← Фикх общий

Фикх общий · id 145204

جامع تراث العلامة الألباني في الفقه

ناصر الدين الألباني

Полный текст (8 195 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

قلت: والجمع فرع التعارض، وقد أثبتنا أنه لا تعارض؛ فيبقى العمل بالأحاديث على ظاهرها، على أن ما جمعوا به غير معقول؛ وذلك أنهم قالوا: إن المراد بالقطعِ القطعُ عن الخشوع والذكر؛ للشغل بها، والالتفات إليها، لا أنها تفسد الصلاة. قلت: إنه غير معقول؛ لأنه يؤدي إلى إبطال منطوق الحديث؛ لأنه حصر القطع بالثلاثة المذكورة فيه، وملاحظة المعنى الذي ذكروه يؤدي إلى أن الحصر غير مراد؛ وذلك لأنه لا فرق في الإشغال عن الخشوع بين الرجل المارِّ والمرأة، بل ما الفرق بين المرأة الحائض وغير الحائض على هذا الجمع؟ وكذا لا فرق بين مرور الحمار، والفرس، أو الجمل، ولا بين مرور الكلب الأسود، والكلب الأحمر أو غيره، وقد فَرَّقَ الشارع بينهما نصّاً؛ فكل جمعٍ يؤدي إلى إبطال وإلغاء ما قيده الشارع فهو غير مقبول، وهو على صاحبه مردود؛ فالحق ما ذهب إليه مَنْ ذكرنا في أول البحث من بطلان الصلاة بمرور المرأة الحائض، والحمار، والكلب الأسود. وأما الكافر، والمجوسي، والخنزير، واليهودي، والنصراني؛ فالقول بذلك متوقف على ثبوت ذلك عنه ﷺ ، وقد علمت - مما سبق - أن حديث الكافر منقطع، وحديث الخنزير وغيره مشكوك في رفعه؛ فلا حجة في ذلك حتى يتصل سنده، ويرفع يقيناً متنه. [أصل صفة الصلاة (١/ ١٣٠)] قطع المرأة والكلب الأسود والحمار للصلاة: قطع حقيقي [قال رسول الله ﷺ ]: «تعاد الصّلاة من ممر الحمارِ، والمرأة، والكلْبِ الأسود، وقال: الكلبُ الأسودُ شيطان». [قال الإمام]: وإنما خرجت حديث الترجمة؛ لتصريحه بالإعادة المفسر للفظ: «يقطع»، وقد قال به طائفة من السلف كما في «معالم السنن» للخطابي، وانتصر له ابن القيم في «زاد

стр. 1192

المعاد». وخالف الطبري في «تهذيب الآثار» «ص ٣٢١ - الجزء المفقود، تحقيق علي رضا» فزعم أن معنى: «يقطع» في هذا نظير قوله ﷺ : «إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها لا يقطع الشيطان عليه صلاته»؛ وهو حديث صحيح مخرج في «صحيح أبي داود» «٦٩٢ و ٦٩٥»! فقال الطبري: «ومعلوم أن قطع الشيطان صلاة المصلي ليس بمروره بين يديه وحده دون إحداثه له من أسباب الوسوسة والشك، وشغل القلب بغير صلاته ما يفسد به صلاته ويقطعها عليه»! فأقول: هذا كلام عجيب غريب من مثل هذا الإمام الحافظ، فإنه يشبه كلام المعطلة لنصوص الصفات بالتأويل المبطل لدلالتها، وإليك البيان: لقد سلم الإمام بأن الشيطان يقطع الصلاة ليس بالمرور وحده، وإنما بالوسوسة أيضاً، فكيف يصح جعل القطع بمرور الأجناس الثلاثة نظير قطع الشيطان، وليس في شيء منها الوسوسة التي هي من طبيعة الشيطان بنص القرآن: «الذي يوسوس في صدور الناس»؟ ! وإنما فيها المرور فقط، أليس في هذا التنظير تعطيلاً واضحاً لعلة المرور المذكور في حديث الأجناس دون الحديث الآخر؟ ! وذلك أن الشيطان يوسوس ولو لم يمر كما في حديث: «إن أحدكم إذا قام يصلي؛ جاء الشيطان فلبّس عليه صلاته حتى لا يدري كم صلى ... » الحديث متفق عليه، وهو مخرج في «صحيح أبي داود» «٩٤٣»، ولذلك لم يذكر في الحديث الآخر المرور؛ بخلاف الحديث الأول حديث الأجناس الثلاثة، فاختلفا، ولم يجز التنظير والمساواة بينهما في معنى «القطع». وأيضاً؛ فالشيطان لا يُرى بحكم قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾، فناسب أن لا يذكر مروره في الحديث، وعدم الأمر بإعادة الصلاة، بخلاف الحديث الأول؛ فإنها أجناس مرئية فناسب الأمر بالإعادة، فاختلفا من هذه الناحية أيضاً. فإن قيل: إذا كان الأمر كما ذكرت «فما فائدة الأمر باتخاذ السترة؟ ! فأقول: الأمر تعبدي محض، وسبب شرعي غير معقول المعنى للمحافظة على صحة الصلاة في الحديث الأول، وسلامتها من وسوسة الشيطان وتعريضه إياها للفساد، أو على الأقل لنقص الخشوع فيها في الحديث الآخر. وأيضاً؛ فإن مما يؤكد بطلان ذلك التنظير وفساده: أنه لا يجعل لذكر الأنواع الثلاثة معنى، بل يجعله لغواً، وهذا

стр. 1193

مما يتنزه عنه كلام من هو أفصح من نطق بالضاد، إذ لا فرق- من حيث شَغلُ البال عن الخشوع- بين أن يكون المار رجلاً أو امرأة، وبين أن تكون امرأة حائضاً «أي: بالغة» وبين أن تكون غير بالغة، كما لا فرق بين أن يكون حماراً أو بغلاً، كلباً أو هراً، كلباً أسود أو غيره؛ إذ كل ذلك يشغل! وسواء كان المرور بين المصلي والسترة أو من ورائها بعيداً عنها أو محتكاً بها! بل لا فرق في ذلك كله بين اتخاذ السترة وتركها؛ إذ الفساد المدعى أو انشغال البال حاصل في كل هذه الأحوال. وإن مما لا شك فيه أن ما لزم منه باطل فهو باطل، فكيف بما لزم منه بواطيل من التسوية بين ما يرى وما لا يرى في الحكم، وإلغاء الفرق بين الأجناس المذكورة في الحديث وما لم يذكر فيه، وإلغاء الأمر بالسترة من أصله؟ ! ولذلك قلت في مطلع الرد على كلام الإمام: «إنه يشبه كلام المعطلة .. ». قلت هذا؛ وأنا أعرف علمه وفضله وقدره، ولكن قدر كلام رسول الله ﷺ أعظم عندي من أي شخص بعده، فكن رجلاً يعرف الرجال بالحق، وليس يعرف الحق بالرجال. والله المستعان. السلسة الصحيحة «٧/ ٢/ ٩٦٠ - ٩٦١». حول القول بأنه لا يقطع الصلاة شيء [قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]: قوله: لا يقطع الصلاة شيء ... لحديث أبي داود عن أبي الوداك قال: مر شاب من قريش بين يدي أبي سعيد وهو يصلى فدفعه ثم عاد فدفعه ثم عاد فدفعه ثلاث مرات. فلما انصرف قال: إن الصلاة لا يقطعها شيء ولكن قال الرسول ﷺ : «ادرؤوا ما استطعتم فإنه شيطان». قلت: الحديث ضعيف لا يحتج به لأنه من رواية مجالد بن سعيد عن أبي الوداك ومجالد ليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره كما قال الحافظ في «التقريب» وقد

стр. 1194

اضطرب في رواية هذا الحديث فمرة أوقف قوله فيه: «إن الصلاة لا يقطعها شيء» ولم يرفعه إلى النبي ﷺ كما في رواية الكتاب ومرة رفعها إليه ﷺ كما في رواية أخرى لأبي داود ولذلك ضعف الحديث ابن حزم والنووي. ويؤيد ضعف هذه الجملة منه مرفوعة وموقوفة أن قصة أبي سعيد مع الشاب في «الصحيحين» من طريق أخرى عن أبي سعيد دون هذه الجملة فثبت أنها منكرة في هذا الحديث. نعم رويت هذه الجملة من طرق أخرى عن بعض الصحابة ولكنها كلها ضعيفة خلافا لبعض المحدثين المعاصرين وقد بينت ذلك في «ضعيف سنن أبي داود» رقم ١١٦ و ١١٧ وفي «الضعيفة» ٥٦٦١. وقد صح عنه ﷺ ما يخالف هذه الأحاديث الضعيفة وهو قوله ﷺ : «يقطع صلاة الرجل - إذا لم يكن بين يديه قيد آخرة الرحل - الحمار والكلب الأسود والمرأة». أخرجه مسلم وغيره من حديث أبي ذر وهو في كتابي «صحيح سنن أبي داود» رقم ٦٩٩. ولو أن تلك الأحاديث صحت لأمكن التوفيق بينها وبين هذا. الحديث الصحيح بصورة لا يبقى معها وجه للتعارض أو دعوى النسخ وذلك بأن يقيد عموم تلك الأحاديث بمفهوم هذا فنقول: «لا يقطع الصلاة شيء إذا كان بين يديه سترة وإلا قطعها المذكورات فيه» بل إن هذا الجمع قد جاء منصوصا عليه في رواية عن أبي ذر مرفوعا بلفظ: «لا يقطع الصلاة شيء إذا كان بين يديه كآخر الرحل وقال: يقطع الصلاة المرأة ... ». أخرجه الطحاوي بسند صحيح. وبهذا اتفقت الأحاديث ووجب القول بأن الصلاة يقطعها الأشياء المذكورة عند عدم السترة. وهو مذهب إمام السنة أحمد بن حنبل ﵀ وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وقد قال في خاتمة بحث له في هذه المسألة:

