التكبير وركنيته
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٢٩:
ثم يستفتح الصلاة بقوله: «الله أكبر» وهو ركن، لقوله ﷺ : «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم».
وقال في أصل الصفة:
ثم كان ﷺ يستفتح الصلاة بقوله: «الله أكبر». وأمر بذلك «المسيء صلاته»، وقال له: «إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء مواضعه، ثم يقول: الله أكبر». وكان يقول: «مِفتاح الصلاة الطُّهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم»؟ .
قوله: يستفتح الصلاة: فيه إشارة إلى أنه ﷺ لم يكن يتكلم بشيء قبل التكبير، مثل التلفظ بالنية، كقولهم: نويت أن أصليَ لله تعالى كذا ركعات مستقبل القبلة ... إلى آخر ما هو معروف بين أكثر الناس! وكل ذلك بدعة؛ لا أصل لها في السنة باتفاق العلماء، ولم يُنقل ذلك عن أحد من الصحابة، ولا استحسنه أحد من التابعين، ولا الأئمة الأربعة المجتهدون، وإنما عن بعض أصحاب الشافعي قوله في الحج: «ولا يلزمه إذا أحرم ونوى بقلبه أن يذكره بلسانه، وليس كالصلاة التي لا تصح إلا بالنطق».
قال الرافعي في «شرح الوجيز» «٢/ ٢٦٣»: «قال الجمهور - يعني: من الشافعية -: لم يُرِد الشافعي ﵁ اعتبار التلفظ بالنية، وإنما المراد التكبير؛ فإن الصلاة به تنعقد، وفي الحج يصير محرماً من غير لفظ». اهـ.
ونحوه في «المجموع» «٣/ ٢٧٦ - ٢٧٧».
وقد أشار إلى ذلك في «المهذب» بقوله: «ومن أصحابنا من قال: ينوي بالقلب، ويتلفظ باللسان. وليس بشيء؛ لأن النية هي القصد بالقلب». اهـ.
стр. 1402
وقال العلامة الشيخ موفق الدين ابن قدامة المقدسي في كتابه «ذم الموسوسين» «ص ٧»: «اعلم رحمك الله أن النية هي القصد والعزم على فعل الشيء، ومحلها القلب، لا ... تعلق لها باللسان، ولم يُنقل عن النبي ﷺ ولا أصحابه في النية لفظ بحال، وهذه العبادات التي أُحدثت عند افتتاح الطهارة والصلاة ليست من العبادة أصلاً؛ فإنما النية قصد فعل الشيء. فكل عازم على شيء؛ فهو ناويه، وكل قاصد لشيء؛ فهو ناويه، لا يُتصور انفكاك ذلك عن النية؛ لأنه حقيقتها؛ فلا يتصور عدمها في حال وجودها، ومن قعد ليتوضأ؛ فقد نوى الوضوء، ومن قام ليصلي؛ فقد نوى الصلاة، ولا يكاد العاقل يفعل شيئاً من عباداته ولا غيرها بغير نية؛ فالنية أمر لازم لأفعال الإنسان المقصودة، ولا يحتاج إلى تعب ولا تحصيل». اهـ باختصار.
فإذا علمت أن السلف الصالح لم يكن من هديه التلفظ بالنية؛ فيجب عليك أن تقتدي بهم؛ فهم القدوة: وكل خير في اتباع من سلف ... وكل شرفي ابتداع من خلف ولا يُلتفت إلى استحسانات المتأخرين؛ فإن الاستحسان في العبادات تشريع في الدين لم يأذن به الله، وقد أشار إلى ذلك الشافعي ﵀ بقوله المشهور: «من استحسن؛ فقد شَرَعَ». وقد قال ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه؛ فهو رد». متفق عليه.
والأحاديث في النهي عن الابتداع في الدين كثيرة لا يتسع المقام لإيرادها، وفيما ذكرنا كفاية لمن أراد الله له الهداية.
الطهور: بضم الطاء؛ على المختار: وهو التطهر.
قال النووي في «المجموع»: «وإنما سَمّى الوضوء مفتاحاً؛ لأن الحدث مانع من الصلاة كالغلق على الباب، يمنع من دخوله إلا بمفتاح».
وتحريمها: أي: وتحريم ما حرَّم الله فيها من الأفعال. وكذا «تحليلها»؛ أي: تحليل ما أحل خارجها من الأفعال، فالإضافة لأدنى ملابسة، وليست إضافة إلى القبول لفساد المعنى.
стр. 1403
والمراد بالتحريم والتحليل: المحرِّم والمحلِّل؛ على إطلاق المصدر بمعنى الفاعل مجازاً، ثم اعتبار التكبير والتحليل محرِّماً ومحلِّلاً مجاز، وإلا؛ فالمحرِّم والمحلِّل هو الله تعالى.
ويمكن أن يكون التحريم بمعنى الإحرام؛ أي: الدخول في حرمتها. ولا بد من تقدير مضاف؛ أي: آلة الدخول في حرمتها التكبير. وكذا التحليل بمعنى الخروج عن حرمتها، والمعنى: أن آلة الخروج عن حرمتها التسليم.
والحديث كما يدل على أن باب الصلاة مسدود ليس للعبد فتحه إلا بطهور، كذلك يدل على أن الدخول في حرمتها لا يكون إلا بالتكبير، والخروج لا يكون إلا بالتسليم. وهو مذهب الجمهور. كذا قال السندي ﵀.
وقال الشوكاني «٢/ ١٤٥»: «فيه دليل على أن افتتاح الصلاة لا يكون إلا بالتكبير دون غيره من الأذكار، وإليه ذهب الجمهور».
وقال أبو حنيفة: تنعقد الصلاة بكل لفظ قُصد به التعظيم.
والحديث يَرُدُّ عليه؛ لأن الإضافة في قوله: «تحريمها» تقتضي الحصر؛ فكأنه قال: جميع تحريمها التكبير. أي: انحصرت صحة تحريمها في التكبير؛ لا تحريم لها غيره.
كقولهم: مالُ فلانٍ الإبلُ، وعِلْمُ فلانٍ النحوُ.
وفي الباب أحاديث كثيرة تدل على تعيُّن لفظ التكبير من قوله ﷺ وفعله.
وعلى هذا؛ فالحديث يدل على وجوب التكبير. وقد اختلف في حكمه؛ فقال الحافظ: إنه ركن عند الجمهور، وشرط عند الحنفية، ووجه عند الشافعية، وسنة عند الزهري.
قال ابن المنذر: ولم يقل به أحد غيره.
قال الشوكاني: «ويدل على وجوبه قوله ﷺ في حديث «المسيء صلاته»: «فإذا قمت إلى الصلاة؛ فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر ... ».
стр. 1404
ويدل للشرطية الحديث الذي بعده: «لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء مواضعه ... ثم يقول: الله أكبر».
قال: «والاستدلال بهذا على الشرطية صحيح؛ إن كان نفي التمام يستلزم نفي الصحة، وهو الظاهر؛ لأنا متعبدون بصلاة لا نقصان فيها، فالناقصة غير صحيحة، ومن ادعى صحتها؛ فعليه البيان». اهـ[بتصرف]. وللبحث تتمة، فراجعه عنده.
وكما أفاد الحديث وجوب التكبير، فكذلك يفيد وجوب التسليم، وسيأتي الكلام على ذلك في محله إن شاء الله تعالى.
[أصل صفة الصلاة (١/ ١٧٥)]
التكبيرات في الصلاة واجبة وليست سنة
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:
قوله في تعداد سنن الصلاة: «تكبيرات الصلاة».
قلت: عد هذه التكبيرات من السنن ينافي أمر النبي ﷺ المسيء صلاته بها كما جاء في رواية لأبي داود وغيره من حديث رفاعة بن رافع وهو مخرج في «صحيح أبي داود» ٨٠٣ - ٨٠٥ فهي إذن واجبة ومؤيدة بعموم قوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي».
وقد قرر الإمام الشوكاني في «نيل الأوطار» ٢/ ٢٢٢ - ٢٢٤ ثم في «السيل الجرار» أن الأصل في جميع الأمور الواردة في حديث المسئ صلاته الوجوب وقد نص الشوكاني نفسه في «النيل» أن هذه التكبيرات مما جاء فيه في بعض الروايات ثم نسي ذلك في «السيل» فذكرها ١/ ٢٢٧ - ٢٢٨ في جملة السنن فسبحان ربي لا يضل ولا ينسى وقد ذهب إلى الوجوب الإمام أحمد ﵀ كما حكاه النووي في «المجموع» ٣/ ٣٩٧ عنه واحتج له بالعموم السابق وخفي عليه حديث المسيء فإنه قال محتجا عليه لمذهبه: «ودليلنا على أحمد حديث المسئ صلاته فإن النبي ﷺ -
стр. 1405
لم يأمره بتكبيرات الانتقال وأمره بتكبيرة الإحرام»! فلم يتنبه لرواية أبي داود وغيره. [تمام المنة ص (١٨٦)]
عدم رفع الصوت بالتكبير إلا إذا كان إمامًا
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٣٠:
ولا يرفع صوته بالتكبير في كل الصلوات، إلا إذا كان إماما.
