فلولا أنه يحصل له أجر القراءة بإنصاته له؛ لكانت قراءته لنفسه أفضل من استماعه للإمام، وإذا كان يحصل له بالإنصات أجر القارئ؛ لم يَحْتَجْ إلى قراءته، فلا يكون فيها منفعة، بل فيها مضرة شغلته عن الاستماع المأمور به.
وقد تنازعوا إذا لم يسمع الإمام؛ لكون الصلاة صلاة مخافتة، أو لبعد المأموم، أو لطرشه، أو نحو ذلك؛ هل الأولى له أن يقرأ، أو يسكت؟ والصحيح: أن الأولى أن يقرأ في نفسه، وأنه أنفع؛ لأنه لا يستمع قراءة يحصل له بها مقصود القراءة. فإذا قرأ لنفسه؛ حصل له أجر القراءة، وإلا؛ بقي ساكتاً، لا قارئاً ولا مستمعاً، ومن سكت غير مستمع ولا قارئ في الصلاة؛ لم يكن مأجوراً بذلك ولا محموداً؛ بل جميع أفعال الصلاة لا بد فيها من ذكر الله تعالى؛ كالقراءة والتسبيح والدعاء أو الاستماع للذكر، وإذا قيل بأن الإمام يحمل عنه فرض القراءة؛ فقراءته لنفسه أكمل له، وأنفع له، وأصلح لقلبه، وأرفع له عند ربه. والإنصات لا يؤمر به إلا حال الجهر، فأما حال المخافتة؛ فليس فيه صوت مسموع حتى ينصت له. اهـ.
[فائدة]: والذي يتبادر من الحديث أن معناه: إن قراءة الإمام تكفيه، وتنوب عن قراءته؛ أي: المؤتم؛ فلا تجب عليه. وشرحه الشيخ علي القاري في «شرح مسند أبي حنيفة» «ص ١٥٠» بقوله: «أي: فلا يجب على المأموم قراءة، ولا يجوز له أن يقرأ وراءه، وظاهره الإطلاق، يعني: سواء كان في الصلاة السرية أو الجهرية». اهـ.
وفي دلالة الحديث على أنه لا يجوز القراءة وراءه بُعْدٌ ظاهر، وقد وجهه الشيخ ابن الهُمَام بقوله «٢٣٩»: «إن القراءة ثابتة من المقتدي شرعاً؛ فإن قراءة الإمام قراءة له، فلو قرأ؛ لكان له قراءتان في صلاة واحدة، وهو غير مشروع». وقد رد عليه أبو الحسنات بقوله «١٤٨»: «إن قراءة الإمام ليست بقراءة المأموم حقيقة؛ لا عرفاً ولا شرعاً، وإنما هي قراءة له حكماً، فلو قرأ المؤتم؛ لا يلزم إلا أن تكون له قراءتان: إحداهما حقيقية، وثانيهما حكمية. ولا عائبة في اجتماعهما، ولا دليل يدل على قبح اجتماعهما».
وقد أوضح ذلك في حاشيته المسماة: «غيث الغمام»، فراجعه؛ فإنه - كما قال: -
стр. 1542
من النفائس.
واعلم أن علماءنا قد اختلفوا في القراءة خلف الإمام على أقوال: الأول: أنهم اختاروا ترك القراءة، لا أنهم لم يجيزوه؛ بأن كرهوه أو حرموه.
الثاني: أنها مكروهة كراهة تحريم. وهو الذي اختاره ابن الهمام، وتبعه كثيرٌ ممن بعده، وبه صرح جمعٌ ممن قبله.
الثالث: أن قراءة الفَاتِحَة مستحبة في السرية، ومكروهة في الجهرية في رواية عن محمد - كما ذكره صاحب «الهداية» و «الذخيرة» وغيرهما -، وهو رواية عن أبي حنيفة - كما ذكره الزاهدي في «المجتبى» -، وهو الذي اختاره أبو حفص الكبير - من كبار تلامذة الإمام محمد -، وغيره من الحنفية.
والرابع: أن الإنصات واجب؛ كما ذكره الكيداني.
وذكر في بحث المحرمات: أن ترك كل واجب في الصلاة حرام. فيعلم منه أنه قائل بحرمة القراءة خلف الإمام.
والخامس: أن الصلاة تفسد بالقراءة خلف الإمام، ويكون فاسقاً - كما نقله في «الدر» «١/ ٥٠٨ - بحاشية ابن عابدين» -.
وقد ذكر هذه الأقوال أبو الحسنات اللكنوي في «الإمام» «ص ٢١ - ٢٩» معزوة إلى مصادرها المشهورة من كتب الحنفية، ثم قال: «فهذه خمسة أقوال لأصحابنا، أضعفها وأوهنها؛ بل أوهن جميع الأقوال الواقعة في هذه المسألة: القول الخامس. وهو نظير رواية مكحول الدمشقي الشاذة المروية عن أبي حنيفة: أن رفع اليدين عند الركوع وغيره مفسد للصلاة! وبناءُ بعض مشايخنا عليها عَدَمَ جواز الاقتداء بالشافعية! وكلاهما من الأقوال المردودة التي لا يحل ذكرها إلا للقدح فيها؛ وإن ذُكرا في كثير من الكتب الفقهية لأصحابنا الحنفية! وقد أوضحت ذلك في رسالتي «الفوائد البهية في تراجم الحنفية»؛ فلتطالع، وليت شعري! هل يقول عاقل بفساد الصلاة بما ثبت فعله عن النبي ﷺ وجماعة من أكابر أصحابه؟ ! ولو فرضنا
стр. 1543
أنه لم يثبت؛ لا من النبي ﷺ ولا من أصحابه، أو ثبت وصار منسوخاً؛ فغايته أن يكون خلاف السنة، أو مكروهاً تنزيهاً، أو تحريماً، وهو لا يستلزم فساد الصلاة به، بل لو فرضنا أنه حرام حرمة قطعية؛ لا يلزم منه فساد الصلاة أيضاً؛ فليس ارتكاب كل حرام في الصلاة مفسداً لها، ما لم يكن منافياً للصلاة، ومن المعلوم أن قراءة القرآن في نفسها ليست بمنافية للصلاة؛ بل الصلاة ليست إلا الذكر والتسبيح والقراءة».
قال: فكيف يصح الحكم بفساد الصلاة بها، وكون ذلك مكروهاً أو حراماً بما لاح من الدلائل لا يستلزم ذلك؟ ! وإني - والله! - لفي تعجب شديد من صنيع الذين نقلوا هذا القول في كتبهم ساكتين عليه، ولم يحكموا بكونه غلطاً مردوداً، وغاية ما قالوا: إن عدم الفساد أصح.
ولم يحكموا بكونه صحيحاً، وكون ما يخالفه غلطاً صريحاً، وغاية ما استدل أصحاب هذا القول الواهي بعض آثار الصحابة؛ كأثر: «من قرأ خلف الإمام؛ فلا صلاة له» (١).
وستعرف أنه مما لاُ يحتج به، ولا يستقيم الاستدلال به. وما ذكره السَّرَخْسِي ومن تبعه: أن فساد الصلاة مذهبُ عدة من الصحابة (٢).
يقال له: أي صحابي قال
стр. 1544
بهذا؟ ! «فإذن؛ ظهر حقَّ الظهور أن أقوى المسالك اتي سلك عليها أصحابنا هو مسلك استحسان القراءة في السرية، كما هو رواية عن محمد بن الحسن، واختارها جمع من فقهاء الزمن».
قال: «وهذا هو مذهب جماعة من المحدثين - جزاهم الله يوم الدين -، ومن نظر بنظر الإنصاف، وغاص في بحار الفقه والأصول، متجنباً الاعتساف؛ يُسلِّم تسليماً يقينياً أن أكثر المسائل الفرعية والأصلية التي اختلف العلماء فيها، فمذهب المحدثين فيها أقوى من مذاهب غيرهم. وإني كلما أسير في شعب الاختلاف؛ أجد
стр. 1545
قول المحدثين فيه قريباً من الإنصاف، فلله درهم! وعليه شكرهم! كيف لا، وهم ورثة النبي ﷺ حقاً، ونُوَّابُ شرعه صدقاً، حشرنا الله في زمرتهم، وأماتنا على حبهم وسيرتهم». اهـ.
[أصل صفة الصلاة (١/ ٣٤٩)]
وُجُوبُ قراءةِ الفاتحة في السِّرِّيَّةِ بدون تشويش على الإمام
وأما في السرية؛ فقد أقرهم على القراءة فيها، فقال جابر: «كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين بـ: «فاتحة الكتاب» وسورة، وفي الأخريين بـ: «فاتحة الكتاب».
وإنما أنكر التشويش عليه بها، وذلك حين صلى الظهر بأصحابه؛ فقال: «أيُّكم قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾؟ ».
فقال رجل: أنا، [ولم أُرِدْ بها إلا الخير]. فقال ﷺ : «قد عرفت أن رجلاً خَالَجَنِيْها».
وفي حديث آخر: كانوا يقرؤون خلف النبي ﷺ ، [فيجهرون به]، فقال: «خلطتم عليَّ القرآن».
قوله - في حديث عمران -: «خالجنيها»؛ أي: نازَعَنِيها. وأصل «الخَلْج»: الجذب والنزع - كما في «النهاية» -.
وقال الخطابي: «وإنما أنكر عليه محاذاته في قراءة السورة، حتى تداخلت القراءتان وتجاذَبَتا».
وقال النووي في «شرح مسلم»: ومعنى هذا الكلام: الإنكار عليه في جهره، أو رفع صوته، بحيث أسمع غيره، لا عن أصل القراءة؛ بل فيه أنهم كانوا يقرؤون بالسورة في الصلاة السرية، وفيه إثبات قراءة السورة في الظهر للإمام والمأموم.
