الأفضل عدم تكلف لبس النعال أو نزعها فيصلي كما تيسر له
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ١٤:
والأفضل أن يصلي تارة هكذا، وتارة هكذا، حسبما تيسر له، فلا يتكلف لبسهما للصلاة ولا خلعهما، بل إن كان حافيًا صلى حافيًا، وإن كان منتعلًا صلى منتعلًا، إلا لأمر عارض.
[أصل صفة الصلاة (١/ ١٠٩)]
نزع النعلين في أثناء الصلاة
وكان ربما نزعهما من قدميه وهو في الصلاة، ثم استمر في صلاته؛ كما قال أبو سعيد الخدري: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، فلما كان في بعض صلاته؛ خلع نعليه، فوضعهما عن يساره، فلما رأى الناس ذلك؛ خلعوا نعالهم. فلما قضى صلاته؛ قال: «ما بالكم ألقيتم نعالكم؟ ».
قالوا: رأيناك ألقيت نعليك؛ فألقينا نعالنا. فقال: «إن جبريل أتاني، فأخبرني أن فيها قذراً - أو قال: أذى - «وفي رواية: خبثاً»؛ فألقيتهما، فإذا جاء أحدكم إلى المسجد؛ فلينظر في نعليه: فإن رأى فيهما قذراً - أو قال: أذى - «وفي الرواية الأخرى: خبثاً»؛ فليمسحهما، ولْيصلِّ فيهما».
[أصل صفة الصلاة (١/ ١١٠)]
وضع النعلين على اليسار وبين الرجلين
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ١٥:
стр. 1367
وإذا نزعهما فلا يضعهما عن يمينه. وإنما عن يساره، إذا لم يكن عن يساره أحد يصلي، وإلا وضعهما بين رجليه، بذلك صح الأمر عن النبي ﷺ .
وقال في أصل الصفة:
وكان إذا نزعهما؛ وضعهما عن يساره. وكان يقول: «إذا صلى أحدكم؛ فلا يضع نعليه عن يمينه، ولا عن يساره؛ فتكونَ عن يمين غيره؛ إلا أن لا يكون عن يساره أحد، وليضعهما بين رجليه».
[أصل صفة الصلاة (١/ ١١١)]
جواز الصلاة في النعلين
«[وتجوز الصلاة] في النعلين فقد صلى فيهما النبي ﷺ وتواتر ذلك عنه، لكنه يجب النظر فيهما قبل الشروع في الصلاة فإن رأى خبثا دلكهما بالأرض ثم صلى فيهما».
اعلم أن صلاة النبي ﷺ في النعلين قد رواه عنه جمع من الصحابة وقد ذكرت أحاديث من ثبت إسناده إليه منهم في كتابنا الكبير في «صفة صلاة النبي ﷺ » وهم أنس بن مالك وأبو هريرة وعائشة وابن مسعود وعبد الله بن الشخير وعبد الله بن عمرو وأوس بن أبي أوس. ولذلك صرح الإمام الطحاوي بأن: «الآثار متواترة عن رسول الله ﷺ من صلاته في نعليه».
وقد ساق الكثير منها بأسانيدها ونحن نذكر هنا حديثا واحدا منها ونحيل في سائرها على كتابنا المشار إليه:
قال سعيد بن يزيد الأزدي: سألت أنس بن مالك: أكان رسول الله ﷺ يصلي في النعلين؟ قال: نعم.
стр. 1368
أخرجه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي والدارمي والطحاوي والبيهقي والطيالسي وأحمد، قال الترمذي: «حديث أنس حسن صحيح والعمل على هذا عند أهل العلم».
قال العلامة الأستاذ أحمد محمد شاكر في تعليقه على الترمذي: «نعم لا نعلم خلافا بين أهل العلم في جواز الصلاة في النعال في المسجد وغير المسجد، ولكن انظر إلى شأن العامة من المسلمين الآن حتى من ينتسب إلى العلم: كيف ينكرون على من يصلي في نعليه؟ ولم يؤمر بخلعهما عند الصلاة إنما أمر أن ينظر فيهما فإن كان فيهما أذى دلكهما بالأرض وذلك طهورهما ولم تؤمر فيهما بغير ذلك».
وقال ابن القيم في «إغاثة اللهفان من مكائد الشيطان» ما ملخصه:
«ومما لا تطيب به قلوب الموسوسين: الصلاة في النعال وهي سنة رسول الله ﷺ فعلا منه وأمرا». ثم ذكر حديث أنس وحديث شداد بن أوس الآتي قريبا ثم قال: «وقيل للإمام أحمد: أيصلي الرجل في نعليه؟ فقال: إي والله. وترى أهل الوسواس إذا بلي أحدهما بصلاة الجنازة في نعليه قام على عقبيهما كأنه واقف على الجمر حتى لا يصلي فيهما».
«والصلاة فيهما تخيير لقوله ﷺ : «إذا صلى أحدكم فليلبس نعليه أو ليجعلهما بين رجليه ولا يؤذ بهما غيره».
هو من حديث أبي هريرة ﵁.
أخرجه أبو داود والحاكم والبيهقي من طريق الأوزاعي: ثنا محمد بن الوليد عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عنه.
وهذا سند صحيح على شرط الشيخين.
ثم أخرجه الحاكم من طريق عياض بن عبد الله القرشي عن سعيد عن أبي هريرة فلم يقل: «عن أبيه» وقال: «صحيح على شرط مسلم» ووافقه الذهبي وهو كما قالا وقال العراقي: «رواه أبو داود بسند صحيح وضعفه المنذري وليس بجيد».
стр. 1369
قلت: ولعل تضعيف المنذري له إنما هو لأجل هذا الاختلاف على سعيد وهو اختلاف لا يضر إن شاء الله تعالى كما بينته في «صفة صلاة النبي ﷺ ».
[الثمر المستطاب (١/ ٣٤٩)].
يستحب الصلاة في النعلين أحيانًا مخالفة لليهود
«لكن يستحب الصلاة فيهما أحيانا مخالفة لليهود ومن تنطع مثلهم لقوله ﷺ : «خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم».
الحديث صحيح الإسناد أخرجه أبو داود والحاكم وعنه البيهقي عن قتبية بن سعيد: ثنا مروان بن معاوية الفزاري.
عن هلال بن ميمون الرملي عن يعلى بن شداد بن أوس عن أبيه مرفوعا به. وقال الحاكم:
«صحيح الإسناد». ووافقه الذهبي.
قلت: ورجاله كلهم ثقات وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» أيضا ولا مطعن في إسناده كما قال الشوكاني ونقل المناوي في «شرح الجامع» عن الزين العراقي أنه قال: «إسناده حسن».
وله شاهد من حديث أنس ذكرته في «صفة صلاة النبي ﷺ ».
والحديث دليل لما ذكرنا من استحباب الصلاة في النعلين وإنما منعنا من الجزم بالوجوب حديث أبي هريرة الذي قبله وكذلك بعض الأحاديث المشار إليها قريبا مثل حديث عبد الله بن عمرو قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلي حافيا ومنتعلا.
أخرجه أبو داود وعنه البيهقي وابن ماجه والطحاوي وأحمد عن عمرو بن سعيب عن أبيه عن جده.
стр. 1370
وهذا سند حسن أو صحيح على الخلاف المشهور فيه ومثله حديث أبي هريرة وعائشة فصلاته ﷺ حافيا أحيانا دليل على عدم الوجوب قال الشوكاني: «ويجمع بين أحاديث الباب بجعل حديث أبي هريرة وما بعده صارفا للأوامر المذكورة المعللة بالمخالفة لأهل الكتاب من الوجوب إلى الندب لأن التخيير والتفويض إلى المشيئة بعد تلك الأوامر لا ينافي الاستحباب كما في حديث: «بين كل أذانين صلاة لمن شاء» وهذا أعدل المذاهب وأقواها عندي».
وقال الحافظ العراقي: «وحكمة الصلاة في النعلين مخالفة أهل الكتاب كما تقرر، وخشية أن يتأذى أحد بنعليه إذا خلعهما مع ما في لبسهما من حفظهما من سارق أو دابة تنجس نعله». نقله المناوي في «فيض القدير».
[الثمر المستطاب (١/ ٣٥١)].
стр. 1371
الطهارة للصلاة
стр. 1372
من شروط الصلاة: طهارة البدن والثوب والمكان
ويجب تطهير البدن من كل نجس لقوله ﷺ : «عامة عذاب القبر من البول فتنزهوا من البول» وقوله: «فإذا أقبلت الحيضة فدعى الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي».
الحديث الأول حسن كما قال النووي في «المجموع» وهو من حديث ابن عباس عند الدارقطني وقال: «لا بأس به».
وله طريقان ذكرناهما في «التعليق الرغيب».
والحديث الثاني صحيح متفق عليه وقد مضى.
وفي الباب أحاديث الاستنجاء.