стр. 1195

«والذين خالفوا أحاديث القطع للصلاة لم يعارضوها إلا بتضعيف بعضهم وهو تضعيف من لم يعرف الحديث كما ذكر أصحابه، أو بأن عارضوها بروايات ضعيفة عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يقطع الصلاة شيء»، أو بما روي في ذلك عن الصحابة وقد كان الصحابة مختلفين في هذه المسالة، أو برأي ضعيف لو صح لم يقاوم هذه الحجة». انظر كتابه «القواعد النورانية» ٩ - ١٢ و «زاد المعاد» ١/ ١١١. [تمام المنة ص (٣٠٦)] رد القول بأن الصلاة لا يقطعها شئ عن مُجالِدٍ عن أبي الوداكِ عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ «لا يقطعُ الصلاة شيء، وادرءُوا ما استطعتم؛ فإنما هو شيطان». «قلت: إسناده ضعيف- وكذا قال النووي-؛ وعلّته مجالد هذا- وهو ابن أبي سعيد الهمْداني-، وهو سيئ الحفظ، وكان قد تغير في آخر عمره. وقد اضطرب في هذا الحديث: فمرة يرفع الجملة الأولى منه- كما في هذه الرواية-، ومرة يوقفها- كما في الرواية الاتية-، وهي أشبه بالصواب. وأما قوله: «وادرءُوا ... » إلخ؛ فهو حديث صحيح، له في الكتاب الأخر طريق أخرى «رقم ٦٩٤ و ٦٩٥». عن مجالد: ثنا أبو الوداك قال: مرّ شاب من قريش بين يدي أبي سعيد الخدري وهو يصلي، فدفعه، ثم عاد؛ فدفعه- ثلاث مرات-، فلما انصرف قال: إن الصلاة لا يقطعها شيء، ولكن قال رسول الله ﷺ : «ادرءُوا ما استطعتم؛ فإنه شيطان». «قلت: إسناده ضعيف؛ لما علمت من حال مجالد». وبالجملة؛ فكل هذه الأحاديث ضعيفة الأسانيد، لا يحتج يشيء منها، لا سيما وقد عارضها الحديث الصحيح: «يقطع صلاة الرجلِ- إذا لم يكن بين يديه قِيد

стр. 1196

آخرة الرحل-: الحمارُ، والكلب الأسود، والمرأة». أخرجه مسلم وغيره عن أبي ذر، وهو في الكتاب الآخر برقم «٦٩٩». ولو أن هذه الأحاديث صحتْ؛ لكان الجمع بينها وبين حديث أبي ذر هذا ممكناً بأن يقال: إن تلك مطلقة، وهذا مقيد، فيحمل المطلق على المقيد- كما في علم الأصول تقيّد-، فينتج من ذلك أنه: لا يقطع الصلاة شيء إذا كان بين يديه ما يستره، وإلا؛ قطعت بالثلاثة المذكورة. وهذا في الواقع مفهوم حديث أبي ذر- كما لا يخفى-، بل قد جاء ذلك منطوقاً في رواية عنه بلفظ: «لا يقطعُ الصلاة شيء إذا كان بين يديه كآخرة الرحل»، وقال: «يقطع الصلاة المرأةُ ... » الحديث. أخرجه أبو عوانة في «صحيحه» «٢/ ٥٠ - ٥١»، والطحاوي هكذا بسند صحيح. وبهذا تتفق الأحاديث كلها، فلا مسوغ حينئذِ للقول بنسخ حديث أبي ذر وما في معناه من الأحاديث، كما فعل الشيخ أحمد شاكر، وكانت عمدته في ذلك حديث عياش هذا! وقد علمت أنه لا يصح. ولو صح لم يكن صريحاً في النسخ؛ لأن عياشاً ﵁ حين استنكاره لمرور الحمار- كان مؤتماً، وفي هذه الصورة لا يضر المرور بين أيديهم اتفاقاً؛ لأن الإمام سترة لمن خلفه. وكأنه كان عنده أن المرور مطلقاً يقطع الصلاة، فبين له ﵊ أن الصلاة لا يقطعها شيء؛ أي: الصلاة وراء الإمام؛ لأنه سترتهم، فهو مثل حديث أبي ذر تماماً. وإنما كان يصح أن يكون ناسخاً لو أن في الحديث التصريح بأن الحمار مر بين يديه ﷺ ، وأنه لم يكن أمامه سترة، ودون إثبات هذين الأمرين خرْطُ القتادِ! لا سيما وأنّ من هديه ﷺ الصلاة وراء سترة، فهذا يقتضي أن صلاته في هذا الحديث كانت وراء سترة؛ إلا إن ثبت خلافه. (ضعيف سنن أبي داود ٩/ ٢٦٨ - ٢٦٩)

стр. 1197

حديث: لا يقطع الصلاة شيء السائل: منهم من يَرُدّ حديث «الكلب الأسود شيطان» ويقول: بأن هناك حديث لا يقطع الصلاة شيء، فما تتوقع لهؤلاء؟ الشيخ: لا يصح أن يقال منهم من يرد حديث أن الكلب يقطع الصلاة، لا يرد الحديث الذي يقول إن الكلب يقطع الصلاة، هكذا كان السؤال. الجواب عن هذه الشبهة: بعد أن سمعتم قوله ﷺ ، إنه يقطع الصلاة بالشرط المذكور، هذه الأشياء الثلاثة المرأة والحمار والكلب الأسود، تأتي هنا شبهة أن هناك حديثاً يقول: «لا يقطع الصلاة شيء». وجوابُنا عن هذا الحديث، وعن هذه الشبهة أن الحديث النافي لقطع الصلاة حديث منكر، ضعيف الإسناد، لم يروه أولاً: أحد الصحيحين، إنما رواه أبو داود وغيره، ثانياً: في إسناده من لا تقوم به حجة، وثالثاً وأخيراً، عفواً قبل الأخير، وثالثاً: أن هذا الحديث إضافة إلى ما في إسناده، فهو يخالف أحاديث كثيرة صحيحة، تُصَرّح بأن الشيطان يقطع الصلاة، مع التفصيل بأن هذا القطع قد يكون بمعنى الإبطال كما في الحديث الأخير وفيه المرأة والحمار والكلب الأسود، وقد يكون القطع بتقليل فرض الصلاة وتنقيص أجرها. فهذه الأحاديث التي تُصَرِّح بأن هناك شيء يقطع الصلاة، مجموع هذه الأشياء أنه لا يتخذ سترة، فلا يصح حينئذٍ أن يعارض هذه الأحاديث، وبخاصة الحديث الأخير، الذي هو في صحيح مسلم حديث الثلاثة، لا يجوز أن يعارض بمثل حديث «لا يقطع الصلاة شيء» لأنه ضعيف الإسناد، منكر المتن هذا ثالثاً. ورابعاً وأخيراً: إذا جاء روايتان صحيحتان، ولا يُمْكِن رد إحداهما حينئذ وجب التوفيق بين الروايتين بوجه من وجوه التوفيق.

стр. 1198

فنقول: «لا يقطع الصلاة شيء» إما أن يُقَال بأن هذا كان على البراءة الأصلية، قبل أن يأتي الحكم الجديد، وهو إثبات القطع المشار إليه، في تلك الأحاديث. وإما أن نقول: إن القطع المنفي هو القطع الكامل، أي القطع المنفي هو الذي يُفَسّر بمعنى بطلان الصلاة، وهذا صريح في الحديث الأخير، إنما الحديث الأول «إذا صلى أحدكم فليصلِّ إلى سترة، لا يقطع الشيطان عليه صلاته». هذا القطع حقيقةً عند العلماء، كما سبقت الإشارة إليه، ليس بمعنى الإبطال، وإنما هو بمعنى نقص الثواب والأجر، كما جاء في الحديث الصحيح، «إن الرجل لا يصلي الصلاة، ما يُكْتَب له منها إلا عُشْرُها، وهكذا حتى قال ﵇: أو نصفها». فهذا النقص في فضل الصلاة، هو الذي يتعرض له الذي يصلي إلى غير السترة. فعلى هذا المعنى، لو صح حديث «لا يقطع الصلاة شيء» يُحْمَل، أما حديث مسلم: «يقطع صلاة أحدكم، إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل: المرأة والحمار والكلب الأسود» وإلى آخره، فهذا قطعاً أخطر من القطع الأول، وهو يعني الإبطال، وهذا هو مذهب الإمام «أحمد ﵀» إلا في رواية عنه تَوَقَّف في موضوع الكلب الأسود، ولا ينبغي لنا أن نتوقف بعد أن صَحَّ أن النبي ﷺ ، قرن الكلب الأسود، مع الحمار ومع المرأة. والمرأة في هذا الحديث يُرَاد بها، كما جاء في رواية «الحائض» أي البالغ. فإذا كانت المرأة صغيرة لم تبلغ سِنّ التكليف، فهذه لا تقطع الصلاة؛ لقوله ﵇ في «سنن أبي داوود» بلفظ «المرأة الحائض». وليس المقصود المرأة التي هي في حالة الدورة الشهرية؛ لأن هذه من الأمور الباطنة التي لا يُعْقَل أن تُكَلِّف الشريعة المؤمنين بها، لأن امرأة مرت بين يديك حتى لا سمح الله، لو كانت متبرجة من أين لك أن تدري إنها حائض وإلا طاهر،

стр. 1199

فما بالك إذا كانت وهي محتجبة بالجلباب الشرعي، المقصود بالحائض إنما هي البالغ. (الهدى والنور / ٣٩٩/ ١٤: ١٧: ٠٠) هل تقطع المرأة صلاة المرأة السؤال: المرأة يقال إنها تقطع الصلاة، فهل تقطع المرأة صلاة المرأة؟ الشيخ: هذا سؤال ورد علينا مراراً وتَكْرَاراً في الأمس القريب، والجواب هو هو: نعم تقطع المرأة صلاة المرأة، بالشرط المذكور في بعض الروايات الثابتة إذا كانت بالغة، ولا فرق في الأحكام الشرعية بين الرجال والنساء، إلا ما جاء النص يستثني النساء عن الرجال، وليس هنا نص، وإنما النص شامل: «يقطع صلاة أحدكم إذا مر بين يديه المرأة والحمار والكلب الأسود، إذا لم يكن بين يديه مثل مُؤَخِّرة الرحل» فلا فرق في الحكم. (الهدى والنور / ٩٣/ ٥.: ١١: .. ) حول ما يقطع الصلاة السائل: في «صحيح الترمذي» المصححة. الشيخ: إيه. السائل: في كتاب «باب من قال لا يقطع الصلاة شيء» والباب اللي «ما جاء في ما يقطع الصلاة إلا الكلب والحمار والمرأة، فعلى أيهما العمل؟ على أيِّ الحديثين العمل؟ حديث لا يقطع الصلاة شيء عن ابن عباس قال كنت رأيت الفضل على أتانٍ. الشيخ: معروف معروف، شو سؤالك؟

