وهذا كما ترى فإنه يزعم أن الحديث وإن كان موقوفا فله حكم المرفوع لما فيه من الوعيد الذي لا يقال - بزعمه - بالرأي المجرد. وهذا غير لازم في الأحكام بل يجوز الوعيد على أمر وصل إليه المرء باجتهاده وإن كان قد يحتمل أن يكون فيه مخطئا.
وبالجملة فالاحتجاج بهذا الحديث على أن الركبة عورة لا يصح لأمور:
أولا: أنه موقوف.
ثانيا: أنه معارض لما هو أصح منه.
ثالثا: أنه وارد في الأمة فهو أخص من الدعوة. وقد اختلفوا في عورة الأمة على أقوال كثيرة ربما يأتي ذكرها أصحها دليلا أنها كالحرة لا فرق بينهما.
وإن صنيع الطحاوي هذا في قياس الرجل الحر وغيره على الأمة في أن الركبة عورة يشبه تماما قياس النووي الرجل أيضا على المرأة في بطلان صلاة مكشوف العورة، وقد سبق الرد عليه بما فيه كفاية.
ولعله لم يعرج صاحب «الهداية» وغيره من الفقهاء على حديث أبي موسى لما فيه من الأمور التي ذكرنا وإنما احتجوا بحديث: «الركبة عورة». وهذا لو صح لكان دليلا واضحا لهم ولكنه لا يصح بل هو متفق على ضعفه. [ثم دلل على ضعفه].
- «وعن علي بن أبي طالب ﵁ في حديث له يقول فيه: فنظر حمزة إلى رسول الله ﷺ ثم صعد النظر فنظر إلى ركبتيه ثم صعد النظر فنظر إلى سرته ... الحديث».
أخرجه البخاري ومسلم. [ثم ساق الإمام لفظه بتمامه ثم قال: ]
والحديث واضح الدلالة على أن السرة ليست بعورة ذلك لأن الرسول كشفها ولأن غيره نظره إليها. قال ابن حزم: «فلو كانت السرة عورة لما أطلق الله حمزة ولا غيره على النظر إليها».
стр. 1297
وقد ذهب إلى أن السرة ليست بعورة: أبو حنيفة والشافعي وهو المشهور من مذهب أصحابه. وقد حكى بعضهم الإجماع على ذلك. وفيه نظر.
وفي الباب أحاديث أخرى [تراجع في الأصل].
[الثمر المستطاب (١/ ٢٥٤)].
ينبغي على المصلي في الصلاة أن يتخذ قدرًا زائدا على ستر العورة
غير أنه ينبغي له في الصلاة قدر زائد على ستر العورة لعموم قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾.
قال شيخ الإسلام في الاختيارات «٤/ ٢٤»:
«والله تعالى أمر بقدر زائد على ستر العورة في الصلاة فقال «خذوا زينتكم عند كل مسجد» فعلق الأمر باسم الزينة لا بستر العورة إيذانا بأن العبد ينبغي له أن يلبس أزين ثيابه وأجملها في الصلاة».
قال تلميذه الحافظ ابن كثير في تفسير الآية المذكورة:
«ولهذه الآية وما ورد في معناها من السنة يستحب التجمل عند الصلاة ولا سيما يوم الجمعة ويوم العيد والطيب لأنه من الزينة والسواك لأنه من تمام ذلك. ومن أفضل اللباس البياض. ثم ذكر الحديث الوارد في الأمر بالبياض من الثياب ولعله يأتي» ثم قال: «وروى الطبراني بسند صحيح عن قتادة عن محمد بن سيرين أن تميمًا.
الداري اشترى رداء بألف وكان يصلي فيه».
«وقد أكد ذلك النبي ﷺ وبينه فنهى أن يصلي الرجل في سراويل وليس عليه رداء».
стр. 1298
وهذا الحديث أخرجه أبو داود والطحاوي والحاكم وعنه البيهقي عن أبي المنيب عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال:
«نهى رسول الله ﷺ أن يصلي الرجل في لحاف لا يتوشح به ونهى أن يصلي الرجل في سراويل ... » إلخ.
وهذا إسناد حسن.
«الرداء»: قال في «النهاية»: «هو الثوب أو البرد الذي يضعه الإنسان على عاتقيه وبين كتفيه فوق ثيابه».
وفي «المنجد»: «الرداء: ما يلبس فوق الثياب كالعباءة والجبة».
«وذلك لما فيه من ترك التزين المأمور به كما قال ﷺ : «إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه فإن الله أحق أن يتزين له ... » الحديث».
وتمام الحديث: «فإن لم يكن له ثوبان فليتزر إذا صلى ولا يشتمل أحدكم في صلاته اشتمال اليهود».
وهو من حديث ابن عمر ﵁ [وإسناده صحيح].
[الثمر المستطاب (١/ ٢٨٤)].
حدود العورة للرجل
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:
ومن شروط الصلاة
قوله في بحث ستر العورة بعد أن ساق أدلة الفريقين: «وللناظر في هذا أن يختار أي الرأيين وإن كان الأحوط أن يستر المصلي ما بين سرته إلى ركبته ما أمكن ... ».
قلت: فيه أمور لا بد من تحرير القول فيها:
стр. 1299
الأول: أن الأخذ بالأحوط ليس بالأمر الواجب وإنما هو من باب الورع وليس كل مكلف يرغب أن يكرن ورعا كما لا يخفى.
الثاني: أن المؤلف قيد ذلك بالصلاة فمفهومه أن ذلك ليس من الأحوط خارج الصلاة وفيه ما سيأتي بيانه.
الثالث: أن الاختيار الذي أشار إليه ينبغي أن يكون قائما على قواعد علم أصول الفقه لكي لا يكون الاختيار كيفيا تابعا للعادات والأهواء.
ومن الواضح لدى كل ناظر في الأدلة التي ساقها المؤلف أن أدلة القائلين بأن الفخذ ليس بعورة فعلية من جهة ومبيحة من جهة أخرى وأدلة القائلين بأنه عورة قولية من جهة وحاظرة من جهة أخرى
ومن القواعد الأصولية التي تساعد على الترجيح بين الأدلة والاختيار بعيدا عن الهوى والغرض قاعدتان:
الأولى: الحاظر مقدم على المبيح.
والأخرى: القول مقدم على الفعل لاحتمال الخصرصية وغيرها مع أن الفعل في بعض الأدلة المشار إليها لا يظهر فيها أنه كان مقصودا متعمدا كحديث أنس وأثر أبي بكر. أضعف إلى ذلك أنها وقائع أعيان لا عموم لها بخلاف الأدلة القولية فهي شريعة عامة وعليها جرى عمل المسلمين سلفا وخلفا بحيث لا نعلم أن أحدا منهم كان يمشي أو يجلس كاشفا عن فخذيه كما يفعل بعض الكفار اليوم ومن يقلدهم من المسلمين الذين يلبسون البنطلون الذي يسمونه بالشورت وهو التبان في اللغة.
ولهذا فلا ينبغي التردد في كون الفخذ عورة ترجيحا للأدلة القولية فلا جرم أن ذهب إليه أكثر العلماء وجزم به الشوكاني في «نيل الأوطار» ٢/ ٥٢ - ٥٣ و «السيل الجرار» ١/ ١٦٠ - ١٦١.
стр. 1300
نعم يمكن القول بأن عورة الفخذين أخف من عورة السوأتين وهو الذي مال إليه ابن القيم في «تهذيب السنن» كما كنت نقلته عنه في «الإرواء» ١/ ٣٠١.وحينئذ فمس الفخذ الذي وقع في حديث أبي ذر والظاهر أنه من فوق الثوب ليس كمس السوأتين خلافا لما قعقع حوله ابن حزم ونقله المؤلف عنه وأقره! بقي شيء وهو أن المؤلف قرن الركبة والسرة مع الفخذ ثم لم يذكر الدليل عليهما والواقع أنه لا يصح في ذلك شيء كما بينه الشوكاني ٢/ ٥٥ بل ينفى ذلك قوله ﷺ : «ما بين السرة والركبة عورة» وهو حديث حسن كما بينته في «الإرواء» ٢٤٧ و ٢٧١ إلى أحاديث أخرى بمعناه فراجع الشوكاني إن شئت.
[تمام المنة ص (١٥٩)]
وجوب ستر بعض ما ليس بعورة من البدن في الصلاة
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:
قوله تحت عنوان: ما يجب من الثياب وما يستحب منها: «وعن بريدة قال: نهى رسول الله ﷺ أن يصلي الرجل في ... سراويل وليس عليه رداء. رواه أبو داود والبيهقي».
قلت: وإسناده حسن كما حققته في «صحيح أبي داود» ٦٤٦.
وفي الحديث دلالة على أنه يجب على المصلي أن يستر من بدنه ما ليس بعورة وهو القسم الأعلى منه وذلك إن وجد كما يدل عليه حديث ابن عمر وغيره وظاهر النهي يفيد بطلان الصلاة ويؤكد ذلك قوله ﷺ : «لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه وفي رواية: عاتقيه» وفي أخرى: منكبيه منه شيء».
رواه الشيخان وأبو داود وغيرهم وهو مخرج في «الإرواء» ٢٧٥ و «صحيح أبي داود» ٦٣٧.
стр. 1301
قال الشوكاني في «نيل الأوطار» ٢/ ٥٩: «وقد حمل الجمهور هذا النهي على التنزيه وعن أحمد: لا يصح صلاة من قدر على ذلك فتركه وعنه أيضا: تصح ويأثم.»
وأغرب ابن حزم كعادته في التمسك بظاهريته فقال ٤/ ٧١: «وفرض على الرجل إن صلى في ثوب واسع أن يطرح منه على عاتقه أو عاتقيه فإن لم يفعل بطلت صلاته فإن كان ضيقا اتزر به وأجزأه كان معه ثوب غيره أو لم يكن».
