإنما علة الحديث ابن إسحاق وهو مدلس وقد عنعنه. ومن الغرائب قول الزيلعي في «نصب الراية» «٢/ ٩٠»: «حديث جيد»! مع أنه حكى عن ابن الجوزي أنه أعله في التحقيق بهذه العلة، والتي قبلها ثم ذكر أنه: «تعقبه صاحب التنقيح في الأولى، دون الأخرى. وأن الإمام أحمد سئل عن الحديث، فقال: لا يثبت إسناده، ليس بشيء». وسلم بذلك الزيلعي ولم يتعقبه بشيء، ولا مجال لذلك. وهو قد استدل به لما جاء في «الهداية» على المذهب الحنفي: «ولا يرد السلام بلسانه، ولا بيده لأنه كلام معنى، حتى لو صافح بنية التسليم تبطل صلاته». وهذا مع أنه لا دليل عليه سوى هذا الحديث، وقد تبين ضعفه، فإنه مخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة عنه ﷺ أنه كان يشير في الصلاة، ولذلك فهو حديث منكر، وفي كلام ابن أبي داود السابق إشارة إلى ذلك. ولهذا قال عبد الحق الإشبيلي في «أحكامه» عقبه «رقم ١٣٧٠»: والصحيح إباحة الإشارة على ما ذكر مسلم وغيره. يعني من حديث جابر في رد السلام إشارة، وهو مخرج في صحيح أبي داود «٨٥٩» وحديث أنس المشار إليه آنفا هو فيه برقم «٨٧١». ولا يدل لهذا المذهب حديث أبي داود مرفوعا: «لا غرار في صلاة ولا تسليم». لما ذكرته في تخريجه في «الأحاديث الصحيحة» «رقم ٣١١»، وقد ذكرت فيه حديث ابن عمر في إشارته ﷺ في الصلاة، فراجعه إن شئت. وأما مصافحة المصلي، فهي وإن لم ترد عن النبي ﷺ فيما علمت، فلا دليل على بطلان الصلاة، لأنها عمل قليل، لا سيما وقد فعلها عبد الله ابن عباس ﵁، فقال عطاء بن أبي رباح: «أن رجلا سلم على ابن عباس، وهو في الصلاة، فأخذ بيده، وصافحه وغمز يده». أخرجه ابن أبي شيبة «١/ ١٩٣/٢» والبيهقي في «سننه» «٢/ ٢٥٩» بإسنادين عن عطاء أحدهما صحيح، والآخر رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير أن فيه عنعنة حبيب بن أبي ثابت. وليس كل عمل في الصلاة يبطلها، فقد ثبت عن عائشة ﵂ قالت: «جئت ورسول الله ﷺ يصلي في البيت، والباب عليه مغلق، فمشى [عن يمينه أويساره] حتى فتح لي ثم رجع إلى مقامه، ووصفت الباب في القبلة». أخرجه

стр. 1074

أصحاب السنن وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان وعبد الحق في «الأحكام» «رقم ١٣٧٤» وإسناده حسن كما بينته في «صحيح أبي داود» «٨٨٥». السلسلة الضعيفة (٣/ ٢٢٥ - ٢٢٧). جواز الإشارة المفهمة في الصلاة «كان ﷺ يصلي، فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فإذا أرادوا أن يمنعوهما أشار إليهم أن دعوهما، فلما قضى الصلاة، وضعهما في حجره، وقال: من أحبني فليحب هذين». [ترجم له الإمام بما ترجمناه به]. السلسلة الصحيحة (١/ ٢/ ٦٢٢). جواز الإشارة بالإذن في الصلاة [قال رسول الله ﷺ ]: «إذا استؤذن على الرجل وهو يصلي فإذنه التسبيح وإذا استؤذن على المرأة وهي تصلي فإذنها التصفيق». [قال الإمام]: وفي الحديث إشارة إلى ضعف الحديث الذي يورده الحنفية بلفظ: «من أشار في صلاته إشارة تفهم عنه، فليعد صلاته». فإن هذا الحديث الصحيح صريح في جواز الإشارة بالإذن بلفظ التسبيح، فكيف لا يجوز ذلك بالإشارة باليد أو الرأس؟ ! لاسيما وقد جاءت أحاديث كثيرة بجواز ذلك وقد خرجت بعضها في «صحيح أبي داود» رقم «٨٥٨، ٨٥٩، ٨٦٠، ٨٧٠». وبينت علة الحديث المذكور في الإشارة المفهمة في «الأحاديث الضعيفة» «١١٠٤» ثم في «ضعيف أبي داود» رقم «١٦٩». السلسلة الصحيحة (١/ ٢/ ٨٩٧).