وقد يقال: إن الحديث الأول خاص بالبول والثاني بدماء النساء. ولا يخفى أن قياس النجاسات الأخرى عليهما قياس صحيح بجامع اشتراكها في علة النجاسة فيجب التنزه من كل نجاسة وغسلها إذا أصابت البدن. وقد قال الخطابي: «إن جميع النجاسات بمثابة الدم لا فرق بينه وبينها إجماعا» كما نقله في «الفتح».
«ولذلك يجب تطهير الثياب من كل نجاسة لقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]».
أي: اغسلها بالماء. قال ابن زيد: «كان المشركون لا يتطهرون فأمره الله أن يتطهر وأن يطهر ثيابه».
وفي الآية أقوال أخرى أوردها ابن كثير وغيره والقول المذكور هو الأظهر وهو الذي رجحه النووي في «المجموع» تبعا للبيهقي واختاره ابن جرير وكذا ابن حزم في «المحلى» وقال: «ومن ادعى أن المراد بذلك القلب فقد خص الآية بدعواه بلا برهان والأصل في اللغة التي بها نزل القرآن: أن الثياب هي الملبوسة والمتوطأة ولا ينقل عن ذلك إلى القلب والعرض إلا بدليل».
стр. 1373
وذهب ابن كثير إلى أن الآية قد تشمل الأقوال التي ذكرها وفيها هذا القول الذي رده ابن حزم أي طهارة القلب قال:
«فإن العرب تطلق الثياب عليه».
وابن حزم لم ينكر هذا وإنما أنكر تخصيص الآية بالقلب.
وقد ذهب إلى ما ذهب إليه ابن كثير وابن القيم ولعلهما أخذاه من شيخهما ابن تيمية ﵀. فقال ابن القيم في «إغاثة اللهفان» - بعد أن ساق الأقوال المشار إليها -: «قلت: الآية تعم هذا كله - وتدل عليه بطريق التنبيه واللزوم إن لم تتناول ذلك لفظا، فإن المأمور به إن كان طهارة القلب فطهارة الثوب وطيب مكسبه تكميل لذلك، فإن خبث الملبس يكسب القلب هيئة خبيثة كما أن خبث المطعم يكسبه ذلك، ولذلك حرم لبس جلود النمور والسباع بنهي النبي ﷺ عن ذلك في عدة أحاديث صحاح لا معارض لها لما تكسب القلب من الهيئة المشابهة لتلك الحيوانات فإن الملابسة الظاهرة تسري إلى الباطن، ولذلك حرم لبس الحرير والذهب على الذكور لما يكتسب القلب من الهيئة التي تكون لمن ذلك لبسه من النساء وأهل الفخر والخيلاء. والمقصود أن طهارة الثوب وكونه من مكسب طيب هو من تمام طهارة القلب وكمالها فإن كان المأمور به ذلك فهو وسيلة مقصودة لغيرها والمقصود لنفسه أولى أن يكون مأمورا به، وإن كان مأمورا به طهارة القلب وتزكية النفس فلا يتم إلا بذلك فتبين دلالة القرآن على هذا وهذا».
وقوله ﷺ : «إذا أصاب ثوب إحداكن الدم من الحيضة فلتقرصه ثم لتنضحه بالماء ثم تصلي فيه».
هو من حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق أنها قالت:
سألت امرأة رسول الله ﷺ فقالت: أرأيت إحدانا إذا أصاب ثوبها الدم من الحيضة كيف تصنع فيه؟ فقال رسول الله ﷺ ... الحديث.
стр. 1374
أخرجه مالك وعنه البخاري ومسلم وأبو داود عن هاشم بن عروة عن فاطمة بنت المنذر بن الزبير عنها.
وأخرجه البخاري أيضا ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه والدارمي وابن ماجه والبيهقي والطيالسي وأحمد والطيالسي عن هشام ومحمد بن إسحاق عن فاطمة به نحوه.
وله شاهد من حديث أم قيس بنت محصن أنها سألت رسول الله ﷺ عن دم الحيض يصيب الثوب؟ قال: «حديه بضلع واغسليه بماء وسدر».
أخرجه أبو داود والنسائي والدارمي وابن ماجه والبيهقي وأحمد عن سفيان قال: ثني ثابت الحداد عن عدي بن دينار عنها.
وهذا سند حسن رجاله ثقات غير ثابت وهو ابن هرمز صدوق يهم كما في «التقريب».
والحديث يدل على وجوب تطهير الثياب من النجاسات وهو وإن كان واردا في الدم فسائر النجاسات بمثابته لا فرق بينها في القياس كما قال الخطابي في «المعالم» وفي الباب الأمر بغسل الثوب من بول الجارية وقد مضى في أول الكتاب.
وسأل رجل النبي ﷺ : أصلي في الثوب الذي آتي فيه أهلي؟ قال: «نعم إلا أن ترى فيه شيئا فتغسله».
هو من حديث جابر بن سمرة قال: سأل ... إلخ.
أخرجه أحمد وابن ماجه عن عبيد الله بن عمر وعن عبد الملك بن عمير عنه. قال في «الزوائد»:
«هذا إسناد صحيح ورجاله ثقات».
قلت: ورجاله رجال الشيخين.
стр. 1375
وفي الباب عن معاوية أنه سأل أخته أم حبيبة زوج النبي ﷺ : هل كان رسول الله ﷺ يصلي في الثوب الذي يجامع فيه؟ قالت: نعم إذا لم يكن فيه أذى.
أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي وأحمد عن يزيد بن أبي حبيب عن سويد بن قيس عن معاوية بن حديج عنه.
وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات وصححه ابن خزيمة وابن حبان كما في «الفتح».
ورواه محمد بن أبي سفيان عن أخته أم حبيبة بلفظ: قالت: رأيت النبي ﷺ يصلي وعلي وعليه ثوب واحد فيه كان ما كان.
أخرجه أحمد من طريق معاوية بن صالح قال: ثنا ضمرة بن حبيب عنه.
ورجاله ثقات غير محمد بن أبي سفيان فقال الحافظ في «التقريب»:
«مقبول وقيل: الصواب: عنبسة بن أبي سفيان».
قلت: وجزم بذلك الخزرجي في «الخلاصة» فإذا صح ذلك فالإسناد صحيح لأن عنبسة بن أبي سفيان ثقة من رجال مسلم.
وعن عائشة قالت:
كنت أنا ورسول الله ﷺ نبيت في الشعار الواحد وأنا طامث حائض فإن أصابه مني شيء غسل مكانه ولم يعده وصلى فيه ثم يعود فإن أصابه مني شيء فعل مثل ذلك ولم يعده وصلى فيه.
أخرجه أبو داود والنسائي والدارمي عن يحيى بن سعيد القطان: ثني جابر بن صبح قال: سمعت خلاس بن عمرو قال: سمعت عائشة به.
وهذا سند صحيح متصل بالسماع رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير جابر بن صبح - بضم المهملة وسكون الموحدة - وثقه ابن معين وفي «التقريب» أنه صدوق.
стр. 1376
ورواه أحمد من طريق أخرى مختصرا بلفظ: «كان يصلي في الثوب الذي يجامع فيه».
رواه من طريق برد بن سنان عن سليمان بن موسى عنها ورجاله ثقات لكنه منقطع بين سليمان وعائشة وبين وفاتيهما ستون سنة فأكثر.
- وفي هذه الأحاديث والأحاديث المتقدمة في المسألة الأولى دلالة وجوب تطهير البدن والثياب من النجاسة وقد اختلف العلماء في ذلك فذهب الشافعية إلى أن إزالتها شرط لصحة الصلاة قال النووي في «المجموع»:
«وبه قال أبو حنيفة وأحمد وجمهور العلماء من السلف والخلف، وعن مالك في إزالة النجاسة ثلاث روايات:
أصحها وأشهرها أنه إن صلى عالما بها لم تصح صلاته وإن كان جاهلا أو ناسيا صحت وهو قول قديم عن الشافعي.
والثانية: لا تصح الصلاة علم أو جهل أو نسي.
والثالثة: تصح الصلاة مع النجاسة وإن كان عالما متعمدا وإزالتها سنة ونقل أصحابنا عن ابن عباس وسعيد بن جبير نحوه.
ثم احتج النووي لما ذهب إليه الجمهور بالآية السابقة الذكر وبالأوامر الواردة في الأحاديث المتقدمة ولا يخفى أن غاية ما تفيده هذه الأوامر هو الوجوب والوجوب لا يستلزم الشرطية لأن كون الشيء شرطا حكم شرعي وضعي لا يثبت إلا بتصريح الشارع بأنه شرط أو بتعليق الفعل به بأداة الشرط أو ينفي الفعل بدونه (١) نفيا متوجها إلى الصحة لا إلى الكمال أو بنفي الثمرة ولا يثبت بمجرد الأمر به كما قال الشوكاني ﵀. فالحق أن إزالة النجاسة ليست شرطا لصحة الصلاة وهو قول الشافعي في القديم وإنما هي واجبة لهذه الأوامر يأثم مخالفها فمن صلى
стр. 1377
وعلى بدنه أو ثوبه نجاسة كان تاركا لواجب وأما إن صلاته باطلة كما هو شأن فقدان شرط الصحة فلا لما عرفت.
