Полный текст (8 195 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
الشيخ: .. ليس هناك نسخ، النسخ كما لا يخفى على طلاب العلم من أمثالنا، يكون عند وجود التعارض، أما حينما لا يكون هناك تعارض، وإنما هو كما يقول ابن تيمية ﵀: هذا من اختلاف التنوع، وليس من اختلاف التضاد.
بل أنا أقول: إن هذا التَّنْوِيع الذي شرعه الرسول ﵇ في رد السلام في الصلاة فيه حِكْمَة بالغة؛ لأن الإشارة بالرأس ألطف وأليق بالمصلي الذي قد أُمر بقوله ﵇ كما جاء في صحيح مسلم من حديث جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: «كنا إذا صلينا وراء النبي ﷺ وسَلَّمنا أشرنا بأيدينا، فقال لهم ﵊: «مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس»، كأنها أذناب خيل شمس، وفي رواية، وهذا الذي يهمنا الآن: «اسكنوا في الصلاة» تمام الرواية: «إنما يكفي أحدكم إذا سلم على أخيه أن يلتفت يميناً ويقول: السلام عليكم ورحمة الله، ويساراً السلام عليكم ورحمة الله».
لكن الرواية الأخرى هي الشاهد: «اسكنوا في الصلاة» أي: لا تتعاطوا في الصلاة حركات لا تليق ولا تتناسب مع الخشوع والسكون في الصلاة، «اسكنوا في الصلاة».
وحينئذٍ فمن القواعد الشرعية: أن المسلم إذا اضطر، أو كان بحاجة ما أن يأتي بحركة ما، وهو قائم بين يدي الله ﵎، فينبغي أن يأتي بأقل من الحركة مما يُحَقِّق له قصده ورغبته.
وأنا أتصور الآن أن رجلاً يُصَلِّي أقبل الرجل إليه من القبلة وقال: السلام عليكم، ما في داعي أن يعمل له هكذا بالمروحة يرفع يده، وإنما إشارة بالرأس وانتهى الأمر.
كما أن العكس تماماً، إذا دخل رجل من وراء الصفوف وقال: السلام عليكم، ما يكفي أن يرفع يده ويعمل هكذا، يرفع عن العَلَم حتى يفهم أن السلام وقع في محله مشروعاً، ونحن قد أجبناك عنه برفع الإشارة المُعَبِّرة والمُفْصِحَة.
стр. 1087
فإذاً: لكل من السُّنَّتين الفعليتين وهي الإشارة بالرأس والإشارة باليد محلها المناسب في الصلاة.
(الهدى والنور /٣٤١/ ٤٩: ٢٢: ٠٠)
إلقاء السلام على المصلي
الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
أما بعد:
فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وبعد: فقد ألقي في نفسي أن ألقي على مسامعكم كلمةً أرجو أن تكون موجزة مختصرة، حول السلام الذي هو شعيرة من شعائر الإسلام، والذي هذا الاسم السلام كما قال ﵊ في الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري في كتابه الأدب المفرد بإسناده الصحيح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «السلام اسم من أسماء الله وضعه في الأرض فأفشوه بينكم»، وقد جاء في الحديث الآخر
стр. 1088
الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفس محمد بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم» قوله ﵊ في آخر هذا الحديث: «أفشوا السلام بينكم» يعني: الإكثار من إلقاء المسلم السلام على أخيه المسلم وليس ذلك فقط عند ملاقاته إياه فإنه من الواجبات التي هي من حق المسلم على المسلم، كما جاء في الحديث الآخر وهو أيضًا في صحيح مسلم: «للمسلم على المسلم خمس: إذا لقيته فسلم عليه» أن أدندن حوله بعض الشيء إنما هو سلام أهمله كثير من الناس اليوم ألا وهو على صورتين اثنتين:
إحداهما: تتعلق بالصلاة على المصلي، والأخرى تتعلق بالسلام عند الخروج من المجلس.
أما المسألة الأولى: وهي إلقاء السلام على القائم في الصلاة، أو على القائمين في الصلاة، فهذه سنة مهجورة علمًا وعملًا ولذلك فأحببت أن أذكر بها والذكرى تنفع المؤمنين.
إن من إفشاء السلام ما ثبت عن النبي ﷺ أنه زار يومًا الأنصار في مسجدهم مسجد قباء، فكان كلما دخل جماعة على النبي ﷺ وهو قائم يصلي وألقوا السلام عليه فرد السلام عليهم إشارةً بيده، يقول راوي الحديث وهو جعفر بن برقان، فقلنا: كيف كان يرد السلام وهو يصلي؟ فأجاب: بأن النبي ﷺ يشير بكفه يجعل بطن كفه إلى الأرض وظهرها إلى السماء، كلما دخل مسلم عليه قال هكذا، هذه الحركة هي رد المشتغل بالصلاة سلام المسلم عليه لفظًا، ولما كان المصلي مشغولًا بما هو فيه من تلاوة القرآن أو التسبيح المناسب لكل ركن، كان لا يستطيع أن يرد السلام بلفظه.
وإن كان ذلك مشروعًا في أول الإسلام، فقد جاء عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه لما رجع من هجرته إلى الحبشة وكان أول ما لقي النبي ﷺ في المدينة
стр. 1089
وجده يصلي فألقى ﵇ لفظًا كما هو الواجب، ولكنه ﵁ فوجئ بما لم يكن في حسبانه؛ وذلك أن النبي ﷺ لم يرد ﵇ لفظًا وإنما أشار إليه برأسه إشارةً هكذا، قال عبد الله بن مسعود: فأخذني ما قرب وما بعد يحدث نفسه يتساءل يقول: ترى ماذا جنيت .. ماذا ارتكبت حتى أن النبي ﷺ لم يرد علي السلام، فلما سلم رسول الله ﷺ من الصلاة، قال: «إن الله يحدث في أمره ما يشاء وإن مما أحدث أن لا كلام في الصلاة» فقد كان هذا الكلام بين المسلم على المصلي وبين رد المصلي بالسلام كان رده لفظًا، هكذا فارق عبد الله بن مسعود نبيه ﷺ حينما هاجر إلى الحبشة.
فلذلك فكانت مفاجئة ما رآه من النبي ﷺ لأول مرة بعد أن فارقه وهو عهده بأن النبي ﷺ يرد السلام في الصلاة لفظًا؛ ذلك أن الكلام من الأحكام التي لم يحرم في الصلاة فورًا، أي: لم يكن من المحرم في الصلاة حينما أمروا بالصلاة، وإنما حرم الكلام فيما بعد حتى لقد كان المصلي يدخل المسجد فيجد الصلاة قائمة، ولا يدري هذه الركعة هي الأولى أو الثانية، فيقف في الصف ويسأل من كان قائمًا يصلي: أي ركعة هذه؟ هذا قبل تحريم الصلاة، فيجيبه: هذه الركعة الأولى، أو هي الركعة الثانية، فإذا كان قد فاته ركعة ماذا يفعل هذا المسبوق بركعة؟ إنه يأتي بهذه الركعة الفائتة ثم يشارك الإمام في صلاته، هكذا كان في أول الأمر قبل تحريم الكلام في الصلاة.
إلى أن دخل ذات يوم معاذ بن جبل ﵁ فلم يفعل كما كانوا يفعلون .. لم يسأل من كان على جانبه وإنما أحرم واقتدى بالنبي ﷺ ، ثم لما قضيت الصلاة قام وجاء بالركعة الفائتة، فقال ﵊: «لقد سن لكم معاذ سنةً فافعلوا ما فعل» أي: لم يبق حاجة إلى أن يأتي المسبوق بالركعة الفائتة كما كانوا يفعلون من قبل بعد سؤال المصلين، وإنما أن يفعل كما فعل معاذ ﵁، وهذا مما أكده ﵊ في الحديث المتفق عليه بين الشيخين البخاري ومسلم حيث رويا عن النبي ﷺ : «إذا أتيتم الصلاة فأتوها وعليكم السكينة
стр. 1090
والوقار، ولا تأتوها وأنتم تسعون، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» أي: كما فعل معاذ ﵁.
وأنزل الله في إلغاء الحكم السابق الذي كان هو مكالمة الرجل لأخيه في الصلاة فأنزل الله قوله ﵎: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] أي: ساكتين، لا كلام في الصلاة، ويبدو أن بعض الصحابة الذين لم يدركوا هذا الحكم الجديد ألا وهو منع المصلي أن يتكلم في الصلاة، بقي على معرفته القديمة التي ذكرناها آنفًا، والتي عليها فارق ابن مسعود الرسول ﷺ ، ولذلك لما ألقى ﵇ كان يأمل أن يسمع رد السلام من لفظه ﷺ ، وبقية الحديث عرفتموه.
يبدو أن أحد الصحابة لم يدرك هذا الحكم الجديد وهو أن لا كلام في الصلاة، أعني بذلك الصحابي معاوية بن الحكم السلمي ﵁، ومعاوية هذا غير معاوية بن أبي سفيان الأموي الخليفة من بعد الخلفاء الراشدين كما تعلمون، معاوية بن الحكم السلمي يحدث عن نفسه، فقال: صليت يومًا وراء النبي ﷺ فعطس رجل بجانبي فقلت له: يرحمك الله، هذا على الأصل، فنظروا إليه بمؤخرة أعينهم مسكتين له، ولكن الرجل ضجر من هذه النظرات الموجهة إليه، فقال: واثكل أمياه ما لكم تنظرون إلي؟ ! هو يعتقد أنه ما فعل شيئًا، شمت صاحبه: يرحمك الله، قال معاوية: فأخذوا ضربًا على أفخاذهم، اسكت يقولون له، قال: «فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة أقبل إلي، فوالله ما قهرني ولا كهرني ولا ضربني ولا شتمني وإنما قال لي: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس» أي: الكلام الذي كان مباحًا سابقًا «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي تسبيح وتكبير وتحميد وتلاوة قرآن» هكذا أدب النبي ﷺ هذا الرجل الصحابي معاوية بن الحكم السلمي الذي خفي عليه الحكم الجديد ألا وهو المأمور به في القرآن فضلًا عن السنة: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] أي: ساكتين لا مكالمة.