قلت: فوقف مع ظاهر الحديث ولم يوجب الرداء إذا استطاعه خلافا لحديث بريدة هذا وحديث ابن عمر أيضا فكأنه لم يقف عليهما.
ومن غرائبه أنه ذكر في المسالة بعض الآثار التي يدعم بها رأيه وليس فيها شيء من ذلك بل أحدها على خلافه وهو ما ذكر عن محمد بن الحنفية: «لا صلاة لمن لم يخمر على عاتقيه في الصلاة».
فهذا لو صح حجة عليه لأنه أطلق ولم يقيده بالثوب الواحد لكن في سنده أشعث وهو ابن سوار الكندي وهو ضعيف كما في «التقريب» ولم يخرجه ابن حزم وقد رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ١/ ٣٤٩.
[تمام المنة ص (١٦٢)]
القدر الواجب سَتْرُهُ على الرجل في الصلاة زائد عن العورة
[قال الإمام في مقدمة تعليقه على رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية حجاب المرأة ولباسها في الصلاة]:
رسالة شيخ الإسلام هذه هي من رسائله العظيمة حقا فإنها على لطافة حجمها قد لا يجد الطالب الكثير منه في الموسوعات الفقهية وموضوعها في اللباس الواجب على كل من الرجل والمرأة في الصلاة فقد أهبت فيها بالأدلة القاطعة أن هذا اللباس ليس هو اللباس يستر به الرجل عورته خارج الصلاة فقط بل إنه يجب عليه شيء
стр. 1302
آخر وهو ستر المنكبين أيضا وهذا لحق الصلاة وحرمتها لا لأنها من العورة واستدل لذلك بقوله ﷺ : «لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شيء» وبأحاديث أخرى «ص ١٢ - ١٣». وهذه مسألة هامة طالما غفل عنها جماهير المصلين الذين يصلون في قميص «الشيال» الذي لا يستر المنكبين إلا خطا دقيقا منهما غافلين عن قول الله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. وما أحسن ما ذكر المؤلف «ص ١٧» «إن ابن عمر ﵁ قال لغلامه نافع لما رآه يصلي حاسر الرأس: أرأيت لو خرجت إلى الناس كنت تخرج هكذا؟ قال: لا قال: فالله أحق من يتجمل له» والجملة الأخيرة قد جاءت مرفوعة في بعض الطرق عن ابن عمر ولفظها في رواية للبيهقي «إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه فإن الله أحق من تزين له» (١).
وسبب الغفلة المذكورة عن هذا الأدب الواجب في الصلاة يعود في رأيي إلى أمرين:
الأول: ظن الكثيرين أن الواجب من اللباس في الصلاة إنما هو ما ستر العورة فقط. وهذا الحصر مع أنه مما لا دليل عليه مطلقا فهو مخالفة صريحة للنصوص المتقدمة ولا سيما الحديث الأول فإنه يدل على بطلان الصلاة إذا لم يكن على عاتقيه من ثوب شيء. وهو مذهب الحنابلة وهو الحق الذي لا ريب فيه.
والآخر: جمودهم على التقليد الأعمى فقد يقرؤون أو يسمعون بتلك النصوص ولكنهم يتأثرون بها ولا يتخذونها لهم مذهبا لأن المذهب الذي نشأوا عليه يحول بينهم وبين الاهتداء بها ولذلك فالسنة في جانب وهم في جانب كما هو شأنهم في هذه المسألة إلا من عصم الله وقليل ما هم فجزى الله شيخ الإسلام خيرا الذي نهد لهم السبيل في هذه الرسالة المباركة ليتعرفوا على كثير من الحقائق التي غفلوا عنها ومنها هذه. ومن ذلك أنه إذ كان لا يجوز له أن يصلي مكشوف الفخذين سواء قيل: هما عورة أولا؟ «ص ١٦» وهذا من فقهه الدقيق رحمه الله تعالى.
стр. 1303
[مقدمة حجاب المرأة ولباسها ص ٧ - ٨]
من لم يكن له إلا في ثوب واحد فعليه أن يستر به منكبيه
«فإن لم يكن له إلا في ثوب واحد فعليه أن يستر به منكبيه أيضا بأن يخالف بين طرفي الثوب لقوله ﵊: «إذا صلى أحدكم في ثوب واحد فليخالف بين طرفيه «على عاتقيه» وفي لفظ: «لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء» هذا الحديث من رواية أبي هريرة رضي الله. [ثم أورد طرقه فراجع ذلك في الأصل].
«وصورة المخالفة المذكورة أن يأخذ طرف ثوبه تحت يده اليمنى ويضعه على كتفه اليسرى ويأخذ الطرف الآخر تحت يده اليسرى ويضعه على كتفه اليمنى ثم يعقدهما على صدره».
ذكره في تنوير الحوالك شرح موطأ مالك عن الباجي دون العقد. وأما العقد فذكره النووي عن ابن السكيت. ثم قال الباجي: «وهذا نوع من الاشتمال يسمى التوشيح ويسمى الاضطباع وهو مباح في الصلاة وغيرها لأنه لا يمكن إخراج يده للسجود وغيره دون كشف عورته».
«وهذا إذا كان الثوب واسعا وأما إذا كان ضيقا فيكفيه أن يأتزر به بأن يشده على وسطه لقوله ﵇: «إذا صليت وعليك ثوب واحد فإن كان واسعا فالتحف به وإن كان ضيقا فاتزر به».
وهذا الحديث من رواية جابر ﵁. [ثم ساق طرقه].
[ثم قال]:
والحديث نص واضح في وجوب الالتحاف إذا كان الثوب واسعا وعليه يحمل حديث أبي هريرة المطلق، ويؤيد الوجوب نهيه ﵇ عن ترك ذلك والنهي يفيد التحريم. وقد ذهب إلى هذا الذي ذكرنا جماعة من السلف رضي الله عنهم
стр. 1304
ومنهم الإمام أحمد والمشهور عنه أنه لو صلى مشكوف العاتق مع القدرة على السترة لم تصح صلاته فجعله شرطا وهو مذهب ابن حزم في «المحلى».
وفي رواية عن أحمد: أنه تصح صلاته ولكنه يأثم بتركه. وهو الحق إن شاء الله.
وذهب الجمهور -مالك وأبو حنيفة والشافعي وغيرهم - إلى أن النهي للتنزيه والأمر للاستحباب فلو صلى في ثوب واحد ساتر لعورته ليس على عاتقه منه شيء صحت صلاته مع الكراهة سواء قدر على شيء يجعله على عاتقه أم لا. قال النووي في «شرح مسلم»:
«وحجة الجمهور ... » وفي «المجموع»:
«دليلنا حديث جابر في قوله ﷺ : «فاتزر به» هكذا احتج به الشافعي في «الأم» واحتج به الأصحاب وغيرهم والله أعلم».
قلت: وهذا ما لا ينقضي العجب منه فإن أمره ﵇ بالاتزار إنما هو إذا كان الثوب ضيقا كما هو منطوق الحديث بينما الجمهور يقولون بالاتزار ولو كان الثوب واسعا فكيف جاز للنووي ومن سبقه الأخذ بمجرد الأمر بالاتزار بدون التفات إلى الشرط الذي قيده به النبي ﷺ .
فالحق أن الحديث دليل قاطع لمذهب أحمد وغيره وهو التفريق بين الثوب الواسع والضيق فيجب الالتحاف في الأول دون الآخر وإلى هذا مال البخاري كما يدل عليه تصرفه في «صحيحه» كما في «الفتح» للحافظ ثم قال: «وهو اختيار ابن المنذر وتقي الدين السبكي من الشافعية».
وإليه مال المحقق الشوكاني.
وأما بطلان الصلاة بترك الالتحاف فغير ظاهر من الحديث. والله أعلم.
وهنا مسألة وهي: هل يجب على من كان عليه إزار ضيق لا يمكنه الالتحاف به أن يلبس أوسع منه أو يلبس رداء فوقه إذا كان عنده يستر به القسم الأعلى من بدنه؟
стр. 1305
الظاهر عندي: نعم يجب عليه ذلك خلافا لابن حزم حيث قال في «المحلى»: «فإن كان ضيقا اتزر به وأجزأه كان معه ثياب غيره أو لم يكن».
قلت: وهذا جمود منه على ظاهر الحديث بدون أن يلاحظ المعنى المقصود منه وهو ستر البدن وقد أكد ﵇ هذا المعنى بنهيه أن يصلي الرجل في سراويل ليس عليه رداء كما سبق. والله أعلم.
وأما صلاة النبي ﷺ في الثوب الواحد فإنما صلى ملتحفًا به كما صرح بذلك جمع من الصحابة، منهم عمرو بن أبي سلمة وأم هانئ وجابر بن عبد الله عند الشيخين وغيرهم وأبو سعيد الخدري عند مسلم وأنس عند الطحاوي وكيسان عند ابن ماجه وغير هؤلاء كثير، وقد خرجت أحاديثهم في كتابنا: «صلاة رسول الله ﷺ ».
وقد استدل بهذه الأحاديث على جواز الصلاة في الثوب الواحد قال النووي:
«لا خلاف في ذلك إلا ما حكي عن ابن مسعود ﵁ فيه ولا أعلم صحته».
قلت: وكأنه يشير إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: لا تصلين في ثوب واحد وإن كان أوسع ما بين السماء والأرض.
أورده الحافظ في «الفتح» وسكت عليه.
ولعل قول ابن مسعود هذا محمول على ما إذا كان عنده ثوب آخر بدليل حديثه الآخر وهو ما أخرجه عبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» من طريقين عن أبي مسعود الجريري عن أبي نضرة بن بقية قال: قال أبي بن كعب:
الصلاة في الثوب الواحد سنة كنا نفعله مع رسول الله ﷺ ولا يعاب علينا.
فقال ابن مسعود: إنما كان ذاك إذا كان في الثياب قلة فأما إذا وسع الله فالصلاة في الثوبين أزكى.
