← Фикх общий

Фикх общий · id 145204

جامع تراث العلامة الألباني في الفقه

ناصر الدين الألباني

Полный текст (8 195 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

فإذاً: إذا قرأ الإمام قراءة ثابتة ومُتَلَقَّاة من أهل العلم المتخصصين، الأصل أنه لا شيء في ذلك، ولكن يجب أن لا يفاجئ الناس بما لا يعلمون، وأن يُمَهِّد لما يريد أن يُعَلِّمهم به. السؤال: نفس الموضوع يعني، هناك من يقول: بأن الرسول ﷺ أو الصحابة الكرام ﵃، لم يُنْقَل لنا عنهم بأنهم قرؤوا بخلط الرواية. الشيخ: خلط الرواية؟ السائل: خلط الرواية، فيعتبروا أن هذا الأمر بدعة، خلط الرواية، أو قراءة الرواية في بلد آخر، مثلاً البلاد العربية هنا تقرأ لحفص، فإذا قرأت لهم بورش في رواية كاملة دون الخلط أيضاً يُنْكرون هذا. الشيخ: هذا الذي أجبت عنه، أما الآن ففي كلامك سؤال ثاني، وهو الخلط بين قراءتين في آن واحد. السائل: يقولوا: إن هذه بدعة، وما ورد عن الرسول ﷺ أنه قرأ بالخلط أو الصحابة الكرام. الشيخ: نعم، هذا ينبغي الجواب عنه: الحقيقة أن هذه الشبهة أو هذا الاعتراض سمعته من بعضهم من قديم. الذين يقولون: هذا بدعة هم شأنهم شأن المقلدة في المذاهب الأربعة، أي: كما أن المُقَلِّدين للمذاهب، اليوم عامة أهل العلم والمشايخ المعروفين يوجبون على عامة المسلمين أن يتمذهبوا بمذهب واحد من هذه المذاهب الأربعة. فإذا المسلم عاش مثلاً بين أقوام يتمذهبون بمذهب أبي حنيفة، ثم ثبت لديه مسألة ليست مُقَرَّرة في مذهبه وإنما في مذهب غيره كالشافعي أو مالك مثلاً، فهم يُوْجِبون عليه التزام المذهب ولا يُجِيزون له أن يعمل بما ثبت في المذهب الآخر. وهذا نحن نراه خطأ أحياناً، ونراه صواباً أحياناً أخرى، أي: هذا الإنكار تارةً يكون خطأً وتارة يكون صواباً.

стр. 1577

يكون خطأ إذا كان المتمذهب بالمذهب المُعَيَّن اتبع رأياً في مذهب آخر اتباعاً لهواه، وكما يقول العلماء والفقهاء: تَتَبُّعاً للرخص، هذا يُنْكَر عليه. أما إذا أخذ برأي في مذهب آخر؛ لأنه اقتنع به وبدليله، فهذا هو الواجب عليه، ومن يُنْكِر عليه يكون مخطئاً. هذا طبعاً خلاصة الجواب، وهذا يحتاج إلى بحث طويل، ولكن أُمَهِّد به للإجابة عن الخلط بين القراءات. فأقول: كما أن المذاهب الأربعة، كل إمام يأخذ بما ترجح عنده من العلم، كذلك القراء السبعة أو العشرة، كل منهم يأخذ بما ثبت لديه. علماً بأن مجال الخطأ في المسائل الفقهية، أكثر من الخطأ في القراءات المتوارثة أو المتواترة كما يقولون؛ ذلك لأن المسائل الفقهية يَدْخُلها الاجتهاد، يدخلها القياس، فَيُمْكِن أن يقع المجتهد في خطأ فَيُؤْجَر عليه، أما القراءات فهي مستندة على النقل فقط. إذا كان هذا معروفاً، فحينئذٍ: إذا كان هذا القارئ على قراءة حفص، ثبت لديه قراءة ورش في آية ما، فجمع في قراءة واحدة بين قراءة حفص في آية وقراءة ورش في آية أخرى، هذا كالذي جمع بين التَمَذْهُب بالمذهب الحنفي، والتمذهب في مسألة واحدة أو أخرى في المذهب الشافعي؛ لأن ذلك ثبت لديه. فقولهم: إن هذا بدعة، هو في الواقع حسب وجهة نظري غفلة عن أنه منبع أئمة القراء هو كمنبع أئمة المذاهب الأربعة، هو الرسول ﵇، مع الفارق الكبير الذي ذكرته آنفاً أن الأئمة في الفقة يمكن أن يقولوا قولاً بالاجتهاد والرأي، أما في القراءة ما فيه إلا التلقي والنقل، فيكون هنا الأمر: أن الرسول قرأ بقراءة حفص أكيد، وقرأ بقراءة ورش أكيد، فما المانع أن يقرأ الإنسان بهذه وبهذه. وليس عند القُرَّاء أبداً دليل، وهذا مستحيل أن يكون أن الرسول قرأ بقراءة حفص أحياناً، وتارة أخرى قرأ بقراءة ورش، وإلى آخر ما هنالك من القراءات

стр. 1578

المعروفين، لا يوجد شيء من هذا. لكن كل واحد أخذ بما ثبت لديه، أي: أن الرسول كان يقرأ بهذا وكان يقرأ بهذا وكان يقرأ بهذا. من أشهر الأشياء التي ممكن يفهمها الناس كلهم: الفاتحة فيها قراءتان متواترتان، فيما يتعلق «بمالك يوم الدين» «وملك يوم الدين» فالرسول ﵇ كان يقرأ مرة مالك ومرة ملك. لكن ما كان يلتزم أنه إذا قرأ مالك فهو يقرأ ما بعده على مذهب حفص؛ لأنه حينئذٍ نقول كما يتوهم بعض الجهلة أن الرسول كان حنفياً أو كان شافعياً، هذا ما يقوله إنسان؛ لأن المذاهب متأخرة عن رسول الله ﷺ ، فهم يتلقون منه ليس العكس تماماً. لذلك: المهم إذا ثبت قراءة من القراءات فيجوز للقارئ أن يقرأ بهذه وأن يقرأ بهذه، ولا مانع من ذلك، والذي يقول هذا بدعة حَسْبُنا أن نقول له: «هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين» ولا يستطيع إلى ذلك سبيلاً. (الهدى والنور / ٢٦٠/ ٥٣: ٢٩: ٠٠) (الهدى والنور / ٢٦٠/ ٠٥: ٤٥: ٠٠) القراءة بالروايات المختلفة في الصلاة مداخلة: هنا مسألة القراءات، رجل يريد أن يقرأ مثلاً سورة الصف، فقرأ كل آية بقراءة تختلف عن الآية التي تلحقها أو كل آية بحرف يختلف عن الآية التي تلحقها، هل هذا جائز في المجلس الواحد؟ الشيخ: نعم. مداخلة: هل فعله هذا جائز؟

стр. 1579

الشيخ: هذا بارك الله فيك يختلف باختلاف النِّية، اللِّي بنسمعه نحن من القراء لا يجوز إطلاقاً؛ لأنهم يقصدون الفن، ولا يقصدون العلم، لا يقصدون تعليم الناس إنه هذه قراءة وهذه قراءة؛ لأنه هنا يقال: أوردها سعد وسعد مشتمل ... ما هكذا يا سعد تورد الإبل اللِّي بِدّه يعلم الناس ما بيجي بيتفنن ويتفلسف، مرة هيك ومرة هيك ومرة هيك، وأي إنسان عنده ذاكرة لا يحفظ هذه القراءة والثانية والثالثة إلى آخره. لكن إذا قرأ سورة ما على قراءةٍ ما، وبدا له أن يقرأ آيةً ما على قراءة أخرى، آية ما من أجل التعليم والتذكير، وكان في محضر وفي مُجْتَمع مُسْتَعِد لِتَقَبُّل مثل هذا التوجيه وهذا التعليم فله ذلك؛ لأنه الحقيقة نحن دائماً ندعو بالرجوع إلى السنة واتباع السلف، هذه القراءات كيف كان النبي ﷺ يقرؤها؟ يقرؤها كما يتيسر له تارةً هكذا وتارةً هكذا، ليس على هذه الطريقة الفوضوية اللِّي بتضيِّع الإنسان عن المقصود من التلاوة، وهو التدبر كما ذكرنا آنفاً في الآية الكريمة: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢]. ولذلك وقعت بعض القصص في زمن الرسول ﵇، عمر مثلاً سمع رجلاً يقرأ آية على غير القراءة التي كان هو يحفظها، فتخاصم هو وإياه وأخذوا عند الرسول ﵇، وقال له: أنا سمعت هذا الرجل يقرأ فأجابه ﵇: بأنه هكذا أُنزل، ثم أمرهم ألا يختلفوا بالقرآن. قصدي أن أقول: إن الرسول كان يقرأ تارةً هكذا وتارةً هكذا، فكل إنسان من الصحابة حفظ شيئاً نقله إلى الآخرين. ثم قبض لهذه القراءات علماء جمعوها، كما فعل أئمة المذاهب الأربعة بالفقه تماماً. فلا يجوز لمسلم أن يتعصب لمذهب على مذهب، كما لا يجوز أن يتعصب لقراءة على قراءة.