ولعل من تمام الفائدة أن نذكر تمام هذا الحديث؛ لأن في توجه معاوية إلى النبي ﷺ بعديد من الأسئلة بيان أثر التربية الحسنة واستعمال الرفق واللطف بالجاهل
стр. 1091
لبعض أحكام الدين، فقد سمعتم فيما مضى من هذا الحديث أن رجل كان ... بعد أن عرف أنه أخطأ خطئًا فاحشًا في الصلاة من نظرة الصحابة إليه ومن ضربهم على أفخاذهم، عرف من ذلك كله أنه أخطأ خطئًا فاحشًا، فلما رأى النبي ﷺ مقبلًا عليه، تصور أنه سيؤنبه .. سيشتمه .. سيضربه، ولكن النتيجة طبيعية لمن قال له ﵎ في كتابه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] أن يرى غير ما قد يكون تخيل في ذهنه، ولذلك قال: فلما أقبل رسول الله ﷺ فوالله ما قهرني ولا كهرني ولا ضربني ولا شتمني وإنما قال لي: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي تسبيح وتحميد وتكبير وتلاوة القرآن».
حينما وجد هذا اللطف النبوي الكريم أخذ يوجه إلى النبي ﷺ السؤال تلو السؤال ليتدارك ما قد يكون هو بحاجة إلى أن يعرف حكم الله في تلك المسائل:
فكان مما قاله للنبي ﷺ قوله: يا رسول الله! إن منا أقوامًا يأتون الكهان، قال: «فلا تأتوهم»، قال: إن منا أقوامًا يتطيرون، قال: «فلا يصدنكم»، قال: إن منا أقوامًا يخطون، أي: يعملون يتعاطون الضرب بالرمل، قال ﵊: «قد كان نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خُطه خَطه فذاك»، قال: يا رسول الله، وهذا آخر سؤاله: إن لي جارية ترعى غنمًا لي في أحد فسطا الذئب يومًا على غنمي وأنا بشر أغضب كما يغضب البشر فصككتها صكة، وعلي عتق رقبة، يقول: يعني: فأنا أريد أن أوفي في هذا النذر الذي علي وهو عتق رقبة، وعند جارية فهل ينفعني أن أعتقها، فقال ﵇: «هاتها»، فجاء بها فقال ﵊ للجارية: «أين الله؟ » قالت: في السماء، قال ﵊: «من أنا؟ » قالت: أنت رسول الله، فالتفت إلى سيدها وقال له: «اعتقها فإنها مؤمنة».
ليس البحث بطبيعة الواقع الآن هو شرح هذا الحديث العظيم والتعليق على كل فقرة من فقراته وإنما ذكرته [لنعرف] كيف تسلسل الحكم، وكيف وصل إلى تحرير الكلام ومن ذلك رد السلام باللفظ، بينما كان ذلك من قبل في أول الأمر
стр. 1092
جائزًا مشروعًا، لا أريد أن أشرح هذا الحديث لأعود إلى حديث ابن مسعود أنه لما ألقى على النبي ﷺ السلام ولم يسمع الجواب بالسلام اللفظي قال: «أخذني ما قرب وما بعد» يعني: أصبح يفكر من قريب ومن بعيد: ترى! ما الذي ارتكبته وخالفت فيه الشرع حتى لم يرد علي السلام رسول الله ﷺ ، فجاءه الجواب بعد أن سلم ﵊ من الصلاة: إن الله يحدث في أمره، أي: في دينه، كما قال ﵊ في حديث آخر: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» قال ﵊ في حديث ابن مسعود: «إن الله يحدث في أمره ما يشاء، وإن مما أحدث ألا كلام في الصلاة» وكأنه يعتذر لابن مسعود الذي أخذه ما قرب وما بعد لا يهمنك؛ لأنه نزل حكم جديد وهو ألا كلام في الصلاة، ولذلك لم أرد عليك السلام وإنما اكتفيت بالإشارة.
هذه الإشارة، وهنا بيت القصيد من هذه الكلمة، هذه الإشارة هي الرمز والبديل عن رد السلام لفظًا الذي كان مشروعًا من قبل، فمن ألقى السلام على المصلي فله حالة من حالتين، أو إشارة من إشارتين أن يرد بإحداهما السلام، إن كان في مكان مزدحم كهذا المسجد المبارك الذي كان ممتلئًا بالمصلين فدخل الداخل وقال: السلام عليكم، ولا يرفع صوته كثيرًا وإنما يسلم على من حوله، فعليهم أن يشيروا باليد، هذه الإشارة تختلف بين أن يكون الداخل من وراء الصفوف فحينئذ ينبغي رفع اليد حتى ترى، ولا يشكلن على المسلم ما أشكل على ابن مسعود فيتساءل لماذا لم يردوا علي السلام؟ فيرفعون يدهم بعضهم على الأقل؛ لأن رد السلام فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وإن كان المسلم آت من نحو القبلة بحيث يراه المصلون ويراهم هو بدوره فيكفي أن يرفع الراد يده هكذا ولا يبالغ في الرفع ليحقق رد السلام البديل عن اللفظ وهو: وعليكم السلام، له الخيار بين أن يرد السلام إشارةً بيده أو يرد السلام إشارة برأسه، هذه الإشارة الثانية، إنما تكون إذا كان الجمع قليلًا أو كان المصلي فرضًا فيظهر حينذاك رد هذا السلام بهذه الإشارة السمحة السهلة.
стр. 1093
هذا هو النوع الأول الذي أردت أن ألفت النظر إلى كيفية رد السلام من المصلي على من سلم عليه، وقبل أن أنتقل إلى النوع الثاني، لا بد من التذكير هنا أن إلقاء السلام كما قلنا في الحديث السابق ذكره: «للمسلم على المسلم حق إذا لقيته فسلم عليه» فإذًا: الداخل إلى المصلى أو إلى المسجد ولقي إخوانه المسلمين يصلون فعليه أن يبادرهم بالسلام؛ لأنه لقيه، ولكن الرد لا يكون إلا إشارة كما ذكرنا.
أما النوع الثاني الذي ينبغي أن أنبه عليه، وهذه سنة أيضًا مهجورة مع الأسف: هي أن إلقاء السلام عند اللقاء والحمد لله لا يزال محفوظًا في كثير من البلاد الإسلامية، وإن كانت بعضها قد بدؤوا يخلون بهذا الإلقاء، فيلقى أحدهم أخاه فيصبحه أو يمسيه الخير ولا يبادره بقوله: السلام عليكم، بل وفي بعض البلاد إذا ألقيت السلام ما رد عليك السلام، وإنما قال لك: أهلًا أو مرحبًا، وهذا إثم ما بعده إثم؛ لأن الله يقول في الآية الكريمة المعروفة: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] ولا يخفى على أي مسلم أن السلام الشرعي الإسلامي كما قلنا في أول حديث ذكرناه آنفًا: «هو اسم من أسماء الله وضعه في الأرض فأفشوه بينكم» فمن يلقي هذا السلام على أخيه المسلم ثم يبادره بقوله: أهلًا مرحبًا .. صباح الخير .. مساء الخير .. فما رد ﵇ بالتي هي أحسن .. فهذه معصية يجب أن يكون ألئك المسلمون على ذكر منها.
لكن الشيء الذي أريد الآن أن أذكر به أن كثيرًا من الحريصين على إلقاء السلام عند اللقاء لا يهتمون بإلقاء السلام عند الفراق، وهنا التنبيه: الذين يهتمون بإلقاء السلام عند اللقاء لا يهتمون ولا يلقون بالًا واهتمامًا لإلقاء السلام عند المفارقة، والرسول ﷺ كان يقول: «إذا دخل أحدكم المجلس فليسلم، وإذا خرج فليسلم، فليست الأولى بأحق من الأخرى».
هذا الذي أردت التذكير به؛ لأنني وجدت في أكثر البلاد التي طفتها ودخلت إليها يهملون إلقاء السلام عند المفارقة، بل قد يكون اثنان ماشين مع بعضهم البعض ثم ينصرف أحدهما، فلا يلتفت صاحبه أنه انصرف؛ لأنه لم يقل عند
стр. 1094
المفارقة: السلام عليكم، مع أن النبي ﷺ قد بين في الحديث الأخير أن السلام عند المفارقة كالسلام عند اللقاء، وأن هذا السلام عند اللقاء ليس بأحق من السلام عند المفارقة: «إذا دخل أحدكم المجلس فليسلم، وإذا خرج فليسلم، فليست الأولى بأحق من الأخرى» هذه ذكرى والذكرى تنفع المؤمنين.
(رحلة النور: ٢٨ أ/٠٠: ٠٠: ٠٠)
رد المصلي للسلام
مداخلة: بالنسبة لرفع اليد في الكلام في رد السلام، حيث قلت: إذا كان أتى من أمام الصف يرفع شيئًا قليلًا، وإذا أتى من وراء الصف يرفع أكثر حتى يبين، طيب! بالنسبة لفعل النبي ﷺ تحريك، يعني: رد حركة الرأس ألا يفهمها وينتبه إليها من هو في يعني: من أتى من خلف الصف دون أن يحتاج إلى المبالغة في الرفع.