стр. 1306
ورجاله ثقات رجال مسلم. لكن قال في «مجمع الزوائد»: «وأبو نضرة لم يسمع من أبي ولا من ابن مسعود».
قلت: قد وصله البيهقي من طريق يزيد بن هارون: أنبأ داود عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: اختلف أبي بن كعب وابن مسعود في الصلاة في الثوب واحد .. الحديث بنحوه.
وهذا سند صحيح.
قال البيهقي: «وهذا يدل على أن الذي أمر به ابن مسعود في الصلاة في ثوبين استحباب لا إيجاب».
وكون الصلاة في الثوبين أزكى وأفضل مجمع عليه كما ذكره النووي في «شرح مسلم». ويدل لذلك الأمر بالارتداء والاتزار كما سبق.
وبالجملة فحمل الاتفاق الذي ادعاه النووي إنما هو في الثوب الواحد الذي يمكن به ستر أعلى البدن، وإلا فقد علمت مذهب أحمد وغيره في وجوب الستر. والله أعلم.
[الثمر المستطاب (١/ ٢٨٨)].
يجب على من صلى في قميص له جيب واسع وليس ثمة غيره أن يزره ولو بشوكة
«ويجب على من صلى في قميص له جيب واسع وليس ثمة غيره أن يزره ولو بشوكة خشية أن يرى عورته منه ... قال سلمة بن الأكوع: قلت: يا رسول الله إني أكون في الصيد فاصلي وليس علي إلا قميص واحد؟ قال: «فزره وإن لم تجد إلا شوكة». وفي لفظ: «زره ولو بشوكة». [إسناده حسن].
стр. 1307
وفي الحديث دلالة على أنه لا يجوز للمصلي أن يتساهل في ستر العورة بل عليه أن يحتاط لئلا يراها أو يراها غيره منه.
- واختلف العلماء في المصلي يصلي في قميص واسع الجيب بحيث يرى عورته منه فذهب الشافعي وأصحابه إلى أن الصلاة باطلة لا تجزئه وهو نص الإمام في «الأم» وعند أبي حنيفة ومالك: تصح صلاته كما لو رآها غيره من أسفل ذيله. ذكره في «المجموع».
[الثمر المستطاب (١/ ٢٩٥)].
المرأة كلها عورة إلا وجهها وكفها
وأما المرأة فكلها عورة إلا وجهها وكفيها.
وأما كونها عورة فلقوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ الآية [النور: ٣١]».
قال ابن حزم في «المحلى»: «فأمرهن الله تعالى بالضرب بالخمار على الجيوب وهذا نص على ستر العورة والعنق والصدر وفيه نص على إباحة كشف الوجه لا يمكن غير ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ نص على أن الرجلين والساقين مما يخفى ولا يحل إبداؤه».
وفي قوله: «وفيه نص على إباحة كشف الوجه» نظر لأن العلماء اختلفوا في المراد من قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾. قال الحافظ ابن كثير: «أي: لا يظهرن شيئا من الزينة للأجانب إلا ما لا يمكن إخفاؤه. قال ابن مسعود: كالرداء والثياب. يعني على ما كان يتعاطاه نساء العرب من المقنعة التي تجلل ثيابها وما يبدو من أسافل الثياب فلا حرج عليها فيه لأن هذا لا يمكنها إخفاؤها ونظيره في زي النساء ما يظهر من إزارها وما لا يمكن إخفاؤه وقال بقول ابن مسعود: الحسن
стр. 1308
وابن سيرين وأبو الجوزاء وإبراهيم النخعي وغيرهم. وقال الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: وجهها وكفيها والخاتم. وروي عن ابن عمر وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير وأبي الشعثاء والضحاك وإبراهيم النخعي وغيرهم نحو ذلك. وهذا يحتمل أن يكون تفسيرا للزينة التي نهين عن إبدائها كما قال أبو إسحاق السبيعي عن أبي الأحوص عن عبد الله قال في قوله: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾: الزينة: القرط والدملوج والخلخال والقلادة. قال الحافظ: ويحتمل أن ابن عباس ومن تابعه أرادوا تفسير ما ظهر منها بالوجه والكفين وهذا هو المشهور عند الجمهور ويستأنس له بالحديث الذي رواه أبو داود في «سننه»: ثنا يعقوب بن كعب الأنطاكي ومؤمل بن الفضل الحراني قالا: ثنا الوليد عن سعيد بن بشير عن قتادة عن خالد بن دريك عن عائشة ﵂: أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي ﷺ وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها وقال: «يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا» - وأشار إلى وجهه وكفيه -. لكن قال أبو داود وأبو حاتم: هو مرسل خالد بن دريك لم يسمع من عائشة ﵂».
قلت: وكل هذه الآثار والأقوال أو جلها ذكرها ابن جريج بأسانيدها في «التفسير» ثم اختار قول ابن عباس ومن تابعه فقال: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من عنى بذلك الوجه والكفين ويدخل في ذلك - إن كان كذلك - الكحل والخاتم والسوار والخضاب. وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوال لإجماع الجميع أن على كل مصل أن يستر عورته في صلاته وأن للمرأة أن تكشف وجهها وكفيها في صلاتها وأن عليها أن تستر ما عدا ذلك من بدنها إلا ما روي عن النبي ﷺ أنه أباح لها أن تبدي من ذراعها إلى قدر النصف. فإذ كان كذلك من جميعهم إجماعا كان معلوما بذلك أن لها أن تبدي من بدنها ما لم يكن عورة كما ذلك للرجال لأن ما لم يكن عورة فغير حرام إظهاره وإذا كان لها إظهار ذلك كان معلوما أنه مما استنثاه الله تعالى ذكره بقوله: ﴿إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ لأن كل ذلك ظاهر منها».
стр. 1309
ومال إلى هذا القول القرطبي أيضاً فإنه ذكر في «تفسيره» قول ابن عطية: «ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بألا تبدي وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه أو إصلاح شأن ونحو ذلك ف «ما ظهر» على هذا الوجه مما تؤدي إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه». فقال القرطبي:
«قلت: هذا قول حسن إلا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة وعبادة وذلك في الصلاة والحج فيصلح أن يكون الاستثناء راجعا إليهما يدل على ذلك ما رواه أبو داود عن عائشة ﵂ ... » ثم ذكر الحديث السابق عند ابن كثير. ثم قال: «فهذا أقوى في جانب الاحتياط ولمراعاة فساد الناس فلا تبدي المرأة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفيها».
واعلم أن العلماء اتفقوا كما في «مراتب الإجماع» على أن شعر الحرة وجسمها - حاشا وجهها ويدها - عورة. واختلفوا في الوجه اليدين حتى أظفارهما: أعورة هي أم لا؟
وقد ظهر لك من تفسير الآية الكريمة أنها تدل دلالة دقيقة على أن الوجه والكفين منها ليس بعورة وذلك ما دلت عليه السنة كما يأتي.
«وقوله ﷺ : «المرأة عورة».
وهو من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ وتمامه: «فإذا خرجت استشرفها الشيطان».
أخرجه الترمذي من طريق همام عن قتادة عن مورق عن أبي الأحوص عنه. وقال: «حديث حسن». وفي نسخة: «حسن صحيح».
قلت: وهذا سند صحيح على شرط مسلم. قال المناوي في «فيض القدير»: «ورواه عنه باللفظ المذكور الطبراني وزاد: «وإنها أقرب ما تكون من الله وهي في قعر بيتها» قال الهيثمي: رجاله موثقون. ورواه أيضا ابن حبان عنه».
стр. 1310
قلت: وبالزيادة المذكورة أخرجه الخطيب في «تاريخه» من طريق المعتمر بن سليمان قال: سمعت أبي يحدث عن قتادة عن أبي الأحوص به فاسقط من الإسناد مورقا.
«وأما أن وجهها وكفيها ليسا بعورة فلقوله في الآية السابقة: ﴿إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ على قول ابن عباس وغيره: إن المراد الوجه والكفان. ويشهد لذلك من السنة:
(١) عن ابن عباس قال: كانت امرأة تصلي خلف رسول الله ﷺ حسناء من أحسن الناس [قال ابن عباس: لا والله ما رأيت مثلها قط] فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها ويستأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر فإذا ركع نظر من تحت إبطيه [وجافى يديه] فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ [الحجر: ٢٤].
أما قول ابن عباس فرواه ابن جرير كما سبق. وروى نحوه الطحاوي في «شرح المعاني» والبيهقي في «سننه» عن سعيد بن جبير عنه.
ثم رواه البيهقي من طريق عكرمة عنه ثم قال: وروينا عن أنس بن مالك مثل هذا.
ثم روى بإسناد عن عقبة بن الاصم عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة ﵁ قالت: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: الوجه والكفان.
لكن عقبة بن الأصم ضعيف.
ثم قال البيهقي: وروينا عن ابن عمر أنه قال: الزينة الظاهرة: الوجه والكفان. وروينا معناه عن عطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير وهو قول الأوزاعي.
وقال ابن حزم: «وقد روينا عن ابن عباس في ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: الكف والخاتم والوجه. وعن ابن عمر: الوجه والكفان. وعن أنس:
стр. 1311
الكف والخاتم. وكل هذا عنهم في غاية الصحة وكذلك أيضا عن عائشة وغيرها من التابعين».
ثم روى البيهقي حديث عائشة مرفوعا: «إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا - وأشار إلى قول البيهقي: «مع هذا المرسل قول من مضى من الصحابة ﵃ في بيان ما أباح الله من الزينة الظاهرة فصار القول بذلك قويا» والله تعالى أعلم.
وأما حديث ابن عباس فهو حديث جيد. رواه نوح بن قيس الحداني عن عمرو بن مالك النكري عن أبي الجوزاء عنه.
وهذا إسناد جيد رجاله ثقات رجال مسلم غير عمرو بن مالك وهو ثقة كما قال في «الميزان».