стр. 1580

لكن ما صح في أيِّ مذهب وافق الكتاب والسنة تبناه، وما صح في أيِّ قراءة من القراءات المعروفة تبناها أيضاً، دون أن يُوْجَد فُرْقَة أو خلافاً بين المسلمين. (الهدى والنور/٣٢٧/ ١٣: ٣٦: ٠٠)

стр. 1581

التجوز في الصلاة

стр. 1582

التجوّز في الصلاة لعارض وكان يقول: «إني لأدخل في الصلاة، وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوّز في صلاتي؛ مما أعلم من شدة وَجْدِ أمه من بكائه». قوله: «الوجد»: قال النووي في شرح مسلم: «الوجد» يطلق على الحزن، وعلى الحب أيضاً، وكلاهما سائغ هنا، والحزن أظهر؛ أي: من حزنها واشتغال قلبها به، وفيه دليل على الرفق بالمأمومين وسائر الأتباع، ومراعاة مصلحتهم، وأن لا يدخل عليهم ما يشق عليهم؛ وإن كان يسيراً من غير ضرورة، وفيه جواز صلاة النساء مع الرجال في المسجد، وأن الصبي يجوز إدخاله المسجد، وإن كان الأولى تنزيه المسجد عمن لا يُؤْمَنُ منه حدث. اهـ. [أصل صفة الصلاة (١/ ٣٩٣)] حكم إطالة الإمام الركوع إذا أحس بمأموم يريد إدراكه وقال الخطابي «١/ ٢٠١»: «فيه دليل على أن الإمام - وهو راكع - إذا أحس برجل يريد الصلاة معه؛ كان له أن ينتظره راكعاً؛ ليدرك فضيلة الركعة مع الجماعة؛ لأنه إذا كان له أن يحذف من طول الصلاة لحاجة الإنسان في بعض أمور الدنيا؛ كان له أن يزيد فيها لعبادة الله، بل هو أحق بذلك وأولى، وقد كرهه بعض العلماء، وشدد فيه بعضهم، وقال: أخاف أن يكون شركاً. وهو قول محمد بن الحسن». اهـ. قلت: هذا القول ذكره علماؤنا من قول أبي حنيفة، وأَوَّلوه بأنه أراد الشرك في العمل؛ لأن أول الركوع كان لله تعالى، وآخرَه للجائي. قالوا: ولا يكفر؛ لأنه ما أراد التذلل والعبادة له، وقالوا بكراهة إطالة الركوع لإدراك الجائي؛ إن عرفه، وإلا؛ فلا بأس به؛ أي: إن تركه أفضل. لكن قال ابن عابدين في «حاشيته» «١/ ٤٦٢»: «أقول: قصد الإعانة على إدراك الركعة مطلوب؛

стр. 1583

فقد شرعت إطالة الركعة الأولى في الفجر اتفاقاً، وكذا في غيره على الخلاف؛ إعانةً للناس على إدراكها؛ لأنه وقت نوم وغفلة - كما فهم الصحابة ذلك من فعله ﷺ . ونقل في «الحلية» عن عبد الله بن المبارك، وإسحاق، وإبراهيم، والثوري: أنه يستحب للإمام أن يسبح خمس تسبيحات؛ ليدرك من خلفه الثلاث». اهـ. فعلى هذا: إذا قصد إعانة الجائي؛ فهو أفضل، بعد أن لا يخطر بباله التودد إليه، ولا الحياء منه ونحوه. ولهذا نقل في «المعراج» عن «الجامع»: «لا ضير أنه مأجور؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى﴾». ثم قال ابن عابدين: «قال الطحاوي: ويظهر أن من التقرب إطالة الإمام الركوع؛ لإدراك مكبر لو رفع الإمام رأسه قبل إدراكه، يظن أنه أدرك الركعة - كما يقع لكثير من العوام -، فيسلم مع الإمام بناءً على ظنه، ولا يتمكن الإمام من أمره بالإعادة أو الإتمام». [أصل صفة الصلاة (١/ ٣٩٤)]

стр. 1584

تلخيص أحكام الجهر والإسرار في الصلوات الخمس وغيرها

стр. 1585

تلخيص أحكام الجهرُ والإسرارُ في الصَّلوَاتِ الخَمْسِ وغَيْرِها قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٦٤ - ٦٦: ويجهر بالقراءة في صلاة الصبح، والجمعة، والعيدين، والاستسقاء، والكسوف، والأوليين من صلاة المغرب والعشاء. ويسر بها في صلاة الظهر والعصر، وفي الثالثة من صلاة المغرب، والأخريين من صلاة العشاء. ويجوز للإمام أن يسمعهم الآية أحيانا في الصلاة السرية. وأما الوتر وصلاة الليل، فيسر فيها تارة، ويجهر تارة، ويتوسط في رفع الصوت. وقال في أصل الصفة: الجهرُ والإسرارُ في الصَّلوَاتِ الخَمْسِ: وكان ﷺ يجهر بالقراءة في صلاة الصبح، وفي الركعتين الأُوليَين من المغرب والعشاء، ويسر بها في الظهر والعصر، والثالثة من المغرب، والأُخْرَيَيْنِ من العشاء. وكانوا يعرفون قراءته ﷺ فيما يُسِرُّ به - باضطراب لحيته، وبإسماعه إياهم الآية أحياناً. قوله: «يجهر بالقراءة في صلاة الصبح، وفي الركعتين الأُوليَين من المغرب والعشاء، ويسر بها في الظهر والعصر، والثالثة من المغرب، والأُخْرَيَيْنِ من العشاء». ذكر النووي في «المجموع» «٣/ ٣٨٩» إجماع المسلمين على ذلك كله بنقل الخلف عن السلف، مع الأحاديث الصحيحة المتظاهرة على ذلك. قلت: وسيأتي بعضها في «ما كان يقرؤه ﷺ في الصلوات»، وممن نقل الاتفاق على ذلك: ابن حزم في «مراتب الإجماع» «٣٣»، وأقره شيخ الإسلام ابن تيمية. «وانظر يعرفون قراءته ﷺ فيما يُسِرُّ به - باضطراب لحيته، الإرواء «٣٤٥»».

стр. 1586

«يعرفون قراءته ﷺ فيما يُسِرُّ به - باضطراب لحيته» قال الحافظ: «فيه الحكم بالدليل؛ لأنهم حكموا باضطراب لحيته على قراءته، لكن لا بد من قرينة تُعَيِّن القراءة، دون الذكر والدعاء مثلاً؛ لأن اضطراب اللحية يحصل بكل منهما، وكأنهم نظروه بالصلاة الجهرية؛ لأن ذلك المحل منها هو محل القراءة لا الذكر والدعاء، وإذا انضم إلى ذلك قول أبي قتادة: كان يُسمِعنا الآية أحياناً. قوي الاستدلال. والله أعلم». [أصل صفة الصلاة (٢/ ٤١٣)] الجهر بالقراءة في صلاة الجمعة والعيدين والاستسقاء والكسوف وكان يجهر بها أيضاً في صلاة الجمعة، والعيدين، والاستسقاء، والكسوف. وقد نَقَلَ إجماعَ الأمة على الجهر في الجمعة ابن حزم في «مراتب الإجماع» «ص ٣٣»، وفي العيدين النووي في «المجموع» «٥/ ١٨». «الكسوف» المراد به: كسوف الشمس - قطعاً -؛ بدليل رواية سليمان بن كثير عند أحمد بلفظ: خسفت الشمس على عهد النبي ﷺ ، فأتى النبي ﷺ المصلى؛ فكبَّر، وكبَّر الناس، ثم قرأ، فجهر بالقراءة. .. الحديث. [صحيح]. [أصل صفة الصلاة (٢/ ٤١٥)] الجهر في الصبح والجمعة والأوليين من المغرب والعشاء حديث: «أن النبى ﷺ كان يجهر في الصبح والجمعة والأوليين من المغرب والعشاء» صحيح. وقد ذكر النووى في «المجموع» «٣/ ٣٨٩»: إجماع المسلمين على ذلك كله,