الشيخ: لا، ما ينتبه لها مجرد تحريك الرأس؛ لأنك ستسأل: تحريك اليد أظهر بالإشارة أو الرأس؟ اليد بلا شك، ما تحتاج إلى وقفة، رؤية الرأس حينما تحرك من أمام أظهر أو من خلف؟
مداخلة: من أمام.
الشيخ: هذا هو يعني، فالقضية .. نعم؟
مداخلة: الاثنان معًا أو واحدة؟
الشيخ: لا لا، واحدة فقط، قلنا واحدة، المهم أن المسلم حتى لو كان عاميًا لازم يكون كيسًا فطنًا فقيهًا ولو كان عاميًا يقدر الأمور .. يقدر الظروف التي هو قد يكون فيها، فجاء أمام المصلي قال له: السلام عليك، فالمصلي إذًا: يعرف أنه إذا عمل هكذا فهم المسلم بأنه رد السلام، لكن جاء من الخلف أو سلم من بعيد، فما يكفي حينذاك إلا أن تكون إشارة أجلا وأظهر وأوضح.
(رحلة النور: ٢٩ ب/٠٠: ٠٨: ٠٥)
стр. 1095
إلقاء السلام على المصلي وكيفية رده للسلام
مداخلة: في حديث في سنن أبي داود بأن النبي ﷺ قال: «لا غرار في الصلاة ولا تسليم» فاحتج بعضهم به على منع طرح السلام على المصلي، هذا القسم الأول.
وأما القسم الثاني: فقد ذكر الطحاوي في شرح معاني الآثار بعض الشُّبه في دفع هذه السنة، وهي سنة رد السلام بالإشارة في الصلاة.
من جملة ما ذكر: بأنه ثبت أن النبي ﷺ رد على ابن مسعود عقب الصلاة بلسانه، فقال: لو كانت الإشارة باليد تجزئ وتعتبر رداً على السلام باللسان، حينما طرح ذلك على المصلي، ما كان النبي ﷺ أن يرد على ابن مسعود عقب الصلاة.
مداخلة: فحول هذه المسألة يا شيخ؟
الشيخ: أنا لا أذكر أن النبي ﷺ فيما مر بين يديّ من أحاديث في قصة ابن مسعود- أنه جمع بين رد السلام إشارةً وهو يصلي، وبين رد السلام لفظاً بعد خروجه من الصلاة، لا أذكر هذا.
وبطبيعة الحال: ما ندَّعي الإحصاء والإحاطة، -وبخاصة أن العهد بعيد عن هذا الموضوع- ولكننا نقول: إن صح أن النبي ﷺ رد السلام لفظاً كما -حكيته عن الطحاوي- غير وارد.
ذلك: لأن رد السلام بالإشارة من رسول الله ﷺ على ابن مسعود حينما سلم عليه باللفظ، لا يعني أنه لا يجوز إظهار السلام اللفظي ردًا بعد الانتهاء من الصلاة أولاً، ثم: لا ينفي شرعية إلقاء السلام من القادم على المصلي لفظاً، وشرعية رد المصلي السلام إشارةً، ليس هناك تنافي بين هذا وذاك إطلاقاً.
هذا الذي يحضرني لرد هذه الشبهة، ولكن أنا يخطر في بالي الآن، أنت حديث عهد بهذا الذي ذكرته عن الطحاوي؟
مداخلة: نعم يا شيخ.
стр. 1096
الشيخ: وقال إنه في رواية هناك: أن الرسول جمع بين رد السلام إشارة في الصلاة، ولفظاً بعد الصلاة.
مداخلة: لا، ما أظن أن هناك روايةً بهذا، قصدت: أنه رد على ابن مسعود عقب الصلاة.
الشيخ: هذا الذي أنا فهمته منك.
مداخلة: أي نعم، وفي بعض الروايات بأن النبي ﷺ من حديث ابن مسعود نفسه بأنه قال: سلمت على النبي ﷺ فأشار هكذا، حديث منفصل عن الآخر، حديثين منفصلين عن ابن مسعود، أحدهما جاء بأن النبي ﷺ رد علي عقب الصلاة، والآخر جاء بأن النبي ﷺ رد عليه إشارة وهو في الصلاة.
الشيخ: وفي كُلِّ من الحديثين أن ابن مسعود ألقى السلام على النبي ﷺ وهو يصلي؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: وفي كُلٍّ من الحديثين.
مداخلة: نعم، ونراجع إن شاء الله ...
مداخلة: بالنسبة لحديث أبي داود: «لا غرار في الصلاة ولا تسليم».
الشيخ: التسليم مقصود لفظاً؛ لأنه كان هذا مشروعاً في أول الإسلام، وهذا يَدُلنا عليه نفس حديث ابن مسعود؛ لأن حديث ابن مسعود يقول: لما رجع من الحبشة فلقي الرسول ﷺ أول ما لقيه وهو يصلي، قال: «فألقيت ﵇، فأشار إلي برأسه، فأخذني ما قرب وما بعد».
السبب: أنه قبل أن يسافر إلى الحبشة كان أحد الناس إذا سلم على المصلي لفظاً رد ﵇ لفظاً وهو يصلي، ولذلك فوجئ ابن مسعود بما لم يعرفه من قبل، هو يقول: السلام عليكم يا رسول الله! الرسول لا يرده لفظاً، وهو الذي يعرفه سابقاً،
стр. 1097
أن السلام تحية الإسلام، فكان مشروعاً من قبل، فلما فوجئ بأن الرسول ﷺ اقتصر على رد سلام ابن مسعود إشارة، قال: «أخذني ما قرب وما بعد».
ثم لمَّا سلم ﵇ طمأن ابن مسعود كأن لسان حاله ﵇ يقول: لا تظن بأساً حينما اقتصرت أنا على رد السلام إشارةً، كل ما في الأمر أنه جَدَّ حُكْمٌ جديد، فقال ﵇: «إن الله يُحدِث في أمره هذا ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا كلام في الصلاة».
فإذاً: لا تسليم، كما كان في أول الإسلام، وهذا الحديث في صدد بيان أن إلقاء السلام، ورد السلام هذا يسمى في لغة الشرع كلام.
وما دام أن الله حرم الكلام في الصلاة، إذاً حرم رد السلام باللفظ.
لكن لا بد من إشارة لطيفة إما إيماءً بالرأس أو إشارةً بالكف، لكن في الوقت نفسه حديث ابن مسعود هذا: «وإن الله قد أحدث: أن لا كلام في الصلاة»، هذا يعطينا: بأن الكلام كان في الصلاة مباحاً بأوسع من رد السلام.
وعندنا حديث عن معاذ: أن الصحابة كانوا في أول الإسلام، يدخل أحدهم المسجد يجد الصلاة قائمة، فيجلس جنب صاحبه، ويسأله: هذه أيُّ ركعة؟ فيقول له -مثلاً-: هذه الركعة الثانية، فيركع هو الركعة التي فاتته ويشارك الإمام في البقية.
حتى أتى يومًا معاذ بن جبل، فدخل المسجد والناس قيام في الصلاة، وقف في الصف وما سأل كالعادة، وسلم الرسول ﷺ ، وقام هو وأتى بما قد فاته، فقال ﵊: «إن معاذاً قد سنَّ لكم سنة، فما أدركتم من الصلاة فصلوا، وما فاتكم فأتموا».
فقوله ﵇ -في حديث ابن مسعود-: «وإن الله يحدث في أمره ما يشاء، وإن مما أحدث أن لا كلام في الصلاة».
стр. 1098
أي: هذا الكلام الذي كان معروفاً عندهم، قد ألغاه الله ، وأقام بديله قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].
مداخلة: يعني الإمام أو المأموم خلف الإمام سبَّحوا فلم يستجب لهم؟ أو أنه لم يفهم عليهم فتكلموا كلاماً، أو هو تكلم كلاماً ليُفْهِمَهُم، فما حكم هذه الصلاة؟
الشيخ: طبعاً: لا يجوز الكلام مطلقاً، أما التسبيح فقد قال ﵇: «من نابه شيء في الصلاة فليُسبح والمرأة تُصفق».
أما الكلام: «أخطأت يا إمام»، «صليت ثلاثًا»، «صليت اثنتين»، هذا ما يجوز.
لكن إن وقع عمداً بطلت الصلاة، وإن وقع خطأً فالصلاة صحيحة. نعم.
(الهدى والنور /٤٢٦/ ٢٧: ٢٥: ٠٠)
حكم رد السلام للمصلين
السائل: ردّ السلام فرض كفاية، أما رَدُّه في أثناء الصلاة مع وجود آخرين رَدّوا السلام ممن لا يصلون، [فما الحكم] حينذاك؟
الشيخ: الجواب في نفس السؤال، إذا كان رَدُّ السلام فرضاً كفائياً بمعنى: إذا دخل علينا رجل فَسَلّم، فرد أحَدُنا، فقد سقط الفرض عن الآخرين.
فإذا تصورنا: -وهنا موضع السؤال- دخل الداخل وبعضُنا يصلي، والبعض لا يصلي، فَرَدّ السلام أحدُ هؤلاء الذين لا يصلون، فقد سقط الفرض عن المصلي أن يَرُدَّ إشارةً بيده، فالسؤال -الواقع- تكرار لا فائدة منه.
لكن الذي يدور في خَلَدي أو في ذهني: لعل السائل يريد أن يقول في سؤاله؛ إذا دخل الداخل في المسجد، وبَعضُهم يصلي، والبعض الآخر لا يصلي، فهل للمصلين أن يَرُدُّوا السلام على المُسَلِّم إشارة بيدهم؟
стр. 1099
هذا السؤال الذي ينبغي أن يُوجَّه، فجواب السؤال -الذي قرأته آنفاً- هو: أنه لا يَخْتَلِف -أيضاً- عن الجواب المُتَعَلِّق بالصورة الأولى.