стр. 1075

مشروعية السلام على المصلي [قال رسول الله ﷺ ]: «إن السلام اسم من أسماء الله تعالى وضعه في الأرض، فأفشوا السلام بينكم». [قال الإمام]: السلام على المصلي كثير من الناس يظنون أنه غير مشروع، بل صرح النووي في الأذكار بكراهته، مع أنه صرح في «شرح مسلم»: «أنه يستحب رد السلام بالإشارة» وهو السنة. فقد جاءت أحاديث كثيرة في سلام الصحابة على النبي ﷺ وهو يصلي فأقرهم على ذلك، ورد ﵈، فأنا أذكر هنا حديثا واحدا منها وهو حديث ابن عمر قال: «خرج رسول الله ﷺ إلى قباء يصل فيه. فجاءته الأنصار فسلموا عليه وهو يصلي، قال: فقلت لبلال: كيف رأيت رسول الله ﷺ يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال: يقول هكذا، وبسط كفه وبسط جعفر بن عون كفه، وجعل بطنه أسفل، وجعل ظهره إلى فوق». وقد ذهب إلى الحديث الإمامان أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه فقال المروزي في «المسائل» «ص ٢٢»: قلت «يعني لأحمد»: يسلم على القوم وهم في الصلاة؟ قال: نعم، فذكر قصة بلال حين سأله ابن عمر، كيف كان يرد؟ قال: كان يشير، قال إسحاق: كما قال: واختار هذا بعض محققي المالكية فقال القاضي أبو بكر بن العربي في «العارضة» «٢/ ١٦٢»: قد تكون الإشارة في الصلاة لرد السلام لأمر ينزل بالصلاة، وقد تكون في الحاجة تعرض للمصلي. فإن كانت لرد السلام ففيها الآثار الصحيحة كفعل النبي ﷺ في قباء وغيره. وقد كنت في مجلس الطرطوشي، وتذاكرنا المسألة، وقلنا الحديث واحتججنا به، وعامي في آخر الحلقة، فقام وقال: ولعله كان يرد عليهم نهيا لئلا يشغلوه! فعجبنا من فقهه! ثم رأيت بعد ذلك أن فهم الراوي أنه كان لرد السلام قطعي في الباب، على حسب ما بيناه في أصول الفقه.

стр. 1076

ومن العجيب أن النووي بعد أن صرح في الأذكار بكراهة السلام على المصلي قال ما نصه: «والمستحب أن يرد عليه في الصلاة بالإشارة، ولا يتلفظ بشيء». أقول: ووجه التعجب أن استحباب الرد فيه أن يستلزم استحباب السلام عليه والعكس بالعكس، لأن دليل الأمرين واحد، وهو هذا الحديث وما في معناه، فإذا كان يدل على استحباب الرد، فهو في الوقت نفسه يدل على استحباب الإلقاء، فلو كان هذا مكروها لبينه رسول الله ﷺ ولو بعدم الإشارة بالرد، لما تقرر أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. وهذا بين ظاهر والحمد لله. ومن ذلك أيضا السلام على المؤذن وقارئ القرآن، فإنه مشروع، والحجة ما تقدم فإنه إذا ما ثبت استحباب السلام على المصلي، فالسلام على المؤذن والقارئ أولى وأحرى. وأذكر أنني كنت قرأت في المسند حديثا فيه سلام النبي ﷺ على جماعة يتلون القرآن، وكنت أود أن أذكره بهذه المناسبة وأتكلم على إسناده، ولكنه لم يتيسر لي الآن. وهل يردان السلام باللفظ أم بالإشارة؟ الظاهر الأول، قال النووي: «وأما المؤذن فلا يكره له رد الجواب بلفظه المعتاد لأن ذلك يسير، لا يبطل الأذان ولا يخل به». السلسلة الصحيحة (١/ ١/ ٣٥٩ - ٣٦١). مشروعية سلام غير المصلي على المصلي [قال رسول الله ﷺ ]: «لا غرار في صلاة، ولا تسليم». [قال الإمام]: فائدة: قال ابن الأثير في «النهاية»: «الغرار» النقصان، وغرار النوم قلته، ويريد بـ «غرار الصلاة» نقصان هيأتها وأركانها، و «غرار التسليم» أن يقول المجيب «وعليك» ولا يقول «السلام»، وقيل: أراد بالغرار النوم، أي ليس في الصلاة نوم. و «التسليم» يروى بالنصب والجر، فمن جره كان معطوفا على الصلاة كما تقدم، ومن نصب كان معطوفا على الغرار، ويكون المعنى: لا نقص ولا تسليم في صلاة، لأن الكلام في الصلاة بغير كلامها لا يجوز. قلت: ومن الواضح أن تفسير الإمام