أخرجه النسائي والترمذي وابن ماجه والحاكم والطيالسي وأحمد وابن جرير في «تفسيره» والطبري في «الكبير» من طرق عنه. والزيادة والأول عند ابن جرير والأخرى عن الحاكم وقال: «صحيح الإسناد». وقال عمرو بن علي: «لم يتكلم أحد في نوح بن قيس الطاحي بحجة».
قال الذهبي في «التلخيص»: «قلت: هو صدوق خرج له مسلم» وأما الترمذي فأعله بقوله: «وروى جعفر بن سليمان هذا الحديث عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء نحوه ولم يذكر فيه عن ابن عباس وهذا أشبه أن يكون أصح من حديث نوح».
قلت: رواية جعفر هذه أخرجها ابن جرير من طريق عبد الرزاق عنه مسندة عن أبي الجوزاء قال في قول الله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾. قال المستقدمين منكم في الصلاة والمستأخرين.
قلت: وهذه الرواية المرسلة والموقوفة لا تعلل عندي الرواية الاولى الموصولة المرفوعة لأن مع راويها زيادة علم وقبولها واجب كما تقرر في المصطلح. وأيضا فإن
стр. 1312
الرواية المرسلة لفظها يدل على أنها رواية مستقلة عن الرواية المرفوعة لأنها مختصرة جدا.
والظاهر أن أبا الجوزاء كان إذا روى الحديث مرفوعا رواه بتمامه في سبب نزول الآية وإذا ذكر الآية مفسرا لها رواه مختصرا غير رافعه ولا مسنده إلى ابن عباس وإن كان هو في الأصل قد أخذه عنه. فظهر بهذا أن الرواية المرسلة لا تعل الرواية الموصولة. والله أعلم.
وأما قول الحافظ ابن كثير في «تفسيره»: «وهذا الحديث فيه نكارة شديدة» فغير مسلم لأن ذلك البعض الذي كان ينظر من تحت إبطه جاز أن يكون من المنافقين أو من جهلة الأعراب وهذا واضح لا يخفى فلا نكارة ولا إشكال ولذلك لم نر أحدا ممن خرج الحديث أو ذكره وصفه بالنكارة الشديدة حتى ولا الحافظ الذهبي المعروف بنقده الدقيق للمتون بل صححه كما علمت وهو الذي يقول فيه ابن كثير في «تاريخه» وقد ذكر وفاته .. :
«وقد ختم به شيوخ الحديث وحفاظه ﵀».
والحديث دليل على أن النساء كن يصلين وراء النبي ﷺ مكشوفات الوجوه ويشهد لذلك حديث عائشة ﵂: كن نساء المؤمنات يشهدن مع النبي ﷺ صلاة الفجر متلفعات بمروطهن ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس.
أخرجه الشيخان وغيرهما وقد مضى في المواقيت رقم «٥» من الفجر. فإن مفهومه أنهن يعرفن لو لم يكن الغلس ولا يعرفن عادة إلا من الوجوه.
ففيه دليل على أن وجه المرأة ليس بعورة في الصلاة وهو إجماع كما يفيده كلام ابن جرير السابق في تفسير الآية وإذا كان الأمر كذلك فوجهها ليس بعورة خارجها من باب أولى لأن العلماء متفقون على أن الصلاة يطلب فيها ما لا يطلب خارجها فإذا ثبت في الشرع جواز أمر ما داخلها كان ذلك دليلا على جوازه خارجها كما لا
стр. 1313
يخفى على أنه قد جاء الدليل الصريح على أنه ليس بعورة خارج الصلاة أيضا وهو قولنا:
(٢) عن جابر بن عبد الله قال: شهدت مع رسول الله ﷺ الصلاة يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة ثم قام متوكئا على بلال فأمر بتقوى الله وحث على طاعته ووعظ الناس وذكرهم ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن فقال: «تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم» فقامت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدين فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: «لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير».
قال: فجعلن يتصدقن من حليهن يلقين في ثوب بلال من أقرطتهن وخواتمهن.
وهذا حديث صحيح أخرجه مسلم والنسائي والدارمي وأحمد من طرق عن عبد الملك بن أبي سليمان قال: ثنا عطاء عنه.
قوله: «سطة». كذا هو عند مسلم ورواية الباقين: «سفلة». ولعل تلك الرواية محرفة أو مصحفة من هذه. قال النووي في «شرح مسلم»: «هكذا هو في النسخ «سطة» بكسر السين وفتح الطاء المخففة وفي بعض النسخ: واسطة النساء. قال القاضي: معناه من خيارهن والوسط العدل والخيار قال: وزعم حذاق شيوخنا أن هذا الحرف مغير في كتاب مسلم وأن صوابه: من سفلة النساء. وكذا رواه ابن أبي شيبة في «مسنده» والنسائي في «سننه». وفي رواية لابن أبي شيبة: امرأة ليست من عليه النساء. وهذا ضد التفسير الأول ويعضده قوله بعده: سفعاء الخدين. هذا كلام القاضي. وهذا الذي أدعوه من تغيير الكلمة غير مقبول بل هي صحيحة وليس المراد بها من خيار النساء كما فسره هو بل المراد امرأة من وسط النساء جالسة في وسطهن. قال الجواهي وغيره من أهل اللغة: يقال: وسطت القوم أسطهم وسطأ وسطة أي: توسطتهم.
قوله: «سفعاء الخدين» بفتح السني المهملة أي: فيها تغير وسواد» ا. هـ كلام النووي.
стр. 1314
وهذا الحديث يدل على أن النساء كن يحضرن الصلاة مكشوفات الوجوه ولذلك استطاع الرواي أن يصف بعضهن بأنها سفعاء الخدين.
(٣) وعن ابن عباس أن امرأة من خثعم استفتت رسول الله ﷺ في حجة الوداع [يوم النحر] والفضل بن عباس رديف رسول الله ﷺ ... الحديث فأخذ الفضل بن عباس يلتفت إليها وكانت امرأة حسناء [وتنظر إليه] فأخذ رسول الله ﷺ الفضل فحول وجهه من الشق الآخر. زاد غيره: فقال له العباس: يا رسول الله لم لويت عنق ابن عمك؟ قال: رأيت شابا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما».
الحديث أخرجه أحمد والنسائي وعنه ابن حزم من طريق صالح بن كيسان عن ابن شهاب أن سليمان بن يسار أخبره أن ابن عباس أخبره به.
وهذا سند صحيح على شرط الشيخين.
وقد أخرجه البخاري من طريق شعيب عن الزهري به نحوه وفيه الزيادة الأولى.
وكذلك أخرجه البيهقي. ورواه مالك في «الموطأ» عن ابن شهاب به نحوه وفيه الزيادة الثانية.
وهو عند البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي أيضا وكذا أحمد كلهم عن مالك به.
ثم رواه النسائي وابن ماجه وأحمد من طرق أخرى عن الزهري نحوه وفيه الزيادة الأولى.
وأما الزيادة الأخيرة فمن طريق غير ابن عباس فهي من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
أخرجه الترمذي وأحمد وابنه عبد الله في «زوائد المسند» من طرق عن عبد الرحمن بن الحارث عن ابن عياش بن أبي ربيعة عن زيد بن علي بن حسين بن علي
стр. 1315
عن أبيه علي ابن حسين عن عبيد الله بن رافع مولى رسول الله ﷺ عنه في حديث له في صفة الحج.
وهذا سند جيد رجاله ثقات وقال الترمذي: «حسن صحيح».
والحديث فيه دلالة واضحة على أن الوجه من المرأة ليس بعورة لأنه «لو كان الوجه عورة يلزم ستره لما أقرها ﵇ على كشفه بحضرة الناس ولأمرها أن تسبل عليه من فوق ولو كان وجهها مغطى ما عرف ابن عباس أحسناء هي أم شوهاء» قاله بن حزم.
فثبت بذلك كله أن وجهها ليس بعورة لا في الصلاة ولا خارجها وهو قول أكثر العلماء كما في «بداية المجتهد» وهو مذهب الأئمة الثلاثة أبي حنيفة ومالك والشافعي وغيرهم كما في «المجموع».
واحتج بذلك بعض الفقهاء بالنظر أيضا وهو أن الحاجة تدعو إلى إبراز الوجه للبيع والشراء وإلى إبراز الكف للأخذ والعطاء فلم يجعل ذلك عورة.
(٤) عن عائشة ﵂: أن هند بنت عتبة قالت: يا نبي الله بايعني؟ [فنظر إلى يدها ف] قال: «لا أبايعك حتى تغيري كفيك كأنهما كفا سبع».
وهذا حديث حسن أخرجه أبو داود في «السنن»: ثنا مسلم بن إبراهيم: ثتني غبطة بنت عمرو المجاشيعة قالت: ثتني عمتي أم الحسن عن جدتها عنها.
وهذا سند مسلسل بالمجهولات من النساء لكن قال الذهبي في «الميزان»:
«فضل في النسوة المجهولات: وما علمت في النساء من اتهمت ولا من تركوها».
وله طريق آخر وشواهد يتقوى بها قال ابن أبي حاتم كما في «تفسير ابن كثير»: ثنا نصر بن علي: ثتني أم عطية بنت سليمان: ثتني عمتي عن جدتي عن عائشة قالت: جاءت هند بنت عتبة إلى رسول الله ﷺ لتبايعه فنظر إلى يدها فقال: «اذهبي فغيري يدك» فذهبت فغيرتها بحناء ثم جاءت فقال: «أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئا»
стр. 1316
فبايعته وفي يدها سواران من ذهب فقالت ما تقول في هذين السوراين؟ فقال: «جزئين من نار جهنم».
سكت عليه ابن كثير وسنده كالذي قبله وأورده الهيثمي في «المجمع» بأتم منه ثم قال: «رواه أبو يعلى وفيه من لم أعرفهن».
ومن شواهده:
(١) عن ابن عباس أن امرأة أتت النبي ﷺ تبايعه فقالت ولم تكن مختضبة فلم يبايعها حتى اختضبت.
