← Фикх общий

Фикх общий · id 145204

جامع تراث العلامة الألباني في الفقه

ناصر الدين الألباني

Полный текст (8 195 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

الرحمن الأزدي: ثنا عبد الوهاب عن عدي بن الفضل عن أبي المُطَرِّف عن ابن شهاب أنه بلغه: أن رسول الله ﷺ ، وأبا بكر، وعمر، وعثمان، ومعاوية، وابنه يزيد كانوا يقرؤون: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. قال ابن شهاب: وأول من أحدث: ﴿مَلِكِ﴾ مروان. قلت: مروان عنده علم بصحة ما قرؤوه؛ لم يطلع عليه ابن شهاب. والله أعلم. وقد روي من طرق متعددة أوردها ابن مردويه: أن رسول الله ﷺ كان يقرؤها: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. اهـ. قلت: وحديث الزهري هذا، رواه أبو داود أيضاً - كما سيأتي - بإسناد أصح من إسناد ابنه. قلت: ومن تلك الطرق: ما أخرجه الطبراني في «الكبير» من طريق عبد الصمد بن عبد العزيز المقري. قال: قرأت القرآن على طلحة بن سليمان - أخي إسحاق بن سليمان - فقال لي طلحة: قرأت على الفَيّاض بن غزوان. وقال الفَيّاض: قرأت على طلحة بن مُصَرِّف اليامي. وقال طلحة: قرأت على يحيى بنَ وثَّاب، وقرأ يحيى بن وثاب على علقمة بن قيس، وقرأ علقمة بن قيس على عبد الله بن مسعود، وقرأ عبد الله بن مسعود على رسول الله ﷺ : ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾؛ بالألف. ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ خفض. قال الطبراني: ثنا علي بن سعيد الرازي: نا محمد بن نباتة الرازي: ثنا عبد الصمد به. وهذا سند ضعيف؛ فإن محمد بن نباتة، وعبد الصمد، وطلحة بن سليمان لم أجد من ترجمهم، وبقيهَ رجاله ثقات معروفون.

стр. 1507

وقد روى تمام الرازي في «الفوائد»، وابن أبي داود في «المصاحف» «٧/ ٢»، وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» «١/ ١٠٤»، والحاكم «٢/ ٢٣١» قراءة: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ بإسناد صحيح. ووافقه الذهبي. «وهذه القراءة متواترة؛ كالأولى: ﴿مَالِكِ﴾». [أصل صفة الصلاة (١/ ٢٩٧)] رُكنيةُ ﴿الفَاتِحَة﴾ وفضائلُها وكان ﷺ يُعَظّم من شأن هذه السورة؛ فكان يقول: «لا صلاة لمن لم يقرأ [فيها] بـ: «فاتحة الكتاب» [فصاعداً]». وفي لفظ: لا تجزئ صلاة لا يقرأ الرجل فيها بـ: «فاتحة الكتاب». وتارة يقول: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بـ: «فاتحة الكتاب»؛ فهي خِداج، هي خِداج، هي خِداج؛ غير تمام». خداج: أي: ناقصة، وقد أكد ذلك بقوله ﷺ : «غير تمام». قال ابن عبد البر: «والخداج: النقصان والفساد. من ذلك قولهم: أخدجت الناقة وخدجت: إذا ولدت قبل تمام وقتها، وقبل تمام الخلق، وذلك نتاج فاسد». فالحديث دليل على فساد صلاة من لم يقرأ «الفَاتِحَة»؛ وإنْ قرأ فيها بغيرها من القرآن. ويدل على ذلك أيضاً الحديث الذي قبله؛ فإنه نفى الصلاة بترك «الفَاتِحَة»، والظاهر أن المراد: نفي كلها لا كمالها؛ لما سيأتي. ثم قال ابن عبد البر: وقد زعم من لم يوجب - أي: يفرض - قراءة «فاتحة الكتاب» في الصلاة أن قوله: «خداج». يدل على جواز الصلاة؛ لأنه النقصان، والصلاة الناقصة جائزة. وهذا تحكم فاسد، والنظر يوجب أن لا تجوز الصلاة؛ لأنها صلاة لم تتم، ومن خرج من صلاته قبل أن يتمها؛ فعليه إعادتها. اهـ من «الاستذكار»؛ نقلاً من «التعليق الممجد» «٩٣». وقد ذهب إلى فرضية «الفَاتِحَة»، وأنه لا يجزئ غيرها: مالك، والشافعي،

стр. 1508

وأحمد، وجمهور العلماء؛ من الصحابة والتابعين ومن بعدهم - كما في «المجموع» «٣/ ٣٢٧» -، واحتجوا بهذا الحديث، وبالحديث الذي قبله، وقالوا: إن المراد به: نفي ذات الصلاة أو صحتها، لا: كمالها، وأيدوا ذلك باللفظ الآخر: «لا تجزئ». فنفى إجزاءها؛ وهو المراد. وخالف في ذلك أبو حنيفة، ومحمد فقالا بوجوب قراءة «الفَاتِحَة»؛ لا فرضيتها - بناءً على اصطلاحهم في التفريق بين الواجب والفرض -، وقالوا بصحة الصلاة بتركها، وأجابوا عن الحديث بأن المراد به: نفي الكمال؛ أي: لا صلاة كاملة. وأجاب الجمهور بأنه خلاف الحقيقة، وخلاف الظاهر والسابق إلى الفهم، وأجابوا أيضاً عن الحديث الثاني بما ذكرناه عن ابن عبد البر - وسمعت الجواب عنه -، وقالوا: إن فرض القراءة التي لا تصح الصلاة إلا بها: ثلاث آيات قصيرات. وفي رواية عن أبي حنيفة: آية واحدة؛ ولو نحو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾. واحتجوا على ذلك بقوله: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾. وفي هذا الاستدلال نظر من وجوه: الأول: أن الآية وردت في قيام الليل؛ لا في تقدير القراءة - كما هو المتبادر من سياق الآية -؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ. .. ﴾ الآية. ويدل لذلك أيضاً سبب نزولها؛ وهو ما أخرجه مسلم «٢/ ١٦٨ - ١٦٩»، وابن نصر «٢ - ٣» وغيرهما في حديث عن سعد بن هشام بن عامر - عن عائشة - قال: قلت: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن قيام رسول الله ﷺ ؟ فقالت: ألست تقرأ: ﴿يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ﴾؟ قلت: بلى. قالت: فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة؛ فقام نبي الله ﷺ . وأصحابه حولاً، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف؛ فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة. .. الحديث.

стр. 1509

فعلى هذا؛ فمعنى الآية: فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل؛ عبر عن الصلاة بالقراءة، كما عبر عنها بسائر أركانها. قاله الآلوسي الحنفي في «روح المعاني». فالآية من إطلاق الجزء وإرادة الكل، وهذا منه كثير في نصوص الشرع؛ كقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ أي: صلاة الفجر. ثم قال الآلوسي: «وقيل: الكلام على حقيقته؛ مِنْ طلب قراءة القرآن بعينها. وفيه بُعْدٌ عن مقتضى السياق». اهـ. وقال ابن نصر ﵀: «وقد احتج بعض أصحاب الرأي في إيجاب القراءة في الصلوات المكتوبات «بهذه الآية»؛ فأسقطوا فرض قراءة «الفَاتِحَة» متأولين لهذه الآية، فقالوا: إنما عليه أن يقرأ مما تيسر من القرآن، ولا عليه أن لا يقرأ بـ: «فاتحة الكتاب». ثم ناقضوا؛ فقالوا: لا بد أن يقرأ بثلاث آيات فصاعداً، أو بآية طويلة نحو: آية الدين، أو آية الكرسي، فإن قرأ بآية قصيرة نحو: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾، و ﴿لَمْ يَلِدْ﴾؛ لم يجز، وليست هذه الآية من القراءة في الصلوات المكتوبات في شيء؛ إنما أنزلت الآية - على ما أعلمتك - بقيام الليل، وإنما أخذت القراءة في الصلوات المكتوبات عن النبي ﷺ ؛ كما أخذ عدد الركوع، والسجود، وسائر ما في الصلاة عن النبي ﵇، ويقال لهم: خبرونا عمن لم يتيسر عليه قراءة شيء من القرآن في الصلاة، ولم يخف؛ هل توجبون عليه أن يتكلف مقدار ما حددتم؛ من قراءة ثلاث آيات، أو آية طويلة؛ وإن ثقل ذلك عليه، ولم يتيسر؟ ! فإن قالوا: نعم. قيل: من أين أوجبتم عليه قراءة ما لم يتيسر عليه، وإنما أمره الله بقراءة ما تيسر في زعمكم؟ ! ويلزمكم أن تجيزوا للمصلي إذا افتتح الصلاة أن يقول: «ألف» ويركع، ويقول: لم يتيسر علي أكثر من ذلك. فإذا أجازوا ذلك؛ خالفوا السنة، وخرجوا من قول أهل العلم». اهـ[بتصرف]. قلت: وهذا الإلزام الأخير لهم أن يجيبوا عنه بقولهم: إن قول المصلي: «ألف». ليس بقراءة عرفاً؛ فلا تشمله الآية، فلا يلزمنا ما ذكرتَ. وأما الإلزام الذي قبله؛ فهو إلزام قوي، لا جواب لهم عليه. الوجه الثاني: سلمنا - جدلاً - أن الآية واردة في تقدير القراءة - كما زعموا -؛

стр. 1510

فمن أين لهم تقدير ذلك بآية، أو ثلاث آيات؟ فلو عارضهم معارض، فقدرها بآيتين، أو بأربع، أو بست؛ فبماذا يجيبونه؟ وما الفرق بينه وبينهم؟ ! والنظر الصحيح يقتضي - بناء على هذا التسليم - أن المفروض ما تيسر من القراءة؛ بدون تحديد، وذلك يختلف باختلاف المصلين، فمن كان ميسوراً عليه أن يقرأ بسورة «البَقَرَة» - مثلاً -؛ فيفترض عليه أن يقرأ بها. وهذا مما لا يقولون به. الوجه الثالث: أن يقال: هَبُوا أن ما فهمتموه من الآية صحيح؛ فغاية ما تفيد فرضيةَ القراءة، لا ركنيتها؛ فمن أين لكم القول بركنيتها، المستلزم لبطلان الصلاة بتركها؟ ! فإن قالوا: هو قوله ﷺ : «لا صلاة إلا بقراءة». - أخرجه مسلم «٢/ ١٠» وغيره من حديث أبي هريرة -. قلنا: هذا مطلق، قيده أبو هريرة في أحاديثه الأخرى - وقد مضت -؛ فلا حجة لكم فيه. ولعله من أجل هذا ذهب بعض علمائنا الحنفية إلى أنها ليست بركن؛ ومنهم الغزنوي صاحب «الحاوي القدسي» - كما في «البحر الرائق» «١/ ٣٠٨، ٣٠٩» - ثم نقول - وهو -: الوجه الرابع: قد تبين مما سلف أنهم قيدوا الآية بآرائهم، ولم يدعوها مطلقة، وإلا؛ لزمهم ما ذكرنا. فحينئذٍ يقال: إذا كان ولا بد من تقييدها؛ فتقييدها بالنص الصحيح الثابت عنه ﷺ خير من تقييدها بالرأي المحض. وقولهم: إن ذلك لا يجوز؛ لأنه خبر آحادي، ولا يجوز الزيادة به على القرآن. لا يفيدهم شيئاً؛ لأننا نقول: إن هذا الخبر ليس شيئاً زائداً على القرآن؛ بل هو بيان له، وقد قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهُمْ﴾. ثم إن سلمنا أنه زيادة على القرآن؛ فما الدليل على أنه لا يجوز الزيادة عليه بالخبر الصحيح؟ ! وأعتقد أن الحنفية هم أول من خالف هذه القاعدة التي قرروها بأنفسهم؛ فكم من أحكام زادت على القرآن، اعتماداً على الحديث الصحيح؛ بل وعلى الرأي المحض في كثير من المواقف؛ ولا يتسع المقام لضرب الأمثلة على ذلك!