стр. 1587

بنقل الخلف عن السلف مع الأحاديث المتظاهرة على ذلك. وذكره نحوه ابن حزم في «مراتب الإجماع» «ص ٣٣» وأقره شيخ الإسلام ابن تيمية على ذلك. قلت: وإليك بعض الأحاديث التى أشار إليها النووى رحمه الله تعالى. الأول: عن قطبة بن مالك: «أنه سمع النبي ﷺ يقرأ في الفجر ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾. أخرجه مسلم «٢/ ٣٩ ـ ٤٠» وأبو عوانة «٢/ ١٥٩» والبخارى في «أفعال العباد» «٨١» والترمذى «٢/ ١٠٨ ـ ١٠٩» وابن ماجه «٨١٦» والدارمى «١/ ٢٩٧» والسراج «٣٠/ ١» وكذا ابن أبى شيبة «١/ ١٤٠/١» والطيالسى وأحمد «٤/ ٣٢٢». الثانى: عن عمرو بن حريث قال: «سمعت النبى ﷺ يقرأ في الفجر «إذا الشمس كورت». أخرجه مسلم «٢/ ٣٩» والنسائى «١/ ١٥١» والدارمى «١/ ٢٩٧» وابن أبى شيبة والسراج والبيهقى والطيالسى «١٠٥٥, ١٢١٠» وأحمد «٤/ ٣٠٦, ٣٠٧». وفى رواية عنه: «كأنى أسمع صوت النبى ﷺ يقرأ في صلاة الغداة ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوَارِي الْكُنَّسِ﴾. أخرجه أبو داود «٨١٧» وابن ماجه «٨١٧» وإسناده حسن. الثالث: عن أم هشام بنت حارثة بن النعمان قالت: «ما أخذت «ق والقرآن المجيد» إلا من وراء رسول الله ﷺ , كان يصلى بها في الصبح». أخرجه النسائى «١/ ١٥١» وأحمد «٦/ ٤٦٣» بإسناد حسن. الرابع: عن أبى هريرة يرويه عبيد الله بن أبى رافع قال: «استخلف مروان أبا هريرة على المدينة, وخرج إلى مكة فصلى لنا أبو هريرة الجمعة, فقرأ بعد سورة

стр. 1588

الجمعة في الركعة الآخرة «إذا جاءك المنافقون» قال: فأدركت أبا هريرة حين انصرف, فقلت له: إنك قرأت بسورتين كان على بن أبى طالب يقرأ بهما بالكوفة فقال أبو هريرة: «إني سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بهما في الجمعة». أخرجه مسلم «٣/ ١٥» واللفظ له وأبو داود «١١٢٤» والترمذى «٢/ ٣٩٦ ـ ٣٩٧» وابن ماجه «١١١٨». وقال الترمذى «حسن صحيح». وأما القراءة في الأوليين فلا أعلم في ذلك حديثا صريحا, فالعمدة في ذلك على الاتفاق الذى سبق نقله عن النووى. [إرواء الغليل تحت حديث رقم (٣٤٥)] الإسرار في صلاة النهار [روي عن النبي ﷺ أنه قال]: «إذا رأيتم من يجهر بالقراءة في النهار؛ فارموه بالبعر». لا أصل له بهذا اللفظ وقد ذكر ابن أبي شيبة في الباب آثاراً كثيرة، ليس فيها شيء مرفوع، وأصحها وأصرحها: ما رواه بسند صحيح عن ابن عمر: أنه رأى رجلاً يجهر بالقراءة نهاراً، فدعاه، فقال: إن صلاة النهار لا يجهر فيها؛ فأسر قراءتك. وهذا الأثر مما ينبغي الأخذ به؛ لمطابقته للسنة الثابتة عن النبي ﷺ في غير ما حديث، تجد بعضه في «صفة الصلاة»؛ إلا ما استثني من الصلوات التي جهر فيها ﷺ . السلسلة الضعيفة (١١/ ٢/ ٥٣٣). الجَهْرُ والإسْرارُ في القراءةِ في صلاةِ الليل وأما في صلاة الليل؛ فكان تارة يُسِرُّ، وتارة يَجْهَر.

стр. 1589

فالمصلي في الليل مخير بين الإسرار بالقراءة، والجهر بها، وبه يقول أبو حنيفة وصاحباه - كما في «شرح المعاني» -. [أصل صفة الصلاة (٢/ ٤١٩)] هل يجهر في نوافل النهار أو يُسِرّ قال عبد الحق في «التهجد» «٩٠/ ١»: «وأما النوافل في النهار؛ فلم يصح عنه ﷺ فيها إسرار ولا إجهار، والأظهر أنه كان يُسر فيها، وروي عنه ﷺ أنه مر بعبد الله بن حُذافة وهو يصلي بالنهار ويجهر فقال له: «يا عبد الله! سمِّع الله ولا تُسْمِعنا». وهذا الحديث ليس بالقوي». [أصل صفة الصلاة (٢/ ٤١٩)] التوسط بين الجهر والإسرار في صلاة الليل وكان إذا قرأ وهو في البيت؛ يسمع قراءته من في الحُجْرة، وهذا كناية عن التوسط بين الجهر والإسرار. [أصل صفة الصلاة (٢/ ٤٢١)] رفع الصوت في صلاة الليل وكان ربما رفع صوته أكثر من ذلك حتى يسمعه من كان على عريشه. «أي: خارج الحجرة». والحديث يعني أنه ﷺ كان إذا قرأ في بيته؛ يسمع قراءته من في البيت من أهله، ولا يخفى ذلك عليهم، ولا يتجاوز صوته إلى ما وراء الحجرات؛ لكونها قراءة متوسطة بين الجهر والإسرار، فلا هي في غاية الجهر، ولا في غاية الخفاء. والحجرة -

стр. 1590

على ما جزم في «لمصباح» -: البيت. وفي «الكشاف»: المرفق من الأرض المحجورة. أي: الممنوعة بحائط يحوطها عليها. وقال القسطلاني: المراد بالبيت: الدار، وبحجرتها: المحجر حولها بحجر، ويمنع من الدخول فيه، والاطلاع عليه. اهـ. من شرح «الشمائل» للمناوي. قلت: وقال شيخ الإسلام في «الرد على الأخنائي» «ص ١٩٣» بعد أن ذكر الآثار الواردة في بيوت أزواج النبي ﷺ ، والحجرات التي ضُمت إلى المسجد النبوي قال: «ولفظ الحجرة في هذه الآثار لا يراد به جملة البيت - كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ -؛ بل يراد ما يتخذ حجرة للبيت عندك؛ مثل الحريم للبيت، وكانت هذه من جريد النخل، بخلاف الحُجَر التي هي المساكن؛ فإنها كانت من اللَّبِن». قال: «ومما يوضح مسمى الحجرة التي قدام البيت ما في «سنن أبي داود» وغيره عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها». فَبَيَّنَ أنه كلما كان المكان أستر لها؛ فصلاتها فيه أفضل، فالمخدع أستر من البيت الذي تقعد فيه، والبيت أستر من الحجرة التي هي أقرب إلى الباب والطريق». فالظاهر من الحجرة في حديث ابن عباس هذا: هذه الحجرة التي عند الباب، لا البيت؛ لأنه خلاف الحجرة بنص هذا الحديث. [أصل صفة الصلاة (٢/ ٤٢١)] الأمر بالتوسط بين الجهر والإسرار في صلاة الليل وبذلك أمر أبا بكر وعمر ﵄؛ وذلك حينما خرج ليلة فإذا هو بأبي بكر ﵁ يصلي يخفض من صوته، ومَرَّ بعمر بن الخطاب ﵁، وهو يصلي رافعاً صوته، فلما اجتمعا عند النبي ﷺ ؛ قال: «يا أبا بكر! مررت بك