قلنا في الصورة الأولى: إذا دخل الداخل إلى المجلس فَسَلَّم، فرد أحدُهم جاز، أي: سقط الفرض عن الباقين، لكن هذا لا يعني أنه لا يجوز لهم جميعاً أن يردُّوا السلام عليه، كلهم يقول: وعليكم السلام، بل هذا هو الأفضل.
البحث الأول كان في سقوط فَرْضِيَّة إجابة السلام بالواحد عن الآخرين، لكن هذا لا يعني: أن الآخرين لا يُشْرَع لهم رَدّ السلام، بل يشرع لهم رد السلام لكن على سبيل الاستحباب وليس على سبيل الوجوب.
كذلك الحكم في الصورة الأخرى التي صَوَّرتها -آنفاً- إذا دخل الداخل المسجد، وبعضهم يصلي، وبعضهم لا يصلي، فإذا رَدّ أحدُ المُصَلّين إشارة، أو الجالسين لفظاً، فقد سقط الواجب.
ولكن -أيضاً- يقال: لو رَدُّوا جميعاً السلامَ، أولئك الذين لا يُصَلّون لَفْظَاً، والذين يُصَلّون إشارةً، فهذا هو الأفضل، وإنما الفرض أن يَرُدَّ واحدٌ منهم.
ولكني أستدرك على نفسي فأقول: الواجب إنما هو الأكمل، وهو أن يرد أحد الحاضرين الجالسين، والذين لا يصلون يَرُدُّون لفظاً، فإن رَدَّ سائرُهم- بما فيهم المصلون- الجالسون لفظاً، والمُصَلَّون إشارةً، هو الأفضل. هذا ما أردت بيانه.
(الهدى والنور /١٦/ ٢.: ٩.: .. )
حكم النحنحة والنفخ والبكاء بصوت في الصلاة
مداخلة: ما حكم النحنحة في صلاة الفرض؟
الشيخ: النحنحة لا تبطل الصلاة؛ لأنها ليست كلاماً، وبخاصة إذا كانت النحنحة لحاجة.
стр. 1100
ولو كنا نرى الاستدلال بكل ما جاء في الأحاديث سواءً ما كان منها صحيحاً أو غير صحيح، لاستدللنا بحديث تنحنح الرسول ﵇ لعلي، لكن هذا الحديث إسناده ضعيف، وما بنا من حاجة أن نستدل بالحديث الضعيف.
وحسبنا أن التنحنح ليس كلاماً؛ لأن الكلام هو الذي جاء الدليل على أنه لا يَصْلُح في الصلاة، وما لا يصلح في الصلاة فهو إفساد لها، لعلي أجبتك عن سؤالك؟
مداخلة: [حكم] النفخ؟
الشيخ: النفخ أهون وأسهل، فقد ثبت أنه ﷺ ، لما صلى بالصحابة صلاة الكسوف نفخ في سجوده ﵊، وكذلك النفخ ليس كلاماً، فهو أيضاً لا يُبْطِل الصلاة.
مداخلة: والبكاء بصوت؟
الشيخ: كذلك لا يبطل الصلاة، نعم.
مداخلة: ولا يُكْرَه؟
الشيخ: هذا أنا أتصور أن القول بالكراهة في أي شيء، إنما هو فيما يصدر من إنسان بقصد منه، وإذا بكى الباكي وهو في الصلاة بصوت، فما هو بالمكلف في ذلك؛ لأنه لا يملك نفسه.
وأنتم تعلمون أن النبي ﷺ كان يبكي في صلاته، ولصدره أزيز كأزيز المرجل، بكاء النبي كالمرجل.
فلا نستطيع أن نقول: يُكره البكاء، اللهم إلا إذا كان مقصوداً، وحين ذلك تخرج المسألة إلى الرياء والسمعة، وحب الظهور وحب الظهور يقسم الظهور.
(الهدى والنور / ٩١/ ٣٢: .. : .. )
стр. 1101
النفخ في الصلاة هل يبطلها ؟
قول ابن عباس: «من نفخ فى صلاته فقد تكلم». رواه سعيد, وعن أبى هريرة نحوه, وقال ابن المنذر: لا يثبت عنهما. موقوف.
ولم أقف على سنده, لكن رواه البيهقى «٢/ ٢٥٢» من طريق أحمد بن الخضر الشافعى قال حدثنا إبراهيم بن على قال حدثنا على بن الجعد قال حدثنا شعبة عن الأعمش عن أبى الضحى عن ابن عباس بلفظ: إنه كان يخشى أن يكون كلاما - يعنى النفخ فى الصلاة -.
قلت: ورجاله ثقات كلهم غير أحمد بن الخضر هذا, أورده الخطيب فى تاريخه «٤/ ١٣٧ ـ ١٣٨» وذكر أنه روى عنه أبو بكر النقاش المقرى وأبو القاسم الطبرانى وغيرهما. قال: «ورواياته عند أهل خراسان كثيرة منتشرة, مات سنة خمس عشرة وثلاثمائة» ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا.
وإبراهيم بن على الظاهر أنه أبو إسحاق العمرى الموصلى ترجمة الخطيب «٦/ ١٣٢» وقال: «وكان ثقة توفى سنة ست وثلاثمائة».
قلت: وهو بهذا اللفظ أقرب إلى الصواب, فإن كون النفخ كلاما غير ظاهر لا من الناحية الشرعية ولا اللغوية ولذلك قال البيهقى عقبه: «والنفخ لا يكون كلاما إلا إذا بان منه كلام له هجاء, وأما إذا لم يفهم منه كلام له هجاء فلا يكون كلاما».
[إرواء الغليل تحت حديث رقم (٣٩٥)]
جواز تعليم من ليس في الصلاة مَنْ هو فيها
[ذكر الإمام من فوائد حديث تحويل القبلة]: وفيه: جواز تعليم من ليس في الصلاة مَنْ هو فيها.
[أصل صفة الصلاة (١/ ٧٨)]
стр. 1102
استماع المصلي لكلام من ليس في الصلاة لا يفسد صلاته
[ذكر الإمام من فوائد حديث تحويل القبلة]: وأن استماع المصلي لكلام من ليس في الصلاة لا يفسد صلاته.
[أصل صفة الصلاة (١/ ٧٨)]
الفَتْحُ على الإمام
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٦٨:
ويشرع للمقتدي أن يتقصد الفتح على الإمام إذا أرتج عليه في القراءة.
وقال في أصل الصفة:
وسَنَّ ﷺ الفتح على الإمام إذا لُبِسَتْ عليه القراءةُ؛ فقد صلى صلاة، فقرأ فيها، فلُبس عليه، فلما انصرف؛ قال لأُبَيٍّ: «أصليتَ معنا؟ ».
قال: نعم.
قال: «فما منعك [أن تفتح علي]؟ ! ».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٥٩٦)]
стр. 1103
حكم التفل وفرقعة الأصابع والالتفات في الصلاة
стр. 1104
التفل أثناء الصلاة؛ لإبعاد وسوسة الشيطان
مداخلة: هناك حديث في التفل أثناء الصلاة لإبعاد وسوسة الشيطان والاستعاذة.
الشيخ: نعم.
مداخلة: فهل يُقَيَّدُ هذا العمل بصلاة النافلة أو بصلاة المنفرد؛ نظراً لأن الصف إذا كان مرصوصاً لا يكون الشيطان على الشمال، إذا كانت العلة هذه، فما قولكم في هذا؟
الشيخ: الجملة الأخيرة ما فهمت، لا يكون الشيطان في شماله إذا كان في صلاة الجماعة؟
مداخلة: نعم، يعني: إذا كانت العلة التفل على الشمال طرداً للشيطان؛ لأن ذاك موقعه.
الشيخ: نعم.
مداخلة: فهل إذا كان الصفُّ مرصوصاً نترك هذا التفل؛ نظراً لعدم وجود الشيطان بين المصليين؟
الشيخ: هنا أمران اثنان الذي يبدو لي من هذا السؤال.
стр. 1105
هذا الحديث -طبعاً- موجود في صحيح مسلم من حديث عثمان بن أبي العاص، لا أذكر أن فيه تعليلاً للتَّفل عن يساره، بأن ذلك؛ لأن ذاك الشيطان عن يساره، هل تَذْكُر أن فيه شيئاً من هذا؟
مداخلة: ليس فيه تعليلاً.
الشيخ: هذا الشيء الأول الذي أنا أذكره، هذا الشيء الأول.
والشيء الآخر: إن كان هناك شيطان في هذه الجهة، وليس عندنا دليل، ومن أين جاء الدليل أن الشيطان ذهب إذا كان عن يساره مُصَلٍّ آخر يصلي بجانبه.
فأنا أعتبر أنه تعليل قائم على تعليل لا أصل له، وهنا يقال:
وهل يستقيم الظل والعود أعوج.
وبناءً على ذلك أقول: ينبغي تنفيذ الحكم الشرعي على إطلاقه، سواء كان في صلاة النافلة لوحده أو في صلاة الفريضة لوحده، أو في صلاة الجماعة نافلة، أو في صلاة الجماعة فريضة.
فالنَّصُ ينبغي أن يُنَفَّذ بحرفيته، ولا يُقَيَّد بقيود لم يأت الشارع الحكيم بشيء منها.
ولكن لا شك أن التَّفْل إلى الجهة اليسرى قد يصيب من عن يساره، لكن هذه ليست مشكلة؛ لأن بإمكانه أن يتفل وأن يَحُول بين وصول رشاش التفل إلى صاحبه.