стр. 1511

ثم إنما ينفعهم قولهم ذلك لو أنهم لم يزيدوا على الآية بآرائهم، أما وقد فعلوا؛ فما أوردوه علينا وارد عليهم من باب أولى - كما لا يخفى -؛ على أنا نقول - وهو -: الوجه الخامس: إننا لا نُسَلِّم أن الحديث آحادي؛ فقد ذكرنا له طرقاً كثيرة عن جمع من الصحابة يخرج بها قطعاً من كونه خبراً آحادياً؛ وإنما قال ذلك الفقهاء، وإنما يؤخذ بقولهم فيما هو اختصاصهم من الفقه، وأما أقوالهم في الحديث؛ فليست بحجة، لاسيما إذا كانوا من الفقهاء الجامدين على الفقه الذين يحتجون بأحاديث ضعيفة؛ بل موضوعة - كأغلب فقهاء الحنفية -، ولا سيما إذا كان قولهم مخالفاً لقول بعض أئمة الحديث، وعلى الأخص إذا كان هذا أمير المؤمنين في الحديث - وهو الإمام البخاري -؛ فقد نص على أن هذا الحديث متواتر؛ فقال في «جزء القراءة» «٤»: «وتواتر الخبر عن رسول الله ﷺ : «لا صلاة إلا بقراءة «أم القرآن». وحينئذٍ يجوز الزيادة بهذا الخبر على القرآن؛ على قواعد الحنفية أنفسهم. وقد ذكَّرتني بعض هذه القواعد إيراداً آخر يرِد عليهم، وهو: الوجه السادس: جاء في أصول الحنفية أن الفرض: ما ثبت بدليل قطعي الثبوت، قطعي الدلالة. فإذا لم يوجد أحد الشرطين؛ لم يثبت الفرض، بل يثبت به الواجب عندهم. والذي يهمنا في هذا المقام انتفاء الشرط الثاني. ومن الأمثلة على ذلك: قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. فقد أمر تعالى بالنحر، فهو بظاهره يفيد فرضية النحر، ولكنَّ العلماء المفسرين اختلفوا في هذا النحر؛ فذهب بعضهم إلى أنه نحر مطلق؛ شكراً لله على ما أعطاه من الخير الكثير، وذهب آخرون إلى أنه النحر في عيد الأضحى؛ بدليل قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ﴾؛ أي: صلاة العيد. وبهذا قال الحنفية؛ فأوجبوا النحر في عيد الأضحى، ولم يقولوا بفرضيته؛ لهذا الاختلاف الذي جعل مفهوم الآية ظني الدلالة، لا قطعيَّها. وبناء عليه نقول: إن قوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾. هو ظني الدلالة؛ لما سبق - مع أن الصحيح خلاف ما فهم الحنفية -، فلا يستقيم حينئذٍ الاحتجاج بها على فرضية القراءة؛ بل تدل على وجوبها، فقد سلمت الآية من

стр. 1512

التعارض مع الحديث، ووجب الأخذ به على ظاهره، وهم لم يأخذوا به؛ خشية التعارض، وهو الذي دفعهم إلى تأويله بأن المراد به: نفي الكمال - كما سبق -. وقد قال أبو الحسن السندي الحنفي في «حاشيته على ابن ماجه»: وأما الكمال؛ فقد حقّق الكمالُ ضعفَه؛ لأنه مخالف، لا يصار إليه إلا بدليل، والوجود في كلام الشارع يحمل على الوجود الشرعي؛ دون الحسي. فمؤدى الحديث نفي الوجود الشرعي للصلاة، التي لم يقرأ فيها بـ: «فاتحة الكتاب»؛ فتعين نفي الصحة. وما قاله أصحابنا أنه من حديث الآحاد - وهو ظني، لا يفيد العلم؛ وإنما يوجب الفعل -؛ فلا يلزم منه الافتراض. ففيه: أنه يكفي في المطلوب أنه يوجب العمل بمدلوله، لا بشيء آخر، ومدلوله عدم صحة صلاة لم يقرأ فيها بـ: «فاتحة الكتاب»، فوجوب العمل به؛ يوجب القول بفساد تلك الصلاة، وهو المطلوب. فالحق أن الحديث يفيد بطلان الصلاة إذا لم يقرأ فيها بـ: «فاتحة الكتاب». نعم؛ يمكن أن يقال: قراءة الإمام قراءة المقتدي؛ إذا ترك «الفَاتِحَة»، وقرأها الإمام «انتهى». وهذا تحقيق بديع من السندي ﵀ (١). هذا، وقد ألزم الحنفية مخالفيهم من الجمهور القولَ بفرضية زيادة شيء من

стр. 1513

القرآن على «الفَاتِحَة»؛ بدليل الزيادة المتقدمة: «فصاعداً». فقالوا: إذا كان الحديث أفاد ركنية «الفَاتِحَة»؛ فكذلك هذه الزيادة وما في معناها تفيد ركنية الزيادة عليها. وأُجِيبَ بأن هذه الزيادة وردت لدفع توهم قَصْر الحكم على «الفَاتِحَة». قال البخاري في «جزء القراءة»: «هو نظير قوله: «تقطع اليد في ربع دينار؛ فصاعداً». وادعى ابن حبان، والقرطبي، وغيرهما الإجماع على عدم وجوب قدر زائد عليها. قال الحافظ «٢/ ١٩٣»: «وفيه نظر؛ لثبوته عن بعض الصحابة، ومن بعدهم فيما رواه ابن المنذر وغيره، ولعلهم أرادوا أن الأمر استقر على ذلك، وقد قال أبو هريرة ﵁: وإن لم تزد على «أم القرآن»؛ أجزأت، وإن زدت؛ فهو خير». أخرجه الشيخان وغيرهما. وهذا موقوف؛ لكن قال الحافظ «٢/ ٢٠٠»: «وله حكم الرفع». قلت: وقد روي مرفوعاً - كما سبق - ويؤيد ذلك أن أبا هريرة ممن روى هذه الزيادة - كما سبق -؛ فهو أدرى بمرويه من غيره. وتأيد ذلك بحديث ابن عباس: أن رسول الله ﷺ صلى ركعتين، لم يقرأ فيهما إلا بـ: «فاتحة الكتاب». أخرجه البيهقي «٢/ ٦١»، وأحمد «١/ ٢٨٢»، وكذا ابن خزيمة، وأبو يعلى، والطبراني في «الكبير» من طريق حنظلة السدوسي عنه. وهو ضعيف، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين. [أصل صفة الصلاة (١/ ٣٠٠)] من فضائل الفاتحة ويقول: «قال الله ﵎: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين:

стр. 1514

فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل». وقال رسول الله ﷺ : «اقرؤوا: يقول العبد: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾؛ يقول الله تعالى: حمدني عبدي. ويقول العبد: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ يقول الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي. ويقول العبد: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدَّينِ﴾؛ يقول الله تعالى: مَجَّدَني عبدي. يقول العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾؛ [قال]: فهذه بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. يقول العبد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾؛ [قال]: فهؤلاء لعبدي، ولعبدي ما سأل». قوله: قسمت الصلاة: أي: «الفَاتِحَة»، وهو من إطلاق الكل، وإرادة الجزء؛ «تعظيماً»، قال في «شرح مسلم»: «قال العلماء: المراد بالصلاة هنا: «الفَاتِحَة»، سميت بذلك لأنها لا تصح إلا بها - كقوله ﷺ : «الحج عرفة» -؛ ففيه دليل على وجوبها بعينها في الصلاة؛ قال العلماء: والمراد قسمتها من جهة المعنى؛ لأن نصفها الأول: تحميد لله تعالى، وتمجيد، وثناء عليه وتفويض إليه، والنصف الثاني: سؤال، وتضرع، وافتقار. «مجدني»: أي: عظمني. قوله: «يقول العبد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾؛ [قال]: «فهؤلاء «٢» لعبدي، ولعبدي ما سأل» فيه دليل على أن: ﴿اهْدِنَا﴾، وما بعده، إلى آخر السورة: ثلاث آيات، لا آيتان. وفي المسألة خلاف مبني على أن البسملة من «الفَاتِحَة» أم لا؛ فمذهب الشافعية وغيرهم أنها آية من «الفَاتِحَة» - كما سبق -، و: ﴿اهْدِنَا﴾، وما بعده: آيتان. ومذهب مالك وغيره - ممن يقول أنها ليست من «الفَاتِحَة» - يقول: «اهْدِنَا» وما بعده: ثلاث آيات؛ بدليل هذه الرواية. واحتج الأولون برواية مسلم: «هذا لعبدي». وقد عرفت الحق في ذلك مما ذكرنا قريباً. [أصل صفة الصلاة (١/ ٣١٤)]