стр. 1077

أحمد المتقدم، إنما هو على رواية النصب، فإذا صحت هذه الرواية، فلا ينبغي تفسير «غرار التسليم» بحيث يشمل تسليم غير المصلي على المصلي، كما هو ظاهر كلام الإمام أحمد، وإنما يقتصر فيه على تسليم المصلي على من سلم عليه، فإنهم قد كانوا في أول الأمر يردون السلام في الصلاة، ثم نهاهم رسول الله ﷺ ، وعليه يكون هذا الحديث من الأدلة على ذلك. وأما حمله على تسليم غير المصلي على المصلي، فليس بصواب لثبوت تسليم الصحابة على النبي ﷺ في غير ما حديث واحد، دون إنكار منه عليهم، بل أيدهم على ذلك بأن رد السلام عليهم بالإشارة، من ذلك حديث ابن عمر قال: «خرج رسول الله ﷺ إلى قباء، يصلي فيه، قال: فجاءته الأنصار، فسلموا عليه، وهو يصلي، قال: فقلت لبلال: كيف رأيت رسول الله ﷺ يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه، وهو يصلي، قال: يقول: هكذا، وبسط كفه، وبسط جعفر بن عون - أحد رواة الحديث - كفه وجعل بطنه أسفل، وجعل ظهره إلى فوق. أخرجه أبو داود وغيره، وهو حديث صحيح كما بينته في تعليقي على «كتاب الأحكام» لعبد الحق الإشبيلي «رقم الحديث ١٣٦٩»، ثم في «صحيح أبي داود» «٨٦٠» وقد احتج به الإمام أحمد نفسه وذهب إلى العمل به، فقال إسحاق بن منصور المروزي في «المسائل» «ص ٢٢»: قلت: تسلم على القوم، وهم في الصلاة؟ قال: نعم، فذكر قصة بلال حين سأله ابن عمر: كيف كان يرد؟ قال: كان يشير. قال المروزي: «قال إسحاق كما قال». السلسلة الصحيحة (١/ ٢/ ٦٣٠ - ٦٣٢). خلاف أهل العلم في حكم الكلام أثناء الصلاة مداخلة: كنت قد كَلَّفتني أن أبحث للتكلم في الصلاة عامداً؛ لإصلاحها. الشيخ: أي نعم. مداخلة: فوجدت يا شيخنا أن في أقوال عند الإمام مالك، أنه يجوز ذلك ولا تَفْسُد صلاته، وهذا قول «الإمام مالك» في «المدونة».

стр. 1078

أما قوله الآخر الذي رواه أبو قُرَّة قال: لا يجوز ذلك لأحد اليوم. هناك قول ثالث «لابن القاسم» أنه يُفَرِّق بين الجماعة فيجوز الكلام فيها لإصلاح الصلاة، ويمنع المنفرد، فإذا سها وأعلمه من هو خارج الصلاة، فإذا تكلم معه الثاني بطلت صلاته، ولم يوافق «ابن القاسم» آخرون؛ لوجود علة إصلاح الصلاة للمنفرد والجماعة. أما عند الإمام أحمد في رواية «الأثرم» فقال: ما تكلم به الإنسان في صلاته؛ لإصلاحها لم تفسد عليه صلاته، فإن تكلم بغير ذلك فسدت عليه. وقال في موضع آخر: -أي الأثرم- سمعت أحمد بن حنبل يقول في قصة ذي اليدين: إنما تَكَلَّم ذو اليدين، وهو يرى أن الصلاة قد قصرت، وتكلم النبي ﷺ وهو دفع لقول ذي اليدين، فكلم القوم فأجابوه بأنه كان عليهم أن يُجيبوه. وذكر «الخرقى» أن مذهب «أحمد بن حنبل» فيمن تكلم عامداً أو ساهياً بَطُلت صلاته. إلا الإمام خاصة، فإنه إذا تكلم لمصلحة صلاته لم تبطل صلاته. وأما الأوزاعي فمذهبه إيجاز الكلام في الصلاة، في كل ما يحتاج إليه المصلي مما يلزم به. قال الأوزاعي: لو أن رجلاً قال لإمام جهر في القراءة بالعصر، إنها العصر، لم يكن عليه شيء. قال: ولو نظر إلى غلام يريد أن يسقط في بئر، فصاح به، أو انصرف إليه، أو جذبه، لم يكن بذلك بأس. أما «الإمام الشافعي» فإنه يقول مثل قول «الإمام مالك» في رواية «أبي قرة» يعني: أن لا يفعل ذلك أحد اليوم. وأما أبو حنيفة وأصحابُه فذهبوا إلى أن الكلام في الصلاة يُفْسِدها على أيِّ حال كان سهواً أو عمداً، لإصلاح الصلاة كان أو غير ذلك.

