← Фикх общий

Фикх общий · id 145204

جامع تراث العلامة الألباني في الفقه

ناصر الدين الألباني

Полный текст (8 195 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

«و «على الفراش الذي يرقد عليه هو وأهله» و «كان من أدم حشوه ليف». هو من حديث عائشة ﵁. [انظر التخريج في الأصل]. وفي هذه الأحاديث دلالة واضحة على جواز الصلاة والسجود على كل ما يبسط دون الأرض، وقد حكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم ولم يروا بالصلاة على البساط والطنفسة بأسا، وهو قول الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وجمهور الفقهاء. ففيها رد على منكره ذلك من المتقدمين كالأسود وأصحابه ووافقهم مالك فقد قال في «المدونة»: «وكان مالك يكره أن يسجد الرجل على الطنافس وبسط الشعر والثياب والأدم وكان يقول: لا بأس أن يقوم عليها ويركع عليها ويقعد عليها ولا يسجد عليها ولا يضع كفيه عليها». قال ابن حزم: «هذا قول لا دليل على صحته والسجود واجب على سبعة أعضاء: الرجلين والركبتين واليدين والجبهة والأنف وهو يجيز وضع جميع هذه الأعضاء على ما ذكرنا حاشا الجبهة فأي فرق بين أعضاء السجود؟ ولا سبيل إلى وجود فرق بينها لا من قرآن ولا سنة صحيحة ولا سقيمة ولا من إجماع ولا من قياس ولا من قول صاحب ولا من رأي له وجه». ولعل مالكا ومن وافقه لم تبلغهم هذه الأحاديث الصحيحة وإلا فالقول بكراهة ما فعله ﵊ مرارا وتكرارا مشكل إذ هو ﵊ لا يفعل المكروه إلا للبيان في بعض الأحيان عن بعض العلماء كأن ينهى عن شيء ثم يفعله دلالة على أن النهي ليس للتحريم بل للتنزيه فأين النهي هنا؟ فالحق ما ذهب إليه الجمهور من الجواز بدون أدنى كراهة ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. هذا وأما الصلاة في النعلين فجائزة بشرطه وقد سبق الكلام عليه في الأمر الثالث مما يجوز الصلاة فيه فراجعه. [الثمر المستطاب (١/ ٤٣٧)].

стр. 1262

ما حكم الصلاة على السجادة المزخرفة ؟ مداخلة: السؤال: ما حكم الصلاة على السجادة المزخرفة؟ الشيخ: لا شك في كراهة ذلك، وينبغي على المسلم أن يختار الصلاة في مكان ساذج ليس فيه سجادة فيها زخارف ولا في القبلة شيء أيضًا من مثل تلك الزخارف. (رحلة النور: ٢٩ ب/٠٠: ٢٨: ٣٥) هل تجوز الصلاة على الجرائد السائل: بالنسبة لورق الجرائد الذي نأكل عليه, يجوز الأكل على ورق الجرائد؟ الشيخ: لا ما بيجوز استعمالها كذا؛ لأنه لا تخلوا من اسم الله, أو اسم محمد بن عبد الله, وَرُبَّ آية ورب حديث .. إلى آخره. السائل: تجوز الصلاة على الجريدة؟ الشيخ: وأنت تدوس عليها. السائل: لا، يعني يسجد عليها. الشيخ: ما بيجوز استعمالها بهاي الوسيلة. السائل: نهائي. الشيخ: نهائياً. (الهدى والنور / ٥٢/ ٥١: ٤٤: .. )

стр. 1263

هل تجوز الصلاة بين السواري بالنسبة للفرد أو الجماعة السائل: أستاذي، ما حكم الصلاة بين السواري من غير ضرورة؟ الشيخ: إذا كان يُصَلِّي وَحْده فلا شيء عليه، أما إذا كان يصلي جماعة فذلك مما نهى عنه الرسول ﵇، فقال: «لا تَصُفُّوا بين السواري»، فهو حرام لا يجوز. السائل: طيب الصلاة؟ الشيخ: لا، الصلاة صحيحة، أما الضرورات: فالضرورات تُبيح المحظورات، تبيح المحرمات. السائل: بس ما تبطل - يعني -؟ الشيخ: لا، ما تبطل. (الهدى والنور / ٤/ ٠٠: ٠٠: ٢٠)

стр. 1264

الصلاة على المنبر

стр. 1265

الصلاةُ على المنبر قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ١٦: وتجوز صلاة الإمام على مكان مرتفع كالمنبر لتعليم الناس، يقوم عليه فيكبر، ويقرأ ويركع وهو عليه، ثم ينزل القهقرى حتى يتمكن من السجود على الأرض في أصل المنبر، ثم يعود إليه، فيصنع في الركعة الأخرى كما صنع في الأولى. وقال في أصل الصفة: وصلى ﷺ مرةً - على المنبر «وفي رواية: أنه ذو ثلاث درجات»، فـ[قام عليه، فكبر، وكبر الناس وراءه وهو على المنبر]، [ثم ركع وهو عليه]، ثم رفع، فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر، ثم عاد، [فصنع فيها كما صنع في الركعة الأولى]، حتى فرغ من آخر صلاته، ثم أقبل على الناس، فقال: «يا أيها الناس! إني صنعت هذا؛ لتأتموا بي، ولِتَعلَّموا صلاتي». [أصل صفة الصلاة (١/ ١١٣)] السنة في المنبر السنة في المنبر أن يكون ذا ثلاث درجات، لا أكثر، والزيادة عليها بدعة أمَوِيَّة؛ كثيراً ما تعرِّض الصف للقطع، والفرارُ من ذلك بجعله في الزاوية الغربية من المسجد أو المحراب: بدعةٌ أخرى! وكذلك جعله مرتفعاً في الجدار الجنوبي كالشرفة، يصعد إليها بدرج لَصِيق الجدار! وخير الهدي هدي محمد ﷺ . راجع «الفتح» «٢/ ٣٣١». [أصل صفة الصلاة (١/ ١١٣)]

стр. 1266

اللباسُ في الصلاة

стр. 1267

التزين في الصلاة [قال رسول الله ﷺ ]: «إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه، فإن الله أحق من تزين له». [ترجم له الإمام بقوله: التزين في الصلاة]. السلسلة الصحيحة (٣/ ٣٥٦). عدم اتخاذ ثوب خاص للصلاة إلا الجمعة وكان ﷺ يدخل في الصلاة بما تيسر عليه من الثياب، فلم يكن يتخذ لها ثوباً خاصاً؛ إلا صلاة الجمعة - كما سيأتي -. [أصل صفة الصلاة (١/ ١٤٥)] الصلاة في إزار ورداء فكان تارة يصلي في حُلّة حمراء «وهي ثوبان: إزار، ورداء»، وكان يأمر بهما؛ فيقول: «إذا صلى أحدكم؛ فليأتزر وليرتَدِ». حتى نهى أن يصلي الرجل في سراويل وليس عليه رداء. وإنما أراد به القادر على الرداء؛ كما قال ﵊: «إذا صلى أحدكم؛ فليلبس ثوبيه؛ فإن الله أحق من يُزَّيَّنُ له، فإن لم يكن له ثوبان؛ فليتزر إذا صلى، ولا يشتمل أحدكم في صلاته اشتمال اليهود». قوله حلة حمراء: كما قال أبو جحيفة: خرج رسول الله ﷺ في حلة حمراء مشمراً، فصلى إلى العنَزَةِ بالناس ركعتين، ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العَنَزةِ.

стр. 1268

أخرجه البخاري «١/ ٣٨٦ و ١٠/ ٢١٠»، ومسلم «٢/ ٥٦»، وأبو داود «١/ ٨٦»، والنسائي «١/ ١٢٥» وترجم له: «الصلاة في الثياب الحُمْر»، والترمذي «١/ ٣٧٥» وصححه، وأحمد «٤/ ٣٠٨» عن عون بن أبي جُحيفة عن أبيه به. وفي الحديث دلالة على جواز لبس الثياب الحمراء، وهو مذهب الشافعية وغيرهم، وهو الصواب إن شاء الله تعالى، ولا يصح شيء من الأحاديث في النهي عن لباس الأحمر، وتأويل الحلة الحمراء بأنها ذات خطوط حمر - كما فعل ابن القيم في «الزاد» «١/ ٤٨ و ١٧٢» وفي غيره - خلاف الظاهر - كما بينه الشوكاني -. على أنه قد ثبت أن النبي ﷺ رأى على الحسن والحسين قميصين أحمرين؛ فلم ينكر ذلك، وليس هذا موضع تفصيل ذلك، وإنما أردنا الإشارة إليه، فمن شاء التوسع فيه؛ فليراجع «نيل الأوطار» «٢/ ٨٠ - ٨٣»، وكذا «التعليقات الجياد». قوله: وهي ثوبان إزار ورداء: تفسير «الحلة» بذلك هو الأشهر - كما قال الحافظ في «الفتح» «١٠/ ٢١٣» -. وقيل: هي: ثوبان؛ أحدهما فوق الآخر. والرداء: هو الثوب أو البُرْدُ الذي يضعه الإنسان على عاتقيه، وبين كتفيه فوق ثيابه. قوله: وإنما أراد به القادر على الرداء: قال الطحاوي: «وهذا عندنا على الوجود معه لغيره، فإن كان لا يجد غيره؛ فلا بأس بالصلاة فيه، كما لا بأس في الثوب الصغير؛ مُتّزراً به». قلت: ويدل لذلك الأحاديث الآتية بعدُ. قوله: اشتمال اليهود: قال الخطابي في «المعالم» «١/ ١٧٨»: «اشتمال اليهود المنهي عنه هو: أن يجلل بدنه الثوب ويسبله؛ من غير أن يشيل طرفه». [أصل صفة الصلاة (١/ ١٤٥)]