[الثمر المستطاب (١/ ٣٢٤)].
حكم من علم وهو يصلي بأنه يحمل نجسًا
«ومن علم وهو يصلي بأنه يحمل نجسا فعليه أن يزيله ويستمر في صلاته ويبني على ما كان قد صلى قبل الإزالة وصلاته صحيحة، فقد صح عن النبي ﷺ أنه صلى ذات يوم فلما كان في بعض صلاته خلع نعليه فوضعهما عن يساره فلما رأى الناس ذلك خلعوا نعالهم فلما قضى صلاته قال: «ما بالكم ألقيتم نعالكم؟ » قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا فقال رسول الله ﷺ : «إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرا - أو قال أذى وفي رواية: خبثا - فألقيتهما. فإذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر في نعليه فإن رأى فيهما قذرا - أو قال: أذى وفي رواية: خبثا - فليمسحها وليصل فيهما».
هو من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم ... إلخ.
«صحيح على شرط مسلم» [ثم ساق الإمام شواهده ثم قال]:
وبالجملة فالحديث بهذه الشواهد صحيح حجة لا شبهة فيه وقد صححه من عرفت من الأئمة.
والحديث دليل واضح لما احتججنا له.
وفي الباب عن عائشة وسيأتي في خاتمة الكلام على المسألة الرابعة. وقد قال الخطابي في المعالم: «قلت: فيه من الفقه أن من صلى وفي ثوبه نجاسة لم يعلم بها فإن صلاته مجزية ولا إعادة عليه».
стр. 1378
وإلى هذا ذهب الشافعي في القديم كما قال البيهقي وعليه يدل عمل ابن عمر ﵁ فقد روى البيهقي عن يزيد بن هارون: أنبأ محمد بن مطرف عن زيد بن مسلم قال: رأيت ابن عمر يصلي في ردائه وفيه دم فأتاه نافع فنزع عنه ردائه وألقى عليه رداءه ومضى في صلاته.
وعن عبد الرزاق: أنبأ معمر عن الزهري عن سالم أن ابن عمر بينما هو يصلي رأى في ثوبه دما فانصرف فأشار إليهم فجاؤوه بماء فغسله ثم أتم ما بقي على ما مضى من صلاته ولم يعد.
قلت: وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقد قال في «باب اجتناب النجاسة» من الاختيارات العلمية:
«ومن صلى بالنجاسة ناسيا أو جاهلا فلا إعادة عليه وقاله طائفة من العلماء لأن من كان مقصوده اجتناب المحظور إذا فعله مخطئا أو ناسيا فلا تبطل العبادة به».
وقال ابن القيم في «إغاثة اللهفان»:
«ومن ذلك - يعني مما سهل فيه النبي ﷺ وشدد فيها الموسوسون - ما أفتى به عبد الله بن عمر وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب وطاوس وسالم ومجاهد والشعبي وإبراهيم النخعي والزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري والحكم والأوزاعي ومالك وإسحاق بن راهويه وأبو ثور والإمام أحمد في أصح الروايتين وغيرهم: أن الرجل إذا رأى على بدنه أو ثوبه نجاسة بعد الصلاة لم يكن عالما بها أو كان يعلمها لكنه نسيها أو لم ينسها لكنه عجز عن إزالتها أن صلاته صحيحة ولا إعادة عليه».
ونسب النووي القول بذلك إلى جمهور العلماء ثم قال في «المجموع»:
«قال ابن المنذر: وبه أقول وهو مذهب ربيعة ومالك وهو قوي في الدليل وهو المختار».
وإذا صح ما ذهبنا إليه فالحديث دليل على أن إزالة النجاسة ليس شرطا لصحة الصلاة لأنه ﵊ بنى على ما كان صلى قبل الخلع، فلو كانت شرطا
стр. 1379
لاستأنف الصلاة لأن الشرط يؤثر عدمه في عدم المشروط كما تقرر في الأصول قال الشوكاني: «والحديث استدل به القائلون بأن إزالة النجاسة من شروط صحة الصلاة وهو كما عرفناك عليهم لا لهم لأن استمراره على الصلاة التي صلاها قبل خلع النعل وعدم استئنافه لها يدل على عدم كون الطهارة شرطا، وأجاب الجمهور عن هذا بأن المراد بالقذر هو الشيء المستقذر كالمخاط والبصاق ونحوهما ولا يلزم من القذر أن يكون نجسا وبأنه يمكن أن يكون دما يسيرا معفوا عنه وإخبار جبريل له بذلك لئلا تتلوث ثيابه بشيء مستقذر. ويرد هذا الجواب بما قاله في «البارع» في تفسيره قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦] أنه كنى بالغائط عن القذر وقول الأزهري: النجس القذر الخارج من بدن الإنسان. فجعله المستقذر غير نجس أو نجس معفو عنه تحكم وإخبار جبريل في حالة الصلاة بالقذر الظاهر أنه لما فيها من النجاسة التي يجب تجنبها في الصلاة لا لمخافة التلوث لأنه لو كان لذلك لأخبره قبل الدخول في الصلاة لأن القعود حال لبسهما مظنة للتلوث بما فيها على أن هذا الجواب لا يمكن مثله في رواية الخبث المذكورة في الباب للاتفاق بين أئمة اللغة وغيرهم أن الأخبثين هما البول والغائط».
وقال ابن القيم ﵀ في «إغاثة اللهفان» بعد أن ساق الحديث:
وتأويل ذلك على ما يستقذر من مخاط أو نحوه من الطاهرات لا يصح لوجوه:
أحدها: أن ذلك لا يسمى خبثا.
الثاني: أن ذلك لا يؤمر بمسحه عند الصلاة فإنه لا يبطلها.
الثالث: أنه لا تخلع النعل في الصلاة فإنه عمل لغير حاجة فأقل أحواله الكراهة.
الرابع: أن الدارقطني روى في «سننه» في حديث الخلع من رواية ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما دم حلمة» والحلم كبار القراد.
[الثمر المستطاب (١/ ٣٣٢)]
стр. 1380
جواز الصلاة في الثياب التي هي مظنة النجاسة
«وتجوز الصلاة في أحوال:
الأول: في الثياب التي هي مظنة النجاسة كثياب الحائض والمربية والمرضع والصبي فقد «كان ﵊ يصلي من الليل وعائشة إلى جانبه وهي حائض وعليها مرط وعليه بعضه» و «كان يصلي وهو حامل أمامه بنت زينب فإذا ركع وسجد وضعها وإذا قام حملها فصلى رسول الله ﷺ وهي على عاتقه حتى قضى صلاته يفعل ذلك بها».
[ثم تكلم الإمام على تخريجه ثم قال]:
والحديث قال ابن القيم في «الإغاثة»: «دليل على جواز الصلاة في ثياب المربية والمرضع والحائض والصبي ما لم يتحقق نجاستها» وقال النووي في «شرح مسلم»:
«فيه دليل لصحة صلاة من حمل آدميا أو حيوانا طاهرا من طير وشاة وغيرهما، وأن ثياب الصبيان وأجسادهم طاهرة حتى تتحقق نجاستها ... إلخ» ثم قال:
«وهو يدل لمذهب الشافعي ﵀ ومن وافقه أنه يجوز حمل الصبي والصبية وغيرهما من الحيوان الطاهر في صلاة الفرض والنفل ويجوز ذلك للإمام والمأموم والمنفرد وحمله أصحاب مالك ﵁ على النافلة ومنعوا جواز ذلك في الفريضة. وهذا التأويل فاسد لأن قوله: «يؤم الناس» صريح أو كالصريح في أنه كان في الفريضة. وادعى بعض المالكية أنه منسوخ وبعضهم أنه خاص بالنبي ﷺ وبعضهم أنه كان لضرورة. وكل هذه الدعاوى باطلة مردودة فإنه لا دليل عليها ولا ضرورة إليها بل الحديث صحيح صريح في جواز ذلك وليس فيه ما يخالف قواعد الشرع لأن الآدمي طاهر وما في جوفه من النجاسة معفو عنه لكونه في معدته وثياب الأطفال وأجسادهم على الطهارة ودلائل الشرع متظاهرة على هذا والأفعال في الصلاة لا تبطلها إذا قلت أو تفرقت» ثم قال: «فالصواب الذي لا معدل عنه: أن
стр. 1381
الحديث كان لبيان الجواز والتنبيه على هذه الفوائد فهو جائز لنا وشرع مستمر للمسلمين إلى يوم الدين».
هذا وقد يعارض ما تقدم حديث عائشة أيضا قالت: كان لا يصلي في لحف نسائه.
أخرجه أبو داود والترمذي والبيهقي من طريق أشعث بن عبد الملك عن محمد بن سيرين عن عبد الله بن شقيق عنها. وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح».
قلت: ورجاله كلهم ثقات رجال مسلم غير أشعث هذا وهو ثقة ففيه كما في «التقريب».