стр. 1546
وهكذا الحكم عندنا، ولنا وجه شاذ ضعيف: أنه لا يقرأ المأموم السورة في السرية، كما لا يقرؤها في الجهرية! وهذا غلط؛ لأنه في الجهرية يؤمر بالإنصات، وهنا لا يسمع؛ فلا معنى لسكوته من غير استماع، ولو كان في الجهرية بعيداً عن الإمام لا يسمع قراءته؛ فالأصح أنه يقرأ السورة؛ لما ذكرناه. اهـ.
فثبت من ذلك أنه ﷺ أقرهم على القراءة في هذه الصلاة، وهي سرية؛ فدلَّ على استحباب القراءة في السرية وراء الإمام. وفيها من الفضل قوله ﷺ : «من قرأ حرفاً من كتاب الله؛ فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ﴿الم﴾ حرف، ولكن «ألف» حرف، و «لام» حرف، و «ميم» حرف».
أخرجه الترمذي «٢/ ١٤٩ - ١٥٠» من طريق أيوب بن موسى قال: سمعت محمد بن كعب القُرَظي قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: . .. فذكره مرفوعاً. وقال: «حسن صحيح».
قلت: وهو على شرط مسلم. ثم قال: «ويروى من غير هذا الوجه عن ابن مسعود. ورواه أبو الأحوص عن ابن مسعود؛ رفعه بعضهم، ووقفه بعضهم».
قلت: رواه من هذا الوجه الدارمي «٢/ ٤٢٩» من طريق سفيان عن عطاء بن السائب عن أبي الأحوص به موقوفاً.
وإسناده صحيح أيضاً، ولا يضر كونه موقوفاً؛ لأنه من طريق غير الطريق الأول، بل هو قوة له - كما لا يخفى -. وهو مخرج في «الصحيحة» «٦٦٠».
وهو نص عام يشمل القراءة في الصلاة وخارجها، وشموله لها من باب أولى.
فليس من المعقول إذن أن تتسنى للمصلي فرصة ينال فيها هذا الفضل العظيم، ثم يضيعها، ويشغل باله بالتفكير بأمور لا تليق بالصلاة وجلالها.
وأما حديث: «من قرأ خلف الإمام؛ مُلئَ فوه ناراً».
فموضوع، وبيانه في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» «٥٦٩».
стр. 1547
ومما يدل على استحباب القراءة في السرية للمقتدي: قول جابر بن عبد الله ﵁: كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين بـ: «فاتحة الكتاب» وسورة، وفي الأخريين بـ: «فاتحة الكتاب».
أخرجه ابن ماجه «١/ ٢٧٨». قال السندي: «في الزوائد»: قال المزي: موقوف. ثم قال: هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات.
وقد يقال: الموقوف في هذا الباب حكمه الرفع، إلا أن يقال: يمكن أنهم أخذوا ذلك من العمومات الواردة في الباب؛ فلا تدل قراءتهم على الرفع. اهـ.
[أصل صفة الصلاة (١/ ٣٦٥)]
علة النهي عن أن يجهر قارئي القرآن على بعض في الصلاة
وقال ﷺ : «إن المصلِّي يناجي ربه؛ فلينظر بما يناجيه به. ولا يجهرْ بعضكم على بعض بالقرآن».
قال الباجي: «لأن في ذلك أذى ومنعاً من الإقبال على الصلاة، وتفريغ السرِّ لها، وتَأَمُّلَ ما يناجي به ربه من القرآن».
قال: وإذا كان رفع الصوت بقراءة القرآن ممنوعاً حينئذٍ لأذى المصلين؛ فبغيره من الحديث وغيره أولى.
قال ابن عبد البر: وإذا نهي المسلم عن أذى المسلم في عمل البر، وتلاوة القرآن؛ فأذاه في غير ذلك أشد تحريماً.
[أصل صفة الصلاة (١/ ٣٧٠)]
من فضائل القرآن
وكان يقول: «من قرأ حرفاً من كتاب الله؛ فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها،
стр. 1548
لا أقول: ﴿الم﴾ حرف؛ ولكن: «أَلِف» حرف، و «لام» حرف، و «ميم» حرف».
[أصل صفة الصلاة (١/ ٣٧٢)]
التَّأمِينُ، وجَهْرُ الإمامِ به
ثم كان ﷺ إذا انتهى من قراءة «فاتحة الكتاب»؛ قال: «آمين». يجهر، ويمد بها صوته.
وفيه مسائل:
الأولى: أنه يشرع التأمين للإمام. وهو مذهب الجمهور من العلماء، وخالف في ذلك أبو حنيفة في رواية؛ فقال: «يُؤَمّن مَن خلف الإمام، ولا يؤمن الإمام».
ذكره تلميذه محمد في «الموطأ» «١٠٣»، ثم خالفه؛ فقال: «ينبغي إذا فرغ الإمام من «أم الكتاب» أن يُؤَمّن الإمام، ويؤمن من خلفه، ويجهرون بذلك». اهـ.
وقد روي عن مالك مثلُ ما ذكرنا عن أبي حنيفة، وفي رواية عن مالك: «لا يُؤَمِّن في الجهرية فقط». وأحاديث الباب تَرُدُّ عليهما - كما قال الشوكاني «٢/ ١٨٦» -، فلا جرم أن أطبقت كتب المتون على مخالفة هذه الرواية عن أبي حنيفة؛ ففيها: «ويُؤَمِّن الإمام والمأموم».
المسألة الثانية: أن الحديث دليل على أن السنة في حق الإمام أن يرفع صوته بالتأمين.
قال الترمذي: «وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، والتابعين، ومن بعدهم؛ يرون أن الرجل يرفع صوته بالتأمين، ولا يخفيها، وبه يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق» (١). اهـ.
стр. 1549
وخالف في ذلك علماؤنا؛ فقالوا: «إنه يسر بالتأمين الإمامُ وغيره». والحق أنه ليس لهم حجة في ذلك؛ إلا حديث شعبة: وخفض بها صوته. وقد علمت أنه خطأ، مخالف لمن هو أحفظ منه وأكثر عدداً، ومعارض لجميع الأحاديث التي ذكرناها؛ ولذلك لم يَسع ابنَ الهمام إلا أن قال «٣٠٧»: «ولو كان إليَّ في هذا شيء؛ لوفَّقْتُ بأن رواية الخفض يراد بها: عدم القرع العنيف، ورواية الجهر: بمعنى قولها في زير الصوت وذيله». ثم استدل على ذلك بحديث أبي هريرة: فيرتج بها المسجد.
قال: «وارتجاجه: إذا قيل في اليم؛ فإنه الذي يحصل عنه دوي - كما يشاهد في المساجد -؛ بخلاف ما إذا كان يقرع، وعلى هذا فينبغي أن يقال على هذا الوجه: لا يقرع - كما يفعله بعضهم -». اهـ.
وتأمل ما تحت قوله: «ولو كان إليَّ في هذا شي». من الاحتياط في عدم التصريح بمخالفة المذهب؛ مما لا نرضاه له ولأمثاله من محققي العلماء، وقد جهر بالحق من علمائنا أبو الحسنات اللكنوي؛ حيث قال: «والإنصاف أن الجهر قوي من حيث الدليل، وقد أشار إليه ابن أمير حاج في الحَلْبة»؛ حيث قال: . .. » فذكر كلامه. وفيه: «ورجح مشايخنا ما للمذهب بما لا يعرى عن شيء لمتأمله». انتهى.
[أصل صفة الصلاة (١/ ٣٧٣)]
هل يجهر المؤتمون بالتأمين
المسألة الثالثة: هل يجهر المؤتمون بها؟ فيه خلاف؛ فذهب إسحاق - كما سبق - إلى أنهم يجهرون بها، وهو مذهب الشافعي القديم؛ كما في «الفتح» «٢/ ٢١٢» وغيره قال: وعليه الفتوى.
стр. 1550
وقال الرافعي: قال الأكثر: في المسألة قولان؛ أصحهما أنه يجهر.
قلت: وقال النووي في «صحيح مسلم»: «وهو الصحيح من مذهبنا». وإليه ذهب ابن القيم في «إعلام الموقعين» «٣/ ٧»، وقال: «قال الربيع: سئل الشافعي عن الإمام: هل يرفع صوته بآمين؟ قال: نعم، يرفع بها من خلفه أصواتهم. فقلت: وما الحجة؟ فقال: أنبأنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن عطاء: كنت أسمع الأئمةَ: ابنَ الزبيرِ ومَنْ بعده يقولون: آمين. ومن خلفهم: آمين. حتى إن للمسجد لَلجُّة».
قلت: هذا الأثر أخرجه البيهقي «٢/ ٥٩» من طريق الربيع.
ثم أخرج هو وابن حبان في كتاب «الثقات» - على ما في «التعليق المغني» - من طريق مطرف عن خالد بن أبي نَوْف - وفي البيهقي: أيوب. وهو تحريف - عن عطاء قال: أدركت مئتين من أصحاب النبي ﷺ في هذا المسجد؛ إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾؛ سمعت لهم رجة بـ «آمين».
ولكن في ثبوت هذين الأثرين نظر: أما الأول: ففيه علتان: الأولى: عنعنة ابن جريج، وهو مدلس.
والثانية: ضعف مسلم بن خالد - وهو: الزنجي المكي الفقيه -؛ وقد ساق له الذهبي في «الميزان»، والحافظ في «التهذيب» أحاديثَ مناكيرَ، ثم قال الذهبي: «فهذه الأحاديث وأمثالها تُرَدُّ بها قوة الرجل، ويضعف».
وقال الحافظ في «التقريب»: «صدوق كثير الأوهام».