стр. 1269

الصلاة في جُبَّة ضيقة الكمين وتارة في جُبَّةٍ شاميةٍ ضيقةِ الكُمَّين، حتى إنه لما أراد الوضوء؛ ذهب يخرج يده من كُمِّها ليتوضأ؛ فضاقتْ عليه، فأخرج يده من أسفلها. وكان تحت الجبة قميص أو إزار. قوله: ضيقة الكمين: قال ابن القيم في «الزاد» «١/ ٤٩»: «وأما هذه الأكمام الواسعة الطوال التي هي كالأخراج؛ فلم يلبسها هو، ولا أحد من أصحابه ألبته، وهي مخالفة لسنته، وفي جوازها نظر؛ فإنها من جنس الخُيَلاء». قال الشوكاني «٢/ ٩٠»: «وقد صار أشهر الناس بمخالفة هذه السنة في زماننا هذا العلماء؛ فيُرى أحدهم وقد جعل لقميصه كمين، يَصْلُحُ كل واحد منهما أن يكون جبة أو قميصاً لصغير من أولاده أو يتيم، وليس في ذلك شيء من الفوائد الدنيوية إلا العبث، وتثقيل المؤنة على النفس، ومنع الانتفاع باليد في كثير من المنافع، وتعريضه لسرعة التمزق، وتشويه الهيئة، ولا الدينية إلا مخالفة السنة، والإسبال، والخيلاء». اهـ. قال الشيخ علي القاري في «المرقاة» «١/ ٣٦١»: «فيه دليل على أنه كان تحته إزار أو قميص، وإلا؛ لظهرت العورة». قال البيهقي: «والجبة الشامية في عصر النبي ﷺ من نسج المشركين، وقد توضأ وهي عليه، وصلى». ثم روى عن الحسن قال: «لا بأس بالصلاة في رداء اليهود والنصارى». وفي الحديث فوائد كثيرة ذكرها الحافظ في «الفتح» «١/ ٢٤٦» منها: «جواز الانتفاع بثياب الكفار حتى يتحقق نجاستها؛ لأنه ﷺ لبس الجبة الرومية، ولم يستفصل». انتهى.

стр. 1270

فإن قيل: قد تقرر في الشرع النهي عن لبسة الكفار؛ كما قال عبد الله بن عمرو: رأى رسول الله ﷺ عليَّ ثوبين معصفرين، فقال: «إن هذه من ثياب الكفار؛ فلا تلبسها». أخرجه مسلم «٦/ ١٤٤» وغيره؛ فكيف لبس ﷺ لباس الروم وهم من الكفار، وقد نهى عن لباسهم؟ ! والجواب: إن الألبسة نوعان: نوع منها مشترك بين جميع الأمم والأديان، ليس شعاراً لبعضهم دون بعض. فهذا مباح للمسلم لبسها مهما كان شكلها ومصدرها، لا ضير على المسلم في ذلك، وقد جاء في «الدر المختار»: «إن التشبه بأهل الكتاب لا يكره في كل شيء. وذكروا على ذلك عن هشام قال: رأيت على أبي يوسف نعلين مخصوفين بمسامير، فقلت: أترى بهذا بأساً؟ قال: لا. قلت: سفيان وثور بن يزيد كرها ذلك؛ لأن فيه تشبهاً بالرهبان. فقال: كان رسول الله ﷺ يلبس النعال التي لها شعر، وإنها من لباس الرهبان». اهـ. ومن هذا النوع كانت جبة النبي ﷺ الرومية فيما يظهر لنا. وأما النوع الآخر؛ فهو ما كان شعاراً لبعض الأمم الكافرة؛ يتميزون به عن غيرهم من الأمم. فلا يجوز حينئذٍ لمسلم أن يقلدهم، وأن يتشبه بهم في ذلك؛ لما في ذلك من تضعيف شوكة المسلمين؛ بتقليل عددهم في الظاهر، وتقوية أعدائهم عليهم بذلك، وقد تقرر في علم النفس - كما كنت قرأت في بعض الكتب والمجلات العصرية -: أن للظاهر تأثيراً في الباطن. وذلك مشهود في بعض المظاهر، وقد أشار إلى ذلك رسول الله ﷺ بقوله حينما كان يسوي الصفوف: «لا تختلفوا؛ فتختلفَ قلوبكم». رواه أبو داود «١/ ١٠٧»، والنسائي «١/ ١٣٠»، وابن خزيمة في «صحيحه». وسنده صحيح عن البراء به. وعن النعمان بن بشير مرفوعاً: «عباد الله! لَتُسَوُّنَّ صفوفكم؛ أو ليخالفن الله بين وجوهكم».

стр. 1271

أخرجه الشيخان، وأصحاب «السنن» وغيرهم. فجعل ﷺ اختلاف الظواهر سبباً لاختلاف البواطن والقلوب، وعلى هذا النوع من اللباس يُنَزَّل حديث ابن عمرو المذكور سابقاً، ومثله قوله ﷺ : «من تشبه بقوم؛ فهو منهم». أخرجه أبو داود «٢/ ١٧٢ - ١٧٣»، وأحمد «٢/ ٥٠» من طريق عبد الرحمن بن ثابت ابن ثوبان: ثنا حسان بن عطية عن أبي منيب الجُرَشي عن ابن عمر مرفوعاً به. وهذا إسناد حسن - كما قال الحافظ في «الفتح» «١٠/ ٢٢٢» -، وصححه شيخه العراقي في «تخريج الإحياء» «١/ ٢٤٢»، وسبقه إلى ذلك ابن حبان - كما في «بلوغ المرام» «٤/ ٢٣٩ - سبل السلام» -. قلت: وقد أخرجه الطحاوي في «مشكل الآثار» «١/ ٨٨» من طريق الوليد بن مسلم: ثنا الأوزاعي عن حسان بن عطية به. وهذا سند صحيح إذا كان الأوزاعي سمعه من حسان؛ فإن الوليد بن مسلم يدلس تدليس التسوية؛ لا سيما عن الأوزاعي. وفي الباب أحاديث أخرى كثيرة في النهي عن التشبه بالكفار، ليس هذا موضع روايتها؛ فليراجع لذلك كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم» لشيخ الإسلام ابن تيمية، فإنه خير كتاب وقفنا عليه في هذا الموضوع. [أصل صفة الصلاة (١/ ١٤٩)] الصلاة في بُرد متوشِّحًا وفي ثوب واحد مخالفًا بين طرفيه وكان أحياناً يصلي في بُرْدٍ له حضرميٍّ متَوَشِّحَه، ليس عليه غيره. وفي ثوب واحد؛ مخالفاً بين طرفيه، يجعلهما على منكبيه.

стр. 1272

قال الباجي: «يريد أنه أخذ طرف ثوبه تحت يده اليمنى، ووضعه على كتفه اليسرى، وأخذ الطرف الآخر تحت يده اليسرى، فوضعه على كتفه اليمنى. وهذا نوع من الاشتمال يسمى: التوشيح. ويسمى: الاضطباع. وهو مباح في الصلاة وغيرها؛ لأنه يمكنه إخراج يده للسجود وغيره دون كشف عورته». كذا في «تنوير الحوالك». واعلم أن الالتحاف والتوشح بمعنى واحد، وهو: المخالف بين طرفيه على عاتقيه. وهو الاشتمال على منكبيه - كما ذكره البخاري عن الزهري -. وذكر نحوه النووي في «شرح مسلم». وأما المُتَلَبِّبُ بالثوب: فهو أن يجمعه عند صدره، يقال: «تَلَبّبَ بثوبه»: إذا جمعه عليه. قال النووي: «وفي هذه الأحاديث جواز الصلاة في الثوب الواحد، ولا خلاف في ذلك؛ إلا ما حكي عن ابن مسعود ﵁ فيه. ولا أعلم صحته». قلت: كأنه يشير إلى ما رواه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: لا تُصَلِّيَنَّ في ثوب واحد؛ وإن كان أوسع ما بين السماء والأرض. سكت عليه في «الفتح». ولعل قول ابن مسعود هذا محمول على ما إذا كان عنده ثوب آخر؛ بدليل حديثه الآخر: وهو ما أخرجه عبد الله بن أحمد في «زوائده» «٥/ ١٤١» من طريقين عن أبي مسعود الجريري عن أبي نضرة بن بقية قال: قال أُبي بن كعب: الصلاة في الثوب الواحد سنة؛ كنا نفعله مع رسول الله ﷺ ، ولا يعاب علينا. فقال ابن مسعود: إنما كان ذاك؛ إذ كان في الثياب قلة، فأما إذ وسع الله؛ فالصلاة في الثوبين أزكى.

