← Фикх общий

Фикх общий · id 145204

جامع تراث العلامة الألباني في الفقه

ناصر الدين الألباني

Полный текст (8 195 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

وقال موسى: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ المُؤْمِنينَ﴾. وقال العلماء: ولا فرق بين الرجل والمرأة فيما ورد من الأذكار والأدعية؛ لحمله على التغليب، أو إرادة الأشخاص. قوله: وأنا عبدك: قال الأزهري: أي: إني لا أعبد غيرك. والمختار أن معناه: أنا معترف بأنك مالكي، ومدبري، وحكمك نافذ فيَّ. كذا قال النووي. قوله: لبيك: أي: أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة، مِن «أَلَبَّ بالمقام»: أقام فيه، وهو مصدر مثنى من لبَّ أو ألبَّ بعد حذف الزوائد، مضاف إلى المخاطب، وحذف النون بالإضافة، وأريد بالتثنية التكرير من غير نهاية؛ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾؛ أي: كَرَّةً بعد كَرَّة، ومرة بعد مرة. اهـ. من «المرقاة» «١/ ٥١٢». قوله: سعديك: أي: مساعدة لأمرك بعد مساعدة، ومتابعة بعد متابعة لدينك الذي ارتضيته بعد متابعته. قاله الأزهري. قوله: والشر ليس إليك: أي: لا ينسب الشر إلى الله تعالى؛ لأنه ليس في فعله تعالى شر؛ بل أفعاله كلها خير؛ لأنها دائرة بين العدل والفضل والحكمة، وهو كله خير لا شر فيه، والشر إنما صار شراً لانقطاع نسبته وإضافته إليه تعالى. قال ابن القيم ﵀: «هو سبحانه خالق الخير والشر، فالشر في بعض مخلوقاته لا في خلقه وفعله، ولهذا تنزه سبحانه عن الظلم الذي حقيقته وضع الشيء في غير محله، فلا يضع الأشياء إلا في مواضعها اللائقة بها، وذلك خير كله، والشر وضع الشيء في غير محله، فإذا وضع في محله لم يكن شراً، فعلم أن الشر ليس إليه ... «قال: » فإن قلت: فلم خلقه وهو شر؟ قلت: خلقه له، وفعله خير لا شر، فإن الخلق والفعل قائم به سبحانه، والشر يستحيل قيامه واتصافه به، وما كان في المخلوق من شر فلعدم إضافته ونسبته إليه والفعل والخلق يضاف إليه فكان خيراً».

стр. 1472

وتمام هذا البحث الخطير وتحقيقه في كتابه «شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والتعليل»؛ فراجعه «ص ١٧٨ - ٢٠٦». [أصل صفة الصلاة (١/ ٢٤٢)] الدعاء المتقدم كان يقوله ﷺ في الفرض والنفل وكان يقول ذلك في الفرض والنفل. خلافاً لمن قال: إنه وارد في صلاة الليل! كأبي داود الطيالسي في «مسنده» «٢٣». وقال ابن القيم في «الزاد» «١/ ٧٢»: «والمحفوظ أن هذا الاستفتاح إنما كان يقوله في قيام الليل». قلت: قد علمت مما سبق في تخريج الحديث أنه ورد بلفظين: الأول: «كان إذا قام إلى الصلاة ... ». مطلقاً غير مقيد. والآخر: « ... الصلاة المكتوبة ... ». فإما أن يقال: إن هذا مقيد للأول؛ لا سيما وأن المراد بالصلاة عند الإطلاق المفروضة؛ كما قال الصنعاني وغيره «١/ ٢٧٨». وإما أن يقال: إن اللفظ الأول أعم - كما قال النووي في «المجموع» «٣/ ٣١٥» - فيشمل بعمومه الفريضة والتطوع. فالقول بحَصْرِه بصلاة التطوع في الليل لا دليل عليه! كيف، وقد ذكرنا - فيما سبق - أنه لم يرد في طريق من طرق الحديث التصريح بأنه كان يقول ذلك في صلاة التطوع؛ اللهم! إلا في حديث محمد بن مسلمة الآتي بعد هذا. وقد ذهب إلى الاستفتاح بهذا النوع الشافعي وأصحابه، وذكروا أنه أفضل الأنواع عندهم، ويليه حديث أبي هريرة المذكور سابقاً. وذكروا أيضاً أنه يأتي بتمامه

стр. 1473

لا يغادر منه شيئاً. وقد ذكرنا نص الشافعي في ذلك. ومع هذا، فلا تكاد تجد أحداً من أتباعه يفعل ذلك؛ بل ولا يحفظه؛ بل ترى كثيراً منهم يتركون الاستفتاح مطلقاً! وهذا من تساهلهم بالسنن وإعراضهم عن هديه ﷺ . وأما علماؤنا؛ فمنهم من ذهب إلى مشروعية الاستفتاح بهذا النوع أحياناً - كما سبق -؛ خلافاً لما هو المشهور عنهم: أنه لا يوجه! كما في «شرح الوقاية». وقد تعقبه أبو الحسنات بقوله: «وقد ثبت ذلك عن رسول الله في «صحيح البخاري»، و «سنن ابن ماجه ... » إلخ. وقوله: «صحيح البخاري» .. سبق قلم منه، والصحيح أنه في «صحيح مسلم». واختار بعض المتأخرين قراءة هذا الدعاء قبل التحريمة؛ ليكون أبلغ في إحضار القلب، وجمع العزيمة؛ كما ذكره في «النهاية»، و «البناية» وغيرهما. قال أبو الحسنات: «لكن هذا مما لا أصل له في السنة، وإنما الثابت في الأحاديث التوجُّه في الصلاة، لا قبلها» - كما ذكره علي القاري في «شرح الحصن الحصين» -. [أصل صفة الصلاة (١/ ٢٤٩)] الدعاء الثالث من أدعية الاستفتاح مثل [الثاني] دون قوله: «أنت ربي، وأنا عبدك ... » إلخ، ويزيد: «اللهم! أنت الملك، لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك». [أصل صفة الصلاة (١/ ٢٥٠)]

стр. 1474

الدعاء الرابع من أدعية الاستفتاح مثله -أيضاً- إلى قوله: «وأنا أول المسلمين»، ويزيد: «اللهم! اهدني لأحسن الأخلاق وأحسن الأعمال؛ لا يهدي لأحسنها إلا أنت، وقني سيئ الأخلاق والأعمال؛ لا يقي سيئها إلا أنت». [أصل صفة الصلاة (١/ ٢٥١)] الدعاء الخامس من أدعية الاستفتاح «سبحانك اللهم! وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جَدُّك، ولا إله غيرك». وقال ﷺ : «إن أحب الكلام إلى الله أن يقول العبد: «سبحانك اللهم! ... ». قوله: سبحانك اللهم: أي: أُسَبِّحُكَ تسبيحاً؛ بمعنى: أنزهك تنزيهاً من كل النقائص. و«بحمدك»: أي: ونحن متلبسون بحمدك. «وتبارك» أي: كثرت بركة اسمك؛ إذ وجد كل خير من ذكر اسمك. وقيل: تعظم ذاتك. وهو على حقيقته؛ لأن التعظيم إذا ثبت لأسمائه تعالى؛ فأولى لذاته. ونظيره: قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾. كذا في «المرقاة» «١/ ٥١٥». «جدك»: أي: علا جلالك وعظمتك. قلت: وأما زيادة: «جَلَّ ثناؤك»؛ فلم نجد لها أصلاً في شيء من طرق الحديث. وقد اشتهر أنها تقال في الاستفتاح في صلاة الجنازة، لكن الاستفتاح فيها لم يرد به نص مطلقاً. حتى قال النووي في «المجموع» «٣/ ٣١٩»: «إن الأصح أنه لا يستحب في صلاة الجنازة؛ لأنها مبنية على الاختصار».

стр. 1475

وقد ثبت الاستفتاح بـ: «سبحانك اللهم! ... » فقط عن عمر ﵁؛ كما رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» «٢/ ١٤٣/٢»، والطحاوي، والدارقطني، والبيهقي من طرق صحيحة عنه، وفي بعضها أنه: كان يجهر بها؛ ليتعلموها. وهو في «صحيح مسلم» «٢/ ١٠». وهذا دليل ظاهر على أن ذلك من سننه ﵊، وإلا؛ فغير معقول أن يُقْدِم عمر على الابتداع - مع كثرة أدعية الاستفتاح عنه ﷺ ؛ لاسيما وهو يرفع صوته بذلك، ولا أحد من الصحابة ينكر ذلك عليه، وهذا بَيَّنٌ لا يخفى. والحمد لله. وقد ذهب إلى هذا الاستفتاح بدون: «وجهت وجهي»: أبو حنيفة وأصحابه، وقال الإمام محمد في «الآثار» - بعد أن ساق أثر عمر المذكور، ثم قال -: «وبهذا نأخذ في افتتاح الصلاة، ولكنَّا لا نرى أن يجهر بذلك الإمام، ولا من خلفه، وإنما جهر عمر ﵁؛ ليعلمهم». اهـ. وبذلك قال الإمام أحمد - كما في «مسائل أبي داود» عنه «٣٠» -، وإسحاق، وداود- كما في «المجموع» «٣/ ٣٢١» -، وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم من التابعين وغيرهم. وقال أبو يوسف: «يجمع بين هذا، وبين: «وجهت ... » على حديث ابن عمر». ولو صح؛ لكان القول به متجهاً. والله أعلم. [أصل صفة الصلاة (١/ ٢٥٢)] الدعاء السادس من أدعية الاستفتاح مثله، ويزيد في صلاة الليل: «لا إله إلا الله «ثلاثاً»، الله أكبر كبيراً «ثلاثاً». [أصل صفة الصلاة (١/ ٢٥٩)]