ثم رواه أبو داود عن حماد عن هشام عن ابن سيرين عن عائشة وهذا منقطع. قال حماد: «وسمعت سعيد بن أبي صدقة قال: سألت محمدا عنه فلم يحدثني وقال: سمعته منذ زمان ولا أدري ممن سمعت ولا أدري أسمعته من ثبت أو لا فسلوا عنه».
قلت: وكذلك رواه سلمة بن علقمة عن ابن سيرين لم يذكر شقيق في إسناده.
أخرجه البيهقي وأخرجه أحمد أيضا عنه عن ابن سيرين قال:
نبئت أن عائشة قالت.
ورواه قتادة عن ابن سيرين: أن النبي ﷺ كره الصلاة في ملاحف النساء.
أخرجه أحمد: ثنا عفان قال: ثنا همام قال: ثنا قتادة به.
ورجاله ثقات رجال الستة لكنه مرسل فهو ضعيف لا سيما بهذا اللفظ الشاذ ولعله رواية بالمعنى وليس هذا المعنى صحيحا لأن امتناعه ﵊ من أمر لا يدل على كراهته لا سيما إذا ثبت أنه فعله مرارا كما تقدم في تلك الأحاديث عن عائشة وميمونة وحذيفة وهي مثبتة وحديث عائشة ناف والمثبت مقدم على النافي عند التعارض وعدم إمكان الجمع ولعل الجمع هنا ممكن بأن يقال: إن عائشة في حديثها هذا إنما نفت استمرار الرسول ﵊ على
стр. 1382
الصلاة في لحف نسائه لما يدل عليه صيغة: «كان» وكان لا ينفي أنه كان يفعل ذلك أحيانا ويقوي هذا الجمع أن عائشة نفسها قد روت فعله لذلك كما في الحديث الأول من هذا الفصل وأصرح منه ما سبق في المسألة الثانية عنها أيضا بلفظ:
كنت أنا ورسول الله ﷺ نبيت في الشعار الواحد وأنا طامث حائض فإن أصابه مني شيء غسل مكانه ولم يعده وصلى فيه ... الحديث. فإن مفهومه أنه كان يصلي في الشعار إن لم يصبه منها شيء.
و«الشعار»: هو الثوب الذي يستشعره الإنسان أي: يجعله مما يلي بدنه والدثار: ما يلبسه فوق الثياب وهو اللحاف.
وأصرح من هذا كله حديثها الآخر قالت:
كنت مع رسول الله ﷺ وعلينا شعارنا وقد ألقينا فوقه كساء فلما أصبح رسول الله ﷺ أخذ الكساء فلبسه ثم خرج فصلى الغداة ثم جلس فقال: رجل: يا رسول الله هذه لمعة من دم فقبض رسول الله ﷺ على ما يليها فبعث بها إلى مصرورة في يد الغلام فقال: «اغسلي هذه وأجفيها ثم أرسلي بها إلي» فدعوت بقصتي فغسلتها ثم أجففتها فأحرتها إليه فجاء رسول الله ﷺ بنصف النهار وهي عليه».
لكنه من رواية أم يونس بنت شداد قالت: حدثتني حماتي أم جحدر العامرية عنها. ولا يعرف حالهما كما في «التقريب» وقد قال الذهبي في «الميزان»: «وما علمت في النساء من اتهمت ولا من تركوها».
والحديث أخرجه أبو داود فهو صريح في صلاته ﵇ في الكساء الذي كان ملتحفا به هو زوجه حتى تبين له أن فيه لمعة الدم فأمر بغلسه ولم يعد الصلاة من أجله لأنه لو أعادها لنقلت إلينا فهو - لو صح دليل آخر على أن إزالة النجاسة ليس شرطا لصحة الصلاة وهو الحق إن شاء الله تعالى كما سبق بيانه.
стр. 1383
وبالجملة فحديث عائشة الذي نحن في صدد الكلام عليه ليس المراد منه نفي صلاة النبي ﷺ في لحف النساء وثيابهن مطلقا بل المراد نفي دوامه ﵊ على ذلك هذا ما يفيده مجموع الأحاديث الواردة في هذا الموضوع وطريقة الجمع بينها. والله أعلم.
[الثمر المستطاب (١/ ٣٣٨)].
جواز الصلاة على مركوب قد أصابته نجاسة
«الثاني [مما تجوز الصلاة فيه]: على مركوب قد أصابته نجاسة لأن النبي ﷺ صلى على حمار وهو متوجه إلى خيبر تطوعا».
الحديث صحيح الإسناد. [ثم خرجه الإمام ثم قال]:
أخرجه البخاري ومسلم والبيهقي وأحمد من طريق أخرى عن أنس بن سيرين قال: استقبلنا انسا حين قدم من الشام فلقيناه بعين التمر فرأيته يصلي على حمار ووجهه من ذا الجانب - يعني عن يسار القبلة - فقلت: رأيتك تصلي لغير القبلة؟ فقال: لولا أني رأيت رسول الله ﷺ فعله لم أفعله.
وبوب له البخاري «باب صلاة التطوع على الحمار». قال ابن رشيد:
«مقصوده أنه لا يشترط في التطوع على الدابة أن تكون طاهرة الفضلات بل الباب في المركوبات واحد بشرط أن لا يماس النجاسة. وقال ابن دقيق العيد: يؤخذ من هذا الحديث طهارة عرق الحمار لأن ملامسته مع التحرز منه متعذر لا سيما إذا طال الزمان في ركوبه واحتمل العرق» كذا في «الفتح» لابن حجر ثم قال: «وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما مضى أن من صلى على موضع فيه نجاسة لا يباشر بشيء منه أن صلاته صحيحة لأن الدابة لا تخلو من نجاسة ولو على منفذها».
والحديث ترجم له أبو البركات مجد الدين ابن تيمية في «المنتقى» بـ «باب من صلى على مركوب نجس أو قد أصابته نجاسة» وساق فيه حديث ابن عمر وحديث
стр. 1384
أنس. فقال الشوكاني في «شرحه»: «واستدل المصنف بالحديثين على جواز الصلاة على المركوب النجس والمركوب الذي أصابته نجاسة وهو لا يتم إلا على القول بأن الحمار نجس عين، نعم يصح الاستدلال به على جواز الصلاة على ما فيه نجاسة لأن الحمار لا ينفك عن التلوث بها».
والحديث فيه دليل أيضا على جواز صلاة التطوع على الراحلة وهو متفق عليه وسيأتي البحث في محله.
[الثمر المستطاب (١/ ٣٤٦)].
البناء على ما صلى لمن نسي الطهارة أو انتقض وضوؤه
مداخلة: ... سمعنا لك أحد الأشرطة ذكرت بها أن الرسول ﷺ قام ليؤم أصحابه فتذكر أنه ليس على طهارة، فقال: الزموا أماكنكم، فذهب فرجع وهو يقطر ماء فَكَبَّر فصلى، فذكرت أنت هناك كلمة البناء، أنه بنى، فكيف تتم عملية البناء أولاً، ثم هل في هذه الصلاة في هذا الحديث الذي ذكر، هل كان الرسول ﷺ قد صلى بهم ثم ذهب ليغتسل أم قبل التكبير؟
الشيخ: الجواب: هناك حديثان اثنان أحدهما من حديث أبي هريرة، والآخر من حديث أبي بكرة الثقفي.
الحديث الأول يقول: إن النبي ﷺ قام يصلي صلاة الفجر فتذكر قبل أن يكبر أنه على جنابة، فذهب واغتسل وجاء وصلى بهم.
هذا الحديث ليس موضوعنا.
الحديث الثاني هو بحثنا، حديث أبي بكرة أن النبي ﷺ كبر ذات يوم لصلاة الفجر ثم تذكر، فأشار إليهم أن مكانكم، فذهب وجاء ورأسه يقطر ماء فصلى بهم.
هذا الحديث الثاني نحن نقول: إن هذا الحديث فيه أن النبي ﷺ بنى على ما صلى من قبل.
стр. 1385
وهنا مسألة خلافية بين العلماء، إذا وقع للمصلي ما يبطل صلاته كأن يكون مثلاً وهو يصلي خرج منه ناقض للوضوء على خلاف النواقض المعروفة عند العلماء، فمن يقول أن الرعاف ينقض الوضوء، هذا بطل وضوؤه، خرج الدم بطل وضوؤه، من يقول به.
أما النواقض كما قال ﵇: «فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً» فهذه نواقض مُتَّفَق عليها، فأيُّ ناقض خرج من المصلي ثم ذهب وتوضأ، فهل يبني على صلاته، أي: يعتبر الصلاة الماضية التي صلاها على طهارة ثم انتقضت هذه الطهارة، هذه الطهارة المنتقضة هل نقضت الصلاة السابقة أم تبقى هذه الصلاة صحيحة؟ فهنا قولان للعلماء:
منهم من يقول: يبني على ما مضى، أي ما صلى، صلى ركعة مثلاً فانتقض وضوؤه بناقض من النواقض، فمعنى يبني أي الركعة التي صلاها ما دام صلاها على طهارة فهي ركعة صحيحة، فإذا جَدَّد وضوءه يبني، أي: لو كان يصلي الصبح لا يأتي بركعتين وإنما يأتي بركعة واحدة.