وأما الأثر الثاني: فعلته جهالة خالد بن أبي نوف؛ فإنه لم يرو عنه إلا اثنان: أحدهما: مطرف هذا - وهو: ابن طريف -، والآخر: يونس بن أبي إسحاق. فهو في عداد مجهولي العدالة، وتوثيق ابن حبان له لا يفيد؛ لما علم من تساهله في التوثيق. فظهر من هذا البيان أنهما أثران لا يصلح الاحتجاج بهما، ولعله من أجل ذلك رجع الشافعي عن قوله القديم؛ فقال في الجديد: إن المؤتم لا يجهر بآمين. ونصه في «الأم» «١/ ٦٥»: «فإذا فرغ الإمام من قراءة «أم القرآن»؛ قال: آمين. ورفع بها صوته؛ ليقتديَ بها من خلفه. فإذا قالها؛ قالوها، وأسمعوا أنفسهم، ولا أحب أن يجهروا بها، فإن فعلوا؛ فلا شيء عليهم». اهـ.
стр. 1551
وبهذا نأخذ إن شاء الله تعالى (١) لما سبق، وأيضاً لم يذكر أحد ممن روى جهره ﷺ بالتأمين أن الصحابة كانوا يجهرون بها وراءه، فلو كانوا يفعلون ذلك؛ لنقلوه إلينا، لا سيما وأن الجهر بها خلاف الأصل.
قال تعالى «٧/ ٥٥»: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾؛ فلا يجوز الخروج عن هذا الأصل إلا بدليل صحيح.
وقد خرَجنا عنه فيما يتعلق بجهر الإمام؛ لثبوت ذلك عنه ﷺ ، فيبقى ما عداه على الأصل. وبالله التوفيق.
ثم إني بعد كتابة ما تقدم رأيت ابن حزم قد أخرج الأثر في «المحلى» «٣/ ٣٦٤» إلى عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أكان ابن الزبير يؤمّن على أثر «أم القرآن»؟ قال: نعم، ويؤمّن من وراءه حتى إن للمسجد للجة.
قال عطاء: وكان أبو هريرة يدخل المسجد وقد قام الإمام قبله، فيقول ويناديه: لا تسبقني بـ «آمين».
قال عطاء: ولقد كنت أسمع الأئمة يقولون هم أنفسهم على أَثَر «أم القرآن»: «آمين»، هم ومن وراءهم؛ حتى إن للمسجد للجة.
فهذا الإسناد صحيح، ولكن لا حجة فيه؛ لأنه ليس مرفوعاً إليه ﷺ .
وعلقه البخاري في «صحيحه»، ووصله الشافعي «١/ ٦٥» (٢).
[أصل صفة الصلاة (١/ ٣٧٨)] (٢)
стр. 1552
الاقتصار على التأمين دون زيادة
المسألة الرابعة: قال الحافظ أبو زرعة في «شرح التقريب» «٢/ ٢٦٩»: «المستحب الاقتصار على التأمين عقب «الفَاتِحَة» من غير زيادة عليه؛ اتباعاً للحديث، وأما ما رواه البيهقي من حديث وائل بن حُجْر: أنه سمع رسول الله ﷺ حين قال: ﴿غَيْرِ المُغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: «رب اغفر لي، آمين». فإن في إسناده أبا بكر النهشلي، وهو ضعيف».
قلت: هو في «سنن البيهقي» «٢/ ٥٨» من طريق أحمد بن عبد الجبار العُطارِدي: ثنا أبي عن أبي بكر النهشلي عن أبي إسحاق عن أبي عبد الله اليَحْصَبي عن وائل به.
ومن هذا الوجه أخرجه الطبراني أيضاً - كما في «المجمع» -، وأعله بأحمد بن عبد الجبار هذا؛ فقال: «وثقه الدارقطني، وأثنى عليه أبو كُريب، وضعفه جماعة، وقال ابن عدي: لم أَرَ له حديثاً منكراً». وفي «التقريب»: هو «ضعيف».
وقال في ترجمة أبي بكر النهشلي: «صدوق، رمي بالإرجاء».
قلت: فإعلاله بالعُطارِدي - كما صنع الهيثمي - أولى من إعلاله بالنهشلي.
[أصل صفة الصلاة (١/ ٣٨٢)]
стр. 1553
تأمين المأموم يكون بُعيد تأمين الإمام
وكان يأمر المقتدين بالتأمين بُعَيْدَ تأمين الإمام؛ فيقول: إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ المُغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾؛ فقولوا: آمين؛ [فإن الملائكة تقول: آمين. وإن الإمام يقول: آمين].
«وفي لفظ: إذا أمَّن الإمام؛ فأمِّنوا»؛ فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة، «وفي لفظ آخر: إذا قال أحدكم في الصلاة: آمين. والملائكةُ في السماء: آمين. فوافق أحدهما الآخر»؛ غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه.
قوله: «فقولوا»: حمل الجمهور هذا الأمر على الندب، ومنهم ابن حزم في «المحلى» «٣/ ٢٦٢».
قال الحافظ «٢/ ٢١٠»: «وحكى ابنُ بَزِيزة عن بعض أهل العلم وجوبه على المأموم؛ عملاً بظاهر الأمر.
قال: وأوجبه الظاهرية على كل مصل».
قال الشوكاني «٢/ ١٨٧»: «والظاهر من الحديث الوجوب على المأموم فقط، لكن لا مطلقاً؛ بل مقيداً بأن يُؤَمِّن الإمام. وأما الإمام والمنفرد؛ فمندوب فقط». اهـ.
قال الحافظ أبو زرعة [العراقي] «٢/ ٢٦٦»: «في الحديث رد على الإمامية؛ في دعواهم أن التأمين في الصلاة مبطل لها، وهم في ذلك خارقون لإجماع السلف والخلف، ولا حجة لهم في ذلك؛ لا صحيحة ولا سقيمة». اهـ.
وقال الخطابي «١/ ٢٢٤»: «معنى الحديث: قولوا مع الإمام؛ حتى يقع تأمينكم وتأمينه معاً. فأما قوله: «إذا أمن الإمام؛ فأمنوا»؛ فإنه لا يخالفه، ولا يدل على أنهم يؤخرونه عن وقت تأمينه، وإنما هو كقول القائل: إذا رحل الأمير؛ فارحلوا. يريد: إذا أخذ الأمير في الرحيل، فتهيأوا للارتحال؛ ليكون رحيلكم مع رحيله، وبيان هذا في الحديث الآخر: «إن الإمام يقول: آمين؛ والملائكة تقول: آمين. فمن وافق تأمينه
стр. 1554
تأمين الملائكة؛ غفر له ما تقدم من ذنبه». فأحب أن يجتمع التأمينان في وقت واحد؛ رجاءَ المغفرة». اهـ.
قوله: «أحدكم»: فيه استحباب التأمين للمنفرد والمأموم أيضاً؛ لعموم قوله: «أحدكم».
قال صاحب «المفهم»: «وقد اتفقوا على أن الفذَّ يُؤَمِّن مطلقاً، والإمام والمأموم فيما يُسِرّان فيه يُؤَمِّنان».
كذا في «طرح التثريب» «٢/ ٢٦٧».
قوله: «ما تقدم من ذنبه»: وأما زيادة: «وما تأخر». فشاذة ضعيفة في هذا الحديث - كما بينه الحافظ في «الفتح» «٢/ ٢١١» -، ومثلها: «غفر لمن في المسجد».
واعلم أن البخاري ترجم لهذا الحديث بـ: «باب جهر الإمام بالتأمين».
وكذلك ترجم له ابن ماجه، والنسائي.
قال السندي: «أخذ منه المصنف الجهر بآمين، إذ لو أسر الإمام بآمين؛ لَمَا عَلِمَ القومُ بتأمين الإمام، فلا يحسن الأمر إياهم بالتأمين عند تأمينه.
وهذا استنباط دقيق يرجحه ما سبق من التصريح بالجهر، وهذا هو الظاهر المتبادر (١).
نعم؛ قد يقال: يكفي في الأمر معرفتهم لتأمين الإمام بالسكوت عن القراءة. لكن تلك معرفة ضعيفة؛ بل كثيراً ما يسكت الإمام عن القراءة، ثم يقول: آمين؛ بل الفصل بين القراءة والتأمين هو اللائق؛ فيتقدم تأمين المقتدي على تأمين الإمام إذا
стр. 1555
اعتمد على هذه الأمارة، ولكن رواية: «إذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. .. » ربما يرجح هذا التأويل، فليتأمل.
والأقرب أن أحد اللفظين من تصرفات الرواة. وحينئذٍ فرواية: «إذا أمَّن أشهر وأصح؛ فهي أشبه أن تكون الأصل. والله أعلم». اهـ.
[أصل صفة الصلاة (١/ ٣٨٢)]
من فضائل التأمين الاستجابة للعبد
وفي حديث آخر: «فقولوا: آمين؛ يُجِبْكُم الله».
«يجبكم»: هو بالجيم؛ أي: يستجيب دعاءكم. وهذا حث عظيم على التأمين؛ فيتأكد الاهتمام به. قاله النووي.
[أصل صفة الصلاة (١/ ٣٨٧)]
من فضائل التأمين
وكان يقول: «ما حَسَدَتْكُم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين خلف الإمام» لما علموا من فضلهما وبركتهما. أي: فاللائق بكم الإكثار منهما. قاله السندي.
[أصل صفة الصلاة (١/ ٣٨٨)]
стр. 1556
القراءة بعد الفاتحة
стр. 1557
قراءتُهُ ﷺ بعدَ «الفَاتِحَة» والإطالة فيها والإقصار لعارض
قال الإمام في تلخيص الصفة ٥٥، ٥٦:
ويسن أن يقرأ بعد الفاتحة، سورة أخرى، حتى في صلاة الجنازة، أو بعض الآيات في الركعتين الأوليين.
ويطيل القراءة بعدها أحيانا، ويقصرها أحيانا، لعارض سفر، أو سعال، أو مرض، أو بكاء صبي.