رواه البزار وفيه ليث بن أبي سليم وهو مدلس وبقية رجاله ثقات كما في «المجمع».
(٢) عن مسلم بن عبد الرحمن قال: رأيت رسول الله ﷺ يبايع النساء عام الفتح على الصفا فجاءت امرأة كأن يدها رجل فأبى أن يبايعها حتى ذهبت فغيرت يدها بصفرة. قال الهيثمي: «رواه الطبراني والبزار وفيه سميسة بنت نبهان ولم أعرفها وبقية رجاله ثقات».
قلت: كذا في الاصل «سميسة» بالسين المهملة ولعله بالمعجمة كما في «الاستيعاب» و «الإصابة» لكن وقع فيه بتقديم السين المهملة على المثناة التحتية والظاهر أنه تحريف أيضا.
والحديث قال الحافظ: «رواه أبو علي بن السكن والبخاري أيضا والطبراني من طريق عباد بن كثير الرملي عن شمسية بنت نبهان عن مولاها مسلم بن عبد الرحمن به». ثم قال: «قال ابن حبان: ما أرى حديثها محفوظا».
(٣) عن محمد بن إسحاق عن ابن ضمرة بن سعيد عن جدته عن امرأة من نسائهم وكانت قد صلت القبلتين مع النبي ﷺ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ فقال: «اختضبي تترك إحداكن الخضاب حتى تكون يدها كيد الرجل» قالت: فما تركت الخضاب حتى لقيت الله تعالى وإن كانت لتختضب وهي بنت ثمانين.
стр. 1317
أخرجه أحمد: ثنا يزيد بن هارون: أنا محمد بن إسحاق به. قال الهيثمي: «رواه أحمد وفيه من لم أعرفهم وابن إسحاق وهو مدلس».
قلت: ابن ضمرة بن سعيد أورده في «التعجيل» ثم قال: «كذا وقع في نسخة وفي النسخ المعتمدة: محمد بن إسحاق عن ضمرة ابن سعيد ليس فيه «ابن» وهو الصواب».
قلت: وعليه فليس فيه من لا يعرف غير جدة ضمرة بن سعيد فإنها لم تسم وأما هو - أعني ضمرة بن سعيد - فثقة من رجال مسلم.
(٤) عن السوداء قالت: أتيت النبي ﷺ لأبايعه فقال: «اذهبي فاختضبي ثم تعالي حتى أبايعك». قال الهيثمي: «رواه الطبراني في «الأوسط» و «الكبير» وفيه من لم أعرفه».
قلت: ورواه ابن سعد في «الطبقات» عن شيخيه عبد العزيز بن الخطاب وإسماعيل بن أبان الوراق كلاهما عن نائلة الكوفية مولاة أبي العيزار عن أم عاصم عنها.
ونائلة هذه لم أجد من ذكرها وأم عاصم لعلها مولاة سلمة بن المحبق وهي مقبولة كما في «التقريب».
(٥) عن عائشة قالت: مدت امرأة من وراء الستار بيدها كتابا إلى رسول الله ﷺ فقبض النبي ﷺ يده وقال: «ما أدري أيد رجل أو يد امرأة» فقالت: بل امرأة فقال: «لو كنت امرأة غيرت أظفارك بالحناء».
أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد والبيهقي من طريق مطيع بن ميمون العنبري يكنى أبا سعيد قال: حدثتني صفية بنت عصمة عنها.
وهذا سند لين.
стр. 1318
ففي هذه الأحاديث دلالة ظاهرة على أن كف المرأة ليس بعورة لأنه ﵇ نظر إليه وأمر بخضبه ليكون ذلك فارقا من الفوارق بين الرجل والمراة وفي ذلك إقرار منه ﷺ لكشفه من المرأة.
وفي الباب عن ابن عباس ﵁ قيل له: أشهدت العيد مع النبي ﷺ ؟ قال: نعم ولولا مكاني من الصغر ما شهدته حتى أتى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت فصلى ثم خطب ثم أتى النساء ومعه بلال فوعظهن وذكرهن وأمرهن بالصدقة فرأيتهن يهوين بأيديهن يقفنه في ثوب بلال ثم انطلق هو وبلال إلى بيته.
أخرجه البخاري ومن طريقه ابن حزم وأبو داود وعنه البيهقي والنسائي من طريق سفيان الثوري قال: ثني عبد الرحمن بن عابس عنه.
ولم يورد ابن حزم في الباب غيره قال: «فهذا ابن عباس بحضرة رسول الله ﷺ رأى أيديهن فصح أن اليد من المرأة والوجه ليسا عورة وما عداهما ففرض عليها ستره».
[الثمر المستطاب (١/ ٢٩٩)].
جواز كشف الوجه والكفين للمرأة
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:
ثم قال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: «أي ولا يظهرن مواضع الزينة إلا الوجه والكفين كما جاه ذلك صحيحا عن ابن عباس وابن عمر وعائشة».
قلت: انظر «حجاب المرأة المسلمة» ص ٢٣ - ٢٥ وأزيد هنا فأقول: روى ابن أبي شيبة في «المصنف» ٤/ ٢٨٣ عن ابن عباس في تفسير الآية المذكورة: «قال: الكف ورقعة الوجه». وسنده صحيح. وروى نحوه عن ابن عمر بسند صحيح أيضا. فهذان الأثران الصحيحان مما يتقوي حديث عائشة مرفوعا: «إن المرأة إذا
стр. 1319
بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وأشار إلى وجهه وكفيه». وقد شرحت ذلك في المصدر المذكور آنفا بما لا مزيد عليه وقد تجاهل ذلك كله بعض أهل الأهواء فنسبونا إلى ما الله يعلم أني برئ منه هداهم الله.
[تمام المنة ص (١٦٠)]
صلاة المرأة في خمار ودرع
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:
ثم قال: «وعن عائشة أنها سئلت في كم تصلي المرأة من الثياب ... الخ».
قلت: كذا ذكره دون تخريج وبيان لحاله وقد أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» ٣/ ١٢٨ و «ابن أبي شيبة» ٢/ ٢٢٤ من طريق مكحول عمن سأل عائشة في كم ... الخ.
قلت: ورجاله ثقات لكنه فيه الرجل الذي لم يسم بين مكحول وعائشة.
لكن روى عبد الرزاق من طريق أم الحسن قالت: رأيت أم سلمة زوج النبي ﷺ تصلي في درع وخمار. وإسناده صحيح.
والدرع: القميص.
وروى مالك في «الموطأ» ١/ ١٦٠ وعنه ابن أبي شيبة والبيهقي ٢/ ٢٣٣ عن عبيد الله الخولاني - وكان يتيما في حجر ميمونة - أن ميمونة كانت تصلي في الدرع والخمار ليس عليها إزار. وإسناده صحيح أيضا.
وفي الباب آثار أخرى مما يدل على أن صلاة المرأة في الدرع والخمار كان أمرا معروفا لديهم وهو أقل ما يجب عليهن لستر عورتهن في الصلاة ولا ينافي ذلك ما روى ابن أبي شيبة والبيهقي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «تصلي المرأة في ثلاثة أثواب: درع وخمار وإزار». وإسناده صحيح.
стр. 1320
وفي طريق أخرى عن ابن عمر قال: «إذا صلت المرأة فلتصل في ثيابها كلها: الدرع والخمار والملحفة». رواه ابن أبي شيبة وسنده صحيح أيضا.
فهذا كله محمول على الأكمل والأفضل لها. والله أعلم.
[تمام المنة ص (١٦١)]
إذا صلت المرأة بغير خمار يغطي رأسها فصلاتها غير مقبولة
وإن صلت المرأة بغير خمار يغطي رأسها فصلاتها غير مقبولة لقوله ﵇: «لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار». الحديث صحيح ..
وللحديث شاهد من حديث أبي قتادة بلفظ: «لا يقبل الله من امرأة صلاة حتى تواري زينتها، ولا من جارية بلغت المحيض حتى تختمر».
أخرجه الطبراني في «الصغير» وفي «الأوسط» أيضا.
وفي إسناده من لا يعرف.
والحائض في الحديث: من بلغت سن المحيض لا من هي ملابسة للحيض فإنها ممنوعة من الصلاة وهو مبين في رواية ابن خزيمة بلفظ: «لا يقبل الله صلاة امرأة قد حاضت إلا بخمار». قال الترمذي:
«والعمل عليه عند أهل العلم أن المرأة إذا أدركت فصلت وشيء من شعرها مكشوف لا تجوز صلاتها، وهو قول الشافعي قال: لا تجوز صلاة المرأة وشيء من جسدها مكشوف، قال الشافعي: وقد قيل: إن كان ظهر قدميها مشكوفا فصلاتها جائزة».
[الثمر المستطاب (١/ ٣١٥)].
стр. 1321
لا يجوز أن تكون ثياب المرأة تحكي ما تحتها
ولا يجوز أن تكون ثيابها - خمارا كان أو جوربا أو غير ذلك - سخيفا أو شفافا يحكى ما تحته ويصفه لقوله ﷺ :
«سيكون في آخر أمتي نساء كاسيات عاريات على رؤسهن كأسنمة البخت العنوهن فإنهن ملعونات». زاد في حديث آخر: «لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها لتوجد من مسيرة كذا وكذا».
الحديث الأول رواه الطبراني في «الصغير» عن ابن عمرو بإسناد حسن والآخر عند مسلم وغيره عن أبي هريرة. وهما مخرجان في «المصنف» لذا فلا حاجة إلى تخريجهما هنا.
والحديث من معجزات النبي ﷺ وتنبآته الصادقة التي نبأه الله بها حتى ترى ما فيه منطبقا تمام الانطباق على أكثر نساء أهل زماننا ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فإذا خشيت شيئا مما ذكرت فلتجعل تحت الثياب غلالة كما قال ﷺ وعلل ذلك في نفس الحديث بقوله: «فإني أخاف أن تصف حجم عظامها».