стр. 1200

السائل: سؤالي، هو العمل على أنه ما بيقطع الصلاة شيء، أم العمل على الحديث الآخر أنه ما بيقطعها إلا الكلب والحمار والمرأة؟ الشيخ: في قطع بمعنيين: قطع بمعنى إفساد الصلاة، وقطع بمعنى تقليل من فضل الصلاة القطع بالمعنى الأول: هو الذي جاء به الحديث، أنه المرأة والحمار والكلب الأسود. السائل: يفسد الصلاة بالكلية. الشيخ: يقطع الصلاة ويُبْطِلُها، القطع الثاني: ما سوى ذلك لقوله ﵇ «إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة» وفي الحديث أو الرواية الأخرى «فليدن من سترته، لا يقطع الشيطان عليه صلاته». فهذا القطع بمعنى الإخلال بالصلاة، إخلالاً لا يُبْطِلها، فهذا هو المقصود من الحديث الأول والمقصود من الحديث الآخر، واضح؟ السائل: واضح بس بِدِّي أسأل سؤالاً، أحياناً الأطفال بيمروا مرة ثنتين ثلاثة، طبعاً هو حريص أنه لا زم الإنسان يحاول يدفع المار بين يديه قدر الإمكان، فكيف يُمْكِن أن ندفع هذولا الأطفال ما بيفهموا؟ الشيخ: أنا أقول لك المشكلة مو مثلما ما بتتصور أنت وغيرك، يعني هون مش لازم نتصور أن نحط المصلي دأبه بدأب الطفل، وهو فعلاً ما بإمكانه يحول بينه وبين دفعه إذا كان مثلاً في حالة القيام بين يكون راكع او ساجد أو جالس في التشهد، كل هذه الصور تختلف صورة عن أخرى، من حيث أنه يتيسر له دفع الطفل أو يتعسر. ولكن في بعض الصور سهلة جداً، كما فعل الرسول ﵇ مع الشاة التي أرادت أن تمر بين يديه، فساعاها حتى ألصق بطنه بالجدار، فمرت من خلفه، فهذه طريقة بالإمكان للمصلي أن يفعلها مع الطفل. (الهدى والنور / ٢٦٩/ ٠٦: ٢٧: ٠٠) (الهدى والنور / ٢٦٩/ ١٠: ٢٩: ٠٠)

стр. 1201

المرأة الحائض والكلب والحمار إذا مروا بين يدي المصلي يقطعون الصلاة فهل هناك مسافة محددة لذلك السائل: [المرأة الحائض والكلب والحمار إذا مروا بين يدي المصلي يقطعون الصلاة فهل هناك مسافة محددة لذلك]؟ الشيخ: إذا مَرَّ بينه وبين موضع سجوده ليس خلف موضع سجوده، فلو كان واحد يصلي بدون سترة ومَرّ واحد من هذه الأشياء الثلاثة خلف موضع السجود لا يقطع الصلاة. مداخلة: ما يقطع الصلاة. الشيخ: وإذا كان واضع السترة، لو مَرّ بينه وبين السترة لا يقطع الصلاة. مداخلة: يشترط وجود السترة. الشيخ: ليس هذا فقط، في عندك صورتين: رجل يصلي إلى سترة، وآخر لا يصلي إلى سترة. الأول لا يضره من مَرَّ بين يديه من هذه الأمور الثلاثة، سواء كان المرور بينه وبين السترة أو كان المرور من وراء السترة، واضح؟ مداخلة: واضح يا شيخ. الشيخ: نعم؟ مداخلة: واضح واضح. الشيخ: الرجل الثاني: هذا الذي لم يتخذ سترة، إذا مَرَّ واحد من الأشياء الثلاثة بينه وبين موضع سجوده بَطُلَت صلاته. أما إذا مر خلف موضع سجوده فصلاته صحيحة. (الهدى والنور /٢١٢/ ٠٤: ٤٥: ٠٠)

стр. 1202

ما المقصود بالمرأة الحائض التي تقطع الصلاة ؟ عن ابن عباس عن النبي ﷺ : «يقطع الصلاة: الكلب، والمرأة الحائض» [صحيح]. [قال الإمام]: أي: البالغة، على حد قوله ﷺ : في المرأة الحائض: «لا تقبل صلاتها إلا بخمار»، وحمله ابن خزيمة في صحيحه على ظاهره، فقال: «الحائض دون الطاهر» وهذا أشبه ما يكون بالتكليف بما لا يطاق، كما هو ظاهر بأدنى تأمل. صحيح موارد الظمآن (١/ ٢٢٣) حكم تقدم المصلي ليرد المار بين يديه السائل: يقول السائل: نقل ابن بطال والقاضي عياض الإجماع على عدم جواز تقدم المصلي ليرد من أراد المرور بينه وبين سترته لأن ذلك أشد من المرور، وثبت أنه الرسول ﷺ مشى حتى ألزق بطنه بالجدار ومرت الشاة خلفه, فما رأيكم في هذه المقولة وكيف نوفق بين العلة المذكورة في الإجماع وهي أن هذا التقدم عمل كثير وبين مشي النبي ﷺ لفتح الباب, وجزاكم الله خيرا؟ الشيخ: ما هو المنقول بالضبط عن القاضي وإيش الثاني؟ السائل: يقول السائل: نقل ابن بطال والقاضي عياض الإجماع على عدم جواز تقدم المصلي ليرد من أراد المرور بينه وبين سترته لأن ذلك أشد من المرور. الشيخ: الحقيقة أن هذا النقل فيه نظر كبير ويستحيل أن يكون الإجماع فيه صحيح النقل.

стр. 1203

لأنه أولاً من المسائل النظرية التي لا يمكن الوصول إلى معرفة رأي جميع علماء المسلمين ممن تقدم منهم وتأخر، لأن مثل هذا الإجماع الذي ينقل في مثل هذه المسألة النظرية هو كالعنقاء اسم بغير جسم, من الذي يمكن أن يمر على كل العلماء في كل عصر ليجمع أقوالهم وتتحد أقوالهم ثم تصل إلى زمن الذي نقله القاضي هذا وغيره أن الإجماع وقع أنه لا يجوز التقدم لرد المار لأنه أكثر خطأ من المرور. أنا أقول: أولاً: لرد هذا الإجماع المزعوم فيه الحديث الذي جاء ذكره في السؤال: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يصلي، حينما لاحظ بأن شاة تريد أن تمر بين يديه فساعاها أي سبقها حتى ألصق بطنه بالجدار فمرت من خلفه, هذا حديث صحيح, فكيف يمكن أن ينعقد إجماع على خلافه؟ ثانيًا: قد صح عن النبي ﷺ : «إذا قام أحدكم يصلي فأراد أحدٌ أن يمر بين يديه فليمنعه، فإن أبى فليدفعه، فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان» ولا شك أن المقاتلة أشد من مشي خطوة أو خطوتين. ثالثًا: وأخيرًا, لمنع المار بين يدي المصلي لا يحتاج الأمر إلى أن يتقدم؛ وهنا يخطر في بالي الآن لعل هذا الإجماع المدَّعى ليس هو فيما إذا أراد أن يمر بين المصلي وبين سترته؛ وإنما يكون الرجل لم يتخذ سترة ويمر المار بعيدًا عنه، بحيث أنه لو أراد منعه بيده -كما أشار ﵇ آنفًا في الحديث الصحيح - لا يطول المار ولا يستطيع أن يمنعه، فيتقدم إليه ليمنعه؛ هنا يمكن أن يقال بأن هذا الكلام صحيح بغض النظر عن الإجماع لأن الإجماع لا يمكن أن يصح في هذه القضية، وإلا لماذا قيَّد العبارة المذكورة آنفًا أن يتقدم لمنع المار؟ والمقيم بل القائم في الصلاة وأمامه سترة وهو كما تعلمون في السنة لا ينبغي أن يكون بعيدًا عن السترة إلا بمقدار شبر أو ممر شاة كما جاء في بعض الأحاديث بين موضع سجوده وموضع السترة، ففي الغالب إذا أراد المار أن يمر بينه وبين السترة فيكفيه أن يمنعه بمد يده، أما إذا أراد أن يمر وراء موضع السجود أي وراء السترة فهذا أولاً: لا يضره أما في حالة عدم

стр. 1204

اتخاذه السترة فلو مر المار بين يديه وأراد أن يمنعه حتى لو كان قريبًا ما يجوز أن يمنعه؛ ذلك لأنه لم يضع العلم وهي السترة التي تعلن: «ممنوع المرور»، هذا اصطلاح نبوي كريم الآن ممنوع المرور إشارة تعرفونها بالنسبة للسيارات؛ فهذه السترة جعلها الرسول ﷺ إشارة للرائي والناظر إليها أنه لا يجوز أن تمر بين يديه، فإذا مر من خلفها فلا ضير، وإذا لم يكن واضعًا لها فمر بين يديه فليس له أن يمنعه لأنه قصَّر في تطبيق السنة لذلك قال ﵊: «يقطع صلاة أحدكم إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل: المرأة والحمار والكلب الأسود» إذا لم يكن بين يديه انقطعت الصلاة أما إذا كان بين يديه فلا يضره من مر بين يديه إذا غُلب على أمره, أما هذا فحكم الصلاة أنها صحيحة إذا كان قد وضع السترة، لكن الصلاة تبطل إذا لم يكن قد وضع السترة, كذلك إذا لم يضع السترة لا يجوز له المنع والصلاة إما أن تبطل وإما أن ينقص أجرها بمرور غير هذه الأجناس الثلاثة المرأة والحمار والكلب الأسود, قالوا: «يا رسول الله ما بال الكلب الأسود؟ » قال: «إنه شيطان». (فتاوى جدة-موقع أهل الحديث والأثر- ٢١) دفع المار بين يدي المصلي هل يسقط عنه بكثرة الزحام السؤال: إذا اشتد الزحام في مكة، وشق على المصلي دَفْع وَرَدّ كل من مَرّ بين يديه، وخشي فوات الوقت، فهل يَسْقُط عنه دفعهم وَرَدُّهم؟ الشيخ: نعم، يسقط. (الهدى والنور /٣٠١/ ١٨: ٢٠: ٠٠)

стр. 1205

من شروط مكان الصلاة

стр. 1206

طهارة المكان «ويجب أيضا طهارة المكان لقوله ﷺ للأعرابي الذي بال في المسجد: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من القذر والبول والخلاء» فأمر رجلا فجاء بدلو من ماء فشنه عليه». الحديث صحيح أخرجه مسلم والبيهقي وأحمد من طريق عكرمة بن عمار: ثنا إسحاق بن أبي طلحة: ثني أنس بن مالك - وهو عم إسحاق - قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد فقال أصحاب رسول الله ﷺ : مه مه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزرموه دعوه» فتركوه حتى بال ثم إن رسول الله دعاه فقال له ... الحديث. وتمامه: «إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن» أو كما قال رسول الله ﷺ قال: فأمر رجلا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه. والسياق لمسلم، وليس فيه: «والخلاء» وإنما هو عند أحمد والبيهقي في رواية له. وله شاهد من حديث أبي هريرة قال: دخل أعرابي المسجد ورسول الله ﷺ جالس فقال: «اللهم اغفر لي ولمحمد ولا تغفر لأحد معنا» فضحك رسول الله ﷺ وقال: «لقد احتظرت واسعا» ثم ولى حتى إذا كان في ناحية المسجد فشج يبول فقام إليه رسول الله ﷺ فقال: «إنما بني هذا البيت لذكر الله والصلاة وإنه لا يبال فيه» ثم دعا بسجل من ماء فأفرغه عليه قال: يقول الأعرابي بعد أن فقه: فقام النبي ﷺ إلي - بأبي هو وأمي - فلم يسب ولم يؤنب ولم يضرب. أخرجه ابن ماجه وأحمد من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عنه. وهذا إسناد حسن. ورواه أبن حبان أيضا كما في «الفتح».

