وإبداع دين لم يأذن به الله؛ للنهي عنها، ثم إجماعاً؛ فإن أعظم المحرمات وأسباب الشرك الصلاة عندها، واتخاذها مساجد، أو بناؤها عليها. والقول بالكراهة محمول على غير ذلك؛ إذ لا يُظَنُّ بالعلماء تجويزُ فعلٍ تواتر عن النبي ﷺ لَعْنُ فاعِلِهِ، ويجب المبادرة لهدمها، وهدم القباب التي على القبور، إذ هي أضر من مسجد الضرار؛ لأنها أُسست على معصية رسول الله ﷺ ؛ لأنه نهى عن ذلك، وأمر ﷺ بهدم القبور المشرفة، وتجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر، ولا يصح وقفه ونذره». انتهى ما في «الزواجر».
فأفاد كلام المناوي والحنبلي أن قصد الصلاة إلى القبر وعنده محرم، وأنه تشريع لم يأذن به الله، ومع ذلك ترى كثيراً من الناس - حتى بعض المشايخ - يقصدون مقامات الأولياء والصالحين للصلاة عندها، والتبرك بها، وإذا قيل لهم في ذلك؛ قالوا: إنما الأعمال بالنيات، ونياتنا طيبة، وعقائدنا سليمة! ولئن صدقوا في ذلك؛ فما هو بمنجيهم من المؤاخذة عند الشارع الحكيم؛ لأنه إنما بنى الأحكام على الظواهر، والله يتولى السرائر.
ولقد أنكر رسول الله ﷺ على من خاطبه بقوله: ما شاء الله وشئت يا رسول الله! فقال ﵊: «جعلتني لله نداً؟ ! قل: ما شاء الله وحده».
ولقد كان رسول الله ﷺ يعلم أن ذلك الرجل ما قصد أن يجعله شريكاً مع الله، وهو ﵁ ما آمن به ﷺ إلا فراراً من الشرك؛ فكيف يجعله شريكاً لله؟ ! كان ﷺ يعلم ذلك منه، وإنما أنكر عليه ما سمعه من لسانه حتى يُقَوِّمَهُ مرة؛ فلا يتكلم مرة أخرى بما يوهم الشرك والضلال.
فمالهؤلاء الناس يأتون أعمالاً منكرة، ظاهرها شرك وضلال، ثم يبررون ذلك بقصدهم الحسن في زعمهم؟ ! والله يعلم أن كثيراً من هؤلاء قد فسدت عقائدهم، وداخَلَها الشرك من حيث يشعرون أو لا يشعرون؛ ذلك جزاؤهم بما كسبوا، وجعلوا أحاديثه ﵊ وراءهم ظهرياً.
стр. 1227
[وهذا الحديث] هو حديث صحيح. أخرجه مسلم «٣/ ٦٢»، وأبو داود «١/ ٧١»، والنسائي «١/ ١٢٤»، والترمذي «١/ ١٩٥ - طبع بولاق»، «وابن خزيمة «١/ ٩٥/٢» [٢/ ٨/٧٩٤]»، والطحاوي «١/ ٢٩٦»، والبيهقي «٤٣٥»، وأحمد «٤/ ١٣٥» من حديث أبي مَرْثَد الغَنَوي مرفوعاً به. ولفظ النسائي، والطحاوي: «لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها». وهو رواية لمسلم، وأحمد.
وله شاهد من حديث ابن عباس: أخرجه المقدسي من طريق الطبراني بسنده عن عبد الله بن كيسان عن عكرمة عنه بلفظ: «لا تصلوا إلى قبر، ولا تصلوا على قبر».
قال المقدسي: وعبد الله بن كيسان: قال فيه البخاري: منكر الحديث.
وقال أبو حاتم الرازي: ضعيف.
وقال النسائي: ليس بالقوي. إلا أنَّا لما رأينا ابن خزيمة والبستي أخرجا له؛ أخرجناه.
وانظر كتابى: «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد»، و «أحكام الجنائز وبدعها».
[أصل صفة الصلاة (١/ ١٤٠)]
النهي عن الصلاة في مسجد فيه قبر هل يشمل الفرائض والسنن ؟
السائل: [هل النهي عن الصلاة في مسجد فيه قبر يشمل الفرض والسنة]؟
الشيخ: المهم يا أخي! القضية أولاً: نحن ننصح بعدم الصلاة مطلقاً في المسجد الذي فيه قبر مطلقاً لا فرض ولا سنة.
стр. 1228
وإنما نُوجب على المسلم أن يختار المسجد الذي بُنِي على طاعة الله وليس على معصية الله، ومن هذا القبيل -الذي بُنِي على معصية الله- مساجد مبنية على القبور؛ لأن النبي ﵊ جاءت عنه أحاديث متواترة في لعن الذين يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد.
فإذا كان لا يوجد مسجد خالي عن قبر حوالي المكلف هذا بالصلاة، ففي هذه الحالة يدور الأمر بين أن يقال له: صَلِّ في بيتك وحدك وتترك جماعة المسلمين، أو صَلِّ في هذا المسجد من أجل لا تفوت عليك صلاة الجماعة.
فإذا دار الأمر بين هذا وهذا، قيل لهذا: أخف الشَرَّين أنه يصلي في المسجد مع الجماعة، وبخاصة أن المفروض بمثل هذا الإنسان، أنه ليس كأولئك الأناس الغافلين الذين لا تَفْرُق معهم الصلاة في مسجد فيه قبر أو في مسجد ليس فيه قبر؛ لأنهم لا علم عندهم.
فهذا الذي يصلي في المسجد الذي فيه قبر؛ لأنه لا يجد حواليه مسجداً ليس فيه قبر، هذا يعني: لا يُتَصَوَّر في حقه ما يُتَصَوَّر في حق الآخرين أن الصلاة في مسجد فيه وَليّ مثلاً أفضل من المسجد الذي ليس فيه هذا الوليّ، فهذا يكون عذره أقوى عند الله فيما إذا صلى في مثل هذا المسجد من ذاك الذي لا يحمل هذه العقيدة الصحيحة.
لكن انطلاقاً من قاعدة: الضرورات تُبِيح المحظورات، قلنا: يصلي في هذا المسجد وليس في داره وحده.
وانطلاقاً من تمام القاعدة السابقة: الضرورة تُقَدَّر بقدرها، فهو لا يُصَلِّي السُّنَن في هذا المسجد؛ لأنه هنا لا يوجد جماعة.
نحن جَوَّزنا له الصلاة في المسجد هنا من أجل لا نُفَوِّت عليه ماذا؟ صلاة الجماعة.
стр. 1229
أما السُّنة أولاً: لا تُوجد جماعة، وثانياً: لو واحد في مكة أو في المدينة، الصلاة في مكة بمائة ألف صلاة، والصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة، صلاته في بيته في مكة أو في المدينة أفضل من صلاة في المسجد النبوي أو المسجد المكي للسنن.
يعني: الأصل في السنن أن تصلى في البيوت، فما بالك مسجد فيه قبر، فهو يصلي في البيت، هذا الذي نقوله.
مداخلة: جزاك الله خيراً.
(الهدى والنور / ١٣٧/ ٣٢: ٣٣: ٠٠)
لا تجوز الصلاة في معاطن الإبل ومباركها
[ذكر الإمام ضمن الأماكن التي لا تجوز الصلاة فيها]:
الثالث: معاطن الإبل ومباركها لقوله ﷺ : «إذا حضرت الصلاة فلم تجدوا إلا مرابض الغنم وأعطان الإبل فصلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل» وعلل ذلك في حديث آخر بقوله:
«فإنها خلقت من الشياطين [ألا ترون عيونها وهبابها إذا نفرت»]». [ثم خرج الإمام الحديث مدللاً على صحته وحُسن الزيادة التي بين المعقوفين إلى أن قال]: «المعاطن»: جمع معطن بفتح الميم وكسر الطاء و «الأعطان» جمع عطن بفتح العين والطاء المهملتين قال الأزهري: «العطن هو الموضع الذي تنحى إليه الإبل إذا شربت الشربة الأولى فتبرك فيه ثم يملأ لها الحوض ثانيا فتعود من عطنها إلى الحوض لتعل وتشرب الشربة الثانية وهو العلل» قال: «ولا تعطن الإبل عن الماء إلا في حمارة القيظ - بتخفيف الميم وتشديد الراء -» قال: «وموضعها الذي تترك فيه على الماء يسمى عطنا ومعطنا». نقله النووي في «المجموع».
стр. 1230
فـ «المعطن» موضع خاص لبروك الجمل وعليه ف «المبرك» أعم قال ابن حزم: «وكل عطن فهو مبرك وليس كل مبرك عطنا لأن العطن هو الموضع الذي تناخ فيه عند ورودها الماء فقط والمبرك أعم لأنه الموضع المتخذ لبروكها على كل حال».
والحديثان وما في معناها يدلان على تحريم الصلاة في مبارك الإبل وهو مذهب ابن حزم وروى عن أحمد أنه قال: «من صلى في عطن إبل أعاد أبدا».
وسئل مالك عمن لم يجد إلا عطن إبل قال: «لا يصلي فيه» قيل: فإن بسط عليه ثوبا؟ قال: «لا أيضا».
وقال الترمذي بعد أن ساق حديث أبي هريرة: «وعليه العمل عند أصحابنا وبه يقول أحمد وإسحاق».