هذا يُشْبه تماماً أحاديث وردت صحيحة، أن المصلي إذا غلبه بصاق فلا يجوز له أن يَبْصُق عن يمينه، ولا يجوز له أن يَبْصُق أمامه إلى قبلته التي يصلي إليها، وإنما عن يساره تحت قدمه.
فإذاً: إذا أراد أن يتفل عن يساره، فهو يتفل بحيث لا يُصيب وجه صاحبه.
كذلك في حديث عثمان بن أبي العاص، لا بد من تنفيذ النص على إطلاقه كما ذكرنا، ولكن يحذر من أن يُصيب برشاش تفله جاره الذي يصلي عن يساره.
(الهدى والنور /٢٣٢/ ٣٦: ٣٣: ٠٠)
стр. 1106
حكم فرقعة الأصابع أثناء الصلاة، أو بعد الانتهاء من الصلاة
السائل: فرقعة الأصابع أثناء الصلاة، أو بعد الانتهاء من الصلاة، هل هناك نهي، أو في دليل على النهي عنها؟
الشيخ: فرقعة الأصابع في الصلاة عَبَث لا يليق بالصلاة وفي ظني أن هناك حديث، لكن ما أذكر الآن إلا أنه لا يصح، ما بعد الصلاة ما في مانع، ما بعد الصلاة وإلا قبل الصلاة، أما بخصوص داخل الصلاة فالحكم كما سمعت.
(الهدى والنور /٢٦٧/ ٢١: ١٤: ٠٠)
حكم الالتفات في الصلاة
مداخلة: هل ترون الالتفات في الصلاة حراماً أم مكروهاً كراهة تنزيهية؟
الشيخ: حراماً.
(الهدى والنور /٨٠٤/ ٤٧: ١٥: ٠٠)
الاستعاذةُ والتَّفْلُ في الصلاة لِدفع الوسوسة
وقال له عثمان بن أبي العاص ﵁: يا رسول الله! إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي؛ يَلبِسُها عليَّ؟ فقال رسول الله ﷺ : «ذاك شيطان يقال له: خِنْزَبٌ، فإذا أحسسته؛ فتعوذ بالله منه، واتفُل على يسارك ثلاثاً».
قال: ففعلت ذلك؛ فأذهبه الله عني.
قوله: «حال بيني وبين صلاتي»: أي: نكَّدني فيها، ومنعني لذتها، والفراغ للخشوع فيها.
قوله: «يَلبِسُها» بفتح أوله، وكسر ثالثه؛ أي: يخلطها ويشككني فيها.
стр. 1107
قوله: «خِنْزَبٌ» بخاء معجمة مكسورة، ثم نون ساكنة، ثم زاي مكسورة ومفتوحة.
قوله: «واتفُل»: من «التَّفْل».
قال في «النهاية»: هو نفخ معه أدنى بزاق، وهو أكثر من النفث.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٦٠٠)]
الحركة في الصلاة لحاجة
وعن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي تطوعاً، والباب عليه مغلق، فجئت فاستفتحت، فمشى ففتح لي، ثم رجع إلى مصلاه، وذكرت أن الباب كان في القبلة.
رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وروى النسائي نحوه.
[قال الألباني]: قال ابن الملك من الحنفية: مشيه ﵊ وفتحه الباب، ثم رجوعه إلى مصلاه، يدل على أن الأفعال الكثيرة إذ لا تتوالى لا تبطل الصلاة، وإليه ذهب بعضهم، نقله في المرقاة، وتقييد ذلك بعدم التوالي مما لا دليل عليه إلا برأي.
[مشكاة المصابيح ١/ ٣١٧]
стр. 1108
كتاب القيام في الصلاة
стр. 1109
القيام في الصلاة في الفرض والتطوع
وكان ﷺ يقف فيها قائماً، في الفرض والتطوع؛ ائتماراً بقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].
قانتين: أي: خاشعين ذَلِيْلِيْنَ مُسْتَكِيْنِيْنَ بين يديه.
وهذا الأمر مستلزم ترك الكلام في الصلاة؛ لمنافاته إياها. ولهذا لما امتنع النبي ﷺ من الرد على ابن مسعود حين سلم عليه وهو في الصلاة؛ اعتذر إليه بذلك، وقال: «إن في الصلاة لشغلاً». كذا في «تفسير ابن كثير».
[أصل صفة الصلاة (١/ ٧٩)]
ركنية القيام على القادر وإجماع الأمة عليه
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٦: ويجب عليه أن يصلي قائما، وهو ركن.
وقال في أصل الصفة: وفي الآية دليل على فرضية القيام في الصلاة على القادر عليه؛ كما يدل على ذلك الآية التي بعدها: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. وقد نقل العلماء إجماع الأمة على هذا؛ سواء كان إماماً أو مأموماً.
[أصل صفة الصلاة (١/ ٨٠)]
الاختلاف في المأموم الصحيح يصلي قاعداً خلف إمام مريض لا يستطيع القيام
واختلفوا في المأموم الصحيح يصلي قاعداً خلف إمام مريض لا يستطيع القيام.
قال القرطبي في تفسيره «٣/ ٢١٨»: «فأجازت ذلك طائفة من أهل العلم، بل جمهورهم؛ لقوله ﷺ في الإمام: «إذا صلى جالساً؛ فصلوا جلوساً أجمعون». وهذا هو الصحيح في المسألة».
стр. 1110
وسيأتي بيان ذلك قريباً عند الكلام على الحديث الذي ذكره.
[أصل صفة الصلاة (١/ ٨٠)]
إجماع العلماء على جواز ترك القيام في النافلة مع القدرة عليه
وأما القيام في النافلة؛ فقد نقل النووي في «شرح مسلم» إجماع العلماء على جواز تركه مع القدرة عليه؛ مستدلاً بصلاته ﷺ جالساً في صلاة الليل - كما يأتي -.
ويدل لذلك أيضاً صلاته ﷺ النافلة راكباً على الدابة دون الفريضة - كما ذكرنا بَعْدُ، وسبق تخريجه -.
[أصل صفة الصلاة (١/ ٨٠)]
من الفوائد حول قوله تعالى (وقوموا لله قانتين)
«فائدة»: قال أبو بكر الجصاص في «أحكام القرآن» عند هذه الآية: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾: «تضمن إيجاب القيام فيها. ولما كان القنوت اسماً يقع على الطاعة؛ اقتضى أن يكون جميع أفعال الصلاة طاعة، وألا يتخللها غيرها؛ لأن القنوت هو الدوام على الشيء، فأفاد ذلك النهي عن الكلام فيها، وعن المشي، وعن الاضطجاع، وعن الأكل والشرب، وكل فعل ليس بطاعة؛ لما تضمنه اللفظ من الأمر بالدوام على الطاعات التي هي من أفعال الصلاة، والنهي عن قطعها بالاشتغال بغيرها؛ لما فيه من ترك القنوت الذي هو الدوام عليها، واقتضى أيضاً الدوام على الخشوع والسكون؛ لأن اللفظ ينطوي عليه ويقتضيه، فانتظم هذا اللفظ - مع قلة حروفه - جميع أفعال الصلاة، وأذكارها، ومفروضها، ومسنونها، واقتضى النهي عن كل فعل ليس بطاعة فيها. والله الموفق والمعين».
[أصل صفة الصلاة (١/ ٨٠)]
стр. 1111
ترك القيام في صلاة النافلة في السفر على راحلة
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٦: والمتنفل له أن يصلي راكبا، أو قاعدا إن شاء، ويركع ويسجد إيماء برأسه.
وقال في أصل الصفة: وأما في السفر؛ فكان يصلي على راحلته النافلة.
[أصل صفة الصلاة (١/ ٨١)]
ترك القيام في الخوف الشديد
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٦:
ويجب عليه أن يصلي قائما، وهو ركن إلا على: المصلي صلاة الخوف والقتال الشديد.، فيجوز له أن يصلي راكبًا.
وقال في أصل الصفة: وسَنَّ لأمته أن يصلوا في الخوف الشديد على أقدامهم، أو ركباناً - كما تقدم -، وذلك قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الوُسْطَى وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِينَ. فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا «١» فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].
فإن خفتم فرجالًا أو ركبانًا: أي: فصلّوا رجالاً أو ركباناً.
قال القرطبي: «والرِّجَالُ: جمع راجل أو رَجل؛ من قولهم: رَجَلَ الإنسان يَرْجَل رَجلاً؛ إذا عدم الركوب ومشى على قدميه؛ فهو رَجِل وراجل ورجُل ... ». ثم قال: قال أبو حنيفة: إن القتال يفسد الصلاة. وحديث ابن عمر يرد عليه، وظاهر الآية أقوى دليل عليه ...
قال الشافعي: لما رخص ﵎ في جواز ترك بعض الأركان؛ دلَّ ذلك على أن القتال في الصلاة لا يفسدها.
[أصل صفة الصلاة (١/ ٨١)]
стр. 1112
الصلاة الوسطى هي صلاة العصر
الصلاة الوسطى: هي صلاة العصر على القول الصحيح عند جمهور العلماء؛ منهم: أبو حنيفة وصاحباه؛ لقوله ﷺ يوم الأحزاب: «شغلونا عن الصلاة الوسطى؛ صلاة العصر، ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً ... » الحديث.
رواه الشيخان وغيرهما عن شُتَير بن شَكَل عنه. وله عنه طرق أخرى.
ورواه عن النبي ﷺ جمع آخر من الصحابة. وقد ساق أحاديثهم بطرقها الحافظ ابن كثير في «تفسيره». فليراجعها من شاء.