وقال في أصل الصفة: ثم كان ﷺ يقرأ بعد «الفَاتِحَة» سورة غيرها. وكان يطيلها أحياناً، ويقصرها أحياناً لعارض سفر، أو سعال، أو مرض، أو بكاء صبي تصلي أمُّه معه ﷺ ؛ كما قال أنس بن مالك ﵁: «جوَّز ﷺ ذات يوم في الفجر «وفي حديث آخر: صلى الصبح، فقرأ بأقصر سورتين في القرآن»، فقيل: يا رسول الله! لم جوَّزت؟ قال: «سمعت بكاء صبي، فظننت أن أمه معنا تصلي؛ فأردت أن أفرغ له أمه».
قوله: «جوَّز»: «أي: خفف».
قوله «بكاء الصبي»: «في هذا الحديث وأمثاله: جوازُ إدخال الصبيان المساجد، وأما الحديث المتداول على الألسنة: «جنبوا مساجدَكم صبيانكم. .. » الحديث.
فضعيف، لا يحتج به اتفاقاً. وممن ضعفه ابن الجوزي، والمنذري، والهيثمي، والحافظ ابن حجر العسقلاني، والبوصيري، وقال عبد الحق الإشبيلي: «لا أصل له».
[أصل صفة الصلاة (١/ ٣٩١)]
سنية قراءة سورة بعد الفاتحة في الركعتين الأخيرتين أحيانًا
ويسن الزيادة عليها في الركعتين الأخيرتين أيضا أحيانا.
[تلخيص الصفة فقرة ٦٢]. [أصل صفة الصلاة (١/ ٣٩٣)]
стр. 1558
إكمال السورة المقروءة في الصلاة
وكان يبتدئ من أول السورة، ويكملها في أغلب أحواله. ويقول: أعطوا كل سورة حَظَّها من الركوع والسجود «وفي لفظ: لكل سورة ركعة».
قال الزين بن المُنَيِّر: ذهب مالك إلى أن يقرأ المصلي في كل ركعة بسورة؛ كما قال ابن عمر: لكل سورة حظها من الركوع والسجود.
قال: ولا تقسم السورة في ركعتين، ولا يقتصر على بعضها، ويترك الباقي.
قال: فإن فعل ذلك؛ لم تفسد صلاته، بل هو خلاف الأولى.
ذكره في «الفتح» «٢/ ٢٠٤»، وقال: «وهو مذهب الشافعي. ثم قال ابن المُنَيِّر: والذي يظهر أن التكرير أخف من قَسْمِ السورة في ركعتين. اهـ. وسبب الكراهة فيما يظهر أن السورة مرتبط بعضها ببعض؛ فأي موضع قطع فيه، لم يكن كانتهائه إلى آخر السورة، فإنه إن قطع في وقف غير تام؛ كانت الكراهة ظاهرة، وإن قطع في وقف تام؛ فلا يخفى أنه خلاف الأولى. وقد تقدم في «الطهارة» قصة الأنصاري الذي رماه العدو بسهم، فلم يقطع صلاته، وقال: كنت في سورة، فكرهت أن أقطعها.
وأقره النبي ﷺ على ذلك».
قلت: هو حديث طويل أخرجه أبو داود «١/ ٣٠ - ٣١» وغيره بإسناد حسن.
هذا، ولم أجد من شرح الحديث وأبان عن المراد منه؛ إلا المناوي في «فيض القدير»، ولم يصب حيث قال: «أي: فلا يكره قراءة القرآن في الركوع والسجود».
وقال في مكان آخر: ويحتمل أن المراد: إذا قرأتم سورة؛ فصلوا عقبها صلاة قبل الشروع في الأخرى.
ويحتمل أن المراد: أوفوا القراءة حقها من الخشوع والخضوع اللذين هما بمنزلة الركوع والسجود في الصلاة، وإذا مررتم بآية سجدة؛ فاسجدوا. اهـ.
стр. 1559
وهذان الاحتمالان بعيدان جداً عن لفظ الحديث؛ لا سيما اللفظ الثاني، والمعنى الثاني لم يذهب إلى العمل به أحد من العلماء فيما علمت.
والمعنى الأول هو أقرب ما يكون إلى ظاهر الحديث؛ لكن الرواة لم يفهموا منه ذلك - كما سبق في تخريجه -؛ فإن أبا العالية - أحد رواته - كان يجمع بين عشرين سورة في ركعة قبل أن يبلغه الحديث، فلما بلغه؛ ترك ذلك. وكذلك لما بَلَّغه ابن سيرين؛ استغرب ذلك، وعارضه بأن ابن عمر كان يجمع بين السور؛ فأراد أن يتحقق من الحديث. فقد اتفق أبو العالية وابن سيرين [على] أن معنى الحديث: أنه ينبغي الاقتصار على سورة في كل ركعة.
وأقرب الألفاظ دلالة لهذا المعنى هو اللفظ الثاني:
«لكل سورة ركعة». ولذلك أورده الطحاوي في «باب جمع السور في ركعة»، ثم قال: «وقد ذهب إلى هذا قوم، فقالوا: لا ينبغي للرجل أن يزيد في كل ركعة من صلاته على سورة مع «فاتحة الكتاب». واحتجوا في ذلك بهذا الحديث». اهـ.
ويحتمل أن معنى الحديث: لكل سورة ركعة؛ أي: سورة كاملة في كل ركعة؛ أي: فلا يقتصر على بعضها؛ بل عليه أن يُتِمَّها؛ ليكون حظ الركعة بها كاملاً.
وقد أشار إلى هذا المعنى وإلى الذي قبله ابنُ نصر؛ حيث بوب للحديث بقوله: «باب كراهة تقطيع السور، والجمع بين السور في ركعة»، ثم ساق هذا الحديث بألفاظه الثلاثة.
وبالجملة؛ فالحديث لا يحتمل إلا هذين المعنيين. وأنا إلى المعنى الثاني (١) أَمْيَلُ منه إلى الأول، وإن ذهب إليه من علمت؛ لأن أقواله ﷺ لا يمكن فهمها فهماً صحيحاً، إلا ضمن أقواله الأخرى وأفعاله، وقد ذكرنا في الأصل أن الغالب من
стр. 1560
هديه ﷺ إتمام السورة؛ دون الاقتصار على بعضها إلا نادراً.
وعليه؛ فالحديث يدل على الكمال من القراءة، وهي السورة الكاملة. واقتصاره ﷺ على بعضها نادراً؛ إنما هو للدلالة على جواز ذلك مع الكراهة التنزيهية؛ لأنها خلاف الأفضل؛ ولكنه لا ينفي الزيادة على السورة، وأنها أكمل وأفضل.
كيف ذلك؛ وقد صح عنه أنه ﷺ كان يقرأ السورتين فأكثر في ركعة واحدة، وأنه كان يقول: «أفضل الصلاة طول القيام»! فهذا نص صريح في أن الصلاة كلما كان قيامها أطول - وإنما يكون ذلك بطول القراءة، وبضم السورة إلى الأخرى -؛ كانت أفضل عند الله تعالى.
فإن لم نذهب إلى هذا المعنى الذي اخترناه، وذهبنا إلى المعنى الأول؛ تعارض قوله ﷺ هذا مع الحديث الذي نتكلم عليه، وقد تقرر في الأصول أنه: يجب الجمع بين الحديثين الصحيحين ما أمكن ذلك. وهذا لا يمكن إلا بهذا الوجه. والله تعالى أعلم.
[أصل صفة الصلاة (١/ ٣٩٥)]
تقسيم السورة في ركعتين
وكان تارة يقسمها في ركعتين.
[أصل صفة الصلاة (١/ ٣٩٩)]
تكرار السورة في الركعتين
وتارة يعيدها كلها في الركعة الثانية.
[أصل صفة الصلاة (١/ ٣٩٩)]
стр. 1561
الجمع بين سورتين فأكثر في الركعة الواحدة
وكان أحياناً يجمع في الركعة الواحدة بين السورتين أو أكثر.
قال أبو عبيد: «والذي عليه أمر الناس: أن الجمع بين السور في الركعة حسن غير مكروه، وهذا الذي فعله عثمان بن عفان، وتميم الداري، وغيرهما؛ هو من وراء كل جمع. إلا أن الذي أختار من ذلك: أن لا يقرأ القرآن في أقل من ثلاث؛ للأحاديث التي رويت عن النبي ﷺ وأصحابه من الكراهة لذلك».
ذكره ابن نصر في «قيام الليل» «٦٢».
قال الحافظ «٢/ ٢٠٤»: «وقد نقل البيهقي في «مناقب الشافعي» عنه أن الجمع بين السور مستحب».
وروى أحمد «٢/ ١٣ و ٥/ ٦٦»، والبيهقي «٢/ ٦٠»، والطحاوي «١/ ٢٠٥» عن نافع قال: ربما أَمَّنَا ابن عمر بالسورتين والثلاث في الفريضة.
[أصل صفة الصلاة (١/ ٣٩٩)]
المحافظة على قراءة سورة معينة في كل الصلاة
وقد كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قُباء، وكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به؛ افتتح بـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها؛ وكان يصنع ذلك في كل ركعة. فكلمه أصحابه؛ فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى؛ فإما أن تقرأ بها، وإما أن تدعها، وتقرأ بأخرى. فقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك؛ فعلت، وإن كرهتم؛ تركتكم. وكانوا يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره.
فلما أتاهم النبي ﷺ ؛ أخبروه الخبر؛ فقال: «يا فلان! ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟ وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟ ». فقال: إني
стр. 1562
أحبها. فقال: «حُبُّكَ إيَّاها أدخلك الجنة».
قوله: «مما يقرأ به»: أي: من السورة بعد «الفَاتِحَة».
قوله: افتتح بـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ قال الحافظ «٢/ ٢٠٥»: «تمسك به من قال: لا يشترط قراءة «الفَاتِحَة». وأجيب بأن الراوي لم يذكر «الفَاتِحَة»؛ اغتناء بالعلم؛ لأنه لا بد منها، فيكون معناه: افتتح بسورة بعد «الفَاتِحَة». أو كان ذلك قبل ورود الدليل الدال على اشتراط «الفَاتِحَة».