стр. 1207

والحديثين في «الصحيحين» وغيرهما عن أنس وأبي هريرة مختصرا ليس فيه موضع الشاهد منه وقد مضى. والحديث دليل لما ذكرنا من وجوب طهارة المكان قال شيخ الإسلام في «الاختيارات»: «وطهارة البقعة يستدل عليها بقول النبي ﷺ في حديث الأعرابي: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من البول والعذرة» وأمره بصب الماء على البول. فقد أمر ﵇ بتطهير مكان الصلاة والأمر يفيد الوجوب». ويدل لذلك أيضا حديث جابر وهو: «وقوله: «وجعلت لي الأرض [طيبة] طهورا ومسجدا فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل حيث أدركته». هو قطعة من حديث جابر بلفظ: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة». أخرجه البخاري ومسلم والنسائي والدارمي وأحمد عنه والسياق للبخاري والجملة المذكورة أعلاه لأحمد وما بين المربعين زيادة لمسلم والدارمي وهي ثابتة في حديث أنس أيضا بلفظ: «جعلت لي كل أرض طيبة مسجدا وطهورا». رواه ابن المنذر وابن الجارود بإسناد صحيح كما في «الفتح» وصححه العراقي أيضا كما في «النيل» حيث قال: «وهو ثابت بزيادة «طيبة» من رواية أنس عند ابن السراج في «مسنده» قال العراقي: بإسناد صحيح» ثم قال الشوكاني: «وهي تدل على أن المراد بالأرض المذكورة في الحديث الأرض الطاهرة المباحة لأن المتنجسة ليست بطيبة لغة والمغصوبة ليست بطيبة شرعا».

стр. 1208

فمفهوم الحديث أنه يجب اجتناب الأرض الخبيثة في الصلاة لكنه لا يدل هو ولا حديث الأعرابي قبله على شرطية طهارة المكان فالقول فيه كالقول في شرطية طهارة البدن والثوب وقد سبق تفصيل القول فيهما ولم أجد لمن قال بالشرطية دليلا صحيحا سوى ما تقدم هناك. وأما حديث ابن عمر بلفظ: نهى أن يصلى في ستة مواطن ... الحديث. الذي احتج به الرافعي وصاحب «المهذب» على الشرطية فضعيف لا يجوز الاحتجاج به كما بينه النووي والعسقلاني وتكلمنا عليه في «نقد التاج». ولذلك قال النووي بعد أن تكلم على الحديث: «ودليل الشرطية ما سبق في أول الباب وأما الحديث المذكور هنا فلا يصح الاحتجاج به ومما يحتج به حديث بول الأعرابي في المسجد وقول النبي ﷺ : «صبوا عليه ذنوبا من ماء» رواه البخاري ومسلم». قلت: هذا لا يفيد الشرطية وإنما يفيد الوجوب كما سبق. ومثله ما أشار إليه مما سبق فكل ذلك أوامر لا تفيد إلا الوجوب، وقد نقلنا كلام النووي الذي أشار إليه في خاتمة المسألة الثانية وبينا هناك ما فيه الكفاية فراجعه. [الثمر المستطاب (١/ ٣٥٣)]. المواطن المنهي عن الصلاة فيها [قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]: قوله: ٣ - «الصلاة في المزبلة، والمجزرة، وقارعة الطريق، وأعطان الإبل، والحمام، وفوق الكعبة، فعن زيد بن جبيرة عن داود بن حصين عن ابن عمر أن النبي ﷺ نهى أن يصلى في سبعة مواطن ... ». قلت: فذكر المواضع المذكورة ثم نقل عن الترمذي تضعيفه الحديث وأقره على ذلك وهو الصواب كما هو مبين في «الإرواء» ٢٨٧ فعادت الدعوى بدون دليل

стр. 1209

صحيح، فكان على المؤلف أن يورد أحاديث أخرى صحيحة تشهد للحديث ولو في بعض مفرداته: فمنها قوله ﷺ : «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام». أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم والبيهقي وغيرهم، وإسناده عند بعضهم صحيح على شرط الشيخين وهو مخرج في المصدر السابق. ومنها قوله ﷺ : «إذا حضرت الصلاة فلم تجدوا إلا مرابض الغنم وأعطان الإبل فصلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل». أخرجه أحمد والدارمي وابن ماجه وغيرهم بسند صحيح على شرط الشيخين من حديث أبي هريرة وفي معناه أحاديث أخرى خرجتها في «الثمر المستطاب». ولا أعلم حديثا صحيحا في النهي عن الصلاة في المواطن الأخرى ولا يجوز القول ببطلانها فيها إلا بنص عنه ﷺ فليعلم. [تمام المنة ص (٢٩٩)] عدم جواز الصلاة في المقبرة «- ولا تجوز الصلاة في أماكن عشرة: الأول: المقبرة وهي الموضع الذي دفن فيه إنسان واحد فأكثر لقوله ﵊: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام». وسواء في ذلك أكان القبر قبلته أو عن يمينه أو عن يساره أو خلفه لكن استقباله بالصلاة أشد لقوله ﷺ : «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» وقوله: «إن من شرار الناس من تدركه الساعة وهم أحياء ومن يتخذ القبور مساجد». [ثم تكلم الإمام على تخريجهما إلى أن قال]:

стр. 1210

واعلم أن الاستدلال بالحديث على ما ذكرنا إنما هو على أحد القولين في تفسيره وهو أن المراد بالاتخاذ: استقبال القبر. قال البيضاوي: «لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيما لشأنهم ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها واتخذوها أوثانا - لعنهم النبي ﷺ ومنع المسلمين عن مثل ذلك». والحديث معناه عندنا أعم مما ذكره البيضاوي كما سيأتي بيانه قريبا إن شاء الله. ومن عجائب الفهم المصادم للقصد من حديث النبي ﷺ إن لم نقل للنص منه - قول البيضاوي في تمام كلامه وهو: «وأما من اتخذ مسجدا بجوار صالح أو صلى في مقبرة وقصد به الاستظهار بروحه أو وصول أثر من آثار عبادته إليه لا التعظيم له والتوجه نحوه فلا حرج عليه». كذا قال ولا يخفى ما فيه من أثار الوثنية والضلال والمعصوم من عصمه الله ولذلك تعقبه العلماء فقال المناوي بعد أن نقل كلامه هذا: «لكن في خبر الشيخين كراهة بناء المسجد على القبور مطلقا والمراد قبور المسلمين خشية أن يعبد فيها القبور لقرينة خبر: اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد». وقد نص الإمام محمد تلميذ أبي حنيفة على كراهة اتخاذ المسجد عند القبر كما يأتي نصه في ذلك والتعبير ب «عند» أعم من قوله: «فوق» أو «على» كما لا يخفى فمن بنى مسجدا بجوار صالح فقد بنى عنده وعليه فكلام محمد ﵀ رد على البيضاوي في رأيه هذا المبتدع ورد عليه الصنعاني أيضا في «سبل السلام» فقال: «قوله: لا لتعظيم له يقال: اتخاذ المساجد بقربه وقصد التبرك به تعظيم له ثم أحاديث النهي مطلقة ولا دليل على التعليل بما ذكر والظاهر أن العلة سد الذريعة والبعد عن التشبه بعبدة الأوثان الذين يعظمون الجمادات التي لا تنفع ولا تضر ولما في إنفاق المال في ذلك من العبث والتبذير الخالي عن النفع بالكلية» قال:

стр. 1211

«ومفاسد ما يبنى على القبور من المشاهد والقباب لا تحصر». والحديث الأول يفيد تحريم الصلاة في المقبرة على التفصيل المذكور لعموم الحديث ولأن النهي أصله التحريم. وذهب بعضهم إلى بطلان الصلاة فيها وهو محتمل والله أعلم وقد ذهب إلى هذا ابن حزم في «الملحى» ورواه عن أحمد أنه قال: «من صلى في مقبرة أو إلى قبر أعاد أبدا». ثم قال: «وكره الصلاة إلى القبر وفي المقبرة وعلى القبر: أبو حنيفة والأوزاعي وسفيان ولم ير مالك بذلك بأسا واحتج له بعض مقلديه بأن رسول الله ﷺ صلى على قبر المسكينة السوداء» قال ابن حزم: «وهذا عجب ناهيك به أن يكون هؤلاء القوم يخالفون هذا الخبر فيما جاء فيه فلا يجيزون أن تصلى صلاة الجنازة على من قد دفن ثم يستبيحون - بما ليس فيه منه أثر ولا إشارة - مخالفة السنن الثابتة». قال: «وكل هذه الآثار حق فلا تحل الصلاة حيث ذكرنا إلا صلاة الجنازة فإنها تصلى في المقبرة وعلى القبر الذي قد دفن صاحبه كما فعل رسول الله ﷺ . نحرم ما نهى عنه ونعد من القرب إلى الله تعالى أن نفعل مثل ما فعل فأمره ونهيه حق وفعله حق وما عدا ذلك فباطل والحمد لله رب العالمين». وقال الشوكاني بعد أن حكى مذاهب العلماء في المسألة: «وأحاديث النهي المتواترة كما قال ذلك الإمام «ابن حزم» لا تقصر عن الدلالة على التحريم الذي هو المعنى الحقيقي له وقد تقرر في الأصول أن النهي يدل على فساد المنهي عنه فيكون الحق التحريم والبطلان لأن الفساد الذي يقتضيه النهي هو المرادف للبطلان من غير فرق بين الصلاة على القبر وبين المقابر وكل ما صدق عليه لفظ المقبرة». وقال شيخ الإسلام في «الاختيارات»: «ولا تصح الصلاة في المقبرة ولا إليها والنهي عن ذلك هو سد لذريعة الشرك وذكر طائفة من أصحابنا أن المقبرة ثلاثة قبور فصاعدا وليس في كلام أحمد وعامة أصحابه هذا الفرق بل عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم يوجب منع الصلاة عند قبر واحد من القبور وهو الصواب والمقبرة كل ما قبر فيه لا أنه جمع قبر وقال