وقال في أصل الصفة:
وكان ﷺ يرفع صوته بالتكبير حتى يُسْمع مَنْ خلْفَه.
وفي الحديث دليل على أنه يستحب للإمام أن يرفع صوته بالتكبير؛ ليَعلم المأمومون انتقاله، فإن كان ضعيف الصوت لمرض أو غيره؛ فالسنة أن يجهر المؤذن أو غيره من المأمومين جهراً يُسمع الناس؛ كما كان يفعل أبو بكر الصديق ﵁ بحضرته ﷺ كما هو مذكور في الأصل -. وهذا مما لا خلاف فيه؛ كما قال النووي في «المجموع» «٣/ ٣٩٨»، وفيه ما سيأتي.
وأما التبليغ وراء الإمام لغير حاجة - كما اعتاده كثير من الناس في زماننا في شهر رمضان - حتى في المساجد الصغيرة؛ فهو غير مشروع باتفاق العلماء، كما حكاه أعلم الناس بأقوالهم، وهو شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «الفتاوى» «١/ ٦٩ - ٧٠ و ١٠٧»؛ وذلك لأن بلالاً ﵁ لم يكن يبلغ خلف النبي ﷺ هو ولا غيره، ولم يكن يبلغ خلف الخلفاء الراشدين؛ ولهذا صرح كثير من العلماء أنه مكروه، ومنهم من قال: تبطل صلاة فاعله. وهذا موجود في مذهب مالك، وأحمد، وغيرهما.
فأما إن كان المبلغ لا يطمئن - كما يفعله الكثيرون منهم -؛ فصلاته باطلة عند جمهور العلماء؛ كما دلت عليه السنة - ويأتي بيان ذلك في محله -، وكذلك إن كان يسبق الإمام؛ بطلت صلاته في ظاهر مذهب أحمد.
стр. 1406
قال شيخ الإسلام: «ولا ريب أن التبليغ لغير حاجة بدعة، ومن اعتقده قربة مطلقة؛ فلا ريب أنه إمام جاهل، وإما معاند، وإلا؛ فجميع العلماء من الطوائف قد ذكروا ذلك في كتبهم حتى في المختصرات؛ قالوا: ولا يجهر بشيء من التكبير إلا أن يكون إماماً. ومن أصر على اعتقاد كونه قربة؛ فإنه يعزر على ذلك؛ لمخالفته الإجماع. هذا أقل أحواله. والله أعلم».
وفي الحديث أيضاً مشروعية التكبير في كل خفض ورفع، وهو مذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، حتى نقل بعض العلماء الاتفاق على ذلك؛ لكن نُقِل غيرُه عن بعض السلف: أنه لا يشرع إلا تكبيرة الإحرام، وهم محجوجون بأحاديث كثيرة: منها: حديث أبي سعيد هذا.
ومنها: حديث عمران بن حُصين قال: صلى مع علي ﵁ بالبصرة، فقال: ذَكَّرَنا هذا الرجلُ صلاةً كنا نُصليها مع رسول الله ﷺ ، فذكر أنه كان يُكَبِّر كلما رفع، وكلما وضَعَ.
أخرجه البخاري «٢/ ٢١٤» وغيره.
وفي الباب أحاديث أخرى لا أريد أن أطيل بإيرادها وتخريجها؛ طالما أن المسألة صارت كالمتفق عليها.
ولكنهم اختلفوا في حكم هذه التكبيرات؛ عدا تكبيرة الإحرام.
قال الحافظ «٢/ ٢١٥»: «فالجمهور على ندبيتها، وعن أحمد وبعض أهل العلم بالظاهر: يجب كله».
قلت: واحتجوا بقوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي».
واحتج الجمهور عليهم بحديث «المسيء صلاته»؛ فإنه ﷺ لم يأمره بتكبيرات الانتقالات، وأمره بتكبيرة الإحرام - كما قال النووي «٣/ ٣٩٧» -. وهذه حجة ضعيفة؛ وذلك لأن حديث «المسيء صلاته» لم يقتصر أحد من العلماء المشهورين على حصر الواجبات بما ورد فيه؛ بل كل منهم يزيد على ما جاء فيه بدليل ظهر له.
стр. 1407
خذ مثالاً على النووي؛ فإنه يقول بوجوب السلام في آخر الصلاة تبعاً لمذهبه، مع أنه لم يرد ذلك في شيء من طرق حديث «المسيء»! ومثله: الصلاة على النبي ﷺ كما صرح الحافظ ابن حجر -، فكيف يحتج على غيره في موضع بما هو حجة عليه في موضع آخر؟ ! وهذا كله بناء على ما أفاده النووي من أنه ﷺ لم يأمر «المسيء» بهذه التكبيرات. وليس كذلك؛ فقد جاء ذلك في بعض طرق الحديث بإسناد صحيح من حديث رفاعة بن رافع: أن رجلاً دخل المسجد ... فذكر الحديث، وفيه: فقال النبي ﷺ : «إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء مواضعه، ثم يكبر، ويحمد الله جل وعز، ويثني عليه، ويقرأ بما تيسر من القرآن، ثم يقول: «الله أكبر»، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: «سمع الله لمن حمده» حتى يستوي قائماً، ثم يقول: «الله أكبر»، ثم يسجد، حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: «الله أكبر»، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعداً، ثم يقول: «الله أكبر»، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع رأسه فيكبر، فإذا فعل ذلك؛ تمت صلاته».
أخرجه أبو داود «١/ ١٣٧»: ثنا موسى بن إسماعيل: ثنا حماد عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن علي بن يحيى عنه.
وهذا سند صحيح.
وقد أخرجه غيره عن همام عن إسحاق - كما تقدم قريباً -.
فقد ثبت التكبير في الحديث، وثبت بذلك وجوبه، فهو حجة للإمام أحمد ﵀، لا عليه، وهو الحق الذي يجب المصير إليه.
[أصل صفة الصلاة (١/ ١٨٦)]
توكيل الإمام -إذا مرض- غيره ليرفع صوته بالتكبير لتبليغ الناس
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٣١:
стр. 1408
ويجوز تبليغ المؤذن تكبير الإمام إلى الناس، إذا وجد المقتضي لذلك، كمرض الإمام، وضعف صوته أو كثرة المصلين خلفه.
وقال في أصل الصفة:
وكان إذا مرض؛ رفع أبو بكر ﵁ صوته؛ يُبَلِّغ الناس تكبيره ﷺ .
قال النووي في «شرح مسلم»: فيه جواز رفع الصوت بالتكبير؛ ليسمعه الناس ويتّبعوه، وأنه يجوز للمقتدي اتباع صوت المكبِّر، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور، ونقلوا فيه الإجماع، وما أُراه يصح الإجماع فيه؛ فقد نقل القاضي عياض عن مذهبهم: أن منهم من أبطل صلاة المقتدي ... ومنهم من أبطل صلاة المسمع ... ومنهم من شرط إذن الإمام، ومنهم من قال: إنْ تكلَّف صوتاً؛ بطلت صلاته وصلاة من ارتبط بصلاته. وكل هذا ضعيف.
والصحيح جواز كل ذلك، وصحة صلاة المُسْمع والسامع، ولا يعتبر إذن الإمام. والله أعلم.
قلت: وقد نقلنا لك قريباً عن النووي أن المسألة لا خلاف فيها، وكلامه هنا مخالف لذلك! فالظاهر أنه لم يكن قد اطلع على ما ذكره عن القاضي عياض حينما كتب ذلك في «المجموع». وقد حكى الخلاف في المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً، فالمسألة ليست متفقاً عليها؛ لكن السنة الثابتة كافية، فالاعتماد عليها مغنٍ عن [نقل] الاتفاق فيها.
[أصل صفة الصلاة (١/ ١٩٠)]
تكبير المأمومين يكون عقب انتهاء الإمام من التكبير
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٣٢:
ولا يكبر المأموم إلا عقب انتهاء الإمام من التكبير.
стр. 1409
وقال في أصل الصفة:
وكان يقول: «إذا قال الإمام: الله أكبر؛ فقولوا: الله أكبر».
قوله: فقولوا: ذهب بعضهم إلى أن الفاء للتعقيب، وقالوا: مقتضاه أن يقع التكبير بعد تكبير الإمام، ويؤيد ذلك حديث أبي هريرة مرفوعاً: «إنما جُعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبَّر؛ فكبِّروا، ولا تكبِّروا حتى يكبر ... » الحديث.
أخرجه أبو داود «١/ ٩٩»، وأحمد «٢/ ٣٤١» من طريق وهيب: ثنا مصعب بن محمد عن أبي صالح السمان عنه.