стр. 1476

الدعاء السابع من أدعية الاستفتاح «الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلا»؛ استفتح به رجل من الصحابة، فقال ﷺ : «عجبت لها! فتحت لها أبواب السماء». قوله: بكرةً وأصيلاً: أي: في أول النهار وآخره. وخص هذين الوقتين لاجتماع ملائكة الليل والنهار فيهما. كذا ذكره الأبهري، وصاحب «المفاتيح». وقال الطّيبي: «الأظهر أن يراد بهما الدوام؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾». كذا في «المرقاة». [أصل صفة الصلاة (١/ ٢٥٩)] الدعاء الثامن من أدعية الاستفتاح الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه؛ استفتح به رجل آخر، فقال ﷺ : «لقد رأيت اثني عشر ملكاً يبتدرونها؛ أيهم يرفعها». قوله: «يبتدرونها»: أي: ثواب هذه الكلمات. قال ابن المَلَك: يعني: يسبق بعضهم بعضاً في كَتْبِ هذه الكلمات، ورَفْعِها إلى حضرة الله؛ لعظمها، وعظم قدرها. وتخصيص المقدار يُؤْمَنُ به، ويُفَوَّضُ إلى علمه تعالى. اهـ. من «المرقاة». قال النووي: «وفيه دليل على أن بعض الطاعات قد يكتبها غيرُ الحَفَظَةِ أيضاً». [أصل صفة الصلاة (١/ ٢٦١)]

стр. 1477

الدعاء التاسع من أدعية الاستفتاح «اللهم لك الحمد؛ أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن. ولك الحمد؛ أنت قَيِّمُ السماوات والأرض ومن فيهن. [ولك الحمد؛ أنت ملِك السماوات والأرض ومن فيهن]. ولك الحمد؛ أنت الحق، ووعدك حق، وقولك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، والنبيون حق، ومحمد حق. اللهم! لك أسلمت، وعليك توكلت، وبك آمنت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت؛ [أنت ربنا، وإليك المصير؛ فاغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت، وما أعلنت]، [وما أنت أعلم به مني]؛ أنت المقدِّم، وأنت المؤخِّر، [أنت إلهي]، لا إله إلا أنت، [ولا حول ولا قوة إلا بك]». قوله: «نور السماوات والأرض ومن فيهن» أي: مُنَوِّرُهما، وبك يهتدي من فيهما. قوله: «قيم» «أي: حافظهما وراعيهما». وفي رواية أبي الزبير، وقيس بن سعد: «قَيَّام»؛ كـ: علاَّم؛ أي: القائم بتدبيرِه وأمرِه السماواتُ وغيرُهَا. قوله: «ملك»: وفي روايتها أيضاً: «ربُّ». قوله: «الحق»: قال العلماء: «الحق» في أسمائه تعالى معناه: المتحقق وُجُودُه، وكل شيء صَحَّ وجوده وتحقق؛ فهو حق، ومنه «الحَاقَّةُ»؛ أي: الكائنة حقاً بغير شك، ومثله قوله ﷺ في هذا الحديث: «ووعدك حق، وقولك حق ... » إلخ. أي: كله متحقق لا شك فيه. ذكره النووي. قوله: «ولقاؤك حق» فيه الإقرار بالبعث بعد الموت، وهو عبارة عن مآل الخلق في الدار الآخرة بالنسبة إلى الجزاء على الأعمال. قوله: الساعة: أي: يوم القيامة. وأصل الساعة: القطعة من الزمان.

стр. 1478

قوله: ومحمد حق: خَصَّه بالذكر تعظيماً له، وعَطَفَه على النبيين إيذاناً بالتغاير؛ بأنه فائق عليهم بأوصاف مختصة، وجَرَّدَه عن ذاته، كأنه غيره، ووَجَّبَ عليه الإيمان به وتصديقه؛ مبالغة في إثبات نبوته؛ كما في التشهد. قاله الحافظ. قوله: إليك أنبت: أي: أطعت ورجعت إلى عبادتك؛ أي: أقبلت عليها. قوله: وبك خاصمت: أي: بما أعطيتني من البرهان، وبما لَقَّنْتَنِي من الحُجَّة. [أصل صفة الصلاة (١/ ٢٦٢)] الدعاء المتقدم وما يأتي كان يقوله ﷺ في صلاة الليل وكان يقوله [أي الدعاء المتقدم] ﷺ في صلاة الليل؛ كالأنواع الآتية. [أصل صفة الصلاة (١/ ٢٦٥)] كون الرسول ﷺ كان يقول بعض أدعية الاستفتاح في صلاة الليل لا ينفي مشروعيتها في الفرائض «ولا ينفي ذلك مشروعيتها في الفرائض أيضاً كما لا يخفى؛ إلا الإمام؛ كي لا يطيل على المؤتمين». [أصل صفة الصلاة (١/ ٢٦٥)]

стр. 1479

الدعاء العاشر من أدعية الاستفتاح اللهم! رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل! فاطر السماوات والأرض! عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون؛ اهدني لما اختُلِفَ فيه من الحق بإذنك؛ إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. قوله: فاطر: أي: مبتدعهما ومخترعهما. و «الغيب»: ما غاب عن الناس. و «الشهادة» خلافه. قوله: اهدني: أي: زدني هدى، أو: ثبِّتني؛ فليس المطلوب تحصيل الحاصل. [أصل صفة الصلاة (١/ ٢٦٦)] الدعاء الحادي عشر من أدعية الاستفتاح كان يُكَبِّرُ «عَشْراً»، ويَحْمَدُ «عَشْراً»، ويُسَبِّحُ «عَشْراً»، ويُهَلِّل «عَشْراً»، ويستغفر «عَشْراً»، ويقول: «اللهم! اغفر لي، واهدني، وارزقني، [وعافني]» «عَشْراً». ويقول: «اللهم! إني أعوذ بك من الضيق يوم الحساب» «عَشْراً». قوله: «كان يُكَبِّرُ عَشْراً»: مع تكبيرة التحريم أو بعده. قاله السندي. قال: «وأما أنه كان يقوله قبل الشروع في الصلاة؛ فبعيد». [أصل صفة الصلاة (١/ ٢٦٧)] الدعاء الثاني عشر من أدعية الاستفتاح «الله أكبر [ثلاثاً]، ذو الملكوت والجبروت، والكبرياء والعظمة». [أصل صفة الصلاة (١/ ٢٦٨)]

стр. 1480

عدم مشروعية تبديل (وأنا أول المسلمين) في دعاء الاستفتاح بـ (وأنا من المسلمين) عن علي بن أبي طالب قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة؛ كبر ثم قال: «وجَّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين. إن صلاتي ونُسُكي ومَحْيَايَ ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين». إلخ الحديث. وعن شعيب بن أبي حمزة قال: قال لي ابن المنكدر وابن أبي فروة وكيرهما من فقهاء أهل المدينة: فإذا قلت انت ذاك؛ فقل: «وأنا من المسلمين»؛ يعني قوله: «وأنا أول المسلمين». [قال الألباني]: «قلت: إسناده صحيح، ولكنا لا نرى جواز هذا التبديل؛ لأنه وهم منشؤه توهمُ أن معنى: «وأنا أول المسلمين»: أني أول شخص أتصف بذلك بعد أن كان الناس بمعزل عنه! وليس كذلك؛ بل معناه: بيان المسارعة في الامتثال لما أمر به، ونظيره: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾». ثم قال: وهذا التبديل الذي ذهب إليه محمد بن المنكدر وغيره من فقهاء المدينة؛ قد تبعهم عليه الإمام الشافعي، فقال في «الأم» «١/ ٩٢» - بعد أن ساف الحديث من رواية علي وأبي هريرة-: «وبهذا كله أقول وآمر، وأحبّ أن يأتي به كما يروى عن رسول الله ﷺ ، لا يغادر منه شيئاً، ويجعل مكان: «وأنا أول المسلمين»: «وأنا من المسلمين» ... ! قال الشوكاني في «النيل» «٢/ ١٦٢»: «قال في «الانتصار»: إن غير النبي إنما يقول: «وأنا من المسلمين»! وهو وهم منشفه تَوَهَم أن معنى: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾: أني أول شخص اتصف بذلك بعد أن كان الناس بمعزل عنه! وليس

стр. 1481

كذلك؛ بل معناه: بيان المسارعة والامتثال لما أمر به، ونظيره: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾، وقال موسى: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمؤْمِنِين﴾. وليعْلَمْ أن قوله في الحديث: «وأنا أول المسلمين»: هو الراجح ثبوته عندنا، وأما رواية: «وأنا من المسلمين»؛ فهي مرجوحة؛ لما بيناه في كتابنا «صفة صلاة النبي ﷺ ». ويؤيد ذلك قول ابن أبي رافع المتقدم- ومدار الحديث عليه-: وشككت أن يكون أحدهم قال: «وأنا من المسلمين». فهذا يدل على وهم من قال عنه: «وأنا من المسلمين»، أو أنه تأول، كما فعل محمد بن النكدر وغيره؛ فتأمل! صحيح سنن أبي داود (٣/ ٣٥٠) في دعاء الاستفتاح هل يقول: وأنا من المسلمين، أم: وأنا أول المسلمين عن جابر بن عبد الله قال: كان النبي ﷺ إذا استفتح الصلاة كبر، ثم قال: «إن صلاتي، ونسكي ومحياي، ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم اهدني لأحسن الأعمال، وأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، وقني سيئ الأعمال وسيئ الأخلاق، لا يقي سيئها إلا أنت». رواه النسائي. قال الألباني: كذا في جميع النسخ، والذي في النسائي: «وأنا من المسلمين» وأما ههنا: «أول المسلمين» فهي رواية الدارقطني، وهي الصواب، فقد في آخر الحديث عنده: قال شعيب: قال لي محمد بن المنكدر وغيره من فقهاء المدينة: إن قلت أنت هذا القول فقل: «وأنا من المسلمين» ولا ضرورة عندي إلى هذا التغيير، بل للمصلي أن يقول: «وأنا أول المسلمين» إما على اعتبار أنه قائل للآية، وليس مخبراً في نفسه،

