«المُرْسَلات» «٧٧: ٥٠»؛ قرأ بها في آخر صلاة صلاها ﷺ .
والحديث دليلٌ على أن المغرب لا يختص بقصار المفصل -كما هو المشهور- بل يستحب القراءة فيه أحياناً بطوال المفصل، وبأطول من ذلك -كما يأتي في الكتاب- وقد ذهب إلى ذلك الإمام الشافعي وغيره، وخالف فيه مالك، وأكثر علمائنا.
قال الترمذي «٢/ ١١٣»: «وقال الشافعي: وذكر عن مالك أنه كره أن يُقرأ في صلاة المغرب بالسور الطوال نحو: «الطُّور» و «المُرْسَلَات».
قال الشافعي: لا أكره ذلك، بل أستحب أن يُقرأ بهذه السور في صلاة المغرب.
قال الحافظ: «وكذا نقله البغوي في «شرح السنة» عن الشافعي. والمعروف عند الشافعية: أنه لا كراهية في ذلك، ولا استحباب».
قلت: وهذا غير معقول، فإن القراءة عبادة؛ فإما أن تكون مستحبة؛ إذا وافقت السنة. وإما أن تكون مكروهة؛ إذا خالفتها. وأما أن تكون غير مستحبة وغير مكروهة: فهذا غير معقول في شيء من العبادات مطلقاً؛ فتأمل.
وقال الإمام محمد - بعد أن ساق الحديث -: «العامة على أن القراءة تُخَفَّف في صلاة المغرب؛ يُقرأ فيها بقصار المفصل، ونرى أن هذا كان شيئاً فتُرك! ولعله كان يقرأ بعض السورة ثم يركع». ثم قال: «وبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة».
وذكر المعلق عليه عن العلماء جواباً ثالثاً؛ وهو أن هذا بحسب اختلاف الأحوال؛ قرأ بالطِّوال لتعليم الجواز، والتنبيه على أن وقت المغرب ممتدٌ، وعلى أن قراءة القصار فيه ليس بأمر حتمي. ثم قال المعلق أبو الحسنات: وأقول: الجوابان الأولان مخدوشان: أما الأول: فلأن مبناه على احتمال النسخ، والنسخ لا يثبت بالاحتمال، ولأن كونه متروكاً إنما يثبت لو ثبت تأخر قراءة القصار على قراءة الطوال من حيث التاريخ، وهو ليس بثابت، ولأن حديث أم الفضل -الآتي- صريح في أنها آخر ما سمعت من رسول الله ﷺ هو سورة «المُرْسَلَات» في المغرب؛ فدلَّ ذلك على أنه ﷺ قرأ بـ: «المُرْسَلَات» في المغرب في يوم قبل يومه
стр. 1612
الذي توفي فيه، ولم يصل المغرب بعده، وقد ورد التصريح بذلك في «سنن النسائي»؛ فحينئذٍ إنَّ سَلْكَ مسلكِ النسخ يُثْبِتُ نسخَ قراءة القصار، لا العكس.
وأما الثاني: فلأن إثبات التفريق في جميع ما ورد في قراءة الطوال مشكل، ولأنه قد ورد صريحاً في رواية البخاري وغيره ما يدل على أن جُبَير بن مُطْعِم سمع «الطُّور» بتمامه؛ قرأه رسول الله ﷺ في المغرب؛ فلا يفيد حينئذٍ ليت ولعل، ولأنه قد ورد في حديث عائشة في «سنن النسائي»: أن رسول الله ﷺ قرأ سورة «الأَعْرَافِ» في المغرب؛ فَرَّقَها في ركعتين. ومن المعلوم أن نصف «الأَعْرَافِ» لا يبلغ مبلغ القصار؛ فلا يفيد التفريق لإثبات القصار.
وإن الجواب الصواب هو الثالث. اهـ كلامه.
والحديث دليل -كغيره- على استحباب قراءة طِوَالِ المفصل أحياناً في المغرب - كما سبق في الذي قبله-.
وقد أجاب عنه الحنفية بأنه محمول على أنه قرأ بعض هذه السورة لا كلها، أو أنه منسوخ -كما سبق عن الإمام محمد-: والأول خلاف الظاهر -ولا يُخرج عنه إلا بدليل- وغاية ما تمسك به علماؤنا في ذلك حديث أبي هريرة المتقدم في أول الفصل؛ أنه ﷺ كان يقرأ في المغرب بقصار المفصل، فعارض به الطحاوي وغيره هذه الأحاديثَ القاضية باستحباب قراءة طواله، وأولوها بما تقدم، ولا مبرر لذلك؛ فالجمع ممكن بما هو أقرب إلى الالتئام من هذا التأويل، وهو حمل هذه الأحاديث على اختلاف الأحوال -كما سبق- لا سيما وأن في بعض هذه الأحاديث ما لا يقبل هذا التأويل مطلقاً - كما مضى عن اللكنوي -.