وهذا سند جيد. رجاله رجال الستة، غير مصعب بن محمد، وقد وثقه ابن معين وغيره، وفي «التقريب»: «لا بأس به». وحسّن الحديث في «الفتح» «٢/ ١٤٢»؛ لكن قد نُوزعَ في كون هذه الفاء تدل على التعقيب؛ فقال الحافظ: «جزم ابن بطال ومن تبعه حتى ابن دقيق العيد أن الفاء في قوله: «فكبروا» للتعقيب. ومقتضاه الأمرُ بأن أفعال المأموم تقع عقب فعل الإمام؛ لكن تُعُقِّبَ بأن الفاء التي للتعقيب هي العاطفة، وأما التي هنا: فهي للربط فقط؛ لأنها وقعت جواباً للشرط، فعلى هذا لا تقتضي تأخر أفعال المأموم عن الإمام إلا على القول بتقدم الشرط على الجزاء، وقد قال قوم: إن الجزاء يكون مع الشرط. فعلى هذا؛ لا تنتفي المقارنة، لكن رواية أبي داود هذه صريحة في انتفاء التقدم والمقارنة. والله أعلم».
[أصل صفة الصلاة (١/ ١٩١)]
مد التكبير
السائل: شيخنا، لتمام الفائدة طالما الكلام كله السابق يتعلق بالصلاة، نريد الاستيضاح أيضاً حول شيءٍ أيضاً نعتاده أو نشهده في بلادنا، وهو مد التكبير وجعل المدود مختلفةً باختلاف الأركان كقيام أو تكبيرة الإحرام، أو التشهد الأخير أو الأوسط أو نحو ذلك.
стр. 1410
الشيخ: هذه حقيقةً مسألة لا نعهدها في السنة، وإن كانت جاءت في بعض كتب الفقه، وبصورة خاصة الفقه الشافعي.
وأنا كما يقال: إن أنسى فلا أنسى إماماً عندنا في دمشق كان يُصَلِّي في المسجد الذي كان جاري في الدكان، كان متعصباً لمذهبه الشافعي، ويقول - لا أقول الإمام الشافعي، وإنما بعض أتباعه-، أنه ينبغي على الإمام أن يمد التكبير من الركن إلى الركن، يريد مثلاً أن يسجد بعد رفع رأسه من الركوع فيظل يقول: اللاااااااااااه أكبر، حتى يضع رأسه ساجداً، وهذه مقبولة بعض الشيء من حيث الطول.
لكن الذي بيلفت النظر تماماً هو شيئان: المذهب الشافعي هذه المسألة التي لا نعهدها في السنة وعندهم مسألة أخرى هي من السنة ويُغْبَطُون عليها، وهي جلسة الاستراحة، وتعلمون جلسة الاستراحة أن لا ينهض المصلي من السجدة الثانية إلى الركعة الثانية سحبة واحدة كما يفعل الحنفية وغيرهم، وإنما يجلس كما لو سها، كما لو سها يريد أن يجلس للتشهد، لكن هذه جلسة خفيفة ثم ينهض معتمداً على يديه، المذهب الشافعي يقول بهذا، ولذلك فالشيء الذي يلفت النظر ورأيت ذاك الإمام يطبق هذه القضية، وهو سبحان الله عملاق وبَدِيْن فما يكاد يرفع رأسه من السجود السجدة الثانية إلا ويقول: اللااااااااا وبيقعد جلسة الاستراحة وبيتم ماددها لحتى يستوي قائماً، تَصَوَّر بقى قد إيش بدو يكون صوته، ما شاء الله ورئتاه واسعتين جداً.
هههه فيقول: اللاااااااااااااااااااااااه أكبر، هذا لا أصل له في السنة، وإنما التكبير خطف جزم شو بدنا نساوي هيك الكلام بيجر كلام فما تآخذونا، السلام أيضاً يخطئ كثير من الأئمة، السلام عليكم ورحمة اللااااااااااااااااه، خطأ، لِسَّه هو ما انتهى من السلام الجماعة انتهوا من السلام، عكس هاديك ..
ليه، لأنه عم يمدها، وهذا خلاف السنة، السنة أن يخطف السلام عليكم ورحمة الله، ما في داعي للمد؛ لأنه بيورط المقتدين، فيسبقونه في التسليم هاللي هو الركن الأخير من أركان الصلاة.
стр. 1411
فإذاً: كل تكبيرات الصلاة، يشبه بعضها بعضاً، ليس فيها مد ولا في تطويل سواء كان في أثناء القيام من السجدة الثانية إلى الركعة الثانية، أو من القيام إلى الركوع وهكذا، تكبير الله أكبر وانتهى الأمر، ويكفي هنا.
(الهدى والنور / ٥٣٢/ ٢٠: ٤٩: ٠٠)
هل يجوز التكبير قبل الشروع بالركن ؟
السائل: فضيلة الشيخ قبل الأسئلة سؤال عن صلاتنا، الرسول كان يُكَبِّر في كل خفض ورفع، فقوله «في» للظرفية قطعاً، ولاحظت على فضيلتكم الآن عندكم سنة، أنه يُكَبّر قبل الشروع في الركوع أو الوضع واقفاً؟
الشيخ: يجوز أخي التكبير المذكور من صفة الصلاة، يجوز التكبير قبل الشروع بالركن أيضاً، هذه من ناحية.
ومن ناحية أخرى باعتبار أن الجمع هنا يتطلب تسميعهم، فقد أرى التعجيل بالتكبير قبل الشروع بالهوي، ولذلك كنت أرى أن يكون هناك شيء من الاستعداد، أن يكون هنا في الأسفل أيضاً لاقط؛ حتى نتجاوب نحن مع السنة في التكبير مع الركن كما تشير أنت بملاحظاتك «في» حرف الجر هذه. نعم.
(الهدى والنور /٣٨٥/ ٠٥: ٣٧: ٠٠)
بطلان القول بإطالة التكبير من القعود إلى القيام
«كان إذا أراد أن يسجد كبر ثم يسجد، وإذا قام من القعدة كبر ثم قام».
[قال الإمام]:
والحديث نص صريح في أن السنة التكبير ثم السجود، وأنه يكبر وهو قاعد ثم ينهض. ففيه إبطال لما يفعله بعض المقلدين من مد التكبير من القعود إلى القيام!
стр. 1412
وفي معناه ما اخرجه البخاري «٢/ ٢٧٢ - السلفية» وأحمد «٢/ ٤٥٤» عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث أنه سمع أبا هريرة يقول: «كان رسول الله ﷺ إذا قام الى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين ركع، ثم يقول «سمع الله لمن حمد» حين يرفع صلبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم «ربنا ولك الحمد»، ثم يكبر حين يهوي، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها ويكبر حين يقوم من اللتين بعد الجلوس».
وهو مخرج في صحيح أبي داود «٧٨٧».
قلت: فقوله: «يكبر حين يقوم من اللتين .. » أي: عند ابتداء القيام، وبه فسره الحافظ في الفتح «٢/ ٢٢٠ - السلفية» ويؤيده قوله: «ثم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه»، فإن هذا لا يمكن تفسيره إلا بذلك، لأنه ورد الاعتدال، وأما قول النووي في «شرح صحيح مسلم» «٤/ ٩٩»:
قوله: «ويكبر حين يهوي ساجدًا ثم يكبر .. » دليل على مقارنة التكبير لهذه الحركات وبسطه عليها، فيبدأ بالتكبير حين يشرع في الانتقال إلى الركوع وغيره حتى يصل حد الراكع ... ويشرع في التكبير للقيام من التشهد الأول حين يشرع في الانتقال، ويمده حتى ينتصب قائمًا.
قال الحافظ عقبه «٢/ ٢٧٣»: «ودلالة هذا اللفظ على البسط الذي ذكره غير ظاهرة».
قلت: وأغرب من ذلك مد بعض الشافعية التكبير حين القيام من السجدة الثانية, وينتصب قائماً في الركعة الثانية, ويجلس بين ذلك جلسة الاستراحة «وهي سنة» , فتراه يمد التكبير ويمد حتى يكاد ينقطع نفسه قبل الانتصاب, ولا يشك عالم بالسنة أن هذا من البدع، وقد قال الحافظ «٢/ ٣٠٤»:
«فَالْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ وَلَا يُؤَخِّرُهُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا كَمَا تَقَدَّمَ عَنِ الْمُوَطَّأِ وَأَمَّا مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ مَا يَقُولُ الْإِمَامُ وَمَنْ خَلْفَهُ مِنْ حَدِيثِهِ بِلَفْظِ وَإِذَا قَامَ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ قَال اللَّهُ أَكْبَرُ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى إِذَا شَرَعَ فِي الْقيام».
стр. 1413
قلت: ومثله حديث ابن عمر: «وإذا قام من الركعتين رفع يديه».
رواه البخاري «٢/ ٢٢٢»، وله طريق أخرى في صحيح أبي داود «٧٢٨»، وله عنده شاهد من حديث علي، وصححه ابن خزيمة، وزاد: «وكبر»، وشاهد آخر عنده «٧٢٠» من حديث أبي حميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ ، وصححه ابن خزيمة أيضًا «٥٨٧»، وفيه التكبير، وقال ابن خزيمة «١/ ٢٩٦»:
«وَكُلُّ لَفْظَةٍ رُوِيَتْ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا رَكَعَ فَهُوَ مِنَ الْجِنْسِ الَّذِي أُعْلِمْتُ أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تُوقِعُ اسْمَ الْفَاعِلَ عَلَى مَنْ أَرَادَ الْفِعْلَ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَهُ كَقَوْلِ اللَّهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الْآيَةَ، فَإِنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ بِغَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ الْمَرْءُ إِلَى الصَّلَاةِ لَا بَعْدَ الْقِيَامِ إِلَيْهَا، فَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] أَيْ إِذَا أَرَدْتُمُ الْقِيَامَ إِلَيْهَا، فَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ: يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِذَا رَكَعَ، أَيْ إِذَا أَرَادَ الرُّكُوعَ كَخَبَرِ عَلِي، وَابْنِ عُمَرَ اللَّذي ذَكَرناهُ».