قال الشوكاني: «وذهب الجمهور إلى حمل النهي على الكراهة مع عدم النجاسة وعلى التحريم مع وجودها، وهذا إنما يتم على القول بأن علة النهي هي النجاسة وذلك متوقف على نجاسة أبوال الإبل وأزبالها وقد عرفت ما قدمنا فيه، ولو سملنا أن النجاسة فيه لم يصح جعلها علة لأن العلة لو كانت النجاسة لما افترق الحال بين أعطانها وبين مرابض الغنم إذ لا قائل بالفرق بين أرواث كل من الجنسين وأبوالها كما قال العراقي، وأيضا قد قيل: إن حكمه النهي ما فيها من النفور فربما نفرت وهو في الصلاة فتؤدي إلى قطعها أو أذى يحصل له منها أو تشوش الخاطر الملهي عن الخشوع في الصلاة، وبهذا علل النهي أصحاب الشافعي وأصحاب مالك وعلى هذا فيفرق بين كون الإبل في معاطنها وبين غيبتها عنها إذ يؤمن نفورها حينئذ، ويرشد إلى صحة هذا حديث ابن مغفل عند أحمد بإسناد صحيح بلفظ: «لا تصلوا في أعطان الإبل فإنها خلقت من الجن ألا ترون إلى عيونها وهيئتها إذا نفرت».
قلت: ويعكر هذا أن النبي ﷺ كان يصلي إلى البعير كما سيأتي في محله إن شاء الله تعالى فهذا يدل على أن النهي ليس هو لاحتمال النفور لأن هذا محتمل أيضا في هذه الصورة الجائزة اتفاقا، ولذلك فإني أرى أن النهي إنما هو بخصوص المكان المعطن والمبرك - سواء كانت فيه إبل أو لا - وقت الصلاة. وكلام ابن حزم يدل
стр. 1231
على هذا قال ﵀: «لا تجوز الصلاة البتة في الموضع المتخذ لبروك جمل واحد فصاعدا، ولا في المتخذ عطنا لبعير واحد فصاعدا، والصلاة إلى البعير جائزة، وعليه فإن انقطع أن تأوي الإبل إلى ذلك المكان حتى يسقط عنه اسم عطن جازت الصلاة فيه».
فالحديث لا يفيد التفريق الذي مال إليه الشوكاني. والله تعالى أعلم.
ثم ذكر الشوكاني أقوالا أخرى في بيان العلة وكلها واهية لا برهان عليها ثم قال: «إذا عرفت هذا الاختلاف في العلة تبين لك أن الحق الوقوف على مقتضى النهي وهو التحريم كما ذهب إليه أحمد والظاهرية. وأما الأمر بالصلاة في مرابض الغنم فأمر إباحة ليس للوجوب اتفاقا».
وسيأتي بيان هذا في محله إن شاء الله تعالى.
[الثمر المستطاب (١/ ٣٨٢)].
علة النهي عن الصلاة في معاطن الإبل
[قال صديق خان]: النهي معلل بأنها ربما تؤذي المصلِّي.
[فعلق الألباني]:
هذا التعليل لا أصل له في السنة، وإنما جاء فيها قوله ﷺ : «صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل؛ فإنها خُلقت من الشياطين».
رواه ابن ماجه، والطحاوي، وأحمد، والبيهقي، والطيالسي عن عبد الله بن مُغفَّل، وإسناده صحيح كما بينته في «الثمر المستطاب». وله شاهد من حديث البراء بسند صحيح كما بينته هناك؛ وفيه: «صلوا فيها - يعني: مرابض الغنم -؛ فإنها بركة»، وقد رواه الخطيب في «الموضح» «٢/ ٩٧».
التعليقات الرضية (١/ ١٠٦)
стр. 1232
لا تجوز الصلاة في الحمام
[ذكر الإمام ضمن الأماكن التي لا تجوز الصلاة فيها]:
الرابع: الحمام للحديث السابق.
وهو قوله ﵊: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام». وحكم الصلاة في الحمام كهو في المقبرة - أعني: التحريم - لظاهر الحديث وهو مذهب أحمد وابن حزم بل ذهبا إلى بطلان الصلاة فيه وقال في «النيل»: «وقال أبو ثور: لا يصلى في حمام على ظاهر الحديث، وإلى ذلك ذهبت الظاهرية، وروي عن ابن عباس أنه قال: لا يصلين إلى حش ولا في حمام ولا في مقبرة. قال ابن حزم: ما نعلم لابن عباس في هذا مخالفا في الصحابة، وروينا مثل ذلك عن نافع بن جبير بن مطعم وإبراهيم النخعي وخيثمة والعلاء بن زياد عن أبيه. قال ابن حزم: ولا تحل الصلاة في حمام سواء في ذلك مبدأ بابه على جميع حدوده، ولا على سطحه وسقف مستوقده وأعالي حيطانه خربا كان أو قائما، فإن سقط من بنائه شيء يسقط عنه اسم حمام جازت الصلاة في أرضه حينئذ. انتهى. وذهب الجمهور إلى صحة الصلاة في الحمام مع الطهارة وتكون مكروهة وتمسكوا بعمومات نحو حديث: «أينما أدركت الصلاة فصل» وحملوا النهي على حمام متنجس.
والحق ما قاله الأولون لأن أحاديث المقبرة والحمام مخصصة لذلك العموم».
وقد اختلفوا في حكمة النهي عن الصلاة في الحمام فقيل: لأنه تكثر فيه النجاسات وقيل: لأنه مأوى الشياطين، قال النووي: «وهو الأصح». والله أعلم.
[الثمر المستطاب (١/ ٣٩٢)].
стр. 1233
حكم الصلاة في الحمام الذي يغتسل فيه
مداخلة: بالنسبة للصلاة في الحمام يا شيخ، الحمام الذي يغتسل فيه، وليس بالحمام على العامية؟
الشيخ: نعم.
مداخلة: ما حكم الصلاة في الحمام في المغتسل هذا المعروف، لكن هناك عندنا في الحمامات هناك في الجزائر، هناك في مكان خاص حين ينزع الناس ملابسهم، هناك مكان نظيف مُصَلّى يُصَلِّي فيه الناس، فهل تجوز الصلاة في مثل هذا المكان؟
الشيخ: هذا حمام السوق.
مداخلة: نعم.
الشيخ: أو حمام البيت؟
مداخلة: حمام السوق.
الشيخ: نعم، هو المقصود من الحديث الذي يُنْهى عن الصلاة في المقبرة والحمام.
هو الحمام المعروف في ذلك الزمان، وليس في غرفة هي تعتبر في حمام السوق بمصلى، فالصلاة في هذا المكان لا نرى فيها شيئاً إطلاقاً.
(الهدى والنور/٤٣٨/ ١٤: ٥٠: ٠٠)
لا تجوز الصلاة في كل موضع يأوي إليه الشيطان
[ذكر الإمام ضمن الأماكن التي تحرم فيها الصلاة]:
стр. 1234
الخامس: كل موضع يأوي إليه الشيطان كأماكن الفسق والفجور وكالكنائس والبيع ونحو ذلك لقوله ﷺ حين نزلوا في سفرهم وناموا عن صلاة الصبح: «ليأخذ كل رجل برأس رحلته فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان فلم يصل فيه».
الحديث من رواية أبي هريرة ﵁ قال: عرسنا مع نبي الله ﷺ فلم نستيقظ حتى طلعت الشمس فقال النبي ﷺ ... فذكره. قال: ففعلنا ثم دعا بالماء فتوضأ ثم سجد سجدتين ثم أقيمت الصلاة فصلى الغداة.
أخرجه مسلم والبيهقي.
وقد روى هذه القصة مفصلا أبو قتادة وغيره من الصحابة لكن ليس فيها موضع الشاهد منه وقد تقدمت في «المواقيت».
قال النووي في «المجموع»:
«الصلاة في مأوى الشيطان مكروهة بالاتفاق وذلك مثل مواضع الخمر والحانة ومواضع المكوس ونحوها من المعاصي الفاحشة والكنائس والبيع.
والحشوش ونحو ذلك فإن صلى في شيء من ذلك ولم يماس نجاسة بدنه ولا ثوبه صحت صلاته مع الكراهة» ثم قال: «واعلم أن بطون الأودية لا تكره فيها الصلاة كما لا تكره في غيرها، وأما قول الغزالي: تكره الصلاة في بطن الوادي. فباطل أنكروه عليه، وإنما كره الشافعي ﵀ الصلاة في الوداي الذي نام فيه رسول الله ﷺ عن الصلاة لا في كل واد، وقد قال بعض العلماء: لا تكره الصلاة في ذلك الوادي أيضاح لأنا لا نتحقق بقاء ذلك الشيطان والله أعلم. ويستحب أن لا يصلي في موضع حضره فيه الشيطان لهذا الحديث».
قلت: الحديث بظاهره يفيد ما هو أعلى من الاستحباب - أعني الوجوب - لأمره ﵊ إياهم بالخروج فإذا كان هناك من يقول به فهو قولنا والله أعلم. وقال:
стр. 1235
«وتكره الصلاة في الكنيسة والبيعة حكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب وابن عباس ومالك ﵁».
وقد روى البخاري تعليقا عن عمر أنه قال:
إنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها والصور. وكان ابن عباس يصلي في البيعة إلا بيعة فيها تماثيل. وهذا أوصله البغوي في «الجعديات» وزاد فيه: فإن كان فيها تماثيل خرج فصلى في المطر.
وأما قول عمر فوصله عبد الرزاق من طريق أسلم مولى عمر قال: لما قدم الشام صنع له رجل من النصارى طعاما - وكان من عظمائهم - وقال: أحب أن تجيئني وتكرمني فقاله له عمر: إنا لا ندخل كنائسكم من أجل الصور التي فيها - يعني التماثيل -. اهـ من «الفتح».
ثم حكى النووي عن بعض العلماء الترخيص في الصلاة في الكنيسة والبيعة ولعل ذلك فيما إذا كانت خالية عن الصور والتماثيل كما يفيده أثر ابن عباس، وإلا فهو على إطلاقه بعيد عن الصواب لأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صوره كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ ، ولأن النبي ﷺ لم يدخل الكعبة حتى محا ما فيها من الصور، ثم هي بمنزلة المسجد المبني على القبر كما قال شيخ الإسلام في «الفتاوى» للحديث السابق: «إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك التصاوير، فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة»، وأما إذا لم يكن فيها صور فقد صلى الصحابة في الكنيسة والله أعلم، وقال في «الاختيارات»:
«والمذهب الذي عليه عامة الأصحاب كراهة دخول الكنيسة المصورة فالصلاة فيها وفي كل مكان فيه تصاوير أشد كراهة وهذا هو الصواب الذي لا ريب فيه ولا شك».