стр. 1273

ورجاله ثقات رجال مسلم؛ لكن قال في «مجمع الزوائد» «٢/ ٤٩»: «وأبو نضرة: لم يسمع من أُبيٍّ، ولا من ابن مسعود». قلت: قد وصله البيهقي «٢/ ٢٣٨» من طريق يزيد بن هارون: أبنا داود عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: اختلف أبي بن كعب وابن مسعود في الصلاة في ثوب واحد ... الحديث بنحوه. وهذا سند صحيح. قال البيهقي: «وهذا يدل على أن الذي أمر به ابن مسعود في الصلاة في ثوبين استحباب لا إيجاب». اهـ. ويدل لما قاله ابن مسعود ﵁ من أن الاقتصار على الثوب الواحد إنما كان وفي الثياب قلة - حديث جابر المتقدم عند الطحاوي، ومثله حديث أبي هريرة الآتي: «أَوَ لكلكم ثوبان؟ ». وما سنذكره من قول عمر في ذلك. وكون الصلاة في الثوبين أزكى وأفضل - كما قال ابن مسعود -؛ مجمع عليه - كما حكاه النووي في «شرح مسلم» -، ويدل لذلك الأمر بالارتداء والاتزار - كما في الحديث السابق -. [أصل صفة الصلاة (١/ ١٥٢)] الصلاة في ثوب قطري وآخر صلاة صلاها في ثوب قِطْرِيٍّ متوشحاً به. وقال: «إذا صلى أحدُكم في ثوبٍ واحدٍ؛ فَلْيُخَالِفْ بين طَرفيه [على عاتِقَيْهِ]». وفي لفظ: «لا يصلِّي أحدُكم في الثوبِ الواحد ليس على عاتِقَيْه منه شيءٌ». قوله: ثوب قطري: هو ضرب من البرود؛ فيه حمرة، ولها أعلام فيها بعض الخشونة. وقيل: هي حُلل جِيَاد، وتحمل من قبل البحرين.

стр. 1274

وقال الأزهري: في أعراض البحرين قرية يقال لها: قَطَر، وأحسب الثياب القِطْرِيَّةَ نسبت إليها، فكسروا القاف للنسبة، وخففوا. كذا في «النهاية». وقال العسقلاني: «ثياب من غلِيظ القطن ونحوه». نقله القاري في «شرح الشمائل». قال الخطابي: «يريد أنه لا يتزر به في وسطه ويشد طرفيه على حَقويْه؛ ولكن يتزر به، ويرفع طرفيه؛ فيخالف بينهما، ويشده على عاتقه؛ فيكون بمنزلة الإزار والرداء». قال الشيخ علي القاري «١/ ٤٧٩»: «والحكمة في ذلك أن لا يخلو العاتق من شيء؛ لأنه أقرب إلى الأدب، وأنسب إلى الحياء من الرب، وأكمل في أخذ الزينة عند المطلب. والله أعلم». وظاهر النهي في هذه الرواية يفيد التحريم؛ كما أن ظاهر الرواية الأولى يفيد الوجوب. وقد ذهب إلى ذلك جماعة من السلف، ومنهم الإمام أحمد ﵁، والمشهور عنه: أنه لو صلى مكشوف العاتق مع القدرة على السترة؛ لم تصح صلاته. فجعله شرطاً. وهو مذهب ابن حزم في «المحلى» «٤/ ٧٠». وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد: أنه تصح صلاته، ولكن يأثم بتركه. وذهب الجمهور - مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وغيرهم - إلى أن النهي للتنزيه، والأمر للاستحباب؛ فلو صلى في ثوب واحد ساتراً لعورته، ليس على عاتقه منه شيء؛ صحت صلاته مع الكراهة، سواء قدر على شيء يجعله على عاتقه أم لا. قال النووي في «شرح مسلم»: «وحجة الجمهور قوله ﷺ : «فإن كان واسعاً؛ فالتحِفْ به، وإن كان ضيقاً؛ فاتَّزِرْ به». قلت: لست أدري ما وجه الاحتجاج بهذا الحديث على عدم الوجوب؛ بينما هو واضح الدلالة لمذهب أحمد وغيره، وهو التفريق بين الثوب الواسع - فيجب الالتحاف به -، وبين الضيِّق - فلا يجب -، فكما أنه أمر بالائتزار به إن كان ضيقاً - وذلك واجب -؛ فكذلك أمر بالالتحاف به إذا كان واسعاً؛ فهو واجب.

стр. 1275

فهذا المذهب - وهو وجوب المخالفة بين طرفي الثوب - هو الأقوى من حيث الدليل والبرهان، وإليه مال البخاري - كما يدل تصرفه في «صحيحه» -؛ كما قال الحافظ، قال: «وهو اختيار ابن المنذر وتقي الدين السبكي من الشافعية». قلت: وإليه ذهب الشوكاني في «نيل الأوطار» «٢/ ٥٩ - ٦١». وأما بطلان الصلاة بترك ذلك؛ فالحديث لا يدل إلا على بعض القواعد؛ وبها نظر. والله أعلم. واحتج الجمهور بحجة أخرى، وهي صلاته ﷺ وبعض ثوبه على زوجه، كما يأتي ذلك قريباً، وسنذكر هناك وجه الاستدلال بذلك، والجواب عنه إن شاء الله تعالى. [أصل صفة الصلاة (١/ ١٥٧)] الأمر بالالتحاف مقيَّد بالثوب الواسع وقيد ذلك بالثوب الواسع؛ فقال: «إذا صلَّيتَ وعليك ثوبٌ واحد، فإن كان واسعاً؛ فالتحف به، وإن كان ضيقاً؛ فاتزر به». والحديث نص واضح في التفريق بين الثوب الواسع والضيق؛ فيجب الالتحاف بالأول - لظاهر الأمر- دون الثاني؛ فيجوز الائتزار به بدون كراهة. وهو مذهب أحمد وغيره من السلف، وهو الحق إن شاء الله تعالى -كما سبق بيانه فيما تقدم قريباً -. [أصل صفة الصلاة (١/ ١٦٠)] الصلاة في الثوب الواحد لمن لم يجد ثوبين وقال له رجل: أيصلي أحدنا في ثوب واحد؟ فقال: «أَوَ كلكم يجد ثوبين؟ !

стр. 1276

». وقال النووي: ومعنى الحديث: أن الثوبين لا يقدر عليهما كل واحد، فلو وجبا؛ لعجز من لا يقدر عليهما عن الصلاة، وفي ذلك حرج، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. وأما صلاة النبي ﷺ والصحابة ﵃ في ثوب واحد؛ ففي وقت كان لعدم ثوب آخر، وفي وقت -كان مع وجوده- لبيان الجواز؛ كما قال جابر: ليراني الجهال. وإلا؛ فالثوبان أفضل؛ لما سبق. انتهى. وقال أبو زرعة في «طرح التثريب» «٢/ ٢٣٩»: «واستُدل به على أن الصلاة في ثوبين أفضل لمن قدر على ذلك؛ لأنه ﵊ أشار إلى أن المعنى في ذلك ضِيْقُ الحال، وعجز بعض الناس عن ثوبين؛ فدلَّ على أن الأكمل ثوبان؛ ولهذا قال عمر ﵁: إذا وسع الله عليكم؛ فأوسعوا. ولا خلاف في ذلك - كما صرح به القاضي عياض وغيره -». «فائدة»: قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على «الترمذي» «٢/ ١٦٨ - ١٦٩» - بعد ذكر هذا الحديث، وحديث جابر المتقدم -: «وقد فرَّع الفقهاء هنا فروعاً كثيرة، وتجد العلماء ينكرون على من يصلي في بعض ثيابه ويدع بعضها، وخصوصاً من يصلي مكشوف الرأس؛ يزعمون الكراهة! ولا دليل لهم على هذا. ومن البديهي أن من يصلي في ثوب واحد - يشتمل به أو يتزر -؛ لا يكون على رأسه عمامة، ولم يرد أي حديث - فيما نعلم - يدل على كراهة الصلاة مكشوف الرأس». قلت: ذكر الشعراني في «كشف الغمة» «١/ ٧٠»: وكان ﷺ يأمر بستر الرأس في الصلاة بالعمامة أو القلنسوة، وينهى عن كشف الرأس في الصلاة، ويقول: «إذا أتيتم المساجد؛ فأتوها معصّبين». والعصابة هي: العمامة. اهـ. وهذه أخبار غريبة لم نجد لها أصلاً في شيء من الكتب التي عندنا! وكتاب الشعراني هذا مليء بمثل هذه الأخبار الغريبة، وبالأحاديث الضعيفة الواهية؛ فقد جمع فيه ما صح وما لم يصح عنه ﷺ من الأقوال والأفعال في سيرته ﷺ ! لكن ما ذهب إليه الشيخ أحمد شاكر من نفي كراهة كشف الرأس في الصلاة، واستدلاله