أقول: فإذا عرفت هذا، فالأحاديث المذكورة موافقة لحديث الترجمة ومؤيدة له، إلا أن هذا صرح بأن القيام كان بعد التكبير، وتلك غير صريحة في ذلك، ولكنها بمعناه ضرورة أن التكبير زمنه أقصر من القيام كما لا يخفى، فتأمل هذا يتبين لك تجاوب الأحاديث بعضها مع بعض، خلافًا لمن توهم معارضتها لحديث الترجمة.
السلسلة الصحيحة (٢/ ١٥٥ - ١٥٧).
سكتة الإمام بعد تكبيرة الإحرام لغير دعاء الاستفتاح بدعة
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:
ومن القراءة خلف الإمام:
قوله: « ... السكوت لا يلزمها الإمام ... ».
стр. 1414
قلت: هذا التعبير قد يوهم مشروعية سكوت الإمام عقب الفاتحة بقدر ما يقرأها من وراءه لان عدم اللزوم لا يستلزم عدم المشروعية مطلقا كما لا يخفى ودفعا لذلك الإيهام أقول: إن السكتة المذكورة بدعة في الدين إذ لم ترد مطلقا عن سيد المرسلين إنما ورد عنه سكتتان إحداهما بعد تكبيرة الإحرام من أجل دعاء الاستفتاح وقد مضى حديثها في الكتاب عن أبي هريرة. والسكته الثانية رويت عن سمرة بن جندب واختلف الرواة في تعيينها فقال بعضهم: هي عقب الفاتحة. وقال الأكثرون: هي عقب الفراغ من القراءة كلها وهو الصواب كما بينته في «التعليقات الجياد» وغيره وراجع «رسالة الصلاة» لابن القيم.
على أن هذا الحديث معلل عندي بالانقطاع لأنه من رواية الحسن عن سمرة وهو وإن كان سمع منه في الجملة فهو مدلس وقد عنعنه ولم يصرح بسماعه لهذا الحديث منه فثبت ضعفه.
ثم إنه ليس فيه التصريح بأن السكتة كانت طويلة بذلك القدر فلا متمسك فيه البتة للشافعية فتأمل.
وأما ما ذكره الشوكاني في «السيل الجرار» ١/ ٢٢٥ أن النبي ﷺ كان بعد فراغه من قراءة الفاتحة يسكت سكتة طويلة ثم يقرأ السورة. فليس في شيء من روايات الحديث زيادة طويلة.
وكأنه اختلط عليه نص الحديث بتفسير الخطابي إياه بقوله: «إنما كان يسكت ... ليقرأ من خلفه «نقله عنه الشوكاني في النيل» ٢/ ٢٠٠ ومن المحتمل أنه تفسير منه لرواية لأحمد: «وإذا قال: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ سكت أيضا هنية». وقد عرفت أن محل السكتة الثانية بعد الفراغ من القراءة كلها على ضعف الإسناد.
ثم فصلت القول في ذلك في «إرواء الغليل» ٢/ ٢٨٤ - ٢٨٨.
[تمام المنة ص (١٨٧)]
стр. 1415
رفع اليدين
стр. 1416
رَفْعُ اليدَيْنِ مع التكبير
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٣٣:
ويرفع يديه مع التكبير، أو قبله، أو بعده، كل ذلك ثابت في السنة.
وقال في أصل الصفة:
وكان يرفع يديه تارةً مع التكبير، وتارةً قبله، وتارةً بعده».
وفي هذه الأحاديث: أن السنة في رفع اليدين أن يكون مقارناً للتكبير. وهو قول في مذهب الحنفية؛ قال في «البحر الرائق» «١/ ٣٢٢»: «وهو المروي عن أبي يوسف قولاً، والمحكي عن الطحاوي فعلاً، واختاره شيخ الإسلام وقاضيخان وغيرهم حتى قال البقّالي: هذا قول أصحابنا جميعاً ... ، وفسر قاضيخان المقارنة بأن تكون بداءته عند بداءته، وختمه عند ختمه».
قلت: وهو قول الشافعي، والمرجح عند أصحابه، وعند المالكية أيضاً - كما في «الفتح» -؛ قال الشافعي في «الأم» «١/ ٩٠» - بعد أن ساق حديث ابن عمر المذكور في صدر هذا البحث -: «وبهذا نقول؛ فنأمر كل مصلٍّ - إماماً أو مأموماً أو منفرداً أو رجلاً أو امرأة - أن يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، ويكون رفعه في كل واحدة من هذه الثلاث حذو منكبيه، ويثبت يديه مرفوعتين حتى يفرغَ من التكبير كله، ويكون مع افتتاح التكبير، وَرَدَّ يديه عن الرفع مع انقضائه». اهـ.
وقال البيهقي «٢/ ٢٧»: «ورواية من دلت روايته على الرفع مع التكبير أثبت وأكثر؛ فهي أولى بالاتباع».
وكون التكبير بعد الرفع: هو وجه في مذهب الشافعية، وقول عند الحنفية؛ قال في «البحر» «١/ ٣٢٢»: «ونسبه في المجمع إلى أبي حنيفة ومحمد»، وفي «غاية البيان» إلى عامة علمائنا، وفي «المبسوط» إلى أكثر مشايخنا.
стр. 1417
وقال في «الهداية» «١/ ١٩٧ - من شرح ابن الهُمَام»: «الأصح أنه يرفع يديه أولاً، ثم يكبّر؛ لأن فعله نفي الكبرياء عن غير الله، والنفي مقدم على الإثبات».
والرفع بعد التكبير ..
قال الحافظ: «لم أرَ من قال به».
قلت: هو قول في مذهب الحنفية.
والحق: أن كلاً من هذه الصفات الثلاث سنة ثابتة عنه ﷺ ؛ فعلى المسلم أن يأخذ بها في صلواته، فلا يدع واحدة منها للأخرى؛ بل يفعل هذه تارة، وهذه تارة، وتلك أخرى.
[أصل صفة الصلاة (١/ ١٩٣)]
مد أصابع اليدين عند الرفع بلا تفريج ولا ضم
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٣٤:
ويرفعهما ممدودتا الأصابع.
وقال في أصل الصفة:
وكان يرفعهما ممدودة الأصابع، [لا يفرج بينها، ولا يضمها].
«تنبيه»: قال في «الزاد» «١/ ٧١»: «وكان ﷺ يرفع يديه معها - يعني: تكبيرة الإحرام -، ممدودة الأصابع، مستقبلاً بها القبلة».
وقال في موضع آخر «١/ ٩٢»: «وكان يستقبل بأصابعه القبلة في رفع يديه؛ في ركوعه، وفي سجوده، وفي تشهده، ويستقبل أيضاً بأصابع رجليه القبلة في سجوده».
قلت: ما ذكره صحيح بالنسبة إلى السجود والتشهد - كما سيأتي بيان ذلك في محله -.
стр. 1418
وأما الاستقبال في الرفع؛ فلم أقف فيه على حديث؛ إلا في تكبيرة الافتتاح، وهو ضعيف.
أخرجه الطبراني في «الأوسط» عن ابن عمر رفعه: «إذا استفتح أحدكم؛ فليرفع يديه، وليستقبل بباطنها القبلة؛ فإن الله أمامه».
قال الهيثمي «٢/ ١٠٢»: «وفيه عمير بن عمران، وهو ضعيف». وقد ذكره البيهقي «٢/ ٢٧»؛ فقال: «وقد روي في حديثٍ ... » فذكره. ثم قال: «إلا أنه ضعيف؛ فضربت عليه».
فلعل ابن القيم قَوِيَ ذلك عنده بطريق القياس على الاستقبال في التشهد وغيره.
والله أعلم.
[أصل صفة الصلاة (١/ ٢٠٠)]
موضع رفع اليدين
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٣٥:
ويجعل كفيه حذو منكبيه، وأحيانا يبالغ في رفعهما حتى يحاذي بهما أطراف أذنيه.
وقال في أصل الصفة:
وكان يجعلهما حذو مَنْكِبَيْهِ، وربما رفعهما حتى يُحاذي بهما [فروع] أذنيه.
وفي هذه الأحاديث: أن الرفع يكون حذو المنكبين، والمراد أن تحاذي راحتاه منكبيه. وبه قال عمر بن الخطاب وابنه وأبو هريرة - كما ذكره البيهقي -، وهو قول الشافعي في «الأم» - وقد ذكرنا نص كلامه فيما سبق «ص ١٩٦» -، وإليه ذهب
стр. 1419
أصحابه، وهو مذهب مالك، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر - كما في «المجموع» «٣/ ٣٠٧» -. وذهب أبو حنيفة إلى أنه يكون حذو أذنيه، ودليله ما سيأتي.