[الثمر المستطاب (١/ ٣٩٣)].
стр. 1236
لا تجوز الصلاة في الأرض المغصوبة
[ذكر الإمام ضمن الأماكن التي تحرم فيها الصلاة]:
السادس: الأرض المغصوبة لأن اللبث فيها يحرم في غير الصلاة فلأن يحرم في الصلاة أولى وقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا ... ﴾ [النور: ٢٧ - ٢٨]».
فنهى الله سبحانه المؤمنين عن مجرد الدخول بدون إذن وحرم ذلك عليهم فتحريم غصب الدار أو الأرض واللبث فيها أولى وتحريم الصلاة فيها أولى وأولى، ولذلك كانت الصلاة في الأرض المغصوبة حراما بالإجماع كما نقله النووي. وإنما اختلفوا في صحة الصلاة فيها فالجمهور على أنها صحيحة وقال أحمد وابن حزم في «المحلى» و «الأحكام في أصول الأحكام»: «إنها باطلة».
والأقرب إلى الصواب ما ذهب إليه الجمهور لأن المنع لا يختص بالصلاة فلا يمنع صحتها. والله تعالى أعلم.
[الثمر المستطاب (١/ ٣٩٥)].
لا تجوز الصلاة في مسجد ضرار وما شمله وصفه
[ذكر الإمام ضمن الأماكن التي تحرم فيها الصلاة]:
السابع: مسجد الضرار الذي بقرب قباء وكل مسجد بني ضرارا وتفريقا بين المسلمين لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ إلى قوله: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٧ - ١٠٨]».
قال علماء التفسير ما ملخصه:
стр. 1237
«إن بني عمرو بن عوف اتخذوا مسجد قباء وطلبوا من النبي ﷺ أن يأتيهم. فصلى فيه ﵊ فحسدهم إخوانهم بنو غنم بن عوف وقالوا: نبني مسجدا ونبعث إلى النبي ﷺ يأتينا فيصلي لنا كما صلى في مسجد إخواننا ويصلي فيه أبو عامر إذا قدم من الشام (١). فأتوه ﷺ وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله قد بنينا مسجدا لذي الحاجة والعلة والليلة المطيرة ونحب أن تصلي لنا فيه وتدعو بالبركة - وإنما أرادوا بذلك الاحتجاج بصلاته فيه على تقريره وإثباته فعصمه الله من الصلاة فيه - فقال النبي ﷺ : «إني على سفر وحال شغل فلو قدمنا لأتيناكم وصلينا لكم إن شاء الله» فلما انصرف من تبوك أتوه وقد فرغوا منه وصلوا فيه الجمعة والسبت والأحد فدعا بقميصه ليلبسه ويأتيهم فنزل عليه القرآن بخبر مسجد الضرار فدعا النبي ﷺ جماعة من الصحابة فقال: «انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه» فخرجوا مسرعين فأحرقوا المسجد وهدموه.
وفي الآية دلالة على أنه لا تجوز الصلاة في مسجد الضرار وما في معناه من المساجد وقد ذهب إلى هذا المالكية وغيرهم ونص ابن حزم في «المحلى» بقوله تعالى في الآية: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ قال: «فصح أنه ليس موضع صلاة».
قلت: والآية وإن كانت خاصة في مسجد الضرار فليس هو مقصودا بذاته كما لا يخفى بل المقصود الأوصاف التي وصف بها من الضرار والتفريق، فكل مسجد وجدت فيه هذه الأوصاف أو بعضها كان له حكم مسجد الضرار، ولذلك قال القرطبي في «تفسيره»:
«قال علماؤنا: وكل مسجد بني ضرارا أو رياء وسمعة فهو في حكم مسجد الضرار لا تجوز الصلاة فيه». وقال أيضا:
стр. 1238
«قال علماؤنا: لا يجوز أن يبنى مسجد إلى جنب مسجد ويجب هدمه والمنع من بنائه لئلا ينصرف أهل المسجد الأول فيبقى شاغرا إلا أن تكون المحلة كبيرة فلا يكفي أهلها مسجد واحد فيبنى حينئذ. وكذلك قالوا: لا ينبغي أن يبنى في المصر الواحد جامعان وثلاثة ويجب منع الثاني، ومن صلى فيه الجمعة لم تجزه، وقد أحرق النبي ﷺ مسجد الضرار وهدمه. وأسند الطبري عن شقيق أنه جاء ليصلي في مسجدبني غاضرة فوجد الصلاة قد فاتته فقيل له: إن مسجد بني فلان لم يصل فيه بعد فقال: لا أحب أن أصلي فيه لأنه بني على ضرار».
[الثمر المستطاب (١/ ٣٩٦)].
لا تجوز الصلاة في مواضع الخسف والعذاب
[ذكر الإمام ضمن الأماكن التي تحرم فيها الصلاة]:
الثامن: مواضع الخسف والعذاب فإنه لا يجوز دخولها مطلقا إلا مع البكاء والخوف من الله تعالى لقوله ﵊ [لما مر بالحجر]: «لا تدخلوا البيوت على هؤلاء القوم الذي عذبوا [أصحاب الحجر] إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم فإني أخاف أن يصيبكم مثل ما أصابهم» [ثم قنع رسول الله ﷺ رأسه [بردائه وهو على الرحل] وأسرع السير حتى أجاز الوادي]».
الحديث هو من رواية عبد الله بن عمرو ﵁ وله عنه ثلاثة طرق:
الأول: عن عبد الله بن دينار واللفظ المرفوع من كلامه ﵇ هو له.
أخرجه البخاري ومسلم وأحمد - والسياق له - في رواية والبيهقي من طرق عنه. وبعض أسانيده عند أحمد ثلاثي.
وفي رواية للبخاري من طريق سليمان - وهو ابن بلال - عن عبد الله بن دينار بلفظ:
стр. 1239
إن رسول الله ﷺ لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من بئرها ولا يستقوا منها فقالوا: قد عجنا منها واستقينا. فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين وهرقوا ذلك الماء.
الثاني: عن نافع بلفظ: نزل رسول الله ﷺ بالناس عام تبوك نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود فاستسقى الناس من الآبار التي كان يشرب منها ثمود فعجنوا منها ونصبوا القدور باللحم فأمرهم رسول الله ﷺ فأهرقوا وعلفوا العجين الإبل ثم ارتحل بهم حتى نزل بهم على البئر التي كان تشرب منها الناقة ونهاهم أن يدخلوا على القوم الذين عذبوا قال: «إني أخشى أن يصيبكم مثل ما أصابهم فلا تدخلوا عليهم».
أخرجه أحمد: ثنا عبد الصمد: ثنا صخر - يعني ابن جويرية - عنه.
وهذا سند صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجاه من طريق عبيد الله عن نافع به نحوه دون قولهم: ونهاهم ... إلخ. وقال البخاري: «تابعه أسامة عن نافع».
الثالث: عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر به نحو حديث ابن دينار.
أخرجه البخاري ومسلم والبيهقي وأحمد من طريق الزهري عنه. وفيه الزيادة الأولى عند الجميع والأخرى عند البخاري والبيهقي إلا قوله: «بردائه وهو على الرحل» في رواية لأحمد وكذا البخاري في رواية.
ففي الحديث النهي عن الدخول في أماكن المعذبين والمقام بها إلا باكيا قال البيهقي: «فدخل في ذلك المقام للصلاة وغيرها».
وقد جاء في ذلك حديث صريح إلا أنه متكلم فيه أخرجه أبو داود وعنه البيهقي من طريقين ابن لهيعة ويحيى بن أزهر عن عمار بن سعد المرادي عن أبي صالح الغفاري: أن عليا ﵁ مر ببابل وهو يسير فجاءه المؤذن يؤذن بصلاة العصر فلما برز فيها أمر المؤذن فأقام الصلاة فلما فرغ قال: إن حبيبي ﷺ نهاني أن أصلي في المقبرة ونهاني أن أصلي في أرض بابل فإنها ملعونة.
стр. 1240
ثم أخرجه عنهما أيضا عن الحجاج بن شداد عن أبي صالح الغفاري به بمعناه. قال الخطابي: «في إسناد هذا الحديث مقال» وقال الحافظ في «الفتح»:
«في إسناده ضعف».
قلت: ولعل علته الانقطاع بين أبي صالح - واسمه سعيد بن عبد الرحمن - وبين علي ﵁. فقد قال ابن يونس: «روايته عن علي مرسلة».ورجاله موثقون.
وقد ورد موقوفا على علي فقال البخاري: «ويذكر أن عليا ﵁ كره الصلاة بخسف بابل». وقال الحافظ: «وهذا الأثر رواه ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن أبي الملح - وهو بضم الميم وكسر المهملة وتشديد اللام - قال: كنا مع علي فمررنا على الخسف الذي ببابل فلم يصل حتى أجازه أي: تعداه ومن طريق أخرى عن علي قال: ما كنت لأصلي في أرض خسف الله بها». وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في «الاقتضاء» بعد أن ساق حديث علي المرفوع من طريق أبي داود: «وقد روى الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله بإسناد أوضح من هذا عن علي ﵁ نحو من هذا: أنه كره الصلاة بأرض بابل وأرض الخسف أو نحو ذلك. وكره الإمام أحمد الصلاة في هذه الأمكنة اتباعا لعلي ﵁ وقوله: نهاني أن أصلي في أرض بابل فإنها ملعونة. يقضي أن لا يصلي في أرض ملعونة والحديث المشهور في الحجر يوافق هذا فإنه إذا كان قد نهى عن الدخول إلى أرض العذاب دخل في ذلك الصلاة وغيرها ويوافق ذلك قوله سبحانه عن مسجد الضرار: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ فإنه كان من أمكنة العذاب قال سبحانه: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ الله وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ١٠٩] وقد روي أنه لما هدم خرج منه دخان».