стр. 1482

وإما على معنى المسارعة في الامتثال لما أمر به، ونظيره: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَن وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾. (مشكاة المصابيح ١/ ٢٦٠) دعاء الاستفتاح: وجهت وجهي .. يكون في الفرائض والنوافل [قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]: قوله في أدعية الاستفتاح: وعن علي قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة كبر ثم قال: «وجهت وجهي ... وأنا من المسلمين ... الخ رواه أحمد ومسلم والترمذي وأبو داود وغيرهم». قلت: ولفظ الترمذي في «الدعوات» ٣٤١٩: « ... الصلاة المكتوبة ... ». وقال: «حديث حسن صحيح». وكذلك رواه أبو عوانة في «صحيحه» ٢/ ١١٢ و ٢٠٥ والدارقطني ١/ ٢٩٧ وسنده صحيح ورواته كلهم ثقات كما قال أبو الطيب العظيم آبادي في تعليقه عليه وهو على شرط مسلم. واما قول الحافظ ابن حجر في «بلوغ المرام» بعد أن ساق رواية مسلم المطلقة وهي المذكورة عند المؤلف: «وفي رواية له أن ذلك في صلاة الليل». وتبعه على ذلك الشوكاني فقال في «نيل الأوطار» ٢/ ١٦١: «وأما مسلم فقيده بصلاة الليل وزاد لفظ: من جوف الليل». قلت: وهذا وهم كله فليس عند مسلم ٢/ ١٨٥ - ١٨٦ القيد المذكور ولا الزيادة المذكورة وإنما هي في حديث ابن عباس الذي ساقه قبل هذا الحديث بحديث بلفظ: «كان يقول إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل: اللهم لك الحمد ... »

стр. 1483

وهو النوع السابع في الكتاب فكان الشوكاني انتقل بصره إليه حين الكتابة فوقع في الخطأ. وأما الحافظ فلعل سبب وهمه أن مسلما ﵀ أورد الحديث في زمرة أحاديث قيام الليل! ويبدو أن مثل هذا الوهم قديم فقد أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية في آخر كلامه على هذا الحديث من «الكلم الطيب» ص ٥٨ - بتحقيقي فإنه قال: «ويقال: إن هذا كان في قيام الليل». وقد علقت عليه ثمة بإيجاز منبها على رواية الترمذي هذه وغيره وعلى وهم الحافظ والصنعاني والشوكاني. ولقد أغرق هذا في الخطأ في كتابه الآخر «السيل الجرار» ١/ ٢٢٤ فقال في حديث مسلم: إنه مقيد في «صحيح مسلم» بصلاة الليل وإن أطلقه غيره فحمل المطلق على المقيد متعين! فكأنه كتب هذا من ذاكرته ولم يراجع «النيل» فإنه قال فيه: «وأخرجه أيضا ابن حبان وزاد: «وإذا قام إلى الصلاة المكتوبة» وكذلك رواه الشافعي وقيده أيضا بالمكتوبة وكذا غيرهما وأما مسلم فقيده بصلاة الليل ... ». الخ ما سبق نقله عنه آنفا. والخلاصة أن الحديث مقيد بالصلاة المكتوبة عند غير مسلم ممن سبق ذكره فتكون روايته مقيدة بالمكتوبة لا بصلاة الليل كما قال الشوكاني. وإذا كان ذلك مشروعا في الفريضة ففي النافلة من باب أولى كما لا يخفى على أولي النهى. ثم إن في رواية لأبي عوانة وابن خزيمة في «صحيحه» رقم ٤٦٢ وهي رواية أبي داود وغيره بلفظ: «وأنا أول المسلمين». وعليه أكثر روايات الحديث كما نبهت على ذلك في تعليقي على «صفة الصلاة» ص ٨٤ ويزداد قوة بوروده في حديث آخر مخرج هناك.

стр. 1484

وإنما نبهت على هذا لأني رأيت كلام أحمد شاكر في تعليقه على هذا الحديث في «الروضة» بأن هذا اللفظ لم يرد فاقتضى التنبيه. وبناء عليه فلا حرج على المصلي أن يقول في توجهه: «وأنا أول المسلمين» لا إخبارا عن نفسه وإنما اقتداء به ﵊ الذي اقتدى بأبيه إبراهيم الخليل ﵊ مع إمكان أن يكون المعنى بيان المسارعة في الامتثال لما أمر به كما بينته هناك فراجعه أو «زاد المعاد». [تمام المنة ص (١٧٣)] السنة الإسرار بدعاء الاستفتاح [قال الإمام]: السنة الإسرار بدعاء الاستفتاح. السلسلة الصحيحة (٦/ ٢/ ١٢٥٧).

стр. 1485

جامع تراث العلامة الألباني في الفقه صَنَعَهُ د. شادي بن محمد بن سالم آل نعمان المجلد الرابع) [صفة الصلاة (٢)]

стр. 1486

كتاب القراءة في الصلاة

стр. 1487

وجوب الاستعاذة بالله قبل القراءة وصيغتها قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٤٦، ٤٧: ثم يستعيذ بالله تعالى وجوبا ويأثم بتركه. والسنة أن يقول تارة: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، من همزه، ونفخه، ونفثه» و «النفث» هنا الشعر المذموم. وقال في أصل الصفة: ثم كان ﷺ يستعيذ بالله تعالى؛ فيقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ من هَمْزِه، ونَفْخِه، ونَفْثِه». قوله: «الشيطان»: اسم لكل متمرد عاتٍ: سُمّي شيطاناً لِشُطونِه عن الخير؛ أي: تباعده. وقيل: لشيطه؛ أي: هلاكه واحتراقه. فعلى الأول النون أصلية، وعلى الثاني زائدة. و «الرجيم»: المطرود والمبعد. وقيل: المرجوم بالشهب. كذا في «المجموع» «٣/ ٣٢٣». وأما قوله: «همزه»: ففسره بعض الرواة - كما سبق - بالمُوْتَةِ؛ وهو - بالضم، وفتح التاء -: نوع من الجنون والصرع يعتري الإنسان، فإذا فاق؛ عاد إليه كمالُ عقله؛ كالنائم والسكران. قاله الطيبي. وقال أبو عبيدة: «الجنون سماه همزاً؛ لأنه يحصل من الهمز والنخس، وكل شيء دفعته فقد همزته». وقوله: «ونفخه»: فسره الراوي بالكبر. قال الطيبي: «النفخ: كناية عن الكبر؛ كأن الشيطان ينفخ فيه بالوسوسة فيعظمه في عينه، ويحقر الناس عنده».

стр. 1488

وقوله: «ونفثه»: فسره الراوي بالشِّعر، والمراد: الشِّعر المذموم قطعاً، وإلا؛ فقد قال ﵊: «إن من الشعر حكمة». أخرجه البخاري «١٠/ ٢٤٢» وغيره عن أبي بن كعب. وقال الطيبي: «إن كان هذا التفسير من متن الحديث؛ فلا معدل عنه، وإن كان من بعض الرواة؛ فالأنسب أن يراد بالنفث: السحر؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ﴾، وأن يراد بالهمز: الوسوسة؛ لقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِيْنِ﴾؛ وهي: خطراته؛ فإنهم يُغرون الناس على المعاصي، كما تهمز الركضة والدواب بالمهماز». اهـ من «المرقاة». وأقول: إن هذا التفسير ليس من متن هذا الحديث؛ بل من تفسير بعض الرواة - كما ذكرنا -، ولكن جاء في حديث آخر مرفوعاً؛ وهو ما أخرجه أحمد في «المسند» «٦/ ١٥٦» من طريق عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل؛ يقول: «اللهم! إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم؛ من همزه، ونفثه، ونفخه». قال: وكان رسول الله ﷺ يقول: «تعوذوا بالله من الشيطان الرجيم؛ من همزه، ونفخه، ونفثه». قالوا: يا رسول الله ﷺ ! وما همزه، ونفخه، ونفثه؟ قال: «أما همزه: فهذه الموتة التي تأخذ بني آدم. وأما نفخه: فالكبر. وأما نفثه: فالشِّعر». ورجال إسناده ثقات رجال «الصحيح»؛ لكنه مرسل. وفيه رد على من أنكر ورود هذا التفسير مرفوعاً من المعاصرين، وظاهره يفيد وجوب التعوذ قبل القراءة في الصلاة، ويؤيده عموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾. وقد ذهب إلى ذلك ابن حزم في «المحلى» «٣/ ٢٤٧». قال النووي «٣/ ٣٢٦»: ونقل العبدري عن عطاء والثوري أنهما أوجباه. قال: وعن داود روايتان. وذهب الجمهور إلى الاستحباب، واستدلوا بحديث