وعن أحمد رواية: أنه يتخير بينهما، ولا فضيلة لأحدهما على الآخر. وحكاه ابن المنذر عن بعض أهل الحديث، واستحسنه.
قلت: وهذا هو الحق؛ فالكل سنة، وإليه مال كثير من علمائنا المحققين؛ كعلي القاري، والسندي الحنفي، ويأتيك نص كلامه في ذلك قريباً.
وقد ذهب إلى العمل بهذه أبو حنيفة وأصحابه؛ فقالوا: «يرفع إلى شحمتي أذنيه». وخصوا المرأة بالرفع إلى المنكبين، وهذا التخصيص لا دليل عليه إلا الرأي؛ ولذلك قال أبو حنيفة في رواية الحسن عنه: «إنها ترفع حذاء أذنيها». وقد تكلفوا في الجمع بين هذه الأحاديث، وبين الأحاديث السابقة في الرفع إلى المنكبين، والأمر أيسر من ذلك؛ قال السندي ﵀: «لا تناقض بين الأفعال المختلفة؛ لجواز وقوع الكل في أوقات متعددة؛ فيكون الكل سنة، إلا إذا دلَّ الدليل على نسخ البعض؛ فلا منافاة ... ».
[أصل صفة الصلاة (١/ ٢٠٢)]
مس شحمتي الأذن عند التكبير بالإبهامين لا أصل له
قال الإمام في تلخيص الصفة حاشية فقرة ٣٥:
أما مس شحمتي الأذنين بإبهاميه, فلا أصل له في السنة, بل هو عندي من دواعي الوسوسة.
حال حديث: من رفع يديه في الصلاة فلا صلاة له !
[روي عن النبي ﷺ أنه قال]: «من رفع يديه في الصلاة فلا صلاة له».
стр. 1420
[قال الإمام]:
موضوع. أورده ابن طاهر في «تذكرة الموضوعات» «ص ٨٧» وقال: «فيه مأمون بن أحمد الهروي، دجال يضع الحديث». وقال الذهبي فيه: «أتى بطامات وفضائح، وضع على الثقات أحاديث هذا منها». وفي «اللسان»: وقال أبو نعيم: «خبيث وضاع، يأتي عن الثقات بالموضوعات». قلت: ويظهر لي من الأحاديث التي افتراها أنه حنفي المذهب، متعصب هالك، فإن الأحاديث التي أوردها في ترجمته كلها تدور على الانتصار للإمام أبي حنيفة، والطعن في الإمام الشافعي، فمنها هذا الحديث فهو طعن صريح في المذهب الشافعي الذي يقول بمشروعية رفع اليدين عند الركوع والرفع منه وهو الحق الذي لا ريب فيه كما يأتي، وانتصار مكشوف لمذهب الحنفية القائل بكراهة ذلك، فلم يكتف هذا الخبيث بما عليه مذهبه من القول بالكراهة حتى افترى هذا الحديث، ليشيع بين الناس أن الرفع مبطل للصلاة، ولعله أراد بذلك أن يؤيد رواية مكحول عن أبي حنيفة أنه قال: من رفع يديه في الصلاة فسدت صلاته وهذه الرواية اغتر بها أمير كاتب الاتقاني فبنى عليها رسالة ألفها لبيان بطلان الصلاة بالرفع! وكذا اغتر بها من سلك مسلكه فحكم بعدم جواز اقتداء الحنفي بالشافعي لأنهم يرفعون أيديهم! مع أن هذه الرواية عن أبي حنيفة باطلة كما حققه العلامة أبو الحسنات اللكنوي في «الفوائد البهية، في تراجم الحنفية «ص ١١٦، ٢١٦، ٢١٧». وهذا الحديث أورده الشيخ القاريء في «موضوعاته» وقال «ص ٨١»: «هذا الحديث وضعه محمد بن عكاشة الكرماني قبحه الله». ثم نقل «ص ١٢٩» عن ابن القيم أنه قال: «إنه موضوع». قلت: وهذا يخالف ما تقدم أن الواضع له الهروي، فإن ثبت هذا فلعل أحدهما سرقه من الآخر! فتأمل ما يفعل عدم الاعتناء بالسنة، وترك التثبت في الرواية عنه ﷺ وعن علماء الأمة.
«فائدة» الرفع عند الركوع والرفع منه، ورد فيه أحاديث كثيرة جدا عنه ﷺ ، بل هي متواترة عند العلماء بل ثبت الرفع عنه ﷺ مع كل تكبيرة في أحاديث كثيرة ولم يصح الترك عنه ﷺ إلا من طريق ابن مسعود ﵁، فلا ينبغي العمل به لأنه ناف، وقد تقرر عند الحنفية وغيرهم: أن المثبت مقدم على النافي، هذا إذا كان
стр. 1421
المثبت واحدا فكيف إذا كانوا جماعة كما في هذه المسألة؟ فيلزمهم عملا بهذه القاعدة مع انتفاء المعارض أن يأخذوا بالرفع، وأن لا يتعصبوا للمذهب بعد قيام الحجة، ولكن المؤسف أنه لم يأخذ به منهم إلا أفراد من المتقدمين والمتأخرين حتى صار الترك شعارا لهم!
السلسلة الضعيفة (٢/ ٤٠ - ٤١).
بطلان الحديث الذي جاء فيه أن رفع اليدين يكون في افتتاح الصلاة فقط
«كان يرفع يده إذا افتتح الصلاة ثم لا يعود». باطل موضوع.
[قال الإمام]:
ولولم يكن ثمة دليل على بطلان الحديث إلا وروده في كتاب الإمام مالك «الموطأ» «١/ ٩٧» على خلاف هذا اللفظ لكفى، فكيف وقد رواه جمع كثير من المصنفين والرواة عن مالك على خلافه؟
فأخرجه البخاري «٣/ ١٧٤» وأبو عوانة في صحيحه «٢/ ٩١» والنسائي «١/ ١٤٠ و ١٦١ - ١٦٢» والدارمي «١/ ٢٨٥» والشافعي «رقم ١٩٩» والطحاوي في «شرح المعاني» «١/ ١٣١» وأحمد «٤٦٧٤ و ٥٢٧٩» من طرق كثيرة عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه. أن رسول الله ﷺ كان يرفع يديه حذو منكبيه، إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع، رفعهما كذلك. الحديث والسياق للبخاري عنه. والواقع أن الحديث بهذا اللفظ المخالف لهذا الحديث الباطل متواتر عن مالك ﵀، فقد سرد ابن عبد البر أسماء من رواه عن مالك من الرواة فجاء عددهم نحو الثلاثين! وقد وافقه جماعة من الثقات في روايته عن ابن شهاب به. أخرجه البخاري «٢/ ١٧٥ و ١٧٦» ومسلم «٢/ ٦ و ٧» وأبو عوانة «٢/ ٩٠» أبو داود «١/ ١١٤» والترمذي «٢/
стр. 1422
٣٥» وابن ماجه «١/ ٢٨١» والطحاوي والدارقطني «ص ١٠٨» وكذا الشافعي «١٩٨» وأحمد «٥٠٨١ و ٤٥٤٠ و ٦٣٤٥» من طرق كثيرة عن ابن شهاب به. وتابع الزهري جابر وهو الجعفي قال: «رأيت سالم بن عبد الله رفع يديه حذاء منكبيه في الصلاة ثلاث مرات، حين افتتح الصلاة، وحين ركع، وحين رفع رأسه، قال جابر! فسألت سالما عن ذلك؟ فقال سالم رأيت ابن عمر يفعل ذلك، وقال ابن عمر رأيت رسول الله ﷺ يفعل ذلك». رواه الطحاوي وأحمد «٥٠٥٤»، والجعفي ضعيف، لكن سكت على الحديث الطحاوي وكأن ذلك لطرقه.
وتابع سالما نافع مولى ابن عمر: أن ابن عمر كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه وإذا قال سمع الله لمن حمده رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه، ورفع ذلك ابن عمر إلى النبي ﷺ أخرجه البخاري في «صحيحه» «٢/ ١٧٦» وفي «رفع اليدين» «ص ١٤» وأبو داود «١/ ١١٨» والبيهقي «٢/ ١٣٦» عن عبيد الله عنه، ورواه مالك «١/ ٩٨ - ٩٩» عن نافع به دون قوله «وإذا ركع رفع يديه» ودون الرفع عند القيام، ومن طريقه رواه الشافعي وأبو داود وتابعه أيوب عن نافع به المرفوع فقط، دون الرفع عند القيام. أخرجه البخاري في «جزئه» «١٧» والبيهقي «٢/ ٢٤ و ٧٠» وأحمد «٥٧٦٢» وتابعه صالح بن كيسان عن نافع به أخرجه أحمد «٦١٦٤». وتابع سالما أيضا محارب بن دثار قال: «رأيت ابن عمر يرفع يديه كلما ركع، وكلما رفع رأسه من الركوع، قال: فقلت له: ما هذا؟ قال: كان النبي ﷺ : إذا قام في الركعتين كبر ورفع يديه».
