← Фикх общий

Фикх общий · id 145204

جامع تراث العلامة الألباني في الفقه

ناصر الدين الألباني

Полный текст (8 195 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

ولكن من جهة أخرى مع الأسف تطبق عملياً، ويستحسن تطبيقها والأمثلة التي ذكرتها لك آنفاً: وهي الغاية تبرر الوسيلة. رجل مرابي مثلاً يطلع له ربا لو فرضنا مثلاً ألف دينار، يقول لك: هذه الألف دينار أحسن ما أتركها للبنك، أنا سأوزعها على الفقراء والمساكين. نحن بنقول كما قال ذلك الشاعر: ليتها لم تزن ولم تتصدقِ. المعاملات الآن كلها ماشية ضمن هذه القاعدة الكافرة، «الغاية تبرر الوسيلة» لو ناقشت فيها إنساناً يقول لك: هذا غير إسلامي، لكن هو واقع في تطبيقها شاء أم أبى، حتى أن بعض الكاتبين صَرَّح بأنه في هذا المجتمع اليوم لا يمكن للمسلم أن يعيش إلا ويرتكب بعض المحرمات؛ حتى يمشي حاله. فأين نحن حينئذٍ والآية الكريمة الصريحة: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢ - ٣] فاتق الله وبس. (الهدى والنور /٤٤٣/ ١٠: ٢١: ٠٠) (الهدى والنور /٤٤٣/ ٠٧: ٣٣: ٠٠) وجوب السترة في المسجد الحرام الشيخ: السترة لا بد منها حتى في المسجد الحرام، وما يُشَاع وما يقوله بعض أهل العلم من أن السترة في المسجد الحرام ساقطة وليست بواجبة، فهذا كلام لا دليل عليه. كل ما يستدلون به حديث أن الرسول ﵇ في غزوة الفتح صلى في حاشية المطاف والناس يمرون بين يديه. هذا الحديث أولاً: إسناده ضعيف، فيه جهالة واضطراب.

стр. 1157

ثانياً: لو صح وثبت ذلك عن النبي ﷺ ، فليس فيه أن الناس كانوا يمرون بينه وبين موضع سجوده؛ لأن المرور الممنوع هو المرور بين المصلي وبين موضع سجوده، هذا هو الممنوع. فإذا فرضنا أن المصلي يصلي يقف هنا ويضع رأسه هنا، فمن مر بين هذا المكان وهذا المكان بهذا هو المرور المحرم، أما إذا مر من الخلف هذا لا بأس فيه. مداخلة: يعني: من أمام السترة؟ الشيخ: من وراء السترة. فإذا افترضنا أن المصلي يصلي ليس بين يديه السترة، فمر مار من وراء السترة، وكانت موجودة فهذا لا يضر. فالحديث المذكور لا يُحَدِّد المرور الذي كان الناس يمرون فيه، فممكن أن يكون مرور الناس بين يدي الرسول يعني: من وراء موضع السجود، فهذا ليس فيه شيء، على أن الحديث ضعيف لا يصح، وتبقى الأحاديث التي تأمر أولاً بالصلاة إلى السترة، عامة شاملة للمسجد الحرام وبالمسجد النبوي وكل المساجد. مداخلة: بخصوص الصلاة في المسجد الحرام أو المسجد النبوي، أو بالأحرى المسجد الحرام، تكون أحياناً بعض النساء تمر من أمام، يعني بينك وبين السترة هل ترفع يدك، وإن رفعت يدك قد تصيبها. الشيخ: لا يضرك ذلك، عليك أن تمنع. (الهدى والنور / ٨١/ ٤٠: ٢٢: .. ) حكم السترة للمسبوق مداخلة: يا شيخ حفظك الله المسبوق للصلاة حينما يقوم يؤدي لما فاته من الصلاة هل يلزمه اتخاذ سترة؟

стр. 1158

الشيخ: أقول: لا يلزمه وقد يلزمه، لا يلزمه باعتبار أنه لا يزال أنه في حكم المقتدي للإمام الذي كان سبق ببعض صلاته، ويلزمه اتخاذ سترة إذا كانت قريبة منه .. لا تتطلب منه عملاً كثيراً، نفترض مثلاً أنه يصلي إلى القبلة وهناك سارية عمود لو أخذ يمنياً أو يساراً خطوة أو خطوتين لصار متستراً بسترة، وهكذا يمكن الإنسان يتصور صور كثيرة، فإذا كان اتخاذه للسترة في حالة الإتمام لصلاته لا يستلزم منه طلباً عملاً غير مطلوب شرعاً فله [ذلك]. (رحلة النور: ١٤ ب/٠٠: ٢٦: ١٩) هل يجوز للمسبوق أن يتعمد وضع سترة أمامه، قبل دخوله في الصلاة، حذراً من قطع صلاته عند قضائه ما تبقى منها ؟ السائل: أستاذنا، إذا كانت الصلاة قائمة جماعة، فلحقت في الركعة الأخيرة، تعمدت أني أُقَوِّم من إحدى الطاولات الموجودة في المسجد التي نحط عليها القرآن، وأضعها أمامي، طبعاً - يعني - موجود يجانبي ناس على أساس أنا أعمل سترة، بس ينتهوا من الصلاة، بيجوز هذا الشيء؟ الشيخ: يعني أنت بعد ما شرعت في الصلاة؟ السائل: لا، قبل ما شرعت في الصلاة تناولت الطاولة ووضعتها، وكَبَّرت وبدأت معهم بالصلاة. الشيخ: ما فيها شيء، ما دام أنت خارج، ما دام أنت عم تنظر أنك مسبوق، وعم تنظر بعد ما تنتهي من متابعتك للإمام، إنه لازم يكون أمامك سترة، فاتخذت الحيطة ووضعت الطاولة أمامك، ما فيه شيء إطلاقاً، بل هذا أمر حسن. (الهدى والنور / ٤/ ٠٠: ٠٢: ١٢)

стр. 1159

إذا كان المصلي يصلي إلى سترة ثم زالت السترة كأن يأخذها أحدهم فماذا يفعل هنا سؤال: إذا زالت السترة فماذا علي أن أفعل؟ يقصد إذا كانت السترة متحركة أو محمولة فأُخِذَت. الشيخ: حينئذٍ إن كان يمكن أن يتوجه إلى سترة بعمل قليل فعل وإلا لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، كأن يكون هناك مثلاً سارية أو يكون إنسان جالس فهو يقترب منه بخطوة أو خطوتين يتستر به أو بها. (رحلة النور: ٢٣ ب/٠٠: ٠٧: ٥٧) مقدار ارتفاع السترة قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٢٠: ويجب أن تكون السترة مرتفعة عن الأرض نحو شبر أو شبرين لقوله ﷺ : «إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل، ولا يبالي من وراء ذلك». [أصل صفة الصلاة (١/ ١١٥)] التوجه للسترة مباشرة قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٢١: ويتوجه إلى السترة مباشرة، لأنه، الظاهر من الأمر بالصلاة إلى سترة، وأما التحول عنها يمينا أو يسارا بحيث أنه لا يصمد إليها صمدا، فلم يثبت. [أصل صفة الصلاة (١/ ١١٥)]

стр. 1160

حكم الصلاة وسط المسجد بعيدا عن الجدار أو السارية قال الإمام في تلخيص الصفة حاشية فقرة ٢٤: ما يفعله الناس في كل المساجد التي رأيتها في سورية وغيرها من الصلاة وسط المسجد بعيدا عن الجدار أو السارية، ما هو إلا غفلة عن أمره ﷺ وفعله. السترة تمنع استيلاء الشيطان على المصلي ويقول: «إذا صلى أحدكم إلى سترة؛ فَلْيَدْنُ منها؛ لا يقطع الشيطان عليه صلاته». قوله لا يقطع: أي: لا يُفَوِّت عليه حضورها بالوسوسة والتمكن منها. قال الشيخ علي القاري «١/ ٤٩١»: «واستفيد منه أن السترة تمنع استيلاء الشيطان على المصلي، وتَمَكُّنِهِ من قلبه بالوسوسة، إمَّا كُلاً أو بعضاً؛ بحسب صدق المصلي وإقباله في صلاته على الله تعالى، وأن عدمها يُمَكِّنُ الشيطانَ من إزلاله عما هو بصدده من الخشوع والخضوع وتدبره القراءة والذكر. قلت: فانظر إلى متابعة السنة وما يترتب عليها من الفوائد الجمة». انتهى. [أصل صفة الصلاة (١/ ١١٥)] الصلاة إلى أسطوانة المسجد قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٢٢: وتجوز الصلاة .. إلى أسطوانة. وقال في أصل الصفة: وكان أحياناً يتحرى الصلاة عند الأُسْطُوَانَةِ التي في مسجده.