والرواية التي عزاها لأحمد لعلها في مسائل عبد الله عنه أو غيرها فإني لم أجدها في «المسند» ثم قال شيخ الإسلام في «الاختيارات»: «ومقتضى كلام الآمدي وأبي
стр. 1241
الوفاء بن عقيل أنه لا تصح الصلاة في أرض الخسف وهو قوي ونص أحمد: لا يصلي فيها».
وأقول: إننا لم نجد دليلا على بطلان الصلاة وحديث النهي عن دخول أرض العذاب ليس خاصا بالصلاة حتى يقال بأنها باطلة فيها. وكذلك حديث علي لو صح لا يدل على البطلان ولذلك قال البيهقي بعد أن ساقه: «وهذا النهي عن الصلاة فيها - إن ثبت مرفوعا - ليس لمعنى يرجع إلى الصلاة فلو صلى فيها لم يعد وإنما هو - والله أعلم - كما ثنا ... » ثم ساق حديث ابن عمر من طريق ابن دينار وفيه الإشارة إلى علة النهي وهو قوله ﵊: «فإني أخاف أن يصيبكم مثل ما أصابهم».
نعم ظاهر النهي يفيد تحريم الصلاة فيها لكن قال الخطابي في «المعالم»:
«ولا أعلم أحدا من العلماء حرم الصلاة في أرض بابل».
[الثمر المستطاب (١/ ٣٩٨)].
لا يجوز للإمام الصلاة على مكان مرتفع عن المأمومين
«المكان المرتفع يقف فيه الإمام وهو أعلى من مكان المأمومين فلا يجوز له أن يصلي فيه فقد «نهى رسول الله ﷺ أن يقوم الإمام فوق شيء والناس خلفه - يعني: أسفل منه -».
الحديث من رواية أبي مسعود البدري قال: «نهى .... » إلخ.
أخرجه الدارقطني من طريق زياد بن عبد الله بن الطفل عن الأعمش عن إبرايم عن همام عنه. وقال:
«لم يروه غير زياد الكباء ولم يروه غير همام فيما نعلم».
стр. 1242
قلت: ومن هذا الوجه أخرجه الحاكم أيضا أتم منه عن همام قال: صلى حذيفة بالناس بالمدائن فتقدم فوق دكان فأخذ أبو مسعود بمجامع ثيابه فمده فرجع فلما قضى الصلاة قال له أبو مسعود: ألم تعلم أن رسول الله ﷺ نهى أن يقوم الإمام فوق ويبقى الناس خلفه؟ قال: فلم ترني أجبتك حين مددتني؟
وإسناده حسن ورجاله ثقات.
وفي زيادة بن عبد الله كلام من جهة حفظه وهو صالح كما قال ابن أبي حاتم عن أبيه وقد ذكر له هذا الحديث. وقد قال في «التقريب»:
«صدوق ثبت في المغازي وفي حديثه عن غير ابن إسحاق لين».
قلت: لكنه لم يتفرد به فقد أخرجه أبو داود والحاكم أيضا من طريق يعلى بن عبيد: ثنا الأعمش به نحو رواية الحاكم الأولى إلا أنه قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟
وهذا له حكم المرفوع كما تقرر في المصطلح فهو بمعنى رواية زياد في الصريحة في الرفع ثم قال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين» ووافقه الذهبي.
وهو كما قالا وصححه ابن خزيمة أيضا وابن حبان كما في «التلخيص» وكذلك صححه النووي في «المجموع» وعزاه للشافعي والبيهقي أيضا.
ثم أخرجه أبو داود من طريق أخرى بنحوه بلفظ: «إذا أم الرجل القوم فلا يقم في مكان أرفع من مقامهم».
وفيه أن الإمام كان عمار بن ياسر والذي جبذه حذيفة. قال الحافظ: «لكن فيه مجهول والأول أقوى».
والحديث دليل على تحريم وقوف الإمام في المكان المرتفع وقد اختلف العلماء في ذلك فقال النووي ﵀ في «المجموع»:
«قال أصحابنا: يكره أن يكون موضع الإمام أو المأموم أعلى من موضع الآخر فإن احتيج إليه لتعليمهم أفعال الصلاة أو ليبلغ المأموم القوم تكبيرات الإمام
стр. 1243
ونحو ذلك استحب الارتفاع لتحصيل هذا المقصود. هذا مذهبنا وهو رواية عن أبي حنيفة، وعنه رواية أنه يكره الارتفاع مطلقا وبه قال مالك والأوزاعي، وحكى الشيخ أبو حامد عن الأوزاعي أنه قال: تبطل الصلاة».
قلت: ولعل مستنده في ذلك أن النهي الوارد خاص بالصلاة وذلك يفيد البطلان والله أعلم. وكان اللائق أن يكون هذا القول مذهبا لابن حزم ولكنه - على العكس من ذلك - ذهب إلى جوازه محتجا بحديث سهل بن سعد الآتي ولا دليل فيه كما يأتي بيان ذلك وضعف حديث ابن مسعود المذكور حيث قال: «وهو خبر ساقط انفرد به زياد بن عبد الله البكائي وهو ضعيف». كذا قال وليس هو بهذه المنزلة في الضعف بحيث يقطع بضعفه ثم هو لم يتفرد به كما سبق بيانه.
هذا وقد روى الطبري في «الكبير» عن عبد الله بن مسعود أنه كره أن يؤمهم على المكان المرتفع. قال في «المجمع»: «ورجاله رجال الصحيح».
وقد ذهب بعضهم إلى أن المنهي عنه إنما هو إذا كان ارتفاع المكان قدر قامة وزيادة بشرط أن يكون في المسجد وعكس ذلك جائز عندهم، ولا دليل على هذا التفصيل في السنة إنما هو مجرد رأي بل كل مكان يصح أن يقال فيه لغة وعرفا: إنه أرفع من مكان المؤتمين فهو منهي عنه.
ولذلك قال الشوكاني بعد أن حكى أقوال العلماء في الفرق المشار إليه:
«والحاصل من الأدلة منع ارتفاع الإمام على المؤتمين من غير فرق بين المسجد وغيره وبين القامة ودونها وفوقها لقول ابن مسعود: إنهم كانوا ينهون عن ذلك وقول ابن مسعود: «نهى رسول الله ﷺ ... » الحديث، ثم قال: «وأما ارتفاع المؤتم فإن كان مفرطا بحيث يكون فوق ثلاثمائة ذراع على وجه لا يمكن المؤتم العلم بأفعال الإمام فهو ممنوع للإجماع من غير فرق بين المسجد وغيره، وإن كان دون ذلك المقدار فالأصل الجواز حتى يقوم دليل المنع، ويعضد هذا الأصل فعل أبي هريرة المذكور ولم ينكر عليه».
стр. 1244
قلت: أثر أبي هريرة المشار إليه علقه البخاري في «صحيحه» ووصله ابن أبي شيبة من طريق صالح مولى التوأمة قال: صليت مع أبي هريرة فوق المسجد بصلاة الإمام. قال الحافظ: «وصالح فيه ضعف لكنه رواه سعيد بن منصور من وجه آخر عن أبي هريرة فاعتضد».
وأخرجه أيضا الشافعي والبيهقي كما في «النيل».
وأقول أيضا: المؤتم إذا كان يصلي في مكان مرتفع فإما أن يكون ذلك لضرورة كضيق المكان أو غير ذلك، وإما أن يكون لغير ضرورة، فإن كان الأول فلا كلام فالضرورات تبيح المحظورات، وإن كان الآخر وترتب منه قطع الصفوف والانفراد عن الصف - كما يفعله كثير من الناس المؤذنين وغيرهم والذين يصلون على السدة وأمامهم فراغ يتسع لصفوف كثير - فهو ممنوع غير جائز كما سيأتي بيانه في تسوية الصفوف إن شاء الله.
فإطلاق الشوكاني الجواز مع العلم بأنه غالبا يقترن مع الأمر المذكور ما أشرنا إليه من المحذور لا يخفى ما فيه فتأمل.
[الثمر المستطاب (١/ ٤٠٣)].
يستثنى من الحكم السابق وقوف الإمام في مكان مرتفع للتعليم
«غير أنه يستثنى من ذلك ما إذا ما إذا كان الوقوف في هذا المكان لتظهر أفعال الإمام وحركاته في الصلاة للمؤتمين ليتعلموا ذلك منه فإنه جائز، بل مستحب، لأن النبي ﷺ صلى مرة على المنبر «فكبر وكبر الناس وراءه وعلا على المنبر [ثم ركع وهو عليه] ثم رفع فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر ثم عاد حتى فرغ من صلاته ثم أقبل على الناس فقال: يا أيها الناس إني إنما صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي».
стр. 1245
هو من حديث سهل بن سعد قال: أرسل رسول الله ﷺ إلى امرأة: انظري غلامك النجار يعمل لي أعوادا أكلم الناس عليها فعمل هذه الثلاثة درجات ثم أمر بها رسول الله ﷺ فوضعت هذا الموضع فهي من طرفاء الغابة ولقد رأيت رسول الله ﷺ قام عليه فكبر ... الحديث.
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدارمي وأحمد عنه والسياق لمسلم والزيادة التي بين القوسين للبخاري وغيره.
والحديث واضح الدلالة لما ذكرنا لقوله ﵊: «لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي». وقد استدل لذلك الشافعية وغيرهم.