أخرجه أحمد «٦٣٢٨» بإسناد صحيح. إذا عرف هذا فهذه الروايات والطرق الصحيحة عن ابن عمر ﵁ تدل على بطلان هذا الحديث.
السلسلة الضعيفة (٢/ ٣٤٦ - ٣٤٩).
مواضع رفع اليدين في الصلاة
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:
стр. 1423
ومن سنن الصلاة:
قوله: «يستحب أن يرفع يديه في أربع حالات: الأولى: عند تكبيرة الإحرام ... الثانية والثالثة: عند الركوع والرفع منه ... الرابعة: عند القيام إلى الركعة الثالثة».
قلت: قد ثبت الرفع في التكبيرات الأخرى أيضا أما الرفع عند الهوي إلى السجود والرفع منه ففيه أحاديث كثيرة عن عشرة من الصحابة قد خرجتها في «التعليقات الجياد» منها عن مالك بن الحويرث أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه في صلاته إذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع وإذا سجد وإذا رفع رأسه من السجود حتى يحاذي بهما فروع أذنيه. أخرجه النسائي وأحمد وابن حزم بسند صحيح على شرط مسلم وأخرجه أبو عوانة في «صحيحه» كما في «الفتح» للحافظ ثم قال: «وهو أصح ما وقفت عليه من الأحاديث في الرفع في السجود».
وأما الرفع من التكبيرات الأخرى ففيه عدة أحاديث أن النبي ﷺ كان يرفع يديه عند كل تكبيرة.
ولا تعارض بين هذه الأحاديث وبين حديث ابن عمر المتقدم في الكتاب بلفظ « ... ولا يرفعهما بين السجدتين» لأنه ناف وهذه مثبة والمثبت مقدم على النافي كما تقرر في علم الأصول.
وقد ثبت الرفع بين السجدتين عن جماعة من السلف منهم أنس ﵁ بل منهم ابن عمر نفسه فقد روى ابن حزم من طريق نافع عنه أنه كان يرفع يديه إذا سجد وبين الركعتين. وإسناده قوي. وروى البخاري في جزء «رفع اليدين» ص ٧ من طريق سالم بن عبد الله أن أباه كان إذا رفع رأسه من السجود وإذا أراد أن يقوم رفع يديه. وسنده صحيح على شرط البخاري في الصحيح. وعمل بهذه السنة الإمام أحمد بن حنبل كما رواه الأثرم وروي عن الإمام الشافعي القول به وهو مذهب ابن حزم فراجع «المحلى».
[تمام المنة ص (١٧٢)]
стр. 1424
حالات رفع اليدين مع الصلاة
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:
قوله: وأما تقدم رفع اليدين على تكبيرة الاحرام فقد جاء عن ابن عمر قال: «كان النبي ﷺ إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا بحذو منكبيه ثم يكبر»، رواه البخاري ومسلم.
وقد جاء في حديث مالك بن الحويرث بلفظ: كبر ثم رفع يديه رواه مسلم وهذا يفيد تقديم التكبيرة على رفع اليدين. ولكن الحافظ قال: لم أر من قال بتقديم التكبير على الرفع.
قلت: بلى هو قول في مذهب الحنفية وبعد صحة الحديث فلا عذر لأحد في التوقف عن العمل به ولا سيما وللحديث شاهد من رواية أنس عند الدارقطني ص ١١٣ فالحق العمل بهذه الهيئات الثلاثة تارة بهذه وتارة بهذه وتارة بهذه لأنه أتم في إتباعه ﵇.
[تمام المنة ص (١٧٣)]
عدم التفريق بين الرجل والمرأة في موضع رفع اليدين في الصلاة
[روي عن النبي ﷺ أنه قال]: «يا وائل بن حجر! إذا صليت؛ فاجعل يديك حذاء أذنيك، والمرأة تجعل يديها حذاء ثدييها». ضعيف.
[قال الإمام]:
قلت: ولا أعلم حديثاً صحيحاً في التفريق بين صلاة الرجل وصلاة المرأة؛ وإنما هو الرأي والاجتهاد. وقد ثبت عن بعض السلف خلافه، فانظر آخر كتابي «صفة الصلاة». ومما يؤيد ذلك: أنه ثبت أن النبي ﷺ كان يجعل يديه حذو منكبيه تارة، ويحاذي بهما أذنيه تارة؛ كما تراه مخرجاً في «صفة الصلاة». فالتفريق المذكور في الحديث منكر. والله أعلم.
السلسلة الضعيفة (١١/ ٢/ ٨٦٧).
стр. 1425
تواتر رفع اليدين عند الركوع والرفع منه
[قال الإمام]:
قد تواتر عن النبي ﷺ رفعه يديه عند الركوع والرفع منه.
السلسلة الضعيفة (٣/ ١٦٧).
التنبيه على أن رفع اليدين مسنون في كل خفض ورفع مع تفاوت مراتب السنية
الشيخ: يرفع يديه مع كل تكبيرة، ولكن بعض هذا الرفع أقوى من بعض، فالرفع عند تكبيرة الإحرام أقوى من الرفع عند الركوع والرفع منه، وهذا الرفع عند الركوع والرفع منه أقوى من رفع اليدين حينما ينهض من التشهد الأول إلى الركعة الثالثة، وهذا الرفع في كل هذه الأنواع أقوى من الرفع في التكبيرات الأخرى، أي: هناك رفع سنة مؤكدة وهو ما سبق ذكره وسنة مستحبة وهو فيما بقي من التكبيرات كالهوي إلى السجود .. كرفع الرأس من السجود .. كالعودة إلى السجدة الثانية .. كرفع الرأس من السجدة الثانية إلى الركعة الثانية، هذه التكبيرات يستحب فيها رفع اليدين، فالمشروع رفع اليدين مع كل تكبيرة لكن مع ملاحظة ما بين سنة مؤكدة وما بين سنة مستحبة.
مداخلة: طيب يمكن ...
الشيخ: لا بارك الله فيك.
(فتاوى رابغ (٤) /٠٠: ٢١: ٣٨)
стр. 1426
رفع الأيدي في كل خفض ورفع
السائل: بالنسبة لرفع الأيدي في كل خفض ورفع، هل له دليل؟
الشيخ: جاءت أحاديث عديدة لرفع الأيدي مع كل تكبير، فبعضها في «سنن النسائي» وفي «سنن داوود» ولأحد علماء الحديث الذين كانوا مقيمين في مكة، وأظن اسمه «عبد الحق الهندي» له رسالة صغيرة في هذه المسألة خاصة، فجمع فيها الأحاديث التي جاءت في رفع اليدين مع كل تكبيرة ومن ذلك حديث أنس في «مصنف ابن أبي شيبة» أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يرفع يديه في كل خفض ورفع.
لذلك: فهذا الرفع سنة مستحبة، لكنها ليست سنة مُؤَكَّدة، بخلاف الرفع عند الركوع وعند رفع الرأس منه.
السائل: توجيهكم لحديث ابن عمر، عندما ذكر مواضع الرفع قال وكان رسول الله لا يفعله في سوى ذلك؟
الشيخ: ذلك ما رآه، ونحن نعلم من قواعد أهل العلم، قاعدة فقهية عظيمة جداً، وإذا عرفها طالب العلم تَمَكَّن بها من إزالة إشكالات كثيرة حول بعض الأحاديث ومنها هذه القضية، تلك القاعة هي التي تقول: «المُثْبِت يُقَدَّم على النافي» «المثبت مقدم على النافي».
فابن عمر ﵁ وعن سائر الصحابة ينفي الرفع في السجدة، لكن غيره أثبته، فنعود إلى القاعدة فنقول: المُثْبِت مُقَدَّم على النافي.
بهذه القاعدة أجاب الإمام البخاري أهل الكوفة الذين كانوا يرغبون إلى أن الرفع لا يكون إلا مع التكبيرة الأولى، وكانوا يحتجون بحديث عبد الله ابن مسعود ﵁ قال: «ألا أُصَلّي لكم صلاة رسول الله ﷺ ».
стр. 1427
لأن أئمة الحديث وعلى رأسهم الإمام البخاري رَدّ على الكوفيين، وفي مقدمتهم أبو حنيفة النعمان ابن ثابت ﵀، الذي كان يحتج بحديث ابن مسعود.
الإمام البخاري احتج على الكوفيين، وعلى رأسهم الإمام أبي حنيفة ﵀ الذي كان يذهب إلى عدم شرعية الرفع إلا في تكبيرة الإحرام، رد عليه بهذه القاعدة ابن مسعود نفى كما نفى ابن عمر الرفع عند السجود، أما نفي ابن مسعود فكان أوسع، نفى الرفع إلا بتكبيرة الإحرام، بماذا احتج البخاري على الكوفيين الذين اقتصروا في شرعية الرفع فقط عند تكبيرة الإحرام؟ بحديث بلال الحبشي ﵁ الذي رواه عنه ابن عمر نفسه لما دخل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مكة فاتحاً، ودخل جوف الكعبة، صلى ركعتين.