стр. 1161

قال الحافظ: «والأسطوانة المذكورة حقق لنا بعض مشايخنا أنها متوسطة في الروضة المكرمة، وأنها تعرف بأسطوانة المهاجرين». قال: ثم وجدت ذلك في «تاريخ المدينة» لابن النجار ... ، وذكره قبله محمد بن الحسن في «أخبار المدينة». قلت: والسترة لا بد منها للإمام والمنفرد؛ ولو في المسجد الكبير. قال ابن هانئ في «مسائله عن الإمام أحمد» «١/ ٦٦»: «رآني أبو عبد الله «يعني: الإمام أحمد» يوماً وأنا أصلي، وليس بين يدي سترة - وكنت معه في المسجد الجامع -؛ فقال لي: استتر بشيء. فاستترت برجل». قلت: ففيه إشارة من الإمام إلى أنه لا فرق في اتخاذ السترة بين المسجد الصغير والكبير، وهو الحق. وهذا مما أخل به جماهير المصلين من أئمة المساجد وغيرهم في كل البلاد التي طفتها؛ ومنها السعودية التي أتيحت لي فرصة التطواف فيها لأول مرة في رجب هذه السنة «١٤١٠ هـ». فعلى العلماء أن ينبهوا الناس إليها، ويحثُّوهم عليها، ويبيِّنوا لهم أحكامها، وأنها تشمل الحرمين الشريفين أيضاً. [أصل صفة الصلاة (١/ ١١٦)] الصلاة إلى العصا المغروزة في الأرض أو الحربة ونحوهما قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٢٢: وتجوز الصلاة إلى العصا المغروزة في الأرض أو نحوها. وقال في أصل الصفة: وكان إذا صلى [في فضاء ليس فيه شيء يستتر به]؛ غرز بين يديه حَرْبَةً، فصلى إليها والناس وراءه. [أصل صفة الصلاة (١/ ١١٧)]

стр. 1162

الصلاة إلى الدابة قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٢٢: وتجوز الصلاة إلى الدابة ولو كانت جملا. وقال في أصل الصفة: وأحياناً كان يَعْرِضُ راحلته، فيصلي إليها. «وهذا خلاف الصلاة في أعطان الإبل؛ فإنه نهى عنها». قوله: «يَعْرِضُ»؛ هو بفتح الياء وكسر الراء، وروي بضم الياء وتشديد الراء، ومعناه: يجعلها معترضة بينه وبين القبلة. ففيه دليل على جواز الصلاة إلى الحيوان، وجواز الصلاة بقرب البعير، بخلاف الصلاة في أعطان الإبل، فإنها مكروهة؛ للأحاديث الصحيحة في النهي عن ذلك. كذا في «شرح مسلم» للنووي. [أصل صفة الصلاة (١/ ١١٨)] الصلاة إلى مؤخرة الرحل وأحياناً كان يأخذ الرَّحْلَ، فيعدله، فيصلي إلى آخرته، وكان يقول: «إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مُؤْخِرَة الرحل؛ فليصلِّ، ولا يبالي مَن مَرَّ وراء ذلك». مؤخرة: بضم الميم وكسر الخاء وهمزة ساكنة. ويقال: بفتح الخاء مع فتح الهمزة وتشديد الخاء، ومع إسكان الهمزة وتخفيف الخاء. ويقال: آخرة الرحل؛ بهمزة ممدودة وكسر الخاء. فهذه أربع لغات؛ وهي: العود الذي في آخر الرحل. وفي هذا الحديث الندب إلى السترة بين يدي المصلي، وبيان أن أقل السترة مؤخرة الرحل، وهي قدر عظم الذراع، وهو نحو ثلثي ذراع ... واستدل القاضي عياض رحمه الله تعالى بهذا الحديث على أن الخط بين يدي المصلي لا يكفي؛ قال: وإن كان قد جاء به حديث، وأخذ به أحمد بن حنبل رحمه الله

стр. 1163

تعالى؛ فهو ضعيف. ذكره النووي في «شرح مسلم». ثم قال: «وحديث الخط رواه أبو داود، وفيه ضعف واضطراب». قلت: وهو كما قال النووي ﵀، وقد بينا ضعفه مفصلاً فيما انتقدناه على كتاب «التاج» رقم «٩٩». فليراجع هناك. وذكرنا شيئاً من ذلك في «التعليقات الجياد» «١/ ٨٣». [أصل صفة الصلاة (١/ ١١٩)] الصلاة إلى شجرة قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٢٢: وتجوز الصلاة .. إلى شجرة. وقال في أصل الصفة: وصلى - مرة - إلى شجرة. [أصل صفة الصلاة (١/ ١٢٠)] عدم مشروعية الخط بدلاً من السترة [قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]: قوله تحت رقم ١ - : «وعن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم ﷺ : «إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا فإن لم يجد شيئا فلينصب عصا فإن لم يكن من عصا فليخط خطا ولا يضره ما مر بين يديه». رواه أحمد وأبو داود وابن حبان وصححه كما صححه أحمد وابن المديني وقال البيهقي: لا بأس بهذا الحديث في هذا الحكم إن شاء الله».

стр. 1164

قلت: الحديث ضعيف الإسناد لا يصح وإن صححه من ذكرهم المؤلف فقد ضعفه غيرهم وهم أكثر عددا وأقوى حجة ولا سيما وأحمد قد اختلفت الرواية عنه فيه فقد نقل الحافظ في «التهذيب» عنه أنه قال: «الخط ضعيف». وذكر في «التلخيص» تصحيح أحمد له نقلا عن «الاستذكار» لابن عبد البر ثم عقب على ذلك بقوله: «وأشار إلى ضعفه سفيان بن عيينة والشافعي والبغوي وغيرهم». وفي «التهذيب» أيضا: «وقال الدارقطني: لا يصح ولا يثبت. وقال الشافعي في سنن حرملة: ولا يخط المصلي بين يديه خطا إلا أن يكون ذلك في حديث ثابت فيتبع». قلت: وقال مالك في «المدونة»: «الخط باطل». وضعفه من المتأخرين ابن الصلاح والنووي والعراقي وغيرهم وهو الحق لأن له علتين تمنعان من الحكم بحسنه فضلا عن صحته وهما الاضطراب والجهالة ونفي الاضطراب كما ذهب إليه الحافظ في «بلوغ المرام» لا يلزم منه انتفاء الجهالة كما لا يخفى فكأنه ذهل عنها حين حسن الحديث وإلا فقد اعترف هو في «التقريب» بجهالة راوييه أبي عمرو بن محمد بن حريث وجده حريث والمعصوم من عصمه الله. وقد فصلت القول في علتي الحديث وذكرت أقوال العلماء الذين ضعفوه في «ضعيف سنن أبي داود» رقم ١٠٧ وقد مضى تمثيل ابن الصلاح به للحديث الشاذ في المقدمة فراجع القاعدة الأولى. وفي قول البيهقي الذي نقله المؤلف إشارة لطيفة إلى تضعيف الحديث حيث قيد قوله: «لا بأس به» بـ «في هذا الحكم». فكأنه يذهب إلى أن الحديث في فضائل الأعمال فلا بأس بالحديث فيها وكأن هذا هو مستند النووي في قوله في «المجموع»: «المختار استحباب الخط لأنه وإن لم يثبت الحديث ففيه تحصيل حريم للمصلي وقد قدمنا اتفاق العلماء على العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال دون الحلال والحرام وهذا من نحو فضائل الأعمال».

стр. 1165

قلت: ويرد عليه وعلى البيهقي قول الشافعي المنقول عن «التهذيب» فإنه صريح بأنه ﵁ لا يرى مشروعية الخط إلا أن يثبت الحديث وهذا يدل على أحد أمرين: إما أنه يرى أن الحديث ليس في فضائل الأعمال بل في الأحكام وهذا هو الظاهر من كلامه. وإما أنه لا يرى العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال وهذا هو الحق الذي لا شك فيه وقد بينت ذلك في «المقدمة». [تمام المنة ص (٣٠٠)] عدم مشروعية الخط للسترة إذا لم يجد عصا قال أبو داود: «وسمعت أحمد- يعني: ابن حنبل ﵀ سئل عن وَصْفِ الخطِّ غير مرة؟ فقال: هكذا عرضاً؛ مثل الهلال». [قال الألباني]: أورده المصنف في كتاب (مسائل الإمام أحمد) أيضا (ص ٤٤) بنحو هذا، ثم قال: (وسمعته- يعني: أحمد- مره أحرى سئل عن الخط؟ فقال: قال بعضهم- أشار برأسه؛ يعني: بالطول- وقال بعضهم: هكذا، يعني: بالعرض فعطف مثل الهلال). قلت: وما دام أن الحديث لم يثبت- كما فصلناه في الكتاب الآخر-؛ فلا حاجة إلى معرفة كيفية الخط. والحق قول الشافعي في الجديد، فقال في كتاب البوَيْطي: (ولا يخط المصلي بين يديه خطا، إلا أن يكون في ذلك حديث ثابت فيتبع). نقله البيهقي في (سننه) (٢/ ٢٧١). صحيح سنن أبي داود (٣/ ٢٧٢). (صحيح سنن أبي داود ٣/ ٢٧٢)

стр. 1166

عدم مشروعية الخط للسترة إذا لم يجد عصا عن أبي عمرو بن محمد بن حُريْثٍ: أنه سمع جدهُ حريْثاً يحدث عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: «إذا صلّى أحدكم؛ فليجعلْ تِلْقاء وجْهِهِ شيئاً، فإن لم يجِدْ؛ فلينصب عصاً، فإن لم يكن معه عصاً؛ فلْيخطّ خطّاً، ثم لا يضُرُّهُ ما مرّ أمامهُ». «قلت: إسناده ضعيف، وله علتان: جهالة أبي عمرو بن محمد بن حريث وجده حُريْث. والاضطراب في إسناده اضطراباً شديداً. ولذلك قال الدارقطني: «لا يصح ولا يثبت». وقال أحمد: «ضعيف». وقال النووي: «لم يثبت، قال البغوي وغيره: هو حديث ضعيف، وأشار إلى تضعيفه سفيان ابن عيينة والشافعي والبيهقي وغيرهم». وضعفه أيضاً ابن الصلاح والعراقي. ومن وجوه اضطرابه الرواية الآتية». وعن أبي محمد بن عمرو بن حُريْثِ عن جدِّه حُريْث- رجلٍ من بني عُذْرة- عن أبي هريرة عن أبي القاسم ﷺ قال ... فذكر حديث الخط. «قلت: إسناده ضعيف؛ لما سبق قبله. وقد أشار المصنف إلى تضعيفه وإلى بعض الاضطراب الذي في إسناده بقوله، وهو متصل بإسناد الحديث: قال سفيان: لم نجد شيئاً نشُد به هذا الحديث، ولم يجئ إلا من هذا الوجه. قال - يعني: علي بن المديني-: قلت لسفيان: إنهم يختلفون فيه؟ فتفكّر ساعةً، ثم قال: ما أحفظ إلا أبا محمد بن عمرو. قال سفيان: قدِم هنا رجل بعدما مات إسماعيل بن أمية، فطلب هذا الشيخ أبا محمد، حتى وجده، فسأله عنه؟ فخُلِط عليه». ولذلك نرى أن قول الحافظ- فيما سبق-: «بل هو حسن»! غير حسن؛ لا سيما وقد عارضه جماعة من المتقدمين من الأئمة كما سلف؛ وقد ذكر هو نفسه في «التهذيب» عن أحمد أنه قال: «الخط ضعيف». وقال الدارقطني: «لا يصح ولا يثبت». وقال الشافعي في «سنن حرملة»:

стр. 1167

«ولا يخط المصلي بين يديه خطاً؛ إلا أن يكون ذلك في حديث ثابت فيُتّبع» أ. هـ. وقال مالك: «الخط باطل». كذا في «المدونة» «١/ ١١٣». قلت: وفي قول الشافعي هذا رد على النووي؛ حيث قال في «المجموع» «٣/ ٢٤٨»: «والمختار استحباب الخط؛ لأنه وإن لم يثبت الحديث؛ ففيه تحصيل حريم للمصلي. وقد قدمنا اتفاق العلماء على العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال- دون الحلال والحرام-، وهذا من نحو فضائل الأعمال»! ! قلت: وفيما قاله نظر من وجهين: الأول: استحبابه الخط، مع اعترافه بضعف الحديث! وهذا أمر غريب؛ فإن الاستحباب حكم شرعي، لا بد له من دليل تقوم به الحجة، والحديث الضعيف لا يثبت به أي حكم شرعي. فلا جرم أن ذهب إمامه إلى عدم مشروعية الخط إلا أن يثبت الحديث. فلو أنه تبع إمامه في ذلك؛ لكان أصاب الحق. اقول هذا؛ مع العلم أن ما ذهب إليه النووي كان مذهب الشافعي في القديم، ثم رجع عنه في الجديد إلى ما نقلناه عنه آنفاً، وذلك حين ظهر له ضعف الحديث، كما أشار إلى ذلك البيهقي. والوجه الآخر: نقْله اتفاق العلماء على العمل بالحديث الضعيف! وهذا غير صحيح؛ فإن المسألة مختلف فيها على ثلاثة أقوال، ذكرها الشيخ القاسمي في «قواعد التحديث» «ص ٩٤» أولاها- وهي عندي أوْلاها-: أنه لا يعمل به مطلقاً، لا في الأحكام ولا في الفضائل، حكاه ابن سيد الناس في «عيون الأثر» عن يحيى بن معين، ونسبه في «فتح المغيث» لأبي بكر بن العربي. وهو مذهب ابن حزم، كما صرح به في كتبه، منها: «الإحكام في أصول الأحكام» «١/ ١٣٦». وكيف يجوز العمل به، وقد اتفقوا جميعاً على أن الحديث الضعيف لا يفيد إلا الظن- والظن المرجوح- وهو أكذب الحديث بشهادة النبي ﷺ ؟ ! وقد نعى الله

стр. 1168

تعالى على قوم قبلنا عملهم بالظن، فقال: ﴿إنْ يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ ولذلك نهى النبي ﷺ أمته عن رواية الحديث عنه إلا بعد العلم بصحته؛ فقال: «اتقوا الحديث عنِّي إلا ما علمتم». أفيجيز لهم العمل به قبل أن يعرفوا صحته، وقد نهاهم عن روايته؟ ! اللهم! لا. وهذا بين لا يخفى، وقد مضى تفصيل القول في ذلك في المقدمة. على أن حديث الباب ليس من الفضائل، بل هو في الأحكام؛ لأن فيه الأمر بالخط، وهو يفيد الوجوب عند عدم القرينة، ولا قرينة هنا. وكأن النووي ﵀ لاحظ ما ذكرنا، فاحتاط في عبارته، فقال- كما تقدم-: «وهذا من نحو فضائل الأعمال»! هذا؛ وقال النووي «٣/ ٢٤٦» - بعد أن عزا الحديث للمصنف وابن ماجه-: «قال البغوي وغيره: هو حديث ضعيف، وروى أبو داود في «سننه» عن سفيان بن عيينة تضعيفه، وأشار إلى تضعيفه الشافعي والبيهقي وغيرهما». قلت: وأما ما نقله ابن التركماني وغيره عن ابن عبد البر، أنه قال في «الاستذكار»: «كان ابن حنبل وابن المديني يصححان هذا الحديث»! فلا أدري مقداره من الصحة والثبوت، ولا سيما وقد نقل الحافظ عن الخلال عن أحمد تضعيفه- كما سبق-. فإن صح ما في «الاستذكار»، فيكون لأحمد فيه قولان، والصحيح منهما: ما سبق، لما نقلناه عن الحافظ العراقي. وقد نقل هو عن بعضهم أن الحاكم صححه أيضاً، ولعل ذلك في غير كتابه «المستدرك»؛ فإني لم أجد الحديث فيه! والله أعلم. ومما سبق من التحقيق؛ تعلم أن قول صاحب «التاج» «١/ ١٧٦» - في الحديث-: «رواه أبو داود وأحمد بسند صحيح»! غير صحيح أيضاً؛ وإنما جاءه ذلك من تقليده بعض المصححين له، دون النظر في إسناده، وليس ذلك من شأنه ولا من صناعته، كما يتبين ذلك جلياً لمن درس كتابه هذا دراسة إمعان وتدقيق! (ضعيف سنن أبي داود ٩/ ٢٤٦ - ٢٤٩)

стр. 1169

قدر ارتفاع السترة مداخلة: يا شيخ عندنا الصلاة إلى السترة، هل هي ارتفاع مؤخرة الرحل، يعني: هل إذا نقص عن مؤخرة الرحل ما يجزئ؟ الشيخ: المهم أن يكون مرتفعًا؛ لأن مؤخرة الرحل ليس لها حد محدود في عرف العرب، فقد تطول شيئًا وقد تقصر شيئًا، نحو ذلك يعني: مثل مؤخرة الرحل لا تعني المماثلة دائمًا بصورة شرعية المماثلة من كل النواحي، معروف هذا لديكم؟ مؤخرة الرحل شبر .. شبرين أرفع منه .. أكثر منه، ليس مهم. مداخلة: السترة يصمد لها صمدًا أو يمين أو شمال؟ الشيخ: الحديث الذي يقول: «كان لا يصمد إليها صمدًا وإنما يمينًا أو يسارًا» حديث ضعيف. (فتاوى رابغ (٦) /٠٠: ٠٦: ٠٤) طول السترة وعرضها وحديث الخط السائل: ماذا عن طول السترة، وهل يجزئ الخط، أو الشيء إذا كان مفتوحاً من أسفل؟ الشيخ: طول السترة جاء الإشارة إليه في حديث ما يقطع الصلاة في الأمور الثلاثة، وهو قوله ﵇ «إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل» مؤخرة الرحل، رحل البعير. وأنتم العرب أهل البعران، أَدْرَى من الأعاجم بمؤخرة الرحل، وهي العصاة التي تكون في مؤخرة الرحل، ويُعَلّق عليها الراكب زاده ومتاعه ونحو ذلك، وهي في العادة تكون نحو شبر ونصف، شبرين إن طالت.

стр. 1170

فنحو هذا ينبغي أن تكون السترة، من حيث الطول، أما من حيث السماكة فليس هناك حد، ولو كان سهماً رفيعاً أو عموداً كهذا أو أرفع فهو سترة. أما حديث الخط الذي جاء السؤال عنه أخيراً، فهو كما أقول في مثل هذا السؤال، إنه حديث ضعيف، مضروب عليه بخط. فإنه يُعَارِض الأحاديث الصحيحة، ومنها: «إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل» ولا يتكلف أحد ويقول: وإذا كان في الصحراء ولم يجد هناك سترة، فهل يخط خَطًّا. نقول: هذه والله أعلم فرضية، قَلّما تتحقق حتى على سطح القمر، ولا بد أن يكون هناك شيء مرتفع، يمكن الإنسان أن يتوجه إليه، أما نبتة صغيره، وإما صخره ناتئة، وإما أيّ شيء. فأن نتصور أن الصحراء التي يُسَافر الناس فيها، لا يجدون سترة إلا أن يَخُطُّون بين أيديهم خطاً، فنحن لا نتصور هذا، ولكننا نتوسع في الجواب، ونقول: إن وقع شيء من ذلك فلا خط؛ لأن القول بالخط فيه تشريع جديد، ولا يجوز للمسلم أن يُشْرَع في دين الله، إلا بالنقل عن الله ورسوله. وإذا لم يكن هناك من السترة ما يُحَقِّق الأمر النبوي، حينذاك نقول: لا يُكَلّف الله نفساً إلا وسعها. القاعدة العامة: صَلِّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً، فان لم تستطع فعلى جنب، فإذا ما استطعت أن تُحَصِّل السترة الشرعية، فلا تخترع سترة من ذهنك، وهو الخط على الأرض، هذا جوابي. السائل: ما يُكَوّم كَوْمه من الرمل؟ الشيخ: ممكن، قد يقل لك ما في رمل. السائل: طب واحد أشكل عليه، يقول كيف أستطيع السجود والمسافة شبر ونصف.