قال ناصر الدين بن المُنَيِّر: «في هذا الحديث أن المقاصد تغير أحكام الفعل؛ لأن الرجل لو قال: إن الحامل له على إعادتها أنه لا يحفظ غيرها؛ لأمكن أن يأمره بحفظ غيرها. لكنه اعتل بحبه؛ فظهرت صحة قصده؛ فَصَوَّبَه».
قال: «وفيه دليل على جواز تخصيص بعض القرآن بميل النفس إليه، والاستكثار منه، ولا يعد ذلك هجراناً لغيره».
[أصل صفة الصلاة (١/ ٤٠٠)]
جَمْعُهُ ﷺ بَيْنَ النظائر وغيرها في الركعة
وكان ﷺ يَقْرِن بين النَّظَائر من المُفَصَّلِ؛ فكان يقرأ سورة:
«الرَّحْمَن» «٥٥: ٧٨» و «النَّجْم» «٥٣: ٦٢» في ركعة.
و«اقْتَرَبَتِ» «٥٤: ٥٥» و «الحَاقَّة» «٦٩: ٥٢» في ركعة.
و«الطُّور» «٥٢: ٤٩» و «الذَّارِيَات» «٥١: ٦٠» في ركعة.
و«إِذَا وَقَعَتِ» «٥٦: ٩٦» و «ن» «٦٨: ٥٢» في ركعة.
و«سَأَلَ سَائِلٌ» «٧٠: ٤٤» و «النَّازِعَات» «٧٩: ٤٦» في ركعة.
و«وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ» «٨٣: ٣٦» و «عَبَسَ» «٨٠: ٤٢» في ركعة.
стр. 1563
و «المُدَّثِّر» «٧٤: ٥٦» و «المُزَّمِّل» «٧٣: ٢٠» في ركعة.
و«هَلْ أَتَى» «٧٦: ٣١» و «لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيَامَةِ» «٧٥: ٤٠» في ركعة.
و«عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ» «٧٨: ٤٠» و «المُرْسَلَات» «٧٧: ٥٠» في ركعة.
و«الدُّخَان» «٤٤: ٥٩» و «إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ» «٨١: ٢٩» في ركعة.
«النظائر» أي: السور المتماثلة في المعاني؛ كالموعظة، أو الحِكَم، أو القصص، لا المتماثلة في عدد الآي؛ لما سيظهر عند تعيينها.
قال المحب الطبري: «كنت أظن أن المراد أنها متساوية في العَدِّ، حتى اعتبرتها؛ فلم أجد فيها شيئاً متساوياً». ذكره في «الفتح».
«المفصل»: اختلف في المراد بالمفصل مع الاتفاق على أن منتهاه آخر القرآن. وقد ذكر الحافظ «٢/ ١٩٨» الأقوال في ذلك، فبلغت العشرة؛ منها: أنه يبتدئ من «الحُجُرَات». ثم قال: «وهو الراجح. ذكره النووي».
وقال الحافظ في مكان آخر «٢/ ٢٠٦»: «تقدم أنه من «ق» إلى آخر القرآن على الصحيح».
كذا قال، وهذا القول إنما ذكره هناك في جملة الأقوال التي قيلت، ولم يصححه، ولا رجحه؛ وإنما رجح كونه من «الحُجُرَات» كما ذكره عن النووي. والله أعلم.
وإنما سمي مفصلاً؛ لكثرة الفصل بين سُوَرِه بالبسملة؛ على الصحيح؛ كما قال الحافظ. ثم قال «٢/ ٢٠٧»: «ولا يخالف هذا ما سيأتي في «التهجد» أنه جمع بين «البَقَرَة» وغيرها من الطوال؛ لأنه يحمل على النادر».
قال: «وفي الحديث من الفوائد: جواز تطويل الركعة الأخيرة على ما قبلها، وفيه ما يقوي قول القاضي أبي بكر - المتقدم -: إن تأليف السور كان عن اجتهاد من الصحابة؛ لأن تأليف عبد الله المذكور مغاير لتأليف مصحف عثمان».
[أصل صفة الصلاة (١/ ٤٠٢)]
стр. 1564
هل يتعين مراعاة ترتيب المصحف في جمع السور في الصلاة ؟
لم يُراعِ النبي ﷺ في الجمع بين كثير من هذه النظائر ترتيب المصحف، فدل على جواز ذلك، ومثله ما سيأتي في «القراءة في صلاة الليل»، وإن كان الأفضل مراعاة الترتيب.
[أصل صفة الصلاة (١/ ٤٠٣)]
الجمع بين السور من السبع الطوال
وكان أحياناً يجمع بين السور من السبع الطوال؛ كـ «البَقَرَة» و «النِّسَاء» و «آلِ عِمْرَان» في ركعة واحدة من صلاة الليل.
[أصل صفة الصلاة (١/ ٤٠٥)]
أفضل الصلاة طول القيام
وكان يقول: «أفضل الصلاة طول القيام».
قال السندي ﵀: «ولا ينافيه حديث: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد»؛ لجواز أن تكون تلك الأقربية في حال السجود بملاحظة استجابة الدعاء؛ كما يقتضيه: «فأكثروا الدعاء»، وهو لا ينافي أفضلية القيام. والله أعلم».
وقد اختلف العلماء في القيام والسجود: أيهما أفضل؟ فذهب أبو حنيفة وصاحباه - كما في «الطحاوي» «١/ ١٧٦ و ٢٧٥ - ٢٧٦» -، والشافعية وغيرهم إلى أن القيام أفضل؛ لهذا الحديث، وأدلة أخرى ذكروها. وخالفهم آخرون؛ فقالوا: السجود أفضل؛ للحديث الذي أورده السندي، ويأتي في «السجود». وتوسط قوم؛ فقالوا بالأول ليلاً، وبالثاني نهاراً.
стр. 1565
قال السندي في «حاشيته على النسائي»: «وهو الأوفق بفعله ﷺ ». اهـ.
قال ابن القيم في «الزاد» «١/ ٨٤» - بعد أن ساق الأقوال الثلاثة وأدلتها -: «وقال شيخنا: الصواب أنهما سواء، والقيام أفضل بذكره - وهو القراءة -، والسجود أفضل بهيئته؛ فهيئة السجود أفضل من هيئة القيام، وذِكْرُ القيام أفضل من ذِكْرِ السجود، وهكذا كان هدي رسول الله ﷺ ؛ فإنه كان إذا أطال القيام؛ أطال الركوع والسجود. وكان إذا خفف القيام؛ خفف الركوع والسجود».
[أصل صفة الصلاة (١/ ٤٠٥)]
التسبيح أثناء القراءة للإمام دون المأموم
وكان إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ المَوْتَى﴾؛ قال: «سبحانك! فَبَلى».
وإذا قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾؛ قال: «سبحان ربي الأعلى».
قال الإمام الألباني:
قلت: الظاهر استحباب ذلك لكل مصلٍّ إلا للمؤتم، فإنه إذا قال: «سبحان ربي الأعلى»؛ انشغل بذلك عن الإنصات المأمور به في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. والله أعلم.
[أصل صفة الصلاة (١/ ٤٠٨)]
جَوَازُ الاقتِصَارِ على «الفَاتِحَة»
وكان معاذ يصلي مع رسول الله ﷺ العشاء [الآخرة]، ثم يرجع فيصلي بأصحابه، فرجع ذات ليلة فصلى بهم، وصلى فتى من قومه [من بني سلمة يقال له: سليم]، فلما طال على الفتى؛ [انصرف فـ] صلى [في ناحية المسجد]، وخرج، وأخذ
стр. 1566
بخِطام بعيره، وانطلق، فلما صلى معاذ؛ ذكر ذلك له، فقال: إن هذا به لنفاق! لأخبرن رسول الله ﷺ بالذي صنع.
وقال الفتى: وأنا لأخبرن رسول الله ﷺ بالذي صنع. فغدوا على رسول الله ﷺ ، فأخبره معاذ بالذي صنع الفتى، فقال الفتى: يا رسول الله! يطيل المكث عندك، ثم يرجع فيطيل علينا! فقال رسول الله ﷺ : «أفتان أنت يا معاذ؟ ! ».
وقال للفتى: «كيف تصنع أنت يا ابن أخي! إذا صليت؟ ».
قال: أقرأ بـ: «فاتحة الكتاب»، وأسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، وإني لا أدري ما دندنتك ودندنة معاذ! فقال رسول الله ﷺ : «إني ومعاذ حول هاتين، أو نحو ذا».
قال: فقال الفتى: ولكن سيعلم معاذ إذا قَدِم القوم وقد خُبِّروا أن العدو قد أتوا.
قال: فقدموا، فاستشهد الفتى، فقال رسول الله ﷺ بعد ذلك لمعاذ: «ما فعل خَصْمِي وخَصْمُك؟ ».
قال: يا رسول الله! صدق الله وكذبتُ؛ استُشهد.
«الدندنة»: أن يتكلم الرجل بالكلام تسمع نغمته ولا يفهم، وهو أرفع من الهينمة قليلاً. «نهاية».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٤١١)]
حرمة إطالة القراءة بأكثر مما ورد في السنة لأنه يشق على من وراءه
ولا تجوز إطالة الإمام للقراءة بأكثر مما جاء في السنة، فإنه يشق بذلك على من قد يكون وراءه من رجل كبير في السن، أو مريض، أو امرأة لها رضيع، أو ذي الحاجة.
[تلخيص الصفة فقرة ٦٣].
стр. 1567
هل قراءة السورة بعد الفاتحة فرض أم سنة ؟
مداخلة: يا سيدي، قراءة السورة، قراءة سورة صغيرة بعد قراءة الفاتحة، هذا فرض وإلا سنة؟
الشيخ: سنة.
(الهدى والنور /٢٠٢/ ٥٠: ٠٤: ٠١)
هل يدل هذا الحديث على وجوب قراءة سورة بعد الفاتحة ؟
مداخلة: حديث صححتموه في سنن الترمذي قوله ﵊: «لا صلاة لمن لم يقرأ بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها» مع أن قرأنا في كتابك: كيفية الصلاة، أن السورة ليست واجبة.