стр. 1079

واختلف أصحاب أبو حنيفة في السلام فيها ساهياً قبل تمامها، فأفسدها بعضهم وبعضهم لم يُفْسدها. وهذا الكلام نقلته من «التميهد لابن عبد البر» ورجح ابن عبد البر القول الأول قول الإمام مالك براوية ابن القاسم، أي: يجوز الكلام ولا تفسد صلاته، هذا ما رَجَّحه الإمام ابن عبد البر في كتابه التمهيد. هذا ما لدي يا شيخ. الشيخ: جزاك الله خيراً. مداخلة: وإياك. الشيخ: الذي رَجَّحه ابن عبد البر يلتقي مع قول الأوزاعي؟ مداخلة: الأوزاعي تَوَسَّع في هذا ... الشيخ: أنا لا أسألك توسَّع أم تضايق، يلتقي معه أم يفترق عنه؟ مداخلة: يلتقي معه في نقطة. الشيخ: هذا هو، وهي؟ مداخلة: وهي أنه لإصلاح الصلاة لا مانع من الكلام في ذلك. الشيخ: ليس واضح أيضاً، لإصلاح الصلاة كالمثال الذي سبق ذكره، قال له: أنت تصلي العصر فلا تجهر، هذا يجيزه ابن عبد البر؟ مداخلة: نعم، هذا يجيزه ابن عبد البر. الشيخ: الذي قائم في ذهني، هو إنما ليس مخاطبة المصلي إمامه الذي هو في الصلاة لا، وإنما هو لإصلاح الصلاة التي أفسدها الإمام سهواً، كما يدل على ذلك حديث ذي اليدين وما في معناه.

стр. 1080

فهذا الذي نحن نعتقده ونقطع به، أما المثال والمثال الآخر رأى رجلاً أعمى يكاد يقع في البئر، فيقول له إياك والبئر مثلاً ويمضي في صلاته، فمثل هذا الأمر يحتاج إلى دليل، فهل وجدت فيما قرأت دليلاً يصلح الاعتماد عليه والإفتاء به. مداخلة: لم أجد هذا، وأنقل لك قول ابن عبد البر في دفاعه عن ترجيح مذهب مالك في إصلاح الصلاة فقط. الشيخ: تفضل. مداخلة: قال ابن عبد البر: فإن قيل: فإنكم تُجِيزون الكلام في الصلاة عامداً، إذا كان في شأن إصلاحها، قيل لقائل ذلك: أجزناه من باب آخر، قياساً على ما نُهِي عنه من التسبيح في غير موضعه من الصلاة، وإباحته للتنبيه على ما أغفله المصلي من صلاته من مستدركه واستدلالاً بقصة ذي اليدين أيضاً لذلك، والله أعلم. انتهى كلام ابن عبد البر. الشيخ: ليس في كلامه حجة ناهضة؛ لأن التسبيح ذكر، فالقياس عليه الكلام العادي لا يصلح. مداخلة: نعم، ما الذي ترجحونه يا شيخ؟ الشيخ: ما قلته لك آنفاً، ما يُسْتَفاد من حديث ذي اليدين، إذا الإمام سَلَّم من الصلاة ساهياً، فلبعض المصلين خلفه أن يُنَبِّهوه، وله أن يستوضح كما فعل الرسول ﵇ في قصة ذي اليدين وفي غيرها أيضاً. خلاصة الكلام: أثناء الصلاة لا كلام، أما إذا انتهت الصلاة، وتَبَيَّن أن هناك نقصاً، فحينئذٍ يجوز الكلام؛ لإصلاح الصلاة، ليس في أثناء الصلاة؛ لأنه كما تعلم القاعدة أن الكلام في أثناء الصلاة منهي عنه، وكل ما جاء على خلاف القاعدة، فلا يُزاد عليه وإنما يُوْقَف عنده، مفهوم الكلام إلى هنا؟ مداخلة: نعم.

стр. 1081

الشيخ: فمثلاً ما أفاده حديث ذي اليدين، هذا خلاف مما هو معلوم من النهي عن الكلام، ولكن ما دام وقع وأَقَرّه ﵇، ولم يُبَيّن أن هذا لا يجوز مرة أخرى كما هو المذهب الحنفي، فاستفدنا منه الفائدة التي تضطرنا أن نستثنيها من النهي عن الكلام في الصلاة. أما أن نُلْحِق بها أموراً أخرى ليس عليها أدلة خاصة، وهي هذه المسألة الأخرى تخالف القاعدة من النهي عن الكلام في الصلاة، فهذا نقض للقاعدة بالرأي وبالقياس وهذا لا يجوز. مداخلة: بارك الله فيك. الشيخ: وفيك بارك. (الهدى والنور/٤٣٨/ ٠٠: ٠١: ٠٠) حكم الكلام في الصلاة مداخلة: شيخنا حديث الرسول ﷺ «إن هذه الصلاة إنما تكبير وتسبيح وتحميد وتهليل، لا يصلح فيها شيء من كلام الناس أو من كلام البشر» كيف والوجه الذي استحسنته من قبل الشافعي أو بعض الشافعية بجواز ست كلمات؟ الشيخ: أي نعم، هو يقول: كلام الناس، خذ وأعطي وروح وتعال .. إلى آخره، هذا كلام الناس، أما الكلام الذي فيه إصلاح الصلاة هذا وقع من الرسول ﷺ في قصة ذي اليدين الذي أشرنا إليها. قال لهم: «أَصَدق ذو اليدين؟ » قالوا: نعم، فهذا كلام، لكن هذا الكلام لم يكن ككلام الناس، وإنما لإصلاح الصلاة التي نُبِّهَ الرسول ﵇ أنه صلى ركعتين بدل من أن يصلي أربعة. (الهدى والنور /٣٠٥/ ٣١: ٥٢: ٠٠)