стр. 1591

وأنت تصلي تخفض من صوتك؟ ». قال: قد أسمعتُ من ناجيتُ يا رسول الله! وقال لعمر: «مررت بك وأنت تصلي رافعاً صوتك؟ ». فقال: يا رسول الله! أُوْقِظُ الوَسْنَانَ، وأَطْرُدُ الشيطان. فقال النبي ﷺ : «يا أبا بكر! ارفع من صوتك شيئاً». وقال لعمر: «اخفض من صوتك شيئاً». قال ابن العربي في «عارضة الأحوذي»: «اختلف الناس في أي المقامين أفضل: هل التناجي سراً مع المولى، أم الجهر؛ لما في ذلك من تضاعف الأجر في تذكرة الغافل، وطرد العدو؟ وما حكم به النبي ﷺ فيه أعدل شاهد؛ فإنه ﷺ لم يُزِلْ أبا بكر عن صفته، ولا عمر، وقال لهذا: «ارفع من صوتك قليلاً»؛ حتى يقتدي بك من يسمعك. وقال لعمر: «اخفض من صوتك»؛ لئلا يتأذى بك من يحتاج إلى النوم. وهذا إنما كان في حق أبي بكر للقطع في خُلُوصِ نيته، وسلامته عن الرياء، وتصديقه له في قوله: أسمعتُ من ناجيتُ. وأما غيره؛ فالسر له أفضل؛ لأنه أقرب إلى الإخلاص، وأسلم من الآفات. وقد ثبت عن عائشة في «الصحيح»: أن النبي ﷺ ربما أسر في قراءته، وربما جهر. فقال الراوي له عن عائشة: الحمد لله الذي جعل في الأمر سَعَةً. فيقرأ كل أحد بما قدر عليه من نشاطه وكسله، وبما سلم من إخلاصه، أو خوفه الرياءَ والتصنعَ على نفسه. [أصل صفة الصلاة (٢/ ٤٢٤)]

стр. 1592

الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة والمسر به كالمسر بالصدقة وكان يقول: «الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمُسِرُّ بالقرآن كالمُسِرِّ بالصدقة». وقد قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ﴾. قال الترمذي: «ومعنى هذا الحديث: إن الذي يُسِرُّ بقراءة القرآن أفضل من الذي يجهر بها؛ لأن صدقة السر أفضل عند أهل العلم من صدقة العلانية. وإنما معنى هذا عند أهل العلم: لكي يأمن الرجلُ من العُجب؛ لأن الذي يُسِرّ العمل لا يخاف عليه العُجب ما يُخاف عليه من علانيته». قال السندي: «لكن الذي يقتضيه أمره ﷺ لأبي بكر: «ارفع من صوتك»: أن الاعتدال في القراءة أفضل؛ فإما أن يحمل الجهر في الحديث على المبالغة، والسر على الاعتدال. أو على أن هذا الحديث محمول على ما إذا كان الحال يقتضي السر، وإلا؛ فالاعتدال في ذاته أفضل». قلت: والاحتمال الثاني أظهر. والله أعلم. [أصل صفة الصلاة (٢/ ٤٢٧)]

стр. 1593

ما كان يقرؤه ﷺ في كل صلاة

стр. 1594

اختلاف ما كانَ يقرؤه ﷺ في الصلوات باختلافها قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٥٧ - ٦٠: - وتختلف القراءة باختلاف الصلوات، فالقراءة في صلاة الفجر أطول منها في سائر الصلوات الخمس، ثم الظهر، ثم العصر والعشاء، ثم المغرب غالبا. والقراءة في صلاة الليل أطول من ذلك كله. والسنة إطالة القراءة في الركعة الأولى أكثر من الثانية. وأن يجعل القراءة في الأخريين أقصر من الأوليين، قدر النصف. وقال في أصل الصفة: وأما ما كان يقرؤه ﷺ في الصلوات من السور والآيات؛ فإن ذلك يختلف باختلاف الصلوات الخمس وغيرها. [أصل صفة الصلاة (٢/ ٤٢٩)] القراءة في الصلاة بأواخر السور [قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]: قوله في قراءة سورة بعينها: «وأما قراءة أواخر السور وأوساطها فلم يحفظ عنه». قلت: هذا بالنسبة لأوساط السور مسلم أما الأواخر فلا ولذلك قلت في «التعليقات الجياد»: «يستدرك عليه بما ذكره المؤلف نفسه أعني ابن القيم في «رسالة الصلاة» ص ٢٠٧ حيث قال: «ولم ينقل أحد عنه أنه قرأ آية من سورة أو بآخرها إلا في سنة الفجر فإنه كان يقرأ فيها بهاتين الآيتين: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية».

стр. 1595

قلت: أخرجه مسلم ٢/ ١٦١ وغيره من حديث ابن عباس. قلت: وقد ذكر هذا الحديث المؤلف في الجزء الثاني من القطع الصغير تحت عنوان سنة الفجر ما يقرأ فيها فكان عليه أن يستدرك به على ما ذكره عن ابن القيم ولو أن يشير إليه على الأقل. [تمام المنة ص (١٨١)] ما كانَ يقرؤه ﷺ في صلاة الفجر صلاةُ الفجر: كان ﷺ يقرأ فيها بطوال المفصل؛ فـ «كان - أحياناً - يقرأ: «الوَاقِعَة» «٥٦: ٩٦» ونحوها من السور في الركعتين». وقرأ من سورة «الطُّور» «٥٢: ٤٩»؛ وذلك في حجة الوداع. وكان - أحياناً - يقرأ: ﴿ق. وَالقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ «٥٠: ٤٥» ونحوها في [الركعة الأولى]. وكان - أحياناً - يقرأ بقصار المفصل كـ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ «٨١: ٢٩». وقرأ مرةً: ﴿إِذَا زُلْزِلَتْ﴾ «٩٩: ٨» في الركعتين كلتيهما؛ حتى قال الراوي: فلا أدري؛ أنَسِيَ رسول الله ﷺ أم قرأ ذلك عمداً؟ ! . وقرأ مرة في السفر المعوذتين: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ «١١٣: ٥»، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ «١١٤: ٦». وقال لعقبة بن عامر ﵁: «اقرأ في صلاتك المعوذتين؛ [فما تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بمثلهما]». وكان أحياناً يقرأ بأكثر من ذلك، فـ «كان يقرأ ستين آية فأكثر»؛ قال بعض رواته: «لا أدري في إحدى الركعتين أو في كلتيهما؟ ». وكان يقرأ بسورة «الرُّوم» «٣٠: ٦٠».

стр. 1596

وأحياناً بسورة «يس» «٣٦: ٨٣». ومرة «صلى الصبح بمكة؛ فاستفتح سورة «المُؤْمِنِين» «٢٣: ١١٨»، حتى جاء ذكر موسى وهارون - أو: ذكر عيسى. شك بعض الرواة -؛ أخذته سَعْلَة؛ فركع». وكان أحياناً يؤمهم فيها بـ: «الصَّافَّات» «٣٧: ١٨٢». المفصل: هي السُّبُعُ الأخير من القرآن؛ أوَّله سورة «ق»، هذا هو الأرجح. قال الشوكاني «٢/ ١٩٧»: «والحديث استُدل به على مشروعية ما تضمنه من القراءة في الصلوات؛ لما عرفت من إشعار لفظ: «كان» بالمداومة». قيل: في الاستدلال به على ذلك نظر؛ لأن قوله: «أشبه صلاة» يحتمل أن يكون في معظم الصلاة، لا في جميع أجزائها. وقد تقدم نظير هذا. ويمكن أن يقال في جوابه: إن الخبر ظاهر في المشابهة في جميع الأجزاء؛ فيحمل على عمومه حتى يثبت ما يخصصه. اهـ. قوله: «فلا أدري؛ أنَسِيَ رسول الله ﷺ أم قرأ ذلك عمداً؟ ! » تَرَدَّدَ الصحابي في أن إعادة النبي ﷺ للسورة؛ هل كان نسياناً؛ لكون المعتاد من قراءته أن يقرأ في الركعة الثانية غير ما قرأ به في الأولى؛ فلا يكون مشروعاً لأمته. أو فَعَلَه عمداً لبيان الجواز؛ فتكون الإعادة مترددة بين المشروعية وعدمها؟ وإذا دار الأمر بين أن يكون مشروعاً أو غير مشروع؛ فَحَمْلُ فِعلِه ﷺ على المشروعية أولى؛ لأن الأصل في أفعاله التشريع، والنسيان على خلاف الأصل. كذا في «نيل الأوطار». «والظاهر أنه ﵇ فعل ذلك عمداً للتشريع». قوله: «ذكر موسى وهارون - أو: ذكر عيسى». أما ذكر موسى؛ فهو في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾. وأما عيسى؛ ففي الآية التي بعد هذه بأربع آيات، وهي: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾.