стр. 1489

المسيء صلاته. والله أعلم. وتمامه فيما يأتي في «الركعة الثانية». [أصل صفة الصلاة (١/ ٢٧٠)] صيغة أخرى للاستعاذة قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٤٧: وتارة يقول: «أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان ... » الخ. وقال في أصل الصفة: وكان - أحياناً - يزيد فيه فيقول: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان ... ». [ثم قال الإمام]: وبالجملة؛ فالاستعاذة من هذه الأشياء الثلاثة الشيطانية صحيح ثابت بمجموع هذه الطرق، وزيادة: «السميع العليم» ثابتة أيضاً في حديث أبي سعيد بإسناد حسن - كما سبق -؛ فينبغي أن يؤتى بها أحياناً. وبه قال أحمد في «مسائل ابن هانئ» «١/ ٥١». وأما الاقتصار على «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»؛ فلم نجد في ذلك حديثاً. اللهم! إلا ما في «مراسيل أبي داود» عن الحسن: أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». ذكره في «التلخيص» «٣/ ٣٠٦». وهذا مع كونه ليس فيه التصريح بأنه كان في الصلاة؛ فهو مرسل، ولا يحتج به عند جمهور المحدثين؛ لا سيما إذا كان من مراسيل الحسن البصري. ومع هذا كله؛ فقد ذهب الشافعية - إلا القليل منهم - إلى أن الأفضل الاقتصار على هذا القدر من الاستعاذة! واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. ولا يخفى أن الآية مجملة؛ ليس فيها بيان صفة الاستعاذة؛ فوجب الرجوع في

стр. 1490

ذلك إلى السنة. وقد علمت ما ثبت فيها من الزيادة؛ فالأخذ بها أولى؛ لا سيما وأن فيها زيادة معنى. وقد ذهب إلى شيء من هذا بعض الشافعية؛ فقال الرافعي في «شرح الوجيز» «٣/ ٣٠٥»: «وحكى القاضي الروياني عن بعض أصحابنا: إن الأحسن أن يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم». اهـ. وأحسن من هذا أن يضاف إليه: «من همزه، ونفخه، ونفثه». ومما ذكرنا تَعْلَمُ أن قول ابن القيم في «زاد المعاد» «١/ ٧٣»: وكان يقول بعد ذلك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ثم يقرأ «الفَاتِحَة». فيه قصور؛ لأن كتابه ليس كتاب تأييد لمذهب معين؛ بل هو بيان لهديه ﷺ في عباداته وغيرها. واختلف العلماء في حكم الاستعاذة، ويأتي بعض الكلام في ذلك قريباً. [أصل صفة الصلاة (١/ ٢٧٢)] الصيغة الثابتة للاستعاذة قبل القراءة في الصلاة حديث أن النبى ﷺ كان يقول قبل القراءة: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». صحيح. لكن بزيادتين يأتى ذكرهما, وأما بدونهما فلا أعلم له أصلا. [ثم ذكر الإمام الأدلة على الزيادة وهي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه، ثم قال]: وبالجملة فهذه أحاديث خمسة مسندة ومعها حديث الحسن البصرى وحديث أبى سلمة المرسلين إذا ضم بعضها إلى بعض قطع الواقف عليها بصحة هذه الزيادة وثبوت نسبتها إلى النبى ﷺ , فعلى المصلى الإتيان بها اقتداء به ﵊.

стр. 1491

وأما الزيادة الأخرى وهى «السميع العليم» فصحيحة أيضا وقد ورد فيها أحاديث: الأول: عن أبى سعيد الخدرى, وفيه الجمع بينهما وبين الزيادة الأولى كما تقدم. [ثم خرج الشيخ الرويات إلى أن قال]: وجملة القول إن الثابت عنه ﷺ في الاستعاذة ضم هذه الزيادة إليها أو التى قبلها, أو كليهما معا على حديث أبى سعيد, والله أعلم. [إرواء الغليل تحت حديث رقم (٣٤٢)] الاستعاذة بصيغة: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم [قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]: قوله في الاستعاذة: وقال ابن المنذر: جاء عن النبي ﷺ أنه كان يقول قبل القراءة: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». قلت: لم أقف على هذا في شيء من كتب السنة المعروفة إلا ما في «مراسيل أبي داود» عن الحسن أن رسول الله ﷺ كان يتعوذ فذكره. وهذا مع ضعفه لأنه من مراسيل الحسن البصري فليس فيه أن هذه الصيغة كانت في الصلاة فالأفضل أن يستعيذ بما في حديث جبير بن مطعم وأن يزيد أحيانا: «السميع العليم» كما ورد في بعض الأحاديث مثل حديث أبي سعيد الخدري عند أبي داود والترمذي وغيرهما بسند حسن وهما مخرجان في «الإرواء» ٣٤٢ ولم يذكر البيهقي في الباب غيرهما. [تمام المنة ص (١٧٦)]

стр. 1492

مشروعية الاستعاذة في كل ركعة [قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]: قوله في مشروعية الاستعاذة في الركعة الأولى دون سائر الركعات: «الأحوط الاقتصار على ما وردت به السنة وهو الاستعاذة قبل قراءة الركعة الأولى فقط». قلت: السنة المشار إليها ليست صريحة فيما ذكره المؤلف لأن قول أبي هريرة في حديثه المذكور في الكتاب: «ولم يسكت» ليس صريحا في أنه أراد مطلق السكوت بل الظاهر أنه أراد سكوته السكتة المعهودة عنده وهي التي فيها دعاء الاستفتاح المتقدم في الكتاب ص ٢٦٦ وهي سكتة طويلة فهي المنفية في حديثه هذا، وأما سكتة التعوذ والبسملة فلطيفة لا يحس بها المؤتم لاشتغاله بحركة النهوض للركعة، وكان الإمام مسلما ﵀ أشار إلى ما ذكرنا من أن السكتة المنفية في هذا الحديث هي المثبتة في حديث أبي هريرة المتقدم فإنه ساق الحديث المشار إليه ثم عقبه بهذا وكلاهما عن أبي هريرة والسند إليه واحد فأحدهما متمم للآخر حتى لكأنهما حديث واحد وحينئذ يظهر أن الحديث ليس على إطلاقه، وعليه نرجح مشروعية الاستعاذة في كل ركعة لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ وهو الأصح في مذهب الشافعية ورجحه ابن حزم في «المحلى». والله أعلم. [تمام المنة ص (١٧٦)] الجهر بالتأمين خلف الإمام في الجهرية وتراجع الشيخ عن القول بالإسرار ووجوب التأمين على الإمام [قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]: قوله في التأمين: «يسن لكل مصل. .. أن يقول: آمين بعد قراءة الفاتحة يجهر بها في الصلاة الجهرية ويسر بها في السرية فعن نعيم المجمر قال: صليت وراء أبي هريرة

стр. 1493

فقال: بسم الله الرحمن الرحيم ثم قرأ بأم القرآن حتى إذا بلغ: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ فقال: آمين. وقال الناس: آمين. .. ». قلت: تقدم الحديث في البسملة وكما قلنا هناك أنه ليس فيه التصريح بالجهر بالبسملة فكذلك نقول ههنا أنه ليس فيه الجهر بالتأمين فهو دليل على مطلق التأمين لا على الجهر بها. قوله: «أمن ابن الزبير ومن وراءه حتى إن للمسجد للجة». قلت: ليس في تأمين المؤتمين جهرا سوى هذا الأثر ولا حجة فيه لأنه لم يرفعه إلى النبي ﷺ وقد جاءت أحاديث كثيرة في جهر النبي ﷺ وليس في شيء منها جهر الصحابة بها وراءه ﷺ ومن المعلوم أن التأمين دعاء والأصل فيه الإسرار لقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ فلا يجوز الخروج عن هذا الأصل الا بدليل صحيح وقد خرجنا عنه في تأمين الإمام جهرا لثبوته عنه ﷺ ووقفنا عنده بخصوص المقتدين ولعله لذلك رجع الشافعي عن قوله القديم فقال في «الأم» ١/ ٦٥: «فإذا فرغ الإمام من قراءة القرآن قال: آمين ورفع بها صوته ليقتدي بها من خلفه فإذا قالها قالوها وأسمعوا أنفسهم ولا أحب أن يجهروا بها فإن فعلوا فلا شيء عليهم». ثم خرجت أثر ابن الزبير المذكور وبينت صحته عنه تحت الحديث ٩٥٢ في «الضعيفة» وأتبعته بأثر آخر صحيح أيضا عن أبي هريرة أنه كان يجهر ب آمين وراء الإمام ويمد بها صوته فملت ثمة إلى اتباعهما في ذلك ثم رأيت الإمام أحمد قال به فيما رواه ابنه عبد الله عنه في «مسائله» ٧٢/ ٢٥٩. ثم إن قوله: «يسن لكل مصل ... » ينافي ظاهر قوله ﷺ : «إذا أمن الإمام فأمنوا ... » وما في معناه مما يأتي عند المؤلف فإنه يدل على وجوب التأمين على المأموم واستظهره الشوكاني في «النيل» ٢/ ١٨٧ لكن لا مطلقا بل مقيدا بأن يؤمن الإمام وأما الإمام والمنفرد فمندوب فقط. قال: «وحكى ابن بزيزة عن بعض أهل العلم بوجوبه على المأموم عملا بظاهر الأمر وأوجبته الظاهرية على كل مصل».