стр. 1082

حول الاستدلال بحديث ذي اليدين على جواز الكلام في الصلاة لإصلاحها مداخلة: هل يصح الاستدلال بحديث ذي اليدين على جواز إصلاح الصلاة، إذا تذكرنا أن عصر النبي ﷺ كان عصر تشريع، وأن ذا اليدين سأل مستفسراً غير عالم حقيقةً بانتهاء الصلاة، وأن هذا الحديث يُحْمَل على الجهل بالحكم؟ الشيخ: هذا كلام غير مستقيم إطلاقاً، إن المسألة ليست متعلقة بذي اليدين فحسب، بل هي متعلقة به ثم بنبيّه ﵇ الذي سأل الصحابة بقوله: «أصدق ذو اليدين؟ » فسُؤَال الرسول كلام، هب أن ذا اليدين كان جاهلاً، فنحن نفترض أن الرسول ﵇ لا يقر الجاهل على جهله بل يُنَبِّهه، ولم يقل شيئاً من ذلك في هذه القصة. على العكس من ذلك أنه سايره حينما قال لمن حوله: «أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم» ولذلك: فالقول بأن هذه قضية انتهى أمرها؛ لأن الزمن كان زمن تشريع، فنحن نقول: هل بعد ذلك جاء تشريع يُبَيِّن أن هذه القضية إذا تَكَرّرت فلا يجوز أخذ الحكم منها؛ لأنها قد نُسِخت، لم يأت شيء من ذلك إطلاقاً. يضاف إلى ذلك النصوص العامة التي تقول بأن النبي ﷺ قال: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكْرِهوا عليه». فالأصل في كل ما يخطئ فيه المسلم ألاّ يُؤَاخذ عليه، إلا بدليل يضطرنا إلى أن نقول: هذا الدليل يجعل القاعدة العامة يُسْتَثْنَى منها كذا وكذا. مثلاً: رجل أكل في رمضان أو شرب، فكلكم يعلم قوله ﵇: «إنما أطعمه الله وسقاه». «من أكل أو شرب ناسياً فإنما أطعمه الله وسقاه» لا قضاء عليه ولا كفارة، لماذا؟ لأنه نسي.

стр. 1083

وهذا تفصيل للحديث السابق: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان». لكن هذه قاعدة ليست مُضْطَرِدَة، فَرُبَّ رجل يصلي صلاة بعد أن ينتهي من الصلاة، يتبين أنه كان على غير طهارة، على غير وضوء. هنا يختلف الحكم عن الحال السابقة حالة البناء، بل رُبَّ رجل توضأ للصلاة ثم انكشف له بطريقةٍ أو بأخرى أن وضوءه كان ناقصاً، كان باطلاً، فحينئذٍ صلاته بالتالي باطلة، كما جاء في الحديث الصحيح: «أن النبي ﷺ رأى يوماً على ظهر قدم أحدهم لمعة، فقال له: «ارجع فأحسن وضوءك، وأعد صلاتك». إذاً: هذا حكم يُسْتَثْنى من القاعدة، باختصار: إذا كان هناك قاعدة ولا مستثنيات، نجمع بين إعمالها في غير المستثنيات، ولا نُعْمِلها في المستثنيات، هكذا الفقه فيما يتعلق بالنصوص الخاصة مع النصوص العامة، يبقى النص العام على عمومه إلا فيما اسْتُثْنِي بنص شرعي، فحينئذٍ نقول: هذا النص العام مُخَصّص بهذا النص الخاص. هكذا نقول فيما يتعلق بهذا السؤال. (الهدى والنور /٣٠٥/ ٣١: ٥٢: ٠٠) حكم الكلام في الصلاة ناسيًا الشيخ: [رجل] تكلم في الصلاة ناسياً، وأكل في رمضان ناسياً، معروف لدى الجميع بالنسبة للأكل في رمضان ناسياً إنما أطعمه الله وسقاه. فهل بالنسبة للناسي في الصلاة، يُعَامل هذه المعاملة التي عومل بها الصائم في رمضان، حيث أكل ناسياً، فيقال: لا بأس عليه، أم يقال: بطلت صلاتك؟ هنا في خلاف طويل بين علماء الحنفية من جهة ومن وافقهم، والشافعية من جهة أخرى ومن وافقهم، الحنفية بيفسروا الحديث: «إن الله رَفع عن أمتي الخطأ