стр. 1597

قوله: «سَعْلَة» بفتح أوله من السعال، ويجوز الضم. هل يُبطل السعال الصلاة قال الإمام معلقًا على حديث أن النبي ﷺ صلى الصبح بمكة؛ فاستفتح سورة «المُؤْمِنِين» «٢٣: ١١٨»، حتى جاء ذكر موسى وهارون - أو: ذكر عيسى. شك بعض الرواة -؛ أخذته سَعْلَة؛ فركع: استُدِل به على أن السعال لا يبطل الصلاة. قال الحافظ «٢/ ٢٠٣»: «وهو واضح فيما إذا غلبه». [أصل صفة الصلاة (٢/ ٤٢٩)] القراءة في صلاة الفجر وسنة الفجر [روي عن النبي ﷺ أنه قال]: «من قرأ في الفجر بـ «ألم نشرح» و «ألم تر كيف» لم يرمد. لا أصل له. [قال الإمام]: قال السخاوي «ص ٢٠٠»: لا أصل له، سواء أريد بالفجر هنا سنة الصبح أو الصبح لمخالفته سنة القراءة فيهما. يشير إلى أن السنة في سنة الفجر ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾، وفي فرض الفجر قراءة ستين آية فأكثر على ما هو مفصل في كتابي «صفة صلاة النبي ﷺ ». السلسلة الضعيفة (١/ ١٦٦ - ١٦٧). شهود الملائكة لقرآن الفجر ثابت أما شهود الله تعالى له فلا [قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]: قوله: «وهذا لأن قرآن الفجر مشهود يشهده الله تعالى وملائكته». قلت: أما شهود الملائكة فصحيح ثابت عنه ﷺ وأما شهود الله تعالى فلم يرد

стр. 1598

إلا في حديث أبي الدرداء مرفوعا أخرجه ابن نصر في «قيام الليل» ص ٣٦ وابن جرير في «التفسير» وفي سنده زيادة عن محمد بن كعب القرظي وزيادة منكر الحديث كما قال البخاري وغيره. وقد ذكر الحافظ ابن كثير ٣/ ٥٤ أنه تفرد بهذا الحديث وساقه الذهبي في ترجمة زيادة ثم عقبه بقوله: «فهذه ألفاظ منكرة لم يأت بها غير زيادة». [تمام المنة ص (١٨٢)] قطع القراءة لعارض السعال ونحوه من العوارض قال الإمام معلقًا على حديث أن النبي ﷺ صلى الصبح بمكة؛ فاستفتح سورة «المُؤْمِنِين» «٢٣: ١١٨»، حتى جاء ذكر موسى وهارون - أو: ذكر عيسى. شك بعض الرواة -؛ أخذته سَعْلَة؛ فركع: قال الحافظ: «ويؤخذ منه أن قطع القراءة لعارض السعال ونحوه أولى من التمادي في القراءة مع السعال والتنحنح، ولو استلزمَ تخفيفَ القراءة فيما استُحِب فيه تطويلُها». وقال النووي في «شرح مسلم»: «وفي الحديث جواز قطع القراءة، والقراءة ببعض السورة، وهذا جائز بلا خلاف، ولا كراهة فيه؛ إن كان القطع لعذر، وإن لم يكن له عذر؛ فلا كراهة فيه أيضاً، ولكنه خلاف الأولى. هذا مذهبنا ومذهب الجمهور، وبه قال مالك في رواية عنه، والمشهور عنه كراهته». قلت: والحديث لا يرِد عليه؛ لأنه كان لضرورة، وإنما يرِد عليه ما سيأتي في «سنة الصبح» و «صلاة المغرب» من اقتصاره ﷺ على بعض السورة. [أصل صفة الصلاة (٢/ ٤٤٢)]

стр. 1599

القراءة في فجر الجمعة وكان يصليها يوم الجمعة بـ: «الم. تَنْزِيلُ»: «السَّجْدَة» «٣٢: ٣٠» [في الركعة الأولى، وفي الثانية] بـ: «هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ» «٧٦: ٣١». «فائدة»: قال في «الزاد» «١/ ٧٤ و ١٤٢»: «وإنما كان ﷺ يقرأ هاتين السورتين؛ لما اشتملتا عليه من ذكر المبتدأ والمعاد، وخلق آدم، ودخول الجنة والنار؛ وذلك مما كان ويكون في يوم الجمعة، فكان يقرأ في فجرها ما كان ويكون في ذلك اليوم؛ تذكيراً للأمة بحوادث هذا اليوم». وقال: «وكان يقرؤهما كاملتين، ولم يفعل ما يفعله كثير من الناس اليوم من قراءة بعض هذه وبعض هذه، وقراءةِ «السَّجْدَة» وحدها في الركعتين؛ وهي خلاف السنة! وأما ما يظنه كثير من الجهال: أن صبح يوم الجمعة فُضِّلت بسجدة؛ فجهل عظيم! ولهذا كره بعض الأئمة قراءة سورة «السَّجْدَة» لأجل هذا الظن! ». ومن هؤلاء الأئمة الذين كرهوا ذلك مالكٌ؛ خلافاً للشافعي وأحمد وأصحاب الحديث؛ فإنهم استحبوا قراءتها، وقد نص صاحب «المحيط» من علمائنا على ذلك؛ قال: «بشرط أن يقرأ غير ذلك أحياناً؛ لئلا يظن الجهال أنه لا يجزئ غيره». قلت: وهذا معقول؛ فقد كنت صيف سنة «١٣٦٩» في المصيف المشهور «مَضَايا»، وحضرت لصلاة الصبح، فصليت بهم إماماً، فقرأت في الأولى من سورة «يُوسُف»، ثم كبرت للركوع، وإذا بمن خلفي يهوون أكثرهم إلى السجود؛ لغفلتهم عمَّا يُقرأ عليهم وكأنهم أعاجم، ولغلبة العادة عليهم! ! [أصل صفة الصلاة (٢/ ٤٤٤)] تطويل القراءة في الركعة الأولى من الفجر وتقصير الثانية وكان يُطَوّل في الركعة الأولى، ويُقَصِّر في الثانية. [أصل صفة الصلاة (٢/ ٤٤٧)]

стр. 1600

إطالة القراءة في الفجر حتى يخرج منها في الإسفار حديث: «أسفروا بالفجر فانه أعظم للأجر» رواه أحمد وغيره. صحيح. تنبيه: قال الترمذى عقب الحديث: «وقد رأى غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبى ﷺ والتابعين الإسفار بصلاة الفجر. وبه يقول سفيان الثورى. وقال الشافعى وأحمد وإسحاق: معنى الإسفار أن يضح الفجر, فلا يشك فيه ولم يرو أن معنى الإسفار تأخير الصلاة». قلت: بلى المعنى الذى يدل عليه مجموع ألفاظ الحديث إطالة القراءة في الصلاة حتى يخرج منها في الإسفار ومهما أسفر فهو أفضل وأعظم للأجر. كما هو صريح بعض الألفاظ المتقدمة, فليس معنى الإسفار إذن هو الدخول في الصلاة في وقت الإسفار كما هو المشهور عن الحنفية, لأن هذا السنة الصحيحة العملية التى جرى عليها رسول الله ﷺ كما تقدم في الحديث الذى قبله, ولا هو التحقق من دخول الوقت كما هو ظاهر كلام أولئك الأئمة, فإن التحقق فرض لابد منه, والحديث لا يدل إلا على شيء هو أفضل من غيره لا على ما لابد منه كما هو صريح قوله « ... فإنه أعظم للأجر» زد على ذلك أن هذا المعنى خلاف قوله في بعض ألفاظ الحديث: « ... فكلما أصبحتم بها فهو أعظم للأجر». وخلاصة القول أن الحديث إنما يتحدث عن وقت الخروج من الصلاة, لا الدخول, فهذا أمر يستفاد من الأحاديث الأخرى وبالجمع بينها وبين هذا نستنتج أن السنة الدخول في الغلس والخروج في الإسفار, وقد شرح هذا المعنى الإمام الطحاوى في «شرح المعانى» وبينه أتم البيان بما أظهر أنه لم يسبق إليه واستدل على ذلك ببعض الأحاديث والآثار وختم البحث بقوله: «فالذى ينبغى الدخول في الفجر في وقت التغليس, والخروج منها في وقت الإسفار على موافقة ما روينا عن رسول الله ﷺ وأصحابه. وهو قول أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد بن الحسن

стр. 1601

رحمهم الله تعالى». وقد فاته ﵀ أصرح حديث يدل على هذا الجمع من فعله ﵊ وهو حديث أنس رضى الله عنه قال: «كان رسول الله ﷺ يصلى. .. الصبح إذا طلع الفجر إلى أن ينفسح البصر». أخرجه أحمد بسند صحيح كما تقدم بيانه في آخر تخريج الحديث السابق. وقال الزيلعى «١/ ٢٣٩»: «هذا الحديث يبطل تأويلهم الإسفار بظهور الفجر» وهو كما قال رحمه الله تعالى. [إرواء الغليل تحت حديث رقم (٢٥٨)]