الحديث إسناده حسن وهو من رواية أسامة بن زيد قال: كساني رسول الله ﷺ قبطية كثيفة مما أهداها له دحية الكلبي فكسوتها امرأتي فقال: «ما لك لم تلبس القبطية؟ » قلت: كسوتها امرأتي فقال: «مرها فلتجعل تحتها غلالة فإني أخاف أن تصف حجم عظامها».
أخرجه أحمد والبيهقي من طريق عبد الله بن محمد ابن عقيل عن محمد بن أسامة بن زيد عنه.
والحديث أورده في «المجمع» وقال: «رواه أحمد والطبراني وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل وحديثه حسن وفيه ضعف».
قلت: وله شاهد من حديث دحية نفسه.
стр. 1322
أخرجه البيهقي من طريق يحيى بن أيوب: ثني موسى بن جبير أن عباس ابن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب حدثه عن خالد بن يزيد بن معاوية عن دحية بن خليفة به نحوه. وفيه أن دحية نفسه الذي أعطاه رسول الله ﷺ القبطية وقال له ﵇: «اجعل صديعها قميصا وأعط صاحبتك صديعا تختمر به» فلما ولى دعاه قال: «مرها تجعل تحته شيئا لئلا يصف» ولعلها قصة أخرى ثم قال البيهقي: «وقال بعضهم: عباس بن عبيد الله» قال البخاري: «من قال: ابن عبيد الله أكثر» وذكر فيمن قال ابن عبيد الله: يحيى بن أيوب وابن جريج. قال البيهقي: «ورواه عبد الله بن لهيعة عن موسى بن جبير أن عبيد الله بن عباس حدثه».
قلت: حديث ابن لهيعة أخرجه في «سننه» وقال عقبه: «رواه يحيى بن أيوب فقال عباس بن عبيد الله بن عباس».
وهو الصواب كما قال الحافظ في «التقريب» قال: «وهو مقبول والراوي عنه موسى بن جبير مستور».
فالحديث بهذا الإسناد ضعيف لكنه يتقوى بما قبله. والله أعلم.
وقد رواه الحاكم أيضا وصححه، وأعله الذهبي بالانقطاع.
[الثمر المستطاب (١/ ٣١٧)].
يجب على المرأة أن تطيل ذيلها شبرًا
ويجوز لها بل يجب عليها أن تطيل ذيلها شبرا من الكعبين أو شبرين لا تزيد عليه.
وذلك سترا لأقدامهن لقوله ﵊: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة» فقالت أم سلمة: فكيف يصنعن النساء بذيولهن؟ قال: «يرخين شبرا» فقالت: إذن تنكشف أقدامهن قال: «فيرخينه ذراعا لا يزدن عليه».
стр. 1323
الحديث أخرجه النسائي والترمذي عن عبد الرزاق قال: ثنا معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر مرفوعا به. وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح».
وهو كما قال ورجاله كلهم ثقات رجال الشيخين لكنه قد اختلف فيه على نافع. [ثم بين الإمام الخلاف عليه فراجعه هناك].
[ثم قال]: وللحديث طريق أخرى عن ابن عمر أخرجه أبو داود وابن ماجه وأحمد عن زيد العمي عن أبي الصديق الناجي عن ابن عمر قال: رخص رسول الله ﷺ لأمهات المؤمنين في الذيل شبرا ثم استزدنه فزادهن شبرا فكن يرسلن إلينا فنذرع لهن ذراعا.
ورجاله ثقات رجال مسلم غير زيد العمي وهو ضعيف كما في «التقريب» فإن صحت هذه الرواية عن ابن عمر فلعله أخذها عن زوجه صفية بنت أبي عبيد التي روت الحديث عن أم سلمة كما سبق آنفا قال الحافظ في «الفتح»: «وأفادت هذه الرواية قدر الذراع المأذون فيه وأنه شبران بشبر اليد المعتدلة».
والحديث يدل على وجوب ستر قدمي المرأة وهو مذهب الشافعي وغيره.
[الثمر المستطاب (١/ ٣١٩)].
لا فرق بين الحرة والأمة في حد العورة
واعلم أنه لا فرق في ذلك بين الحرة والأمة لعدم وجود دليل الفرق نعم جاءت بعض الأحاديث في الفرق لكنها ضعيفة الأسانيد لا تقوم بها حجة وقد بين ضعفها الحافظ ابن حجر في «التلخيص» فليراجعها من شاء.
وما أحسن ما قال ابن حزم ﵀: «وأما الفرق بين الحرة والأمة فدين الله تعالى واحد والخلقة والطبيعة واحدة فكل ذلك في الحرائر والإماء سواء حتى يأتي نص في الفرق بينهما في شيء فيوقف عنده» ثم قال:
стр. 1324
«وما اختلف اثنان من أهل الإسلام في أن تحريم الزنا بالحرة كتحريم الأمة وأن الحد على الزاني بالحرة كالحد على الزاني بالأمة ولا فرق وأن تعرض الحرة في التحريم كتعرض الأمة ولا فرق ولهذا وشبهه وجب أن لا يقبل قول أحد بعد رسول الله ﷺ إلا بأن يسنده إليه ﵇».
[الثمر المستطاب (١/ ٣٢٤)].
حديث: (لا يقبل الله صلاة حائض (أي بالغة) إلا بخمار) يشمل بعمومه الإماء
قوله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة حائض «أي بالغة» إلا بخمار» هو حديث صحيح وهو بعمومه يشمل الإماء أيضا فتخصيص الحديث بالمرأة الحرة مما لا أعرف له دليلا. بل قد روي أن النبي ﷺ قال لمولاة لهم: اختمري وقد خرجته في «الحجاب» «ص ٤٥» فهذا يدل على أن الأمة كالحرة في وجوب الاختمار فهو يؤيد العموم المشار إليه.
[حاشية تحقيق حجاب المرأة ولباسها ص ٢٤] بتصرف يسير
هل الفخذ عورة ؟
عن سعيد بن العاص أن عائشة زوج النبي ﷺ «زاد مسلم وغيره: وعثمان» حدثاه: أن أبا بكر استأذن على رسول الله ﷺ وهو مضطجع على فراشه لابس مرط عائشة، فأذن لأبي بكر وهو كذلك، فقضى إليه حاجته ثم انصرف، ثم استأذن عمر فأذن له وهو على تلك الحال، فقضى إليه حاجته ثم انصرف، قال عثمان: ثم استأذنت عليه فجلس وقال لعائشة: «اجمعي عليك ثيابك» فقضيت إليه حاجتي ثم انصرفت، فقالت عائشة: يا رسول الله مالي لم أرك فزعت لأبي بكر وعمر رضي الله
стр. 1325
عنهما كما فزعت لعثمان؟ قال رسول الله ﷺ : «إن عثمان رجل حيي وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحال أن لا يبلغ إلي في حاجته».
ورواه محمد بن أبي حرملة عن عطاء وسليمان ابني يسار وأبي سلمة بن عبد الرحمن عنها قالت: كان رسول الله ﷺ مضطجعا في بيتي كاشفا عن فخذيه أو ساقيه فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحال ... «الحديث وفيه»: ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله ﷺ وسوى ثيابه .. قالت عائشة: دخل أبو بكر .. الحديث وفيه ... ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك؟ فقال: «ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟ ».
[قال الإمام]: واعلم أنه قد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «الفخذ عورة» وهو مخرج في «إرواء الغليل» «٦٦»، فقد يشكل هذا على بعض الناس فيدع العمل به لحديث الترجمة. وهذا خلاف ما عليه أهل العلم من وجوب التوفيق بين الأحاديث الصحيحة. وهنا يبدو للباحث وجوه من التوفيق: الأول: أن يكون حديث الترجمة قبل حديث: «الفخذ عورة». الثاني: أن يحمل الكشف على أنه من خصوصياته ﷺ ، فلا يعارض الحديث الآخر، ويؤيده قاعدة: «القول مقدم على الفعل». و «الحاظر مقدم على المبيح». والله أعلم.
السلسلة الصحيحة (٤/ ٢٦٠).
هل الفخذ عورة ؟
مداخلة: فضيلة الشيخ! هل الفخذ من العورة؟
الشيخ: اختلف العلماء قديمًا وحديثًا في فخذ الرجل ما بين قائل: إنه ليس بعورة وما بين قائل: إنه عورة مخففة، فالعورة المغلظة إنما هما السوءتان فالصحيح ما صح عن النبي ﷺ من غير ما طريق واحد أن النبي ﷺ قال: «الفخذ عورة» وبعد ثبوت مثل هذا الحديث لا يجوز للمسلم العارف بصحة هذا الحديث أن يعارض
стр. 1326
الحديث فيقول: لا، ليس الفخذ عورة اللهم إلا إذا كان لديه شبهة تمنعه من الأخذ بهذا الحديث أو تجعله يفسر الحديث بما سمعتم آنفًا من أن بعضهم يقول: الفخذ عورة ولكنه عورة مخففة، يحمله على ذلك ما يقرأه في بعض كتب السنة الصحيحة في البخاري أو في صحيح مسلم من أن النبي ﷺ قد ظهر فخذه في بعض المناسبات، فيتخذ ذلك حجة على أن الفخذ ليس بعورة، لكن من كان على علم بأصول الفقه وكما ذكرنا قبل الصلاة: أنه إذا تعارض فعله ﵇ مع قوله قدم قوله على فعله وذلك؛ لأن القول تشريع لكل أمته، وأما فعله فقد يكون خاصًا بذاته ﵊.
وكذلك إذا كان عليمًا بالقاعدة الأخرى التي تقول: إذا تعارض حاظر ومبيح قدم الحاظر على المبيح، فقوله ﵊: «الفخذ عورة» حاظر يعني: مانع يعني: محرم، وكشف النبي ﷺ في بعض الحوادث لفخذه هذا فعل منه مبيح فإذا تعارض الحاظر مع المبيح قدم الحاضر على المبيح، فهنا توفرت قاعدتان لو استقلت إحداهما بالأمر لجعلت الفخذ عورة فكيف وقد توفرت هاتان القاعدتان؟ ! فقوله: «الفخذ عورة» خالف فعله فإذًا: يقدم فعله على قوله، قوله حاظر مانع محرم لكشف الفخذ، فعله كشف فالحاظر مقدم على المبيح لذلك فالصواب: أنه يجب على المسلم أن يحرص على ستر فخذه؛ لأنه من العورة.