стр. 1515

هل البسملة من الفاتحة واحتج القائلون بأن البسملة ليست من «الفَاتِحَة» بهذا الحديث، وهو من أوضح ما احتجوا به؛ قالوا: لأنها سبع آيات بالإجماع: فثلاثٌ - في أولها -: ثناء؛ أولها: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وثلاثٌ: دعاءٌ؛ أولها: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ﴾، والسابعة: متوسطة؛ وهي: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. قالوا: ولأنه قال: «قسمت الصلاة بيني، وبين عبدي نصفين: فهذا قال العبد: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾. .. ». فلم يذكر البسملة، ولو كانت منها؛ لذكرها». اهـ. ثم ذكر النووي جواب الشافعية عن الحديث بما لا يُقْنع، وقد ذكرها الشوكاني «٢/ ١٧٤»، ثم قال: «ولا يخفى أن هذه الأجوبة؛ منها ما هو غير نافع، ومنها ما هو ضعيف». وقد ذكر الزيلعي في «نصب الراية» أقوال العلماء في البسملة؛ فقال «١/ ٣٢٧»: «والمذاهب في كونها من القرآن ثلاثة: طرفان، ووسط: فالطرف الأول: قول من يقول: إنها ليست من القرآن إلا في سورة «النَّمْلِ»؛ كما قال مالك، وطائفة من الحنفية، وقاله بعض أصحاب أحمد؛ مدعياً أنه مذهبه، ناقلاً لذلك عنه». والطرف الثاني: قول من يقول: إنها آية من كل سورة، أو بعض آية؛ كما هو المشهور عن الشافعي، ومن وافقه. والقول الوسط؛ أنها من القرآن حيث كتبت، وأنها مع ذلك ليست من السور؛ بل كتبت آية في كل سورة، وكذلك تتلى آية مفردة في أول كل سورة؛ كما تلاها النبي ﷺ حين أنزلت عليه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الكَوْثَرَ﴾. رواه مسلم من حديث المختار بن فُلفُل عن أنس: أنه ﵊ أغفا إغفاءة، ثم استيقظ، فقال: نزلت عليَّ سورة آنفاً ثم قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الكَوْثَرَ ... ﴾ إلى آخرها.

стр. 1516

وهذا قول ابن المبارك، وداود، وأتباعه، وهو المنصوص عن أحمد بن حنبل، وبه قال جماعة من الحنفية، وذكر أبو بكر الرازي أنه مقتضى مذهب أبي حنيفة. وهذا قول المحققين من أهل العلم؛ فإن في هذا القول الجمعَ بين الأدلة، وكتابتها سطراً مفصولاً عن السورة يؤيد ذلك، وعن ابن عباس: كان النبي ﷺ لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وفي رواية: لا يعرف انقضاء السورة. رواه أبو داود والحاكم، وقال: «صحيح على شرط الشيخين» اهـ. مختصراً. وحديث ابن عباس هذا في «السنن» «١/ ١٢٦»، و «المستدرك» «١/ ٢٣١» من طريق سفيان عن عمرو عن سعيد بن جبير عنه باللفظ الأول؛ إلا أن الحاكم قال: ختم .. بدل: فصل. وهذا سند صحيح على شرطه؛ كما قال الحاكم. وأقره الذهبي. ثم أخرجه الحاكم، ومن طريقه البيهقي «٢/ ٤٣» عن الوليد بن مسلم: ثنا ابن جريج: ثنا عمرو به بلفظ: كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة حتى تنزل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. فإذا نزلت ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ علموا أن السورة انقضت. ولم يذكر في روايته سعيد بن جبير في الإسناد، ثم قال: «صحيح على شرطهما». وهو كما قال. ثم رواه بلفظ ثالث؛ لكن فيه ضعف. وهذا القول - وهو كونها من القرآن آية مستقلة، وليست من «الفَاتِحَة «(١) - هو الذي ينبغي أن يأخذ به المسلم؛ لإجماع الصحابة ﵃ على إثباتها في

стр. 1517

المصاحف جميعاً في أوائل السور - سوى «بَرَاءَةٌ» - بخط المصحف؛ بخلاف الأعشار، وتراجم السور؛ فإن العادة كتابتها بحمرةٍ، ونحوها. قال النووي «٣/ ٣٣٦»: «فلو لم تكن قرآناً؛ لما استجازوا إثباتها بخط المصحف من غير تمييز؛ لأن ذلك يحمل على اعتقاد أنها قرآن؛ فيكونون مُغَرِّرين بالمسلمين، حاملين لهم على اعتقاد ما ليس بقرآن قرآناً؛ فهذا مما لا يجوز اعتقاده في الصحابة ﵃. قال أصحابنا: هذا أقوى أدلتنا في إثباتها». قلت: وهو كما قالوا، ولكنه لا يدل على ما ذهبوا إليه من كونها آية من «الفَاتِحَة» - كما لا يخفى -، وقد بسط القول في هذا الموضوع العلامة أحمد محمد شاكر في تعليقه على «الترمذي» بتحقيق وإنصاف. فراجعه «٢/ ١٩ - ٢٥»؛ فإنه مهم. [أصل صفة الصلاة (١/ ٣١٤)] من فضائل الفاتحة وكان ﷺ يقول: «ما أنزل الله في التوراة، ولا في الإنجيل مثل «أم القرآن»؛ وهي السبع المثاني [والقرآن العظيم الذي أوتيته]». قال الباجي: «يريد قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ المَثَانِي وَالقُرْآنَ العَظِيمَ﴾. وسميت السبع؛ لأنها سبع آيات. والمثاني؛ لأنها تثنى في كل ركعة «أي: تعاد». وإنما قيل لها: «القرآن العظيم» على معنى التخصيص لها بهذا الاسم، وإن كان كل شيء من القرآن قرآناً عظيماً؛ كما يقال في الكعبة: «بيت الله»، وإن كانت البيوت كلها لله، ولكن على سبيل التخصيص والتعظيم له». اهـ. والحديث نص صريح في بيان المراد من الآية، وهو «الفَاتِحَة»؛ فلا يلتفت بعد ذلك إلى ما يخالفه من الأقوال مهما كان شأن قائله. [أصل صفة الصلاة (١/ ٣١٨)]

стр. 1518

حكم من لا يجيد فاتحة الكتاب [قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]: قوله تحت عنوان: من لم يحسن فرض القراءة: «حديث رفاعة بن رافع أن النبي ﷺ علم رجلا الصلاة فقال: «إن كان معك قرآن فاقرأ وإلا فاحمده وكبره وهلله ثم اركع». رواه أبو داود والترمذي وحسنه. قلت: هذا طرف من حديث المسيء صلاته من رواية رفاعة ﵁ وروايته لمن ذكرهم المؤلف وتحسين الترمذي إياه دون ما يستحق إسناده فإنه صحيح لا غبار عليه كما كنت نبهت على ذلك في «صحيح أبي داود» ٨٠٧. ثم هو شاهد قوي لحديث ابن أبي أوفى قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لا أستطيع أن آخذ شيئا من القرآن فعلمني ما يجزئني فقال: قل: «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله». رواه أبو داود وغيره وصححه جمع وإسناده حسن كما هو مبين في «إرواء الغليل» ٣٠٣. وقد احتج الإمام أحمد بحديث رفاعة في هذه المسألة كما رواه عنه ابنه عبد الله في «مسائله» ٨١/ ٢٨٧. [تمام المنة ص (١٦٩)] حكم من لم يستطع حفظ الفاتحة قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٥١: فمن لم يستطع أجزأه أن يقول: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، الله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله». وقال في أصل الصفة:

стр. 1519

وأمر ﷺ «المسيء صلاته» أن يقرأ بها في صلاته، وقال لمن لم يستطع حفظها: «قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله». وقال لـ «المسيء صلاته»: «فإن كان معك قرآن؛ فاقرأ به، وإلا؛ فاحمد الله، وكبِّره، وهلله». [وذكر الإمام من شواهد الحديث]: حديث إبراهيم السكسكي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئاً، فعلمني ما يجزئني منه. قال: «قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله». قال: يا رسول الله! هذا لله ، فما لي؟ قال: «قل: اللهم! ارحمني، وارزقني، وعافني، واهدني. «زاد في رواية: «واغفر لي». فلما قام؛ قال هكذا بيده «وفي لفظ: فعدَّهن الرجل في يده عشراً»؛ فقال رسول الله ﷺ : «أما هذا؛ فقد ملأ يديه من الخير». [حسن لغيره]. [ثم قال]: قال السندي ﵀: «قوله: «يجزئني»: من الإجزاء؛ أي: يكفيني منه أيُّ قراءة مقام القرآن ما دام ما أحفظه. وإلا؛ فالسعي في حفظه لازم. وهذا يدل على أن العاجز عن القرآن يأتي بالتسبيحات، ولا يقرأ ترجمة القرآن - بعبارة أخرى: غير نظم القرآن -». وقال الخطابي في «المعالم» «١/ ٢٠٧»: «الأصل أن الصلاة لا تجزئ إلا بقراءة «فاتحة الكتاب»؛ لقوله ﷺ : «لا صلاة إلا بـ: «فاتحة الكتاب». ومعقول أن وجوب قراءتها إنما هو على من أحسنها، دون من لا يحسنها؛ فإذا كان المصلي لا يحسنها، وكان يحسن شيئاً من القرآن غيرها؛ كان عليه أن يقرأ منه قدر سبع آيات؛ لأن أولى

стр. 1520

الذكر بعد «فاتحة الكتاب» ما كان مِثلاً لها من القرآن، فإن كان رجل ليس في وسعه أن يتعلم شيئاً من القرآن؛ لعجز في طبعه، أو سوء حفظه، أو عجمة لسان، أو آفة تعرض له؛ كان أولى الذكر بعد القرآن ما علمه النبي ﷺ من التسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير». اهـ. [أصل صفة الصلاة (١/ ٣٢١)] رد القول بعدم ركنية الفاتحة في الصلاة السائل: ما رأيكم فيمن قال في قوله ﷺ «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» أن المراد منه: لا صلاة تَامَّة بدليل قوله «من لم يقرأ بأُم الكتاب فصلاته خِداج» ومعنى خداج عنده «ناقصة» فخرج من ذلك بعدم ركنية الفاتحة في الصلاة؟ الشيخ: طبعاً هذا الجواب خطأ، وهو جواب حنفي؛ لأن هذا الجواب قائم على الفلسفة السابقة، بمعنى: لو كان الحديث عندهم متواتراً ما أجابوا بهذا الجواب، لكنهم بنوا هذا الجواب على أن الحديث حديث آحاد، وهو متواتر عند إمام المحدثين، وعندهم آية ما بيجوز تخصيصها بهذا الحديث، فالذين بيقولوا نحن لا نلغي الحديث من أصله، لكن نُؤَوله حتى لا يتصادم مع النص القرآني المقطوع به - عرفت كيف -؟ فهذا التأويل لا شك خطأ؛ لأننا سنقول كعبارة عربية «لا صلاة لمن لم يقرا بفاتحة الكتاب» الأصل في «لا» أنها نافية، نافية لشيء أو لحقيقة الشيء، ليست هي موضوعة لنفي الكمال إلا لقرينة، فعندما أوَّلوا هذا التأويل؛ لأنهم ناظرين بالعين اليُمنى إلى قوله تعالى «فاقرؤوا ما تيسر من القرآن». على أن هذه الآية دليل لفرضيةِ القراءة، وهي ما تَيَسَّرَ، فلولا هذه الآية كان موقفه من الحديث غير ذاك الموقف، ولولا أن الحديث مع وجود الآية، لولا أن الحديث عندهم آحاد ولو كان متواتراً ما لجؤوا إلى مثل هذا التأويل.