стр. 1171

الشيخ: سائل يقول كيف أستطيع السجود والمسافة شبر ونصف، نحن قلنا بين مصلى النبي، أي موضع سجوده، ليس بين قيامه وبين سترته. والآن نقول: لما دخل الرسول ﵇ الكعبة في غزوة الفتح، وصلى ركعتين، قال بلال ونقل ذلك عنه عبد الله ابن عمر ابن الخطاب: كان بين الرسول وبين جدار الكعبة ثلاثة أذرع، فليَطْمَئِن السائل، فنحن ما قلنا بين قيامه وبين سترته شبر ونصف لا، وإنما بين موضع سجوده، أي بين رأسه وبين سترته نحو شبر ونصف، أما بين قيامه وبين السترة فنحو ثلاثة أذرع. (الهدى والنور / ٣٩٩/ ١٤: ٢٤: ٠٠) ضعف حديث الخط مداخلة: يقول هنا: في ضعيف الجامع ضعفتم حديث: «لو صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئًا، فإن لم يجد فلينصب عصاه، فإن لم يكن معه عصا فليخط بين يديه خطًا ثم لا يضره ما مر أمامه» وقد حسن الحافظ ابن حجر إسناده .. فما هو سبب تضعيفكم .. ؟ ملاحظة: في سنده أبو محمد عمرو بن حريث ... أبو محمد عمرو بن محمد بن عمرو بن حريش. الشيخ: نحن فيما أذكر حينما بدأنا بتخريج سنن أبي داود قديمًا نحو أربعين سنة خططت لنفسي أن أجعله كتابين، أحدهما صحيح أبي داود، والآخر ضعيف أبي داود على هذا التقسيم الذي ظهر حديثًا بتصحيح موجز جدًا، فمر بي هذا الحديث، والذي في [ذاكرتي] أن في هذا الحديث علتين: العلة الأولى: الاضطراب الذي نقل السائل نفيه من كلام الحافظ ابن حجر، والعلة الأخرى: جهالة بعض رواته، فاطمأننت يومئذ بأن هذا الحديث لا يصح إسناده، وقد ضعفه كثير من علماء الحديث من قبلي، والذي نراه من هديه ﵊ هو الإعراض عن مثل

стр. 1172

هذا الحديث عمليًا، فقد جاء من أفعاله ﷺ أنه كما في حديث خروجه إلى صلاة العيد كان ينصب له العصا المسمى بالعنزة، ولا يخط خطًا، فتارة كان يصلي كما في وقعة بدر الكبرى إلى شجرة، وتارةً يعدل رحل البعير فيصلي إليه، أو يصلي إلى جدار كما كان ذلك في مسجده، وليس هناك أي أثر عملي لهذا الحديث حديث الخط، بل هو يخالف مفهوم قوله ﵇ في بعض الأحاديث الصحيحة كحديث أبي ذر ﵁ الذي قال فيه ما لفظه أو ما معناه على الأقل: «إذا صلى أحدكم وليس بين يديه مثل مؤخرة الرحل يقطع صلاته المرأة والحمار والكلب الأسود». فإذًا: السترة المشروعة والتي تمنع قطع الصلاة إنما هي تكون مثل مؤخرة الرحل، أي: بارتفاع شبر وشبرين وأنتم المفروض أنكم تعرفون مؤخرة الرحل باعتباركم عربًا أكثر من أمثالنا نحن الأعاجم، فمؤخرة الرحل هي العصا التي يعلق عليها راكب جمله متاعه وزاده ونحو ذلك، فالرسول ﷺ بمنطوق هذا الحديث يحدد السترة التي تحول بين المصلي وبين أن تقطع صلاته، أي: هنا تبطل بمرور شيء من هذه الأنواع الثلاثة، أما الخط فليس مؤخرة الرحل بطبيعة الحال، فمفهوم الحديث حجة كما قلنا آنفًا في الجواب عن بعض الأسئلة، إلا إذا عارضه منطوق، ومنطوق حديث الخط لو صح لأخذنا به ولقدمناه على المفهوم. أما نفي الحافظ ابن حجر الاضطراب الذي في الحديث فهذا في الواقع يتطلب منا استحضار الطرق بين أيدينا لننظر أصحيح أن الاضطراب قد انتفى، الاضطراب موجود يقينًا، ولكن إن صح رأي الحافظ ولا أقول الآن: إن صح ما نقل عن الحافظ، بل أقول: إن صح رأي الحافظ أن الحديث ليس يوصف بالاضطراب فإنما يعني وصفًا يقدح في صحته؛ ذلك لأن من المذكور في علم المصطلح أن الاضطراب علة من علل الحديث، فكل حديث صح أنه مضطرب فهو من أقسام الحديث الضعيف، ولكن ليس دائمًا يكون الحديث مضطربًا اضطرابًا يقدح في صحة الحديث؛ ذلك لأن الحديث يرد أحيانًا فعلًا بوجوه مضطربة.

стр. 1173

فهذا الاضطراب كما يقول علماء الحديث يدل على أن الراوي لم يتقن روايته للحديث إما سندًا وإما متنًا، ولكن إذا جمع الحافظ المتقن طرق هذا الحديث المضطرب فمن الممكن أحيانًا أن يرجح وجهًا على وجه من وجوه الاضطراب؛ لأن الاضطراب المؤثر هو الذي تساوت وجوه الروايات المضطربة ولم يمكن ترجيح وجه من هذه الوجوه، أما إذا كان العكس بحيث أن أكثر الطرق روت وجهًا من هذه الوجوه، وبقية الوجوه الأخرى فهي أفراد، ففي هذه الحالة تترجح رواية الأكثرين على رواية الأقلين، وتكون هذه الرواية رواية الأكثرين هي الراجحة من ماذا؟ من اعتراض، ولكن هل مجرد أرجحية الحديث بالنص بالاضطراب يعني أنه نجا من الضعف ودخل في دائرة الصحة أو دائرة الحسن على الأقل؟ الجواب: ليس هذا [مطلقًا] بل قد وقد، أي: قد ينجو من الضعف فيدخل في دائرة الثبوت حسنًا أو صحًة وقد لا. الشيخ: ما هو الراجح منها؟ مداخلة: الله أعلم. الشيخ: لا، يعني: المؤلف ... بهذه النقطة. مداخلة: هذا المؤلف قال: وهذا اضطراب شديد، هناك مؤلف آخر قال: .. الشيخ: أخي بارك الله فيك! هل حاول أن يرجح وجهًا من وجوه هذا الاضطراب الكثير أو لا؟ مداخلة: لا. الشيخ: وهذا واضح جدًا يعني: الاضطراب فيه. مداخلة: يقول هنا: وقد أورده ابن الصلاح مثالًا للمضطرب فأصاب. الشيخ: نعم. مداخلة: هناك أحد المؤلفين حاول أن يوثق بين الاضطراب.

стр. 1174

الشيخ: جميل. مداخلة: فقال: أن هذا هو واحد هو اسمه: أبو محمد عمرو بن محمد بن عمرو بن محمد بن عمرو بن حريث، فيقول: تارًة ينسب إلى جده الأبعد وتارًة ينسب إلى جده الأقرب. الشيخ: ممكن. مداخلة: فمن هذا الوجه يقول: الرواية عن أبي محمد بن عمرو بن حريث عن جده يقصد عن جده الأبعد، وتارًة يقول: عن أبي محمد بن عمرو بن محمد بن عمرو هذا أنه كيف يروي هذا عن جده الأبعد عن رابع جد؟ يعني: عن عمرو بن محمد بن عمرو بن حريث، عن أبي .. الثالث بعد ذلك. الشيخ: فهل يكون متصلًا والحالة هذه؟ ! مداخلة: لا لا، هذا الذي قلنا. الشيخ: هذا هو، على كل حال: فالذي أنا في خاطري .. طيب! هل تعمد الرجل أن في هذا الإسناد جهالة؟ مداخلة: نعم، قال: أولًا ذكر أن هذا أبو محمد وعمرو وحريث .. عمرو وحريث مجهولان يروى ... ذكر هذا، سفيان كان يقول: كان إسماعيل إذا حدث بهذا الحديث يقول: عندكم شيء تشدونه به؟ قال سفيان: ما أحفظ إلا أبا محمد بن عمرو، قال سفيان: قدم هاهنا رجل بعدما مات إسماعيل بن أمية فطلب هذا الشيخ أبا محمد حتى وجده فسأله فخلط عليه. الشيخ: طيب، نقل كلام الحافظ ابن حجر؟ مداخلة: نعم. الشيخ: وهو ..

стр. 1175

مداخلة: شيخ إسماعيل أبو عمرو بن حريث قال فيه الحافظ مجهول، وأبوه أو جده مجهول أيضًا، قال الحافظ: وعندي أن راوي حديث الخط غير الصحابي بل هو مجهول، الغريب هنا: الحافظ يحسن حديثه وهو يرى أنه كلا الراويين مجهولين، أنا أظن .. الشيخ: أين التحقيق؟ مداخلة: التحقيق في بلوغ المرام، وذكر هذا .. الشيخ: لكن نص عن بلوغ المرام؟ مداخلة: شيخ أتينا ببلوغ المرام، فيحتج به بعض العلماء أن ابن حجر حسن هذا الحديث. الشيخ: لنتابع التقديم الذي لا وجه له بعد أن عرفوا أن الحديث في صحيح مسلم، ونبين ما هي السترة، وفي بعض الأحاديث في المستدرك للحاكم وإن كنت الآن لا أستحضر إن كان من الأحاديث الثابتة أو لا، أن يكون السترة في دقة السهم، ولذلك فأنا أقول حسب رأيي واجتهادي قديمًا وحديثًا: أن حديث الخط مضروب عليه بخط، نعم. (رحلة النور: ٣١ ب/٠٠: ٢٢: ٥٩) هل يصح اتخاذ الطاولة سترة ؟ مداخلة: مسألة السترة تكون مُلْصَقة بالأرض ولها أطراف أي: قوائم، ولم تكن كلها كاملة ملصقة بالأرض، فهل يأخذها سترة ويترك القوائم عن يمينه وشماله، مثل هذه الطاولة، هل يصلي إلى هذا الفراغ؟ الشيخ: لا، ما يصلي إلى الفراغ، يصلي إلى القائم. مداخلة: إلى القائم؟

стр. 1176

الشيخ: نعم. مداخلة: طيب، حديث السرير يا شيخ، صلى إلى سرير النبي ﷺ لم يفهم أن الأسِرَّة لها رجول مفتوحة؟ الشيخ: إيه، صلى إلى سرير. مداخلة: نعم. الشيخ: طيب، نحن ليس عندنا صورة لا صورة رسمية ولا صورة تعبيرية أنها كانت مكشوفة أو كانت مستورة، ولماذا نتعمق هذا التعمق، ونحن نعرف أن السترة هي كل شيء يكون أمام المصلي ولو كالسهم، فإذا صلى إلى سرير، فنحن يجب أن نفترض ليس الأمر اللا معهود وإنما الأمر المعهود، والأمر المعهود أن يتستر بشاخص، ولا يتستر بفراغ، فإذا صلى إلى سرير وافترضنا أن السرير مثل هذه الطاولة التي بين أيدينا هناك فراغ بين القائمتين، فلا شك أنه صلى إلى إحداهما، هذا إذا افترضنا الفراغ، وقد لا يكون هناك فراغ، ونحن نقرب هذا كثيراً في أوضاعنا الآن في غرفنا، فنحن قد نجد سريراً وعليه مثلاً ثوب، هذا الثوب متدلي من السرير بحيث أنه سد الفراغ، فأنت إذا صليت إلى فراغ السرير في هذه الحالة لا يعني أنك صليت إلى الفراغ؛ صليت إلى الستارة التي هي القماش، فإذاً كما جاء عن علي ﵁ في المسند يقول: [إذا جاءكم الحديث عن رسول الله ﷺ معنى حديثه لأنه ليس هذا لفظه: فاحملوه على أحسن المحامل] تذكر اللفظ؟ فأيضاً نحن نحمل الحديث على أحسن المحامل، نحمله على ما يتوافق مع الأحاديث الأخرى لا على ما يتنافر. نعم. مداخلة: طيب يا شيخ، دعنا في هذا نفسه المقال: صلى النبي ﷺ إلى الرحل، والرحل المعروف أن له تجويف. الشيخ: والرحل قائم في الهواء؟ مداخلة: قائمه في الأرض، ولكن ..