стр. 1494

قلت: ابن حزم من أئمتهم كما هو مشهور ولم يوجبه مطلقا بالقيد المذكور قال في «المحلى» ٢/ ٢٦٢: «وأما قول آمين فإنه كما ذكره يقوله الإمام والمنفرد ندبا وسنة ويقولها المأموم فرضا ولا بد». قلت: فيجب الاهتمام به وعدم التساهل بتركه. ومن تمام ذلك موافقة الإمام فيه وعدم مسابقته وهذا أمر قد أخل به جماهير المصلين في كل البلاد التي أتيح لي زيارتها ويجهرون فيها بالتأمين. فإنهم يسبقون الإمام يبتدئون به قبل ابتداء الإمام ويعود السبب في هذه المخالفة المكشوفة إلى غلبة الجهل عليهم وعدم قيام أئمة المساجد وغيرهم من المدرسين والوعاظ بتعليمهم وتنبيههم حتى أصبح قوله ﷺ : «إذا أمن الإمام فأمنوا. .. » نسيا منسيا عندهم إلا من عصم الله وقليل [تمام المنة ص (١٧٧)] البسملة وعدم الجهر بها قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٤٩: ثم يقول سرا في الجهرية والسرية: «بسم الله الرحمن الرحيم». وقال في أصل الصفة: ثم يقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ولا يجهر بها [ثم ساق الإمام الأحاديث الدالة على ذلك إلى أن قال]: . قال الحافظ في «الفتح» «٢/ ١٨١»: «فطريق الجمع بين هذه الألفاظ حملُ نفي القراءة على نفي السماع، ونفي السماع على نفي الجهر، وتؤيده رواية منصور بن زاذان: فلم يسمعنا قراءة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وأصرح من ذلك رواية الحسن عن أنس: كانوا يسرُّون بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. فاندفع بهذا تعليل من أعله بالاضطراب - كابن عبد البر -؛ لأن الجمع إذا أمكن؛ تعين المصير إليه».

стр. 1495

وبذلك يتبين أن حديث أنس حجة في كونه ﷺ كان يسر بالبسملة، وكذلك أصحابه الثلاثة، ومثله حديث عبد الله بن مغفل. وقد قال الترمذي: «والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ؛ منهم: أبو بكر وعمر وعثمان، وغيرهم، ومن بعدهم من التابعين، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق؛ لا يرون أن يجهر بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ قالوا: ويقولها في نفسه». قلت: وهو مذهب أبي حنيفة، وصاحبيه - كما حكاه الطحاوي وغيره -، ونص عليه الإمام محمد في «الآثار» «١٥ - ١٦»، وبه قال أكثر أصحاب الحديث - كما قال الحازمي «٥٦» -، وخالفهم الإمام الشافعي، وأصحابه، وبعض من سبقه من الصحابة، والتابعين؛ فقالوا بالجهر بها، وأنه السنة. وقد أطال النووي ﵀ في «المجموع» «٣/ ٣٣٤ - ٣٥٦» في الاستدلال لذلك بأحاديث كثيرة ساقها! والناظر فيها بإنصاف؛ لا يخرج منها بحديث واحد صحيح صريح يدل على ما ذهبوا إليه. [ثم أورد الإمام الأحاديث التي استدل بها من قال بالجهر ثم قال]: قلت: فهذه الأحاديث الثلاثة؛ هي أصح ما ورد في الجهر بالبسملة وأصرحها، وقد ظهر لك أنها ضعيفة كلها، إلا حديث أنس في بعض طرقه، لكن ليس فيه أنه كان يجهر بها في الصلاة؛ ولذلك قال ابن القيم في «الزاد» «١/ ٧٣»: «وكان ﷺ يجهر بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ تارة، ويخفيها أكثر مما يجهر بها، ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها دائماً في كل يوم وليلة؛ خمس مرات أبداً، حضراً وسفراً، ويخفى ذلك على خلفائه الراشدين، وعلى جمهور أصحابه، وأهل بلده في الأعصار الفاضلة؛ هذا من أمحل المحال حتى يحتاج إلى التشبُّث فيه بألفاظ مجملة، وأحاديث واهية؛ فصحيح تلك الأحاديث غير صريح، وصريحها غير صحيح». قلت: وآخر كلامه يناقض أوله؛ لأنه إذا كان يرى - وهو الحق - أنه لا يصح حديث صريح في الجهر بها؛ فكيف يجزم بأنه ﷺ كان يجهر بها تارة؟ ! وقد كان

стр. 1496

شيخه ابن تيمية أدق منه في التعبير في هذا الموضع؛ حيث قال في «الفتاوى» «١/ ٧٩» في صدد هذا البحث: «ولكن يمكن أنه كان يجهر بها أحياناً، أو أنه كان يجهر بها قديماً ثم ترك ذلك؛ - قال -: فهذا محتمل». فلم يجزم بذلك؛ بل ذكره احتمالاً، وهو أمر واسع، فالحق ما ذهب إليه الجمهور من أن السنة الإسرار بها. ومع هذا؛ فالصواب أن ما لا يجهر به، قد يشرع الجهر به لمصلحة راجحة؛ فيشرع للإمام أحياناً لمثل تعليم المأمومين، ويسوغ للمصلين أن يجهروا بالكلمات اليسيرة أحياناً؛ كما في حديث ابن عمرو، وأنس بن مالك المتقدمين في «الاستفتاح» رقم «٧ و ٨»؛ فإنه ﷺ لم ينكر على الرجلين جهرهما بما استفتحا به. وكذلك جهر به عمر؛ تعليماً للناس - كما مضى هناك -. قال شيخ الإسلام «١/ ٨٧»: «ويسوغ أيضاً أن يترك الإنسان الأفضل لتأليف القلوب، واجتماع الكلمة؛ خوفاً من التنفير عما يصلح، كما ترك النبي ﷺ بناء البيت على قواعد إبراهيم؛ لكون قومه كانوا حديثي عهد بالجاهلية، وخشي تنفيرهم بذلك، ورأى أن مصلحة الاجتماع والائتلاف مقدمة على مصلحة البناء على قواعد إبراهيم، وقال ابن مسعود - لما أكمل الصلاة خلف عثمان، وأنكر عليه التربيع، فقيل له في ذلك؟ فقال -: الخلاف شر. ولهذا نَصَّ الأئمةُ؛ كأحمد وغيره في البسملة، وفي وصل الوتر، وغير ذلك مما فيه العدول عن الأفضل إلى الجائز المفضول؛ مراعاة ائتلافِ المأمومين، أو لتعريفهم السنة، وأمثال ذلك. والله أعلم». [أصل صفة الصلاة (١/ ٢٧٧)] لا يثبت في الجهر بالبسملة شيء «كان يَجْهَرُ بِـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في الصلاة». منكر.

стр. 1497

[قال الإمام]: من الملاحظ أن لفظ رواية البزار: «يجهر»، ولفظ الترمذي وغيره: «يفتتح»، ومن المعروف عند العلماء أن الافتتاح لا يستلزم الجهر لا لغة ولا شرعاً، فقد ثبت أن النبي ﷺ كان يفتتح بالتوجه، «وسبحانك اللهم ... » - كما قال الحافظ في «التلخيص» «١/ ١٣٢» -، فهل معنى ذلك أنه كان يجهر؟ ! «انظر «الإرواء» «١/ ٥٠» وصحيح أبي داود» «٧٤٩» وغيرهما». ولما ذكرت، وجدنا الأسود بن يزيد التابعي الثقة الجليل الفقيه - لما روى افتتاح عمر ﵁ جهراً - لم يكتف بلفظة «الافتتاح»، بل أضاف إليه لفظاً يدل على الجهر، فقال: كان عمر ﵁ إذا افتتح الصلاة قال: سبحانك اللهم ... يسمعنا ذلك ويعلمنا. رواه ابن أبي شيبة وغيره. «الإرواء» «٢/ ٤٩». وعلى ذلك فلو فرض أن إسناد الحديث صحيح، لكان لفظ «الجهر» فيه شاذاً، لمخالفته للفظ رواية الحفاظ الثقات - وبخاصة الترمذي -، أما وهو ضعيف، فهو منكر - كما تقتضيه القواعد العلمية الحديثية -، وهذا مما خفي على الشيخ الأعظمي فبادر إلى إنكاره بلفظيه! دون أي تفريق بينهما. ولعل النكارة من البزار نفسه، فقد تكلموا في حفظه، حتى قال الدراقطني والحاكم: «يخطئ في الإسناد والمتن». والمعصوم من عصمه الله. ثم اعلم أن الأحاديث في الجهر بالبسملة في الصلاة كثيرة، وليس فيها كلها ما يصلح للحجة، وقد استوعب الكلام عليها الحافظ الزيلعي في «نصب الراية» «١/ ٣٢٣ - ٣٥٦»، ثم الحافظ العسقلاني في «الدراية» «١/ ١٣٠ - ١٣٧»، ونقلاً عن الدراقطني أنه قال: «لا يصح في الجهر شيء مرفوع». وسبقه إلى ذلك العقيلي - فيما نقله عنه الزيلعي «١/ ٣٤٦ - ٣٤٧» - قال: «ولا يصح في الجهر بالبسملة حديث مسند». ومع ذلك فهي مخالفة لبعض الأحاديث الصحيحة عند الشيخين وغيرهما، وترى تفصيل الكلام في ذلك في المصدرين المذكورين آنفاً. وانظر «صفة الصلاة». وقد روى بعضهم حديثاً في الجهر، لو صح، لكان نصاً على أن الجهر كان في أول الإسلام ثم ترك، وقد حسنه بعض الأئمة، واتكأ عليه بعض الحنفية، فوجب النظر في إسناده، وتحقيق القول فيه، أداء للأمانة، وتبرئة للذمة، وهاك لفظه: - «كَانَ يَجْهَرُ بِـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ بِمَكَّةَ، وَكَانَ أَهْلُ مَكَّةَ يَدْعُونَ «مُسَيْلِمَةَ»: الرَّحْمَانَ،