стр. 1602

القراءةُ في سُنَّةِ الفَجْرِ

стр. 1603

تخفيف القراءة في سنة الفجر وأما قراءته في ركعتي سنة الفجر؛ فكانت خفيفة جدّاً؛ حتى إن عائشة ﵂ كانت تقول: هل قرأ فيها بـ: «أم الكتاب»؟ ! . قال القرطبي: «ليس معنى هذا أنها شكت في قراءته ﷺ «الفَاتِحَة»، وإنما معناه: أنه كان يطيل في النوافل، فلما خفف في قراءة ركعتي الفجر؛ صار كأنه لم يقرأ بالنسبة إلى غيرها من الصلوات». كذا في «الفتح». وقال نحوه النووي في «شرح مسلم». ثم قال: فيه استحباب تخفيف سنة الصبح، وهو مذهب مالك والشافعي والجمهور. وقال بعض السلف: لا بأس بإطالتها، ولعله أراد أنها ليست محرمة، ولم يخالف في استحباب التخفيف. وقد بالغ قوم؛ فقالوا: لا قراءة فيهما أصلاً! وهو غلط بيّن؛ فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة: أن رسول الله ﷺ كان يقرأ فيهما بعد «الفَاتِحَة» بـ: «قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ» و: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ»، وفي رواية: «قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ» و: «قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ». وثبت في الأحاديث الصحيحة: «لا صلاة إلا بقراءة» و «لا صلاة إلا بـ: «أم القرآن»». ولا تجزئ صلاة لا يُقرأ فيها بـ: «أم القرآن». [أصل صفة الصلاة (٢/ ٤٤٨)] ما كان يقرؤه ﷺ في سنة الفجر وكان - أحياناً - يقرأ بعد «الفَاتِحَة» في الأولى منهما آية: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ

стр. 1604

مُسْلِمُونَ﴾ «٢: ١٣٦». وفي الأخرى منهما: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ «٣: ٦٤». وربما قرأ بَدَلَها: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ «٣: ٥٢». - وأحياناً يقرأ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ «١٠٩: ٦» في الأولى، و: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ «١١٢: ٤» في الأخرى. قال النووي «٣/ ٣٨٥»: «ونص الشافعي في «البويطي» على استحباب القراءة بهما فيهما. وإلى هذا ذهب علماؤنا - كما في «الفتح» «١/ ٢٢٨» -. [أصل صفة الصلاة (٢/ ٤٥٠)] فضل سورتي (قل يأيها الكافرون) و (قل هو الله أحد) «وكان يقول: «نِعْمَ السُّورتانِ هما»». وسمع رجلاً يقرأ السورة الأولى في الركعة الأولى؛ فقال: «هذا عبد آمن بربه». ثم قرأ السورة الثانية في الركعة الأخرى؛ فقال: «هذا عبد عرف ربه». [أصل صفة الصلاة (٢/ ٤٥٦)] إطالة النبي ﷺ للقراءة في صلاة الظهر وكان ﷺ يقرأ في الركعتين الأوليين بـ: «فاتحة الكتاب» وسورتين، ويُطَوِّلُ في الأولى ما لا يُطَوِّل في الثانية. وكان - أحياناً - يطيلها، حتى إنه كانت صلاة الظهر تقام، فيذهب الذاهب

стр. 1605

إلى البقيع، فيقضي حاجته، [ثم يأتي منزله]، ثم يتوضأ، ثم يأتي ورسول الله ﷺ في الركعة الأولى؛ مما يُطَوِّلُها. وكانوا يظنون أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى. واستدل به بعض الشافعية على جواز تطويل الإمام في الركوع لأجل الداخل؛ قال القرطبي: «ولا حجة فيه؛ لأن الحكمة لا يعلل بها؛ لخفائها، أو لعدم انضباطها». كذا في «الفتح». [أصل صفة الصلاة (٢/ ٤٥٧)] ما كان يقرؤه ﷺ في الظهر وكان يقرأ في كل من الركعتين قدر ثلاثين آية؛ قدر قراءة «الم. تَنْزِيلُ»: «السَّجْدَة» «٢٢: ٣٠» وفيها «الفَاتِحَة». وكانوا يسمعون منه النَّغْمَةَ بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ «٨٧: ١٩»، و: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ﴾ «٨٨: ٢٦». وكان أحياناً يقرأ بـ: ﴿السَّمَاءِ ذَاتِ البُرُوجِ﴾ «٨٥: ٢٢»، وبـ: ﴿السَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ «٨٦: ١٧» ونحوهما من السور. وأحياناً يقرأ بـ: ﴿اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ «٩٢: ٢١» ونحوها. «وربما قرأ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾، ونحوها». [أصل صفة الصلاة (٢/ ٤٦٢)]

стр. 1606

معرفة الصحابة لقراءة النبي ﷺ في الظهر والعصر باضطراب لحيته وكانوا يعرفون قراءته في الظهر والعصر باضطراب لحيته. [أصل صفة الصلاة (٢/ ٤٦٢)] إسماع النبي ﷺ الآية لمن خلفه في السرية أحيانًا وكان يسمعهم الآية أحياناً. قال الحافظ «٢/ ١٩٤»: واستُدل به على جواز الجهر في السرية، وأنه لا سجود سهو على من فعل ذلك؛ خلافاً لمن قال ذلك من الحنفية وغيرهم، سواء قلنا: كان يفعل ذلك عمداً؛ لبيان الجواز، أو بغير قصد؛ للاستغراق في التدبر. وفيه حجة على من زعم أن الإسرار شرط لصحة الصلاة السرية. وقوله: «أحياناً»: يدل على تَكرر ذلك منه. قلت: والظاهر من الحديث أنه ﵊ كان يفعل ذلك عمداً، ومما يؤيد ذلك أنه ثبت مثله عن بعض الصحابة - والظاهر أنهم لا يفعلون ذلك إلا بتوقيف -؛ فأخرج الطحاوي «١/ ١٢٣» عن جميل بن مُرَّة وحكيم: أنهم دخلوا على مُوَرِّقٍ العِجْلي، فصلى بهم الظهر، فقرأ بـ: «ق» و «الذَّارِيَات» أسمعهم بعض قراءته، فلما انصرف؛ قال: صليت خلف ابن عمر؛ فقرأ بـ: «ق» و «الذَّارِيَات»، وأسمعَنا نحو ما أسمعناكم. ثم روى هو، والطبراني في «الكبير» عن أبي مريم الأَسْدِيّ قال: سمعت ابن مسعود يقرأ في الظهر. .. ورواه البيهقي «٢/ ٣٤٨» بزيادة: والعصر.

стр. 1607

وأشار إلى الأول. وإسناد كل منهما صحيح. ثم قال: «ويذكر عن قتادة: أن أنس بن مالك جهر في الظهر والعصر، فلم يسجد». قلت: وقد رواه الطبراني في «الكبير» عن حُميد وعثمان البَتِّي قالا: صلينا خلف أنس بن مالك الظهر والعصر، فسمعناه يقرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾. قال الهيثمي «٢/ ١١٧»: «ورجاله موثقون. ورُوي أيضاً عن علقمة قال: صليت إلى جنب عبد الله، فما علمته قرأ شيئاً، حتى سمعته يقول: ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾. فعلمت أنه في «طه». ورجاله أيضاً موثقون». [أصل صفة الصلاة (٢/ ٤٦٥)] قراءته ﷺ آياتٍ بعدَ «الفَاتِحَة» في الركعتين الأخِيرَتَيْنِ من صلاة الظهر وكان يجعل الركعتين الأخيرتين أقصر من الأُولَيين قدر النصف؛ قدر خمس عشرة آية. [أصل صفة الصلاة (٢/ ٤٦٥)] قراءة الفاتحة في الركعتين الأخيرتين والاقتصار عليها أحيانًا وربما اقتصر فيهما على «الفَاتِحَة». وقد أمر «المسيء صلاته» بقراءة «الفَاتِحَة» في كل ركعة، حيث قال له بعد أن أمره بقراءتها في الركعة الأولى: «ثم افعل ذلك في صلاتك كلها «وفي رواية: كل ركعة».