وأما الاستدلال به على جواز ارتفاع مكان الإمام مطلقا كما استدل به الدارمي فقال بعد أن ساق الحديث: «في ذلك رخصة للإمام أن يكون أرفع من أصحابه».
وكما صنع ابن حزم حيث قال: «لا بيان أبين من هذا في جواز صلاة الإمام في مكان أرفع من مكان المأمومين».
وحكى البخاري عن شيخه علي بن عبد الله المديني عن أحمد بن حنبل أنه قال: «فلا بأس أن يكون الإمام أعلى من الناس بهذا الحديث».
فهذا استدلال غريب من هؤلاء الأئمة لا يكاد عجبي ينتهي منه فكيف يستدلون به على الجواز مطلقا مع أنه مقيد بالتعليم بنص منه ﵊؟ وهل هذا إلا كمن يستدل به على جواز الصعود على المنبر والنزول منه في أثناء الصلاة مطلقا بدون قصد التعليم؟ وهل يقول بهذا عاقل؟ فسبحان من خص الأنبياء وحدهم بالعصمة. ولذلك قال الحافظ في «الفتح»: «وفيه جواز اختلاف موقف الإمام والمأموم في العلو والسفل وقد صرح بذلك المصنف في حكاية عن شيخه علي بن المديني عن أحمد بن حنبل، ولابن دقيق العيد في ذلك بحث فإنه قال: من أراد أن يستدل به على جواز الارتفاع من غير قصد التعليم لم يستقم لأن اللفظ لا يتناوله، ولانفراد الأصل بوصف معتبر تقتضي المناسبة اعتباره فلا بد منه».
стр. 1246
فرحم الله ابن دقيق العيد فلقد كان دقيق النظر في الاستدلال منصفا في البحث لا تأخذه في الله لومة لائم.
[الثمر المستطاب (١/ ٤٠٧)].
النهي عن الصلاة بين السواري.
[ذكر الإمام ضمن الأماكن المنهي عن الصلاة فيها]:
«العاشر: المكان بين السواري يصف فيه المؤتمون. قال عبد الحميد بن محمود:
صلينا خلف أمير من الأمراء فأضطرنا الناس فصلينا بين الساريتين [فجعل أنس بن مالك يتأخر] فلما صلينا قال أنس: كنا نتقي هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم».
الحديث أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي والحاكم وأحمد عن سفيان الثوري عن يحيى بن هاني بن عروة المرادي عن عبد الحميد به. والسياق للترمذي وقال: «حديث حسن صحيح».
وما بين القوسين للنسائي وللحاكم المعنى وقال: «صحيح». ووافقه الذهبي.
وهو كما قالا. وصححه الحافظ أيضا في «الفتح».
وله شاهد من حديث هارون بن مسلم عن قتادة بن معاوية بن قرة عن أبيه قال: «صحيح الإسناد» «كنا ننهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله ﷺ ونطرد عنها طردا».
أخرجه ابن ماجه والحاكم والطيالسي وقال الحاكم: «صحيح الإسناد» ووافقه الذهبي.
وهو عندي حسن فإن رجاله كلهم ثقات غير هارون بن مسلم فقال أبو حاتم: «مجهول».
стр. 1247
وذكره ابن حبان في «الثقات» وفي «التقريب» أنه: «مستور». وقال الذهبي في الميزان بعد أن ذكر قول أبي حاتم إنه مجهول: «قلت: روى عنه أبو داود والطيالسي وسلم بن قتيبة وعمر بن سنان».
قلت: فأشار بهذا إلى أنه معروف برواية هؤلاء الثقات عنه غير أن عمر ابن سنان لم أجد له ترجمة. وقد قال الشوكاني بعد أن تكلم عليه وعلى حديث أنس الذي قبله: «ويشهد له ما أخرجه الحاكم وصححه من حديث أنس بلفظ: كنا ننهى عن الصلاة بين السواري ونطرد عنها وقال: «لا تصلوا بين الأساطين وأتموا الصفوف».
قلت: وهو بهذا اللفظ غريب ولم أجده في «المستدرك» وقد أورده فيه من حديثه في موضعين كما سبقت الإشارة إلى ذلك بغير هذا اللفظ ثم إن كلام الشوكاني يفيد أنه حديث آخر غير حديث أنس الذي تكلم عليه سابقا. والله أعلم.
ثم قال الشوكاني: «والحديثان المذكوران في الباب يدلان على كراهة الصلاة بين السواري وظاهر حديث معاوية بن قرة عن أبيه وحديث أنس الذي ذكره الحاكم أن ذلك محرم، والعلة في الكراهة ما قاله أبو بكر ابن العربي من أن ذلك إما لانقطاع الصف أو لأنه موضع جمع النعال. قال ابن سيد الناس: والأول أشبه لأن الثاني محدث. قال القرطبي: روي أن سبب كراهة ذلك أنه مصلى الجن المؤمنين. وقد ذهب إلى كراهة الصلاة بين السواري بعض أهل العلم. قال الترمذي: وكره قوم من أهل العلم أن يصف بين السواري وبه قال أحمد وإسحاق وقد رخص قوم من أهل العلم في ذلك. انتهى.
وبالكراهة قال النخعي وروى سعيد بن منصور في «سننه» النهي عن ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وحذيفة. قال ابن سيد الناس: ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة. ورخص فيه أبو حنيفة ومالك والشافعي وابن المنذر قياسا على الإمام والمنفرد. قال ابن العربي: ولا خلاف في جوازه عند الضيق وأما عنده السعة فهو مكروه للجماعة، فأما الواحد فلا بأس به، وقد صلى ﷺ في الكعبة بين سواريها.
стр. 1248
انتهى. وفيه أن حديث أنس المذكور في الباب إنما ورد في حال الضيق لقوله: فاضطرنا الناس. ويمكن أن يقال: إن الضرورة المشار إليها في الحديث لم تبلغ قدر الضرورة التي يرتفع الحرج معها. وحديث قرة ليس فيه إلا ذكر النهي عن الصف بين السواري ولم يقل: كنا ننهى عن الصلاة بين السواري ففيه دليل على التفرقة بين الجماعة والمنفرد، ولكن حديث أنس الذي ذكره الحاكم فيه النهي عن مطلق الصلاة فيحمل المطلق على المقيد ويدل على ذلك صلاته ﷺ بين الساريتين فيكون النهي على هذا مختصا بصلاة المؤتمين بين السواري دون صلاة الإمام والمنفرد وهذا أحسن ما يقال. وما تقدم من قياس المؤتمين على الإمام والمنفرد فاسد الاعتبار لمصادمته لأحاديث الباب» ا. هـ كلام الشوكاني ببعض اختصار.
وهو حق كله لا غبار عليه غير أن قوله: «إن حديث أنس عند الحاكم فيه النهي عن مطلق الصلاة» ليس بظاهر عندي أنه مطلق بل هو مقيد بصلاة الجماعة كحديث معاوية بن قرة بدليل قوله: «لا تصلوا بين الأساطين وأتموا الصفوف» فهذا عندي كالتفسير للنهي المذكور قبله والله أعلم. فإذا صح هذا وصح حديث أنس بهذه الزيادة فيكون فيها الإشارة إلى علة النهي وهي قطع الصفوف ولذلك أمر بإتمامها في الحديث نفسه. والله أعلم.
وقد صرح الإمام أحمد بهذا فقال أبو داود في «مسائله»: «سمعت أحمد سئل عن الصلاة بين الأساطين؟ قال: إنما كره لأنه يقطع الصف فإذا تباعد بينهما فأرجو».
ولذلك أقول: إنه ينبغي لمن أراد أن يبني مسجدا أو جامعا أن يأمر المهندس بأن يضع له خارطة تكون فيه السواري قليلة ما أمكن تقليلا للمفسدة التي تترتب على وجودها في المساجد من قطع الصفوف وتضييق المكان على المصلين، وإنه لمن الممكن اليوم بناء المسجد بدون أية سارية بواسطة الشمنتو والحديد «الباطون» إذا لم يكن المسجد واسعا جدا، وقد بنيت في دمشق عدة مساجد على هذه المثال كمسجد «لالا باشا» في شارع بغداد وجامع المرابط في المهاجرين وغيرهما، فالصفوف فيهما متصلة كلها حاشا الصفوف الأمامية فإنها مقطوعة مع الأسف بسبب هذه البدعة
стр. 1249
التي عمت جميع المساجد تقريبا وأعني بذلك المنبر العالي الطويل ذا الدرجات الكثيرة فهو على كونه بدعة مخالفة لهديه ﵊ في منبره ذي الثلاث درجات وعلى ما فيه من الزخرفة والنقوش والإسراف وتضييع المال (١)
- فهو بمنزلة السارية في قطع الصفوف، بل إنه أضر منها لأنه يقطع صفوفا كثيرة على نسبة طوله، فيجب على العلماء أن يبينوا ذلك وأن يدعوا في دروسهم ومواعظهم إلى إزالة هذه المنابر والرجوع بها إلى ما كان عليه منبره ﵊. وعلى من كان بيدهم الأمر تنفيذ ذلك تخليصا للمصلين من مفاسده.
وإن من مفاسده التي لا توجد في السواري أنه يؤدي في بعض الأحيان إلى فساد الصلاة وبطلانها كما شاهدناه مرارا فكثيرا ما يتفق أن الإمام يسهو عن التشهد الأول ويكبر قائما إلى الركعة الثالثة ويتابعه من وراءه وأما الذين وراء المنبر من الجهة اليمنى فلا علم عندهم بما طرأ على الإمام من السهو، فيظنون أنه كبر على الصواب فيجلسون للتشهد بينا الإمام قائم، فإذا ما كبر لركوع كبر هؤلاء للقيام فلا ينتبهون لما هم فيه من المخالفة وعدم المتابعة إلا حين يرفع الإمام رأسه من الركوع قائلا «سمع الله لمن حمده» وهنا تبدأ الرواية المضحكة المبكية فإنك ترى رجلا منهم يقطع الصلاة ويجدد البناء وآخر يحاول بزعمه إدراك الإمام ومتابعته فيقوم من
стр. 1250
التشهد ثم يقف لحظة ثم يركع ثم يرفع ثم يدرك الإمام في السجود أو فيما بعد ذلك.