стр. 1277

بجواز الصلاة في الثوب الواحد؛ غير سديد؛ وذلك لأنا قد بَيَّنَّا - فيما سبق - أن الصلاة في الثوبين أفضل لمن وجد ذلك، فمن لم يفعل وصلى في ثوب واحد؛ فقد ارتكب الكراهة، فحديث أبي هريرة يفيد جوازاً مرجوحاً بالشرط المذكور، فكذلك من صلى مكشوف الرأس وعنده ما يستره؛ فهو مكروه، ومن لا؛ فلا. هذا يقال فيما إذا كانت الأخبار الواردة في الصلاة في الثوب الواحد تشمل حتى صلاة مكشوف الرأس كما يريد الشيخ المذكور أن يفهم ذلك منها. ونحن نخالفه في ذلك، ونزعم أن تلك الأحاديث لا تتعرض لكشف الرأس مطلقاً؛ بل لستر ما دونه من البدن؛ وذلك لأن المعهود من سيرته ﷺ أنه كان يتعمم، أو يَتَقَلْنَسُ، وكذلك كان أصحابه، فلو أنه ﷺ حينما صلى في الثوب الواحد صلى مكشوف الرأس؛ لذكر ذلك من روى صلاته تلك، لا سيما وهم جمع غفير - كما سبق - فعدم روايتهم لذلك دليل على أنه صلى صلاته المعتادة؛ إلا فيما ذكروه من اقتصاره ﷺ في الثوب الواحد لبدنه. ومثل هذا الأمر لا يقال فيه: إن الأصل العدم، فمن ادعى الثبوت؛ فعليه الإثبات! لأننا بيَّنا أن المعتاد منه ﷺ ستر الرأس؛ فالأصل هنا ثابت، فمن ادعى خلافه؛ فعليه الدليل ولو كان نافياً، وليس مَن نفى لا يطالب بالدليل دائماً - كما هو مقرر في موضعه -، فثبت بذلك أن هديه ﷺ الصلاةُ مستورَ الرأس. وقد قال ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي». فأقل ما يستفاد من مجموع الفعل والأمر الاستحباب، وعكسه الكراهة، ويؤيد ذلك أنه ﷺ قد أمر بالصلاة في النعلين مخالفةً لليهود - كما سبق في محله -، فالقياس، وعموم النصوص الناهية عن التشبه بالكفار - لا سيما في عبادتهم -، كل ذلك يقتضي كراهة الصلاة حاسر الرأس؛ لأن ذلك من التشبّه بالنصارى حينما يقومون في عبادتهم حاسرين - كما هو مشهور عنهم -، فهل المخالفة في الأرجل أقوى، أم في الرؤوس؟ ! هذا ما ظهر لي في هذا المقام. والله تعالى هو الموفق. [أصل صفة الصلاة (١/ ١٦٢)]

стр. 1278

الصلاة في القميص الواحد [قال رجل للنبي ﷺ ]: إني أصيد؛ أفأصلي في القميص الواحد؟ قال: «نعم، وزُرَّهُ ولو بشوكة». قوله: إني أصيد: إنما ذكر الصيد لأن الصائد يحتاج أن يكون خفيفاً؛ ليس عليه ما يشغله عن الإسراع في طلب الصيد. قاله ابن الأثير في شرحه لـ «المسند» [يعني: «مسند الشافعي»]- كما في «النيل» «٢/ ٦١» ثم أخرجه البخاري عن إسماعيل بن أبي أُوَيْس عن أبيه عن موسى بن إبراهيم عن أبيه عن سلمة. زاد في الإسناد رجلاً. قال الحافظ: «فاحتمل أن يكون من المزيد في متصل الأسانيد، أو يكون التصريح في رواية عطاف وهماً؛ فهذا وجه النظر في إسناده - يعني الذي قاله البخاري في «صحيحه»؛ وقد ذكر الحديث معلقاً، وقال: في إسناده نظر. ثم قال: -، وأما من صححه؛ فاعتمد رواية الدراوردي، وجعل رواية عطاف شاهدة؛ لاتصالها». اهـ. قوله: وزره: بتقديم المعجمة على المهملة المشددة؛ من باب «نَصَرَ» والمراد: ربِّطْ جيبه؛ لئلا تظهر عورتك، ثم صلِّ فيه. «سِنْدِي». واختلف العلماء في الذي يصلي في قميص واسع الجيب بحيث تُرى عورتُه منه؛ فذهب الشافعي وأصحابه إلى أن الصلاة باطلة لا تجزئه، وهو نصه في «الأم» «١/ ٧٨». وعند أبي حنيفة ومالك: تصح صلاته؛ كما لو رآها غيره من أسفل ذيله - كما في «المجموع» للنووي «٣/ ١٧٤ - ١٧٥» -. [أصل صفة الصلاة (١/ ١٦٧)]

стр. 1279

الصلاة في مِرط بعضه على الزوجة الحائض وكان يصلي في مِرْطٍ بعضُه على زوجه وهي حائض. [أصل صفة الصلاة (١/ ١٧٠)] الصلاة في الثوب الذي يصيب فيه أهله إذا لم ير فيه أذى وكان يصلي في الثوب الذي يصيب فيه أهله إذا لم يَرَ فيه أذىً. [أصل صفة الصلاة (١/ ١٧٠)] حكم الصلاة في فَرُّوج الحرير وكان يصلي المغرب في فَرُّوج من حرير - وهو القَباء -، فلما قضى صلاته؛ نزعه نزعاً شديداً كالكاره له، ثم ألقاه، ثم قال: «لا ينبغي هذا للمتقين». [أصل صفة الصلاة (١/ ١٧٠)] حكم الصلاة في خميصة فيها أعلام وقد صلى في خَمِيْصَةٍ لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف؛ قال: «اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جَهْمٍ، وائتوني بأنْبِجَانِيَّة أبي جهم؛ فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي «وفي رواية: فإني نظرتُ إلى عَلَمِها في الصلاة، فكاد يفتنني». [أصل صفة الصلاة (١/ ١٧٠)]

стр. 1280

المرأة تصلي بخمار وقال ﷺ : «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمِار». قوله: «حائض»؛ قال الترمذي: «يعني: المرأة البالغ، يعني: إذا حاضت»، قال: «والعمل عليه عند أهل العلم: أن المرأة إذا أدركت، فصلَّت وشيء من شعرها مكشوف؛ لا تجوز صلاتها. وهو قول الشافعي؛ قال: لا تجوز صلاة المرأة وشيء من جسدها مكشوف». قال الشافعي: وقد قيل: إن كان ظهر قدميها مكشوفاً؛ فصلاتها جائزة. قلت: وقال في «الأم» «١/ ٧٧»: «وكل المرأة عورة؛ إلا كفيها ووجهها». اهـ. وقد يحتج لذلك بما روي عن أم سلمة: أنها سألت النبي ﷺ : أتصلي المرأة في درع وخمار، وليس عليها إزار؟ قال: «إذا كان الدرع سابغاً؛ يغطي ظهور قدميها». ولكنه حديث ضعيف مرفوعاً. أخرجه أبو داود «١/ ١٠٤»، والحاكم «١/ ٢٥٠»، وعنه البيهقي «٢/ ٢٣٣» من طريق عثمان بن عمر: ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن محمد بن زيد بن قُنفُذ عن أمه عنها. وقال الحاكم: «صحيح على شرط البخاري». ووافقه الذهبي. قال أبو داود: «روى هذا الحديث مالك بن أنس، وبكر بن مضر، وحفص بن غياث، وإسماعيل ابن جعفر، وابن أبي ذئب، وابن إسحاق عن محمد بن زيد عن أمه عن أم سلمة. لم يذكر أحد منهم النبي ﷺ ؛ قصروا به على أم سلمة ﵂». قلت: فقد تفرد برفعه عبد الرحمن بن عبد الله هذا، وهو صدوق يخطئ - كما في «التقريب» -.

стр. 1281

وقال في «التلخيص» «٤/ ٨٩»: «وأعله عبد الحق بأن مالكاً وغيره رووه موقوفاً. وهو الصواب». [أصل صفة الصلاة (١/ ١٧١)] التنزه عن الصلاة في ثياب النساء مع الجواز عن عائشة مرفوعًا: «كان لا يصلّي في لُحُفِنا». [قال الإمام]: إن الحديث يدل على شرعية التنزه عن الصلاة في ثياب النساء التي تباشر أجسادهن، لكن لا يدل على عدم الجواز؛ لأنه خلاف الأصل، ولأحاديث أخرى تدل على الجواز، كحديث ميمونة ﵂: أن النبي ﷺ صلى في مرطٍ لبعض نسائه، وعليها بعضه، وهو مخرج في «صحيح أبي داود» «٣٩٥». وروى أحمد «٦/ ٢١٧» بسند صحيح عن عائشة ﵂ قالت: كان يصلي في الثوب الذي يجامع فيه. السلسلة الصحيحة (٧/ ٢/ ٩٥٤). جواز الصلاة في اللحاف الذي يتغطى به النائم عن راشد أبو محمد الحماني قال: رأيت أنس بن مالك عليه فرو أحمر فقال: «كانت لحفنا على عهد رسول الله ﷺ نلبسها ونصلي فيها». [قال الإمام]: وفي الحديث جواز الصلاة في اللحاف الذي يتغطى به النائم. ويشهد له الأحاديث التي فيها أن النبي ﷺ كان يصلي وعليه مرط، وعلى بعض أزواجه منه وهي حائض، وبعضها مخرج في «صحيح أبي داود» «٣٩٣ - ٣٩٤»، ولا يخالفها