وأما دعوى النسخ؛ فباطلة بشهادة هذا الحديث الصحيح؛ فإنه صريح في أنه قرأ بذلك في آخر صلاة صلاها ﷺ ، فلو كان هناك مُبَرِّرٌ للمصير إلى النسخ؛ لكان ادعاء العكس أقربَ إلى الصواب، وأحقَّ بالقبول عند ذوي الألباب، ولكن لا مسوِّغ لذلك طالما أن الجمع ممكن بما سبق. والله الموفق.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٤٧٩)]
стр. 1613
القراءة في المغرب بطولى الطوليين
وكان أحياناً يقرأ بطُولَى الطولَيَيْن: [«الأَعْرَاف» «٧: ٢٠٦»] [في الركعتين].
وتارة: بـ: «الأَنْفَال» «٨: ٧٥» في الركعتين.
قوله: «طولى الطوليين» أي: بأطول السورتين الطويلتين. وطولى تأنيث «أطول»، و «الطوليين»: تثنية «طولى»، وهما: «الأَعْرَاف» اتفاقاً، و «الأَنْعَام» على الأرجح. كما في «فتح الباري».
قال السندي: «وفي الحديث أنه ينبغي للإمام أن يقرأ ما قرأه ﷺ أحياناً؛ تبركاً بقراءته ﷺ وإحياءً لسنته وآثاره الجميلة». اهـ.
قال ابن القيم: «فالمحافظة فيها على الآية القصيرة، والسورة من قصار المفصل؛ خلاف السنة، وهو فعل مروان بن الحكم؛ ولهذا أنكر عليه زيد بن ثابت».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٤٨٣)]
التطويل في القراءة في المغرب ليست منسوخة
عن عبد الله بن عبيد الله: أن أم الفضل بنت الحارث سمعته وهو يقرأ: «والمرسلات عرفاً»، فقالت: يا بني! لقد ذكرْتَني بقراءتك هذه السورة؛ إنها لآخر ما سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بها في المغرب.
«قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين».
عن جُبَيْرِ بن مطْعِمٍ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بـ «الطُّورِ» في المغرب.
«قلت: إسناده صحيح على شرط الشيخين».
وعن مروان بن الحكم قال: قال لي زيد بن ثابت: ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل، وقد رأيت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بِطُولى الطولَيَيْن؟ ! قال: قلت:
стр. 1614
ما طُولى الطوليين؟ قال: «الأعراف» والأخرى «الأنعام».
قال: وسألت أنا ابن أبي مليكة؟ فقال لي من قبل نفسه: «المائدة» و «الأعراف»! «قلت: إسناده صحيح على شرط البخاري».
وعن هشام بن عروة: أن أباه كان يقرأ في صلاة المغرب بنحو ما تقرؤون «والعاديات» ونحوها من السور. «قلت: هذا مقطوع، وإسناده صحيح على شرط مسلم».
قال أبو داود: «هذا يدل على أن ذاك منسوخ»!
[قال الألباني]: لا تعارض بينه وبين الأحاديث التي في الباب قبله؛ خلافاً لقول المصنف ذلك منسوخ! فأين دليل النسخ. بل الصواب: أنه ﷺ كان يقرأ تارة بهذا، وتارة بهذا. وقد أشار إلى ذلك البيهقي؛ فإنه عقد باباً- بعد حديث أبي هريرة- فقال: «باب مَنْ لم يُضَيِّقِ القراءة فيها بأكثر مما ذكرنا. .. »، ثم ساق حديث جبير ابن مطعم وأم الفضل وزيد بن ثابت الذكور في الباب قبله. والحديث أخرجه البيهقي «٢/ ٣٩٢» من طريق المصنف.
صحيح سنن أبي داود (٣/ ٣٩٩)
القراءة في سُنَّة المغرب
وأما سُنَّةُ المغرب البَعْدِيِّة؛ فـ «كان يقرأ فيها: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ «١٠٩: ٦» و: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ «١١٢: ٤».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٤٨٨)]
القراءة في صلاة العشاء
صلاة العشاء: كان ﷺ يقرأ في الركعتين الأوليين من وسط المُفَصَّل؛ فـ «كان
стр. 1615
تارةً يقرأ بـ: ﴿الشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ «٩١: ١٥»، وأشباهها من السور» و «تارة بـ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ «٨٤: ٢٥»، وكان يسجد بها». وقرأ مرة في سفر بـ: ﴿التِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ «٩٥: ٨» [في الركعة الأولى].
قوله: «وكان يسجد بها» قال الترمذي: «والعمل على هذا عند أهل العلم؛ يرون السجود في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾».
قلت: وهو قول أئمتنا الثلاثة - كما في «شرح الطحاوي» وغيره -.