стр. 1212

أصحابنا: وكل ما دخل في اسم المقبرة مما حول القبور لا يصلى فيه. فهذا يعين أن المنع يكون متناولا لحرمة القبر المنفرد وفنائه المضاف إليه وذكر الآمدي وغيره أنه لا تجوز الصلاة فيه أي المسجد الذي قبلته إلى القبر حتى يكون بين الحائط وبين المقبرة حائل آخر وذكر بعضهم: هذا منصوص أحمد». [الثمر المستطاب (١/ ٣٥٧)]. علة النهي عن الصلاة في المقبرة وقد اختلفوا في علة النهي عن الصلاة في المقبرة فقيل: النجاسة وقيل: التشبه بأهل الكتاب وسدا لذريعة الشرك كما سبق في كلام شيخ الإسلام وغيره. وهو الظاهر من مجموع الأحاديث الواردة في هذا الباب وقد مضى البعض ويأتي بعضها وعليه جرى علماؤنا المتأخرون من الحنفية فقال ابن عابدين في «حاشيته»: «واختلف في علته «يعني: الكراهة» فقيل: لأن فيها عظام الموتى وصديدهم وهو نجس وفيه نظر وقيل: لأن أصل عبادة الأصنام اتخاذ قبور الصالحين مساجد وقيل: لأنه تشبه باليهود وعليه مشى في الحاشية». وهذا القيل الأخير هو الذي اعتمده الطحطاوي في «حاشيته على مراقي الفلاح» ونص كلامه: «قوله: وفي المقبرة بتثليث الباء لأنه تشبه باليهود والنصارى قال ﷺ : «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» وسواء كانت فوقه أو خلفه أو تحت ما هو واقف عليه ويستثنى مقابر الأنبياء ﵈ فلا تكره الصلاة فيها مطلقا منبوشة أو لا بعد أن لا يكون القبر في جهة القبلة لأنهم أحياء في قبورهم ألا ترى أن مرقد إسماعيل ﵇ في الحجر تحت الميزاب وأن بين الحجر الأسود وزمزم قبر سبعين نبيا ثم إن ذلك المسجد أفضل مكان يتحرى للصلاة بخلاف مقابر غيرهم. أفاده في «شرح المشكاة».

стр. 1213

هذا كله كلام الطحطاوي وهو كلام مدخول يناقض بعضه بعضا فإنه إذا كان يصرح ويعلل الكراهة بالتشبه باليهود والنصارى - وهم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد - فكيف يستثني قبور الأنبياء وإنما يتحقق التشبه بالكفار بالصلاة فيها؟ نعم ربما كان يصح هذا الاستثناء فيما لو كانت علة الكراهة هي النجاسة وذلك لطهارة قبورهم ﵈ ومع ذلك فلا يصح هذا الاستثناء مطلقا بعد لعنه ﵊ من كان يتخذ قبور الأنبياء مساجد ونهيه أمته عن ذلك كما يأتي. وأنا أخشى أن يكون الطحطاوي قد أتي في هذا التناقض الصريح من جهة التقليد الذي كثيرا ما لا يدع صاحبه يفكر فيما يكتب أو يقول، فهو فيما يظهر نقل التعليل الصحيح عن بعض العلماء الذين لا يتصور أن يقولوا بالاستثناء ثم نقل الاستثناء عن بعض من يقول بالعلة الأخرى وهي النجاسة وهو منقول عنهم ويدل على هذا قوله: «منبوشة أو لا» فإن هذا إنما يصح أن يقال على أساس القول بهذه العلة المرجوحة وعليها يتفرع القول بالفرق بين المقبرة المنبوشة وغير المنبوشة في غير مقابر الأنبياء فإن لم يكن هذا الذي ذهبنا إليه حقا فما معنى هذا القول ههنا؟ وما معنى الاستثناء المصادم للنص؟ قد يقال: إن النص ليس معناه عند الطحطاوي على العموم بل معناه الاستقبال كما سبق ذكره عن البيضاوي ويدل على ذلك قوله بعد الاستثناء: «بعد أن لا يكون القبر جهة القبلة» فهو بهذا القيد لم يصادم النص حسب فهمه. فأقول: لكن يشكل عليه قوله: «وسواء كانت فوقه أو خلفه ... » إلخ. قال ذلك عن الحديث بما يشعر أنه عنده على عمومه ثم ما هو الفرق المعقول ين المنع من ذلك كله في قبور غير الأنبياء وإباحته في قبورهم مع القيد المذكور مع العلم بأن الخطر على العقيدة من الصلاة عندها مطلقا أعظم من الصلاة عند غيرها؟

стр. 1214

وبعد كتابة ما تقدم رجعت إلى شرح «المشكاة» المسمى: «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» للشيخ علي القاري فتبين لي أن الطحطاوي نقل جل كلامه ولكنه أساء في النقل وقدم وأخر بحيث أخل بالمعنى ولزم منه ما أشرنا إليه من المحاذير وتبين منه أيضا وتحقق أن الاستثناء إنما نقله عن بعض من ذهب إلى التعليل بالنجاسة وعليها جاء التفصيل الذي ذكره الطحطاوي في قوله: «وسواء ... » إلخ وهو نقله من كلام ابن حجر - يعني الهيتمي - ونص كلامه في ذلك: «أشار الشارح إلى استشكال الصلاة عند قبر إسماعيل ﵇ بأنها تكره في المقبرة. وأجاب بأن محلها مقبرة منبوشة لنجاستها وكله غفلة عن قولهم: يستثنى مقابر الأنبياء فلا يكره الصلاة فيها مطلقا لأنهم أحياء في قبورهم وعلى التنزل فجوابه غير صحيح لتصريحهم بكراهة الصلاة في مقبرة غير الأنبياء وإن لم تنبش لأنه محاذ للنجاسة ومحاذاتها في الصلاة مكروهة سواء كانت فوقه أو خلفه أو تحت ما هو واقف عليه» ا. هـ ما في «المرقاة». وأما ما احتج به الطحطاوي تبعا لشرح «المشكاة» من أفضلية الصلاة عند قبر إسماعيل ﵇ وقبر السبعين نبيا فقد أجاب عنه القاري نفسه في الشرح المذكور بقوله: «وفيه أن صورة قبر إسماعيل وغيره مندرسة فلا يصلح للاستدلال به». ونحن نقول: هب أنها غير مندرسة فذلك لا يدل على أن فضيلة الصلاة إنما هو من أجلها. ألا ترى أن مسجد النبي ﷺ الصلاة فيه بألف صلاة مما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام كما صح عنه ﷺ ؟ ومن المعلوم أنه قال ذلك قبل أن يدفن ﵇ في الحجرة الشريفة وقبل أن تضم هذه إلى المسجد النبوي فهل يلزم من وجود القبر الشريف الآن فيه أن يقال: إن فضيلة الصلاة فيه من أجل القبر الشريف؟ كلا لا يقول ذلك إلا الجهال من العوام، فكذلك لا يلزم من فضيلة الصلاة عند قبر إسماعيل وغيره أن ذلك من أجل القبور، وكيف يكون وقد نهى ﵇ عن اتخاذها مساجد ولعن من فعل ذلك؟ وهذا كله يقال على تسليم ثبوت تلك القبور في ذلك المكان وليس بثابت عند المحدثين قال الشيخ علي القاري في «الموضوعات»:

стр. 1215

«قال العلامة الشيخ محمد بن الجزري: لا يصح تعيين قبر نبي غير نبينا ﵊، نعم سيدنا إبراهيم ﵇ في تلك القرية لا بخصوص تلك البقعة. انتهى». قلت: وقد حكى شيخ الإسلام في «الاقتضاء» نحوه من غير واحد من أهل العلم ثم ذكر: «إن المسلمين قد أجمعوا ما علموه بالاضطرار من دين رسول الله ﷺ من أن الصلاة عند القبر - أي قبر كان - لا فضل فيها لذلك ولا للصلاة في تلك البقعة مزية خير أصلا بل مزية شر» وقال قبل ذلك بصفحة: «واعلم أن من الفقهاء من اعتقد أن سبب كراهة الصلاة في المقبرة ليس إلا لكونها مظنة النجاسة لما يختلط بالتراب من صديد الموتى وبنى على هذا الاعتقاد الفرق بين المقبرة الجديدة والعتيقة وبين أن يكون بينه وبين التراب حائل أو لا يكون، ونجاسة الأرض مانعة من الصلاة عليها سواء كانت مقبرة أو لم تكن، لكن المقصود الأكبر بالنهي عن الصلاة عند القبور ليس هو هذا فإنه قد بين أن اليهود والنصارى كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا». ثم قال: «وروي عنه أنه قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد».» ثم ذكر حديث عائشة وغيره مما تقدم وحديث جندب الآتي: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» ثم قال: «فهذا كله يبين لك أن السبب ليس هو مظنة النجاسة وإنما هو مظنة اتخاذها أوثانا كما قال الشافعي ﵁: وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدا مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس. وقد ذكر هذا المعنى أبو بكر الأثرم في «ناسخ الحديث ومنسوخه» وغيره من أصحاب أحمد وسائر العلماء، فإن قبر النبي ﷺ أو الرجل الصالح لم يكن ينبش والقبر الواحد لا نجاسة عليه، وقد نبه هو ﷺ على العلة بقول: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد» وبقوله: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد فلا

стр. 1216

تتخذوها مساجد» وأولئك إنما كانوا يتخذون قبورا لا نجاسة عندها ولأنه قد روى مسلم في «صحيحه» عن أبي مرثد الغنوي أن النبي ﷺ قال: «لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها». ولأنه ﷺ قال: «كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك التصاوير أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» فجمع بين التماثيل والقبور. وأيضا فإن اللات كان سبب عبادتها تعظيم قبر رجل صالح كان هناك. وقال فيما بعد وقد ذكر العلة الأولى: «وهذه العلة في صحتها نزاع لاختلاف العلماء في نجاسة تراب القبور وهي من مسائل الاستحالة وأكثر العلماء المسلمين يقولون: إن النجاسة تطهر بالاستحالة وهو مذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر وأحد القولين في مذهب مالك وأحمد، وقد ثبت في «الصحيح» أن مسجد النبي ﷺ كان حائطا لبني النجار وكان فيه قبور من قبور المشركين ونخل وخرب فأمر النبي ﷺ بالنخيل فقطعت وبالخرب فسويت وبالقبور فنبشت وجعل النخل في صف القبلة، فلو كان تراب القبور نجسا لكان تراب قبور المشركين نجسا ولأمر النبي ﷺ بنقل ذلك التراب فإنه لا بد أن يختلط ذلك التراب بغيره». ثم ذكر العلة الثانية ثم قال: «وهذه العلة صحيحة باتفاقهم والمعللون بالأولى - كالشافعي وغيره - عللوا بهذه أيضا وكرهوا ذلك لما فيه من الفتنة وكلك الأئمة من أصحاب أحمد ومالك كأبي بكر الأثرم صاحب أحمد وغيره علل بهذه الثانية أيضا وإن كان منهم من قد يعلل بالأولى وقد قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا، وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح: ٢٣ - ٢٤] ذكر ابن عباس وغيره من السلف أن هذه أسماء قوم صالحين كانوا في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم وصوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم. وقد ذكر هذا البخاري في «صحيحه» وأهل التفسير كابن جرير وغيره». [الثمر المستطاب (١/ ٣٦٦)].