وقد يقع ما هو أغرب من ذلك فإنه قد يتفق أحيانا أن يفتح بعضهم على الإمام إذا هم بالقيام قبل التشهد إلى الثالثة ساهيا بقوله: «سبحان الله» فيسمع من وراء المنبر فيعلمون أن الإمام سها ولكنهم يجهلون ما صار إليه الإمام: أَرَجَعَ إلى التشهد فيظلوا هم قاعدين، أم كان قد استتم قائما لا يجوز له حينئذ الرجوع إلى التشهد فيبقى قائما فيقومون معه، ولذلك تراهم في حيص بيص فبعضهم قاعد وبعضهم قائم وآخر قعد ثم قام ورابع على عكسه قام ثم قعد ظنا منه أن الإمام كذلك فعل، كل هذه المهازل نتجت من مخالفة هديه ﵊ في منبره فعسى أن يتنبه لهذا ولاة أمور المساجد فيقوموا بما يلزم عليهم من الإصلاح فيها: و ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق / ٣٧].
ولذلك ذهب بعض العلماء من السلف إلى أن الصف الأول المقطوع بالمنبر ليس هو الصف بل هو الصف المتصل بين يدي المنبر قال الغزالي في «الإحياء»:
«ولا يغفل في طلب الصف الأول عن ثلاثة أمور «فذكر الأول والثاني منها ثم قال: » وثالثها: أن المنبر يقطع بعض الصفوف وإنما الصف الأول الواحد المتصل الذي في فناء المنبر وما على طرفيه مقطوع وكان الثوري يقول: الصف الأول هو الخارج بين يدي المنبر. وهو متجه لأنه متصل ولأن الجالس فيه يقابل الخطيب ويسمع منه ولا يبعد أن يقال: الأقرب إلى القبلة هو الصف الأول ولا يراعى هذا المعنى».
وبهذا جزم النووي في «المجموع» حيث قال: «واعلم أن المراد بالصف الأول الذي يلي الإمام سواء تخلله منبر ومقصورة وأعمدة وغيرها أم لا».
وأيا ما كان فالصلاة وراء المنبر لا تخلو عن كراهة لتعرض الصلاة فيه للفساد والبطلان، فإما أن يصلي في الصف الذي في الجهة الأخرى من المنبر حيث لا تخفى عليه حركات الإمام، وإما أن يصلي في الصف الآخر وكذلك نفعل نحن إن شاء
стр. 1251
الله فلا نصلي بين السواري بل نتأخر عنها أو نتقدم كما فعل أنس بن مالك ولا فرق عندنا بين ذلك وبين الصلاة وراء المنبر لأن العلة واحدة ولأن في هذه الصلاة من التعرض لفسادها ما ليس في الصلاة بين السواري كما سبق. والله تعالى أعلم.
[الثمر المستطاب (١/ ٤٠٣)].
جواز الصلاة في المكان الذي أصابته نجاسة ثم ذهب أثرها
وما سوى هذه المواضع العشر [أي التي لا تجوز فيها الصلاة] فالصلاة فيها جائزة بدون أدنى كراهة وقد جاء النص على بعضها فوجب بيانها وهي:
أولا: المكان الذي أصابته نجاسة ثم ذهب أثرها بالجفاف فقد «كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد في عهد رسول الله ﷺ فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك» مع العلم بأنهم كانوا يقومون فيه للصلاة وغيرها».
الحديث من رواية ابن عمر ﵁.
أخرجه البخاري وأبو داود والسياق له والبيهقي من طريق يونس عن ابن شهاب: ثنى حمزة بن عبد الله بن عمر قال: قال ابن عمر: كنت أبيت في المسجد في عهد رسول الله ﷺ وكنت فتى شابا عزبا وكانت الكلاب ... الحديث.
وهو عند البخاري معلق حيث قال: وقال أحمد بن شبيب: ثنا أبي عن يونس به. وليس في بعض النسخ لفظة: تبول.
لكن عند البيهقي موصولا عن أحمد بن شبيب هذا.
وقد تابعه عن الزهري صالح بن أبي الخضر لكنه خالفه في الإسناد فقال: عن الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه به.
أخرجه أحمد.
وصالح بن أبي الأخضر ضعيف من قبل حفظه لا سيما إذا خالف الثقة كما هنا.
стр. 1252
والحديث استدل به أبو داود على ما ذكرنا حيث قال: «باب في طهور الأرض إذا يبست». ثم ذكر الحديث.
قال ابن القيم ﵀ في «الإغاثة»:
«وقد نص أحمد على حبل الغسال أنه ينشر عليه الثوب النجس ثم تجففه الشمس فينشر عليه الثوب الطاهر فقال: لا بأس به. وهذا كقول أبي حنيفة: إن الأرض النجسة يطهرها الريح والشمس. وهو وجه لأصحاب أحمد حتى إنه يجوز التيمم بها وحديث ابن عمر ﵁ كالنص في ذلك».
قلت: فذكره ثم قال: «وهذا لا يتوجه إلا على القول بطهارة الأرض بالريح والشمس».
وقال الشيخ علي القاري في «الموضوعات» بعد أن ذكر الحديث: «فلولا اعتبار أنها تطهر بالجفاف كان ذلك بقية لها بوصف النجاسة مع العلم بأنهم يقومون عليها في الصلاة ألبتة لصغر المسجد وكثرة المصلين فيكون هذا بمنزلة الإجماع في مقام تحقيق النزاع».
وقد سبق زيادة بسط للمسألة في تطهير النجاسات.
[الثمر المستطاب (١/ ٤١٧)].
جواز الصلاة في مرابض الغنم
«ثانيا: مرابض الغنم فقد «سئل ﵊ عن الصلاة في مرابض الغنم؟ فقالوا: «صلوا فيها فإنها بركة».
الحديث صحيح الإسناد وهو من حديث البراء بن عازب ﵁. [ثم ذكر الإمام طرقه ثم قال]: هذا وفي الصلاة في مرابض الغنم أحاديث أخرى سبق ذكرها فيما تقدمت الإشارة إليه.
стр. 1253
قال ابن القيم في «إغاثة اللهفان»: «ومن ذلك أن سنة رسول الله ﷺ الصلاة حيث كان وفي أي مكان اتفق سوى ما نهى عنه» قال: «وكان يصلي في مرابض الغنم وأمر بذلك ولم يشترط حائلا. قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على إباحة الصلاة في مرابض الغنم إلا الشافعي فإنه قال: أكره ذلك إلا إذا كان سليما من أبعارها».
ثم ذكر ابن القيم حديث أبي هريرة وابن مغفل وأشار إلى بعض ما أشرنا إليه ثم قال: «فأين هذا الهدي من فعل من لا يصلي إلا على سجادة تفرش فوق البساط فوق الحصير ويضع عليها المنديل ولا يمشي على الحصير ولا على البساط بلى يمشي عليها نقرا كالعصفور؟ فما أحق هؤلاء بقول ابن مسعود: لأنتم أهدى من أصحاب محمد أو أنتم على شعبة من ضلالة» ا. هـ باختصار.
واعلم أن الأمر بالصلاة في مرابض الغنم في هذه الأحاديث إنما هو للإباحة لا للوجوب. قال العراقي: «اتفاقا وإنما نبه ﷺ على ذلك لئلا يظن أن حكمها حكم الإبل أو أنه أخرج على جواب السائل حين سأله عن الأمرين فأجاب في الإبل بالمنع وفي الغنم بالإذن وأما الترغيب المذكور في الأحاديث بلفظ: «فإنها بركة» فهو إنما ذكر لقصد تبعيدها عن حكم الإبل كما وصف أصحاب الإبل بالغلظ والقسوة ووصف أصحاب الغنم بالسكينة» ذكره الشوكاني.
وإنما قلنا بجواز الصلاة في غير المواضع التي سبق ذكرها لعدم ورود النهي عنها أو لعدم صحته كالصلاة في قارعة الطريق وفوق ظهر الكعبة وفي بطن الوادي ونحوها ولعموم قوله ﵊: «فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل حيث أدركتها» فهذا عام يجب التمسك به في كل مكان إلا ما خص منه مما سبق ذكره. وبالله تعالى التوفيق.
[الثمر المستطاب (١/ ٤١٨)].
стр. 1254
جواز الصلاة في مبارك الغنم
[قال رسول الله ﷺ ]: «صلوا في مراح الغنم وامسحوا رغامها، فإنها من دواب الجنة».
[ترجم له الإمام بقوله: جواز الصلاة في مبارك الغنم].
السلسلة الصحيحة (٣/ ١٢٠).
جواز الصلاة في جوف الكعبة
«ثالثا: جوف الكعبة تطوعا فإن النبي ﷺ حين دخل مكة يوم الفتح «صلى في [جوف] الكعبة [ركعتين] بين الساريتين [وبينه وبين القبلة ثلاثة أذرع]».
ثم إن الحديث وإن كان ورد في النافلة فالظاهر أن الفريضة مثلها في هذا الجواز لاستواء أحكام الفرائض والنوافل وجوبا وتحريما وإباحة إلا ما استثناه الشارع ولا استثناء هنا».
الحديث هو من رواية ابن عمر ﵁.
أخرجه البخاري ومسلم. [ثم توسع الإمام في الكلام على الحديث إلى أن قال]: وقد صح عن ابن عباس أنه كان ينفي كون النبي ﷺ صلى في الكعبة وهو لم يشاهد ذلك وإنما كان يروي ذلك تارة عن أخيه الفضل كما في هذه الرواية وكذلك هي في «المسند» وغيره من طرق أخرى. وتارة يرويه عن أسامة بن زيد كما في مسلم وغيره ولعله يأتي حديثه في استقبال القبلة إن شاء الله تعالى.