стр. 1498

فَقَالُوا: إِنَّ مُحَمَّداً يَدْعُو إِلَى إِلَهِ الْيَمَامَةِ؛ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهَ ﷺ فَأَخْفَاهَا، فَمَا جَهَرَ بِهَا حَتَّى مَاتَ». منكر. السلسلة الضعيفة (١٣/ ٢/ ٩٥٦ - ٩٥٨) ليس في الجهر بالبسملة في الصلاة حديث صحيح صريح [قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]: قوله: «وأقوى دليل لهذا المذهب يعني الجهر بالبسملة حديث نعيم المجمر قال: صليت وراء أبي هريرة فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثم قرأ بأم القرآن. .. الحديث. وفي آخره قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ . رواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان قال الحافظ في «الفتح»: وهو أصح حديث ورد في الجهر بالبسملة». قلت: ينبغي أن يعلم أن عبارة الحافظ هذه لا تفيد عند المحدثين أن الحديث صحيح وإنما تعطي له صحة نسبية قال النووي ﵀: «لا يلزم من هذه العبارة صحة الحديث فإنهم يقولون: «هذا أصح ما جاء في الباب» وإن كان ضعيفا ومرادهم أرجحه أو أقله ضعفا». قلت: ولعل الحافظ ﵀ لم يصحح الحديث لأن بعض المحدثين قد أعل ذكر البسملة فيه بالشذوذ ومخالفة جميع الثقات الذين رووا الحديث عن أبي هريرة ولم يذكروها فيه كما رواه الشيخان وغيرهما من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة وقد أطال في بيان ذلك الزيلعي في «نصب الراية» فراجعه ١/ ٣٣٥ - ٣٣٧. وأقول الآن: إنه عند ابن خزيمة وغيره من طريق ابن أبي هلال واسمه سعيد وكان اختلط وبه أعللت الحديث في التعليق على «صحيح ابن خزيمة» رقم ٤٩٩ - طبع المكتب الإسلامي. ثم إن الحديث لو صح فليس فيه التصريح بالجهر بها ولا برفعها إلى النبي ﷺ -

стр. 1499

وقول أبي هريرة في آخره: «إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ » لا يلزم منه رفع كل ما فعله أبو هريرة فيه كما فصل ذلك شيخ الإسلام في «الفتاوى» ١/ ٨١ فراجعه. والحق أنه ليس في الجهر بالبسملة حديث صريح صحيح بل صح عنه ﷺ الإسرار بها من حديث أنس وقد وقفت له على عشرة طرق ذكرتها في تخريج كتابي «صفة صلاة النبي ﷺ » أكثرها صحيحة الأسانيد وفي بعض ألفاظها التصريح بأنه ﷺ لم يكن يجهر بها وسندها صحيح على شرط مسلم وهو مذهب جمهور الفقهاء وأكثر أصحاب الحديث وهو الحق الذي لا ريب فيه، ومن شاء التوسع في هذا البحث فليراجع «فتاوى شيخ الإسلام» ففيها مقنع لكل عاقل منصف. [تمام المنة ص (١٦٨)] حكم التعوذ للفاتحة والبسملة للسورة السائل: التعوذ للفاتحة والبسملة للسورة. الشيخ: البسملة؟ السائل: نعم. الشيخ: ما أدري ما الذي أشكل عليك في هذه المسألة وأنت تقول إنك درستها ثم أشكلت عليك, ألم تجد في السنة في سنن أبي داود وغيرها من حديث أبي سعيد الخدري وجبير بن مطعم أن النبي ﷺ كان إذا افتتح الصلاة قال بعد الاستفتاح: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفثه ونفخه قرأت هذا أم لا؟ السائل: نعم.

стр. 1500

الشيخ: فما هو الإشكال إذن بالضبط؟ السائل: يعني بعض الفقهاء وبالذات عندنا يقول لك إن المالكية يقولون هذا خاص بالصلاة وحديث البسملة مضطرب. الشيخ: لا تحد البحث الآن في التعوذ. السائل: نعم التعوذ يقولون الاستعاذة خاصة في الصلاة في القراءة دون الصلاة. الشيخ: نحن نقول الحديث يقول أن الرسول كان إذا قام في الصلاة كبر وقال الله أكبر كبيرا وو ثم يقول أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. السائل: نعم الشيخ: فهذا رد على المالكية الذين ينكرون أشياء ثابتة في السنة لا قبل لهم بردها لولا التعصب المذهبي, ينكرون أدعية الاستفتاح وهي كثيرة وكثيرة جدا وينكرون بالتالي الاستعاذة وقد عرفت الدليل على ذلك, ثم ينكرون قراءة البسملة سرا أو جهرا ويرون أن المشروع أن يدخل المصلي في قراءة الفاتحة مباشرة, الله أكبر, الحمد لله رب العالمين, لقد أضاعوا على أنفسهم عشرات من الأحاديث الصحيحة لا حجة لهم في ذلك سوى المذهب المزعوم, فما هو الذي يدفعهم إلى الإعراض عن كل هذه الأدلة التي فيها إثبات ما ذكرته آنفا من دعاء الاستفتاح من الاستعاذة من البسملة ثلاثة أشياء فهذه أحاديثها صحيحة, يكفي أنهم إن أنكروا الاستعاذة بين يدي الفاتحة في الصلاة أنهم أنكروا حديثين اثنين لكن ما بالهم إذا أنكروا أكثر من عشرة أحاديث بعضها في الصحيح كقوله ﵊ جوابا لأبي هريرة أو جوابا لمن سأله كما جاء في حديث أبي هريرة, قالوا: «يا رسول الله أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ماذا تقول؟ » قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب, اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس إلى آخر الحديث, هذا حديث رواه البخاري ومسلم في صحيحهما لما عطل هذا الحديث؟ لما جاء في المذهب, وهل المذهب هو وحي ثاني نزل بعد النبي ﵇ وهو القائل:

стр. 1501

«إن النبوة والرسالة قد انقطعت فلا رسول ولا نبي بعدي» , إذن هذا من شؤم التعصب المذهبي الذي ننكره نحن دائما وأبدا على كل المتمذهبين, كيف لا مضى أربعة عشر قرنا على المسلمين جميعا وهم يتداولون كتب السنة ويجدون فيها هذه الأحاديث الصحيحة ثم يظل هذا مالكيا لا يستفتح بشيء وهذا حنفي لا يستفتح إلا بسبحانك اللهم وهذا شافعي لا يستفتح إلا باللهم وجهت وجهي, وهناك أدعية أخرى ثبتت في السنة مع الأدعية الأولى, المسلم مخير بين هذا وهذا وهذا وخير الهدى هدى محمد ﷺ , فليس لأحد أن يُنكر شرعية شيء من هذه الأدعية أدعية الاستفتاح كما تقول, أو يقول بعض المالكية المتعصبة أنا اقول هذا لأنه وجد في العصر الحاضر من المالكية من رد على المتعصبة من المالكية لردهم بعض هذه الأحاديث, فالمسلم يجب أن يوجه تعصبه في الدنيا لشخص واحد وهو الذي كنت ألقيت أول محاضرة في مسجد عباد الرحمن حيث ذكرت هناك إنه يستفاد من مثل قوله ﵊ «أمرتُ أن أقاتلل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله» أنه يستفاد من الجملة الأولى الشهادة الأولى: لا إله إلا الله توحيد الله بالعبادة ويستفاد من الشهادة الثانية: «وأن محمدا رسول الله» إفراد النبي ﷺ بالاتباع فكما أن الله ﵎ لا شريك له في العبادة كذلك رسوله ﷺ لا شريك له في الاتباع فكما يجب على المسلمين أن يوحدوا الله في عبادته لا يشركون به شيئا كذلك يجب عليهم أن يفردوا الرسول ﵇ في اتباعه ولا يشركون معه أحدا من المسلمين مهما كانوا أئمة كبارا, هذه الشهادة الثانية قد أخل به كثير من الذين أدخلوا التوحيد وأخلصوا لله بالعبادة لكن ضلوا في جمودهم على الفقه المذهبي لا يتبعون السنة لماذا؟ لأن المذهب قد خالفها فأنا قلتُ لك آنفا مادام أنك درست فماذا فعلت بهذه الأحاديث؟ يتبين لي أنك تسأل ليس لنفسك وإنما لغيرك من باب الكلام «الحكى الك واسمع يا جار» , أرجو أن يكون سؤالك من هذا القبيل وبهذا القدر كفاية، والحمد لله رب العالمين. (فتاوى جدة-موقع أهل الحديث والأثر- ١٧)