стр. 1217

لا تجوز الصلاة في المساجد المبنية على القبور [ذكر الإمام ضمن الأماكن المنهي عن الصلاة فيها]: الثاني: المساجد المبنية على القبور لما في الصلاة فيها من التشبه باليهود والنصارى وقد قال ﷺ فيهم: «إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة» وقال: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك». الحديث الأول هو من حديث عائشة ﵂ أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير فذكرنا للنبي ﷺ فقال ... فذكره. أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأحمد وابن شيبة في «المصنف». والحديث الثاني هو من رواية جندب بن عبد البجلي قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله تعالى قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا. ألا وإن من كان قبلكم ... الحديث. تفرد بإخراجه مسلم دون الستة وقد نسبه الشوكاني للنسائي أيضا وكأنه يعني «سننه الكبرى» وإلا فإني لم أجده. في «الصغرى» له ولم ينسبه في «الذخائر» إلا لمسلم. وفي الباب عن عائشة وابن عباس معا وعن أبي هريرة وعن ابن مسعود وقد مضت أحاديثهم قريبا وعن ابن عباس أيضا بلفظ: «لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج». أخرجه الأربعة إلا ابن ماجه والحاكم والبيهقي والطيالسي وأحمد وهو بهذا اللفظ ضعيف إلا الجملة الأولى منه فهي صحيحة لمجيئها من طريق أخرى عن أبي

стр. 1218

هريرة وحسان بن ثابت وقد فصلت القول في ذلك في «التعليقات الجياد» بما لا يوجد في كتاب والحمد لله. واعلم أن الحديث الأول يفيد تحريم بناء المساجد على القبور وذلك يستلزم تحريم الصلاة فيها من باب أولى لأنه - كما لا يخفى - من قبيل النهي عن الوسيلة - وهو البناء - لكي لا تتحقق الغاية - وهي العبادة في هذا البناء الذي أقيم على معصية الله تعالى - لما يترتب من وراء ذلك من المفاسد الاعتقادية كما هو الواقع. وأما الحديث الثاني فهو أعم من الأول لأنه بلفظه يشمل الوسيلة والغاية فاتخاذ المكان مسجدا معناه الصلاة فيه (١) ومعناه البناء عليه من أجل الصلاة والسجود فيه فكل منهما مستلزم للآخر كما أفاده المناوي في «الفيض» ومن المعلوم بالبداهة أن اليهود والنصارى الملعونين إنما بنوا تلك المساجد للصلاة فيها فمن صلى في مسجد فيه قبر ولو لم يقصد القبر فقد شابه أولئك المغضوب عليهم والضالين وقد نهينا عن التشبه بهم في نصوص عامة وخاصة ولذلك قال العلامة ابن الملك - وهو من علمائنا الحنفية - في شرح حديث ابن عباس المذكور آنفا: «إنما حرم اتخاذ المساجد عليها لأن في الصلاة فيها استنانا بسنة اليهود». نقله الشيخ علي القاري في «المرقاة». يضاف إلى ما تقدم أن الصلاة في المساجد المبنية على القبور قد تفضي بصاحبها أو بمن يقتدي به من العوام والجهال إلى تخصيص الميت ببعض العبادات الخاصة بالله تعالى كالاستغاثة والسجود كما هو واقع في أكثر المساجد المبنية على القبور وهو مشاهد فنهى عن ذلك سدا للذريعة فهو كالنهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة المكروهة تحريما بل المفسدة في تلك المساجد أوضح وأظهر منها في هذه الأوقات كما يشهد به الواقع.

стр. 1219

وهذا كله فيمن لم يقصد الصلاة في تلك المساجد وأما قصدها لأجل صاحب القبر متبركا به معتقدا أن الصلاة عنده أفضل من الصلاة في المساجد المجردة عن القبور فهو عين المشاقة والمحادة لله ولرسوله وهذه الصلاة حقيق بها قول من قال ببطلانها كما يأتي عن بعض العلماء. وإن مما يتعجب منه المؤمن البصير في دينه تهاون أكثر الفقهاء بهذه المسألة الخطيرة حيث إنهم لم يتعرضوا لها بذكر صريح في كتبهم وفتاويهم فيما علمت. ولذلك كان من العسير إقناع المقلدين بها على وضوح الحجة فيها وأنى لهم أن يأخذوا بها وهم أو أكثرهم يقدمون قول الإمام - بل قول بعض أتباعه ولو من المتأخرين - على قول الله تعالى وقول رسوله ﷺ ولا حول ولا قوة إلا بالله. ولذلك سأعنى بصورة خاصة بنقل بعض أقوال العلماء المحققين حول هذه المسألة ليعلم الواقف على كتابنا هذا أننا لم نأت بشيء من عندنا بدعة في الدين ولم نسئ فهم أحاديث سيد المرسلين بل هو الحق من ربك فلا تكونن من الممترين. وقد اعتنى بهذه المسألة عناية خاصة شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وجزاه عن المسلمين خيرا فقلما ترى كتابا له لا يتعرض فيه لهذه المسألة بإسهاب أو اختصار، ولذلك فسأنقل عنه ما يناسب المقام من أقواله وفتاويه مع بعض اختصار وتلخيص. قال ﵀ في «القاعدة الجليلة في التوسل والوسيلة»: «واتخاذ المكان مسجدا هو أن يتخذ للصلوات الخمس وغيرها كما تبنى المساجد لذلك، والمكان المتخذ مسجدا إنما يقصد فيه عبادة الله ودعاؤه لا دعاء المخلوقين فحرم ﷺ أن تتخذ قبورهم مساجد بقصد الصلاة فيها كما تقصد المساجد وإن كان القاصد لذلك إنما يقصد عبادة الله وحده، لأن ذلك ذريعة إلى أن يقصد المسجد لأجل صاحب القبر ودعائه والدعاء به والدعاء عنده، فنهى رسول الله ﷺ عن اتخاذ هذا المكان لعبادة الله وحده لئلا يتخذ ذلك ذريعة ينهى عنه كما نهى عن الصلاة في الأوقات الثلاثة لما في ذلك من المفسدة الراجحة وهو التشبه

стр. 1220

بالمشركين الذي يفضي إلى الشرك وليس في قصد الصلاة في تلك الأوقات، ولهذا تنازع العلماء في ذوات الأسباب فسوغها كثير منهم في هذه الأوقات وهو أظهر قولي العلماء لأن النهي إذا كان لسد الذريعة أبيح للمصلحة الراجحة وفعل ذوات الأسباب يحتاج إليه في هذه الأوقات ويفوت إذا لم يفعل فيها فتفوت مصلحتها فأبيحت لما فيها من المصلحة الراجحة، بخلاف ما لا سبب له فإنه يمكن فعله في غير هذه الأوقات فلا تفوت بالنهي عنه مصلحة راجحة وفيه مفسدة توجب النهي عنه، فإذا كان نهيه عن الصلاة في هذه الأوقات لسد ذريعة الشرك لئلا يفضي ذلك إلى السجود للشمس ودعائها وسؤالها كما يفعله أهل دعوة الشمس والقمر والكواكب الذي يدعونها ويسألونها كان معلوما أن دعوة الشمس والسجود لها هو محرم في نفسه أعظم تحريما من الصلاة التي نهى عنها لئلا يفضي ذلك إلى دعاء الكواكب، كذلك لما نهى عن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد فنهى عن قصدها للصلاة عندها لئلا يفضي ذلك إلى دعائهم والسجود لهم - كان دعاؤهم والسجود لهم أعظم تحريما من اتخاذ قبورهم مساجد». وقال في «الاقتضاء»: «فهذه المساجد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين والملوك وغيرهم يتعين إزالتها بهدم أو بغيره، وهذا ما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء المعروفين، وتكره الصلاة فيها من غير خلاف أعلمه ولا تصح عندنا في ظاهر المذهب لأجل النهي واللعن الوارد في ذلك ولأحاديث أخرى، وليس في هذه المسألة خلاف لكون المدفون فيها واحدا، وإنما اختلف أصحابنا في المقبرة المجردة عن مسجد هل حددها ثلاثة أقبر أو ينهى عن الصلاة عن القبر الفذ وإن لم يكن عنده قبر آخر؟ على وجهين - قلت: ورجح شيخ الإسلام في كتاب آخر النهي ولو عند القبر الواحد وقد سبق ذلك ثم قال: - وقد كانت البينة التي على قبر إبراهيم ﵇ مسدودة لا يدخل إليها إلى حدود المائة الرابعة فقيل: إن بعض النسوة المتصلات بالخلفاء رأت في ذلك مناما فنقبت لذلك وقيل: إن النصارى لما استولوا على هذه النواحي نقبوا ذلك ثم ترك مسجدا بعد الفتوح المتأخرة وكان أهل الفضل من شيوخنا لا يصلون في مجموع تلك البنية وينهون أصحابهم عن الصلاة فيها اتباعا