стр. 1521

أما الحديث «مَنْ لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصلاته خداج، فصلاته خداج، فصلاته خداج غير تمام» لكن هذا ليس دليل لهم؛ لأن التمام أو لِنَقُل عكس النقصان، قد يستلزم النقصان فقد الشيء من أصله، وقد يستلزم المحافظة عليه فقوله ﵇ «فصلاته خداج» دليل إلى أن هذه الصلاة لا وجود لها ولا فائدة منها، أقرب إلى أن هذه الصلاة لها كيان ولها وجود، لكنها ناقصة. أي: لا يصح تفسير الحديث على ضوء الحديث الآخر الذي نذكره في مناسبة أخرى، وهو قوله ﵇ «إن الرجل ليصلي الصلاة ما يُكْتَبُ له منها عشرها تسعها ... إلى أن قال ﵇ نصفها». هذا نَصٌّ صريح بأن الصلاة كاملة مقبولة، ولكن بدرجات متفاوتة، والحديث مع الدرجات المتفاوتة إللِّي بينصّ عليها في الوقت نفسه دليل أن هذه الصلاة مو باطلة. هم يريدون أن يُفَسِّروا الخداج على هذا المعنى، هذا التفسير خطأ، ليش؛ لأنه في اللغة العربية يقولون أخدجت الناقة أي أسقطت جابت إيش؟ طلق. فإذاً: الحديث على الأسلوب العربي يعني، ما يعني ظاهر الحديث الأول «لا صلاة» لكن مع ذلك اضطروا إلى هذا التأويل؛ للمُقَدِّمة السابقة: أن عندهم آية، والآية قطعية والحديث حديث آحاد، فإذاً: لا يجوز نحن أن نُخَصِّص عموم الآية بحديث الآحاد. على أنا نحن عندنا جواب آخر نقول: سبحان الله! هم فلسفة عندهم، فلسفة أخرى تعلمناها بطبيعة الحال منهم، وهي أن العقيدة لا تثبت، وكذلك لا يجوز تقييد عموم القرآن إلا بنص قطعي الدلالة قطعي الثبوت، شرطان اثنان قطعي الثبوت وقطعي الدلالة. لكن هنا هم يُجَابَهون بحقيقة تُسْتَفاد من فلسفتهم الخاصة هذه، فيقال: لا يجوز أن تصرفوا حديث دلالته قطعية ولكن ثبوته غير قطعي، بآية قرآنية ثبوتها قطعي ولكن دلالتها ظنية غير قطعية.

стр. 1522

فالآن هنا: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ الدلالة ظنية ما هي دلالة قطعية، فلو كانت دلالتها قطعية لهم وجهة نظر أنه دلالة قطعية، نحن ما بنقدر نُخَصِّصها بعموم الحديث، لكن الحقيقة مو بس دلالة الآية مو قطعية، استدلالهم بالآية خطأ من الأصل؛ لأن معنى الآية اقرؤوا ما تيسر من القرآن فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل، يعني الآية في وادٍ وهم في وادٍ أخر. الآية موردها قيام صلاة الليل كم ركعة ما تيسر من القرآن، ما تيسر لكم من صلاة الليل. هنا كما يقول العلماء: أطلق القرآن ما هو جزء، فاقرؤوا ما تيسر من القرآن، وأراد الكل وهي الصلاة مثاله قوله تعالى ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ أَقِم قرآن الفجر ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ أقم قرآن الفجر، أي صلاة الفجر إن قرآن الفجر أي صلاة الفجر كان مشهوداً، أَطْلَقَ الجزء وأراد الكل، أَطْلَقَ القراءة وأراد الصلاة. كذلك قوله تعالى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ لا يعني القراءة الحقيقية، وإنما يعني الصلاة أطلق الجزء وأراد الكُلّ. وهذا أسلوب عربي في بيان أهمية القراءة في الصلاة لِيُبَيّن أن القراءة في الصلاة ركن منها، وأنه إن لم يقرأ في الصلاة فليس له صلاة، بيرجع إلى الحديث «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» فإذاً: لا تَعَارُض بين الحديث وبين الآية؛ لأن مورد الحديث فيما يجب أن يقرأ الإنسان في كل ركعة، ومورد الآية التيسير على الناس إذا قاموا يصلون في الليل فيصلون ما تيسر لهم، كمثل الآية صلاة إيه؟ الفجر، وقرآن الفجر ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ فهذا أسلوب عربي يُطلق الجزء ويُريد الكل؛ لبيان أهمية الجزء، كما في قوله ﵇ «الحج عرفة» ياتُرَى واحد راح ما سوَّى شيئاً غير وقف في عرفات؟ هذا ما حج، لكن الرسول أيش بيقول «الحج عرفة» أطلق الجزء وأراد الكل، لماذا ذكر الجزء؛ لأهميته. ولذلك العلماء اتفقوا على أن الوقوف في عرفة ركن من أركان الحج، فمن لم

стр. 1523

يقف في عرفة بَطُل حَجُّه. (الهدى والنور /٢٧٢/ ٥٠: ٠٣: ٠٠) (الهدى والنور /٢٧٢/ ٥١: ١١: ٠٠) كيف يقرأ الفاتحة من لا يجيد اللغة العربية مداخلة: يعني المسلمين إذا الله أنعم عليهم بيستطيعوا يقرؤوا الفاتحة، ولكن واحد من أمريكا الوسطى أو من الصين لا يفقه شيئاً من اللغة العربية، ويُريد أن يصير مسلماً يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، كيف يقرأ الفاتحة كيف، تفضل؟ الشيخ: كما كنا نقرؤها في بلادنا. مداخلة: ماذا لو قرأها بالألباني؟ الشيخ: لا، هذا يتعلم، يتعلم القرآن كما أُنزل. الشيخ: كنا نقرأ القرآن كما أُنزل باللغة العربية، كيف كان الأتراك يكتبون لغتهم التركية، بأيِّ أحرف كانوا يكتبونها قبل أتاتورك؟ مداخلة: بالعربي. الشيخ: هذا هو، بنفس الطريقة، الأعاجم كُلّهم في كل بلادهم قرؤوا القرآن كما كتبوه بالأحرف العربية، وقرؤوه كذلك، وفي الأعاجم علماء بالتجويد وبالقراءات، بعضهم فاق كثيراً من العرب. مداخلة: [لكن إذا أسلم حديثًا ودخل وقت الصلاة فهو] يقول: الله أكبر، ولكن وقف مع الناس ويقول يعني كما قدر ما يستطيع، لكن لا يعرف أن يقرأ الفاتحة، هل هذا صلاته صحيحة أو غير صحيحة؟ الشيخ: كل سؤال له جوابه.

стр. 1524

مداخلة: تفضل. الشيخ: أنا فهمت سؤالك كأُمَّة، أنت تحكي كفرد، أنت الآن تقول كفرد. طيب، نحن الآن نتكلم حقائق لا تخفى على كثير من الناس، رجل أسلم هل كان يعلم قبل أن يُسلم ماذا يقول إذا أراد أن يُسلم؟ الجواب: لا، إذا: عزم على الإسلام، لا بد من أن يتعلم كيف يتشهد، ما عليك! لكن أنت الآن تقول بسهولة يقول، لكن هو هل كان يُحْسِن أن يقول من قبل؟ لا. إذاً: لا بد من العلم، وكما قال ﵇: «إنما العلم بالتَعَلُّم، والحلم بالتَحَلُّم». فإذاً: هذا الرجل الكافر لما عزم على الإسلام، لا بد من أن ينطق بالشهادتين، هو لا يحسنهما من قبل، إذاً: نقول: لا بد من أن يتعلمهما، صح أو لا؟ إذاً: ما نتصور أن هذا الرجل الذي يريد أن يُسلم يصير مسلماً دون أن ينطق بالشهادتين، قد يمكن يصير مسلماً بينه وبين الله، لكن بينه وبين المسلمين ما يصير مسلماً، إلا أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. إذاً: هذه الكلمة أول شيء هو يتعلمها، وإذاً أقول من هذه الكلمة كما تعلم الشهادتين حتى يصبح مسلماً، فعليه بالتَدَرُّج يتعلم الصلاة التي لا بد منها، عرفنا من حديثنا السابق: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، إذاً: نقول له: لازم تتعلم قراءة الفاتحة؛ لأن الصلاة لا تصح إلا بها، وأنا أتصور ليس بمجرد أن أقول له لازم يتعلم هو تعلم، لا سوف يأخذ ليس ساعات ربما يأخذ أياماً، وربما يأخذ معه شهوراً، هل هذا يختلف؟ يختلف من اختلاف السن بين طفل .. بين شيخ مسن كبير، وهكذا، بغض النظر عن اختلاف الطبيعة، هو رجل مثلاً عنده حافظة قوية، يكون رجل ما عنده إلا حافظة، نتصور تماماً أنه ربما يطول معه الأمل. نحن نقول له: نحن نُخَيِّرك الآن بين إذا كان يَسْهُل عليك أن تتعلم الفاتحة من

стр. 1525

قريب فعليك بالفاتحة، لا، هذا صعب عليه، إذاً: أعطيه أربع كلمات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، هؤلاء الكلمات الأربع بلا شك أسهل من الفاتحة. إذاً: نُعَلِّمه هذه الكلمات اليسيرة المُذَلَّلة على كل لسان، في الوقت نفسه نقول له: لا تنس حظك من تَعَلُّم فاتحة الكتاب، هذا هو الحل الشرعي. (الهدى والنور / ٥٣/ ٥١: ٥٢: . .)