الشيخ: تعني: في سؤالك شيء حديثي وآخر فقهي، أم تعنيهما، أم تعني شيئًا معينًا؟
مداخلة: أعني الفقهي. ..
الشيخ: طيب! ما هو الذي ذكرته مما ينافي هذا؟
مداخلة: يقول: «لا صلاة لمن لم يقرأ بالحمد وسورة» ..
الشيخ: نعم، يعني: هذا مؤول، أي: الزيادة جائزة؛ لأنه لو قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب حينئذٍ قد يتبادر للذهن أنه لا يجوز قراءة أكثر من الفاتحة، فلما جاءت زيادة: فما زاد، أفاد شرعية القراءة وليس وجوب القراءة.
(فتاوى جدة (٢٧) /٠٠: ٠٥: ٠٦)
стр. 1568
إذا نسي المصلي أن يقرأ بعد الفاتحة ما تيسر له من القرآن
السائل: إذا نسي المصلي أن يقرأ بعد الفاتحة ما تيسر له من القرآن، نسي وليس متعمداً.
الشيخ: لا بد من السجود.
السائل: لا بد من السجود.
الشيخ: نعم.
(الهدى والنور /٢٦٧/ ١٣: ١٦: ٠٠)
هل يجوز للمفترض إمامًا كان أو مأمومًا أو منفردًا أن يردد آية واحدة فقط مع الفاتحة في كل ركعة ؟
السائل: جاء عن رسول ﷺ كما ذكرتم في كتابكم المبارك «صفة صلاة النبي ﷺ أنه ﷺ قام ليلة بآية يرددها حتى أصبح وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة المائدة: ١١٨]، الحديث؛ السؤال: هل يجوز للمفترض إمامًا كان أو مأمومًا أو منفردًا أن يردد آية واحدة فقط مع الفاتحة في كل ركعة؟ أو في بعض الركعات أم أن هذا خاص به ﷺ ؟ أم أن ذلك خاص بصلاة النفل؟ وهل ما قيل من القاعدة الفقهية: «أن ما شرع في النفل يشرع في الفريضة هل هذه القاعدة صحيحة؟ ».
الشيخ: أما القاعدة فصحيحة بقيد: «أن لا تكون السنة العملية مخالفة لها».
وهنا الجواب من الأقوال التي ذُكِرت أن هذا الترداد والتكرار للآية إنما هي في النافلة وليس في النافلة مطلقًا بل وفي نافلة الليل؛ في قيام الليل هذا هو الراجح, والدليل ما أشرت إليه آنفًا أن النبي ﷺ صلَّى بالناس إمامًا الصلوات الفرائض,
стр. 1569
وصلى في بعض الأحيان بعض السنن المختلف في سنيتها أو في وجوبها جماعةً, كصلاة الكسوف- مثلاً - وصلاة التروايح، فلم يُنقل عنه ﷺ مثل هذا الترداد إلا حينما قام يصلي لوحده في تلك الليلة فقد أصبح يردد هذه الآية.
وهنا ملاحظة أخرى يجب التنبيه لها بهذه المناسبة وهي: أنه قد يخطر في بال أحد الحاضرين أو غيرهم أنه حينما يسمع هذا الحديث يجد تعارضًا بينه وبين حديث عائشة الذي هو أصح من هذا إسنادًا وهو قولها رضي الله تعالى عنها: «وما علمت أن رسول الله ﷺ أحيا ليلة بتمامها حتى أصبح» , فهذا يخالف هذا الحديث، والجمع سهل - إن شاء الله - وذلك بأن نذكر بأن القاعدة: «أن من حفظ حُجَّة على من لم يحفظ» , فالسيدة عائشة ما علمت ما علمه أبو ذر في حديثه, فنجمع بين الحديثين: بين الحديث المثبت وبين الحديث النافي, فنقول بالنفي حينما لا يعارض المثبت, ونثبت المثبت بصورة لا يعارض النافي, ونجمع بين المثبت وبين النافي فنقول: «ما أحيا رسول الله ﷺ ليلة بتمامها إلا تلك الليلة التي حدثنا بها أبو ذر ﵁»، ثم أنتم تعلمون أن النبي ﷺ قام ليلة صلاة طويلة وطويلة جدًا، وقد وصفها وأحسن وصفها حذيفة بن اليمان الذي نشعر من أسلوب روايته لهذه القصة أنه تورط حينما اقتدى به ﵇ ورطة ما كان يتصورها لأنه يقول لنا: «أن النبي ﷺ قام يصلي ليلة فاقتديت خلفه, فافتتح سورة البقرة فقلتُ: -يعني في نفسه- إذا وصل إلى رأس مائة آية يركع -أي: ونخلص من هذه القراءة الطويلة - قال: فمضى -أي: قرأ المائة آية وجاوز إلى التي بعدها - فقال في نفسه: إذن يركع بعد أن يقرأ المائتين فمضى ومضى وانتهت سورة البقرة بكاملها ثم افتتح سور النساء- نشعر حينما نقرأ حديث حذيفة هذا بأن الرجل سلَّم أمره للواقع ولم يعد يقول الآن يركع والآن يركع- فقال: فافتتح الرسول ﵇ سورة النساء بعد أن فرغ من سورة البقرة بتمامها، ثم انتهى من سورة النساء فرجع إلى آل عمران ثم انتهى منها، ثم افتتح سور المائدة حتى ختمها - أربع سور من السور الطوال- ثم ركع ﵊ فكان ركوعه قريبًا
من قيامه».
تصوروا الآن كم تكون هذه الصلاة وهي طويلة؛ ولا أريد أن أتمم الرواية وإنما أريد أن أقف إلى هذه الصلاة التي أحيا فيها الرسول ﵇ ما شاء من الليل
стр. 1570
حيث قرأ في ركعة واحدة هذه السور الطوال يقول حذيفة: -والشاهد هنا- «فما مر بآية رحمة إلا وقف عندها وسأل الله الرحمة، وما مر بآية مغفرة إلا وقف عندها وسأل الله المغفرة، وما مر بآية ذُكر فيها العذاب إلا وقف عندها واستعاذ الله من العذاب وهكذا، مثل هذا ما جاء في حديث أبي ذر إنما وقع في قيام الليل، وإذا صلى ﵇ منفردًا فلا يجوز الإطالة في ذلك إذا كان وراءه مؤتمون, كذلك لم يُنقل - كما أشرت آنفًا - إلى أن النبي ﷺ لم يكرر أيضًا مثل هذا التكرار في الصلوات التي كان يصليها مؤتم الناس به, لكن قد جاء في صحيح البخاري أن رجلاً من الأنصار كان يؤمهم، وكان كلما فرغ من قراءة الفاتحة يقرأ سورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص: ١] ويكررها, وكان الذين يصلون خلفه يعلمون أن هذا من خيرهم وأفضلهم؛ فكانوا يكرهون أن يؤمهم غيره ولكن مع ذلك كان في قلوبهم شيء من وراء تكراره لهذه السورة- سورة الصمد - فذكروا ذلك للنبي ﷺ فأرسل إليه فسأله عن السبب: فقال: «إني أحبها»، قال: «حبك إيها أدخلك الجنة»، وهو حينما كانوا يطلبون منه أن لا يكرر هذا الشيء يلاحظون أن التكرار قد يمل بعض الناس فكان يقول لهم: «إن أعجبكم أممتكم وإلا فليؤمكم غيري» فذكروا ذلك للرسول ﵇, فأقره عليه الصلاة السلام على ذلك بل قال: «حبك إياها أدخلك الجنة»، يمكن أن نأخذ من هذا الحديث أنه يشرع تكرار آية ما في الفريضة إذا كان ذلك برضى الجماعة؛ وليس سنة مطردة لأن النبي ﷺ لم يفعل ذلك في الفرائض، ولذلك كان ترداد هذا الإمام لـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ موضع استنكار من بعض أصحابه حتى وصل الأمر بالإمام أن يقول
لهم: «إن أعجبكم هذا فأنا أؤمكم وإلا فلا» فلما ذكروا أمره إلى النبي ﷺ أقره على ذلك وقال: «حبك إياها أدخلك الجنة» فيمكن أن نأخذ من هذا الحديث حكمًا خاصًا بجماعة يقتدون بإمام قارئ مجوِّد، حسن الصوت، يتغنى بالقرآن كما جاء في الأحاديث الصحيحة فلا يرضون به بديلاً، لكن قد يأخذون عليه مثل هذا التكرار فالجواب أنه يجوز إذا ما رضوا إمامته بسبب حسن تلاوته.
هذا آخر ما عندي من الجواب.
(فتاوى جدة-موقع أهل الحديث والأثر- ٢١)
стр. 1571
البسملة للسورة التي بعد الفاتحة
السؤال الأول: هل تُقْرَأ البسملة بعد الفاتحة إذا كان يريد أن يقرأ مما تيسر من القرآن؟
الجواب: إذا ابتدأ السورة قرأ البسملة سراً، أما إذا بدأ من منتصفها أو آخرها فلا بسملة.
السؤال: بقية السؤال يا شيخ، إذا قرأ أكثر من سورة، فهل في كل مَرَّة يُسِر بالبسملة؟
الجواب: كل مرة، الجهر بالبسملة لا يصح.
(الهدى والنور /٢٠٩/ ٣٧: ٠٠: ٠٠)
حكم البسملة والاستعاذة للسورة التي بعد الفاتحة
مداخلة: هل نقول بين الفاتحة والسورة في الصلاة البسملة أم الاستعاذة؟
الشيخ: إذا انتهى المصلي من قراءة الفاتحة وافتتح سورة من أولها سوف يقرأ البسملة بين يديها؛ لأنها من السورة، إلا سورة براءة كما هو معلوم، أما إذا ابتدأ القراءة من وسط السورة أو من آخرها فهنا لا بسملة، أما الاستعاذة فهي في أول القراءة وبس.