стр. 1502

هل يشرع التعوذ مع كل ركعة ؟ السائل: السؤال عن مشروعية التعوذ مع كل ركعة؛ قراءة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؟ الشيخ: الاستعاذة في كل ركعة ليس فيها نصٌ صريح في الموضوع، فهي من مواطن النزاع، ولا أرى أن يتعصب الإنسان لشيءٍ من الرأيين المختلفين، وإنما يأخذُ ما ترتاح إليه نفسه وينشرح له صدره، والذي تبين لي أن الاستعاذة بين يدي كل فاتحة في كل ركعة هو الراجح لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ لكن ليس هناك حديثٌ صريحٌ يدل على هذا الرأي وإنما هو الاستنباط والاحتجاج بعموم الآية. (فتاوى جدة-موقع أهل الحديث والأثر- ٢٦) الجهر والإسرار بالبسملة سؤال: بالنسبة للإنسان لما يأتي يصلي يقول: الله أكبر، بالنسبة للبسملة هل يصح إخفاؤها أو إظهارها؟ الشيخ: الأصح هو الإسرار بها وعدم الجهر بها، لأنه جاءت أحاديث صحيحة أن الرسول ﵇ في أنه كان يُسِرُّ بها، وجاءت بعض الأحاديث الضعيفة أنه كان يجهر بها، لكنها ضعيفة لا تصح، مع مخالفتها للأحاديث الصحيحة. ثم بعضنا لما يقولو: بعد أن ثبت أن الرسول كان يُسِرّ، فلو ثبت في بعض الأحاديث أنه كان يجهر في البسملة، فَتُحْمَل على أن الجهر لم يكن شريعة مستمرة، كما هو الشأن بالإسرار بها، فالإسرار هو الشريعة المستمرة. فإذا ثبت في بعض الأحاديث أنه كان يجهر، حُمِلت هذه الأحاديث على أن الجهر لم يكن شريعةً مستمرةً، وإنما لتعليم بعض الناس أن هناك فيه قراءة بسملة بين يدي

стр. 1503

الفاتحة، وإلا قد يقول قائل: إن الرسول ما كان يقرأ البسملة، وفعلاً الآن يوجد بعض المذاهب وهو المذهب المالكي، وإذا ذهبت إلى بعض بلاد المغرب ترون الإمام يقول هكذا: الله أكبر، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، لماذا؟ لأنه ما فيه عندهم أحاديث ثابتة أن الرسول كان يدعو دعاء الاستفتاح وكان يقرأ بسم الله، فمن الممكن أنه لو ثبت أن الرسول ﵇ كان يجهر بالبسملة، كان يجهر بها تعليماً للناس، لأنه ثبت في بعض الأحاديث الصحيحة وهو في البخاري ومسلم من حديث أبي قتادة الأنصاري ﵁ أن النبي ﷺ كان يقرأ بعد الفاتحة في صلاة الظهر والعصر، قال: «وكان يُسْمعنا الآية أحياناً» فهو جهر. مع أن صلاة الظهر والعصر صلاة سرية، لماذا كان يسمعهم الآية أحياناً؟ حتى يعرفوا أنه يقرأ بعد الفاتحة أولاً، ثم حتى يعرفوا من أيِّ سورة كان يقرأ، لأنهم لما يسمعوا الآية يعرفوا بسبب أنهم كانوا يحفظون، يعرفوا أنه من أي سورة كان يقرأ ﵇. فإذاً: لو ثبت - ولم يثبت - أن الرسول كان يجهر أحياناً، فكان ذلك من أجل التعليم، ولم يكن من أجل التسنين أنها تصير سنة مستمرة، لا، ولذلك لما جاء في صحيح مسلم وغيره أن عمر بن الخطاب كان يجهر أحياناً بسبحانك اللهم وبحمدك، مع أن هذه ما أحد يقول بأن السنة فيها الجهر، لماذا؟ أيضاً يعلمهم ماذا يقرأ بين يدي الفاتحة. فهكذا لو صح شيء في الجهر بالبسملة، لكن لا يوجد أي حديث صحيح إطلاقاً. (الهدى والنور /٢٥٤/ ٥٦: ٢٩: ٠٠)

стр. 1504

ركنية الفاتحة ووجوبها في كل ركعة ووجوب تعلمها للأعاجم ثم يقرأ سورة «الفاتحة» بتمامها والبسملة منها، وهي ركن لا تصح الصلاة إلا بها، فيجب على الأعاجم حفظها. وتجب قراءة الفاتحة في كل ركعة. [تلخيص الصفة فقرة ٥٠]. القراءةُ آيةً آيةً قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٥٢: والسنة في قراءتها أن يقطعها آية آية، يقف على رأس كل آية.، فيقول: «بسم الله الرحمن الرحيم» ثم يقف، ثم يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ثم يقف، ثم يقول: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثم يقف، ثم يقول: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، ثم يقف، وهكذا إلى آخرها. وهكذا كانت قراءة النبي ﷺ كلها، يقف على رؤوس الآي، ولا يصلها بما بعدها، وإن كانت متعلقة المعنى بها. وقال في أصل الصفة: ثم يقرأ «الفَاتِحَة» ويُقطعها آية آية: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، [ثم يقف، ثم يقول: ] ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾، [ثم يقف، ثم يقول: ] ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، [ثم يقف، ثم يقول: ] ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وهكذا إلى آخر السورة. وكذلك كانت قراءته كلها؛ يقف على رؤوس الآي، ولا يَصِلُها بما بعدها. بدليل قول راوية الحديث: كان يقطع قراءته آية آية. وهذا مطلق غير مقيد بـ: «الفَاتِحَة» وإنما تلتها على سبيل المثال؛ لا على طريق التحديد.

стр. 1505

قال في «الزاد» «١/ ١٢٥»: وهذا هو الأفضل: الوقوف على رؤوس الآيات؛ وإن تعلقت بما بعدها. وذهب بعض القراء إلى تتبع الأغراض، والمقاصد، والوقوف عند انتهائها. واتباع هدي النبي ﷺ وسنته أولى؛ وممن ذكر ذلك البيهقي في «شعب الإيمان» وغيره، ورجح الوقوف على رؤوس الآي؛ وإن تعلقت بما بعدها. وقال الشيخ علي القاري: «أجمع القراء على أن الوقف على الفواصل وقف حسن؛ ولو تعلقت بما بعدها». [أصل صفة الصلاة (١/ ٢٩٣)] قراءة (مَلِك يوم الدين) قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٥٣: ويجوز قراءتها «مالك» و «ملِك». وقال في أصل الصفة: وكان تارة يقرؤها: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وتارة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. مَلِك: بالقصر، وهي قراءة بعض القراء، وقرأ آخرون: ﴿مَالِكِ﴾. قال الحافظ ابن كثير «١/ ٢٤»: وكلاهما صحيح متواتر في السبع، ويقال: ﴿مَلِكِ﴾ بكسر اللام وبإسكانها. ويقال: ﴿مليك﴾ أيضاً. وأشبع نافع كسرة الكاف؛ فقرأ: ﴿مَلِكِي يَوْمِ الدِّينِ﴾، وقد رجح كلاً من القراءتين مرجحون من حيث المعنى - وكلاهما صحيحة حسنة -، ورجح الزمخشري: ﴿مَلِكِ﴾؛ لأنها قراءة أهل الحرمين، ولقوله: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾. قال: وقد روى أبو بكر بن أبي داود في ذلك شيئاً غريباً؛ حيث قال: ثنا أبو عبد

стр. 1506

الرحمن الأزدي: ثنا عبد الوهاب عن عدي بن الفضل عن أبي المُطَرِّف عن ابن شهاب أنه بلغه: أن رسول الله ﷺ ، وأبا بكر، وعمر، وعثمان، ومعاوية، وابنه يزيد كانوا يقرؤون: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. قال ابن شهاب: وأول من أحدث: ﴿مَلِكِ﴾ مروان. قلت: مروان عنده علم بصحة ما قرؤوه؛ لم يطلع عليه ابن شهاب. والله أعلم. وقد روي من طرق متعددة أوردها ابن مردويه: أن رسول الله ﷺ كان يقرؤها: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. اهـ. قلت: وحديث الزهري هذا، رواه أبو داود أيضاً - كما سيأتي - بإسناد أصح من إسناد ابنه. قلت: ومن تلك الطرق: ما أخرجه الطبراني في «الكبير» من طريق عبد الصمد بن عبد العزيز المقري. قال: قرأت القرآن على طلحة بن سليمان - أخي إسحاق بن سليمان - فقال لي طلحة: قرأت على الفَيّاض بن غزوان. وقال الفَيّاض: قرأت على طلحة بن مُصَرِّف اليامي. وقال طلحة: قرأت على يحيى بنَ وثَّاب، وقرأ يحيى بن وثاب على علقمة بن قيس، وقرأ علقمة بن قيس على عبد الله بن مسعود، وقرأ عبد الله بن مسعود على رسول الله ﷺ : ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾؛ بالألف. ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ خفض. قال الطبراني: ثنا علي بن سعيد الرازي: نا محمد بن نباتة الرازي: ثنا عبد الصمد به. وهذا سند ضعيف؛ فإن محمد بن نباتة، وعبد الصمد، وطلحة بن سليمان لم أجد من ترجمهم، وبقيهَ رجاله ثقات معروفون.