стр. 1282

حديث عائشة فيه «٣٩٢»: كان لا يصلي في ملاحفنا لأنه محمول على الورع أو الاحتياط، خشية أن يكون فيها أذى لحديث معاوية ﵁ أنه سأل أخته أم حبيبة زوج النبي ﷺ : هل كان رسول الله ﷺ يصلي في الثوب الذي يجامعها فيه؟ فقالت: «نعم، إذا لم ير فيه أذى». أخرجه أصحاب السنن إلا الترمذي، وإسناده صحيح، وهو مخرج في «صحيح أبي داود» «٣٩٠». السلسلة الصحيحة (٦/ ١/ ٦٩٠). النهي عن اشتمال الصماء وصفته أورد الإمام حديث النهي عن اشتمال الصماء، ثم علق عليه فقال: أن يتغطى بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبه فتنكشف عورته. السلسلة الصحيحة (٦/ ٢/ ١١٧٥). ستر العورة في الصلاة ركن أم شرط، وحكم من انكشفت عورته خارج الصلاة مداخلة: سؤال، بالنسبة لانكشاف العورة يا شيخنا، نريد أن نُفصِّل: هل هو ركن أم شرط؟ وفي هذا التفصيل نقول مثلاً السؤال الأول: إذا إنسان عرف أنه كان مكشوف العورة، أو انكشفت عورته خلال الصلاة تبين له ذلك فيما بعد حيث نُبِّه، هل يعيدها إذا كان في وقت الصلاة أو في خارج وقتها؟ وإذا كان جاهلاً بالأمر وبَلَغه النص، فما التفصيل في ذلك؟ إن شاء الله جزاكم الله خيراً؟ الشيخ: طبعاً إذا كان جاهلاً بهذا الواقع ستكون صلاته صحيحة، لكن إذا كان .. عفواً، إذا كان لا يعلم الحكم، بأن انكشاف العورة تُبْطل الصلاة فنرجو أن يكون عفواً.

стр. 1283

أما إذا كان يعلم وصدر منه، كما نرى من بعض الناس يلبسون قمصان قصيرة، وحينما يركع أو يسجد تنكشف شيء من دبره، من عورته، فهذا ينبغي أن يُؤْمر بإعادة الصلاة؛ لأنه متهاون. أما ما جاء في ضمن السؤال: هل هو فرض أم هو شرط؟ فالحقيقة أن المسألة فيها خلاف، والفقهاء .. فقهاء المذاهب الأربعة وغيرهم يرون أن ستر العورة من شروط صحة الصلاة، لكن بعض المتأخرين: كالشوكاني وصديق حسن خان وغيرهما يرون أنه فرض وليس بشرط، وقلبي أمْيَل إلى قول الأئمة لسببين اثنين: السبب الأول: أن الأمر بستر العورة في الصلاة كأنه خاص ومن آداب الصلاة التي تتعلق بها لخصوصها. هناك قوله ﵇: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» وتصريح الرسول ﷺ في هذا الحديث بأن صلاة المرأة لا تصح حاسرة الرأس فيه إشارة إلى أن الصلاة يُشترط فيها ستر العورة؛ لأننا نعلم أن النساء شقائق الرجال، وأن أي حكم يصح أو يتعلق بالرجال فمثله يتعلق بالنساء إلا ما استُثْني، وبالعكس. كذلك إذا جاء حكم خاص بالنساء وبمثل هذا المكان الرأس وليس العورة الكبرى فيقول: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» ففيه إشعار إلى أن ستر العورة بعامة، كستر الرأس الذي هو جزء من العورة بالنسبة للمرأة، ثم يندعم هذا الاستنباط بحديث في صحيح البخاري: «لا يصلين أحدكم وليس على عاتقيه من ثوبه شيء» العاتقان من الرجل باتفاق العلماء ليس عورة، فإذا كان الرسول ﷺ يأمر الرجل بأن يستر في صلاته أدباً مع ربه ما ليس بعورة فمن باب أولى أن يأمره بستر ما هو عورة؛ ولذلك فالاقتصار فقط على القول بأن ستر العورة فرض وليس بشرط فيه إهمال لمثل هذا النص ولمثل ذلك الاستنباط. (الهدى والنور/٥٤٧/ ٢٨: ٥٣: ٠٠)

стр. 1284

وجوب ستر العورة وجوب ستر العورة وحدها: هي فرض من فروض الصلاة بالكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. والمراد: ستر العورة بدليل سبب النزول. قال ابن عباس: كانوا [في الجاهلية] يطوفون عراة: الرجال بالنهار والنساء بالليل وكانت المرأة [تطوف بالبيت وهي عريانة] [تخرج صدرها وما هناك] [فتقول: من يعيرني. تطوفا تجعله على فرجها و] تقول: اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله. فقال الله: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. وهذا الحديث أخرجه مسلم والنسائي وابن جرير في «تفسيره» والحاكم وعنه البيهقي من طرق عن شعبة عن سلمة بن كهيل عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عنه به. والسياق لابن جرير والزيادة الأولى للحاكم والثانية لمسلم والنسائي والرابعة للبيهقي في رواية والرابعة لمسلم أيضاً. وقال هشام بن عروة عن أبيه: كانت العرب تطوف بالبيت عراة إلا الحمس - والحمس قريش وما ولدت - كانوا يطوفون عراة إلا أن تعطيهم الحمس ثيابا فيعطي الرجال الرجال والنساء النساء. أخرجه مسلم. وفي طوفهم هذا نزل أيضا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَالله أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ الله لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨]. قاله مجاهد كما في «تفسير ابن كثير» فسمى الله تعالى طوافهم عراة:

стр. 1285

فاحشة. وهو قول أكثر المفسرين كما قال القرطبي وهو مشهور عن ابن عباس كما في «المجموع». هذا وقولنا والمراد ستر العورة متفق عليه بين العلماء كما نقله ابن حزم في «المحلى» وأقره الحافظ في «الفتح». «وأما السنة فمنها قوله ﷺ : «احفظ عورتك إلا من زوجك أو ما ما ملكت يمينك» وقوله: «لا تمشوا عراة». الحديث الأول سبق بتمامه مخرجا في «آداب الاغتسال». والحديث الثاني هو من رواية المسور بن مخرمة ﵁ قال: أقبلت بحجر أحمله ثقيل وعلي إزار خفيف قال: فانحل إزاري ومعي الحجر لم أستطع أن أضعه حتى بلغت به إلى موضعه فقال رسول الله ﷺ : «ارجع إلى ثوبك فخذه ولا تمشوا عراة». أخرجه مسلم. ومن طريقه ابن حزم وأبو داود والبيهقي من طريق يحيى بن سعيد الأموي عن عثمان بن حكيم عن أبي أمامة بن سهل عنه. وفي الباب: عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره فقال له العباس عمه: يا ابن أخي لو حللت إزارك فجعلته على منكبيك دون الحجارة قال: فحله فجعله على منكبيه فسقط مغشيا عليه فما رؤي بعد ذلك عريانا ﷺ . أخرجه البخاري ومسلم. ومن طريقه ابن حزم والبيهقي وأحمد من طريق زكريا بن إسحاق: ثنا عمرو بن دينار عنه. ثم أخرجه البخاري ومسلم وأحمد عن ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن دينار به نحوه بلفظ: فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء ثم قام فقال: «إزاري إزاري فشد عليه إزاره».

стр. 1286

وكذلك أخرجه البيهقي وابن حزم. وله شاهد من حديث أبي الطفيل وذكر بناء الكعبة في الجاهلية قال: فهدمتها قريش وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي تحملها قريش على رقابها فرفعوها في السماء عشرين ذراعا فبينا النبي ﷺ يحمل حجارة من أجياد وعليه نمرة فضاقت عليه النمرة فذهب يضع النمرة على عاتقه فيرى عورته من صغر النمرة فنودي: يا محمد خمر عورتك. فلم ير عريانا بعد ذلك. هكذا أخرجه أحمد: ثنا عبد الرزاق: أنا معمر عن ابن خثيم عنه. وهذا سند صحيح رجاله كلهم رجال مسلم. وقد أورده الحافظ في «الفتح» مطولا وقال: أخرجه عبد الرزاق. ومن طريقه الحاكم والطبراني. وهو في «المستدرك» وصححه ووافقه الذهبي. وهذه الأحاديث - وكذا الآية - فيها دليل على وجوب ستر العورة في الصلاة وخارجها: أما وجوب سترها خارج الصلاة فمتفق عليه وقد نقل الاتفاق هذا ابن رشد في «البداية» ونقل النووي في «المجموع» الإجماع عليه. وأما وجوب سترها في الصلاة فمختلف فيه فالجمهور على وجوب ذلك وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وداود وابن حزم. قال في «البداية»: «وظاهر مذهب مالك أنها من سنن الصلاة». وإلى هذا ذهب إسماعيل القاضي كما في «تفسير القرطبي» وهذا مذهب ضعيف ترده تلك الأوامر الصريحة بستر العورة والصلاة أحق بذلك كما لا يخفى. هذا ومما ذكرنا تعلم أن قول ابن حزم في مراتب الإجماع: «واتفقوا أن ستر العورة فيها لمن قدر على ثوب مباح لباسه له فرض» ليس بصواب نقل الاتفاق هذا.