(الهدى والنور /٨١٤/ ٤٣: ٠٨: ٠٠)
تنكيس القراءة في الصلاة
مداخلة: [حكم] تنكيس القراءة [في الصلاة].
الشيخ: ما يضره، لكن الأفضل متابعة ترتيب القرآن.
(الهدى والنور / ١٣٣/ ١٨: ١١: ٠٠)
стр. 1572
القراءة بالروايات في الصلاة
السؤال: شيخنا، لو تَكَرَّمت بَيِّن لنا بالتفصيل، هل يجوز لقارئ القرآن أن يقرأ باختلاف الرواية، سواء كان إماماً داخل الصلاة أو خارج الصلاة، والدليل بارك الله فيك؟
الشيخ: إذا كانت الرواية التي يقرأ بها، قد تَلَقَّاها من أهل العلم المُتَخَصِّصين بالقراءات الثابتة عن النبي ﷺ ، فيجوز له أن يقرأ بها؛ لأن النبي ﷺ كان يقول: «أُنزل القرآن على سبعة أحرف».
وقد فسر كثير من العلماء أن الأحرف هي أوجه القراءة التي كان يقرأ الرسول ﵇ بها في حياته.
وجاءت أحاديث كثيرة تُبَيِّن أن بعض الصحابة حينما كان يسمع من آخر قراءة لم يسمعها من النبي ﷺ ، وكان يُبَادِر إلى إنكارها، ولكنه يتثبت ويذهب مع صاحبه المخالف له في القراءة إلى النبي ﷺ ، فيعرض عليه ما سمع من صاحبه القراءة التي هو كان لا يعرفها من قبل، فيقول الرسول ﵇: «هكذا أُنزلت».
فإذا كانت القراءة التي يقرؤها هذا الإمام أو ذاك، من القراءات الصحيحة والمتلقاة من أهل الاختصاص بالقراءات، فهو أمر جائز ومشروع.
ولكن عندي ملاحظة شخصية، بأن هذه القراءة الصحيحة إذا لم تكن مشهورة بين بعض الناس، فلا ينبغي للإمام أن يَفْجَأهم بها؛ لأن من جهل شيئاً عاداه، أما إذا كان في مجلس خاص أو كان يؤم ناساً يعرفونه ويعرفهم، ويعرفون أنه يقرأ بقراءة أخرى صحيحة، ولو أنها كانت غير معروفة لديهم، لكنهم بحكم مصاحبتهم لهذا الإمام أو لهذا القارئ، عرفوا منه أنه يقرأ بقراءة صحيحة، وإن كانت غير مشهورة سابقاً لديهم، في هذه الحالة له أن يقرأ ذلك، أما إذا أَمّ الناس وفيهم أشكال وألوان، فلا ينبغي أن يفجأهم بالقراءة التي لا يعرفونها.
стр. 1573
وهذا من باب الأدب الذي تلقيناه من بعض الصحابة الذين كانوا يقولون: «خاطبوا الناس على قدر عقولهم» أو نحو ذلك من المعنى، «أتُريدون أن يكذبَ الله ورسولُه».
فما ينبغي للعالم أو للإمام أن يفجأ الناس بشيء يستنكرونه، ولابد من أن يُقَدِّم إليهم مقدمة، وهذه المقدمة قد تتيسر في بعض الأحيان وقد لا تتيسر.
وأنا أذكر لكم بهذه المناسبة، أنني كثيراً ما كنت أسافر إلى الحج والعمرة، فأنزل في بعض البلاد أو القرى ممن نعرف هناك من بعض إخواننا، فَيُقَدِّمونني إماماً، فأقول للمُقَدِّم لي، أقول: يا أخي أنت تعرف أني أنا مسافر، وأن المسافر عليه أن يقصر وجوباً، فأنا سأُصلي وأقصر، والناس غير معتادين، هؤلاء مقيمين يريدون يصلون العصر مثلاً خلفي، يصلوا أربع ركعات، أنا أُريد أصلي ركعتين، فيقول لي وهو على شيء من العلم: ما عليكم يا أخي، خَلِّيهم يتعلموا، وهذا كلام صحيح.
وفعلاً الذي خشيت وقع، بالرغم من أني ما كَبَّرت إلا بعد أن عملت محاضرة وأنا واقف، وبَيَّنت لهم السنة، وأني أنا الإمام الآن يقترح عليّ أن أؤمكم، وأنا أقتدي بسنة الرسول ﵇، ولذلك فسأُصَلِّي ركعتين، وأنا سوف لا أُسلم عن يميني تسليماً تسمعونه، سَأُسَلِّم سراً حتى ما تُسَلِّموا معي، أسلم سراً، وأخاطبكم بلسان عربي مبين فأقول لكم: «أتموا صلاتكم؛ فإنا قوم سُفْر» ثم ألتفت يساراً وأقول: السلام عليكم.
بالرغم من المحاضرة الطويلة العريضة، بعد ما سَلَّمت ناس أخطؤوا وسَلَّموا معي، وناس أصابوا وقاموا، لكن ماذا فعلوا؟ قاموا للذي قَدَّمني: يا أخي! لماذا قدمت لنا هذا الرجل عمل علينا شوشرة وو .. إلخ.
فالناس الحقيقة مثل هذه الصلاة يجب أن تطرق مسامعهم المَرَّة بعد المرة والكَرَّة بعد الكَرَّة، حتى يرسخ في أذهانهم أن الإمام المسافر يصلي ركعتين، فإذا سَلَّم عرفوا أن عليهم أن يُتِمُّوا صلاتهم.
فلا ينبغي للعالم الحكيم أن يفجأ الناس ويضربهم هكذا ضرباً بالأمور ولو
стр. 1574
كانت حقاً، وإنما يجب أن يُمَهِّد لها تمهيداً، وهذا من آداب الرسول ﵇ التي ظهرت في كثير من الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ .
وهذا في الواقع يفتح لنا باباً من العلم، يجب أن نُذَكِّر به، وهو أن العالم يجب عليه فعلاً أن ينصح الناس وأن يُرْشِدَهم وأن يُذَكِّرهم كما قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] ولكن عليه أن يُمَهِّد لذلك.
لقد جاء في الصحيحين البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ لما دخل مكة فاتحاً، دخل جوف الكعبة وصلى فيها ركعتين ثم خرج، فأرادت السيدة عائشة أم المؤمنين ﵂ أن تقتدي بزوجها ونبيها ﷺ ، وتصلي في جوف الكعبة، وتعلمون أن الكعبة الآن كما كان في ذاك الزمان لا يمكن الدخول إلى جوف الكعبة إلا بِسُلَّم، وهكذا ورث المسلمون الكعبة بهذا الباب العالي، فلو أرادت امرأة بل لو أراد رجل أن يدخل الكعبة فيجب أن يُجْهِد نفسه ويُتْعِبها حتى يستطيع أن يصعد، فقال للسيدة عائشة: «يا عائشة! صلِّ في الحِجْر فإنه؛ من الكعبة، «وإن قومك لما بنوا الكعبة قَصَرت بهم النفقة» أي: أخرجوا الحجر عن الكعبة، وما استطاعوا أن يبنوا الكعبة ويكون في جوفها الحِجْر.
والشاهد: أن الرسول ﵇ قال في تمام حديثه: ولولا أن قومك حديثي عهد بالشرك، لهدمت الكعبة، ولبنيتُها على أساس إبراهيم ﵇. -أي: لأدخل الحجر إلى الكعبة- ولجعلت له بابين مع الأرض، باباً يدخلون منه وباباً يخرجون منه.
ما فعل الرسول ﵇ هذا، لماذا؟
خَشِي أن يُحْدِثَ هَدْمُ الكعبة ضعضعةً في قلوب بعض الناس الذين كانوا بحاجة إلى تقوية إيمانهم، فَأَخَّر الرسول ﵇ هذا الأمر إلى أمر وإلى وقت يُريده الله ﵎.
وللقصة تَتِمّة -مع الأسف- حيث قَيَّض الله لهذا البيت الحرام ولهذه الكعبة المُشَرّفة، من نَفّذ رغبة الرسول ﵇ في زمنه ألا وهو عبد الله بن الزبير.
стр. 1575
ولكن السياسة الغاشمة أعادت البيت إلى ما كان عليه، بحجة أن هذا الذي فُعل وأُحدث هذا الأمر خالف البيت الذي تركه الرسول ﵇ عليه، لم يكن قد بلغه حديث عائشة، والذي نفذ حديث عائشة هو ابن أختها عبد الله بن الزبير أمه أسماء بنت أبي بكر أخت السيدة عائشة.
فعبد الله بن الزبير لما تَمَكَّن من هذا الإصلاح نَفَّذه فعلاً، لكن كان ذلك في فتنة قامت بينه وبين الأمويين، وبصورة خاصة عبد الملك بن مروان، وكان نهاية الفتنة مع الأسف أنه قُتل وصلبه الحجاج .. إلخ ما هنالك.
فلما استوطن الأمر لعبد الملك، أمر بإعادة الكعبة إلى ما كانت عليه في زمن الجاهلية.
وفي مجلس هادئ في مجلسه تَعَرَّض لهذه القضية، فأحد الحاضرين تبليغاً للأمانة العلمية قال له: يا أمير المؤمنين! إن ما فعله عبد الله بن الزبير هو ما حَدَّث به النبي ﷺ لعائشة وذكر هذه القصة، فقال عبد الملك: لو علمت ذلك لتركته كما فعل مع الأسف الشديد.
الشاهد: أن من السياسة الشرعية، أن يتلطف الإنسان في إرشاد الناس وفي هدايتهم، بما يستطيع من أساليب، ولا نعني بهذا أبداً مسايرة الناس بكتمان العلم وكتمان الحقيقة، هذا شيء آخر.