وأما قول الإمام محمد عبده في «تفسيره»: «ولولا أنهم اتفقوا على أنها إحدى الخمس؛ لكان يتبادر إلى فهمي من قوله: ﴿وَالصَّلَاةِ الوُسْطَى﴾: أن المراد بالصلاة الفعل، وبـ «الوسطى»: الفضلى؛ أي: حافظوا على أفضل أنواع الصلاة؛ وهي الصلاة التي يحضر فيها القلب ... » إلخ. وقول السيد رشيد رضا «١/ ٤٣٣»: «ليس عندنا نص صريح في الحديث المرفوع ينافي ما ذكره الأستاذ الإمام في الصلاة الوسطى؛ فقد قال بعض المحدثين: إن لفظ: «صلاة العصر» في حديث علي مدرج من تفسير الراوي».
قلت: فهذا منه مما لا يلتفت إليه بعد ثبوت الأحاديث الكثيرة في أنها صلاة العصر. «وإذا جاء نهر الله؛ بطل نهر معقل».
وأما ما أشار إليه السيد من إعلال الحديث بالإدراج؛ فليس بشيء؛ لأمور يطول الكلام بذكرها، ويكفي في بيان ذلك أن هذا الإدراج إنما قيل بخصوص طريق واحد من طرق حديث علي؛ وهو طريق شُتَيْرٍ هذا.
وأما بقية طرقه عنه، والطرق الأخرى عن غيره من الصحابة؛ فليس فيها هذا الإدراج المزعوم، ومن طرقه في «المسند» «رقم ١٣١٣» من طريق عبيدة قال: كنا نرى أن صلاة الوسطى صلاة الصبح.
стр. 1113
قال: فحدثنا عليٌّ أنهم يوم الأحزاب اقتتلوا، وحبسونا عن صلاة العصر؛ فقال ﷺ : «اللهم! املأ قبورهم ناراً - أو: املأ بطونهم ناراً -؛ كما حبسونا عن صلاة الوسطى».
قال: فعرفنا يومئذٍ أن صلاة الوسطى صلاة العصر.
فهذا نص في إبطال الإدراج المزعوم - كما لا يخفى -، ومن شاء الوقوف على طرق حديث علي الأخرى المصرحة برفع ذلك إلى النبي ﷺ ؛ فلينظر «المسند» رقم: «٩٩٠ و ٩٩٤ و ١٠٣٦ و ١١٣٢ و ١١٣٤ و ١١٥٠ و ١١٥١ و ١٢٨٧ و ١٣٠٥٠ و ١٣٠٧٠ و ١٣١٣٠ و ١٣٢٦٠».
[أصل صفة الصلاة (١/ ٨١)]
ترك القيام في المرض للعاجز عنه
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٦:
ويجب عليه أن يصلي قائما، وهو ركن إلا على: - المصلي صلاة الخوف والقتال الشديد.، فيجوز له أن يصلي راكبا. والمريض العاجز عن القيام، فيصلي جالسا إن استطاع، وإلا فعلى جنب.
وقال في أصل الصفة: «وصلّى ﷺ في مرضِ موته جالساً».
[أصل صفة الصلاة (١/ ٨٣)]
صفة صلاة المريض وهو جالس
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٦:
يركع ويسجد إيماء برأسه .. ويجعل سجوده أخفض من ركوعه.
стр. 1114
اقتداء المأمومين بالإمام إذا صلى جالسًا
وصلّى ﷺ في مرضِ موته جالساً، وصلاها كذلكَ مرةً أخرى قبل هذه؛ حينَ اشتكى، وصلّى الناسُ وراءَهُ قياماً؛ فأشارَ إليهم أنِ اجْلِسُوا؛ فجلسوا، فلما انصرفَ؛ قال: «إن كِدْتُم آنفاً لتفعلون فِعْلَ فارسَ والروم: يقومون على مُلوكهم وهم قُعود، فلا تفعلوا؛ إنما جُعِلَ الإمامُ ليُؤْتَمَّ به؛ فإذا ركع؛ فاركعوا، وإذا رفع؛ فارفعوا، وإذا صلى جالساً؛ فصلُّوا جلوساً [أجمعون]».
واعلم أَن في هذه الأحاديث دلالة على أن الإمام إذا صلى جالساً لمرض به؛ صلى مَن وراءه جالسين؛ ولو كانوا قادرين على القيام، والدليل على ذلك أن النبي ﷺ جعل اتباع الإمام في الجلوس من طاعة الأئمة الواجبة بكتاب الله تعالى، كما قال ﷺ : «من أطاعني؛ فقد أطاع الله، ومن عصاني؛ فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير؛ فقد أطاعني، ومن عصى الأمير؛ فقد عصاني، إنما الإمام جنة، فإن صلى قاعداً؛ فصلوا قعوداً، وإذا قال: سمع الله لمن حمده؛ فقولوا: اللهم ربنا! ولك الحمد. فإذا وافق قول أهل الأرض قولَ أهل السماء؛ غفر له ما مضى من ذنبه».
قال الترمذي - بعد أن ساق حديث أنس المذكور آنفاً -: «وقد ذهب بعض أصحاب النبي ﷺ إلى هذا الحديث؛ منهم: جابر بن عبد الله، وأُسَيد بن حُضير، وأبو هريرة، وغيرهم. وبهذا الحديث يقول أحمد وإسحاق».
قال الحافظ «٢/ ١٤٠»: «وقد قال بقول أحمد جماعة من محدثي الشافعية؛ كابن خزيمة، وابن المنذر، وابن حبان». اهـ.
وقد نقل الزيلعي في «نصب الراية» «٢/ ٤٩» كلام ابن حبان في ذلك، وهاك نصَّه: قال في «صحيحه»: وفي هذا الخبر بيان واضح أن الإمام إذا صلى قاعداً؛ كان على المأمومين أن يصلوا قعوداً. وأفتى به من الصحابة: جابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وأسيد بن حضير، وقيس بن قَهْد «بفتح القاف وسكون الهاء». ولم يُروَ عن غيرهم من الصحابة خلاف هذا بإسناد متصل ولا منقطع؛ فكان إجماعاً، والإجماع
стр. 1115
عندنا إجماع الصحابة. وقد أفتى به من التابعين جابر بن زيد، ولم يُروَ عن غيرهِ من التابعين خلافه بإسناد صحيح ولا واهٍ؛ فكان إجماعاً من التابعين أيضاً. وأول من أبطل ذلك في الأمة المغيرة بن مِقْسَم، وأخذ عنه حماد بن أبي سليمان، ثم أخذه عن حماد أبو حنيفة، ثم عنه أصحابه. وأعلى حديث احتجوا به حديث رواه جابر الجعفي عن الشعبي: قال ﵊: «لا يَؤُمَّنَّ أحد بعدي جالساً».
وهذا لو صح إسناده؛ لكان مرسلاً، والمرسل عندنا وما لم يُروَ سيان، لأنا لو قبلنا إرسال تابعي - وإن كان ثقة -؛ لَلَزِمَنَا قبول مثله عن أتباع التابعين، وإذا قبلنا؛ لَزِمَنَا قبوله من أتباع أتباع التابعين، ويؤدي ذلك إليه أن يقبل من كل أحد إذا قال: قال رسول الله ﷺ ! وفي هذا نقض الشريعة، والعجب أن أبا حنيفة يجرح جابراً الجعفي ويكذبه، ثم لما اضطره الأمر؛ جعل يحتج بحديثه. وذلك كما أخبرنا به.
قلت: فساق إسناده إلى أبي يحيى الحماني: «سمعت أبا حنيفة يقول: ما رأيت فيمن لقيت أفضل من عطاء، ولا لقيت فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفي؛ وما أتيته بشيء من رأي قط إلا جاءني فيه بحديث. اهـ. ما في نصب الراية ببعض اختصار».
وحديث جابر هذا أخرجه الإمام محمد في «الموطأ» «١١٣»، واحتج به على نسخ قوله ﵊: «إذا صلى الإمام جالساً؛ فصلوا جلوساً أجمعين». وقد علمت ما فيه.
وقد احتجوا بحجة أخرى على النسخ؛ وهي ما تقدم من صلاته في مرض موته بالناس قاعداً وهم قائمون خلفه، ولم يأمرهم بالقعود.
قال الحافظ: «وأنكر أحمد نسخ الأمر المذكور بذلك، وجمع بين الحديثين بتنزيلهما على حالتين: إحداهما: إذا ابتدأ الإمام الراتب الصلاة قاعداً لمرض يرجى برؤه؛ فحينئذٍ يصلون خلفه قعوداً».
ثانيهما: إذا ابتدأ الإمام الراتب قائماً؛ لزم المأمومين أن يصلوا خلفه قياماً، سواء طرأ ما يقتضي صلاة إمامهم قاعداً أم لا؛ كما في الأحاديث التي في مرض موت
стр. 1116
النبي ﷺ ، فان تقريره لهم على القيام دل على أنه لا يلزمهم الجلوس في تلك الحالة؛ لأن أبا بكر ابتدأ بالصلاة بهم قائماً، فصلوا معه قياماً؛ بخلاف الحالة الأولى؛ فإنه ﷺ ابتدأ الصلاة جالساً، فلما صلوا خلفه قياماً؛ أنكر عليهم.
ويقوي هذا الجمعَ أن الأصل عدم النسخ؛ لا سيما وهو في هذه الحالة يستلزم دعوى النسخ مرتين؛ لأن الأصل في حكم القادر على القيام أن لا يصلي قاعداً، وقد نسخ إلى القعود في حق من صلى إمامه قاعداً، فدعوى نسخ القعود بعد ذلك يقتضي وقوع النسخ مرتين، وهو بعيد. اهـ.