стр. 1287

ثم إن الذين ذهبوا إلى وجوبها في الصلاة جعلو ذلك شرطا من شروط صحة الصلاة فمن صلى عاريا فصلاته باطلة عندهم. قال النووي: «وقال بعض أصحاب مالك: ستر العورة واجب وليس بشرط فإن صلى مشكوفها صحت صلاته سواء تعمد أو سها». قلت: وهذا هو الحق إن ذلك واجب غير شرط فإن الشرطية تتطلب دليلا زائدا على مجرد الأمر ولم نجد لمن قال بالشرطية أي دليل اللهم إلا ما ذكره النووي حيث قال: «دليلنا أنه ثبت وجوب الستر بحديث عائشة: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار» .. ويأتي. قال: «ولا فرق بين الرجل والمرأة بالاتفاق». وهذا الحديث كما ترى خاص بالنساء لكن النووي قاس عليهن الرجال وهو قياس فاسد الاعتبار لوجود الفرق الواضح بين عورة الرجل وعورة المرأة كما لا يخفى. وقد أجاد في هذا الصدد الشوكاني في «النيل» فإنه بعد أن ذكر ما احتج به الجمهور في إثبات الشرطية من الأحاديث السابقة قال: «ويجاب عن هذه الأدلة بأن غايتها إفادة الوجوب وأما الشرطية التي يؤثر عدمها في عدم المشروط فلا تصلح للاستدلال بها عليها لأن الشرط حكم وضعي شرعي لا يثبت بمجرد الأوامر نعم يمكن الاستدلال للشرطية بحديث الباب «يعني حديث عائشة» لكن لا يصفو الاستدلال بذلك عن شوب كدر لأنه أولا يقال: نحن نمنع أن نفي القبول يدل على الشرطية لأنه قد نفى القبول عن صلاة الآبق ومن في جوفه الخمر ومن يأتي عرافا مع ثبوت الصحة بالإجماع. وثانيا: بأن غاية ذلك أن الستر شرط لصحة صلاة المرأة وهو أخص من الدعوى وإلحاق الرجال بالنساء لا يصح ههنا لوجود الفارق وهو ما في تكشف المرأة من الفتنة وهذا معنى لا يوجد في عورة الرجل. وثالثا: بحديث سهل بن سعد عند الشيخين وأبي داود والنسائي بلفظ: كان الرجال يصلون مع النبي ﷺ عاقدين أزرهم على أعتاقهم كهيئة الصبيان ويقال

стр. 1288

للنساء: لا ترفعن رؤوسكن حتى تستوي الرجال جلوسا. زاد أبو داود: من ضيق الأزر. وهذا يدل على عدم وجوب الستر فضلا عن شرطيته. ورابعا: بحديث عمرو بن سلمة وفيه: فكنت أؤمهم وعلي بردة مفتوقة فكنت إذا سجدت تقلصت عني وفي رواية: خرجت استي فقالت امرأة من الحي: ألا تغطوا عنا است قارئكم ... الحديث أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي. فالحق أن ستر العورة في الصلاة واجب فقط كسائر الحالات لا شرط يقتضي تركه عدم الصحة. وقد احتج القائلون بعدم الشرطية على مطلوبهم بحجج فقهية واهية منها قولهم: لو كان الستر شرطا في الصلاة لاختص بها ولافتقر إلى النية، والأول منقوض بالإيمان فهو شرط في الصلاة ولا يختص بها، والثاني باستقبال القبلة فإنه غير مفتقر إلى النية، والثالث بالعجز عن القراءة والتسبيح فإنه يصلي ساكتا. انتهى كلامه ﵀. [الثمر المستطاب (١/ ٢٤٧)]. العورة من الرجل هي السوأتان فقط و[العورة] من الرجل السوأتان فقط وعليهما تنصب الأدلة السابقة». وكون السوأتين من العورة متفق عليه بين العلماء كما في «مراتب الإجماع» لابن حزم. في المجموع: «قال أهل اللغة: سميت العورة لقبح ظهورها ولغض البصر عنها مأخوذة من العور وهو النقص والعيب والقبح ومنه عور العين والكلمة العوراء: القبيحة». ومما لا شك فيه أن هذا المعنى لا يتحقق إلا في السوأتين فقط وأما غيرهما من الفخذ والسرة والركبة فلا يتحقق هذا المعنى فيها بوضوح ولذلك اختلف فيها العلماء والحق ما ذكرنا لما يأتي.

стр. 1289

«وأما الفخذ والركبة والسرة فليست من العورة المحرمة لأن النبي ﷺ تعمد كشفها في مناسبات شتى بمحضر من الناس ولو كانت عورة محرمة لما كشفها. قالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ مضطجعا في بيته كاشفا عن فخذيه فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال ثم استأذن عمر فأذن له وهو كذلك فتحدث ثم استأذن عثمان فجلس النبي ﷺ يسوي ثيابه فدخل فتحدث فلما خرج قالت له عائشة: دخل أبو بكر فلم تجلس ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك فقال: «ألا أستحيي ممن تستحيي منه الملائكة». وهذا حديث صحيح. «وعن أنس أن رسول الله ﷺ غزا خيبر فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس فركب نبي الله ﷺ وركب أبو طلحة وأنا رديف أبي طلحة فأجرى نبي الله ﷺ في زقاق خيبر وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله ﷺ ثم حسر الإزار عن فخذه حتى إني لأنظر إلى بياض فخذ النبي ﷺ .... الحديث». أخرجه البخاري. وقد ذهب إلى هذه المسألة - أن العورة السوأتان فقط - الظاهرية وهو رواية عن أحمد ومالك كما في «الفتح» عن النووي وذكره في «شرح مسلم» عن أصحاب مالك. وبه قال أبو سعيد الإصطخري من الشافعية واختاره السيوطي كما يأتي. قال ابن حزم: «وهو قول ابن أبي ذئب وسفيان الثوري وأبي سليمان وبه نأخذ» قال: «وهو قول جمهور السلف». ثم روى عن جبير بن الحويرث قال: رأيت أبا بكر الصديق واقفا على قزح يقول: يا أيها الناس أصبحوا وإني لأنظر إلى فخذه قد انكشف. ورواه البخاري عن موسى بن أنس بن مالك فذكر يوم اليمامة فقال: أتى أنس إلى ثابت بن قيس بن الشماس وقد حسر عن فخذيه وهو يتحنط - يعني من الحنوط للموت.

стр. 1290

وقال عطاء بن السائب: دخلت على أبي جعفر - هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب - وهو محموم وقد كشف عن فخذيه .... وذكر الخبر. ومن الحجة لهؤلاء حديث عائشة وحديث أنس هذا والاستدلال بالأول ظاهر لأن فيه أنه ﵇ كشف عن فخذيه قصدا وأما حديث أنس فوجه الاستدلال به ظاهر أيضا على رواية البخاري: ثم حسر الإزار. فإن مفاده أنه فعل ذلك أيضا عمدا إلا أن يخرج على هذا رواية الآخرين: وانحسر الإزار فإن ظاهرهما أن الإزار انحسر بنفسه لكن قال الحافظ: «يمكن الاستدلال على أن الفخذ ليست بعورة من جهة استمراره على ذلك لأنه وإن جاز وقوعه من غير قصد لكن لو كانت عورة لم يقر على ذلك لمكان عصمته ﷺ ولو فرض أن ذلك وقع لبيان التشريع لغير المختار لكان ممكنا لكن فيه نظر من جهة أنه كان يتعين حينئذ البيان عقبه كما في قضية السهو في الصلاة وسياقه عند أبي عوانة والجوزقي من طريق عبد الوارث عن عبد العزيز ظاهر في استمرار ذلك ولفظه: فأجرى رسول الله في زقاق خيبر وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله ﷺ وإني لأرى بياض فخذيه». قال: «وظاهر قول أنس هذا أن المس كان بدون الحائل ومس العورة بدون الحائل لا يجوز» (١). وقال ابن حزم: «فصح أن الفخذ ليس عورة ولو كانت عورة لما كشفها الله عن رسوله ﷺ المطهر المعصوم من الناس في حالة النبوة والرسالة ولا أراها أنس ابن مالك ولا غيره وهو تعالى قد عصمه من كشف العورة في حال الصبا وقبل النبوة» ثم روى من طريق مسلم حديث جابر المتقدم الذي فيه: فما رئي بعد ذلك عريانا.

стр. 1291

وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أن الفخذ عورة واحتجوا بحديث: «الفخذ عورة» وأجابوا عن حديث عائشة بما في رواية مسلم من التردد بين كون المكشوف هو الفخذ أو الساق فقال في «المجموع»: «لا دلالة فيه على أن الفخذ ليس بعورة لأنه مشكوك في المكشوف». قلت: قد بينا أن سائر الروايات في هذه القصة تقطع بأن المكشوف هو الفخذ فيجب حمل رواية مسلم عليها. ثم قال النووي: «قال أصحابنا: لو صح الجزم بكشف الفخذ تأولناه على أن المراد كشف بعض ثيابه لا كلها قالوا: ولأنها قضية عين فلا عموم لها ولا حجة فيها». قلت: الحجة فيها من حيث أن ذلك العمل هو من نبينا ﷺ الذي هو أسوتنا وقدوتنا في كل شيء إلا ما استثناه الدليل لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] ولا يصح دليل التخصيص كما يأتي فيبقى دليل الاقتداء به ﷺ في هذا الخصوص عاما شاملا لأمته فيثبت المطلوب. وأما تأويل ذلك بأنه كشف بعض ثيابه. فلا يغني فتيلا لأن فيه التسليم بأنه كشف عن بعض فخذه فإن كان عورة فكيف يجوز الكشف عن بعضها، وإذا كان مراد النووي من ذلك أنه يجوز الكشف عن البعض دون الكل فهو خالف مذهبه حيث قال: «فإن انكشف شيء من عورة المصلي لم تصح صلاته سواء أكثر المنكشف أم قل ولو كان أدنى جزء وسواء هذا في الرجل والمرأة ... » إلخ. وأجابوا عن حديث أنس بأن الإزار انكشف بنفسه عن فخذه ﵇ دون قصده كما تفيده رواية مسلم: انحسر. لكن الحديث يفيد جواز الكشف من وجهة أخرى وهي استمراره ﷺ على الكشف كما سبق عن الحافظ وكذلك قول أنس: وإني لأرى بياض فخذيه. يدل على أنه لم يكن من المحرم عندهم النظر إلى الفخذ وإلا لما نظر إليه أنس ﵁ وإذ الأمر كذلك فيدل على أنه ليس بعورة وهو المطلوب.