стр. 1177

الشيخ: انتهى الأمر. (الهدى والنور /٨١٢/ ٥٨: ١٨: ٠٠) هل يصح شيء في وضع السترة عن اليمين أو الشمال ؟ السائل: السترة يجعلها عن يمينه، أم يساره؟ الشيخ: جاء في «سنن أبي داود» بإسناد ضعيف لا تقوم به حُجّة، أن النبي ﷺ كان إذا صلى إلى سترة لا يصمد إليها صمداً، وإنما عن يمينها أو عن يسارها. هذا مع ضَعْف إسناده -كما ذكرت آنفاً- فهو يُخَالف ظاهر الأحاديث الذي ذكرنا آنفاً بعضها، هو يصلي إلى سترة، الظاهر العبارة إلى سترة، أي: متوجهاً إليها. ولو كان النبي ﷺ يريد أن لا يصمد المصلي إليها صمداً، لقال فَلْيُصَلِّ إلى يمينها أو إلى يسارها. كذلك جاء في صحيح البخاري ومسلم، من حديث أبي جحيفة السوائي، أن النبي ﷺ كان إذا خرج إلى صلاة العيد، خرج بلال ومعه العنزة، وهي عصى معكوفة الرأس، فتنصب بين يديه في المصلى، فيصلي إليها. فكل الأحاديث متوافرة، متضافرة، -سواء ما كان منها فعلية أو قولية- على أن السترة يُتَوَجّه إليها، ويصمد إليها صمداً، ولا يميل يميناً ويسارا؛ لأن الحديث الذي ورد في ذلك حديث ضعيف. حد المسافة التي يتركها المار بين يدي المصلي الذي لم يتخذ سترة مداخلة: المسافة التي يتركها المارّ بين يدي المصلي، الذي لم يتخذ سترة؟ الشيخ: من وراء سجود المصلي. مداخلة: من وراء السجود، حوالي ثلاثة أذرع.

стр. 1178

الشيخ: نعم. (الهدى والنور/٣٢٢/ ٢٢: ٠٥: ٠٠) الصلاة إلى امرأته المضطجعة على سرير قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٢٢: وتجوز الصلاة وإلى امرأته المضطجعة على السرير، وهي تحت لحافها. وقال في أصل الصفة: وكان أحياناً يصلي إلى السرير، وعائشة ﵂ مضطجعة عليه [تحت قطيفتها]. [أصل صفة الصلاة (١/ ١٢٠)] هل في الحديث المتقدم دليل على أن المرأة لا تقطع الصلاة قال النووي في «شرح مسلم»: استدلت به عائشة ﵂ والعلماء بعدها على أن المرأة لا تقطع صلاة الرجل، وفيه جواز صلاته إليها، وكره العلماء أو جماعة منهم الصلاة إليها لغير النبي ﷺ لخوف الفتنة بها، وتذكّرها، واشتغال القلب بها بالنظر إليها. وأما النبي ﷺ ؛ فمنزّه عن هذا كله في صلاته، مع أنه كان في الليل، والبيوت يومئذٍ ليس فيها مصابيح. اهـ. قلت: وقضية المصابيح هي من حديث لعائشة. سيأتي في فصل خاص قبل «الركوع». وأما الاستدلال بحديثها هذا على أن المرأة لا تقطع صلاة الرجل مطلقاً؛ ففيه نظر؛ لأن الأحاديث الواردة بقطع الصلاة بالأشياء المذكورة في هذا الحديث إنما المراد مرورها أمام المصلي - كما يأتي قريباً - وحديث عائشة ليس فيه أنها كانت تمر

стр. 1179

بين يديه ﷺ حتى يكون معارضاً لتلك الأحاديث؛ بل في رواية للنسائي - على ما في «الفتح» «١/ ٤٦٧» - من طريق شعبة عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عنها في هذا الحديث: ... فأكره أن أقوم فأمر بين يديه؛ فأنسل انسلالاً. قال الحافظ: «فالظاهر أن عائشة إنما أنكرت إطلاق كون المرأة تقطع الصلاة في جميع الحالات، لا المرور بخصوصه». اهـ. فثبت أن لا تعارض بين حديث عائشة وبين الأحاديث المشار إليها. ويأتي تخريجها قريباً إن شاء الله تعالى. [أصل صفة الصلاة (١/ ١٢١)] وجوب منع المصلي للمار بين يديه ولو في المسجد الحرام وجواز التقدم خطوة أو خطوات لمنع المرور قال الإمام في تلخيص الصفة ٢٥، ٢٦: ولا يجوز للمصلي إلى سترة أن يدع أحدا يمر بين يديه، للحديث السابق: «ولا تدع أحدا يمر بين يديك ... » وقوله: «إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفع في نحره، وليدرأ ما استطاع، وفي رواية: فليمنعه مرتين، فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان». ويجوز أن يتقدم خطوة أو أكثر ليمنع غير مكلف من المرور بين يديه كدابة أو طفل، حتى يمر من ورائه. وقال في أصل الصفة: وكان ﷺ لا يدعَ شيئاً يمر بينه وبين السترة؛ فقد «كان مرة يصلي؛ إذ جاءت شاة تسعى بين يديه، فَسَاعَاهَا حتى ألزق بطنه بالحائط، [ومرت من ورائه]». - فَسَاعَاهَا: أي: سابقها. وهي مفاعلة من السعي.

стр. 1180

وصلى صلاة مكتوبة، فضم يده، فلما صلى؛ قالوا: يا رسول الله! أَحَدَثَ في الصلاة شيء؟ قال: «لا؛ إلا أن الشيطان أراد أن يمر بين يدي، فَخَنَقْتُه، حتى وجدت بَرْدَ لسانه على يدي». وايم الله! لولا ما سبقني إليه أخي سليمان؛ لارْتُبِطَ إلى سارية من سواري المسجد، حتى يَطِيْفَ به وِلْدَانُ أهل المدينة، [فمن استطاع أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد؛ فليفعل]. قال النووي في «شرح مسلم»: فيه دليل على أن الجن موجودون، وأنهم قد يراهم بعض الآدميين. وأما قول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيْلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ فمحمول على الغالب، فلو كانت رؤيتهم محالاً؛ لما قال النبي ﷺ ما قال من رؤيته إياه، ومن أنه كان يربطه؛ لينظروا كلهم إليه، ويلعب به وِلْدانُ أهل المدينة. قال القاضي: وقيل: إن رؤيتهم على خلقهم وصورهم الأصلية ممتنعة؛ لظاهر الآية، إلا للأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ومن خُرِقَتْ له العادة، وإنما يراهم بنو آدم في صور غير صورهم؛ كما جاء في الآثار. قلت: هذه دعوى مجردة؛ فإن لم يصح لها مستند؛ فهي مردودة. اهـ. كلام النووي. وهو من الأحاديث الكثيرة التي يكفر بها طائفة القاديانية؛ فإنهم لا يؤمنون بعالم الجن المذكور في القرآن والسنة، وطريقتهم في رد النصوص معروفة، فإن كانت من القرآن؛ حرفوا معانيها؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾. قالوا: «أي: من الإنس»! فيجعلون لفظة: «الجن» مرادفة للفظة: «الإنس»؛ كـ «البشر»! فخرجوا بذلك عن اللغة والشرع، وإن كانت من السنة؛ فإن أمكنهم تحريفها بالتأويل الباطل؛ فعلوا، وإلا؛ فما أسهل حكمهم ببطلانها؛ ولو أجمع أئمة الحديث كلهم والأمة من ورائهم على صحتها؛ بل تواترها! هداهم الله﴾.

стр. 1181

وكان ﷺ يقول: «إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه؛ فليدفع في نحره، [وليدرأ ما استطاع] «وفي رواية: فليمنعه، مرتين»، فإن أبى؛ فليقاتله؛ فإنما هو شيطان. قوله: فليقاتله: قال السيوطي في «تنوير الحوالك»: هو عندنا على حقيقته، وهو أمر ندب، وقال ابن العربي: المراد بالمقاتلة: المدافعة. وعند الإسماعيلي: «فإن أبى؛ فليجعل يده في صدره، وليدفعه». «فإنما هو شيطان»؛ أي: فعله فعل الشيطان، أو المراد شيطان من الإنس، وفي رواية الإسماعيلي: «فإن معه الشيطان». قلت: ويشهد لهذه الرواية رواية ابن عمر المذكورة آنفاً، وهي تؤيد قول من قال: المعنى: فإنما الحامل له على ذلك الشيطان. والله أعلم. [أصل صفة الصلاة (١/ ١٢٢)] تحريم المرور بين يدي المصلي ولو في المسجد الحرام قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٢٤: ولا يجوز المرور بين يدي المصلي إذا كان بين يديه سترة. ولا فرق في ذلك بين المسجد الحرام وغيره من المساجد. فكلها سواء في عدم الجواز، لعموم قوله ﷺ : «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين. خيرا له من أن يمر بين يديه». يعني المرور بينه وبين موضع سجوده. وقال في أصل الصفة: وكان ﷺ يقول: «لو يعلم المارُّ بين يدي المصلي ماذا عليه؛ لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه».