стр. 1084

والنسيان، وما استُكرهوا عليه» نفي مؤاخذة أخروية، الشوافعة وغيرهم بيقولوا: لا. النص مطلق. ما هو ثمرة الخلاف بين الطائفتين؟ الأحناف بيقولوا القاعدة إنه يؤاخذ في الدنيا ليس في الآخرة، هذا أمر متفق عليه، الأصل أنه يؤاخذ في الدنيا إلا لنص، الشوافع بالعكس يقولوا: الأصل أن لا يُؤَاخذ في الدنيا إلا بنص، ولا شك أن أسعد الناس بالحق هم الشوافعة ومن عليه؛ لأن الأحناف ما فيه عندهم دليل يؤيدوا هذا الأصل، وهو أنه الأصل أن يُؤَاخذ في الدنيا، إلا إذا جاء نص خلاف هذا الأصل، فلا يؤاخذ. وهم بيلتقوا مع الشافعية في موضوع الصائم الذي أفطر ناسياً يقولوا: نحن هنا ما بنتكلم، فيه نص خاص، بنقول: إنه صيامه صحيح، لكن فيما ليس فيه نص، الأصل عندهم المؤاخذة. الشوافع على العكس بيقولوا: الأصل أن لا يُؤاخذ إلا لنص. إذا عرفنا هذا التفصيل، نرجع بنقول: رجل صلى، ثم وجد أثر الجنابة جاهلاً ناسياً ماذا يفعل، يعيد الصلاة أم لا؟ إذا طبقنا قاعدة الشوافعة، ما بنعيد الصلاة إلا لنص، فهل وُجِد النص، نقول نحن: نعم وُجد النص؛ لأنه عمر بن الخطاب في خلافته صلى بالناس صلاة الفجر، ثم وجد في ثوبه أثر الاحتلام فقال كلمة معناها: انه ابتلينا بأكل الشحم، والظاهر الشحم يعمل شهوة أو بيكثر الماء أو ما شابه ذلك، فهو اغتسل وأعاد الصلاة، ولم يأمر الناس أن يُعيدوا الصلاة. إذاً: هذه مستثناه من القاعدة حسب المذهب الشافعي، ماشي مع القاعدة حسب المذهب الحنفي، نرجع لهذا الناسي، تكلم في الصلاة ناسياً. فهنا حسب القاعدة اللِّي بيتبناها الفقيه إن كان يتبنى القاعدة الشافعية بيقول: صلاته صحيحة. إن كان بيتبنى قاعدة الأحناف بيقول: صلاته باطلة؛ لأنه ما فيه نص خاص يُصَحِّح، أو نص خاص يُبْطل، إنما المسألة رجوع للقواعد.

стр. 1085

فالشاهد من هذا كله: لا يَرِد هنا إذا الإنسان صلى كذا، فما بيعيد الصلاة أو بيبني أو ما شابه ذلك؛ لأن القضية قضية تبني قاعدة، إن تبنينا قاعدة قوله ﵇ على الإطلاق: «رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان». فنحن بنقول: هذا الذي تكلم في الصلاة ناسياً، هذا لا إعادة عليه، لأنه مرفوع عنه المؤاخذة بالقاعدة بالحديث. إذا كان فيه نص يأمر بالإعادة نقول بالنص، يعني: هذه كما يقول ابن تيمية ﵀ في موضوع ثاني مهم: الأصل في العبادات المنع إلا لنص، والأصل في العادات الإباحة إلا لنص، هذا شيء عظيم جداً، وعلى ذلك الشريعة تقوم على القواعد ثم على جزئيات هذه الجزئيات. إما أن تلتقي مع القاعدة فنعم هو، وإما أن تختلف فتُسْتَثْنى هذه الجزئيات من القاعدة. (الهدى والنور /١٣٨/ ١٥: ٢٧: ٠٠) حكم الكلام في الصلاة الشيخ: الكلام في الصلاة كما هو معلوم بالاتفاق يُبْطِلها، إلا الكلام المتعلق بإصلاح الصلاة، فهو لا يبطلها، بدليل حديث ذو اليدين. (الهدى والنور /٣٠٥/ ٣٢: ٤٤: ٠٠) السلام إشارة في الصلاة مداخلة: ذكرت أن الرسول ﷺ في بداية الأمر قد أشار برأسه، ثم في الحديث الثاني أشار بيده، هل نفهم أن الإشارة بالرأس منسوخة، أو بقيت على الأصل أنه يجوز؟