وللمانعين لدعوى النسخ أجوبة كثيرة تراجع في المطولات، وقد لخصها المحقق السندي في «حاشيته على البخاري»، ثم قال: ومما يدل على بقاء الحكم المذكور: أنه قد جعل قعود المقتدي عند قعود الإمام من جملة الاقتداء بالإمام، والإجماع على بقاء الاقتداء به؛ فالظاهر بقاء ما هو من جملة الاقتداء. وكذا يدل على بقاء الحكم: أنه قد عَلّلَ في بعض الروايات حكم القعود؛ بأن القيام عند قعود الإمام من أفعال أهل فارس بعظمائها - يعني: أنه يشبه تعظيم المخلوق فيما وُضعَ لتعظيم الخالق من الصلاة -، ولا يخفى بقاء هذه العلة، والأصل بقاء الحكم عند دوام العلة.
وللطرفين ها هنا كلمات، وما ذكرنا فيه كفاية في بيان أن دعوى النسخ لا يخلو عن نظر. اهـ.
ويَرُدُّ هذه الدعوى أيضاً حديثا أبي هريرة وابن عمر المُصَدَّرُ بهما هذا البحث؛ فقد جعل ﷺ الصلاة وراء الإمام الجالس جلوساً من طاعة الأئمة، التي هي من طاعته ﷺ ، وغير معقول أن ينسخ شيء منها. والله أعلم.
[أصل صفة الصلاة (١/ ٨٥)]
стр. 1117
صلاة المريض جالساً
وقال عمرانُ بن حصين ﵁: كانت بي بَوَاسير، فسألت رسولَ الله ﷺ ؟ فقال: «صلِّ قائماً، فإنْ لم تستطعْ؛ فقاعداً، فإن لم تستطعْ؛ فعلى جنبٍ».
بواسير: جمع «باسور»؛ يقال بالموحدة، وبالنون. والذي بالموحدة: ورم في باطن المقعدة. والذي بالنون: قرحة فاسدة، لا تقبل البُرْءَ ما دام فيها ذلك الفساد. «فتح».
قال الحافظ «٢/ ٤٧٠»: استدل به من قال: لا ينتقل المريض إلى القعود؛ إلا بعد عدم القدرة على القيام.
وقد حكاه عياض عن الشافعي، وعن مالك، وأحمد، قال ابنه عبد الله: سئل أبي عن المريض متى يصلي قاعداً؟ قال: إذا كان قيامه يضعفه ويوهنه؛ أحب إلي أن يصلي قاعداً.
وإسحاق لا يشترط العدم؛ بل وجود المشقة.
والمعروف عند الشافعية أن المراد بنفي الاستطاعة وجود المشقة الشديدة بالقيام، أو خوف زيادة المرض أو الهلاك، ولا يكتفى بأدنى مشقة؛ ومن المشقة الشديدة دوران الرأس في حق راكب السفينة، وخوف الغرق لو صلى قائماً فيها. اهـ.
قلت: وما ذكره عن الشافعية هو الأصح عند الحنفية - كما في «البحر الرائق» «٢/ ١٢١» وغيره من كتب المذهب -.
وقد يستدل لذلك بما أخرجه الطبراني في «الأوسط» من حديث ابن عباس مرفوعاً: «يصلي المريض قائماً، فإن نالته مشقة؛ صلَّى جالساً، فإن نالته مشقة؛ صلَّى نائماً، يومئ برأسه، فإن نالته مشقة؛ سبح».
وقال الطبراني: «لم يروه عن ابن جريج إلا حلس بن محمد الضبعي».
قال الهيثمي «٢/ ١٤٩»: «ولم أجد من ترجمه، وبقية رجاله ثقات».
стр. 1118
وسكت عليه الحافظ في «الفتح»، وقال في «التلخيص» «٣/ ٢٩٤»: «في إسناده ضعف».
قال الترمذي: واختلف أهل العلم في صلاة المريض إذا لم يستطع أن يصلي جالساً؛ فقال بعض أهل العلم: يصلي على جنبه الأيمن.
وقال بعضهم: يصلي مستلقياً على قفاه ورجلاه إلى القبلة.
قلت: وبه قال الحنفية، وبعض الشافعية - كما في «الفتحين»: «فتح الباري» و «فتح القدير» -.
والقول الأول هو الصحيح عند الشافعية - كما في «المجموع» -، واحتجوا على ذلك بحديث علي ﵁ مرفوعاً: «يصلي المريض قائماً إن استطاع، فإن لم يستطع؛ صلَّى قاعداً، فإن لم يستطع أن يسجد؛ أومأ، وجعل سجوده أخفض من ركوعه، فإن لم يستطع أن يصلي قاعداً؛ صلَّى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، فإن لم يستطع أن يصلي على جنبه الأيمن؛ صلَّى مستلقياً، ورجلاه مما يلي القبلة».
أخرجه الدارقطني «١٧٩»، وعنه البيهقي «٢/ ٣٠٧ - ٣٠٨» من طريق حسن بن حسين العرني: ثنا حسين بن زيد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن حسين عن الحسين بن علي عن علي بن أبي طالب به.
وهذا سند ضعيف - كما قال النووي «٤/ ٣١٦» -؛ وعلته حسين بن زيد: قال في «التلخيص» «٣/ ٢٩٣»: ضعفه ابن المديني. والحسن بن الحسين العرني؛ وهو متروك.
وقال في «الدراية» «١٢٧»: «وإسناده واهٍ جداً».
قلت: فلا يعتمد على هذا الحديث، ولا يحتج به؛ وإنما الحجة في حديث عمران؛ ففيه النص على أنه يصلي على جنبه إن لم يستطع الصلاة قاعداً؛ لا سيما على رواية النسائي: «فان لم تستطع؛ فمستلقياً».
فجعلَ الاستلقاءَ بعدَ الصلاة على الجَنْبِ، وهذا خلاف مذهب الحنفية.
стр. 1119
ولذلك حاول ابن الهمام في «الفتح» «١/ ٣٧٦» أن يجعله خاصاً بعمران بن حصين؛ فلا يكون خطاباً للأمة.
وهذا كلام لا برهان عليه؛ فإن الأصل المتفق عليه بين العلماء أن كلامه ﷺ محمول على العموم، وإن كان المخاطَبُ به فرداً من الأمة؛ ما لم يَرِدْ دليل على التخصيص، ولا يوجد شيء من ذلك هنا؛ فالحق ما ذهب إليه الشافعية إن شاء الله تعالى.
[أصل صفة الصلاة (١/ ٩١)]
صلاة المريض القاعد القادر على القيام مع مشقة على النصف من صلاة القائم
وقال [عمران بن الحصين] أيضاً: «سألتُهُ ﷺ عن صلاةِ الرجل وهو قاعد؟ فقال: «مَن صلّى قائماً؛ فهو أفضلُ، ومن صلّى قاعداً؛ فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائماً «وفي رواية: مضطجعاً»، فله نصف أجر القاعد».
والمراد به المريض؛ فقد قال أنس ﵁: «خرج رسول الله ﷺ على ناس وهم يصلون قعوداً من مرض، فقال: «إن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم».
[وقوله]: فله نصف أجر القائم. قال الحافظ: «يستثنى من عمومه النبي ﷺ ؛ فإن صلاته قاعداً لا ينقص أجرها عن صلاته قائماً؛ لحديث عبد الله بن عمرو قال: بلغني أن النبي ﷺ قال: «صلاة الرجل قاعداً على نصف الصلاة». فوجدته يصلي جالساً؛ فوضعت يدي على رأسي، فقال: «ما لك يا عبد الله؟ ! ». فأخبرته. فقال: «أجل؛ ولكني لست كأحد منكم».
أخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي.
стр. 1120
قلت: وكذلك أخرجه الدارمي «١/ ٣٢١»، وأحمد «٢/ ٢٠٣». ثم قال [الحافظُ]: «وهو ينبني على أن المتكلم داخلٌ في عموم خطابه، وهو الصحيح، وقد عد الشافعية في خصائصه ﷺ هذه المسألة».
[وقوله]: من صلى نائماً: قال البخاري: « ... نائماً عندي: مضطجعاً ها هنا ... ».
قلت: وهو رواية للإمام أحمد. وفيه دلالة على جواز التنفل مضطجعاً. وقد نفاه الخطابي، وتبعه ابن بطال، وزاد: لكن الخلاف ثابت؛ فقد نقله الترمذي بإسناده إلى الحسن البصري قال: إن شاء الرجل؛ صلى صلاة التطوع قائماً وجالساً ومضطجعاً. وقال به جماعة من أهل العلم.
وهو أحد الوجهين للشافعية، وصححه المتأخرون. وحكاه عياض وجهاً عند المالكية أيضاً، وهو اختيار الأبهري منهم، واحتج بهذا الحديث.
«تنبيه»: سؤال عمران عن الرجل خرج مخرج الغالب؛ فلا مفهوم له؛ بل الرجل والمرأة في ذلك سواء. كذا في «الفتح» «٢/ ٢٤٨».
والحديث حمله جمهور العلماء على المتنفل، وحمله الخطابي على المفترض على التفصيل الآتي. والظاهر أن الحديث يشمل النوعين؛ فقال الخطابي: «المراد بحديث عمران: المريض المفترض الذي يمكنه أن يتحامل فيقوم مع مشقة، فجعل أجر القاعد على النصف من أجر القائم؛ ترغيباً له في القيام، مع جواز قعوده». انتهى.
قال الحافظ «٢/ ٤٦٨»: «وهو حمل متجه ... ».