стр. 1221

لأمر رسول الله ﷺ واتقاء لمعصيته كما تقدم». ثم قال فيه: «فإن نهيه عن اتخاذ القبور مساجد يتضمن النهي عن بناء المساجد عليها وعن قصد الصلاة عندها وكلاهما منهي عنه باتفاق العلماء فإنهم قد نهو عن بناء المساجد على القبور بل صرحوا بتحريم ذلك كما دل عليه النص واتفقوا أيضا على أنه لا يشرع قصد الصلاة والدعاء عند القبور. ولم يقل أحد من المسلمين: إن الصلاة عندها والدعاء عندها أفضل منه في المساجد الخالية عن القبور، بل اتفق علماء المسلمين على أن الصلاة والدعاء في المساجد التي لم تبن على القبور أفضل من الصلاة والدعاء في المساجد التي بنيت على القبور، بل الصلاة والدعاء في هذه منهي عنه مكروه باتفاقهم، وقد صرح كثير منهم بتحريم ذلك بل وبإبطال الصلاة فيها، وإن كان في هذا نزاع والمقصود هنا أن هذا ليس بواجب ولا مستحب باتفاقهم بل هو مكروه باتفاقهم». وقال في «الجواب الباهر في زوار المقابر» (١): «والصلاة في المساجد المبنية على القبور منهي عنها مطلقا بخلاف مسجده ﷺ فإن الصلاة فيه بألف صلاة فإنه أسس على التقوى وكانت حرمته في حياته ﷺ وحياة خلفائه الراشدين قبل دخول الحجرة فيه». ثم قال: «ومن اعتقد أنه قبل القبر لم تكن فيه فضيلة وإنما حدثت له الفضيلة في خلافة الوليد لما أدخلت الحجرة فيه فهو جاهل مفرط في الجهل أو كافر مكذب لما جاء به ﵇ مستحق للقتل». وقد أفتى ﵀ مرارا بكراهة الصلاة في المساجد المبنية على القبور فقد جاء في الفتاوى له ما نصه: «مسألة: في المسجد إذا كان فيه قبر والناس يجتمعون فيه لصلاة الجماعة فهل تجوز الصلاة فيه أم لا؟ وهل يمهد القبر أم لا؟

стр. 1222

الجواب: اتفق الأئمة على أنه لا يبنى مسجد على قبر لأنه قال: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك». وأنه لا يجوز دفن ميت في مسجد فإن كان المسجد قبل الدفن غير: إما بتسوية القبر وإما بنبشه إن كان جديدا فإن كان المسجد بني بعد القبر فإما أن يزال المسجد وإما أن يزال صورة القبر فالمسجد المبني على القبر لا يصلى فيه فرض ولا نفل فإنه منهي عنه. والله أعلم». وله فتوى أخرى نحو هذه انظرها -إن شئت- في الجزء الثاني صفحة «١٩٢» (١). وقال الشيخ محمد يحيى الكاندهلوي الهندي الحنفي في كتابه «الكوكب الدري على جامع الترمذي» ما نصه: «وأما اتخاذ المساجد عليها فإنما فيه من الشبه باليهود في اتخاذهم مساجد على قبور أنبيائهم وكبرائهم ولما فيه من تعظيم الميت وشبه بعبدة الأصنام لو كان القبر في جانب القبلة. وكراهة كونه في جانب القبلة أكثر من كراهة كونه يمينا أو يسارا، وإن كان خلف المصلي فهو أخف كراهة من كل ذلك لكن لا يخلو عن كراهة». وقد ذكر الحافظ في «الفتح» والعيني في «العمدة»: «أن القبر في المسجد إذا كان في جهة القبلة فإنه تزداد الكراهة». وهذا هو الحق في المسألة حسب التفصيل الذي ذكره الهندي، ومرجع ذلك إلى التشبه باليهود والنصارى في صلاتهم في المساجد المبنية على القبور والمشابهة

стр. 1223

حاصله في كل الصور التي قد ذكرها كما لا يخفى وهذا لمن لا يقصد الصلاة فيها، وأما القاصد فاسمع ما نقله الفقيه ابن حجر الهيتمي في كتابه «الزواجر»: «قال بعض الحنابلة: قصد الرجل الصلاة عند القبر متبركا بها عين المحادة لله ورسوله وابتداع دين لم يأذن به الله للنهي عنها، ثم إجماعا، فإن أعظم المحرمات وأسباب الشرك: الصلاة عندها واتخاذها مساجد وبناؤهها عليها، والقول بالكراهة محمول على غير ذلك إذ لا يظن بالعلماء تجويز فعل تواتر عن النبي ﷺ لعن فاعله، ويجب المبادرة لهدمها وهدم القباب التي على القبور إذ هي أضر من مسجد الضرار لأنها أسست على معصية رسول الله ﷺ لأنه نهى عن ذلك وأمر ﷺ بهدم القبور المشرفة». هذا وقد أفادت الأحاديث السابقة تحريم بناء المساجد على القبور أيضا وهي مسألة أخرى تكلمنا عليها في «التعليقات الجياد» وذكرنا فيه أقوال العلماء في النهي عن ذلك ولعلنا نذكرها في «أحكام المساجد» من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. [الثمر المستطاب (١/ ٣٧٣)]. تحريم الصلاة إلى القبور قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٢٣: ولا تجوز الصلاة إلى القبور مطلقا، سواء كانت قبورا للأنبياء أو غيرهم. وقال في أصل الصفة: وكان ينهى عن الصلاة تجاه القبر؛ فيقول: «لا تجلسوا على القبور، ولا تُصَلُّوا إليها». قوله: لا تجلسوا: فيه دلالة على تحريم القعود على القبور؛ لأنه الأصل في النهي، وهو مذهب الجمهور فيما حكاه الصنعاني في «سبل السلام» «٢/ ١٥٧»، والشوكاني في «النيل» «٤/ ٧٥»، والصواب أن مذهبهم الكراهة - كما نقله النووي في «المجموع» «٥/ ٣١٢»

стр. 1224

عنهم، وابن الجوزي فيما ذكره الحافظ في «الفتح» «٣/ ١٧٤» -، والحق: إنه حرام؛ لما ذكرنا من أن أصل النهي التحريم، ولم يرد شيء يخرجه منه إلى الكراهة، بل جاء ما يؤكده؛ وهو: ما رواه أبو هريرة عنه ﷺ أنه قال: «لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه، فتخلص إلى جلده؛ خير له من أن يجلس على قبر». أخرجه مسلم «٣/ ٦٢»، وأبو داود «٢/ ٧١»، والنسائي «١/ ٢٨٧»، وابن ماجه «١/ ١/٤٧٤»، وأحمد «٢/ ٣١١ و ٣٨٩ و ٤٤٤». وما رواه عقبة بن عامر مرفوعاً: «لأن أمشي على جمرة، أو سيف، أو أَخْصِفَ نعلي برِجْلي؛ أحب إليَّ من أن أمشي على قبر مسلم، وما أبالي أَوَسَطَ القبور قضيت حاجتي، أو وسط السوق»! . أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح. وقد أغرب بعض الأئمة؛ فَأَوَّلَ الجلوس على القبر بالجلوس لغائط أو بول! وهو تأويل ضعيف أو باطل - كما قال النووي -، وقد بين بطلان ذلك ابن حزم في «المحلى» «٥/ ١٣٦» من وجوه؛ فراجعها فيه. وقال الشافعي في «الأم» «٢٤٦»: «وأكرهُ وطْء القبر والجلوس والاتكاء عليه، إلا أن لا يجد الرجلُ السبيلَ إلى قبر ميِّتِه إلا بأن يطأه؛ فذلك ضرورة، فأرجو حينئذٍ أن يسعه إن شاء الله». قلت: إن كان القصد من الوصول إلى قبر الميت لأجل الزيارة فقط؛ فليس ذلك بضرورة يُستحل بها ما تقدم من الوعيد الشديد؛ لأن الزيارة تتحقق من بعيد، وليس من شرطها الوصول إلى القبر نفسه؛ ولذلك قال أبو حنيفة ﵀: «لا يوطأ القبر إلا لضرورة، ويزار من بعيد، ولا يَقْعُد، وإن فعل؛ يكره». كذا في «رد المحتار» «١/ ٨٤٦» نقلاً عن «خزانة الفتاوى». وظاهر قوله: «يكره»: أنه كراهة تحريم؛ لأنها المراد عند الإطلاق، وهو الموافق لما سبق من الأحاديث. والله أعلم. وللبحث تتمة؛ يراجع في «التعليقات الجياد».

стр. 1225

قوله: ولا تصلوا إليها: أي: مستقبلين إليها. لما فيه من التعظيم البالغ؛ لأنه من مرتبة المعبود، فجمع بين النهي عن الاستخفاف بالتعظيم، والتعظيم البليغ. كذا في «الفيض» للمناوي. ثم قال في موضع آخر: «فإن ذلك مكروه. فإن قصد إنسان التبرك بالصلاة في تلك البقعة؛ فقد ابتدع في الدين ما لم يأذن به الله، والمراد كراهة التنزيه». قال النووي: «كذا قال أصحابنا. ولو قيل بتحريمه - لظاهره - لم يبعد، ويؤخذ من الحديث النهي عن الصلاة في المقبرة؛ فهي مكروهة كراهة تحريم». اهـ. وفي «الأم» «١/ ٢٤٦»: «وأكره أن يُبنى على القبر مسجد، وأن يُسَوَّى، أو يصلى عليه وهو غير مسوى، أو يصلى إليه». قال: وإن صلى إليه؛ أجزأه، وقد أساء، أخبرنا مالك: أن رسول الله ﷺ قال: «قاتل الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». قال: «وأكره هذا للسُّنة والآثار، وأنه كره - والله تعالى أعلم - أن يعظم أحد من المسلمين - يعني: يتخذ - قبره مسجداً، ولم تؤمن في ذلك الفتنة والضلال على من يأتي بعد». انتهى. والحديث الذي ذكره عن مالك مُعضَلاً حديث صحيح جداً؛ جاء في «الصحيحين» وغيرهما عن جمع من الصحابة؛ منهم: عائشة، وابن عباس، وأبو هريرة، وزيد بن ثابت، وأبو عبيدة بن الجراح، وأسامة بن زيد. وفي الباب عن: عائشة أيضاً، وجندب بن عبد الله البجلي، وابن مسعود، وأبي سعيد الخدري، وعطاء بن يسار مرسلاً. وقد خرجتُ أحاديثهم، وسقت ألفاظهم في «التعليقات الجياد»، وبينت فيه ما يستفاد منها من المسائل المهمة التي غفل عنها أكثر المسلمين؛ فوقعوا في الغلو في الأولياء والصالحين، وتعظيمهم تعظيماً خارجاً عن حدود الشرع والدين، وقد قال ابن حجر الهيتمي الفقيه في «الزواجر عن اقتراف الكبائر» «ص ١٢١»: «قال بعض الحنابلة: قَصْدُ الرجل الصلاةَ عند القبر متبركاً بها عَيْنُ المحاداة لله ولرسوله،