وقال الإمام محمد في «الموطأ»: «وبه نأخذ، وهو قول أبي حنيفة».
قال أبو الحسنات: «وبه أخذ الخلفاء الأربعة والأئمة الثلاثة وجماعة، ورواه ابن وهب عن مالك، وروى ابن القاسم والجمهور عنه أنه لا سجود؛ لأن أبا سلمة قال لأبي هريرة لما سجد: لقد سجدت في سورة ما رأيت الناس يسجدون فيها.
فدلَّ هذا على أن الناس تركوه، وجرى العمل بتركه. وردَّه ابن عبد البر بما حاصلُه: أيَّ عمل يَدعي مع مخالفة المصطفى والخلفاء بعده؟ ! ».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٤٩٠)]
النهي عن إطالة القراءة في صلاة العشاء
ونهى عن إطالة القراءة فيها، وذلك حين صلى معاذ بن جبل لأصحابه العشاء فطوّل عليهم؛ فانصرف رجل من الأنصار فصلى، فأُخبر معاذ عنه، فقال: إنه منافق. ولما بلغ ذلك الرجلَ؛ دخل على رسول الله ﷺ فأخبره ما قال معاذ؛ فقال له النبي ﷺ : «أتريد أن تكون فتاناً يا معاذ؟ ! إذا أممتَ الناس؛ فاقرأ بـ: «الشَّمْسِ وَضُحَاهَا» «٩١: ١٥»، و: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ «٧٧: ١٩»، و: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، «٩٦: ١٩» و: ﴿اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ «٩٢: ٢١»؛ [فإنه يصلي وراءك الكبير، والضعيف، وذو الحاجة]».
واعلم أن في الحديث دلالةً على أنه لا يجوز للإمام أن يطيل القراءة بأكثر مما كان
стр. 1616
رسول الله ﷺ يطيلها، أو بأكثر من التي حدَّدها؛ وذلك خشية أن يفتنهم عن دينهم، ويُنَفّرهم عن صلاة الجماعة.
وقد جاء في الأمر بالتخفيف أحاديث كثيرة في «الصحيحين» وغيرهما، وفيها تعليل ذلك بأن في الجماعة السقيمَ، والضعيف، والكبير، وذا الحاجة.
والذي يهمُّنا في هذا الصدد، وينبغي أن نشرح القول فيه هو النظر فيما لو كان بعض هؤلاء المذكورين هَوَاهُم القراءة بأقصر سورة في أطول صلاة - كالصبح مثلاً، وما قاربها -؛ فهل على الإمام الاقتداءُ بهم أو بأضعفهم - كما جاء في بعض الأحاديث -، ولو كان في ذلك مخالفةٌ لعادته ﷺ من إطالة القراءة فيها؟ فالذي يظهر: أنه ليس له ذلك، وأن الأحاديث المشار إليها لا تشمل هذا التخفيف؛ لأنه يؤدي إلى تعطيل السنن النبوية، إذ التخفيف من الأمور الإضافية؛ فقد يكون الشيء خفيفاً بالنسبة إلى عادة قوم، طويلاً بالنسبة لعادة آخرين -كما قال ابن دقيق العيد-.
ويختلف ذلك - أيضاً - بالنسبة لنشاط بعضهم في التمسك بالسنة ومتابعته ﷺ ، وضعف هِمَم الآخرين في ذلك، وقوة بعضهم على القيام، وضعف بعضهم عنه، إلى غير ذلك من الفوارق؛ ولذلك كان لا بد من وضع حَدٍّ للتخفيف المأمور به؛ وهو ما قد أشرت إليه في صدد هذا الكلام: من الاقتصار على هديه ﷺ في القراءة، فمن فعل ذلك؛ فقد خفف، ومن زاد على ذلك؛ فقد أطال، وخالف أمرَ الرسول ﷺ .
ولذلك لما شكا ذلك الرجل معاذاً إليه ﷺ ؛ أمره أن يقرأ بمثل ما كان ﷺ يقرأ، فلم يأمره بأقل من ذلك. وقد استفدنا هذا البحث من كلام ابن القيم ﵀، وجزاه عن السنة خير الجزاء؛ حيث قال في صدد الرَّدِّ على النَّقَّارِيْن للصلاة؛ المخففين لها تخفيفاً مخالفاً لسنته ﷺ «١/ ٧٦»: وأما قوله ﷺ : «أيكم أمَّ؛ فليخفف» «أخرجه الستة»، وقول أنس ﵁: كان رسول الله ﷺ أخف الناس صلاة في تمام «أخرجاه». فالتخفيف أمر نسبي يرجع إلى ما فعله النبي ﷺ وواظب عليه، لا إلى شهوة المأمومين؛ فإنه ﷺ لم يكن يأمرهم بأمر ثم يخالفه، وقد
стр. 1617
عَلِمَ أن من ورائه الكبيرَ، والضعيفَ، وذا الحاجة؛ فالذي فعله هو التخفيف الذي أَمَر به؛ فإنه كان يمكن أن تكون صلاته أطول من ذلك بأضعاف مضاعفة؛ فهي خفيفة بالنسبة إلى أطولَ منها، وهديه الذي كان واظب عليه هو الحاكمُ على كل ما تنازع فيه المتنازعون.