стр. 1182

«بين يدي المصلي»: أي: أمامه بالقرب منه. واختلف في ضبط ذلك؛ فقيل: إذا مر بينه وبين مقدار سجوده. وقيل: بينه وبينه قدر ثلاثة أذرع. وقيل: بينه وبينه قدر رمية بحجر. ووقع عند السراج من طريق الضحاك بن عثمان عن أبي النضر: «بين يدي المصلي والمصلى»؛ أي: السترة. كذا في «تنوير الحوالك»، و «الفتح» «٢/ ٤٦٣ و ٤٦٥». قال النووي في «شرح مسلم»: معناه: لو يعلم ما عليه من الإثم؛ لاختار الوقوف أربعين على ارتكاب ذلك الإثم. ومعنى الحديث: النهي الأكيد، والوعيد الشديد في ذلك. وقال في «المجموع» «٣/ ٢٤٩»: إذا صلى إلى سترة؛ حَرُمَ على غيره المرور بينه وبين السترة، ولا يحرم وراء السترة. وقال الغزالي: يكره، ولا يحرم. والصحيح؛ بل الصواب أنه حرام. وبه قطع البغوي والمحققون، واحتجوا بهذا الحديث. وقال الحافظ - بعد أن ذكر كلامه في «مسلم» -: «ومقتضى ذلك أن يعد في الكبائر». [أصل صفة الصلاة (١/ ١٢٧)] هل يجوز المرور بين يدي المصلين في الحرم المكي [روي عن النبي ﷺ أنه قال]: «رأيت رسول الله ﷺ يصلي مما يلي باب بني سهم، والناس يمرون بين يديه، ليس بينه وبين الكعبة سترة. «وفي رواية»: طاف بالبيت سبعا، ثم صلى ركعتين بحذائه في حاشية المقام، وليس بينه وبين الطواف أحد». ضعيف.

стр. 1183

[قال الإمام]: استدل بعضهم بالحديث على جواز المرور بين يدي المصلي في مسجد مكة خاصة، وبعضهم أطلق، ومن تراجم النسائي للحديث «باب الرخصة في ذلك» يعني المرور بين يدي المصلي وسترته، ولا يخفى عليك فساد هذا الاستدلال، وذلك لوجوه: الأول: ضعف الحديث. الثاني: مخالفته لعموم الأحاديث التي توجب على المصلي أن يصلي إلى سترة وهي معروفة، وكذا الأحاديث التي تنهى عن المرور كقوله ﷺ : «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا من أن يمر بين يديه». رواه البخاري ومسلم وهو مخرج في «صحيح أبي داود» «٦٩٨». الثالث: أن الحديث ليس فيه التصريح بأن الناس كانوا يمرون بينه ﷺ وبين موضع سجوده، فإن هذا هو المقصود من المرور المنهي عنه على الراجح من أقوال العلماء. ولذلك قال السندي في «حاشيته على النسائي»: «ظاهره أنه لا حاجة إلى السترة في مكة. وبه قيل، ومن لا يقول به، يحمله على أن الطائفين كانوا يمرون وراء موضع السجود، أو وراء ما يقع فيه نظر الخاشع». ولقد لمست أثر هذا الحديث الضعيف في مكة حينما حججت لأول مرة سنة «١٣٦٩»، فقد دخلتها ليلا فطفت سبعا، ثم جئت المقام، فافتتحت الصلاة، فما كدت أشرع فيها حتى وجدت نفسي في جهاد مستمر مع المارة بيني وبين موضع سجودي، فما أكاد أنتهي من صد أحدهم عملا بأمره ﷺ حتى يأتي آخر فأصده وهكذا! ! ولقد اغتاظ أحدهم من صدي هذا فوقف قريبا مني حتى انتهيت من الصلاة، ثم أقبل علي منكرا، فلما احتججت عليه بالأحاديث الواردة في النهي عن المرور، والآمرة بدفع المار، أجاب بأن مكة مستثناة من ذلك، فرددت عليه، واشتد النزاع بيني وبينه، فطلبت الرجوع في حله إلى أهل العلم، فلما اتصلنا بهم إذا هم مختلفون! واحتج بعضهم بهذا الحديث، فطلبت إثبات صحته فلم يستطيعوا، فكان ذلك من أسباب تخريج هذا الحديث، وبيان علته. فتأمل فيما ذكرته يتبين لك خطر الأحاديث الضعيفة وأثرها السيئ في الأمة.

стр. 1184

ثم وقفت بعد ذلك على بعض الآثار الصحيحة عن غير واحد تؤيد ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، وأنها تشمل المرور في مسجد مكة، فإليك ما تيسر لي الوقوف عليه منها: ١ - عن صالح بن كيسان قال: رأيت ابن عمر يصلي في الكعبة ولا يدع أحدا يمر بين يديه، رواه أبو زرعة في «تاريخ دمشق» «٩١/ ١» وابن عساكر «٨/ ١٠٦ / ٢» بسند صحيح. ٢ - عن يحيى بن أبي كثير قال: رأيت أنس بن مالك دخل المسجد الحرام، فركز شيئا، أو هيأ شيئا يصلي إليه. رواه ابن سعد في «الطبقات» «٧/ ١٨» بسند صحيح. السلسلة الضعيفة (٢/ ٣٢٧). حول ما استدل به بعض العلماء على جواز المرور بين يدي المصلي إذا لم يكن أمامه سترة [قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]: ثم قال: «قال ابن حبان وغيره: التحريم المذكور في الحديث إنما هو إذا صلى الرجل إلى سترة فأما إذا لم يصل إلى سترة فلا يحرم المرور بين يديه واحتج أبو حاتم هو ابن حبان على ذلك بما رواه في «صحيحه» عن المطلب بن أبي وداعة قال: رأيت النبي حين فرغ من طوافه في حاشية المطاف فصلى ركعتين وليس بينه وبين الطوافين أحد ... ». قلت: الحديث المذكور ضعيف لأنه من رواية كثير بن كثير بن المطلب وقد اختلف عليه في إسناده فقال ابن عيينة: عنه عن بعض أهله أنه سمع جده المطلب. وقال ابن جريج: أخبرني كثير بن كثير عن أبيه عن جده. قال سفيان: فذهبت إلى كثير فسألته قلت: حديث تحدثه عن أبيك؟ قال: لم أسمعه من أبي حدثني بعض أهلي عن جدي المطلب.

стр. 1185

أخرجه أبو داود والبيهقي وقال: «وقد قيل عن ابن جريج عن كثير عن أبيه قال: حدثني أعيان بني المطلب عن المطلب. ورواية ابن عيينة أحفظ». قلت: ومرجع هذه الرواية على بعض أهل كثير ولم يسم فهو مجهول وسماه ابن جريج: «كثير بن المطلب وهو أيضا مجهول وتوثيق ابن حبان له لا يخرجه عن الجهالة وقد أشار الحافظ في «التقريب» إلى أنه لين الحديث. ثم إن الحديث لو صح لم يكن نصا فيما استدل له ابن حبان لأنه يحتمل أن يكون جواز المرور بين يدي المصلي الذي ليس أمامه سترة خاصا بالمسجد الحرام وقد استدل بعض العلماء به على ذلك. والله أعلم. [تمام المنة ص (٣٠٣)] ما يَقْطَعُ الصَّلاةَ قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٢٧: وإن من أهمية السترة في الصلاة، أنها تحول بين المصلي إليها، وبين إفساد صلاته بالمرور بين يديه، بخلاف الذي لم يتخذها، فإنه يقطع صلاته إذا مرت بين يديه المرأة البالغة، وكذلك الحمار، والكلب الأسود. وقال في أصل الصفة: وكان يقول: «يقطع صلاةَ الرجل إذا لم يكن بين يديه كآخرة الرحل: المرأةُ [الحائض]، والحمار، والكلب الأسود». قال أبو ذر: قلت: يا رسول الله! ما بالُ الأسود من الأحمر؟ فقال: «الكلب الأسود شيطان». قوله المرأة الحائض: قال السندي رحمه الله تعالى: «يحتمل أن المراد: ما بلغت سن المحيض؛ أي: البالغة، وعلى هذا فالصغيرة لا تقطع. والله تعالى أعلم». اهـ.

стр. 1186

وفي هذه الأحاديث دلالة على أن الكلب، والمرأة، والحمار يقطع الصلاة. والمراد بالقطع: البطلان. قال الشوكاني «٣/ ٩»: «وقد ذهب إلى ذلك جماعة من الصحابة؛ منهم: أبو هريرة، وأنس، وابن عباس في رواية عنه، وحكي أيضاً عن أبي ذر، وابن عمر. وجاء عن ابن عمر أنه قال به في الكلب». وقال به الحكم بن عمرو الغفاري في الحمار. وممن قال من التابعين بقطع الثلاثة المذكورة: الحسن البصري، وأبو الأحوص صاحب ابن مسعود. ومن الأئمة: أحمد بن حنبل - فيما حكاه عنه ابن حزم الظاهري في «المحلى» «٤/ ١١» -، وحكى الترمذي عنه أنه يخصص بالكلب الأسود، وُيتوقف في الحمار والمرأة. قلت: في المسألة عن الإمام أحمد روايتان؛ اتفقتا كلتاهما على أن الكلب الأسود يقطع الصلاة، واختلفتا في المرأة والحمار؛ فجزم في رواية بعدم القطع بهما، وتردد في الأخرى. أما الأولى: فهي رواية ابنه عبد الله في «مسائله» قال: سألت أبي: ما يقطع الصلاة؟ قال: الكلب الأسود. قال: أنس يروي أنه يقطع الصلاة الكلب، والمرأة، والحمار؟ قال: أما المرأة؛ فأذهب إلى حديث عائشة: كان رسول الله ﷺ يصلي، وأنا معترضة بين يديه. وإلى حديث ابن عباس: مررت بين يدي رسول الله ﷺ ، وأنا على أتان. فقلت لأبي: إذا مر الكلب الأسود بين يدي المصلي يقطعُ صلاته؟ قال: «نعم». قلت له: يعيد؟ قال: «نعم؛ إن كان أسود».