стр. 1226

وإبداع دين لم يأذن به الله؛ للنهي عنها، ثم إجماعاً؛ فإن أعظم المحرمات وأسباب الشرك الصلاة عندها، واتخاذها مساجد، أو بناؤها عليها. والقول بالكراهة محمول على غير ذلك؛ إذ لا يُظَنُّ بالعلماء تجويزُ فعلٍ تواتر عن النبي ﷺ لَعْنُ فاعِلِهِ، ويجب المبادرة لهدمها، وهدم القباب التي على القبور، إذ هي أضر من مسجد الضرار؛ لأنها أُسست على معصية رسول الله ﷺ ؛ لأنه نهى عن ذلك، وأمر ﷺ بهدم القبور المشرفة، وتجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر، ولا يصح وقفه ونذره». انتهى ما في «الزواجر». فأفاد كلام المناوي والحنبلي أن قصد الصلاة إلى القبر وعنده محرم، وأنه تشريع لم يأذن به الله، ومع ذلك ترى كثيراً من الناس - حتى بعض المشايخ - يقصدون مقامات الأولياء والصالحين للصلاة عندها، والتبرك بها، وإذا قيل لهم في ذلك؛ قالوا: إنما الأعمال بالنيات، ونياتنا طيبة، وعقائدنا سليمة! ولئن صدقوا في ذلك؛ فما هو بمنجيهم من المؤاخذة عند الشارع الحكيم؛ لأنه إنما بنى الأحكام على الظواهر، والله يتولى السرائر. ولقد أنكر رسول الله ﷺ على من خاطبه بقوله: ما شاء الله وشئت يا رسول الله! فقال ﵊: «جعلتني لله نداً؟ ! قل: ما شاء الله وحده». ولقد كان رسول الله ﷺ يعلم أن ذلك الرجل ما قصد أن يجعله شريكاً مع الله، وهو ﵁ ما آمن به ﷺ إلا فراراً من الشرك؛ فكيف يجعله شريكاً لله؟ ! كان ﷺ يعلم ذلك منه، وإنما أنكر عليه ما سمعه من لسانه حتى يُقَوِّمَهُ مرة؛ فلا يتكلم مرة أخرى بما يوهم الشرك والضلال. فمالهؤلاء الناس يأتون أعمالاً منكرة، ظاهرها شرك وضلال، ثم يبررون ذلك بقصدهم الحسن في زعمهم؟ ! والله يعلم أن كثيراً من هؤلاء قد فسدت عقائدهم، وداخَلَها الشرك من حيث يشعرون أو لا يشعرون؛ ذلك جزاؤهم بما كسبوا، وجعلوا أحاديثه ﵊ وراءهم ظهرياً.

стр. 1227

[وهذا الحديث] هو حديث صحيح. أخرجه مسلم «٣/ ٦٢»، وأبو داود «١/ ٧١»، والنسائي «١/ ١٢٤»، والترمذي «١/ ١٩٥ - طبع بولاق»، «وابن خزيمة «١/ ٩٥/٢» [٢/ ٨/٧٩٤]»، والطحاوي «١/ ٢٩٦»، والبيهقي «٤٣٥»، وأحمد «٤/ ١٣٥» من حديث أبي مَرْثَد الغَنَوي مرفوعاً به. ولفظ النسائي، والطحاوي: «لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها». وهو رواية لمسلم، وأحمد. وله شاهد من حديث ابن عباس: أخرجه المقدسي من طريق الطبراني بسنده عن عبد الله بن كيسان عن عكرمة عنه بلفظ: «لا تصلوا إلى قبر، ولا تصلوا على قبر». قال المقدسي: وعبد الله بن كيسان: قال فيه البخاري: منكر الحديث. وقال أبو حاتم الرازي: ضعيف. وقال النسائي: ليس بالقوي. إلا أنَّا لما رأينا ابن خزيمة والبستي أخرجا له؛ أخرجناه. وانظر كتابى: «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد»، و «أحكام الجنائز وبدعها». [أصل صفة الصلاة (١/ ١٤٠)] النهي عن الصلاة في مسجد فيه قبر هل يشمل الفرائض والسنن ؟ السائل: [هل النهي عن الصلاة في مسجد فيه قبر يشمل الفرض والسنة]؟ الشيخ: المهم يا أخي! القضية أولاً: نحن ننصح بعدم الصلاة مطلقاً في المسجد الذي فيه قبر مطلقاً لا فرض ولا سنة.

стр. 1228

وإنما نُوجب على المسلم أن يختار المسجد الذي بُنِي على طاعة الله وليس على معصية الله، ومن هذا القبيل -الذي بُنِي على معصية الله- مساجد مبنية على القبور؛ لأن النبي ﵊ جاءت عنه أحاديث متواترة في لعن الذين يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد. فإذا كان لا يوجد مسجد خالي عن قبر حوالي المكلف هذا بالصلاة، ففي هذه الحالة يدور الأمر بين أن يقال له: صَلِّ في بيتك وحدك وتترك جماعة المسلمين، أو صَلِّ في هذا المسجد من أجل لا تفوت عليك صلاة الجماعة. فإذا دار الأمر بين هذا وهذا، قيل لهذا: أخف الشَرَّين أنه يصلي في المسجد مع الجماعة، وبخاصة أن المفروض بمثل هذا الإنسان، أنه ليس كأولئك الأناس الغافلين الذين لا تَفْرُق معهم الصلاة في مسجد فيه قبر أو في مسجد ليس فيه قبر؛ لأنهم لا علم عندهم. فهذا الذي يصلي في المسجد الذي فيه قبر؛ لأنه لا يجد حواليه مسجداً ليس فيه قبر، هذا يعني: لا يُتَصَوَّر في حقه ما يُتَصَوَّر في حق الآخرين أن الصلاة في مسجد فيه وَليّ مثلاً أفضل من المسجد الذي ليس فيه هذا الوليّ، فهذا يكون عذره أقوى عند الله فيما إذا صلى في مثل هذا المسجد من ذاك الذي لا يحمل هذه العقيدة الصحيحة. لكن انطلاقاً من قاعدة: الضرورات تُبِيح المحظورات، قلنا: يصلي في هذا المسجد وليس في داره وحده. وانطلاقاً من تمام القاعدة السابقة: الضرورة تُقَدَّر بقدرها، فهو لا يُصَلِّي السُّنَن في هذا المسجد؛ لأنه هنا لا يوجد جماعة. نحن جَوَّزنا له الصلاة في المسجد هنا من أجل لا نُفَوِّت عليه ماذا؟ صلاة الجماعة.

стр. 1229

أما السُّنة أولاً: لا تُوجد جماعة، وثانياً: لو واحد في مكة أو في المدينة، الصلاة في مكة بمائة ألف صلاة، والصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة، صلاته في بيته في مكة أو في المدينة أفضل من صلاة في المسجد النبوي أو المسجد المكي للسنن. يعني: الأصل في السنن أن تصلى في البيوت، فما بالك مسجد فيه قبر، فهو يصلي في البيت، هذا الذي نقوله. مداخلة: جزاك الله خيراً. (الهدى والنور / ١٣٧/ ٣٢: ٣٣: ٠٠) لا تجوز الصلاة في معاطن الإبل ومباركها [ذكر الإمام ضمن الأماكن التي لا تجوز الصلاة فيها]: الثالث: معاطن الإبل ومباركها لقوله ﷺ : «إذا حضرت الصلاة فلم تجدوا إلا مرابض الغنم وأعطان الإبل فصلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل» وعلل ذلك في حديث آخر بقوله: «فإنها خلقت من الشياطين [ألا ترون عيونها وهبابها إذا نفرت»]». [ثم خرج الإمام الحديث مدللاً على صحته وحُسن الزيادة التي بين المعقوفين إلى أن قال]: «المعاطن»: جمع معطن بفتح الميم وكسر الطاء و «الأعطان» جمع عطن بفتح العين والطاء المهملتين قال الأزهري: «العطن هو الموضع الذي تنحى إليه الإبل إذا شربت الشربة الأولى فتبرك فيه ثم يملأ لها الحوض ثانيا فتعود من عطنها إلى الحوض لتعل وتشرب الشربة الثانية وهو العلل» قال: «ولا تعطن الإبل عن الماء إلا في حمارة القيظ - بتخفيف الميم وتشديد الراء -» قال: «وموضعها الذي تترك فيه على الماء يسمى عطنا ومعطنا». نقله النووي في «المجموع».

стр. 1230

فـ «المعطن» موضع خاص لبروك الجمل وعليه ف «المبرك» أعم قال ابن حزم: «وكل عطن فهو مبرك وليس كل مبرك عطنا لأن العطن هو الموضع الذي تناخ فيه عند ورودها الماء فقط والمبرك أعم لأنه الموضع المتخذ لبروكها على كل حال». والحديثان وما في معناها يدلان على تحريم الصلاة في مبارك الإبل وهو مذهب ابن حزم وروى عن أحمد أنه قال: «من صلى في عطن إبل أعاد أبدا». وسئل مالك عمن لم يجد إلا عطن إبل قال: «لا يصلي فيه» قيل: فإن بسط عليه ثوبا؟ قال: «لا أيضا». وقال الترمذي بعد أن ساق حديث أبي هريرة: «وعليه العمل عند أصحابنا وبه يقول أحمد وإسحاق». قال الشوكاني: «وذهب الجمهور إلى حمل النهي على الكراهة مع عدم النجاسة وعلى التحريم مع وجودها، وهذا إنما يتم على القول بأن علة النهي هي النجاسة وذلك متوقف على نجاسة أبوال الإبل وأزبالها وقد عرفت ما قدمنا فيه، ولو سملنا أن النجاسة فيه لم يصح جعلها علة لأن العلة لو كانت النجاسة لما افترق الحال بين أعطانها وبين مرابض الغنم إذ لا قائل بالفرق بين أرواث كل من الجنسين وأبوالها كما قال العراقي، وأيضا قد قيل: إن حكمه النهي ما فيها من النفور فربما نفرت وهو في الصلاة فتؤدي إلى قطعها أو أذى يحصل له منها أو تشوش الخاطر الملهي عن الخشوع في الصلاة، وبهذا علل النهي أصحاب الشافعي وأصحاب مالك وعلى هذا فيفرق بين كون الإبل في معاطنها وبين غيبتها عنها إذ يؤمن نفورها حينئذ، ويرشد إلى صحة هذا حديث ابن مغفل عند أحمد بإسناد صحيح بلفظ: «لا تصلوا في أعطان الإبل فإنها خلقت من الجن ألا ترون إلى عيونها وهيئتها إذا نفرت». قلت: ويعكر هذا أن النبي ﷺ كان يصلي إلى البعير كما سيأتي في محله إن شاء الله تعالى فهذا يدل على أن النهي ليس هو لاحتمال النفور لأن هذا محتمل أيضا في هذه الصورة الجائزة اتفاقا، ولذلك فإني أرى أن النهي إنما هو بخصوص المكان المعطن والمبرك - سواء كانت فيه إبل أو لا - وقت الصلاة. وكلام ابن حزم يدل
следующие страницы →