أما من يقول أنه يستأنف الصلاة فمعنى ذلك أن تلك الركعة لا قيمة لها، فهو يبتدئ الصلاة من جديد.
حديث أبي بكرة من الأحاديث الصحيحة التي تُرجِّح أن من عَرَض له ما يُبْطل صلاته أنه يبني على ما صلى، ما دام أنه كان معذوراً، ومن الأعذار هو النسيان، وهذا ما وقع للرسول ﵇ في قصة أبي بكرة؛ حيث دخل في الصلاة وهو جنب، فذهب واغتسل وجاء ورأسه يقطر ماءً فصلى ما قال: فابتدأ الصلاة. وهذه ناحية.
الناحية الأخرى: أنه ﵇ لو كان يريد أن يُبَيِّن لأمته أن مثل هذه الحادثة التي وقعت له لم يكن به من حاجة بأن يشير إليهم أن يقول لهم إشارة بيده أن مكانكم، وإنما يقول لهم بلسانه .. أنا بطلت صلاتي لأني تذكرت أنني على غير طهارة، فاجلسوا استريحوا حتى آتيكم، أما أن يشير إليهم إشارة لا يصرح لهم
стр. 1386
بعبارة، وثانياً أن يُوْقِفهم كأنهم في الصلاة، وهم حقيقة في الصلاة، فهذه علامات تؤكد أن قوله: «فصلى» أي: أتم الصلاة.
فإذاً: وضح لك ما هو المقصود بكلمة البناء هنا.
مداخلة: أُريد استيضاحاً آخر بارك الله فيك، أنه كان على جنابة، فإذا صلى بهم ركعة على سبيل المثال أن الإمام صلى ركعة، فحسب ما قلت أنه يبني بهم على الركعة الأولى.
طيب: ألا نقول أن هناك القاعدة التي تقول: إن ما بني على فاسد، فصلاته أصلاً كانت فاسدة؛ لأنه أصلاً كان على جنابة.
الشيخ: ما هو الدليل على أنها فاسدة؟
مداخلة: أنه أصلاً كان على جنابة عندما دخل إلى الصلاة.
الشيخ: معليش يا أخي، لكن نحن نقول هذا غير متعمد، هذا ناسي، ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
هذا السؤال يشبه تماماً: ما حكم من يأكل في رمضان ناسياً؟ هل يبطل صيامه؟
الجواب: لا، لأنه كان ناسياً.
فهل يصح أن نقيس الناسي على العامد، فنقول: الذي يأكل ناسياً في رمضان كالذي يأكل عامداً في رمضان؟
لا يستويان مثلاً.
فحينما نريد أن نقول: ما بني على فاسد فهو فاسد، القاعدة صحيحة، لكن سنطبق القاعدة نفسها: ما بني على فاسد فهو فاسد، نحن نقول: أنت تبني على فاسد؛ لأنه لا دليل على أن الذي يصلي وهو ناس لوضوئه وتذكر هذا الوضوء أو ناسياً لجنابته، فَتَذَكَّره في الصلاة فبنى عليها أنه بنى على فاسد.
لا، نحن بحاجة إلى دليل والدليل الآن على خلاف المدعى. واضح.
стр. 1387
مداخلة: بارك الله فيك.
مداخلة: ... سؤال.
الشيخ: تفضل.
مداخلة: لماذا نقول مثلاً: إن الذي يصلي صلاة تامة على غير طهارة وهو ناسي ..
الشيخ: هذا في أثر عمر ..
مداخلة: ألا مثلاً أنه نتبع الحديث بأن النبي ﷺ اعتد بالركعة.
الشيخ: لو كان الحديث بعد الصلاة، لو كانت القصة كما وقع لعمر لقلنا بالحديث، لكن الحديث خاص في جزئية طبقناها، أثر عمر في جزئية أعم من ذلك فطبقناه، ووضعنا كل شيء بمكانه.
مداخلة: في هذه المسألة بالذات، فبعض المذاهب يشيرون إلى استدبار القبلة يعني كيف العمل هنا، بما أن الرسول ﷺ كان لا شك أنه استدبر القبلة.
الشيخ: لا، ما نقول نحن لا شك، ممكن هذا، يعني ممكن مثلاً هنا، ممكن الإنسان أنه إذا تذكر أن لا ينحرف عن القبلة، يأتي ويتوضأ يقف هنا ويتوضأ يمكن هذا، فإذا أمكن فعليه أن يحرص أن لا ينحرف عن القبلة، أما إذا كان ولا بد؛ لأن المكان في وضع مثلاً دبر القبلة فلا بد له أن يذهب إليها منحرفاً عن القبلة، فالانحراف عن القبلة كالحدث تماماً، كل منهما، أي استقبال القبلة شرط، والطهارة شرط، لكن لهذه الطهارة إذا اغتفرت بسبب عذر شرعي، فكذلك استدبار القبلة تلحق بنفس الحكم هذا، عندما لا يمكن إلا كذلك. نعم.
مداخلة: شيخنا إذا كان الإمام تذكر في ركوعه أو سجوده، هل يبقي المصلين على هذه الهيئة وهل يجوز له من فهمنا من الحديث السابق أنه أشار إليهم، هل هذا يعني أنه لا يجوز له أن يتكلم معهم.
الشيخ: لا يجوز أن يتكلم؟
مداخلة: مثلاً كانوا ساجدين ...
стр. 1388
الشيخ: أنا فهمت الصورة، فسؤالك أخيراً هو أنه لا يجوز للإمام أن يتكلم؟
مداخلة: هل يجوز له أن يتكلم معهم أو أن يوحي لهم إيحاء فقط؟
الشيخ: هذا يختلف باختلاف الجماعة الذين هو يَؤُمهم، إذا كانوا رُبُّوا على عينه ويفهمون عليه إذا أشار إليهم أن مكانكم، فلا يجوز له أن يتكلم؛ لأنه لا يزال في الصلاة، أما إذا كان الجماعة ليسوا كذلك كما هو واقع اليوم، فحينئذٍ لا بد أن يُنيب أحدهم.
وهذا مما يترتب على الحكم السابق، يعني .. الصلاة السابقة صحيحة، فيُقَدّم أحدهم ليتم بهم الصلاة.
فالمسألة إذاً تختلف من جماعة إلى أخرى.
مداخلة: شيخنا عندما يرجع الإمام، غادر مكانه على افتراض أنه رجع وأدرك شيئاً من الصلاة، كيف يكون وضعه ..
الشيخ: افترض أنه كان يصلي الفجر، وصلى بهم ركعة، فيأتي وهو بيكمل على حسب الوضع، إن كان فيما سبق أكمل الركعة أي بركوعها وسجودها وسجدتيها، فيعتبر أنه أدرك ركعة، وإلا فما يكون صلى ركعة، فيصلي هو ركعتين.
مداخلة: يعني يُحْرِم من جديد ..
الشيخ: لا، لا، ما يحرم إذا لم يتكلم ولم يفعل شيئاً يُبْطل الصلاة عمداً، فهو في صلاة، ما أدري أخذت جواب سؤالك؟
مداخلة: نعم.
مداخلة: في نفس الموضوع إذا أحدث وهو في التشهد ...
الشيخ: يعود إلى التشهد.
مداخلة: ما يسلم.
الشيخ: لا يسلم؛ لأن الخروج بالسلام هو ركن من أركان الصلاة.
стр. 1389
مداخلة: ولو بعد التسليمة الأولى.
الشيخ: انتهى الأمر.
(الهدى والنور /٦٢٢/ ٣٧: ٢٥: ٠٠)
(الهدى والنور /٦٢٢/ ٠٠: ٣٧: ٠٠)
إذا أكمل الرجل صلاته، ثم بعد ذلك تَذَكَّر أنه بغير وضوء
السائل: إذا أكمل الرجل صلاته، ثم بعد ذلك تذكر أنه بغير وضوء، هل يُعيد الصلاة أم لا يُعيدها؟
الشيخ: يعيد.
(الهدى والنور/٤٢٨/ ٤٦: ٣٤: ٠٠)
إذا فقد الماء وعلم أنه سيحضر في الصلاة التالية فهل تؤجل الصلاة وتجمع مع الثانية
السائل: في الحضر: إذا فُقِد الماء وعُلم أن الماء سيحضر عند الصلاة الثانية، يعني على مثال أستاذنا مثلاً: الظهر ما تصليه والعصر تحضر الصلاة الثانية يعني تحضر والماء يسير، أتيمم حتى أصلي الظهر في وقتها، أم أؤجلها على أساس أنه الآن بيجوز لنا أن نعمل جمع تأخير؟
الشيخ: لا، ما في داعي للتأخير، يصلي الصلاة في وقتها بالتيمم.
السائل: جزاك الله خيراً.
الشيخ: وإياك.
(الهدى والنور/٩/ ٥٠: ٢.: ١.)
стр. 1390
من صلى وهو يدافع أحد الأخبثين
السؤال: إنسان صلى وهو يصارع أحد الأخبثين, صلاته تسقط رأساً، وإلا لا تقبل أبدا؟
الشيخ: صلى وهو محشور يعني, لا، صلاته صحيحة لكنها ناقصة.