стр. 1086

الشيخ: .. ليس هناك نسخ، النسخ كما لا يخفى على طلاب العلم من أمثالنا، يكون عند وجود التعارض، أما حينما لا يكون هناك تعارض، وإنما هو كما يقول ابن تيمية ﵀: هذا من اختلاف التنوع، وليس من اختلاف التضاد. بل أنا أقول: إن هذا التَّنْوِيع الذي شرعه الرسول ﵇ في رد السلام في الصلاة فيه حِكْمَة بالغة؛ لأن الإشارة بالرأس ألطف وأليق بالمصلي الذي قد أُمر بقوله ﵇ كما جاء في صحيح مسلم من حديث جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: «كنا إذا صلينا وراء النبي ﷺ وسَلَّمنا أشرنا بأيدينا، فقال لهم ﵊: «مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس»، كأنها أذناب خيل شمس، وفي رواية، وهذا الذي يهمنا الآن: «اسكنوا في الصلاة» تمام الرواية: «إنما يكفي أحدكم إذا سلم على أخيه أن يلتفت يميناً ويقول: السلام عليكم ورحمة الله، ويساراً السلام عليكم ورحمة الله». لكن الرواية الأخرى هي الشاهد: «اسكنوا في الصلاة» أي: لا تتعاطوا في الصلاة حركات لا تليق ولا تتناسب مع الخشوع والسكون في الصلاة، «اسكنوا في الصلاة». وحينئذٍ فمن القواعد الشرعية: أن المسلم إذا اضطر، أو كان بحاجة ما أن يأتي بحركة ما، وهو قائم بين يدي الله ﵎، فينبغي أن يأتي بأقل من الحركة مما يُحَقِّق له قصده ورغبته. وأنا أتصور الآن أن رجلاً يُصَلِّي أقبل الرجل إليه من القبلة وقال: السلام عليكم، ما في داعي أن يعمل له هكذا بالمروحة يرفع يده، وإنما إشارة بالرأس وانتهى الأمر. كما أن العكس تماماً، إذا دخل رجل من وراء الصفوف وقال: السلام عليكم، ما يكفي أن يرفع يده ويعمل هكذا، يرفع عن العَلَم حتى يفهم أن السلام وقع في محله مشروعاً، ونحن قد أجبناك عنه برفع الإشارة المُعَبِّرة والمُفْصِحَة.

стр. 1087

فإذاً: لكل من السُّنَّتين الفعليتين وهي الإشارة بالرأس والإشارة باليد محلها المناسب في الصلاة. (الهدى والنور /٣٤١/ ٤٩: ٢٢: ٠٠) إلقاء السلام على المصلي الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وبعد: فقد ألقي في نفسي أن ألقي على مسامعكم كلمةً أرجو أن تكون موجزة مختصرة، حول السلام الذي هو شعيرة من شعائر الإسلام، والذي هذا الاسم السلام كما قال ﵊ في الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري في كتابه الأدب المفرد بإسناده الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «السلام اسم من أسماء الله وضعه في الأرض فأفشوه بينكم»، وقد جاء في الحديث الآخر

стр. 1088

الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفس محمد بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم» قوله ﵊ في آخر هذا الحديث: «أفشوا السلام بينكم» يعني: الإكثار من إلقاء المسلم السلام على أخيه المسلم وليس ذلك فقط عند ملاقاته إياه فإنه من الواجبات التي هي من حق المسلم على المسلم، كما جاء في الحديث الآخر وهو أيضًا في صحيح مسلم: «للمسلم على المسلم خمس: إذا لقيته فسلم عليه» أن أدندن حوله بعض الشيء إنما هو سلام أهمله كثير من الناس اليوم ألا وهو على صورتين اثنتين: إحداهما: تتعلق بالصلاة على المصلي، والأخرى تتعلق بالسلام عند الخروج من المجلس. أما المسألة الأولى: وهي إلقاء السلام على القائم في الصلاة، أو على القائمين في الصلاة، فهذه سنة مهجورة علمًا وعملًا ولذلك فأحببت أن أذكر بها والذكرى تنفع المؤمنين. إن من إفشاء السلام ما ثبت عن النبي ﷺ أنه زار يومًا الأنصار في مسجدهم مسجد قباء، فكان كلما دخل جماعة على النبي ﷺ وهو قائم يصلي وألقوا السلام عليه فرد السلام عليهم إشارةً بيده، يقول راوي الحديث وهو جعفر بن برقان، فقلنا: كيف كان يرد السلام وهو يصلي؟ فأجاب: بأن النبي ﷺ يشير بكفه يجعل بطن كفه إلى الأرض وظهرها إلى السماء، كلما دخل مسلم عليه قال هكذا، هذه الحركة هي رد المشتغل بالصلاة سلام المسلم عليه لفظًا، ولما كان المصلي مشغولًا بما هو فيه من تلاوة القرآن أو التسبيح المناسب لكل ركن، كان لا يستطيع أن يرد السلام بلفظه. وإن كان ذلك مشروعًا في أول الإسلام، فقد جاء عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه لما رجع من هجرته إلى الحبشة وكان أول ما لقي النبي ﷺ في المدينة