стр. 1526

القراءة خلف الإمام (١)

стр. 1527

خلاصة حكم القراءة خلف الإمام ويجب على المقتدي أن يقرأها وراء الإمام في السرية، وفي الجهرية أيضا إن لم يسمع قراءة الإمام، أو سكت هذا بعد فراغه منها سكتة ليتمكن فيها المقتدي من قراءتها، وإن كنا نرى أن هذا السكوت لم يثبت في السنة. [تلخيص الصفة فقرة ٥٤]. نَسْخُ القراءة وراءَ الإمام في الجهرية وكان ﷺ قد أجاز للمؤتمين أن يقرؤوا بها وراء الإمام في الصلاة الجهرية؛ حيث كان في صلاة الفجر، فقرأ، فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ؛ قال: «لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟ ». قلنا: نعم؛ هذّاً يا رسول الله! قال: «لا تفعلوا؛ إلا [أن يقرأ أحدكم] بـ: «فاتحة الكتاب»؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها». هذًّا: بتشديد الذّال وتنوينها. قال الخطابي «١/ ٢٠٥»: «والهذّ: سرد القراءة، ومداركتها في سرعة واستعجال». والحديث حجة في القراءة خلف الإمام في الجهرية، ولكنه لا يدل على الوجوب؛ بل على الإباحة - كما يأتي بيانه قريباً -. قال الخطابي في «المعالم» «١/ ٢٠٥»: «هذا الحديث نص بأن قراءة «فاتحة الكتاب» واجبة على من صلى خلف الإمام، سواء جهر الإمام بالقراءة، أو خافت بها». ثم قال «٢٠٦»: وقد اختلف العلماء في هذه المسألة؛ فروي عن جماعة من الصحابة أنهم أوجبوا القراءة خلف الإمام. وروي عن آخرين أنهم كانوا لا يقرؤون. وافترق الفقهاء فيها على ثلاثة أقاويل: فكان مكحول والأوزاعي والشافعي وأبو ثور يقولون: لا بد من أن يقرأ خلف الإمام فيما يجهر به، وفيما لا يجهر.

стр. 1528

وقال الزهري ومالك وابن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق: يقرأ فيما أسر الإمام فيه، ولا يقرأ فيما جهر به (١). وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي: لا يقرأ أحد خلف الإمام؛ جَهَرَ الإمام أو أَسَرَّ. واحتجوا بحديث رواه عبد الله بن شداد مرسلاً عن النبي ﷺ : «من كان له إمام؛ فقراءة الإمام له قراءة». انتهى. قلت: وهذا الحديث المرسل صحيح - كما سيأتي -؛ ولكنه لا يدل على المنع من القراءة كما صنع علماؤنا! وإنما يدل على أن قراءة الإمام تغني عن قراءة المؤتم، بحيث إنه لو لم يقرأ؛ جازت صلاته. وأما حكم قراءته هو؛ فإنما يؤخذ من أحاديث أخرى. وأعدل هذه المذاهب الثلاثة، وأقربها إلى الصواب: أوسطها، وهو قول الإمام الشافعي ﵀ في القديم - كما في «المهذب» و «شرحه» «٣/ ٣١٣ - ٣١٤» وغيرهما -. وليس مع القائلين بالوجوب دليل؛ إلا هذا الحديث، وإلا حديث عبادة بن الصامت: لا صلاة لمن لم يقرأ بـ: «فاتحة الكتاب». وقد مضى. وفي الاستدلال على ذلك بهذا الحديث الذي نحن بصدده نظر بيِّن؛ وذلك لأنه قد تقرر في كتب الأصول: أن الاستثناء من حكم يدل على نقيضه فحسب، ولا دلالة له على زيادة حكم. فقوله ﷺ : «لا تفعلوا»؛ نهي عن القراءة خلف الإمام في الجهرية، واستثناؤه قراءة «الفَاتِحَة» يدل على عدم النهي عن قراءة «الفَاتِحَة»، يعني: عدم كراهتها وحرمتِها. ولا دلالة فيه بوجه من الوجوه على ركنية «الفَاتِحَة» أو وجوبها، فإن ثبت بدليل آخر؛ فذاك، وإلا؛ فلا دلالة فيه على ما راموا منه من إثبات

стр. 1529

الوجوب أو الركنية. قال بعض المتأخرين من المحققين الحنفيين: «ونظيره: قوله تعالى: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾؛ فنهى الله عن تصريح المواعدة في العِدَّة، واستثنى منه التعريض والكناية. فالتعريض والكناية بالاستثناء لم يبق حراماً؛ لا أنه صار فرضاً أو واجباً، ولا يبعد أن يكون قريباً من الكراهة». قال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾؛ فهل هذا الإغماض والمسامحة واجب عند أحد؟ ! إنما هو إغضاء على القذى وسحب الذيل على الأذى. فثبت من هذا الاستثناء: أن الاستثناء بعد النهي لا يفيد الوجوب والركنية، وإنما يفيد الإباحة؛ لا سيما إذا وردت هذه الإباحة على سببٍ حادثٍ؛ لا ابتداءً؛ فلا يبقى ريبة في أنها إباحة مرجوحة غير مستحسنة ولا مرضية، ويدل على ذلك: ما رواه ابن أبي شيبة مرسلاً: أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه: «هل تقرؤون خلف إمامكم؟ ». قال بعض: نعم. وقال بعض: لا. فقال: «إن كنتم لا بدَّ فاعلين؛ فليقرأ أحدكم بـ: «فاتحة الكتاب» في نفسه». فمن قال: لا؛ لم يأمره بالإعادة. ثم قال: «إن كنتم فاعلين» - ووزانه وزان قول الله : ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ -، ثم قال: «فليقرأ أحدكم»؛ فلفظُ: «أحدكم»، لغير الاستغراق. وأما قوله ﷺ : «فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن»؛ فهو بيان وصف في «الفَاتِحَة»، وأنها من وصفها كذا، لا حكم به الآن ها هنا، والوصف لا يستلزم الحكم ما لم يحكم، ولم يحكم إلا بالإباحة. نعم؛ يكون حكماً سابقاً، وهو إذن لغير المقتدي، ثم سبق هنا ثانياً لغير المقتدي على أنه بيان وصف في «الفَاتِحَة»، فجعلوه حكماً الآن، وليس كما ينبغي! وهو كقولنا

стр. 1530

لابن سَبْعٍ: صلِّ؛ فإنه لا دين لمن لا صلاة له. فالصلاة ليست بواجبة على ابن سبع بالإجماع؛ ولكن علله بقوله: فإنه لا دين لمن لا صلاة له. يعني: لما كان شأن الصلاة هكذا - بأنه لا دين لمن لا صلاة له -؛ صح أن يقال لابن سبع: صل. من غير وجوب ولا افتراض. فكذا قوله ﷺ : لا تفعلوا إلا بـ: «أم القرآن»؛ حكم بالإباحة، ثم علل لاستثناء «الفَاتِحَة» بقوله: «فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها»، يعني: لما كان شأن «الفَاتِحَة» هكذا - وهو أنه لا صلاة إلا بها -؛ صح استثناؤها من النهي، ولعل ضمير الشأن في قوله: «فإنه لا صلاة. .. ». إلخ. أليق بهذا اهـ. كلام هذا المحقق. وهو غاية في التحقيق، لا يدع مجالاً لأحد بعد هذا البيان أن يحتج به على الوجوب. ولذلك؛ فقد تنبه لهذا المعنى الصحيح المحقِّقُ السندي، فقال: «ظاهر هذه الرواية إباحة القراءة بـ: «الفَاتِحَة»، ولو جهر الإمام. فلعل من يمنع عنها يقول: إن النهي مقدم على الإباحة عند التعارض. ولا يخفى أن المعارضة حال السر مفقودة؛ فالمنع حينئذٍ غير ظاهر؛ ولهذا مال محمد وبعض المشايخ وغيرهم إلى قراءة «الفَاتِحَة» حال السر، ورجحه علي القاري في «شرح موطأ محمد»، ورأى أنه الأحوط». اهـ. وإذ ثبت أن الحديث لا يدل على الوجوب - بل على الإباحة؛ بل الإباحة المرجوحة -؛ دل هو بعد ذلك على أن حديث عبادة - وهو حجتهم الثانية والأخيرة على الوجوب - لا يشمل المقتدي؛ بل هو خاص بغيره - الإمام والمنفرد -؛ لأنه قد استثنى المؤتم من إيجاب «الفَاتِحَة» عليه؛ مع الرخصة له بقراءتها، وإنما يبقى النظر في هذه الرخصة؛ هل ظلت باقية أم ارتفعت؟ والظاهر لنا أنها ارتفعت؛ بدليل الحديث الذي بعد هذا في الكتاب، ونحن وإن كنا نعترف أنه لا نص لدينا يدل على أنه متأخر الورود عن هذا الحديث الذي نحن بصدد التعليق عليه؛ فإن النظر الصحيح، والرأي الرجيح يقتضي ذلك؛ لأنه ليس من المعقول أن يكون ﵊ نهى الصحابة عن القراءة وراءه في ابتداء الأمر، ثم يخالفونه؛

стр. 1531

فيقرؤون وراءه «الفَاتِحَة» وغيرها! هذا بعيد جداً أن يصدر من الصحابة، وهم يتلون قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. فثبت بذلك أن النهي كان بعد الرخصة، ولعل هذا هو وجه قول علمائنا بنسخ هذا الحديث - وإن كنت لم أقف على شيء من كلامهم في توجيه نسخه -، ويكون ﵊ قد تدرج في النهي، ولم يفاجئهم بذلك؛ فنهاهم أولاً عن القراءة وراءه إلا بـ: «الفَاتِحَة»، ثم نهاهم عن القراءة كلها، وذلك بمقتضى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. قال الشافعي في القديم: «فهذا عندنا على القراءة التي تسمع خاصة». ويؤيد ذلك سبب نزول الآية؛ كما قال مجاهد: كان رسول الله يقرأ في الصلاة، فسمع قراءة فتى من الأنصار؛ فنزلت: ﴿وَإِذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾. أخرجه البيهقي «٢/ ١٥٥» وغيره. وقد قيل في سبب نزولها غير ذلك من الأقوال، ولكن ما ذكرنا أرجحُها؛ كما بينه أبو الحسنات اللكنوي في «إمام الكلام» «ص ٧٧ - ١٠١». وقد بسط القول في هذا الكتاب على هذا الحديث تخريجاً، وتحقيقاً لفقهه، مع إنصاف؛ بما لا تجده في كتاب. فراجعه «١٨٧ - ٢١١». وقد استفدنا منه بعض ما ذكرنا في هذا البحث. ومثله في التحقيق من الناحية الفقهية العلامة الشيخ محمد أنور الكشميري في كتابه «فيض الباري على صحيح البخاري» «٢/ ٢٧١ - ٢٨٠»، ولولا أن يطول البحث؛ لنقلت كلامه؛ فإنه غاية في التحقيق، وفيه شيء جديد لا تراه في الكتب المعروفة، لكن فيما ذكرناه عن ذلك المحقق كفاية، وكلامه كان خلاصة كلام الكشميري هذا، وأظنه هو الكشميري نفسه، لكني وجدت كلامه معلقاً عندي في بعض التعليقات منسوباً إليه غير مسمى، ولا أذكر الآن مصدره، وغالب ظني أنه في كتابه هذا المذكور. والله أعلم. وأما المذاهب الأخرى؛ فيأتي قريباً ذكر أدلتها. [أصل صفة الصلاة (١/ ٣٢٧)]