فالرسول ﵇ كان يقول: «لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان».
والمقصود من الحديث هو أن يتفرَّغ المسلم بقلبه لعبادة ربه، وما ينشغل بنفسه.
لكن لو صلى هكذا ومحتفظ على كل أركان الصلاة والطهارة وما شابه، ذلك فصلاته صحيحة.
لكن يا تُرى شو ينكتب له، كما قال ﵇ «إن الرجل ليُصَلِّي الصلاة وما يُكْتَب له منها إلا عُشْرُها تُسْعُها ثُمْنُها سُبْعُها سُدْسُها خُمْسُها نِصْفُها» هذا بالكثير.
فليحرص الإنسان إذاً أن يُكْتَب له من الصلاة أكبر قدر ممكن.
(الهدى والنور / ٥٢/ ٣٠: ٣٠: .. )
الصلاة بحضرة الطعام وعند مدافعة الأخبثان
مداخلة: الواقع عنده أكثر من سؤال، لكن نبتدئها بحديث: «لا صلاة بحضرة طعام أو دافعه الأخبثان» ما المقصود: «لا صلاة» أهي مطلقاً لا صلاة .. أم لا صلاة تامة، أفتونا جزاكم الله خيراً؟
الشيخ: في المسألة للعلماء قولان اثنان:
أحدهما: أنها بمعنى: لا صلاة كاملة، أي: إذا صلى المسلم بحضرة طعام، والمقصود بحضرة طعام: ليس المعنى الظاهر، أي: أن هنا مائدة وُضِعَت هذا معنى:
стр. 1391
بحضرة طعام، لكن هو كان من قبل قد أكل حتى شبع وشرب حتى ارتوى، مع ذلك وُضِعَ الطعام، هل هذا هو المقصود؟ الجواب: لا، وإنما المقصود: «لا صلاة بحضرة طعام» أي: وهو تائق له محتاج إليه، ومع ذلك فهو صلى.
فهذه الصلاة هل هي صحيحة أم لا؟ كما قلت -آنفاً- بعد هذا التوضيح، أقول: القول الأول وهو الذي عليه أكثر العلماء، أن المقصود نفي كمال الصلاة، وليس المقصود نفي صحتها، «لا صلاة» أي: لا صلاة كاملةً.
والقول الثاني: أن الحديث على ظاهره، أي: من صلى وهو تائق إلى الطعام وبحاجة إليه، فصلى وقلبه مشغول به، فهذا صلاته باطلة، كذلك وهو .. تمام الحديث: «وهو يدافعه الأخبثان» المعنى واحد سواءً في الفقرة الأولى أو في الفقرة الأخرى، فمن قال في الأولى: «لا صلاة كاملة» فكذلك في الأخرى، ومن قال بأنه «لا صلاة مطلقاً» أي: إن صلاته باطلة، فيقول أيضاً فيمن صلى وهو حاقن فصلاته أيضاً على القول الثاني إنها صلاة باطلة.
الذي حمل الجمهور القائلين على القول الأول، أي: أن يتأولوا قوله ﵇: «لا صلاة» بـ «لا صلاة كاملة» .. الذي حملهم على ذلك أمور، يحضرني منها أن النبي ﷺ قد ذكر في بعض الأحاديث الصحيحة المروية في صحيح البخاري ومسلم، أن المصلي إذا قام يصلي جاء الشيطان وسَحَب من دُبُره شعرة، يُوهمه أنه قد خرج منه شيء يُبْطِل الصلاة، فقال ﵊ بهذه المناسبة: «فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً».
فإذاً: قد يشعر الإنسان بشيء من قرقرة في باطنه ولكنه لم يجد ريحاً ولا سمع صوتاً، فحينئذٍ لا ينصرف من صلاته.
فهذه اعْتَبِرُوها قرينة على أن قوله ﵇ في الأول: «لا صلاة» إنما يعني: لا صلاة كاملةً، هذا الذي يحضرني من الجواب عن هذا السؤال.
(الهدى والنور /٧٣٢/ ٥٢: ٠٢: ٠١)
стр. 1392
حد مدافعة الأخبثين
مداخلة: في الصلاة الاحتقان يخل بالأركان، ما هو الاحتقان الذي يُخِل بالأركان، لو الإنسان دخل في صلاته محتقن؟
الشيخ: ما هو الاحتقان الإنسان يعني المحصور؟
مداخلة: آه.
الشيخ: محصور ببطنه، إما يشعر بأنه يريد أن يتبول أو أن يتغوط، فهذا مما ما جاء فيه الحديث، قوله ﵇: «لا يُصَلِّين أحدكم وهو يدافعه الأخبثان» يعني: البول والغائط.
(الهدى والنور /٣٠٤/ ٢٩: ٠٣: ٠٠)
رجل شرع في الصلاة ثم تذكر أنه لم يكن قد غسَّل رجله
مداخلة: السؤال يقول: إذا كنت أصلي وفي أثناء الصلاة تأكد لي أني لم أغسل رجلي، فكيف أتصرف في الصلاة، هل أسلم أم أخرج من غير تسليم؟ وإذا ذهبت إلى الوضوء هل أغسل رجلي فقط أم أعيد الوضوء كله، وإذا عدت إلى الصلاة هل أصلي من أولها، أم أكمل من حيث وقفت، وكذلك بالنسبة للريح، إذا سمع صوته أو وجد ريحه أثناء الصلاة فما الحكم من حيث الانصراف والاستئناف أو الإكمال؟
الشيخ: إذا تنبه لعدم غسل القدم وهو يصلي وأمكنه أن يأتي الميضأة ويجدد الوضوء فيعود ويبني على ما مضى من صلاته ..
مداخلة: يخرج من الصلاة من غير تسليم أو بتسليم؟
الشيخ: لا من غير تسليم؛ لأن الصلاة ما يزال هو في حكم المصلي، وقد جاء في سنن أبي داود من حديث أبي بكرة الثقفي أن النبي ﷺ خرج يومًا من حجرته
стр. 1393
للحجر ولما كبر للصلاة أشار إليهم أن مكانكم، ثم دخل بيته ورجع ورأسه يقطر ماءً فصلى بهم، أي: أتم بهم الصلاة، فمن هنا قلنا ما قلنا.
(رحلة النور: ٣٠ أ/٠٠: ١٦: ١٧)
من انتقض وضوؤه في أثناء الصلاة
مداخلة: يقول أحد الإخوة: سمعنا أنه يجوز لمن انتقض وضوؤه في الصلاة، يجوز له أن يذهب ويتوضأ ويُكْمِل ما فاته، بشرط ألَّا يتكلم مع أحد؛ فهل هذا صحيح؟
الشيخ: أقول: في المسألة قولان لكننا لا نقف عند ذلك، وأظن أن جمهوركم لا يعرف النكتة التي تنبني على هذا الجواب الذي نفيته عن نفسي أو سأنفيه عن نفسي.
في المسألة قولان، هذا كلام الجهال، لأنه إذا كانت المسألة لا يُتَصَوّر فيها إلا قول واحد، فالإجابة فيها بأن فيها قولين هذا دليل على الجهل، كذاك المفتي الذي نصبه المفتي بديلاً عنه في غيابه.
زعموا بأن أحد المفتين قديماً عرض له سفر، فأناب عنه أباه، وأبوه يعلم أنه لا يصلح ليجلس في مجلس الإفتاء، فقال له: يا ابني كيف هذا؟ قال: ما عليك، أنا أعطيك نظام وقاعدة حتى تُسَلِّك حالك بينما أعود إليك. قال: ما هو؟
قال: كلما جاءك سائل يسألك عن أيِّ مسألة فأنت لا تحشر حالك في زمرة العلماء، وإنما قل في المسألة قولان، كلما جاءك سائل يسأل الشيخ كما قال هذا السائل: رجل انتقض وضوؤه في الصلاة، فهل بَطُلَت صلاته أو يذهب ويتوضأ ويبني عليها؟ الجواب: في المسألة قولان وانتهى الأمر.
أنا طلقت زوجتي قلت كذا وكذا، طَلَقت أو ما تزال في عصمتي؟ في المسألة قولان.
بنتي زوجت نفسها بنفسها بغير إذن وليها، أنكاحُها صحيح أو باطل؟ في المسألة قولان، وهكذا.
стр. 1394
قال لأبيه: جزاك الله خيراً، وانطلق وجلس هو، وبدأ الناس يتوافدون عليه كالعادة، والمفتي الوكيل لا يحيد عن هذا الجواب.
حتى انتبه أحد الأذكياء أن هذا الرجل جاهل، أيش معنى كل مسألة في المسألة قولان.
فَدَسّ في ذهن أحدهم قال: اسأله، قل له: أفي الله شك؟ قال له وهو لا يدري المدفوع قال له: يا سيدي الشيخ، أفي الله شك؟ قال: في المسألة قولان.