стр. 1089

وجده يصلي فألقى ﵇ لفظًا كما هو الواجب، ولكنه ﵁ فوجئ بما لم يكن في حسبانه؛ وذلك أن النبي ﷺ لم يرد ﵇ لفظًا وإنما أشار إليه برأسه إشارةً هكذا، قال عبد الله بن مسعود: فأخذني ما قرب وما بعد يحدث نفسه يتساءل يقول: ترى ماذا جنيت .. ماذا ارتكبت حتى أن النبي ﷺ لم يرد علي السلام، فلما سلم رسول الله ﷺ من الصلاة، قال: «إن الله يحدث في أمره ما يشاء وإن مما أحدث أن لا كلام في الصلاة» فقد كان هذا الكلام بين المسلم على المصلي وبين رد المصلي بالسلام كان رده لفظًا، هكذا فارق عبد الله بن مسعود نبيه ﷺ حينما هاجر إلى الحبشة. فلذلك فكانت مفاجئة ما رآه من النبي ﷺ لأول مرة بعد أن فارقه وهو عهده بأن النبي ﷺ يرد السلام في الصلاة لفظًا؛ ذلك أن الكلام من الأحكام التي لم يحرم في الصلاة فورًا، أي: لم يكن من المحرم في الصلاة حينما أمروا بالصلاة، وإنما حرم الكلام فيما بعد حتى لقد كان المصلي يدخل المسجد فيجد الصلاة قائمة، ولا يدري هذه الركعة هي الأولى أو الثانية، فيقف في الصف ويسأل من كان قائمًا يصلي: أي ركعة هذه؟ هذا قبل تحريم الصلاة، فيجيبه: هذه الركعة الأولى، أو هي الركعة الثانية، فإذا كان قد فاته ركعة ماذا يفعل هذا المسبوق بركعة؟ إنه يأتي بهذه الركعة الفائتة ثم يشارك الإمام في صلاته، هكذا كان في أول الأمر قبل تحريم الكلام في الصلاة. إلى أن دخل ذات يوم معاذ بن جبل ﵁ فلم يفعل كما كانوا يفعلون .. لم يسأل من كان على جانبه وإنما أحرم واقتدى بالنبي ﷺ ، ثم لما قضيت الصلاة قام وجاء بالركعة الفائتة، فقال ﵊: «لقد سن لكم معاذ سنةً فافعلوا ما فعل» أي: لم يبق حاجة إلى أن يأتي المسبوق بالركعة الفائتة كما كانوا يفعلون من قبل بعد سؤال المصلين، وإنما أن يفعل كما فعل معاذ ﵁، وهذا مما أكده ﵊ في الحديث المتفق عليه بين الشيخين البخاري ومسلم حيث رويا عن النبي ﷺ : «إذا أتيتم الصلاة فأتوها وعليكم السكينة

стр. 1090

والوقار، ولا تأتوها وأنتم تسعون، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» أي: كما فعل معاذ ﵁. وأنزل الله في إلغاء الحكم السابق الذي كان هو مكالمة الرجل لأخيه في الصلاة فأنزل الله قوله ﵎: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] أي: ساكتين، لا كلام في الصلاة، ويبدو أن بعض الصحابة الذين لم يدركوا هذا الحكم الجديد ألا وهو منع المصلي أن يتكلم في الصلاة، بقي على معرفته القديمة التي ذكرناها آنفًا، والتي عليها فارق ابن مسعود الرسول ﷺ ، ولذلك لما ألقى ﵇ كان يأمل أن يسمع رد السلام من لفظه ﷺ ، وبقية الحديث عرفتموه. يبدو أن أحد الصحابة لم يدرك هذا الحكم الجديد وهو أن لا كلام في الصلاة، أعني بذلك الصحابي معاوية بن الحكم السلمي ﵁، ومعاوية هذا غير معاوية بن أبي سفيان الأموي الخليفة من بعد الخلفاء الراشدين كما تعلمون، معاوية بن الحكم السلمي يحدث عن نفسه، فقال: صليت يومًا وراء النبي ﷺ فعطس رجل بجانبي فقلت له: يرحمك الله، هذا على الأصل، فنظروا إليه بمؤخرة أعينهم مسكتين له، ولكن الرجل ضجر من هذه النظرات الموجهة إليه، فقال: واثكل أمياه ما لكم تنظرون إلي؟ ! هو يعتقد أنه ما فعل شيئًا، شمت صاحبه: يرحمك الله، قال معاوية: فأخذوا ضربًا على أفخاذهم، اسكت يقولون له، قال: «فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة أقبل إلي، فوالله ما قهرني ولا كهرني ولا ضربني ولا شتمني وإنما قال لي: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس» أي: الكلام الذي كان مباحًا سابقًا «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي تسبيح وتكبير وتحميد وتلاوة قرآن» هكذا أدب النبي ﷺ هذا الرجل الصحابي معاوية بن الحكم السلمي الذي خفي عليه الحكم الجديد ألا وهو المأمور به في القرآن فضلًا عن السنة: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] أي: ساكتين لا مكالمة. ولعل من تمام الفائدة أن نذكر تمام هذا الحديث؛ لأن في توجه معاوية إلى النبي ﷺ بعديد من الأسئلة بيان أثر التربية الحسنة واستعمال الرفق واللطف بالجاهل
следующие страницы →