لكن العلماء أخذوا برواية بلال ومن معه من الأصحاب لأنها زيادة ثقة ولأنه مثبت والمثبت مقدم على النافي كما هي القاعدة في مثل هذا الاختلاف. ومعنى قول أسامة: لم يصل: لم أره صلى. فهو لم يعلم ذلك وأولئك علموا ومن علم حجة على من لم يعلم.
стр. 1255
ولذلك ذهب الجمهور إلى جواز الصلاة في البيت الفرض والنفل وبه قال أبو حنيفة والثوري وجمهور العلماء كما قال النووي في «المجموع» وقال الترمذي: «حديث بلال حديث حسن صحيح والعمل عليه عند أكثر أهل العلم لا يرون بالصلاة في الكعبة بأسا، وقال مالك بن أنس: لا بأس بالصلاة النافلة في الكعبة وكره أن تصلى المكتوبة في الكعبة، وقال الشافعي: لا بأس أن تصلى المكتوبة والتطوع في الكعبة لأن حكم النافلة والمكتوبة في الطهارة والقبلة سواء».
وهذا الذي قاله الشافعي هو الحق إن شاء الله تعالى لأن الحديث وإن كان قد ورد في النافلة فالظاهر أن الفريضة مثلها في هذا الجواز لاستواء أحكام النوافل مع أحكام الفرائض وجوبا وتحريما وإباحة إلا ما استثناه الشارع ولا استثناء هنا.
ولوضوح هذا الذي قاله الشافعي ذهب إليه ابن حزم وهو من هو في ظاهريته فقد قال: في «المحلى» ردا على أتباع مالك ما نصه:
«ما قال أحد قط: إن صلاته المذكورة ﷺ كانت إلى غير القبلة وقد نص ﵊ على أن الأرض كلها مسجد وباطن الكعبة أطيب الأرض وأفضلها فهي أفضل المساجد وأولاها بصلاة الفرض والنافلة، ولا يجوز لغير الراكب أو الخائف أو المريض أن يصلي نافلة إلى غير القبلة والتفريق بين الفرض والنافلة بلا قرآن ولا سنة ولا إجماع خطأ. وبالله تعالى التوفيق».
ومع وضوح هذا وظهوره فقد خالف فيه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ حيث اختار ما ذهب إليه مالك ﵀ فقال في «الاختيارات»:
«ولا تصح الفريضة في الكعبة بل النافلة وهو ظاهر مذهب أحمد، وأما صلاة النبي ﷺ في البيت فإنها كانت تطوعا فلا يلحق الفرض لأنه ﷺ صلى داخل البيت ركعتين ثم قال: هذه القبلة. فيشبه - والله أعلم - أن يكون ذكره لهذا الكلام في عقيب الصلاة خارج البيت بيانا لأن القبلة المأمور باستقبالها هي البنية كلها لئلا يتوهم متوهم أن استقبال بعضها كان في الفرض لأجل أنه صلى التطوع في البيت، وإلا فقد علم الناس كلهم أن الكعبة في الجملة هي القبلة فلا بد لهذا الكلام من
стр. 1256
فائدة وعلم شيء قد يخفى ويقع محل الشبهة وابن عباس روى هذا الحديث وفهم منه هذا المعنى وهو أعلم بمعنى ما سمع».
قلت: ابن عباس الذي روى الحديث لم يفهم هذا المعنى بهذا التفصيل الذي ذهب إليه الشيخ من صلاة النافلة في الكعبة دون الفريضة فإنه نفى أن يكون ﵊ قد صلى مطلقا في البيت حيث قال: ولم يصل حتى خرج منه فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة وقال: هذه القبلة. ثم إنه ﵁ لم يسمع هذا الكلام منه ﵊ مباشرة كما يشير إليه كلام الشيخ وإنما أخذه عن أسامة أو غيره من الصحابة كما سبق ذكره وحينئذ فهو وغيره سواء ممن لم يسمع ذلك من النبي ﷺ .
ثم إن كلام الشيخ يفيد جواز استقبال بعض بنية الكعبة في النافلة وأما في الفريضة فلا بد من استقبالها كلها، وليت شعري كيف يمكن استقبالها كلها عمليا؟ فإنه من البديهي أن مستقبل الكعبة من خارجها إنما يستقبل منها ما هو على سمته أمامه ثم يبقى أكثرها من عن يمينه ويساره غير مستقبلها؟ وحينئذ ما الفرق بين هذا وبين الصلاة داخلها وهو في كلا الحالين إنما يستقبل بعضها. ولذلك قال ابن حزم ﵀: «واحتج أتباع مالك بأن قالوا: إن من صلى داخل الكعبة فقد استدبر بعض الكعبة «قال: » إنما قال الله : ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٥٠] فلو كان ما ذكره المالكيون حجة لما حل لأحد أن يصلي في المسجد الحرام لأنه هو القبلة بنص كلام الله تعالى في القرآن، وكل من يصلي فيه فلا بد له من أن يستدبر بعضه، فظهر فساد هذا القول. وأيضا فإن كل من صلى إلى المسجد الحرام أو إلى الكعبة فلا بد له من أن يترك بعضها عن يمينه وبعضها عن شماله ولا فرق عند أحد من أهل العلم في أنه لا فرق بين استدبار القبلة في الصلاة وبين أن يجعلها عن يمينه أو عن شماله، فصح أنه لم يكلفنا الله قط مراعاة هذا، وإنما كلفنا أن نقابل بأوجهنا ما قابلنا من جدار الكعبة أو من جدار المسجد قبالة الكعبة حيثما كنا فقط».
стр. 1257
وأما قول الشيخ ﵀: «فلا بد لهذا الكلام من فائدة» فهو حق لكن ليس من الظاهر من هذا الكلام ما فهمه شيخ الإسلام من الفرق بين النافلة والفريضة في الاستقبال، وكأنه لذلك لم يذهب إليه أحد من الشراح فقد ذكر الحافظ في المراد من قوله ﵊: «هذه القبلة» أربعة أقوال للعلماء ليس فيها هذا الذي ذهب إليه الشيخ وسيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى فيما سبقت الإشارة إليه.
ذلك ويدل لجواز الصلاة أيضا هذا الحديث الآتي:
وقالت عائشة ﵂: «كنت أحب أن أدخل البيت فأصلي فيه فأخذ رسول الله ﷺ بيدي فأدخلني الحجر وقال: «إن قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا في بنائها فأخرجوا الحجر من البيت فإذا أردت أن تصلي في البيت فصل في الحجر فإنما هو قطعة منه».
الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي أيضا والطحاوي - والسياق له - وأحمد من طريق علقمة بن أبي علقمة عن أمه عنها. وقال الترمذي: «حسن صحيح».
قلت: وأم علقمة هذه اسمها مرجانة وهي مشهورة وفي «التقريب»: «إنها مقبولة».
وقد تابعتها صفية بنت شيبة وهي ثقة مشهورة من رجال الشيخين.
أخرجه النسائي والطيالسي مختصرا بلفظ: قلت: يا رسول الله ألا دخلت البيت؟ قال: «ادخلي الحجر فإنه من البيت».
وإسناده صحيح على شرطهما.
وله طريق أخرى عنها يرويه عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن عائشة نحو الأول.
أخرجه البيهقي وأحمد ورجاله ثقات إلا أن عطاء كان قد اختلط.
стр. 1258
«وقال ﵊ لعثمان بن طلحة: «إن كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت البيت فنسيت أن آمرك أن تخمرهما فخمرهما فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي».
أخرجه أبو داود والطحاوي وأحمد عن سفيان قال: ثني منصور عن خاله مسافع عن صفية بنت شيبة أم منصور قالت: أخبرتني امرأة من بني سليم ولدت عامة أهل دارنا: أرسل رسول الله ﷺ إلى عثمان بن طلحة قال ... فذكره.
وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات رجال مسلم وليس عند الطحاوي: عن خاله مسافع. فالحديث عنده عن منصور بن صفية عن صفية بنت شيبة قالت.
وقد رواه عن منصور أخوه محمد بن عبد الرحمن فجعل بعض الحديث عن منصور عن أمه مباشرة وبعضه عن منصور عن مسافع عن أم منصور.
أخرجه الإمام أحمد فقال: ثنا علي بن إسحاق قال: أنا عبد الله قال: أنا محمد بن عبد الرحمن عن منصور بن عبد الرحمن عن أمه عن أم عثمان بنت سفيان وهي أم بني شيبة الأكابر - قال محمد بن عبد الرحمن:
وقد بايعت النبي ﷺ أن النبي ﷺ دعا شيبة ففتح فلما دخل البيت ورجع وفرغ ورجع شيبة إذا رسول الله ﷺ : أن أجب، فأتاه فقال: إني رأيت في البيت قرنا فغيبه قال منصور: فحدثني عبد الله بن مسافع عن أمي عن أم عثمان بنت أبي سفيان أن النبي ﷺ قال له في الحديث: فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يلهي المصلين.
ومحمد بن عبد الرحمن ذكره ابن حبان في «الثقات» وقال الحافظ في «التقريب»: «إنه ضعيف».
قلت: وقد خالف سفيان في عدة مواضع من هذا الحديث:
أولا: جعل الحديث بعضه عن منصور عن أمه وبعضه عنه عن عبد الله ابن مسافع عن أمه.
стр. 1259
ثانيا: سمى الواسطة بين منصور وبين أمه عبد الله بن مسافع وقال سفيان: مسافع بن شيبة قال: سمى صحابي الحديث الذي رواه عن النبي ﷺ شيبة وسماه سفيان: عثمان بن طلحة والصواب رواية سفيان وهي تدل على ضعف محمد بن عبد الرحمن هذا. والله أعلم.