стр. 1507

وقد روى تمام الرازي في «الفوائد»، وابن أبي داود في «المصاحف» «٧/ ٢»، وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» «١/ ١٠٤»، والحاكم «٢/ ٢٣١» قراءة: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بإسناد صحيح. ووافقه الذهبي. «وهذه القراءة متواترة؛ كالأولى: ﴿مَالِكِ﴾». [أصل صفة الصلاة (١/ ٢٩٧)] رُكنيةُ ﴿الفَاتِحَة﴾ وفضائلُها وكان ﷺ يُعَظّم من شأن هذه السورة؛ فكان يقول: «لا صلاة لمن لم يقرأ [فيها] بـ: «فاتحة الكتاب» [فصاعداً]». وفي لفظ: لا تجزئ صلاة لا يقرأ الرجل فيها بـ: «فاتحة الكتاب». وتارة يقول: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بـ: «فاتحة الكتاب»؛ فهي خِداج، هي خِداج، هي خِداج؛ غير تمام». خداج: أي: ناقصة، وقد أكد ذلك بقوله ﷺ : «غير تمام». قال ابن عبد البر: «والخداج: النقصان والفساد. من ذلك قولهم: أخدجت الناقة وخدجت: إذا ولدت قبل تمام وقتها، وقبل تمام الخلق، وذلك نتاج فاسد». فالحديث دليل على فساد صلاة من لم يقرأ «الفَاتِحَة»؛ وإنْ قرأ فيها بغيرها من القرآن. ويدل على ذلك أيضاً الحديث الذي قبله؛ فإنه نفى الصلاة بترك «الفَاتِحَة»، والظاهر أن المراد: نفي كلها لا كمالها؛ لما سيأتي. ثم قال ابن عبد البر: وقد زعم من لم يوجب - أي: يفرض - قراءة «فاتحة الكتاب» في الصلاة أن قوله: «خداج». يدل على جواز الصلاة؛ لأنه النقصان، والصلاة الناقصة جائزة. وهذا تحكم فاسد، والنظر يوجب أن لا تجوز الصلاة؛ لأنها صلاة لم تتم، ومن خرج من صلاته قبل أن يتمها؛ فعليه إعادتها. اهـ من «الاستذكار»؛ نقلاً من «التعليق الممجد» «٩٣». وقد ذهب إلى فرضية «الفَاتِحَة»، وأنه لا يجزئ غيرها: مالك، والشافعي،

стр. 1508

وأحمد، وجمهور العلماء؛ من الصحابة والتابعين ومن بعدهم - كما في «المجموع» «٣/ ٣٢٧» -، واحتجوا بهذا الحديث، وبالحديث الذي قبله، وقالوا: إن المراد به: نفي ذات الصلاة أو صحتها، لا: كمالها، وأيدوا ذلك باللفظ الآخر: «لا تجزئ». فنفى إجزاءها؛ وهو المراد. وخالف في ذلك أبو حنيفة، ومحمد فقالا بوجوب قراءة «الفَاتِحَة»؛ لا فرضيتها - بناءً على اصطلاحهم في التفريق بين الواجب والفرض -، وقالوا بصحة الصلاة بتركها، وأجابوا عن الحديث بأن المراد به: نفي الكمال؛ أي: لا صلاة كاملة. وأجاب الجمهور بأنه خلاف الحقيقة، وخلاف الظاهر والسابق إلى الفهم، وأجابوا أيضاً عن الحديث الثاني بما ذكرناه عن ابن عبد البر - وسمعت الجواب عنه -، وقالوا: إن فرض القراءة التي لا تصح الصلاة إلا بها: ثلاث آيات قصيرات. وفي رواية عن أبي حنيفة: آية واحدة؛ ولو نحو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾. واحتجوا على ذلك بقوله: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾. وفي هذا الاستدلال نظر من وجوه: الأول: أن الآية وردت في قيام الليل؛ لا في تقدير القراءة - كما هو المتبادر من سياق الآية -؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ. .. ﴾ الآية. ويدل لذلك أيضاً سبب نزولها؛ وهو ما أخرجه مسلم «٢/ ١٦٨ - ١٦٩»، وابن نصر «٢ - ٣» وغيرهما في حديث عن سعد بن هشام بن عامر - عن عائشة - قال: قلت: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن قيام رسول الله ﷺ ؟ فقالت: ألست تقرأ: ﴿يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ﴾؟ قلت: بلى. قالت: فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة؛ فقام نبي الله ﷺ . وأصحابه حولاً، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف؛ فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة. .. الحديث.

стр. 1509

فعلى هذا؛ فمعنى الآية: فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل؛ عبر عن الصلاة بالقراءة، كما عبر عنها بسائر أركانها. قاله الآلوسي الحنفي في «روح المعاني». فالآية من إطلاق الجزء وإرادة الكل، وهذا منه كثير في نصوص الشرع؛ كقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ أي: صلاة الفجر. ثم قال الآلوسي: «وقيل: الكلام على حقيقته؛ مِنْ طلب قراءة القرآن بعينها. وفيه بُعْدٌ عن مقتضى السياق». اهـ. وقال ابن نصر ﵀: «وقد احتج بعض أصحاب الرأي في إيجاب القراءة في الصلوات المكتوبات «بهذه الآية»؛ فأسقطوا فرض قراءة «الفَاتِحَة» متأولين لهذه الآية، فقالوا: إنما عليه أن يقرأ مما تيسر من القرآن، ولا عليه أن لا يقرأ بـ: «فاتحة الكتاب». ثم ناقضوا؛ فقالوا: لا بد أن يقرأ بثلاث آيات فصاعداً، أو بآية طويلة نحو: آية الدين، أو آية الكرسي، فإن قرأ بآية قصيرة نحو: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾، و ﴿لَمْ يَلِدْ﴾؛ لم يجز، وليست هذه الآية من القراءة في الصلوات المكتوبات في شيء؛ إنما أنزلت الآية - على ما أعلمتك - بقيام الليل، وإنما أخذت القراءة في الصلوات المكتوبات عن النبي ﷺ ؛ كما أخذ عدد الركوع، والسجود، وسائر ما في الصلاة عن النبي ﵇، ويقال لهم: خبرونا عمن لم يتيسر عليه قراءة شيء من القرآن في الصلاة، ولم يخف؛ هل توجبون عليه أن يتكلف مقدار ما حددتم؛ من قراءة ثلاث آيات، أو آية طويلة؛ وإن ثقل ذلك عليه، ولم يتيسر؟ ! فإن قالوا: نعم. قيل: من أين أوجبتم عليه قراءة ما لم يتيسر عليه، وإنما أمره الله بقراءة ما تيسر في زعمكم؟ ! ويلزمكم أن تجيزوا للمصلي إذا افتتح الصلاة أن يقول: «ألف» ويركع، ويقول: لم يتيسر علي أكثر من ذلك. فإذا أجازوا ذلك؛ خالفوا السنة، وخرجوا من قول أهل العلم». اهـ[بتصرف]. قلت: وهذا الإلزام الأخير لهم أن يجيبوا عنه بقولهم: إن قول المصلي: «ألف». ليس بقراءة عرفاً؛ فلا تشمله الآية، فلا يلزمنا ما ذكرتَ. وأما الإلزام الذي قبله؛ فهو إلزام قوي، لا جواب لهم عليه. الوجه الثاني: سلمنا - جدلاً - أن الآية واردة في تقدير القراءة - كما زعموا -؛

стр. 1510

فمن أين لهم تقدير ذلك بآية، أو ثلاث آيات؟ فلو عارضهم معارض، فقدرها بآيتين، أو بأربع، أو بست؛ فبماذا يجيبونه؟ وما الفرق بينه وبينهم؟ ! والنظر الصحيح يقتضي - بناء على هذا التسليم - أن المفروض ما تيسر من القراءة؛ بدون تحديد، وذلك يختلف باختلاف المصلين، فمن كان ميسوراً عليه أن يقرأ بسورة «البَقَرَة» - مثلاً -؛ فيفترض عليه أن يقرأ بها. وهذا مما لا يقولون به. الوجه الثالث: أن يقال: هَبُوا أن ما فهمتموه من الآية صحيح؛ فغاية ما تفيد فرضيةَ القراءة، لا ركنيتها؛ فمن أين لكم القول بركنيتها، المستلزم لبطلان الصلاة بتركها؟ ! فإن قالوا: هو قوله ﷺ : «لا صلاة إلا بقراءة». - أخرجه مسلم «٢/ ١٠» وغيره من حديث أبي هريرة -. قلنا: هذا مطلق، قيده أبو هريرة في أحاديثه الأخرى - وقد مضت -؛ فلا حجة لكم فيه. ولعله من أجل هذا ذهب بعض علمائنا الحنفية إلى أنها ليست بركن؛ ومنهم الغزنوي صاحب «الحاوي القدسي» - كما في «البحر الرائق» «١/ ٣٠٨، ٣٠٩» - ثم نقول - وهو -: الوجه الرابع: قد تبين مما سلف أنهم قيدوا الآية بآرائهم، ولم يدعوها مطلقة، وإلا؛ لزمهم ما ذكرنا. فحينئذٍ يقال: إذا كان ولا بد من تقييدها؛ فتقييدها بالنص الصحيح الثابت عنه ﷺ خير من تقييدها بالرأي المحض. وقولهم: إن ذلك لا يجوز؛ لأنه خبر آحادي، ولا يجوز الزيادة به على القرآن. لا يفيدهم شيئاً؛ لأننا نقول: إن هذا الخبر ليس شيئاً زائداً على القرآن؛ بل هو بيان له، وقد قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهُمْ﴾. ثم إن سلمنا أنه زيادة على القرآن؛ فما الدليل على أنه لا يجوز الزيادة عليه بالخبر الصحيح؟ ! وأعتقد أن الحنفية هم أول من خالف هذه القاعدة التي قرروها بأنفسهم؛ فكم من أحكام زادت على القرآن، اعتماداً على الحديث الصحيح؛ بل وعلى الرأي المحض في كثير من المواقف؛ ولا يتسع المقام لضرب الأمثلة على ذلك!
следующие страницы →