لكن الحقيقة هذه نكتة، قد تكون خرافة، لكنها تُمَثِّل واقعاً مُؤْلِماً، وواقعاً من ناس يظن جماهير الناس بأنهم أهل علم وأهل فقه، وهم الذين يُسَمّون بتعريف أهل الزمان بالدكاترة، حيث يُقَرِّرون مثل هذه الأقوال بشيء من الفلسفة في تدريسهم على الطلاب في الجامعة، في كلية الشريعة الذين يفترض فيهم أنهم عما قريب سيتخرجون دكاترة، حيث يقولون: العالم الفلاني قال كذا والعالم الفلاني كذا، وهذا يحتج بكذا، وهذا يحتج بكذا وانتهى، طيب.
ما هو الصواب يا سيدي الشيخ، يا أستاذ، يا دكتور؟ الأمر كما سمعتم: في المسألة قولان، وربما يكون ثلاثة أقوال كما هو الواقع في بعض المسائل.
الذي تَرَجَّح لَدَّي في خصوص هذه المسألة بالذات: أن البناء هو الأرجح، أي: من صلى من صلاته ركعة أو أكثر، ثم انتقض وضوؤه، فعليه أن يُجَدِّد وضوءه وأن يبني على صلاته ولا يستأنفها.
ليس حجتي في ذلك حديث صريح في الموضوع؛ لأن فيه ضعفاً، وإنما حُجَّتي في ذلك ما جاء في «سنن أبي داود» و «مسند الإمام أحمد» بالسند الصحيح عن أبي بكرة الثقفي: «أن النبي ﷺ كَبَّر يوماً لصلاة الفجر، ثم أشار إليهم أن مكانكم، وذهب إلى بيته، ثم جاء ورأسه يقطر ماءً فصلى بهم» هكذا يقول أبو بكرة الثقفي. أولاً: قال: «كَبَّر ثم أشار ثم فصلى» هكذا قال.
стр. 1395
ومعنى فَصَلَّى أي: بنى على ما مضى، ولم يستأنف الصلاة، وإلا لَصَرَّح وبخاصة بعد أن قال في الأول بأنه كَبَّر، لقال في المرة الثانية: فَكَبَّر بهم وصلى، ولكن شيئاً من ذلك لم يكن.
فإذاً: هذا نص عملي من الرسول ﵇، على أن المسلم ليس فقط إذا دخل متطهراً في الصلاة ثم وقع منه ما يُفْسِدها أنه يبني، بل ولو دخل فيها وهو ناسي للطهارة، فما فاته من الصلاة اعتُبِر صحيحاً؛ لأن الرسول بنى على ذلك، فمن باب أولى أن يبني بقية صلاته التي جَدَّد لها الطهارة على ما كان قد بني عليه بطهارة. هذا جواب السؤال السابق.
مداخلة: من المعلوم من شروط الصلاة: استقبال القبلة، فهذا الذي يذهب إلى الوضوء ألا ينحرف عن القبلة؟
الشيخ: إذا كان مضطراً ينحرف، وإذا كان غير مضطر فلا ينحرف.
مداخلة: .. وتكون صلاته مقبولة؟ !
الشيخ: كيف لا، ألاّ تتصور معي صلاة يصليها المصلي غير مستقبل للقبلة؟
مداخلة: إذا كان عن غير عمد.
الشيخ: قل بلى.
مداخلة: عن علم، لا يجوز أن ينحرف عن القبلة.
الشيخ: لا، وعن علم أيضاً، وعن علم أيضاً، كيف لا؟ تَصَوَّر يا أخي رجلاً يقاتل عدواً فهل تشترط.
مداخلة: لكن هذه الظروف.
الشيخ: يا أخي أنا أعرف ... لكن أنت ما استحضرت هذا الغير، لما أجبت بجواب قاصر، وهو قولك: عامداً، أنا أقول: عامداً يعرف أن القبلة من هنا، ويقاتل من هنا.
стр. 1396
المهم: أنت الآن تتمسك بالعمومات، والتمسك بالعمومات هو أمر واجب، ولكن ليس ذلك بالأمر المضطرد فقهاً؛ ذلك لأن النص العام إذا دخله تخصيص لم يجز تعطيل النص الخاص من أجل النص العام، كما أنه لا يجوز تعطيل النص العام بدون نص خاص [وقد] ذكرت لك الحديث آنفاً.
مداخلة: ولكن الحديث غير واضح، في أنه انحرف إلى القبلة وتوضأ.
الشيخ: إذاً: أنت كان الأولى بك أن تسأل هذا السؤال الأخير، أن تقول: الحديث غير واضح.
مداخلة: تفضل.
الشيخ: الآن تَصَوّر أنت معي المسجد النبوي، وتَصَوَّر بيوت الرسول وأزواجه إلى أين كانوا، في القبلة أم في الشرق؟
الشيخ: طيب، إذاً: الرسول انحرف عن القبلة؟ انحرف عن القبلة، وبخاصة لما يُريد يغتسل يا أخي، يعني هذا لا يمكن أن نتصور إلا في ظروف ضَيّقة جداً جداً، قَلَّ من يتمكن من تحقيق الأمر هذا، وهو ألا ينحرف عن الاستقبال.
(الهدى والنور /٣٠٥/ ٢٨: ٣٢: ٠٠)
(الهدى والنور /٣٠٥/ ٣٢: ٤٤: ٠٠)
стр. 1397
النية في الصلاة
стр. 1398
النِّيَّة في الصلاة
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٢٨:
ولا بد للمصلي من أن ينوي الصلاة التي قام إليها وتعيينها بقلبه، كفرض الظهر أو العصر، أو سنتهما مثلا، وهو شرط أو ركن، وأما التلفظ بها بلسانه فبدعة مخالفة للسنة، ولم يقل بها أحد من متبوعي المقلدين من الأئمة.
وقال في أصل الصفة:
وكان ﷺ يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى».
قال النووي في «روضة الطالبين» «١/ ٢٢٤»: «والنية: هي القصد. فيُحضِر المصلي في ذهنه ذات الصلاة، وما يجب التعرض له من صفاتها؛ كالظُّهرية والفرضية وغيرها، ثم يقصد هذه العلوم قصداً مقارناً لأول التكبير».
[أصل صفة الصلاة (١/ ١٧٤)]
الإنكار على من قال أن التلفظ بالنية من سنن الصلاة
انظر صحيح موارد الظمآن (١/ ٢٦٢)
تغيير النية في الصلاة، من نافلة إلى فريضة أو العكس
السؤال: حكم تغيير النية في الصلاة، من نافلة أو راتبة إلى فريضة أو العكس كمن دخل في فريضة الظهر، ثم تذكر أنه قد صلى الظهر، فهل يُغَيِّر نِيَّته إلى نافلة أو راتبة؟
стр. 1399
الشيخ: ما في حاجة في هذه الصورة أنه يُغَيِّر النية، لأنها ستقع كما يقولون اليوم: اتوماتيكياً نافلة، لأنه لا فرض في يوم مرتين، لا سيما وقد سها في نِيِّته، فهو طاعة وعبادة لله ، والنية خطأ، فهي مغتفرة.
(الهدى والنور /٢٩٩/ ٢٠: ٣٣: ٠٠)
стр. 1400
التكبير في الصلاة
стр. 1401
التكبير وركنيته
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٢٩:
ثم يستفتح الصلاة بقوله: «الله أكبر» وهو ركن، لقوله ﷺ : «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم».
وقال في أصل الصفة:
ثم كان ﷺ يستفتح الصلاة بقوله: «الله أكبر». وأمر بذلك «المسيء صلاته»، وقال له: «إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء مواضعه، ثم يقول: الله أكبر». وكان يقول: «مِفتاح الصلاة الطُّهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم»؟ .
قوله: يستفتح الصلاة: فيه إشارة إلى أنه ﷺ لم يكن يتكلم بشيء قبل التكبير، مثل التلفظ بالنية، كقولهم: نويت أن أصليَ لله تعالى كذا ركعات مستقبل القبلة ... إلى آخر ما هو معروف بين أكثر الناس! وكل ذلك بدعة؛ لا أصل لها في السنة باتفاق العلماء، ولم يُنقل ذلك عن أحد من الصحابة، ولا استحسنه أحد من التابعين، ولا الأئمة الأربعة المجتهدون، وإنما عن بعض أصحاب الشافعي قوله في الحج: «ولا يلزمه إذا أحرم ونوى بقلبه أن يذكره بلسانه، وليس كالصلاة التي لا تصح إلا بالنطق».
قال الرافعي في «شرح الوجيز» «٢/ ٢٦٣»: «قال الجمهور - يعني: من الشافعية -: لم يُرِد الشافعي ﵁ اعتبار التلفظ بالنية، وإنما المراد التكبير؛ فإن الصلاة به تنعقد، وفي الحج يصير محرماً من غير لفظ». اهـ.
ونحوه في «المجموع» «٣/ ٢٧٦ - ٢٧٧».
وقد أشار إلى ذلك في «المهذب» بقوله: «ومن أصحابنا من قال: ينوي بالقلب، ويتلفظ باللسان. وليس بشيء؛ لأن النية هي القصد بالقلب». اهـ.