فالواقع أن الناس كل الناس ما بين إفراط وتفريط، والتفريط أكثر وهو إضاعة العلم وإضاعة النصيحة، والمُغَالون الذين لا يتخذون الأساليب الحكيمة في تعليم الناس وفي تبليغهم.
ولذلك الحق كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]، يعني: لا يكتم العلم باسم السياسة الشرعية، ولا ينفذ العلم بالقوة باسم «بَلِّغوا الناس» مثلاً «ولو آية» لا، ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥].
стр. 1576
فإذاً: إذا قرأ الإمام قراءة ثابتة ومُتَلَقَّاة من أهل العلم المتخصصين، الأصل أنه لا شيء في ذلك، ولكن يجب أن لا يفاجئ الناس بما لا يعلمون، وأن يُمَهِّد لما يريد أن يُعَلِّمهم به.
السؤال: نفس الموضوع يعني، هناك من يقول: بأن الرسول ﷺ أو الصحابة الكرام ﵃، لم يُنْقَل لنا عنهم بأنهم قرؤوا بخلط الرواية.
الشيخ: خلط الرواية؟
السائل: خلط الرواية، فيعتبروا أن هذا الأمر بدعة، خلط الرواية، أو قراءة الرواية في بلد آخر، مثلاً البلاد العربية هنا تقرأ لحفص، فإذا قرأت لهم بورش في رواية كاملة دون الخلط أيضاً يُنْكرون هذا.
الشيخ: هذا الذي أجبت عنه، أما الآن ففي كلامك سؤال ثاني، وهو الخلط بين قراءتين في آن واحد.
السائل: يقولوا: إن هذه بدعة، وما ورد عن الرسول ﷺ أنه قرأ بالخلط أو الصحابة الكرام.
الشيخ: نعم، هذا ينبغي الجواب عنه: الحقيقة أن هذه الشبهة أو هذا الاعتراض سمعته من بعضهم من قديم.
الذين يقولون: هذا بدعة هم شأنهم شأن المقلدة في المذاهب الأربعة، أي: كما أن المُقَلِّدين للمذاهب، اليوم عامة أهل العلم والمشايخ المعروفين يوجبون على عامة المسلمين أن يتمذهبوا بمذهب واحد من هذه المذاهب الأربعة.
فإذا المسلم عاش مثلاً بين أقوام يتمذهبون بمذهب أبي حنيفة، ثم ثبت لديه مسألة ليست مُقَرَّرة في مذهبه وإنما في مذهب غيره كالشافعي أو مالك مثلاً، فهم يُوْجِبون عليه التزام المذهب ولا يُجِيزون له أن يعمل بما ثبت في المذهب الآخر.
وهذا نحن نراه خطأ أحياناً، ونراه صواباً أحياناً أخرى، أي: هذا الإنكار تارةً يكون خطأً وتارة يكون صواباً.
стр. 1577
يكون خطأ إذا كان المتمذهب بالمذهب المُعَيَّن اتبع رأياً في مذهب آخر اتباعاً لهواه، وكما يقول العلماء والفقهاء: تَتَبُّعاً للرخص، هذا يُنْكَر عليه.
أما إذا أخذ برأي في مذهب آخر؛ لأنه اقتنع به وبدليله، فهذا هو الواجب عليه، ومن يُنْكِر عليه يكون مخطئاً.
هذا طبعاً خلاصة الجواب، وهذا يحتاج إلى بحث طويل، ولكن أُمَهِّد به للإجابة عن الخلط بين القراءات.
فأقول: كما أن المذاهب الأربعة، كل إمام يأخذ بما ترجح عنده من العلم، كذلك القراء السبعة أو العشرة، كل منهم يأخذ بما ثبت لديه.
علماً بأن مجال الخطأ في المسائل الفقهية، أكثر من الخطأ في القراءات المتوارثة أو المتواترة كما يقولون؛ ذلك لأن المسائل الفقهية يَدْخُلها الاجتهاد، يدخلها القياس، فَيُمْكِن أن يقع المجتهد في خطأ فَيُؤْجَر عليه، أما القراءات فهي مستندة على النقل فقط.
إذا كان هذا معروفاً، فحينئذٍ: إذا كان هذا القارئ على قراءة حفص، ثبت لديه قراءة ورش في آية ما، فجمع في قراءة واحدة بين قراءة حفص في آية وقراءة ورش في آية أخرى، هذا كالذي جمع بين التَمَذْهُب بالمذهب الحنفي، والتمذهب في مسألة واحدة أو أخرى في المذهب الشافعي؛ لأن ذلك ثبت لديه.
فقولهم: إن هذا بدعة، هو في الواقع حسب وجهة نظري غفلة عن أنه منبع أئمة القراء هو كمنبع أئمة المذاهب الأربعة، هو الرسول ﵇، مع الفارق الكبير الذي ذكرته آنفاً أن الأئمة في الفقة يمكن أن يقولوا قولاً بالاجتهاد والرأي، أما في القراءة ما فيه إلا التلقي والنقل، فيكون هنا الأمر: أن الرسول قرأ بقراءة حفص أكيد، وقرأ بقراءة ورش أكيد، فما المانع أن يقرأ الإنسان بهذه وبهذه.
وليس عند القُرَّاء أبداً دليل، وهذا مستحيل أن يكون أن الرسول قرأ بقراءة حفص أحياناً، وتارة أخرى قرأ بقراءة ورش، وإلى آخر ما هنالك من القراءات
стр. 1578
المعروفين، لا يوجد شيء من هذا.
لكن كل واحد أخذ بما ثبت لديه، أي: أن الرسول كان يقرأ بهذا وكان يقرأ بهذا وكان يقرأ بهذا.
من أشهر الأشياء التي ممكن يفهمها الناس كلهم: الفاتحة فيها قراءتان متواترتان، فيما يتعلق «بمالك يوم الدين» «وملك يوم الدين» فالرسول ﵇ كان يقرأ مرة مالك ومرة ملك.
لكن ما كان يلتزم أنه إذا قرأ مالك فهو يقرأ ما بعده على مذهب حفص؛ لأنه حينئذٍ نقول كما يتوهم بعض الجهلة أن الرسول كان حنفياً أو كان شافعياً، هذا ما يقوله إنسان؛ لأن المذاهب متأخرة عن رسول الله ﷺ ، فهم يتلقون منه ليس العكس تماماً.
لذلك: المهم إذا ثبت قراءة من القراءات فيجوز للقارئ أن يقرأ بهذه وأن يقرأ بهذه، ولا مانع من ذلك، والذي يقول هذا بدعة حَسْبُنا أن نقول له: «هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين» ولا يستطيع إلى ذلك سبيلاً.
(الهدى والنور / ٢٦٠/ ٥٣: ٢٩: ٠٠)
(الهدى والنور / ٢٦٠/ ٠٥: ٤٥: ٠٠)
القراءة بالروايات المختلفة في الصلاة
مداخلة: هنا مسألة القراءات، رجل يريد أن يقرأ مثلاً سورة الصف، فقرأ كل آية بقراءة تختلف عن الآية التي تلحقها أو كل آية بحرف يختلف عن الآية التي تلحقها، هل هذا جائز في المجلس الواحد؟
الشيخ: نعم.
مداخلة: هل فعله هذا جائز؟
стр. 1579
الشيخ: هذا بارك الله فيك يختلف باختلاف النِّية، اللِّي بنسمعه نحن من القراء لا يجوز إطلاقاً؛ لأنهم يقصدون الفن، ولا يقصدون العلم، لا يقصدون تعليم الناس إنه هذه قراءة وهذه قراءة؛ لأنه هنا يقال:
أوردها سعد وسعد مشتمل ... ما هكذا يا سعد تورد الإبل
اللِّي بِدّه يعلم الناس ما بيجي بيتفنن ويتفلسف، مرة هيك ومرة هيك ومرة هيك، وأي إنسان عنده ذاكرة لا يحفظ هذه القراءة والثانية والثالثة إلى آخره.
لكن إذا قرأ سورة ما على قراءةٍ ما، وبدا له أن يقرأ آيةً ما على قراءة أخرى، آية ما من أجل التعليم والتذكير، وكان في محضر وفي مُجْتَمع مُسْتَعِد لِتَقَبُّل مثل هذا التوجيه وهذا التعليم فله ذلك؛ لأنه الحقيقة نحن دائماً ندعو بالرجوع إلى السنة واتباع السلف، هذه القراءات كيف كان النبي ﷺ يقرؤها؟ يقرؤها كما يتيسر له تارةً هكذا وتارةً هكذا، ليس على هذه الطريقة الفوضوية اللِّي بتضيِّع الإنسان عن المقصود من التلاوة، وهو التدبر كما ذكرنا آنفاً في الآية الكريمة: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢].
ولذلك وقعت بعض القصص في زمن الرسول ﵇، عمر مثلاً سمع رجلاً يقرأ آية على غير القراءة التي كان هو يحفظها، فتخاصم هو وإياه وأخذوا عند الرسول ﵇، وقال له: أنا سمعت هذا الرجل يقرأ فأجابه ﵇: بأنه هكذا أُنزل، ثم أمرهم ألا يختلفوا بالقرآن.
قصدي أن أقول: إن الرسول كان يقرأ تارةً هكذا وتارةً هكذا، فكل إنسان من الصحابة حفظ شيئاً نقله إلى الآخرين.
ثم قبض لهذه القراءات علماء جمعوها، كما فعل أئمة المذاهب الأربعة بالفقه تماماً.
فلا يجوز لمسلم أن يتعصب لمذهب على مذهب، كما لا يجوز أن يتعصب لقراءة على قراءة.
стр. 1580
لكن ما صح في أيِّ مذهب وافق الكتاب والسنة تبناه، وما صح في أيِّ قراءة من القراءات المعروفة تبناها أيضاً، دون أن يُوْجَد فُرْقَة أو خلافاً بين المسلمين.
(الهدى والنور/٣٢٧/ ١٣: ٣٦: ٠٠)