стр. 1292

فثبت بما ذكرنا أن كل ما أوردوه على الحديثين غير وارد عند التحقيق. على أنه قد جاءت أحاديث أخرى في الباب لكنها دونهما في الدلالة على المطلوب فمنها حديث أبي العالية البراء قال: إن عبد الله بن الصامت ضرب فخذي وقال: إني سألت أبا ذر فضرب فخذي كما ضرب فخذك وقال: إني سألت رسول الله ﷺ كما سألتني فضرب فخذي كما ضرب فخذك وقال: «صل الصلاة لوقتها فإن أدركتك الصلاة معهم فصل ولا تقل: إني قد صليت فلا أصلي». أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» ومسلم وعنه ابن حزم وقال: فلو كانت الفخذ عورة لما مسها رسول الله ﷺ من أبي ذر اصلا بيده المقدسة ولو كانت الفخذ عند أبي ذر عورة لما ضرب عليها بيده وكذلك عبد الله بن الصامت وأبي العالية - كذا - وما يستحل مسلم أن يضرب بيده على ذكر إنسان على الثياب ولا على حلقة دبر الإنسان على الثياب ولا بدن امرأة أجنبية على الثياب البتة وقد منع رسول الله ﷺ من القود من الكسعة وهي ضرب الإليتين على الثياب بباطن القدم وقال: «دعوها فإنها منتنة». ومنها حديث زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ أملى عليه: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله﴾ [النساء: ٩٥] قال: فجاءه ابن أم مكتوم وهو يملها علي فقال: يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت - وكان رجلا أعمى - فأنزل الله ﵎ على رسول الله ﷺ وفخذه على فخذي فثقلت علي حتى خفت أن ترض فخذي ثم سري عنه فأنزل الله : ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾. أخرجه البخاري والنسائي والترمذي وقال: «حسن صحيح» وأحمد عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب قال: ثني سهل بن سعد عن مروان بن الحكم عنه. وكذا رواه الطحاوي في «المشكل» عن صالح وتابعه عن ابن شهاب: عبد الرحمن بن إسحاق. أخرجه النسائي والطبري كما في «الفتح».

стр. 1293

وخالفهما معمر فقال: عن الزهري عن قبيضة بن ذؤيب عن زيد بن ثابت أخرجه أحمد. ولعل الزهري له فيه إسنادان. والله أعلم. وللحديث طريق أخرى عنه. رواه أبو داود والطحاوي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وأحمد عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد عن زيد بن ثابت به. وقد علق البخاري هذا الحديث في باب ما يذكر في الفخذ كما علق فيه حديث أنس السابق الذكر مشيرا بذلك إلى أن الفخذ ليس بعورة ولذلك قال الشيخ محمد أنور الكشميري في «فيض الباري»: «والذي يظهر من صنيع المصنف ﵁ أنه مال إلى مذهب مالك ﵁ وحمل ما ذهب إليه الحنفية على الاحتياط». وأما حديث: «الفخذ عورة». فحديث ضعيف أشار إلى ضعفه البخاري في «صحيحه» فقال: ويذكر عن ابن عباس وجرهد ومحمد بن جحش عن النبي ﷺ : «الفخذ عورة». ولابد هنا من أن نتكلم بتوسع على علل هذا الحديث ليتحقق القارئ من أنه لا يقوى على معارضة تلك الأحاديث المفيدة بأن الفخذ ليس بعورة فنقول [ثم فصل الإمام الكلام على ضعفه فراجعه في الأصل]. [ثم قال الإمام]: «وعن أبي موسى أن النبي ﷺ كان قاعدا في مكان فيه ماء قد كشف عن ركبتيه أو ركبتيه فلما دخل عثمان غطاها». أخرجه البخاري. وفي الباب أحاديث أخرى [انظرها في الأصل]. [ثم قال الإمام]: وفي هذه الأحاديث: أن الركبة ليست بعورة وذلك لأمرين: الأول: أن رسول الله ﷺ كشفها بدون ضرورة.

стр. 1294

وقول الشوكاني: «إن الاحتجاج بالحديث أن الركبة ليست بعورة لا يتم لأن الكشف كان لعذر الدخول في الماء وأيضا تغطيتها من عثمان مشعر بأنها عورة وإن أمكن تعليل التغطية بغير ذلك فغاية الأمر الاحتمال» مردود. أما أولا: فلأن الحديث ينص على أنه ﵊ كان قاعدا في مكان فيه ماء فكشف عن ركبتيه. وهذا معناه أنه ﷺ كان جالسا مدليا رجليه في الماء وعليه فأي عذر في الكشف عن الركبتين فيما لو كانتا من العورة أليس كان باستطاعة النبي ﷺ أن يكتفي بإدلاء الساقين دون الكشف عن العورة؟ ويدلك على المعنى الذي ذهبت إليه أن الإمام أحمد أخرج الحديث من طريق أخرى عن أبي موسى: أن رسول الله ﷺ كان في حائط بالمدينة على قف البئر «أي: الدكة التي تجعل حولها» مدليا رجليه فدق الباب أبو بكر ... الحديث. ورواه مسلم نحوه من طريق ثالثة بلفظ: وتوسط قفها وكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر. ولا تعارض بين هذه الرواية وبين رواية البخاري المصرح بالكشف عن الركبة لأنها تتضمن الزيادة من ثقة وهي مقبولة اتفاقا كما أنه لا تعارض بين رواية البخاري هذه وبين رواية عائشة وغيرها المصرحة بالكشف عن الفخذ للسبب نفسه وهذا على اعتبار أن القصة واحدة وأما إذا كانت متعددة فلا إشكال. وأما ثانيا: فلأن تغطيتها عن عثمان إنما هي معاملة منه ﷺ خاصة به ﵁ لشدة حيائه كما غطى ﷺ منه فخذيه كما سبق وذلك لا يدل مطلقا على أنه إنما غطاها لأنها عورة كيف ذلك وقد كشفها ﵊ أمام غير عثمان كما هو صريح حديث عائشة وغيرها وكما هو الظاهر من حديث أبي موسى هذا فإنه يروي القصة شاهد عيان أعني أنه ﵇ لم يغطها من أبي موسى كما غطاها من عثمان. هذا ما ظهر من التعقيب على كلام الشوكاني. ولو افترضنا أن كلامه صحيح فالدليل على أن الركبة ليست بعورة هو الأمر الثاني: وهو كشف أبي بكر عن ركبتيه وكذلك عمرو بن زرارة بحضرته عليه

стр. 1295

السلام ولم ينكر عليهما ولو كان عورة لأنكر ذلك ﷺ كما أنكر على جرهد الأسلمي حين مر عليه وقد انكشف فخذه فقال: ﷺ : «غط فخذك فإن الفخذ عورة» لو صح الحديث ولم يصح كما سبق بيانه ذلك مفصلا فدل سكوته ﵇ على ذلك أن الركبة ليست بعورة ولذلك قال الحافظ في شرح حديث أبي الدرداء: «وفيه أن الركبة ليست عورة». وهناك دليل ثالث: وهو أن حمزة ﵁ صعد النظر إلى ركبة النبي ﷺ . ففيه - علاوة عن كشفه ﵇ نظر غيره إلى ركبته ولو كانت عورة لما أطلق حمزة ولا غيره على النظر إليها كما قال ابن حزم مثله في السرة على ما يأتي. فالحق أن هذه قائمة على أن الركبة ليست بعورة وبهذا قال الشافعي قال النووي: «وهو المشهور من مذهبنا وبه قال مالك وطائفة ورواية عن أحمد وقال أبو حنيفة وعطاء: إنها عورة». وهذا قول ضعيف مخالف لتلك الأحاديث الصحيحة. وقد عارضها الطحاوي بما أخرجه في «المشكل» قال: ثنا علي ابن أبي شيبة: ثنا يزيد بن هارون: ثنا حماد بن سلمة عن حكيم الأثرم عن أبي تميمة الهجيمي: سمعت أبا موسى الأشعري يقول: لا أعرفن أحدا نظر من جارية إلا ما فوق سرتها وأسفل من ركبتها لا أعرفن أحدا فعله إلا عاقبته. قال أبو جعفر: «فجاز بما قد ذكرنا أن يضاد بهذا الحديث الأحاديث التي ذكرناها قبله المخالفة له». وأشار بقوله: «بما قد ذكرنا» إلى كلامه الذي قدم به لهذا الحديث وهو قوله: «ووجدنا أبا موسى الأشعري قد روي عنه من كلامه كلام قد خلطه بوعيد لمن خالفه ممن لا يجوز أن يكون قاله رأيا لأن الوعيد لا يكون فيما قد قيل بالرأي مما قد يجوز لغير قائله أن يقول بخلاف ما قد خالف هذا المعنى».