стр. 1532

النهي عن القراءة خلف الإمام ثم نهاهم ﷺ عن القراءة كلها في الجهرية، وذلك حينما انصرف من صلاةٍ جهرَ فيها بالقراءة «وفي رواية: أنها صلاة الصبح»، فقال: «هل قرأ معي منكم أحد آنفاً؟ ! ». فقال رجل: نعم؛ أنا يا رسول الله! فقال: «إني أقول: ما لي أُنازَع؟ ! ». [قال أبو هريرة: ] فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه رسول الله ﷺ بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ ، [وقرؤوا في أنفسهم سرّاً فيما لا يجهر فيه الإمام]. قوله: «أُنازع»: قال الخطابي: «معناه: أُدَاخَلُ في القراءة وأُغَالَبُ عليها. وقد تكون المنازعة بمعنى المشاركة والمناوبة؛ ومنه منازعة الناس في النِّدام». قلت: والأنسب في هذا المقام: المعنى الآخر، وهو المشاركة؛ بدليل انتهائهم عن القراءة. ولو كانوا فهموا أنه المعنى الأول؛ لانتهوا عن المداخلة فقط. احتج بالحديث من ذهب إلى منع القراءة وراء الإمام في الجهرية، وهم جمهور العلماء؛ كالأئمة الثلاثة، وغيرهم - كما سبق -، وهو اختيار أكثر أصحاب الحديث؛ كما قال الترمذي، لكن ذكر هو والبيهقي وغيرهما أن الحديث لا يدل على ذلك؛ لأن أبا هريرة الذي روى هذا الحديث قد صح عنه أنه سئل في قراءة «الفَاتِحَة» وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك. أخرجه مسلم «٢/ ٩ - ١٠»، وغيره. فلو كان الحديث ثابتاً، أو كان دالاً على المنع؛ لما أفتى بخلاف ذلك. قلت: لو كانت هذه الحجة صحيحة؛ للزم منها رد كثير من السنن الصحيحة، ولكان أول من يخالفها هم الذين أوردوها في هذا المكان، كما لا يخفى على البصير بطرق الاستدلال عند العلماء على اختلافهم. وإليك مثالاً على ذلك: فقد صح عنه

стр. 1533

- ﷺ أنه قال: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم؛ فليُرِقْه، ثم ليغسله سبع مرات». أخرجه مسلم، والنسائي، وغيرهما. وممن روى هذا الحديث أبو هريرة، ثم ثبت عنه أنه كان يفتي بالغسل من ولوغه ثلاثاً، فلم يأخذ به الجمهور؛ لأنه مخالف لقواعدهم، ولذلك تعقب ابن التركماني البيهقي هنا بقوله: «مذهب الشافعي والمحدثين: أن الراوي إذا روى حديثاً ثم خالف؛ كان العبرة لما روى، لا لما رأى، ولا يكون رأيه جرحاً في الحديث؛ فكيف تكون فتوى أبي هريرة دليلاً على ضعف حديثه المرفوع؟ ! ». انتهى. وهذا اعتراض قوي لا جواب لهم عليه، كما أنه اعتراض قوي على الحنفية الذين خالفوا الجمهور في هذه القاعدة؛ فقالوا: «العبرة برأي الراوي لا بمرويه». فيلزم على ذلك أن يَدَعوا الاحتجاج بالحديث؛ لإفتاء أبي هريرة بخلافه - كما ذكرنا -، ويأخذوا به. وأما الجواب عن ذلك - كما صنع أبو الحسنات «١٢٥» - بأن يحمل قول أبي هريرة: اقرأ بها في نفسك. على السرية، فحينئذٍ لا تعارض بين رأيه ومرويه، ولا إلزام به: فليس بشيء؛ لأنه ثبت في «جزء البخاري» «٨»، و «سنن البيهقي» «٢/ ١٦٦» أن السائل سأله عن الصلاة الجهرية بلفظ: قال عبد الرحمن أبو العلاء: قلت: يا أبا هريرة! كيف أصنع إذا كنت مع الإمام، وقد جهر بالقراءة؟ فأجابه بما تقدم. وأما حمله على سكتات الإمام؛ فشيء لا يخطر على بال أبي هريرة، إذ ليس في السنة سكتات تتسع لقراءة «الفَاتِحَة». ويأتي بيان ذلك قريباً إن شاء الله. وبالجملة؛ فإن هذا الحديث قد أظهر اضطراب العلماء أحياناً في قواعدهم وفي فروعهم؛ تأييداً لمذاهبهم؛ فالحنفية أخذوا بالحديث، وليس على قواعدهم؛ فكان عليهم إما: أن يردوه - كما ردوا حديث الولوغ وغيره -، أو: أن يُعَدِّلوا هذه القاعدة لما هو الحق.

стр. 1534

وقد أشار إلى ذلك أبو الحسنات - وهي من حسناته -. والشافعية عكسوا ذلك؛ فلم يأخذوا به، وأجابوا عنه بما هو مخالف لقاعدتهم، فكان عليهم إما: أن يَدَعوها ليصحَّ جوابهم، أو: يظلوا متمسكين بها، ويأخذوا بالحديث، وهو الصواب. و: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾. هذا، وأيد الجمهور مذهبهم هذا بالآية السابقة الذكر، وسبب نزولها - وقد ذكرناه آنفاً -، وقال ابن تيمية في «الفتاوى» «٢/ ١٤٢ - ١٤٣»: «إنه استفاض عن السلف أنها نزلت في القراءة في الصلاة، وذكر الإمام أحمد الإجماع على أنها نزلت في ذلك، وذكر الإجماع على أنه لا تجب القراءة على المأموم حال الجهر». ثم نقول: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. لفظ عام، فإما أن يختص في القراءة في الصلاة، أو في القراءة في غير الصلاة، أو يعمهما. والثاني باطل قطعاً؛ لأنه لم يقل أحد من المسلمين، أنه يجبُ الاستماع خارج الصلاة، ولا يجب في الصلاة. ولأن استماع المستمع إلى قراءة الإمام الذي يأتم به، ويجب عليه متابعته؛ أولى من استماعه إلى قراءة من يقرأ خارج الصلاة، [وذلك] داخل في الآية: إِما على سبيل الخصوص، وإما على سبيل العموم. وعلى التقديرين؛ فالآية دالة على أمر المأموم بالإنصات لقراءة الإمام، والمنازع يسلم بذلك إلا في «الفَاتِحَة»، والآية أمرت بالإنصات إذا قرئ القرآن، و «الفَاتِحَة»: أم القرآن، وهي التي لا بد من قراءتها في كل صلاة، وهي أفضل سور القرآن، وهي التي لم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها؛ فيمتنع أن يكون المراد بالآية الاستماع إلى غيرها دونها، مع إطلاق لفظ الآية وعمومها، مع أن قراءتها أكثر وأشهر. والعادل عن استماعها إلى قراءتها، إنما يعدل لكون قراءتها أفضل من الاستماع، وهذا غلط مخالف للنص والإجماع؛ فإن الكتاب والسنة أمرت المؤتم بالاستماع دون

стр. 1535

القراءة، والأمة متفقة على أن استماعه لما زاد على «الفَاتِحَة» أفضل من قراءة ما زاد عليها. فلو كانت القراءة لما يقرؤه الإمام أفضل من الاستماع لقراءته؛ لكان قراءة المأموم أفضل من قراءته لما زاد على «الفَاتِحَة». وهذا لم يقله أحد، وإنما نازع من نازع في «الفَاتِحَة»؛ لظنه أنها واجبة على المأموم، أو مستحبة. وجوابه؛ أن المصلحة الحاصلة له بالقراءة يحصل بالاستماع ما هو أفضل منها؛ بدليل استماعه لما زاد على «الفَاتِحَة»، فلولا أنه يحصل له بالاستماع ما هو أفضل من القراءة؛ لكان الأولى أن يفعل أفضل الأمرين وهو: القراءة. فلما دلَّ الكتاب والسنة، والإجماع على أن الاستماع أفضل من القراءة؛ [دل] على أن المستمع يحصل له أفضل مما يحصل للقارئ، وهذا المعنى موجود في «الفَاتِحَة» وغيرها، وحينئذٍ فلا يجوز أن يؤمر بالأدنى، ويُنهى عن الأعلى، وثبت أنه في هذه الحال قراءة الإمام له قراءة؛ كما قال ذلك جماهير السلف والخلف من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، وفي ذلك الحديث المعروف عن النبي ﷺ أنه قال: «من كان له إمام؛ فقراءة الإمام له قراءة». وهذا الحديث روي مرسلاً ومسنداً، ولكن أكثر الأئمة الثقات رووه مرسلاً عن عبد الله بن شداد عن النبي ﷺ ، وأسنده بعضهم، ورواه ابن ماجه مسنداً، وهذا المرسل قد عضده ظاهر القرآن والسنة، وقال به جماهير أهل العلم من الصحابة والتابعين، ومرسِله من أكابر التابعين، ومثل هذا المرسل يحتج به باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم. وقد نص الشافعي على جواز الاحتجاج بمثل هذا المرسل. فتبين أن الاستماع إلى قراءة الإمام أمر دل عليه القرآن دلالة قاطعة، ولأن هذا من الأمور الظاهرة التي تحتاج إليها الأمة؛ فكان بيانها في القرآن بما يحصل به المقصود، وجاءت السنة بموافقة القرآن. ثم ذكر هذا الحديث الذي نتكلم عليه، وقواه، ورد على البيهقي تضعيفه إياه بنحو ما ذكرنا آنفاً، ثم ساق أيضاً الحديث الآتي بعده - وسنعلق كلامه عليه هناك