стр. 1402
وقال العلامة الشيخ موفق الدين ابن قدامة المقدسي في كتابه «ذم الموسوسين» «ص ٧»: «اعلم رحمك الله أن النية هي القصد والعزم على فعل الشيء، ومحلها القلب، لا ... تعلق لها باللسان، ولم يُنقل عن النبي ﷺ ولا أصحابه في النية لفظ بحال، وهذه العبادات التي أُحدثت عند افتتاح الطهارة والصلاة ليست من العبادة أصلاً؛ فإنما النية قصد فعل الشيء. فكل عازم على شيء؛ فهو ناويه، وكل قاصد لشيء؛ فهو ناويه، لا يُتصور انفكاك ذلك عن النية؛ لأنه حقيقتها؛ فلا يتصور عدمها في حال وجودها، ومن قعد ليتوضأ؛ فقد نوى الوضوء، ومن قام ليصلي؛ فقد نوى الصلاة، ولا يكاد العاقل يفعل شيئاً من عباداته ولا غيرها بغير نية؛ فالنية أمر لازم لأفعال الإنسان المقصودة، ولا يحتاج إلى تعب ولا تحصيل». اهـ باختصار.
فإذا علمت أن السلف الصالح لم يكن من هديه التلفظ بالنية؛ فيجب عليك أن تقتدي بهم؛ فهم القدوة: وكل خير في اتباع من سلف ... وكل شرفي ابتداع من خلف ولا يُلتفت إلى استحسانات المتأخرين؛ فإن الاستحسان في العبادات تشريع في الدين لم يأذن به الله، وقد أشار إلى ذلك الشافعي ﵀ بقوله المشهور: «من استحسن؛ فقد شَرَعَ». وقد قال ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه؛ فهو رد». متفق عليه.
والأحاديث في النهي عن الابتداع في الدين كثيرة لا يتسع المقام لإيرادها، وفيما ذكرنا كفاية لمن أراد الله له الهداية.
الطهور: بضم الطاء؛ على المختار: وهو التطهر.
قال النووي في «المجموع»: «وإنما سَمّى الوضوء مفتاحاً؛ لأن الحدث مانع من الصلاة كالغلق على الباب، يمنع من دخوله إلا بمفتاح».
وتحريمها: أي: وتحريم ما حرَّم الله فيها من الأفعال. وكذا «تحليلها»؛ أي: تحليل ما أحل خارجها من الأفعال، فالإضافة لأدنى ملابسة، وليست إضافة إلى القبول لفساد المعنى.
стр. 1403
والمراد بالتحريم والتحليل: المحرِّم والمحلِّل؛ على إطلاق المصدر بمعنى الفاعل مجازاً، ثم اعتبار التكبير والتحليل محرِّماً ومحلِّلاً مجاز، وإلا؛ فالمحرِّم والمحلِّل هو الله تعالى.
ويمكن أن يكون التحريم بمعنى الإحرام؛ أي: الدخول في حرمتها. ولا بد من تقدير مضاف؛ أي: آلة الدخول في حرمتها التكبير. وكذا التحليل بمعنى الخروج عن حرمتها، والمعنى: أن آلة الخروج عن حرمتها التسليم.
والحديث كما يدل على أن باب الصلاة مسدود ليس للعبد فتحه إلا بطهور، كذلك يدل على أن الدخول في حرمتها لا يكون إلا بالتكبير، والخروج لا يكون إلا بالتسليم. وهو مذهب الجمهور. كذا قال السندي ﵀.
وقال الشوكاني «٢/ ١٤٥»: «فيه دليل على أن افتتاح الصلاة لا يكون إلا بالتكبير دون غيره من الأذكار، وإليه ذهب الجمهور».
وقال أبو حنيفة: تنعقد الصلاة بكل لفظ قُصد به التعظيم.
والحديث يَرُدُّ عليه؛ لأن الإضافة في قوله: «تحريمها» تقتضي الحصر؛ فكأنه قال: جميع تحريمها التكبير. أي: انحصرت صحة تحريمها في التكبير؛ لا تحريم لها غيره.
كقولهم: مالُ فلانٍ الإبلُ، وعِلْمُ فلانٍ النحوُ.
وفي الباب أحاديث كثيرة تدل على تعيُّن لفظ التكبير من قوله ﷺ وفعله.
وعلى هذا؛ فالحديث يدل على وجوب التكبير. وقد اختلف في حكمه؛ فقال الحافظ: إنه ركن عند الجمهور، وشرط عند الحنفية، ووجه عند الشافعية، وسنة عند الزهري.
قال ابن المنذر: ولم يقل به أحد غيره.
قال الشوكاني: «ويدل على وجوبه قوله ﷺ في حديث «المسيء صلاته»: «فإذا قمت إلى الصلاة؛ فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر ... ».
стр. 1404
ويدل للشرطية الحديث الذي بعده: «لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء مواضعه ... ثم يقول: الله أكبر».
قال: «والاستدلال بهذا على الشرطية صحيح؛ إن كان نفي التمام يستلزم نفي الصحة، وهو الظاهر؛ لأنا متعبدون بصلاة لا نقصان فيها، فالناقصة غير صحيحة، ومن ادعى صحتها؛ فعليه البيان». اهـ[بتصرف]. وللبحث تتمة، فراجعه عنده.
وكما أفاد الحديث وجوب التكبير، فكذلك يفيد وجوب التسليم، وسيأتي الكلام على ذلك في محله إن شاء الله تعالى.
[أصل صفة الصلاة (١/ ١٧٥)]
التكبيرات في الصلاة واجبة وليست سنة
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:
قوله في تعداد سنن الصلاة: «تكبيرات الصلاة».
قلت: عد هذه التكبيرات من السنن ينافي أمر النبي ﷺ المسيء صلاته بها كما جاء في رواية لأبي داود وغيره من حديث رفاعة بن رافع وهو مخرج في «صحيح أبي داود» ٨٠٣ - ٨٠٥ فهي إذن واجبة ومؤيدة بعموم قوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي».
وقد قرر الإمام الشوكاني في «نيل الأوطار» ٢/ ٢٢٢ - ٢٢٤ ثم في «السيل الجرار» أن الأصل في جميع الأمور الواردة في حديث المسئ صلاته الوجوب وقد نص الشوكاني نفسه في «النيل» أن هذه التكبيرات مما جاء فيه في بعض الروايات ثم نسي ذلك في «السيل» فذكرها ١/ ٢٢٧ - ٢٢٨ في جملة السنن فسبحان ربي لا يضل ولا ينسى وقد ذهب إلى الوجوب الإمام أحمد ﵀ كما حكاه النووي في «المجموع» ٣/ ٣٩٧ عنه واحتج له بالعموم السابق وخفي عليه حديث المسيء فإنه قال محتجا عليه لمذهبه: «ودليلنا على أحمد حديث المسئ صلاته فإن النبي ﷺ -
стр. 1405
لم يأمره بتكبيرات الانتقال وأمره بتكبيرة الإحرام»! فلم يتنبه لرواية أبي داود وغيره. [تمام المنة ص (١٨٦)]
عدم رفع الصوت بالتكبير إلا إذا كان إمامًا
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٣٠:
ولا يرفع صوته بالتكبير في كل الصلوات، إلا إذا كان إماما.
وقال في أصل الصفة:
وكان ﷺ يرفع صوته بالتكبير حتى يُسْمع مَنْ خلْفَه.
وفي الحديث دليل على أنه يستحب للإمام أن يرفع صوته بالتكبير؛ ليَعلم المأمومون انتقاله، فإن كان ضعيف الصوت لمرض أو غيره؛ فالسنة أن يجهر المؤذن أو غيره من المأمومين جهراً يُسمع الناس؛ كما كان يفعل أبو بكر الصديق ﵁ بحضرته ﷺ كما هو مذكور في الأصل -. وهذا مما لا خلاف فيه؛ كما قال النووي في «المجموع» «٣/ ٣٩٨»، وفيه ما سيأتي.
وأما التبليغ وراء الإمام لغير حاجة - كما اعتاده كثير من الناس في زماننا في شهر رمضان - حتى في المساجد الصغيرة؛ فهو غير مشروع باتفاق العلماء، كما حكاه أعلم الناس بأقوالهم، وهو شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «الفتاوى» «١/ ٦٩ - ٧٠ و ١٠٧»؛ وذلك لأن بلالاً ﵁ لم يكن يبلغ خلف النبي ﷺ هو ولا غيره، ولم يكن يبلغ خلف الخلفاء الراشدين؛ ولهذا صرح كثير من العلماء أنه مكروه، ومنهم من قال: تبطل صلاة فاعله. وهذا موجود في مذهب مالك، وأحمد، وغيرهما.
فأما إن كان المبلغ لا يطمئن - كما يفعله الكثيرون منهم -؛ فصلاته باطلة عند جمهور العلماء؛ كما دلت عليه السنة - ويأتي بيان ذلك في محله -، وكذلك إن كان يسبق الإمام؛ بطلت صلاته في ظاهر مذهب أحمد.