стр. 1608

وقد اختلف العلماء في استحباب قراءة السورة في الأُخريين من الرباعية والثالثة من المغرب؛ فقيل بالاستحباب، وبعدمه. وهما قولان للشافعي ﵀. كذا في «شرح مسلم». قلت: والصحابة أيضاً اختلفوا في ذلك: فبعضهم كان لا يقرأ - وقد ساق أخبارهم الطحاوي «١/ ١٢٣ - ١٢٤»، والبيهقي «٢/ ٦٥» -. وبعضهم كان يقرأ -ومن هؤلاء أبو بكر الصديق ﵁؛ ففي «الموطأ» «١/ ١٠٠»، ومن طريقه البيهقي «٢/ ٦٤ و ٣٩١»: أن أبا بكر ﵁ قرأ في الركعة الثالثة من المغرب بـ: «أم القرآن» وهذه الآية: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ... ﴾ الآية. وسنده صحيح -كما قال النووي «٣/ ٣٨٣» -. وزاد البيهقي في رواية: وقال سفيان بن عُيينة: لما سمع عمر بن عبد العزيز بهذا عن أبي بكر الصديق ﵁؛ قال: إن كنتُ لَعَلَى غير هذا حتى سمعتُ بهذا؛ فأخذتُ به. وقد أخذ به من علمائنا المتأخرين أبو الحسنات اللكنوي في «التعليق الممجد» «ص ١٠٢»، وقال: «وأغرب بعض أصحابنا؛ حيث حكموا على وجوب سجود السهو بقراءة سورة في الأخريين! وقد رده شراح «المنية»: إبراهيم الحلبي، وابن أمير حاج الحلبي، وغيرهما بأحسن رد، ولا أشك في أن من قال بذلك؛ لم يبلغه الحديث، ولو بلغه؛ لم يتفوه به». اهـ. قال النووي: «واختلف أصحابنا في تطويل الثالثة على الرابعة؛ إذا قلنا بتطويل الأولى على الثانية». قلت: وقد روى البيهقي حديثاً في تطويل الثالثة على الرابعة عن عبد الله بن أبي أوفى؛ لكن في سنده طَرَفَةُ الحضرمي، وهو مجهول - كما سبق قريباً -. ومن طريقه رواه البزار، والطبراني في «الكبير» - كما في «المجمع» «٢/ ١٣٣». قوله «وربما اقتصر على الفاتحة» فيه أن السنة قراءة «الفَاتِحَة» في الأُخريين من

стр. 1609

الرباعية. وإليه ذهب جماهير أهل العلم من الصحابة فمن بعدَهم، وهو مذهب علمائنا أيضاً؛ لكنهم قالوا بالتخيير بين القراءة، أو السكوت، أو التسبيح. قال الإمام محمد في «الموطأ» «١٠١»: «السنة أن تقرأ في الفريضة في الركعتين الأُوليين بـ: «فاتحة الكتاب»؛ وسورة، وفي الأخريين بـ: «فاتحة الكتاب»، وإن لم تقرأ فيهما؛ أجزأك، وإن سبحت فيهما؛ أجزأك، وهو قول أبي حنيفة ﵀». وقد أشار إلى الرد عليهما إسحاق بن راهويه ﵀ فيما روى عنه إسحاق بن منصور المروزي في «مسائله» قال: «قال إسحاق: والقراءة في الركعتين الأخيرتين بـ: «فاتحة الكتاب» سنة، وعلى ذلك عشرة من أصحاب محمد ﷺ بعده، وما قال هؤلاء في التسبيح في الأُخريين خطأ». قلت: وإذا ضممتَ إلى فعله ﷺ ذلك أمرَه ﷺ لِ «المسيء صلاته» بأن يقرأ في كل ركعة؛ ثبت بذلك وجوب «الفَاتِحَة» في كل ركعة، وهو مذهب الجمهور - كما قال النووي وغيره -، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة: أن القراءة في الأُخريين واجبة، حتى لو تركها ساهياً؛ لزمه سجود السهو. وإليه مال الكمال ابن الهُمَام في «الفتح» «١/ ٣٢٢ - ٣٢٣»، وهو الحق إن شاء الله تعالى؛ فإنهم لا جواب لهم عن حديث «المسيء صلاته»، ولا دليل لهم على ذلك إلا بعض الآثار عن الصحابة؛ ولا يجوز أن يحتج بها في معارضة ما ثبت في السنة. قوله: «ثم اصنع ذلك في كل ركعة» فمن كان يذهب إلى أنه ﷺ إنما أَمَرَهُ بمطلق القراءة - كالحنفية -؛ فعليهم أن يوجبوا ذلك في كل ركعة، ومن ذهب إلى أنه أمره بـ: «الفَاتِحَة»؛ فعليه أن يقول بوجوبها في كل ركعة، وهو الحق إن شاء الله تعالى. [أصل صفة الصلاة (٢/ ٤٦٧)]

стр. 1610

القراءة في صلاة العصر وكان رسول الله ﷺ يقرأ في الأُوليين بـ: «فاتحة الكتاب»، وسورتين؛ وُيطَوِّلُ في الأولى ما لا يُطَوِّلُ في الثانية، وكانوا يظنون أنه يريد بذلك أن يدركَ الناسُ الركعةَ. وكان يقرأ في كل منهما قدر خمس عشرة آية؛ قدر نصف ما يقرأ في كل ركعة من الركعتين الأُولَيين في الظهر. وكان يجعل الركعتين الأَخيرتين أقصر من الأُولَيين؛ قدر نصفهما. وكان يقرأ فيهما بـ: «فاتحة الكتاب». وكان يُسمعهم الآية أحياناً. ويقرأ بالسور التي ذكرنا في «صلاة الظهر». [أصل صفة الصلاة (٢/ ٤٧١)] القراءة في صلاة المغرب بقصار المفصل وكان ﷺ يقرأ فيها أحياناً بقصارِ المُفَصّل. حتى إنهم كانوا إذا صلَّوا معه، وسلَّم بهم؛ انصرف أحدهم وإنه ليُبْصِرُ مَواقعَ نَبْلِه. وقرأ في سفر بـ: ﴿التِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ «٩٥: ٨» في الركعة الثانية. [أصل صفة الصلاة (٢/ ٤٧٢)] القراءة في صلاة المغرب بطوال المفصل وأوساطه وكان أحياناً يقرأ بطوال المفصل وأوساطه؛ فـ «كان تارة يقرأ بـ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ «٤٧: ٣٨». وتارة بـ: «الطُّوْر» «٥٢: ٤٩». وتارة بـ:

стр. 1611

«المُرْسَلات» «٧٧: ٥٠»؛ قرأ بها في آخر صلاة صلاها ﷺ . والحديث دليلٌ على أن المغرب لا يختص بقصار المفصل -كما هو المشهور- بل يستحب القراءة فيه أحياناً بطوال المفصل، وبأطول من ذلك -كما يأتي في الكتاب- وقد ذهب إلى ذلك الإمام الشافعي وغيره، وخالف فيه مالك، وأكثر علمائنا. قال الترمذي «٢/ ١١٣»: «وقال الشافعي: وذكر عن مالك أنه كره أن يُقرأ في صلاة المغرب بالسور الطوال نحو: «الطُّور» و «المُرْسَلَات». قال الشافعي: لا أكره ذلك، بل أستحب أن يُقرأ بهذه السور في صلاة المغرب. قال الحافظ: «وكذا نقله البغوي في «شرح السنة» عن الشافعي. والمعروف عند الشافعية: أنه لا كراهية في ذلك، ولا استحباب». قلت: وهذا غير معقول، فإن القراءة عبادة؛ فإما أن تكون مستحبة؛ إذا وافقت السنة. وإما أن تكون مكروهة؛ إذا خالفتها. وأما أن تكون غير مستحبة وغير مكروهة: فهذا غير معقول في شيء من العبادات مطلقاً؛ فتأمل. وقال الإمام محمد - بعد أن ساق الحديث -: «العامة على أن القراءة تُخَفَّف في صلاة المغرب؛ يُقرأ فيها بقصار المفصل، ونرى أن هذا كان شيئاً فتُرك! ولعله كان يقرأ بعض السورة ثم يركع». ثم قال: «وبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة». وذكر المعلق عليه عن العلماء جواباً ثالثاً؛ وهو أن هذا بحسب اختلاف الأحوال؛ قرأ بالطِّوال لتعليم الجواز، والتنبيه على أن وقت المغرب ممتدٌ، وعلى أن قراءة القصار فيه ليس بأمر حتمي. ثم قال المعلق أبو الحسنات: وأقول: الجوابان الأولان مخدوشان: أما الأول: فلأن مبناه على احتمال النسخ، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، ولأن كونه متروكاً إنما يثبت لو ثبت تأخر قراءة القصار على قراءة الطوال من حيث التاريخ، وهو ليس بثابت، ولأن حديث أم الفضل -الآتي- صريح في أنها آخر ما سمعت من رسول الله ﷺ هو سورة «المُرْسَلَات» في المغرب؛ فدلَّ ذلك على أنه ﷺ قرأ بـ: «المُرْسَلَات» في المغرب في يوم قبل يومه