وصف بلال حينما خرج مع النبي ﷺ من جوف الكعبة، وتلقاه ابن عمر ﵁ وسأله: ماذا صنع الرسول ﵇ لما دخل الكعبة قال: «صلى ركعتين بين العمودين» شوف هو الآن يصف بدقة، بلال هو الواصف، فقال له: صلى ركعتين بين العمودين، وبينه وبين جدار الكعبة ثلاثة أذرع، دليل أنه كان يُلَاحظ صلاة النبي ﷺ بدقة، هذا حديث ابن عمر عن بلال يُثبت أن الرسول صلى ركعتين في جوف الكعبة، أما ابن عباس فيقول: إنه لم يُصَلِّ في جوف الكعبة، وإنما خارجها، قال البخاري فبماذا أخذ أهل العلم، أبحديث بلال المُثْبِت لصلاة الرسول ﵇ ركعتين، أم بحديث ابن عباس الذي نفى هاتين الركعتين.
قال البخاري: أخذوا بحديث بلال؛ لقاعدة المُثْبِت مُقَدّم على النافي.
وهذه القاعدة مُطَّرِدة، بشرط أن يُثْبِت ما أثبته المُثْبِت أن يَثْبُت إلينا بالسند الذي تتم به الحجة، هذا واضح.
فابن عمر رضي الله تعالى عنه اثبت لنا الرفع عند الركوع والرفع منه، فزدناه على حديث ابن مسعود الذي أثبت الرفع فقط عند تكبيرة الإحرام، ثم أنس ابن
стр. 1428
مالك وابن الحويرث مالك ابن الحويرث وغيره من الصحابة أثبتوا الرفع في غير الموضعين اللذين زادهما ابن عمر على ابن مسعود.
فوجب علينا أن نأخذ الزيادة على رواية ابن عمر كما أخذنا زيادته على رواية ابن مسعود.
يؤكد هذا الجمع أنه قد صح عن ابن عمر نفسه الذي أثبت نفي الرفع عند السجود، أنه كان يرفع يديه عند السجود.
ويقول أهل العلم: فهذا من إنصاف الصحابة، وعدم وقوفهم عندما وصل إليه علمهم، بل كان بعضهم يستفيد من علم بعض، فمع أنه قال أنا لم أر الرسول ﵇ يرفع، فقد رُئي هو فيما بعد يرفع؛ اعتماداً على رواية الصحابة الآخرين الذين شاهدوا الرسول ﵇ يرفع في ذلك الموضع الذي لم يشاهده ابن عمر نفسه.
بهذه القاعدة يُجْمَع بين الأحاديث المُثْبِتَة والأحاديث النافية، والسلام عليكم جميعاً.
(الهدى والنور /٣٧٦/ ١٢: ٤٣: ٠٠)
حكم رفع اليدين عند الركوع والرفع منه؟ والرد على من قال أن الرفع لا يكون إلا مع تكبيرة الإحرام، وهل المُثْبِت مقدم على النافي أم لا ؟
الشيخ: من الأمثلة الكثيرة والكثيرة جدا على ذلك: الإمام أبو حنيفة، ومن تبعه من تلامذته الملازمين له، من أبي يوسف، ومحمد بن حسن الشيباني، ثمّ من جاء بعدهم إلى يومنا هذا، ومن كان معاصرًا لأبي حنيفة من الكوفيين، الذين كانوا لا يرون رفع اليدين مثلا عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع.
стр. 1429
والحديث في ذلك ثابت في الصحيحين وفي غيرهما أولاً، وهو أيضا كان مما وقع تحت بصرهم ثانياً، فهل ندع العمل نحن بهذا الحديث؟
الجواب: لا؛ لأننا لم نجد حجة الذين تركوا العمل بهذا الحديث حُجَّةً قوية، وعلى العكس من ذلك، وجدنا من عمل بهذا الحديث حجتهم أقوى.
حجة من قال: لا رفع إلا عند تكبيرة الإحرام قالوا: ثبت عن ابن مسعود ﵁، أنه قال لأصحابه: «ألا أصلي بكم صلاة رسول الله ﷺ ؟ فرفع يديه ثمّ لم يَعُد. لكن قد جاءت أحاديث تترا عن ابن عمر ومالك ابن الحويرث وأبي حُمَيد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي ﷺ ، قالوا: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلّم يرفع يديه عند افتتاح الصلاة وعند الركوع وعند الرفع منه.
وقالوا: القاعدة الأصولية التي جرى عليها العلماء في غير هذه المسألة، تقول: «المثْبِتْ مُقَدَّم على النافي».
الذي روى الرفع عند الركوع أثبت، وابن مسعود نفى، ومع جلالة ابن مسعود، نقول إن المُثْبِت مُقَدَّم على النافي.
وقد أَلَّف الإمام البخاري أمير المؤمنين بحق في الحديث، ألف رسالةً خاصة وهي المعروفة «بجزء رفع اليدين في الصلاة» وقد احتج على أهل الكوفة الذين لم يأخذوا بأحاديث الرفع عند الركوع والرفع منه، والذين لم يأخذوا -لا نقول خفي عنهم الحديث، لا - كان تحت بصرهم، ولكن لشُبْهَة عرضت لهم، تركوا العمل بهذه الأحاديث المُثْبَتة.
فحاججهم الإمام البخاري بما جاء في الصحيح، في صحيح البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلّم في فتح مكة، دخل مكة فاتحا، ثم بعد أن نَظَّفها من الأصنام التي كانت منصوبة على الكعبة، دخلها وصلى فيها ركعتين.
فبلال ﵁ دخل مع النبي وصلى معه في جوف الكعبة، ولما خرج النبي ﵊ وخرج بلال تلقّاه عبد الله بن عمر فسأله: ماذا فعل
стр. 1430
الرسول ﵇ في الكعبة؟ قال: صلى ركعتين بين العمودين - تحديد دقيق- وكان بينه وبين جدار القبلة ثلاثة أذرع.
أما عبد الله ابن عبّاس -تُرْجُمان القرآن- قال لم يُصَلِّ الرسول ﵇ في الكعبة، وإنما صلى في قُبُل الكعبة في اتجاهها خارجاً عنها.
يقول الإمام البخاري: فأخذ العلماء قاطبة بحديث بلال الذي رواه عنه ابن عمر، لماذا؟ لأنه مثبِت؛ لأنه رأى الرسول ﵇ دخل الكعبة وصلى ركعتين، وبذلك الوصف الدقيق، آثروا رواية ابن عمر عن بلال، لأنها مثبتة؛ وتركوا رواية ابن عبّاس لأنها نافية، والمُثْبَت مُقَدّم على النافي.
وهذه القاعدة الأصولية، قبل أن تكون أصولية هي قاعدة بدهية عقلية؛ لأن الإنسان بسجيته وطبيعته وفطرته إذا جاءه خبران متناقضان والمخبران- لابد من هذا الشرط- والمخبران كلاهما ثقة، أحدهما قال مثلا أبو إسحاق حضر الموصل، وآخر قال: لا ما حضر ما رأيته، فقول من يقدَّم؟
المُثْبِت مُقَدَّم على النافي، هذه قاعدة منطقية عقلية.
ولذلك ترك أبو حنيفة وأهل الكوفة ومن جاء بعدهم الرفع، فهل نتركه نحن؟
نقول: لا، المُثْبِت مُقَدَّم على النافي، وذاك إمام وله اجتهاده ولا نُعَيِّره ولا نَعِيب عليه، وله أجره عند الله على كل حال.
إذاً: إذا جئنا إلى مثل حديث النهي عن صوم يوم السبت، ولم نعلم أن أحداً من الأئمة المشهورين أخذ به.
وقد علمنا إضافة نافلة بالعلم، من عمل به من بعض العلماء المتقدمين، أو جاءنا حديث «لا اعتكاف إلا في ثلاثة مساجد».
ولم نعلم أن أحد الأئمة عمل به، لكننا علمنا أن بعض من السلف قد عمل به، فَحَسْبُنا أن يكون الرسول ﵇ قد قال ذلك وثبت لدينا، وليس لنا عذر أن ندع العمل به.
стр. 1431
فهل يتصور المسلم أنه وقف بين يدي الله ﵎ يوم القيامة ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]. فقال له رب العالمين أي عبدي.
يتصور المسلم هذا الموقف الرهيب، إذا قال له: لماذا لم تَعْمَل بهذا الحديث أو بذاك الحديث؟ هل يقول كما يقول للعبد منا: أنا ما علمت من عَمِل به من أئمة المسلمين! ! طيب، أليس رسول الله هو إمام المسلمين كلهم؟
فما الفرق بين أن تعرف أن إمام المسلمين جميعاً قد قال بهذا الحديث، أو من دونه قد عمل بهذا الحديث؟ لا، هذه حُجّة داحضة مرفوضة، لا تنفع قائلها يوم القيامة ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩].
رفع اليدين عند النهوض إلى الثالثة
مداخلة: في الصلاة الثلاثية والرباعية، هل يكون برفع اليدين بعد التشهد، عندما يهم الإنسان بالنهوض أو بعد النهوض؟
الشيخ: لا الصورة الأولى عند النهوض مش بعد، قبل، حينما يهم بالنهوض بيكبر وبيرفع يديه.