والحديثان يدلان على ما دل عليه الحديث السابق من جواز الصلاة في جوف الكعبة:
أما الأول منهما فمن حيث إن النبي ﷺ أقر عائشة ﵂ على محبتها الصلاة فيه إلا أنه ﵊ أمرها أن تصلي في الحجر وعلل ذلك بأنه من البيت فدل على جواز الصلاة في البيت كله وفيه الحجر، ولعله ﵊ إنما أمرها أن تصلي فيه دون جوف الكعبة وقتئذ لأن الحجر أفضى لها وأبعد عن مخالطة الرجال.
وأما الثاني فقد أشار ﵊ فيه إلى جواز الصلاة فيه حيث أمر بإزالة ما يشغل المصلي فيه عن الخشوع.
وقد استدل بالحديثين على ما ذكرنا من الجواز الطحاوي ﵀ ونقل القول به عن أبي حنيفة وصاحبيه وهو مذهب الجمهور كما سبق، بل ذهب الشافعية إلى أن التنفل في الكعبة أفضل من خارجها وكذا الفرض إن لم يرج جماعة وأمكن الجماعة الحاضرين الصلاة فيها فإن لم يمكن فخارجها أفضل قال الشافعي: «لا موضع أفضل ولا أطهر للصلاة من الكعبة». كذا ذكره النووي في «المجموع» ثم قال فيه: «فإن قيل: كيف جزمتم بأن الصلاة في الكعبة أفضل من خارجها مع أنه مختلف بين العلماء في صحتها والخروج من الخلاف مستحب؟ فالجواب أنا إنما نستحب الخروج من خلاف محترم وهو الخلاف في مسألة اجتهادية أما إذا كان الخلاف مخالفا سنة صحيحة كما في هذه المسألة فلا حرمة له ولا يستحب الخروج منه لأن صاحبه لم تبلغه هذه السنة وإن بلغته وخالفها فهو محجوج بها. والله أعلم». وهذا كلام حق يجب حفظه فإن كثيرا من المشايخ يتساهلون في كثير من السنن لمجرد أن فيها خلافا
стр. 1260
من بعض العلماء وقد ذكر ابن القيم في «الزاد» نحو ما نقلناه عن النووي ونص كلامه في ذلك:
«الاحتياط إنما يشرع إذا لم تتبين السنة فإذا تبينت فالاحتياط هو اتباعها وترك ما خالفها، فإن كان تركها لأجل الاختلاف احتياطا فترك ما خالفها واتباعها أحوط وأحوط، فالاحتياط نوعان: احتياط للخروج من خلاف العلماء واحتياط للخروج من خلاف السنة. ولا يخفى رجحان أحدهما على الآخر».
[الثمر المستطاب (١/ ٤٢٢)].
جواز الصلاة على ما يفرش على الأرض من بساط ونحوه مما يجوز القعود عليه
«- وتجوز الصلاة على ما يفرش على الأرض من بساط ونحوه مما يجوز القعود عليه وكان طاهرا فقد «كان ﵊ يصلي على الخمرة».
ثبت هذا الحديث عن جمع من الصحابة. [انظر التخريج في الأصل].
واعلم أن «الخمرة» بضم الخاء المعجمة وسكون الميم: هي مقدار ما يضع الرجل وجهه في سجوده من حصير أو نسيج خوص ونحوه من النبات ولا تكن خمرة إلا في هذا المقدار، وسميت خمرة لأن خيوطها مستورة لبعضها. كذا قال ابن الأثير في «النهاية». وفي «الفتح»:
«وقال الخطابي: هي السجادة يسجد عليها المصلي. ثم ذكر حديث ابن عباس في الفأرة التي جرت الفتيلة حتى ألقتها على الخمرة التي كان ﷺ قاعدا عليها. ففي هذا تصريح بإطلاق الخمرة على ما زاد على قدر الوجه».
«ومرة «صلى على حصير وقد اسود من طول ما لبس».
هو من حديث أنس ﵁. [انظر التخريج في الأصل].
стр. 1261
«و «على الفراش الذي يرقد عليه هو وأهله» و «كان من أدم حشوه ليف».
هو من حديث عائشة ﵁. [انظر التخريج في الأصل].
وفي هذه الأحاديث دلالة واضحة على جواز الصلاة والسجود على كل ما يبسط دون الأرض، وقد حكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم ولم يروا بالصلاة على البساط والطنفسة بأسا، وهو قول الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وجمهور الفقهاء. ففيها رد على منكره ذلك من المتقدمين كالأسود وأصحابه ووافقهم مالك فقد قال في «المدونة»: «وكان مالك يكره أن يسجد الرجل على الطنافس وبسط الشعر والثياب والأدم وكان يقول: لا بأس أن يقوم عليها ويركع عليها ويقعد عليها ولا يسجد عليها ولا يضع كفيه عليها». قال ابن حزم:
«هذا قول لا دليل على صحته والسجود واجب على سبعة أعضاء: الرجلين والركبتين واليدين والجبهة والأنف وهو يجيز وضع جميع هذه الأعضاء على ما ذكرنا حاشا الجبهة فأي فرق بين أعضاء السجود؟ ولا سبيل إلى وجود فرق بينها لا من قرآن ولا سنة صحيحة ولا سقيمة ولا من إجماع ولا من قياس ولا من قول صاحب ولا من رأي له وجه».
ولعل مالكا ومن وافقه لم تبلغهم هذه الأحاديث الصحيحة وإلا فالقول بكراهة ما فعله ﵊ مرارا وتكرارا مشكل إذ هو ﵊ لا يفعل المكروه إلا للبيان في بعض الأحيان عن بعض العلماء كأن ينهى عن شيء ثم يفعله دلالة على أن النهي ليس للتحريم بل للتنزيه فأين النهي هنا؟
فالحق ما ذهب إليه الجمهور من الجواز بدون أدنى كراهة ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
هذا وأما الصلاة في النعلين فجائزة بشرطه وقد سبق الكلام عليه في الأمر الثالث مما يجوز الصلاة فيه فراجعه.
[الثمر المستطاب (١/ ٤٣٧)].
стр. 1262
ما حكم الصلاة على السجادة المزخرفة ؟
مداخلة: السؤال: ما حكم الصلاة على السجادة المزخرفة؟
الشيخ: لا شك في كراهة ذلك، وينبغي على المسلم أن يختار الصلاة في مكان ساذج ليس فيه سجادة فيها زخارف ولا في القبلة شيء أيضًا من مثل تلك الزخارف.
(رحلة النور: ٢٩ ب/٠٠: ٢٨: ٣٥)
هل تجوز الصلاة على الجرائد
السائل: بالنسبة لورق الجرائد الذي نأكل عليه, يجوز الأكل على ورق الجرائد؟
الشيخ: لا ما بيجوز استعمالها كذا؛ لأنه لا تخلوا من اسم الله, أو اسم محمد بن عبد الله, وَرُبَّ آية ورب حديث .. إلى آخره.
السائل: تجوز الصلاة على الجريدة؟
الشيخ: وأنت تدوس عليها.
السائل: لا، يعني يسجد عليها.
الشيخ: ما بيجوز استعمالها بهاي الوسيلة.
السائل: نهائي.
الشيخ: نهائياً.
(الهدى والنور / ٥٢/ ٥١: ٤٤: .. )
стр. 1263
هل تجوز الصلاة بين السواري بالنسبة للفرد أو الجماعة
السائل: أستاذي، ما حكم الصلاة بين السواري من غير ضرورة؟
الشيخ: إذا كان يُصَلِّي وَحْده فلا شيء عليه، أما إذا كان يصلي جماعة فذلك مما نهى عنه الرسول ﵇، فقال: «لا تَصُفُّوا بين السواري»، فهو حرام لا يجوز.
السائل: طيب الصلاة؟
الشيخ: لا، الصلاة صحيحة، أما الضرورات: فالضرورات تُبيح المحظورات، تبيح المحرمات.
السائل: بس ما تبطل - يعني -؟
الشيخ: لا، ما تبطل.
(الهدى والنور / ٤/ ٠٠: ٠٠: ٢٠)
стр. 1264
الصلاة على المنبر
стр. 1265
الصلاةُ على المنبر
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ١٦:
وتجوز صلاة الإمام على مكان مرتفع كالمنبر لتعليم الناس، يقوم عليه فيكبر، ويقرأ ويركع وهو عليه، ثم ينزل القهقرى حتى يتمكن من السجود على الأرض في أصل المنبر، ثم يعود إليه، فيصنع في الركعة الأخرى كما صنع في الأولى.
وقال في أصل الصفة:
وصلى ﷺ مرةً - على المنبر «وفي رواية: أنه ذو ثلاث درجات»، فـ[قام عليه، فكبر، وكبر الناس وراءه وهو على المنبر]، [ثم ركع وهو عليه]، ثم رفع، فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر، ثم عاد، [فصنع فيها كما صنع في الركعة الأولى]، حتى فرغ من آخر صلاته، ثم أقبل على الناس، فقال: «يا أيها الناس! إني صنعت هذا؛ لتأتموا بي، ولِتَعلَّموا صلاتي».
[أصل صفة الصلاة (١/ ١١٣)]
السنة في المنبر
السنة في المنبر أن يكون ذا ثلاث درجات، لا أكثر، والزيادة عليها بدعة أمَوِيَّة؛ كثيراً ما تعرِّض الصف للقطع، والفرارُ من ذلك بجعله في الزاوية الغربية من المسجد أو المحراب: بدعةٌ أخرى! وكذلك جعله مرتفعاً في الجدار الجنوبي كالشرفة، يصعد إليها بدرج لَصِيق الجدار! وخير الهدي هدي محمد ﷺ .
راجع «الفتح» «٢/ ٣٣١».
[أصل صفة الصلاة (١/ ١١٣)]