стр. 1296

وهذا كما ترى فإنه يزعم أن الحديث وإن كان موقوفا فله حكم المرفوع لما فيه من الوعيد الذي لا يقال - بزعمه - بالرأي المجرد. وهذا غير لازم في الأحكام بل يجوز الوعيد على أمر وصل إليه المرء باجتهاده وإن كان قد يحتمل أن يكون فيه مخطئا. وبالجملة فالاحتجاج بهذا الحديث على أن الركبة عورة لا يصح لأمور: أولا: أنه موقوف. ثانيا: أنه معارض لما هو أصح منه. ثالثا: أنه وارد في الأمة فهو أخص من الدعوة. وقد اختلفوا في عورة الأمة على أقوال كثيرة ربما يأتي ذكرها أصحها دليلا أنها كالحرة لا فرق بينهما. وإن صنيع الطحاوي هذا في قياس الرجل الحر وغيره على الأمة في أن الركبة عورة يشبه تماما قياس النووي الرجل أيضا على المرأة في بطلان صلاة مكشوف العورة، وقد سبق الرد عليه بما فيه كفاية. ولعله لم يعرج صاحب «الهداية» وغيره من الفقهاء على حديث أبي موسى لما فيه من الأمور التي ذكرنا وإنما احتجوا بحديث: «الركبة عورة». وهذا لو صح لكان دليلا واضحا لهم ولكنه لا يصح بل هو متفق على ضعفه. [ثم دلل على ضعفه]. - «وعن علي بن أبي طالب ﵁ في حديث له يقول فيه: فنظر حمزة إلى رسول الله ﷺ ثم صعد النظر فنظر إلى ركبتيه ثم صعد النظر فنظر إلى سرته ... الحديث». أخرجه البخاري ومسلم. [ثم ساق الإمام لفظه بتمامه ثم قال: ] والحديث واضح الدلالة على أن السرة ليست بعورة ذلك لأن الرسول كشفها ولأن غيره نظره إليها. قال ابن حزم: «فلو كانت السرة عورة لما أطلق الله حمزة ولا غيره على النظر إليها».

стр. 1297

وقد ذهب إلى أن السرة ليست بعورة: أبو حنيفة والشافعي وهو المشهور من مذهب أصحابه. وقد حكى بعضهم الإجماع على ذلك. وفيه نظر. وفي الباب أحاديث أخرى [تراجع في الأصل]. [الثمر المستطاب (١/ ٢٥٤)]. ينبغي على المصلي في الصلاة أن يتخذ قدرًا زائدا على ستر العورة غير أنه ينبغي له في الصلاة قدر زائد على ستر العورة لعموم قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. قال شيخ الإسلام في الاختيارات «٤/ ٢٤»: «والله تعالى أمر بقدر زائد على ستر العورة في الصلاة فقال «خذوا زينتكم عند كل مسجد» فعلق الأمر باسم الزينة لا بستر العورة إيذانا بأن العبد ينبغي له أن يلبس أزين ثيابه وأجملها في الصلاة». قال تلميذه الحافظ ابن كثير في تفسير الآية المذكورة: «ولهذه الآية وما ورد في معناها من السنة يستحب التجمل عند الصلاة ولا سيما يوم الجمعة ويوم العيد والطيب لأنه من الزينة والسواك لأنه من تمام ذلك. ومن أفضل اللباس البياض. ثم ذكر الحديث الوارد في الأمر بالبياض من الثياب ولعله يأتي» ثم قال: «وروى الطبراني بسند صحيح عن قتادة عن محمد بن سيرين أن تميمًا. الداري اشترى رداء بألف وكان يصلي فيه». «وقد أكد ذلك النبي ﷺ وبينه فنهى أن يصلي الرجل في سراويل وليس عليه رداء».

стр. 1298

وهذا الحديث أخرجه أبو داود والطحاوي والحاكم وعنه البيهقي عن أبي المنيب عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يصلي الرجل في لحاف لا يتوشح به ونهى أن يصلي الرجل في سراويل ... » إلخ. وهذا إسناد حسن. «الرداء»: قال في «النهاية»: «هو الثوب أو البرد الذي يضعه الإنسان على عاتقيه وبين كتفيه فوق ثيابه». وفي «المنجد»: «الرداء: ما يلبس فوق الثياب كالعباءة والجبة». «وذلك لما فيه من ترك التزين المأمور به كما قال ﷺ : «إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه فإن الله أحق أن يتزين له ... » الحديث». وتمام الحديث: «فإن لم يكن له ثوبان فليتزر إذا صلى ولا يشتمل أحدكم في صلاته اشتمال اليهود». وهو من حديث ابن عمر ﵁ [وإسناده صحيح]. [الثمر المستطاب (١/ ٢٨٤)]. حدود العورة للرجل [قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]: ومن شروط الصلاة قوله في بحث ستر العورة بعد أن ساق أدلة الفريقين: «وللناظر في هذا أن يختار أي الرأيين وإن كان الأحوط أن يستر المصلي ما بين سرته إلى ركبته ما أمكن ... ». قلت: فيه أمور لا بد من تحرير القول فيها:

стр. 1299

الأول: أن الأخذ بالأحوط ليس بالأمر الواجب وإنما هو من باب الورع وليس كل مكلف يرغب أن يكرن ورعا كما لا يخفى. الثاني: أن المؤلف قيد ذلك بالصلاة فمفهومه أن ذلك ليس من الأحوط خارج الصلاة وفيه ما سيأتي بيانه. الثالث: أن الاختيار الذي أشار إليه ينبغي أن يكون قائما على قواعد علم أصول الفقه لكي لا يكون الاختيار كيفيا تابعا للعادات والأهواء. ومن الواضح لدى كل ناظر في الأدلة التي ساقها المؤلف أن أدلة القائلين بأن الفخذ ليس بعورة فعلية من جهة ومبيحة من جهة أخرى وأدلة القائلين بأنه عورة قولية من جهة وحاظرة من جهة أخرى ومن القواعد الأصولية التي تساعد على الترجيح بين الأدلة والاختيار بعيدا عن الهوى والغرض قاعدتان: الأولى: الحاظر مقدم على المبيح. والأخرى: القول مقدم على الفعل لاحتمال الخصرصية وغيرها مع أن الفعل في بعض الأدلة المشار إليها لا يظهر فيها أنه كان مقصودا متعمدا كحديث أنس وأثر أبي بكر. أضعف إلى ذلك أنها وقائع أعيان لا عموم لها بخلاف الأدلة القولية فهي شريعة عامة وعليها جرى عمل المسلمين سلفا وخلفا بحيث لا نعلم أن أحدا منهم كان يمشي أو يجلس كاشفا عن فخذيه كما يفعل بعض الكفار اليوم ومن يقلدهم من المسلمين الذين يلبسون البنطلون الذي يسمونه بالشورت وهو التبان في اللغة. ولهذا فلا ينبغي التردد في كون الفخذ عورة ترجيحا للأدلة القولية فلا جرم أن ذهب إليه أكثر العلماء وجزم به الشوكاني في «نيل الأوطار» ٢/ ٥٢ - ٥٣ و «السيل الجرار» ١/ ١٦٠ - ١٦١.

стр. 1300

نعم يمكن القول بأن عورة الفخذين أخف من عورة السوأتين وهو الذي مال إليه ابن القيم في «تهذيب السنن» كما كنت نقلته عنه في «الإرواء» ١/ ٣٠١.وحينئذ فمس الفخذ الذي وقع في حديث أبي ذر والظاهر أنه من فوق الثوب ليس كمس السوأتين خلافا لما قعقع حوله ابن حزم ونقله المؤلف عنه وأقره! بقي شيء وهو أن المؤلف قرن الركبة والسرة مع الفخذ ثم لم يذكر الدليل عليهما والواقع أنه لا يصح في ذلك شيء كما بينه الشوكاني ٢/ ٥٥ بل ينفى ذلك قوله ﷺ : «ما بين السرة والركبة عورة» وهو حديث حسن كما بينته في «الإرواء» ٢٤٧ و ٢٧١ إلى أحاديث أخرى بمعناه فراجع الشوكاني إن شئت. [تمام المنة ص (١٥٩)] وجوب ستر بعض ما ليس بعورة من البدن في الصلاة [قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]: قوله تحت عنوان: ما يجب من الثياب وما يستحب منها: «وعن بريدة قال: نهى رسول الله ﷺ أن يصلي الرجل في ... سراويل وليس عليه رداء. رواه أبو داود والبيهقي». قلت: وإسناده حسن كما حققته في «صحيح أبي داود» ٦٤٦. وفي الحديث دلالة على أنه يجب على المصلي أن يستر من بدنه ما ليس بعورة وهو القسم الأعلى منه وذلك إن وجد كما يدل عليه حديث ابن عمر وغيره وظاهر النهي يفيد بطلان الصلاة ويؤكد ذلك قوله ﷺ : «لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه وفي رواية: عاتقيه» وفي أخرى: منكبيه منه شيء». رواه الشيخان وأبو داود وغيرهم وهو مخرج في «الإرواء» ٢٧٥ و «صحيح أبي داود» ٦٣٧.
следующие страницы →