(الهدى والنور / ١٣٤/ ٠٢: ٢٣: ٠٠)
مشروعية رفع اليدين في كل تكبيرة
قول ابن مسعود: «رأيت النبى ﷺ يكبر فى كل رفع وخفض وقيام وقعود». رواه أحمد والنسائى والترمذى وصححه. صحيح.
وفيه فائدة هامة وهو مشروعية الرفع مع كل تكبيرة وفى ذلك أحاديث كثيرة خرجتها فى «تخريج صفة الصلاة» وقد قال جماعة من السلف منهم الإمام أحمد وكان يفعله كما ذكرته فى «صفة الصلاة» «ص ١١٢».
[إرواء الغليل تحت حديث رقم (٣٣٠)]
стр. 1432
مشروعية رفع اليدين مع التكبيرة في السجود
عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ ، كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، وقال: «سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد» وكان لا يفعل ذلك في السجود.
[علق الإمام الألباني على هذا الحديث بقوله]: وقد صح عنه ﷺ الرفع في السجود، ومع كل تكبيرة عن جماعة من الصحابة، وقد تكلمت على أحاديثهم في «تخريج أحاديث صفة صلاة النبي ﷺ » ومن المقرر في الأصول أن المثبت مقدم على النافي، فالعمل بها هو الراجح ولو أحياناً، وقد قال به جماعة من الأئمة، منهم أحمد في رواية الأثرم عنه، وقد نقلتها في «صفة الصلاة» «ص ١١٢» ويأتي بعض الأحاديث في ذلك قريباً.
«مشكاة المصابيح ١/ ٢٤٨»
مشروعية رفع اليدين في كل خفض ورفع
وعن علقمة قال: قال لنا ابن مسعود: ألا أصلي بكم صلاة رسول الله ﷺ ؟ فصلى ولم يرفع يديه إلا مرة واحدة مع تكبيرة الافتتاح.
رواه الترمذي، وأبو داود والنسائي.
وقال أبو داود: ليس هو بصحيح على هذا المعنى.
قال الألباني معلقاً على هذا الحديث: قلت: وخالفه الترمذي فقال: حديث حسن، والحق أنه حديث صحيح، وإسناده صحيح على شرط مسلم، ولم نجد لمن أعله حجة يصلح التعلق بها، ورد الحديث من أجلها، وقد فصلت هذا الإجمال في «صحيح السنن» «٧٣٣، ٧٣٤» ولكن لا يجوز أن يعارض بهذا الحديث ما تقدم من الأحاديث المثبتة لرفع اليدين عند الركوع والسجود، لأنه ناف وتلك مثبتة، ومن
стр. 1433
المقرر في علم الأصول ان المثبت مقدم على النافي، ولهذه الحقيقة اضطر بعض العلماء من الحنفية إلى القول بمشروعية الرفع المذكور كما بينته في «صفة الصلاة».
[مشكاة المصابيح ١/ ٢٥٤]
стр. 1434
وضع اليمنى على اليسرى
стр. 1435
وَضْعُ اليمنى على اليُسرى، والأمرُ به وعدم جواز الإسدال
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٣٦:
ثم يضع يده اليمنى على اليسرى عقب التكبير، وهو من سنن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأمر به رسول الله ﷺ أصحابه، فلا يجوز إسدالهما.
وقال في أصل الصفة: وكان ﷺ يضع يده اليمنى على اليسرى.
وكان يقول: «إنَّا - معشرَ الأنبياء - أُمِرْنا بتعجيل فطرنا، وتأخير سُحورنا، وأن نضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة».
ومر برجل وهو يصلي وقد وضع يده اليسرى على اليمنى؛ فانتزعها، ووضع اليمنى على اليسرى.
[أصل صفة الصلاة (١/ ٢٠٥)]
هيئة وضع اليمنى على اليسرى
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٣٧:
ويضع اليمنى على ظهر اليسرى، وعلى الرسغ والساعد.
وقال في أصل الصفة:
وكان ﷺ يضع اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد، «وأمر بذلك أصحابه».
قال الحافظ في «الفتح»: وإذا ثبت أنه ﷺ كان يأمر بهذا الوضع؛ فهو يفيد وجوب ذلك، ولكننا لم نجد من ذهب إلى القول به من الأئمة المتقدمين، فإن قال به أحد منهم؛ وَجَبَ المَصيرُ إلى ذلك. والله أعلم.
стр. 1436
وقد مال الشوكاني في «نيل الأوطار» «٢/ ١٥٧» إلى ذلك، وذكر ما يَرِدُ عليه، ثم أجاب عنه؛ فراجع كلامه في ذلك إذا شئت.
[أصل صفة الصلاة (١/ ٢٠٩)]
القبض باليمنى على اليسرى
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٣٨:
وتارة يقبض باليمنى على اليسرى.
وقال في أصل الصفة:
وكان - أحياناً - يقبض باليمنى على اليسرى وبالجملة؛ فكما صح الوضع؛ ثبت القبض، فالمصلي بأيهما فعل؛ فقد أتى بالسنة، والأفضل أن يفعل هذا تارة، وهذا تارة.
[أصل صفة الصلاة (١/ ٢١٠)].
حكم الجمع بين الوضع والقبض
قال الإمام في تلخيص الصفة حاشية فقرة ٣٨:
وأما ما استحسنه بعض المتأخرين من الجمع بين الوضع والقبض في آن واحد فمما لا أصل له.
وقال في أصل الصفة:
وأما الجمع بين الوضع والقبض الذي استحسنه بعض المتأخرين من الحنفية؛ فبدعة. وصورته - كما ذكروا -: أن يضع يمينه على يساره، آخذاً رسغها بخنصره وإبهامه، ويبسط الأصابع الثلاث - كما في: «حاشية ابن عابدين على الدر» «١/ ٤٥٤» -. فلا تغتر بقول بعض المتأخرين به.
[أصل صفة الصلاة (١/ ٢١٥)]
стр. 1437
موضع وضع اليدين في الصلاة
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٣٩:
ويضعهما على صدره فقط، الرجل والمرأة في ذلك سواء.
وقال في الحاشية: ووضعهما على غير الصدر إما ضعيف، وإما لا أصل له.
وقال في أصل الصفة:
وكان يضعهما على الصدر.
قوله: «على الصدر» هذا الذي ثبت عنه ﷺ ، ولم يثبت غيره؛ وفيه أحاديث [ثم ساق الإمام الأحاديث ثم قال].
ومما يصح أن يورد في هذا الباب حديث سهل بن سعد، وحديث وائل - المتقدِّمان -، ولفظه: وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد. ولفظ حديث سهل: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة.
فإن قلت: ليس في الحديثين بيان موضع الوضع! قلت: ذلك موجود في المعنى؛ فإنك إذا أخذت تُطَبِّق ما جاء فيهما من المعنى؛ فإنك ستجد نفسك مدفوعاً إلى أن تضعهما على صدرك، أو قريباً منه، وذلك ينشأ من وضع اليد اليمنى على الكف والرسغ والذراع اليسرى، فجرِّب ما قلتُه لك تجدْه صواباً.
فثبت بهذه الأحاديث أن السنة وضع اليدين على الصدر، «وخلافه إما ضعيف، أو لا أصل له» (١).
[أصل صفة الصلاة (١/ ٢١٥)] (١)
حكم وضع اليدين تحت السرة
وأما وضعهما تحت السرة؛ فلم يرد فيه إلا حديث واحد مسنداً، تفرد بروايته رجل ضعيف اتفاقاً.
[أصل صفة الصلاة (١/ ٢٢٢)]
стр. 1440
ثبوت وضع اليد على الصدر في الصلاة وضعف القول بوضعهما تحت السرة
[قال الإمام]:
ورد ما يدل صريحاً على أن السنة الوضع على الصدر؛ عند الإمام أحمد بسند قوي، كما ذكره العلامة المحقق عبد العظيم آبادي في «غنية الألمعي»، وغيره في غيره، فيجب المصير إليه، وأما قول علي: السنة وضع الكف في الصلاة تحت السرة؛ فضعيف باتفاق المحدثين، فلا يعتمد عليه.
التعليقات الرضية (١/ ٢٨٨)
مذاهب العلماء في محل الوضع
وأما مذاهب العلماء في محل الوضع؛ فذهبت الشافعية - قال النووي: «وبه قال الجمهور» - إلى أن الوضع يكون تحت صدره؛ فوق سرته.
قال النووي: «واحتج أصحابنا بحديث وائل».
قال الشوكاني «٢/ ١٥٨»: والحديث لا يدل على ما ذهبوا إليه؛ لأنهم قالوا: إن الوضع يكون تحت الصدر.
والحديث مصرِّح بأن الوضع على الصدر، وكذلك حديث طاوس المتقدم، ولا شيء في الباب أصح من حديث وائل المذكور، وهو المناسب لما أسلفنا من تفسير علي وابن عباس لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ بأن «النحر»: وضع اليمنى على الشمال في محل النحر والصدر. اهـ.
وذهب أبو حنيفة، وسفيان الثوري وغيرهما إلى أن الوضع تحت السرة، واحتجوا بحديث علي المتقدم، وقد علمتَ أنه حديث ضعيف اتفاقاً؛ فلا يجوز