قال: فمن صلى فرضاً قاعداً، وكان يشق عليه القيام؛ أجزأه، وكان هو ومن صلى قائماً سواء، فلو تحامل هذا المعذور وتكلَّف القيام، ولو شق عليه؛ كان أفضل لمزيد أجر تكلف القيام، فلا يمتنع أن يكون أجره على ذلك نظير أجره على أصل الصلاة؛ فيصح أن أجر القاعد على النصف من أجر القائم. ومن صلى النفل قاعداً مع القدرة على القيام؛ أجزأه، وكان أجره على النصف من أجر القائم بغير إشكال.
стр. 1121
وأما قول الباجي: إن الحديث في المفترض والمتنفل معاً. فإن أراد بالمفترض ما قررناه؛ فذاك، وإلا؛ فقد أبى ذلك أكثر العلماء ... ، وحملوا الحديث على المتنفل.
قال: ولا يلزم من ذلك أن لا ترد الصورة التي ذكرها الخطابي، وقد ورد في الحديث ما يشهد لها؛ فعند أحمد من طريق ابن جريج عن ابن شهاب عن أنس قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهي مُحَمَّةٌ، فَحُمَّ الناس، فدخل النبي ﷺ المسجد والناس يصلون من قعود، فقال: «صلاة القاعد نصف صلاة القائم».
رجاله ثقات، وعند النسائي متابع له من وجه آخر. وهو وارد في المعذور؛ فيحمل على من تكلف القيام مع مشقته عليه؛ كما بحثه الخطابي.
[أصل صفة الصلاة (١/ ٩٤)]
لا يجوز للمصلي جالسا أن يضع شيئا على الأرض مرفوعا يسجد عليه
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٧:
لا يجوز للمصلي جالسا أن يضع شيئا على الأرض مرفوعا يسجد عليه، وإنما يجعل سجوده أخفض من ركوعه كما ذكرنا إذا كان لا يستطيع أن يباشر الأرض بجبهته.
وقال في أصل الصفة:
وعاد ﷺ مريضاً، فرآه يصلي على وسادة؛ فأخذها، فرمى بها، فأخذ عوداً؛ ليصلي عليه، فأخذه، فرمى به، وقال: «صلِّ على الأرض إن استطعت، وإلا؛ فَأَوْمِ إيماءً، واجعل سجودك أخفض من ركوعك».
[أصل صفة الصلاة (١/ ٩٧)]
стр. 1122
جواز صلاة الفريضة في السفينة وكذا الطائرة
وتجوز صلاة الفريضة في السفينة. وكذلك الطائرة.
[تلخيص الصفة فقرة ٨]. [أصل صفة الصلاة (١/ ١٠١)]
الصلاة في السفينة
وسُئل ﷺ عن الصلاة في السفينة؟ فقال: «صَلِّ فيها قائماً؛ إلا أن تخاف الغرق».
قال الشوكاني «٣/ ١٦٩»: «فيه أن الواجب على من يصلي في السفينة القيام، ولا يجوز القعود إلا عند خشية الغرق، ويؤيد ذلك الأحاديث المتقدمة الدالة على وجوب القيام في مطلق صلاة الفريضة؛ فلا يصار إلى جواز القعود في السفينة ولا غيرها إلا بدليل خاص، وقدَّمنا ما يدل على الترخيص في صلاة الفريضة على الراحلة عند العذرِ. والرُّخَصُ لا يقاس عليها، وليس راكب السفينة كراكب الدابة؛ لتمكنه من الاستقبال. ويقاس على مخافة الغرق المذكورة في الحديث ما ساواها من الأعذار». اهـ.
وقال أبو داود في «مسائله» «٧٦»: سمعت أحمد ﵀ سئل عن رجل صلى في السفينة قاعداً؟ قال: إن كان يقدر أن يصلي قائماً؛ فأحب إليَّ أن يعيد.
قال أبو داود: سمعت أحمد سُئل عن الصلاة في السفينة؟ قال: قائماً إن استطاع. ونحوه في «مسائل» ابنه عبد الله، لكنه لم يذكر الإعادة.
والحديث قال البيهقي: «حديث حسن». وأقره العراقي - كما في «فيض القدير».
[أصل صفة الصلاة (١/ ١٠١)]
стр. 1123
حكم الصلاة في الطائرة كالصلاة في السفينة
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٩:
وله أن يصلي فيهما [أي السفينة والطائرة] قاعدا إذا خشي على نفسه السقوط.
وقال في أصل الصفة:
فائدة: وحكم الصلاة في الطائرة كالصلاة في السفينة: أن يصلي قائماً إن استطاع، وإلا؛ صلى جالساً إيماءً بركوع وسجود».
[أصل صفة الصلاة (١/ ١٠٢)]
الاعتماد على عمود ونحوه في الصلاة
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ١٠:
ويجوز أن يعتمد في قيامه على عمود أو عصا لكبر سنه، أو ضعف بدنه.
وقال في أصل الصفة:
ولمَّا أسنَّ ﷺ وكبر؛ اتخذ عموداً في مصلاه يعتمد عليه.
قال الشوكاني: «٢/ ٢٨٤»: «الحديث يدل على جواز الاعتماد في الصلاة على العمود والعصا ونحوهما، لكنْ مقيداً بالعذر المذكور؛ وهو الكبر وكثرة اللحم، ويلحق بهما الضعف، والمرض، ونحوهما، وقد ذكر جماعة من العلماء أن من احتاج في قيامه إلى أن يتكئ على عصا، أو عكاز، أو يسند إلى حائط، أو يميل على أحد جنبيه من الألم؛ جاز له ذلك. وجزم جماعة من أصحاب الشافعي باللزوم، وعدم جواز القعود مع إمكان القيام مع الاعتماد». اهـ.
стр. 1124
وممن نص على جواز الاعتماد في الصلاة: الإمام مالك؛ فقال: «إن شاء؛ اعتمد، وإن شاء؛ لم يعتمد. وكان لا يكره الاعتماد، وقال: ذلك على قدر ما يرتفق به، فلينظر ما هو أرفق به؛ فليصنعه». كذا في «المدونة» «١/ ٧٤».
والظاهر أنه يريد بذلك النافلة، ولو بدون ضرورة. وقد قال القاضي عياض - كما في «المجموع» «٣/ ٢٦٤ - ٢٦٥» -: «وأما الاتكاء على العصي؛ فجائز في النوافل باتفاقهم، إلا ما نقل عن ابن سيرين من كراهته، وأما في الفرائض؛ فمنعه مالك والجمهور وقالوا: من اعتمد على عصا أو حائط ونحوه بحيث يسقط لو زال؛ [لم تصح صلاته] ... » إلخ.
وقد روى البيهقي عن الحجاج عن عطاء قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يتكئون على العصي في الصلاة.
والحجاج هذا - هو: ابن أرطاة -، وهو مدلس، وقد عنعنه.
[أصل صفة الصلاة (١/ ١٠٢)]
القيام والقُعود في صلاة الليل
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ١١:
ويجوز أن يصلي صلاة الليل قائما، أو قاعدا بدون عذر، وأن يجمع بينهما، فيصلي ويقرأ جالسا، وقبيل الركوع يقوم فيقرأ ما بقي عليه من الآيات قائما، ثم يركع ويسجد، ثم يصنع مثل ذلك في الركعة الثانية.
وقال في أصل الصفة: وكان ﷺ يصلي ليلاً طويلاً قائماً، وليلاً طويلاً قاعداً، وكان إذا قرأ قائماً؛ ركع قائماً، وإذا قرأ قاعداً؛ ركع قاعداً.
وكان أحياناً يصلي جالساً، فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين أو أربعين آية؛ قام فقرأها وهو قائم، ثم ركع وسجد، ثم يصنع في الركعة الثانية مثل ذلك.
стр. 1125
«وإنما صلى السُّبحَة قاعداً في آخر حياته لما أسَنَّ؛ وذلك قبل وفاته بعام».
قال الحافظ في «الفتح» «٣/ ٢٦»: فيه رد على من اشترط على من افتتح النافلة قاعداً أن يركع قاعداً، أو قائماً أن يركع قائماً، وهو محكي عن أشهب، وبعض الحنفية، والحجة فيه ما رواه مسلم وغيره من طريق عبد الله بن شقيق عن عائشة في سؤاله لها عن صلاة النبي ﷺ وفيه: كان إذا قرأ قائماً؛ ركع قائماً، وإذا قرأ قاعداً؛ ركع قاعداً.
وهذا صحيح، ولكن لا يلزم منه منع ما رواه عروة عنها، فيُجمع بينهما بأنه كان يفعل كلاً من ذلك بحسب نشاطه. والله أعلم. اهـ.
وهذا هو الحق، وإليه ذهب أحمد وإسحاق؛ فقال الترمذي «٢/ ٢١٢» - بعد أن ذكر الحديثين -: «قال أحمد وإسحاق: والعمل على كلا الحديثين. كأنَّهما رَأَيَا كلا الحديثين صحيحاً معمولاً بهما». وما نقله الحافظ عن بعض الحنفية ذكر الطحاوي خلافه عن الأئمة الثلاثة وهو: أن الأولى الأخذ بحديثها الأول دون حديث ابن شقيق عنها.
[أصل صفة الصلاة (١/ ١٠٤)]
صفة الجلوس في الصلاة
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ١٢:
وإذا صلى قاعدا جلس متربعا، أو أي جلسة أخرى يستريح بها.
وقال في أصل الصفة:
وكان يجلس متربعاً.
قال الشوكاني «٣/ ٧١»: «والحديث يدل على أن المستحب لمن صلى قاعداً أن يتربع، وإلى ذلك ذهب أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، وهو أحد القولين للشافعي،
следующие страницы →