стр. 1536

-، ثم قال: وأيضاً: فلو كانت القراءة في الجهر واجبة على المأموم؛ للزم أحد أمرين: إما أن يقرأ مع الإمام، وإما أن يجب على الإمام أن يسكت له حتى يقرأ. ولم نعلم نزاعاً بين العلماء أنه لا يجب على الإمام أن يسكت ليقرأ المأموم «الفَاتِحَة» ولا غيرها، وقراءته معه منهي عنها بالكتاب والسنة، فثبت أنه لا تجب عليه القراءة معه في حال الجهر؛ بل نقول: لو كان قراءة المأموم في حال الجهر مستحبة؛ لاستحب للإمام أن يسكت ليقرأ المأموم، ولا يستحب للإمام السكوت ليقرأ المأموم عند جماهير العلماء، وهذا مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد، وغيرهم، وحجتهم في ذلك أن النبي ﷺ لم يكن يسكت ليقرأ المأمومون، ولا نقل أحد هذا عنه؛ بل ثبت عنه في «الصحيح» سكوته بعد تكبيرة الافتتاح. وفي «السنن»: أنه كانت له سكتتان: سكتة في أول القراءة، وسكتة بعد القراءة، وهي لطيفة للفصل؛ لا تتسع لقراءة «الفَاتِحَة»، وقد روي أن هذه السكتة كانت بعد «الفَاتِحَة»، ولم يقل أحد منهم أنه كان له ثلاث سكتات، ولا أربع سكتات، فمن نقل عن النبي ﷺ ثلاث سكتات، أو أربعاً؛ فقد قال قولاً لم ينقله عنه أحد من المسلمين، والسكتة التي عقب قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. من جنس السكتات التي عند رؤوس الآي، ومثل هذا لا يسمى سكوتاً، ولم يقل أحد من العلماء أنه يقرأ في مثل هذا. وكان بعض من أدركنا من أصحابنا يقرأ عقب السكوت عند رؤوس الآي، فإذا قال الإمام: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾. قال: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾. فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وهذا لم يقله أحد من العلماء. قلت: وَيَرِدُ على هذا ما سبق؛ وهو: أنه لا يجب الوقوف على رؤوس الآي، وإن كان مستحباً؛ لما سبق، ولكن قد لا يفعل الإمام ذلك؛ إما ترخصاً في بعض الأحيان، وإما جهلاً بسنة خير الأنام - كما هو الغالب في أئمة هذا الزمان -، حتى ولو سكت؛ لا تتسع هذه السكتة لقراءة الآية فيها بتمامها، فلا بد أن يقع بعضها

стр. 1537

والإمام يقرأ؛ فلا مناص من الوقوع في مخالفة النص القرآني. وحديث السكتتين هو من رواية الحسن البصري عن سمرة. وفي سماع الحسن منه خلاف؛ قال ابن القيم في «الزاد» «١/ ٧٤»: «ومن يحتج بالحسن عن سمرة؛ يحتج بهذا». والراجح أنه سمع منه بعض الأحاديث. وقد قال الدارقطني - بعد أن ساق هذا الحديث «١٢٨» -: «الحسن مختلف في سماعه من سمرة، وقد سمع منه حديثاً واحداً، وهو حديث العقيقة». قلت: والحسن -على جلالته ومنزلته في العلم-: مشهور بالتدليس والإرسال؛ ولذلك فالقواعد الحديثية تقتضي أن لا يحتج بشيء من حديثه عن سمرة وغيره، إلا بما صرح فيه بالتحديث، وقد تأملت جميع طرق هذا الحديث - فيما لدي من كتب السنة المطهرة -؛ فلم أجده إلا معنعناً؛ غير مصرح بسماعه له من سمرة، وقد جهدت أن أجد له شاهداً - ولو بإسناد فيه ضعف -؛ فلم أجد. ولذلك فهو غير حجة عندي، وإن حسنه - الترمذي وغيره! ولذلك جرَّدت الكتاب منه، على أن الحديث قد اضطرب فيه في محل السكتة الثانية - كما أشار شيخ الإسلام إلى ذلك -، وإليك توضيح ذلك باختصار: اعلم أن الحديث رواه عن الحسن أربعة من الثقات؛ وهم: يونُس بن عُبيد، وقتادة، وأشعث الحُمْراني، وحُميد الطويل، وقد اتفقوا جميعاً على أن محلها بعد القراءة؛ قبل الركوع، إلا أن يونس وقتادة اختلف عليهما في ذلك؛ فقيل عنهما: إنها قبل الركوع. وقيل: إنها بعد «الفَاتِحَة»؛ قبل السورة. ولا شك أن رواية أشعث وحميد التي لم يختلف عليهما فيها أصح وأولى؛ لا سيما وقد وافقهما الآخران في رواية على ذلك. ومن شاء التفصيل؛ فعليه مراجعة رسالة «الصلاة» لابن القيم، و «تعليقاتنا الجياد» على كتابه «زاد المعاد».

стр. 1538

ثم قال شيخ الإسلام: ومعلوم أن النبي ﷺ لو كان يسكت سكتةً تتسع لقراءة «الفَاتِحَة»؛ لكان هذا مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله، فلما لم ينقل هذا أحد؛ عُلم أنه لم يكن، وأيضاً فلو كان الصحابة كلهم يقرؤون «الفَاتِحَة» خلفه؛ إما في السكتة الأولى، وإما في الثانية؛ لكان هذا مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله؛ فكيف ولم ينقل أحد عن أحد من الصحابة أنهم كانوا في السكتة الثانية يقرؤون «الفَاتِحَة»؟ ! مع أن ذلك لو كان مشروعاً؛ لكان الصحابة أحق الناس بعلمه وعمله؛ فعُلم أنه بدعة. وأيضاً؛ فالمقصود بالجهر: استماع المأمومين؛ ولهذا يؤمِّنون على قراءة الإمام في الجهر دون السر، فإذا كانوا مشغولين عنه بالقراءة، فقد أُمِرَ أن يقرأ على قوم لا يستمعون لقراءته، وهو بمنزلة من يحدث من لا يستمع لحديثه، ويخطُب من لا يستمع لخطبته! وهذا سَفَهٌ تتنزه عنه الشريعة؛ ولهذا رُوي في الحديث: «مثل الذي يتكلم، والإمام يخطب؛ كمثل الحمار يحمل أسفاراً». فهكذا إذا كان يقرأ والإمام يقرأ عليه». اهـ كلام شيخ الإسلام باختصار. وهو مما يدل على علو كعبه في علم المنقول والمعقول ﵀. واعلم أنه قد اشتهر بين علمائنا الاحتجاج بالآية السابقة الذكر على النهي عن ترك القراءة وراء الإمام حتى في السرية؛ قال ابن الهُمَام في «الفتح» «١/ ٢٤١»: «وحصل الاستدلال بالآية أن المطلوب أمران: الاستماع، والسكوت. فيعمل بكل منهما، والأول: يخص الجهرية، والثاني: لا؛ فيجري على إطلاقه، فيجب السكوت عند القراءة مطلقاً». وقد تعقبه أبو الحسنات اللكنوي بقوله «١٠٤»: وفيه نظر؛ وهو أن الأمر باستماع القرآن والسكوت ليس أمراً تعبدياً غير معلل - كما هو ظاهر -، بل هو حكم معلل بإجماع القائسين والمعللين؛ كوجوب السكوت عند الخطبة، والقراءة خارج الصلاة، ونحو ذلك، ولا تظهر له علة - ولو بعد التأمل -؛ إلا كون القرآن منزلاً للتدبر والتأمل، وهو لا يحصل بدون الاستماع والإنصات. ومن المعلوم أن

стр. 1539

هذا خاص بالجهرية؛ التي يقرأ فيها الإمام جهراً، فيلزم على المقتدين التدبر؛ فيجب عليهم الإنصات. وأما في السرية؛ فالإمام لا يقرأ إلا سراً، بحيث لا يقرع صِماخ المقتدين؛ فلا يمكن أن يحصل التدبر لهم فيها - وإن كانوا منصتين -؛ فلا يظهر لوجوب السكوت عليهم فيها وجه معتد به. والقول بأن وجوب السكوت أمر تعبدي غير معقول: مطالب بالدليل المعقول، على أن كثيراً من أصحابنا وغيرهم أخذوا بعموم الآية المذكورة، وعدم اختصاصها بالموارد المأثورة؛ حتى فَرَّعوا عليه كون سماع القرآن مطلقاً - ولو خارج الصلاة - فرض عين أو كفاية، فلو كان المأمور فيها أمرين - الاستماع، والسكوت؛ الأول في الجهر، والثاني في السر-؛ لزم أن يقال بوجوب سكوت من يقرأ القرآن عنده خارج الصلاة سراً؛ كفاية أو عيناً، وهو خلاف الإجماع بلا نزاع. اهـ. وإنما أمر تعالى بالاستماع بعد الأمر بالإنصات؛ لأنه قد يقول قائل: أقرأ وأسمع. كما يفعله بعض المتزهدين في خطبة الجمعة؛ فإنك تراهم يذكرون الله بالسبحة، ولو سألتهم؛ لقالوا: نحن نسمع ونقرأ! و: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾. فكان من الحكمة أن يُتْبعَ الأمرَ بالاستماعِ الأمرَ بالإنصات. هذا ما ظهر لي. والله أعلم. [أصل صفة الصلاة (١/ ٣٣٦)] الإنصات لقراءة الإمام من تمام الائتمام به وجعل الإنصات لقراءة الإمام من تمام الائتمام به؛ فقال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر؛ فكبروا، وإذا قرأ؛ فأنصتوا».

стр. 1540

كما جعل الاستماع له مُغْنِيَاً عن القراءة وراءه؛ فقال: «من كان له إمام؛ فقراءة الإمام له قراءة»، هذا في الجهرية. وهذا الحديث كالآية المذكورة سابقاً في الدلالة على وجوب الاستماع لقراءة القرآن من الإمام، ولكنه أعم منها - كما لا يخفى -، وهو - كهي - يشمل بعمومه «الفَاتِحَة» وغيرها، وقد خصه الشافعية وغيرهم ممن سبق ذكرهم بما عدا «الفَاتِحَة». وقالوا بوجوب قراءتها، وقد ذكرنا فيما سبق أن الحديث الذي احتجوا به على الوجوب لا يدل على ذلك؛ بل على الإباحةِ، والإباحةِ المرجوحة - كما سلف بيانه عن الكشميري -. وحينئذٍ فإذا كان لا بد من المصير إلى التخصيص؛ فإنما يخصص بجواز قراءة «الفَاتِحَة» جوازاً مرجوحاً؛ لا بوجوبها، وحينئذٍ فالتباين بين هذا الجواز وبين النهي المستفاد من الآية والحديث يسيرٌ؛ لأن النتيجة ترك القراءة والاستماع للإمام، وهذا هو المطلوب. هذا يقال؛ إن أردنا أن نذهب مذهب الجمع، ولكننا قد بينا أن حديث الجواز منسوخ بحديث أبي هريرة وبسبب نزول الآية، وبين أيضاً شيخ الإسلام أن الاعتبار يدل على بقاء الآية على عمومها؛ فيقال عن الحديث - الذي نحن في صدد الكلام عنه - ما قيل فيها. وإليك الآن بقية كلام شيخ الإسلام المتعلق بالحديث؛ قال: «وهذا يبين حكمة سقوط القراءة عن المأموم، وأن متابعته لإمامه مقدمة على غيرها حتى في الأفعال، فإذا أدركه ساجداً؛ سجد معه، وإذا أدركه في وتر من صلاته؛ تشهد عقب الوتر، وهذا لو فعله منفرداً؛ لم يجز، وإنما فعله لأجل الائتمام؛ فدل على أن الائتمام يجب به ما لا يجب على المنفرد، [ويسقط به ما يجب على المنفرد]». وقال في موضع آخر «٢/ ٤١٢»: فكيف لا يستمع لقراءته، مع أنه بالاستماع يحصل له مصلحة القراءة؟ ! فإن المستمع له مثل أجر القارئ. ومما يبين هذا اتفاقُهُم كلهم على أنه لا يقرأ معه فيما زاد على «الفَاتِحَة»؛ إذا جهر،