أما الدخول في دقائق لا أدلة عليها فيقال: الفخذ عورة صغرى والسوءتان عورة كبرى فهذا من باب الرأي والاجتهاد لا شك من الناحية النظرية أن الفخذ ليس من حيث أنه عورة كالسوءتين أو لا تشبيه، ولكن من جهة أخرى قد يكون الفخذ أشد تحريمًا؛ لأنه قد يحرك الشهوة أكثر من السوءتين فلذلك فلا داعي للدخول في هذا التمييز سوءة كبرى أو سوءة صغرى يكفينا أن النبي ﷺ قال: «الفخذ عورة» نعم.
مداخلة: [كيف يكون خصوصية النبي للنبي ﷺ وهو محذور]؟
стр. 1327
الشيخ: كيف تزوج الرسول أكثر من أربعة؟ أليس محذورًا؟ [لكنها] خصوصية، لكن هنا يمكن أن يذكر الفقيه الباحث أكثر من هذا العذر، لكن الحقيقة أنا جوابي كان هو لصد المفكر لهذا السؤال أن يرد قوله ﵇ كيف الرسول ﷺ يرتكب المحذور؟ الجواب: كما قلت لك آنفًا، لكن هو ليس محذورًا بالنسبة إليه هذا هو الجواب الدقيق للموضوع، لكن ما هو السبب؟ هناك ثلاث احتمالات: بالنسبة لكشفه ﵇ عن فخذه في بعض الأحاديث الجواب: لم كشف؟ جواب من ثلاثة أوجه:
الجواب الأول: يمكن أن يكون ذلك قبل قوله: «الفخذ عورة» وهذا جواب مطرد بالنسبة لكثير من الأمور التي فيها فعله يخالف قوله ﷺ .
ويمكن أن يكون ذلك لأمر لا يملكه كأن ينكشف عنه ثوبه، وأنا ما أردت أن أدخل في هذه التفاصيل حتى لا أطيل في الإجابة، فإن من تلك الأحاديث التي فيها انكشاف فخذ الرسول ﵇ حديث أنس في الصحيحين أنه عندما أغار ﵊ على خيبر وهو على فرسه روايتان هما لفظان: أحدهما في صحيح البخاري: «حسر رسول الله عن فخذه» ورواية مسلم: «انحسر الإزار عن فخذه» وهذه صورة طبيعية جدًا إذا تصورنا الفرسان الأولين كيف كانوا إذا ركبوا أنهم يلمون ثيابهم وقمصانهم لكي لا [يتعثر] في ركوبه على فرسه، فيمكن أن يكون الأمر عندما ضم ثوبه وإزاره ﵊ فالراوي قال: كشف عن فخذه، لكن أحدهم روى الرواية بأدق تعبير: انحسر الإزار عن فخذه أي: إن النبي ﷺ لم يقصد هذا القصد ولكنه وقع دون قصد منه ..
وأخيرًا: الاحتمال الثالث والأخير: يمكن أن يكون هذا خصوصية كمثل تزوجه ﵇ بأكثر من أربع.
وهناك أحاديث كثيرة تصلح أمثلة للتوفيق بينها على هاتين القاعدتين، ولا أريد أن أفتح عليكم بابًا جديدًا فحسبنا ما عندنا من الأسئلة.
(رحلة النور: ٣٤ أ/٠٠: ٢٥: ٢٣)
стр. 1328
إذا صلى الرجل بثوب شفاف
مداخلة: [إذا صلى الرجل في] جلابية، لكن شافَّة؟
الشيخ: إذا ما تحجب تكون صلاة باطلة.
(الهدى والنور / ١٦٨/ ٤١: ٠٤: ٠٠)
وجود ثقب في الثوب يكشف العورة هل يوجب إعادة الصلاة ؟
مداخلة: شيخنا، وجود ثقب في الثوب، هل يوجب إعادة الصلاة؟
الشيخ: ثقب في الثوب؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: تقصد يعني، يكشف عن العورة؟
مداخلة: من ناحية الفخذ نعم يا شيخ، موجود ثقب صغير أم كبير، يعني؟
الشيخ: ثقب صغير أم كبير، خليك على واحده ..
مداخلة: صغير.
الشيخ: طيب، هذا الثقب الصغير، يعني يُرى منه بعين عادية العورة؟
مداخلة: والله اللِّي يُدَقّق النظر يرى.
الشيخ: طيب، والذي يلبس يعلم؟ فإن كان يعلم فلا يجوز، وإن كان لا يعلم ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: ٩٥].
مداخلة: وفيما بعد، ما عليه شيخنا إعادة الصلاة؟
стр. 1329
الشيخ: كيف؟
مداخلة: إن علم فيما بعد، بعد صلاته.
الشيخ: لا، ما عليه، إلا إذا كان يعلم من قبل، أنا أجبتك على الاحتمالين، إن كان لا يعلم فما عليه إعادة، أما إن كان يعلم ثم هو تكاسل فلا بد من إعادة.
(الهدى والنور /٣٤٧/ ٣٢: ١١: ٠٠)
من صلى مكشوف الظهر
مداخلة: رجل صلى مكشوف الظهر، صلاته مقبولة أم يعيدها؟
الشيخ: مكشوف الظهر.
أي نعم مقبولة، ما دام سَتَر الكتفين، لكن الأَوْلَى أن يستر بدنه كله.
(الهدى والنور /٣٨٧/ ٠٤: ٢٨: ٠٠)
حكم كشف المنكب في الصلاة
الشيخ: يا إخواننا: هناك خطأ شائع أينما سِرْنا وحيثما أقمنا في موسم الحج أو العمرة، نرى عادةً شائعةً عند أكثر الحجيج، وبخاصة من كان منهم من الأعاجم أو من الأعراب الذين لم يؤتوا فقهاً وعلماً، إنهم يتعمدون كشف المنكب فتراهم مع الأسف يمشون هكذا تحت أشعة الشمس، يظنون أن هذا الأمر من مناسك الحج.
وهم يقعون في أمرين، يخالفون بهما قول الرسول ﵇، وهذا أيضاً نؤجله، والقصد الآن استروا مناكبكم، ولا تكشفوا منكباً، هذا المنكب إنما يُكْشَف عندما يبدأ الإنسان بالطواف، والآن استووا وتهيؤوا للصلاة ..
(الهدى والنور /٤٠٩/ ٥٧: ٠٧: ٠٠)
стр. 1330
حكم الاضطباع في الصلاة في أيام الحج والعمرة
السائل: تذكر بعد الاضطباع أنه يُرْجِع الإحرام من أجل الصلاة، يُرْجِع الإحرام؟
الشيخ: أحسنت، أي نعم، هذه ناحية أيضاً مما يخل الحُجاج والعمار، فقد ذكرت لكم أنفاً أن بعضهم يعني يضطبع من ساعة إحرامه، بينما عرفتم من سياقي -آنفاً- لمناسك العمرة إنما الاضطباع إنما يُبْدَأ به عند البدء بالطواف، وفي طواف القدوم فقط، مع ذلك فهؤلاء الحجاج يستمرون هكذا في إحرامهم ويقفون المواقف في منى وفي عرفة ولا يتحللون إلا بعد الرمي والذبح ومعنى هذا أنهم يصلون كل الصلوات وهم كاشفون عن منكبهم الأيمن وهنا يقعون في مخالفة جذرية لحديث نبوي صحيح ألا وهو قوله ﷺ «لا يُصلِّيَن أحدكم وليس على عاتقيه من ثوبه شيء» فهم يصلون كاشفين عن منكبهم، وهذا خلاف هذا الحديث، فهي إذاً أولاً عبادة مقيدة بطواف القدوم فقط الكشف عن المنكب مقيد بطواف القدوم فقط، ثم على العكس من ذلك لما بَدّه يصلي ركعتي الطواف عند المقام يجب أن يكون مستوراً منكبيه كليهما معاً، فإذا صلى هكذا عرض صلاته للبطلان لنهي الرسول ﷺ من الصلاة إلا وهو ساتر لمنكبية، «لا يصلين أحدكم وليس على عاتقيه من ثوبه شيء».
(الهدى والنور/٥٦٢/ ٣٥: ٢٠: ٠٠)
الصلاة مكشوف الكتفين
السؤال: هنا يحدث أمور في مكة أن الناس يصلون وهم كاشفي .. الإنسان يعني غير مُغَطِّي كتفيه يا شيخ، والرسول ﷺ يقول: «لا يُصَلِّين أحدكم بالثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء»؟
الشيخ: نعم، هؤلاء إذا كان بلغهم الحديث فصلاتهم باطلة.
стр. 1331
السؤال: نعم.
الشيخ: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، بدليل أن أكثر الناس من العُمَّار والحُجَّاج يطوفون كاشفي عن منكبهم، زعموا أن هذا من السنة وهو بدعة، ثم يصلون هكذا، هذا من الجهل ومن سكوت أهل العلم عنهم، على الأقل المُطَوِّفين الذين يأخذون الأجور من الدولة، ولا يُعَلِّمون الناس المناسك مناسك الحج.
السؤال: لا، يا شيخ هؤلاء مُرَوِّجين للبدع يا شيخ.
الجواب: نعم، مع الأسف.
السؤال: نعم، هل يلزمنا أن نُبَلِّغ الناس عن هذا الأمر يا شيخ؟
الجواب: وكيف لا، «بَلِّغوا عني ولو آية».
مداخلة: تتذكر يا شيخنا، أنت لما كنا في العمرة، كنت كلما تلتقي فيهم، تقول لهم: غَطُّوا الكتف .. غَطُّوا الكتف.