стр. 1187

وأما الرواية الأخرى: فهي رواية إسحاق بن منصور المروزي في «مسائله» عن أحمد وإسحاق. قال: قلت - يعني: لأحمد -: ما يقطع الصلاة؟ قال: ما يقطعها إلا الكلب الأسود الذي لا أشك فيه، وفي قلبي من «الحمار والمرأة» شيء. قال إسحاق: لا يقطع إلا الكلب الأسود. قال أحمد: ومن الناس من يقول: إن قول عائشة حيث قالت: كنت أنام بين يدي النبي ﷺ ... ليس بحجة على هذا الحديث - يعني: من قال: يقطع الصلاة المرأة، والحمار، والكلب -؛ لأن النائم غير المارِّ. وقول ابن عباس في الحمار حيث مر بين يدي بعض الصف؛ ليس بحجة؛ لأن سترة الإمام سترةُ مَن خلفه. اهـ. قلت: وحديث ابن عباس المشار إليه أخرجه الأئمة الستة وغيرهم عنه بلفظ: أقبلت راكباً على أتانٍ، وأنا يومئذٍ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار (١) فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت، وأرسلت الأتان ترتع، فدخلت في الصف، فلم ينكر ذلك عليَّ أحد. والحديث - كما قال أحمد - لا حجة فيه؛ لأن الأتان لم تمرَّ بين يديه ﷺ ، وقد قال ابن عبد البر - كما في «الفتح» «١/ ٤٥٤» -: «حديث ابن عباس هذا يخص حديث أبي سعيد: «إذا كان أحدكم يصلي؛ فلا يدع أحداً يمر بين يديه». فان ذلك مخصوص بالإمام والمنفرد، وأما المأموم؛ فلا يضره من مر بين يديه؛ لحديث ابن عباس هذا». قال: وهذا كله لا خلاف فيه بين العلماء. اهـ. وأما حديث الفضل بن عباس قال: زار رسول الله ﷺ عَبَّاسَاً في بادية لنا، ولنا كُلَيْبَةٌ، وحمارة ترعى، فصلى النبي ﷺ العصر، وهما بين يديه؛ فلم يُزْجَرا ولم يُؤَخَّرا.

стр. 1188

فهو حديث ضعيف. وقد قال السندي: «ولا دلالة في الحديث على المرور بين المصلي والسترة، ولا على أن الكلبة كانت سوداء، وكذا في دلالة الأحاديث اللاحقة على أن المرور لا يقطع بحثٌ؛ فهذه الأحاديث لا تعارض حديث القطع أصلاً». قلت: وأول كلامه - بناءً على رواية النسائي - صحيح، وأما على زيادة أبي داود: ليس بين يديه سترة. فغير صحيح؛ فالجواب القاطع: إن الحديث ضعيف لا يحتج به. وكفى. وأشار بقوله: «الأحاديث اللاحقة». إلى ما رواه النسائي وغيره عن ابن عباس: أنه مر بين يدي رسول الله ﷺ هو وغلام من بني هاشم على حمار بين يدي رسول الله ﷺ وهو يصلي، فنزلوا ودخلوا معه، فصلوا، ولم ينصرف. وإسناده صحيح. ولكن لا دلالة فيه - كما قال السندي -؛ لأنه ليس فيه على أن المرور كان بين النبي ﷺ وبين السترة. وأما حديث عائشة الذي مرت الإشارة إليه في كلام أحمد؛ فقد أجاب هو نفسه عنه، وتقدم منا الجواب عنه مفصلاً عما قريب. ومن أراد زيادة تفصيل؛ فليراجع «فتح الباري» «١/ ٤٦٧ - ٤٦٨»، و «شرح التقريب» «٢/ ٣٩٣ و ٣٩٦». ومما احتج به من قال: إن المرأة لا تقطع الصلاة؛ حديثُ أم سلمة قالت: كان النبي ﷺ يصلي في حجرة أم سلمة؛ فمر بين يديه عبد الله - أو: عمرو بن أبي سلمة -، فقال بيده؛ فرجع، فمرت زينب بنت أم سلمة، فقال بيده هكذا؛ فمضت، فلما صلى رسول الله ﷺ ؛ قال: «هن أغلب». أخرجه ابن ماجه «١/ ٣٠٢»، وأحمد «٦/ ٢٩٤»، وابن أبي شيبة أيضاً من طريق أسامة بن زيد عن محمد بن قيس عن أمه عنها. وقال ابن ماجه: «عن أبيه عنها».

стр. 1189

قال في «الزوائد»: «في إسناده ضعف. ووقع في بعض النسخ: «عن أمه» .. بدل: «عن أبيه»، وكلاهما لا يعرف». اهـ. وقد ضَعَّفَ الحديثَ أيضاً ابنُ القطان، وقد ذكر كلامه الزيلعي «٢/ ٨٥» في «نصب الراية». فليس الحديث بحجة، على أنه لو صح؛ لما دل على المطلوب .. لما عرفت من الجواب عن حديث ابن عباس الأخير. ولو سُلِّم أن المرور كان بينه وبين السترة؛ فالجواب كما قال السندي: «إن الذي يقطع الصلاة مرور البالغة؛ لأنها المتبادرة من اسم المرأة، ويدل عليه رواية: «المرأة الحائض - كما تقدم -». اهـ. واحتجوا أيضاً بحديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً: «لا يقطع الصلاة شيء، وادرؤوا ما استطعتم؛ فإنما هو شيطان». أخرجه أبو داود «١/ ١١٤»، والدارقطني «١٤١»، والبيهقي «٢/ ٢٧٨» من طريق أبي أسامة: ثنا مجالد عن أبي الوَدَّاك عنه. وهذا سند ضعيف؛ فإن مجالداً هذا - هو: ابن سعيد -: ضعفه الجمهور، وقد اختلط أخيراً، وهذا من رواية أبي أسامة عنه، وهو ممن سمع منه بعد الاختلاط - كما قال أبو زرعة في «شرح التقريب» «٢/ ٣٨٩» -. وقال الحافظ في «التقريب»: «ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره». وقال في شيخه أبي الوَدَّاك - واسمه: جبر ابن نوف -: «صدوق يهم». قلت: وقد رواه عبد الواحد بن زياد عن مجالد به موقوفاً على أبي سعيد. ولعله الصواب. كذلك أخرجه أبو داود، والبيهقي أيضاً. والحديث ضعفه النووي في «شرح مسلم»، والحافظ في «الفتح» «١/ ٤٦٦»، وقال: «ويرد من حديث ابن عمر وأنس وأبي أمامة عند الدارقطني، ومن حديث جابر عند الطبراني في «الأوسط»، وفي إسناد كل منها ضعف».

стр. 1190

قلت: وروي عن أبي هريرة أيضاً عند الدارقطني، وفيه إسماعيل بن عياش عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة. وإسماعيل ضعيف. وشيخه متروك - كما في «التقريب» -. وبالجملة؛ فالأحاديث المعارضة لأحاديث القطع بالأشياء الثلاثة بعضها صحيح؛ كحديث عائشة، وحديث ابن عباس في بعض ألفاظه، وهي عند التأمل فيها بإنصاف غير معارضة لتلك. والبعض الآخر صحيح المعارضة، ولكنها غير صحيحة الإسناد؛ فحينئذٍ لا يجوز المعارضة بها. وقال ابن القيم في «الزاد» «١/ ١١١»: «ومعارض هذه الأحاديث قسمان: صحيح غير صريح، وصريح غير صحيح؛ فلا تُترك لمعارض هذا شأنه، وكان رسول الله ﷺ يصلي وعائشة ﵂ نائمة في قِبلته، وكأن ذلك ليس كالمار؛ فإن الرجل مُحَرَّمٌ عليه المرور بين يدي المصلي، ولا يكره له أن يكون لابثاً بين يديه، وهكذا المرأة؛ يقطع مرورها الصلاة دون لُبْثِها. والله أعلم». وأما دعوى بعضهم نسخ تلك الأحاديث؛ فشيء لا برهان عليه، وقد أنكرها كثير من العلماء، حتى من الذين لم يذهبوا إلى ظاهرها؛ كالنووي، وابن حجر وغيرهما. قال في «المجموع» «٣/ ٢٥١»: «وأما ما يدعيه أصحابنا وغيرهم من النسخ؛ فليس بمقبول؛ إذ لا دليل عليه، ولا يلزم من كون حديث ابن عباس في حجة الوداع - وهي آخر الأمر - أن يكون ناسخاً؛ إذ يمكن كون أحاديث القطع بعده، وقد علم وتقرر في الأصول أن مثل هذا لا يكون ناسخاً، مع أنه لو احتمل النسخ؛ لكان الجمع بين الأحاديث مقدماً عليه، إذ ليس فيه رد شيء منها، وهذه أيضاً قاعدة معروفة».

стр. 1191

قلت: والجمع فرع التعارض، وقد أثبتنا أنه لا تعارض؛ فيبقى العمل بالأحاديث على ظاهرها، على أن ما جمعوا به غير معقول؛ وذلك أنهم قالوا: إن المراد بالقطعِ القطعُ عن الخشوع والذكر؛ للشغل بها، والالتفات إليها، لا أنها تفسد الصلاة. قلت: إنه غير معقول؛ لأنه يؤدي إلى إبطال منطوق الحديث؛ لأنه حصر القطع بالثلاثة المذكورة فيه، وملاحظة المعنى الذي ذكروه يؤدي إلى أن الحصر غير مراد؛ وذلك لأنه لا فرق في الإشغال عن الخشوع بين الرجل المارِّ والمرأة، بل ما الفرق بين المرأة الحائض وغير الحائض على هذا الجمع؟ وكذا لا فرق بين مرور الحمار، والفرس، أو الجمل، ولا بين مرور الكلب الأسود، والكلب الأحمر أو غيره، وقد فَرَّقَ الشارع بينهما نصّاً؛ فكل جمعٍ يؤدي إلى إبطال وإلغاء ما قيده الشارع فهو غير مقبول، وهو على صاحبه مردود؛ فالحق ما ذهب إليه مَنْ ذكرنا في أول البحث من بطلان الصلاة بمرور المرأة الحائض، والحمار، والكلب الأسود. وأما الكافر، والمجوسي، والخنزير، واليهودي، والنصراني؛ فالقول بذلك متوقف على ثبوت ذلك عنه ﷺ ، وقد علمت - مما سبق - أن حديث الكافر منقطع، وحديث الخنزير وغيره مشكوك في رفعه؛ فلا حجة في ذلك حتى يتصل سنده، ويرفع يقيناً متنه. [أصل صفة الصلاة (١/ ١٣٠)] قطع المرأة والكلب الأسود والحمار للصلاة: قطع حقيقي [قال رسول الله ﷺ ]: «تعاد الصّلاة من ممر الحمارِ، والمرأة، والكلْبِ الأسود، وقال: الكلبُ الأسودُ شيطان». [قال الإمام]: وإنما خرجت حديث الترجمة؛ لتصريحه بالإعادة المفسر للفظ: «يقطع»، وقد قال به طائفة من السلف كما في «معالم السنن» للخطابي، وانتصر له ابن القيم في «زاد