стр. 1541

فلولا أنه يحصل له أجر القراءة بإنصاته له؛ لكانت قراءته لنفسه أفضل من استماعه للإمام، وإذا كان يحصل له بالإنصات أجر القارئ؛ لم يَحْتَجْ إلى قراءته، فلا يكون فيها منفعة، بل فيها مضرة شغلته عن الاستماع المأمور به. وقد تنازعوا إذا لم يسمع الإمام؛ لكون الصلاة صلاة مخافتة، أو لبعد المأموم، أو لطرشه، أو نحو ذلك؛ هل الأولى له أن يقرأ، أو يسكت؟ والصحيح: أن الأولى أن يقرأ في نفسه، وأنه أنفع؛ لأنه لا يستمع قراءة يحصل له بها مقصود القراءة. فإذا قرأ لنفسه؛ حصل له أجر القراءة، وإلا؛ بقي ساكتاً، لا قارئاً ولا مستمعاً، ومن سكت غير مستمع ولا قارئ في الصلاة؛ لم يكن مأجوراً بذلك ولا محموداً؛ بل جميع أفعال الصلاة لا بد فيها من ذكر الله تعالى؛ كالقراءة والتسبيح والدعاء أو الاستماع للذكر، وإذا قيل بأن الإمام يحمل عنه فرض القراءة؛ فقراءته لنفسه أكمل له، وأنفع له، وأصلح لقلبه، وأرفع له عند ربه. والإنصات لا يؤمر به إلا حال الجهر، فأما حال المخافتة؛ فليس فيه صوت مسموع حتى ينصت له. اهـ. [فائدة]: والذي يتبادر من الحديث أن معناه: إن قراءة الإمام تكفيه، وتنوب عن قراءته؛ أي: المؤتم؛ فلا تجب عليه. وشرحه الشيخ علي القاري في «شرح مسند أبي حنيفة» «ص ١٥٠» بقوله: «أي: فلا يجب على المأموم قراءة، ولا يجوز له أن يقرأ وراءه، وظاهره الإطلاق، يعني: سواء كان في الصلاة السرية أو الجهرية». اهـ. وفي دلالة الحديث على أنه لا يجوز القراءة وراءه بُعْدٌ ظاهر، وقد وجهه الشيخ ابن الهُمَام بقوله «٢٣٩»: «إن القراءة ثابتة من المقتدي شرعاً؛ فإن قراءة الإمام قراءة له، فلو قرأ؛ لكان له قراءتان في صلاة واحدة، وهو غير مشروع». وقد رد عليه أبو الحسنات بقوله «١٤٨»: «إن قراءة الإمام ليست بقراءة المأموم حقيقة؛ لا عرفاً ولا شرعاً، وإنما هي قراءة له حكماً، فلو قرأ المؤتم؛ لا يلزم إلا أن تكون له قراءتان: إحداهما حقيقية، وثانيهما حكمية. ولا عائبة في اجتماعهما، ولا دليل يدل على قبح اجتماعهما». وقد أوضح ذلك في حاشيته المسماة: «غيث الغمام»، فراجعه؛ فإنه - كما قال: -

стр. 1542

من النفائس. واعلم أن علماءنا قد اختلفوا في القراءة خلف الإمام على أقوال: الأول: أنهم اختاروا ترك القراءة، لا أنهم لم يجيزوه؛ بأن كرهوه أو حرموه. الثاني: أنها مكروهة كراهة تحريم. وهو الذي اختاره ابن الهمام، وتبعه كثيرٌ ممن بعده، وبه صرح جمعٌ ممن قبله. الثالث: أن قراءة الفَاتِحَة مستحبة في السرية، ومكروهة في الجهرية في رواية عن محمد - كما ذكره صاحب «الهداية» و «الذخيرة» وغيرهما -، وهو رواية عن أبي حنيفة - كما ذكره الزاهدي في «المجتبى» -، وهو الذي اختاره أبو حفص الكبير - من كبار تلامذة الإمام محمد -، وغيره من الحنفية. والرابع: أن الإنصات واجب؛ كما ذكره الكيداني. وذكر في بحث المحرمات: أن ترك كل واجب في الصلاة حرام. فيعلم منه أنه قائل بحرمة القراءة خلف الإمام. والخامس: أن الصلاة تفسد بالقراءة خلف الإمام، ويكون فاسقاً - كما نقله في «الدر» «١/ ٥٠٨ - بحاشية ابن عابدين» -. وقد ذكر هذه الأقوال أبو الحسنات اللكنوي في «الإمام» «ص ٢١ - ٢٩» معزوة إلى مصادرها المشهورة من كتب الحنفية، ثم قال: «فهذه خمسة أقوال لأصحابنا، أضعفها وأوهنها؛ بل أوهن جميع الأقوال الواقعة في هذه المسألة: القول الخامس. وهو نظير رواية مكحول الدمشقي الشاذة المروية عن أبي حنيفة: أن رفع اليدين عند الركوع وغيره مفسد للصلاة! وبناءُ بعض مشايخنا عليها عَدَمَ جواز الاقتداء بالشافعية! وكلاهما من الأقوال المردودة التي لا يحل ذكرها إلا للقدح فيها؛ وإن ذُكرا في كثير من الكتب الفقهية لأصحابنا الحنفية! وقد أوضحت ذلك في رسالتي «الفوائد البهية في تراجم الحنفية»؛ فلتطالع، وليت شعري! هل يقول عاقل بفساد الصلاة بما ثبت فعله عن النبي ﷺ وجماعة من أكابر أصحابه؟ ! ولو فرضنا

стр. 1543

أنه لم يثبت؛ لا من النبي ﷺ ولا من أصحابه، أو ثبت وصار منسوخاً؛ فغايته أن يكون خلاف السنة، أو مكروهاً تنزيهاً، أو تحريماً، وهو لا يستلزم فساد الصلاة به، بل لو فرضنا أنه حرام حرمة قطعية؛ لا يلزم منه فساد الصلاة أيضاً؛ فليس ارتكاب كل حرام في الصلاة مفسداً لها، ما لم يكن منافياً للصلاة، ومن المعلوم أن قراءة القرآن في نفسها ليست بمنافية للصلاة؛ بل الصلاة ليست إلا الذكر والتسبيح والقراءة». قال: فكيف يصح الحكم بفساد الصلاة بها، وكون ذلك مكروهاً أو حراماً بما لاح من الدلائل لا يستلزم ذلك؟ ! وإني - والله! - لفي تعجب شديد من صنيع الذين نقلوا هذا القول في كتبهم ساكتين عليه، ولم يحكموا بكونه غلطاً مردوداً، وغاية ما قالوا: إن عدم الفساد أصح. ولم يحكموا بكونه صحيحاً، وكون ما يخالفه غلطاً صريحاً، وغاية ما استدل أصحاب هذا القول الواهي بعض آثار الصحابة؛ كأثر: «من قرأ خلف الإمام؛ فلا صلاة له» (١). وستعرف أنه مما لاُ يحتج به، ولا يستقيم الاستدلال به. وما ذكره السَّرَخْسِي ومن تبعه: أن فساد الصلاة مذهبُ عدة من الصحابة (٢). يقال له: أي صحابي قال

стр. 1544

بهذا؟ ! «فإذن؛ ظهر حقَّ الظهور أن أقوى المسالك اتي سلك عليها أصحابنا هو مسلك استحسان القراءة في السرية، كما هو رواية عن محمد بن الحسن، واختارها جمع من فقهاء الزمن». قال: «وهذا هو مذهب جماعة من المحدثين - جزاهم الله يوم الدين -، ومن نظر بنظر الإنصاف، وغاص في بحار الفقه والأصول، متجنباً الاعتساف؛ يُسلِّم تسليماً يقينياً أن أكثر المسائل الفرعية والأصلية التي اختلف العلماء فيها، فمذهب المحدثين فيها أقوى من مذاهب غيرهم. وإني كلما أسير في شعب الاختلاف؛ أجد

стр. 1545

قول المحدثين فيه قريباً من الإنصاف، فلله درهم! وعليه شكرهم! كيف لا، وهم ورثة النبي ﷺ حقاً، ونُوَّابُ شرعه صدقاً، حشرنا الله في زمرتهم، وأماتنا على حبهم وسيرتهم». اهـ. [أصل صفة الصلاة (١/ ٣٤٩)] وُجُوبُ قراءةِ الفاتحة في السِّرِّيَّةِ بدون تشويش على الإمام وأما في السرية؛ فقد أقرهم على القراءة فيها، فقال جابر: «كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين بـ: «فاتحة الكتاب» وسورة، وفي الأخريين بـ: «فاتحة الكتاب». وإنما أنكر التشويش عليه بها، وذلك حين صلى الظهر بأصحابه؛ فقال: «أيُّكم قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾؟ ». فقال رجل: أنا، [ولم أُرِدْ بها إلا الخير]. فقال ﷺ : «قد عرفت أن رجلاً خَالَجَنِيْها». وفي حديث آخر: كانوا يقرؤون خلف النبي ﷺ ، [فيجهرون به]، فقال: «خلطتم عليَّ القرآن». قوله - في حديث عمران -: «خالجنيها»؛ أي: نازَعَنِيها. وأصل «الخَلْج»: الجذب والنزع - كما في «النهاية» -. وقال الخطابي: «وإنما أنكر عليه محاذاته في قراءة السورة، حتى تداخلت القراءتان وتجاذَبَتا». وقال النووي في «شرح مسلم»: ومعنى هذا الكلام: الإنكار عليه في جهره، أو رفع صوته، بحيث أسمع غيره، لا عن أصل القراءة؛ بل فيه أنهم كانوا يقرؤون بالسورة في الصلاة السرية، وفيه إثبات قراءة السورة في الظهر للإمام والمأموم.
следующие страницы →