الشيخ: نعم.
(الهدى والنور / ٢٠٦/ ٣١: ٠٨: ٠٠)
كراهية الصلاة حاسر الرأس
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:
قوله: «كشف الرأس في الصلاة روى ابن عساكر عن ابن عباس أن النبي ﷺ كان ربما نزع قلنسوته فجعلها سترة بين يديه».
قلت: الحديث لا يصح الاستدلال به على الكشف لوجهين:
الأول: أنه حديث ضيف. ويكفي للدلالة على ذلك تفرد ابن عساكر به وقد كشفت عن علته في «الضعيفة» ٢٥٣٨.
стр. 1332
الثاني: أنه لو صح فلا يدل على الكشف مطلقا فإن ظاهره أنه كان يفعل ذلك عند عدم تيسر ما يستتر به لأن اتخاذ السترة أهم للأحاديث الواردة فيها.
والذي أراه في هذه المسألة أن الصلاة حاسر الرأس مكروهة ذلك أنه من المسلم به استحباب دخول المسلم في الصلاة في أكمل هيئة إسلامية للحديث المتقدم في الكتاب: « ... فإن الله أحق أن يتزين له» وليس من الهيئة الحسنة في عرف السلف اعتياد حسر الرأس والسير كذلك في الطرقات والدخول كذلك في أماكن العبادات بل هذه عادة أجنبية تسربت إلى كثير من البلاد الإسلامية حينما دخلها الكفار وجلبوا إليها عاداتهم الفاسدة فقلدهم المسلمون فيها فأضاعوا بها وبأمثالها من التقاليد شخصيتهم الإسلامية فهذا العرض الطارئ لا يصلح أن يكون مسوغا لمخالفة العرف الإسلامي السابق ولا اتخاذه حجة لجواز الدخول في الصلاة حاسر الرأس.
وأما استدلال بعض إخواننا من أنصار السنة في مصر على جوازه قياسا على حسر المحرم في الحج فمن أبطل قياس قرأته عن هؤلاء الإخوان كيف والحسر في الحج شعيرة إسلامية ومن مناسكه التي لا تشاركه فيها عبادة أخرى ولو كان
القياس المذكور صحيحا للزم القول بوجوب الحسر في الصلاة لأنه واجب في الحج وهذا إلزام لا انفكاك لهم عنه إلا بالرجوع عن القياس المذكور ولعلهم يفعلون.
وكذلك استدلاله بحديث علي مرفوعا: «ائتوا المساجد حسرا ومعصبين فإن العمائم تيجان المسلمين». استدلال واه لأن الحديث ضعيف جدا أعتقد أنه موضوع لأنه من رواية ميسرة بن عبد ربه وهو وضاع باعترافه وقال العراقي: «متروك».
وقال المناوي في «شرح الجامع الصغير»: «ومن ثم رمز المؤلف لضعفه لكن يشهد له ما رواه ابن عساكر بلفظ: ائتوا المساجد حسرا ومقنعين فإن ذلك من سيما المسلمين».
стр. 1333
قلت: لم يسق المناوي إسناده لينظر فيه وهل يصلح شاهدا لهذا الحديث الموضوع أم لا؟
وجملة القول أنه حديث ضعيف جدا على أقل الأحوال فالاستدلال به غير جائز والسكوت عنه إثم.
ثم تبين لي أن الحديث بلفظيه عند ابن عدي من طريق ذاك الوضاع ومن طريقه عند ابن عساكر باللفظ الآخر أورده السيوطي في «الجامع الصغير» باللفظ الأول من رواية ابن عدي وفي «الجامع الكبير» باللفظ الآخر من رواية ابن عدي وابن عساكر فتوهم المناوي بأنه حديث آخر بإسناد آخر فجعله شاهدا للأول! ومن الظاهر أنه لم يقف على إسناد ابن عساكر وإلا لم يقع منه هذا الخلط والخبط الذي قلدته فيه لجنة تحقيق «الجامع الكبير» بمجمع البحوث الإسلامية ١/ ٣١ / ٣٢ و ٣٣ في مصر! ولو فرضنا أن اللفظ الثاني سالم من مثل هذا الوضاع فهو لا يصلح شاهدا للأول لأن الشاهد لا ينفع في الموضوع بل ولا في الضعيف جدا وقد ذكر المناوي نفسه نحو هذا في غير هذا الحديث فجل من لا ينسى. والحديث قد خرجته في «الضعيفة» ١٢٩٦.
وأما استحباب الحسر بنية الخشوع فابتداع حكم في الدين لا دليل عليه إلا الرأي ولو كان حقا لفعله رسول الله ﷺ ولو فعله لنقل عنه وإذ لم ينقل عنه دل ذلك أنه بدعة فاحذرها.
ومما سلف تعلم أن نفي المؤلف ورود دليل بأفضلية تغطية الرأس في الصلاة ليس صوابا على إطلاقه إلا إن كان يريد دليلا خاصا فهو مسلم ولكنه لا ينفي ورود الدليل العام على ما بيناه آنفا وهو التزين للصلاة بالزي الإسلامي المعروف من قبل هذا العصر والدليل العام حجة عند الجميع عند عدم المعارض. فتأمل.
[تمام المنة ص ««(١٦٤)]
стр. 1334
هل صلى النبي ﷺ حاسر الرأس مرة ؟
السائل: بالنسبة للنبي ﷺ صلى حاسر الرأس مَرَّة؟
الشيخ: أنا لا أستطيع أن أقول صلى أو ما صلى، وأستطيع أن أقول صلى كثيرا، لا لا أستطيع أن أقول صلى، أو ما صلى لأن سؤالك من حيث لفظه مُطْلق، لكن من حيث المتلفظ له مُقَيَّد، فإن كنت تقصد.
السائل: هو كذا يعني، واخذ بالك يا أستاذ؟
الشيخ: واخذ بالي، ولذلك أنا أقول: اللفظ كذا والقصد كذا، القصد من السؤال: هل صلى يوما حاسر الرأس وهو غير محرم، هذا في الوضع الطبيعي، وفي هذا القيد لا أستطيع أن أقول صلى أو ما صلى؛ لأنه لا يوجد لدينا نص يُثْبِت أو ينفي، اللهم إلا حديثا يرويه «أبو الشيخ» في «أخلاق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم» بإسناد ضعيف جدًا، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان إذا كان في سفر، كان يضع قلنسوته بين يديه يصلي إليها.
فإذًا: هذا النص لو صح، كنا نستطيع أن نقول: صلى أحيانا حاسر الرأس متسترا بقلنسوته، لكن هذا الحديث ضعيف الإسناد جدا، فهو في حكم المعدوم.
بل الحديث الضعيف سنده، فيما صرح به الإمام الحافظ ابن حبان هو في حكم العدم، فكيف إذا ما اشتد ضعفه؟ ! فحينئذٍ نحن نقول بما سمعت، لا نستطيع أن نقول صلى أو ما صلى.
أما في حالة الإحرام بحج أو عمرة فهذا أمر معروف واضح ولكن هنا شئ غير واضح، وهو: أن كثيراً من أنصار السنة عندكم، ومن أنصار البدعة في بعض بلاد المغرب سبحان ربي، يحتجون بعدم استحباب على الأقل بعدم استحباب ستر الرأس في الصلاة، قياسا على المُحْرِم بالحج أو العمرة.
стр. 1335
مثل هذا المنطق ليس غريبا أن يصدر من بعض المبتدعة، وبخاصة ذاك الغُمَاري الذي له كُتَيِّب صغير، فيه رسالة أظن سَمَّاها «كشف الالتباس عن الصلاة حاسر الرأس» رسالة صغيرة جداً يَرُد فيه على بعض الشباب المتعلم كما يقول هو: أنهم قالوا له أن من الأدب أن يصلي المسلم ساتر الرأس، وضرب للشيخ مثلا أن أحدنا إذا أراد أن يقابل بعض هؤلاء الرؤساء، فهل يدخل عليه حاسر الرأس أم يتأدب ويتزين بأحسن زينة.
كان جواب الرجل بأن هذه المسألة تختلف باختلاف العادات، ففي بعض البلاد من الأدب ستر الرأس، وفي بعض البلاد حسر الرأس.
فإذًا: القضية ليس لها نظام راتب، وإنما هو حسب العادة: هكذا يقول، هو ثم ذكر أن الذين يذهبون إلى أن من الأدب حَسْر الرأس، يحتجون بالحديث السابق حديث ابن عباس أن النبي ﷺ كان يصلي في السفر والقلنسوة بين يديه، فلو كان يقول من الأدب الستر ما حسر، وتغاضى عن بيان الضعف الشديد أو يجهل- والله أعلم بنيته- أن فيه هذا الضعف الشديد الذي لا يسوغ أن يذكر بغير بيان هذا الضعف، ثم لا يكتفي بذلك فيذكر ذلك القياس العجيب الغريب أنه لو كان من الأدب ستر الرأس في الصلاة لكان الله بَيَّن للرسول ... سبحان الله، مغالطة هذه مكشوفة.
ويُعْجِبُني بهذه المناسبة ما كنت قرأته في رسالة «حجاب المرأة» لـ «شيخ الإسلام ابن تيمية» ذكر هناك أثراً حتى هذه الساعة لم أقف عليه مُسْنَدا يقول بأن ابن عمر ﵁ رأى مولاه نافعا يصلي ذات يوم، يصلي حاسر الرأس، فبعد أن صلى، قال له: «أرأيت لو أنك ذهبت لمقابلة أحد هؤلاء يعني الأمراء، أكنت تذهب إليه حاسر الرأس» قال: لا، قال: «فالله أحق أن يُتَزَيَّن له» هذا كأثر بين نافع ومولاه ابن عمر ذكره هو ولم يعزه ولا وقفت عليه.
لكن أنا خَرَّجت حديثا في «صحيح سنن أبي داود» أظنه من «سنن البيهقي» بالسند الصحيح أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من كان له إزار