стр. 1192

المعاد». وخالف الطبري في «تهذيب الآثار» «ص ٣٢١ - الجزء المفقود، تحقيق علي رضا» فزعم أن معنى: «يقطع» في هذا نظير قوله ﷺ : «إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها لا يقطع الشيطان عليه صلاته»؛ وهو حديث صحيح مخرج في «صحيح أبي داود» «٦٩٢ و ٦٩٥»! فقال الطبري: «ومعلوم أن قطع الشيطان صلاة المصلي ليس بمروره بين يديه وحده دون إحداثه له من أسباب الوسوسة والشك، وشغل القلب بغير صلاته ما يفسد به صلاته ويقطعها عليه»! فأقول: هذا كلام عجيب غريب من مثل هذا الإمام الحافظ، فإنه يشبه كلام المعطلة لنصوص الصفات بالتأويل المبطل لدلالتها، وإليك البيان: لقد سلم الإمام بأن الشيطان يقطع الصلاة ليس بالمرور وحده، وإنما بالوسوسة أيضاً، فكيف يصح جعل القطع بمرور الأجناس الثلاثة نظير قطع الشيطان، وليس في شيء منها الوسوسة التي هي من طبيعة الشيطان بنص القرآن: «الذي يوسوس في صدور الناس»؟ ! وإنما فيها المرور فقط، أليس في هذا التنظير تعطيلاً واضحاً لعلة المرور المذكور في حديث الأجناس دون الحديث الآخر؟ ! وذلك أن الشيطان يوسوس ولو لم يمر كما في حديث: «إن أحدكم إذا قام يصلي؛ جاء الشيطان فلبّس عليه صلاته حتى لا يدري كم صلى ... » الحديث متفق عليه، وهو مخرج في «صحيح أبي داود» «٩٤٣»، ولذلك لم يذكر في الحديث الآخر المرور؛ بخلاف الحديث الأول حديث الأجناس الثلاثة، فاختلفا، ولم يجز التنظير والمساواة بينهما في معنى «القطع». وأيضاً؛ فالشيطان لا يُرى بحكم قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾، فناسب أن لا يذكر مروره في الحديث، وعدم الأمر بإعادة الصلاة، بخلاف الحديث الأول؛ فإنها أجناس مرئية فناسب الأمر بالإعادة، فاختلفا من هذه الناحية أيضاً. فإن قيل: إذا كان الأمر كما ذكرت «فما فائدة الأمر باتخاذ السترة؟ ! فأقول: الأمر تعبدي محض، وسبب شرعي غير معقول المعنى للمحافظة على صحة الصلاة في الحديث الأول، وسلامتها من وسوسة الشيطان وتعريضه إياها للفساد، أو على الأقل لنقص الخشوع فيها في الحديث الآخر. وأيضاً؛ فإن مما يؤكد بطلان ذلك التنظير وفساده: أنه لا يجعل لذكر الأنواع الثلاثة معنى، بل يجعله لغواً، وهذا

стр. 1193

مما يتنزه عنه كلام من هو أفصح من نطق بالضاد، إذ لا فرق- من حيث شَغلُ البال عن الخشوع- بين أن يكون المار رجلاً أو امرأة، وبين أن تكون امرأة حائضاً «أي: بالغة» وبين أن تكون غير بالغة، كما لا فرق بين أن يكون حماراً أو بغلاً، كلباً أو هراً، كلباً أسود أو غيره؛ إذ كل ذلك يشغل! وسواء كان المرور بين المصلي والسترة أو من ورائها بعيداً عنها أو محتكاً بها! بل لا فرق في ذلك كله بين اتخاذ السترة وتركها؛ إذ الفساد المدعى أو انشغال البال حاصل في كل هذه الأحوال. وإن مما لا شك فيه أن ما لزم منه باطل فهو باطل، فكيف بما لزم منه بواطيل من التسوية بين ما يرى وما لا يرى في الحكم، وإلغاء الفرق بين الأجناس المذكورة في الحديث وما لم يذكر فيه، وإلغاء الأمر بالسترة من أصله؟ ! ولذلك قلت في مطلع الرد على كلام الإمام: «إنه يشبه كلام المعطلة .. ». قلت هذا؛ وأنا أعرف علمه وفضله وقدره، ولكن قدر كلام رسول الله ﷺ أعظم عندي من أي شخص بعده، فكن رجلاً يعرف الرجال بالحق، وليس يعرف الحق بالرجال. والله المستعان. السلسة الصحيحة «٧/ ٢/ ٩٦٠ - ٩٦١». حول القول بأنه لا يقطع الصلاة شيء [قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]: قوله: لا يقطع الصلاة شيء ... لحديث أبي داود عن أبي الوداك قال: مر شاب من قريش بين يدي أبي سعيد وهو يصلى فدفعه ثم عاد فدفعه ثم عاد فدفعه ثلاث مرات. فلما انصرف قال: إن الصلاة لا يقطعها شيء ولكن قال الرسول ﷺ : «ادرؤوا ما استطعتم فإنه شيطان». قلت: الحديث ضعيف لا يحتج به لأنه من رواية مجالد بن سعيد عن أبي الوداك ومجالد ليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره كما قال الحافظ في «التقريب» وقد

стр. 1194

اضطرب في رواية هذا الحديث فمرة أوقف قوله فيه: «إن الصلاة لا يقطعها شيء» ولم يرفعه إلى النبي ﷺ كما في رواية الكتاب ومرة رفعها إليه ﷺ كما في رواية أخرى لأبي داود ولذلك ضعف الحديث ابن حزم والنووي. ويؤيد ضعف هذه الجملة منه مرفوعة وموقوفة أن قصة أبي سعيد مع الشاب في «الصحيحين» من طريق أخرى عن أبي سعيد دون هذه الجملة فثبت أنها منكرة في هذا الحديث. نعم رويت هذه الجملة من طرق أخرى عن بعض الصحابة ولكنها كلها ضعيفة خلافا لبعض المحدثين المعاصرين وقد بينت ذلك في «ضعيف سنن أبي داود» رقم ١١٦ و ١١٧ وفي «الضعيفة» ٥٦٦١. وقد صح عنه ﷺ ما يخالف هذه الأحاديث الضعيفة وهو قوله ﷺ : «يقطع صلاة الرجل - إذا لم يكن بين يديه قيد آخرة الرحل - الحمار والكلب الأسود والمرأة». أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي ذر وهو في كتابي «صحيح سنن أبي داود» رقم ٦٩٩. ولو أن تلك الأحاديث صحت لأمكن التوفيق بينها وبين هذا. الحديث الصحيح بصورة لا يبقى معها وجه للتعارض أو دعوى النسخ وذلك بأن يقيد عموم تلك الأحاديث بمفهوم هذا فنقول: «لا يقطع الصلاة شيء إذا كان بين يديه سترة وإلا قطعها المذكورات فيه» بل إن هذا الجمع قد جاء منصوصا عليه في رواية عن أبي ذر مرفوعا بلفظ: «لا يقطع الصلاة شيء إذا كان بين يديه كآخر الرحل وقال: يقطع الصلاة المرأة ... ». أخرجه الطحاوي بسند صحيح. وبهذا اتفقت الأحاديث ووجب القول بأن الصلاة يقطعها الأشياء المذكورة عند عدم السترة. وهو مذهب إمام السنة أحمد بن حنبل ﵀ وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وقد قال في خاتمة بحث له في هذه المسألة:

стр. 1195

«والذين خالفوا أحاديث القطع للصلاة لم يعارضوها إلا بتضعيف بعضهم وهو تضعيف من لم يعرف الحديث كما ذكر أصحابه، أو بأن عارضوها بروايات ضعيفة عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يقطع الصلاة شيء»، أو بما روي في ذلك عن الصحابة وقد كان الصحابة مختلفين في هذه المسالة، أو برأي ضعيف لو صح لم يقاوم هذه الحجة». انظر كتابه «القواعد النورانية» ٩ - ١٢ و «زاد المعاد» ١/ ١١١. [تمام المنة ص (٣٠٦)] رد القول بأن الصلاة لا يقطعها شئ عن مُجالِدٍ عن أبي الوداكِ عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ «لا يقطعُ الصلاة شيء، وادرءُوا ما استطعتم؛ فإنما هو شيطان». «قلت: إسناده ضعيف- وكذا قال النووي-؛ وعلّته مجالد هذا- وهو ابن أبي سعيد الهمْداني-، وهو سيئ الحفظ، وكان قد تغير في آخر عمره. وقد اضطرب في هذا الحديث: فمرة يرفع الجملة الأولى منه- كما في هذه الرواية-، ومرة يوقفها- كما في الرواية الاتية-، وهي أشبه بالصواب. وأما قوله: «وادرءُوا ... » إلخ؛ فهو حديث صحيح، له في الكتاب الأخر طريق أخرى «رقم ٦٩٤ و ٦٩٥». عن مجالد: ثنا أبو الوداك قال: مرّ شاب من قريش بين يدي أبي سعيد الخدري وهو يصلي، فدفعه، ثم عاد؛ فدفعه- ثلاث مرات-، فلما انصرف قال: إن الصلاة لا يقطعها شيء، ولكن قال رسول الله ﷺ : «ادرءُوا ما استطعتم؛ فإنه شيطان». «قلت: إسناده ضعيف؛ لما علمت من حال مجالد». وبالجملة؛ فكل هذه الأحاديث ضعيفة الأسانيد، لا يحتج يشيء منها، لا سيما وقد عارضها الحديث الصحيح: «يقطع صلاة الرجلِ- إذا لم يكن بين يديه قِيد
следующие страницы →