стр. 1612

الذي توفي فيه، ولم يصل المغرب بعده، وقد ورد التصريح بذلك في «سنن النسائي»؛ فحينئذٍ إنَّ سَلْكَ مسلكِ النسخ يُثْبِتُ نسخَ قراءة القصار، لا العكس. وأما الثاني: فلأن إثبات التفريق في جميع ما ورد في قراءة الطوال مشكل، ولأنه قد ورد صريحاً في رواية البخاري وغيره ما يدل على أن جُبَير بن مُطْعِم سمع «الطُّور» بتمامه؛ قرأه رسول الله ﷺ في المغرب؛ فلا يفيد حينئذٍ ليت ولعل، ولأنه قد ورد في حديث عائشة في «سنن النسائي»: أن رسول الله ﷺ قرأ سورة «الأَعْرَافِ» في المغرب؛ فَرَّقَها في ركعتين. ومن المعلوم أن نصف «الأَعْرَافِ» لا يبلغ مبلغ القصار؛ فلا يفيد التفريق لإثبات القصار. وإن الجواب الصواب هو الثالث. اهـ كلامه. والحديث دليل -كغيره- على استحباب قراءة طِوَالِ المفصل أحياناً في المغرب - كما سبق في الذي قبله-. وقد أجاب عنه الحنفية بأنه محمول على أنه قرأ بعض هذه السورة لا كلها، أو أنه منسوخ -كما سبق عن الإمام محمد-: والأول خلاف الظاهر -ولا يُخرج عنه إلا بدليل- وغاية ما تمسك به علماؤنا في ذلك حديث أبي هريرة المتقدم في أول الفصل؛ أنه ﷺ كان يقرأ في المغرب بقصار المفصل، فعارض به الطحاوي وغيره هذه الأحاديثَ القاضية باستحباب قراءة طواله، وأولوها بما تقدم، ولا مبرر لذلك؛ فالجمع ممكن بما هو أقرب إلى الالتئام من هذا التأويل، وهو حمل هذه الأحاديث على اختلاف الأحوال -كما سبق- لا سيما وأن في بعض هذه الأحاديث ما لا يقبل هذا التأويل مطلقاً - كما مضى عن اللكنوي -. وأما دعوى النسخ؛ فباطلة بشهادة هذا الحديث الصحيح؛ فإنه صريح في أنه قرأ بذلك في آخر صلاة صلاها ﷺ ، فلو كان هناك مُبَرِّرٌ للمصير إلى النسخ؛ لكان ادعاء العكس أقربَ إلى الصواب، وأحقَّ بالقبول عند ذوي الألباب، ولكن لا مسوِّغ لذلك طالما أن الجمع ممكن بما سبق. والله الموفق. [أصل صفة الصلاة (٢/ ٤٧٩)]

стр. 1613

القراءة في المغرب بطولى الطوليين وكان أحياناً يقرأ بطُولَى الطولَيَيْن: [«الأَعْرَاف» «٧: ٢٠٦»] [في الركعتين]. وتارة: بـ: «الأَنْفَال» «٨: ٧٥» في الركعتين. قوله: «طولى الطوليين» أي: بأطول السورتين الطويلتين. وطولى تأنيث «أطول»، و «الطوليين»: تثنية «طولى»، وهما: «الأَعْرَاف» اتفاقاً، و «الأَنْعَام» على الأرجح. كما في «فتح الباري». قال السندي: «وفي الحديث أنه ينبغي للإمام أن يقرأ ما قرأه ﷺ أحياناً؛ تبركاً بقراءته ﷺ وإحياءً لسنته وآثاره الجميلة». اهـ. قال ابن القيم: «فالمحافظة فيها على الآية القصيرة، والسورة من قصار المفصل؛ خلاف السنة، وهو فعل مروان بن الحكم؛ ولهذا أنكر عليه زيد بن ثابت». [أصل صفة الصلاة (٢/ ٤٨٣)] التطويل في القراءة في المغرب ليست منسوخة عن عبد الله بن عبيد الله: أن أم الفضل بنت الحارث سمعته وهو يقرأ: «والمرسلات عرفاً»، فقالت: يا بني! لقد ذكرْتَني بقراءتك هذه السورة؛ إنها لآخر ما سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بها في المغرب. «قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين». عن جُبَيْرِ بن مطْعِمٍ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بـ «الطُّورِ» في المغرب. «قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين». وعن مروان بن الحكم قال: قال لي زيد بن ثابت: ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل، وقد رأيت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بِطُولى الطولَيَيْن؟ ! قال: قلت:

стр. 1614

ما طُولى الطوليين؟ قال: «الأعراف» والأخرى «الأنعام». قال: وسألت أنا ابن أبي مليكة؟ فقال لي من قبل نفسه: «المائدة» و «الأعراف»! «قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري». وعن هشام بن عروة: أن أباه كان يقرأ في صلاة المغرب بنحو ما تقرؤون «والعاديات» ونحوها من السور. «قلت: هذا مقطوع، وإسناده صحيح على شرط مسلم». قال أبو داود: «هذا يدل على أن ذاك منسوخ»! [قال الألباني]: لا تعارض بينه وبين الأحاديث التي في الباب قبله؛ خلافاً لقول المصنف ذلك منسوخ! فأين دليل النسخ. بل الصواب: أنه ﷺ كان يقرأ تارة بهذا، وتارة بهذا. وقد أشار إلى ذلك البيهقي؛ فإنه عقد باباً- بعد حديث أبي هريرة- فقال: «باب مَنْ لم يُضَيِّقِ القراءة فيها بأكثر مما ذكرنا. .. »، ثم ساق حديث جبير ابن مطعم وأم الفضل وزيد بن ثابت الذكور في الباب قبله. والحديث أخرجه البيهقي «٢/ ٣٩٢» من طريق المصنف. صحيح سنن أبي داود (٣/ ٣٩٩) القراءة في سُنَّة المغرب وأما سُنَّةُ المغرب البَعْدِيِّة؛ فـ «كان يقرأ فيها: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ «١٠٩: ٦» و: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ «١١٢: ٤». [أصل صفة الصلاة (٢/ ٤٨٨)] القراءة في صلاة العشاء صلاة العشاء: كان ﷺ يقرأ في الركعتين الأوليين من وسط المُفَصَّل؛ فـ «كان

стр. 1615

تارةً يقرأ بـ: ﴿الشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ «٩١: ١٥»، وأشباهها من السور» و «تارة بـ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ «٨٤: ٢٥»، وكان يسجد بها». وقرأ مرة في سفر بـ: ﴿التِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ «٩٥: ٨» [في الركعة الأولى]. قوله: «وكان يسجد بها» قال الترمذي: «والعمل على هذا عند أهل العلم؛ يرون السجود في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾». قلت: وهو قول أئمتنا الثلاثة - كما في «شرح الطحاوي» وغيره -. وقال الإمام محمد في «الموطأ»: «وبه نأخذ، وهو قول أبي حنيفة». قال أبو الحسنات: «وبه أخذ الخلفاء الأربعة والأئمة الثلاثة وجماعة، ورواه ابن وهب عن مالك، وروى ابن القاسم والجمهور عنه أنه لا سجود؛ لأن أبا سلمة قال لأبي هريرة لما سجد: لقد سجدت في سورة ما رأيت الناس يسجدون فيها. فدلَّ هذا على أن الناس تركوه، وجرى العمل بتركه. وردَّه ابن عبد البر بما حاصلُه: أيَّ عمل يَدعي مع مخالفة المصطفى والخلفاء بعده؟ ! ». [أصل صفة الصلاة (٢/ ٤٩٠)] النهي عن إطالة القراءة في صلاة العشاء ونهى عن إطالة القراءة فيها، وذلك حين صلى معاذ بن جبل لأصحابه العشاء فطوّل عليهم؛ فانصرف رجل من الأنصار فصلى، فأُخبر معاذ عنه، فقال: إنه منافق. ولما بلغ ذلك الرجلَ؛ دخل على رسول الله ﷺ فأخبره ما قال معاذ؛ فقال له النبي ﷺ : «أتريد أن تكون فتاناً يا معاذ؟ ! إذا أممتَ الناس؛ فاقرأ بـ: «الشَّمْسِ وَضُحَاهَا» «٩١: ١٥»، و: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ «٧٧: ١٩»، و: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، «٩٦: ١٩» و: ﴿اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ «٩٢: ٢١»؛ [فإنه يصلي وراءك الكبير، والضعيف، وذو الحاجة]». واعلم أن في الحديث دلالةً على أنه لا يجوز للإمام أن يطيل القراءة بأكثر مما كان
следующие страницы →