ويدل عليه ما رواه النسائي وغيره عن ابن عمر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بالتخفيف، وَيؤُمُّنَا بـ: «الصَّافَّاتِ».
فالقراءة بـ: «الصَّافَّاتِ» من التخفيف الذي كان يأمر به.
قلت: وحديث ابن عمر هذا إسناده حسن، وقد سبق الكلام عليه في «القراءة في الفجر».
وفي الحديث فوائد أخرى ذكرها النووي في «شرح مسلم»، والحافظ في «الفتح». فليراجعها من شاء.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٤٩٥)]
القراءة في المغرب والعشاء ليلة الجمعة
ضعف ما جاء في قراءة سورة «الكافرون» والإخلاص في صلاة المغرب، وسورتي «الجمعة» و «المنافقين» في صلاة العشاء ليلة الجمعة
-كان يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة «قل يا أيها الكافرون»، و «قل هو الله أحد»، ويقرأ في العشاء الآخرة ليلة الجمعة «الجمعة»، و «المنافقين». ضعيف جدا.
أخرجه ابن حبان «٥٥٢» والبيهقي «٢/ ٣٩١» الشطر الأول منه من طريق سعيد بن سماك بن حرب: حدثني أبي سماك بن حرب - قال: ولا أعلم إلا - عن جابر بن سمرة قال: فذكره. وأخرجه أيضا في كتابه «الثقات» «٢/ ١٠٤» في ترجمة سعيد هذا، وقال: «والمحفوظ عن سماك أن النبي ﷺ فذكره».
стр. 1618
قلت: وهذا من تناقض ابن حبان، فإنه من جهة يعله بالإرسال ويبين أنه لا يصح موصولا عن جابر بن سمرة، ومن جهة أخرى يورد الموصول في «صحيحه»! وعلة الحديث سعيد بن سماك، فقد قال ابن أبي حاتم «٢/ ١ /٣٢» عن أبيه: «متروك الحديث»، وتوثيق ابن حبان إياه من تساهله الذي عرف به عند المحققين، وقد يغتر به كثير ممن لا تحقيق عندهم، فيصححون أحاديث كثيرة تقليدا له، من ذلك هذا الحديث، فقد جاء في «البجيرمي» «٢/ ٦٤»: «ويستحب أيضا قراءة «الجمعة» و «المنافقين» في صلاة عشاء ليلة الجمعة، كما ورد عند ابن حبان بسند صحيح وقد كان السبكي يفعله، فأنكر عليه بأنه ليس في كلام الرافعي. فرد على المنكر بما مر. أي من الورود وكم من مسائل لم يذكرها الرافعي: فعدم ذكره لها لا يستلزم عدم سنيتها». قلت: وهذا الجواب من الوجهة الفقهية صحيح، يدل على تحرر السبكي من الجمود المذهبي، ولكن الحديث ضعيف غير محفوظ بشهادة ابن حبان نفسه، فلا يثبت به الاستحباب فضلا عن السنية، بل إن التزام ذلك من البدع، وهو ما يفعله كثير من أئمة المساجد في دمشق وغيرها من البلدان السورية، ولكنهم جمعوا بين البدعة وإرضاء الناس، فقد تركوا قراءة «المنافقون» أصلا والتزموا قراءة الشطر الثاني من «الجمعة» في الركعتين تخفيفا عن الناس زعموا! وكنت منذ القديم استنكر منهم هذا الالتزام، ولا أعرف مستندهم في ذلك، حتى رأيت كلام البجيرمي هذا، المستند على هذا الحديث، الذي كنت استغربه لعدم وروده في الأمهات الستة وغيرها ولكن ذلك لا يكفي للإنكار، حتى وقفت على إسناده في «موارد الظمآن» ومنه نقلت، فتبين لي ضعفه بل وتضعيف ابن حبان نفسه له في كتابه الآخر، فالحمد لله على توفيقه.
ثم إن مما يدل على ضعف الحديث أن الثابت عن النبي ﷺ أنه كان يقرأ بالسورتين الأوليين في سنة المغرب، وليس في فرضه، جاء ذلك عنه ﷺ من طرق، وقد خرجته في «صفة الصلاة» «ص ١١٥ - السابعة».
السلسلة الضعيفة (٢/ ٣٥).
стр. 1619
القراءة في صلاة الليل
وكان ﷺ «ربما جهر بالقراءة فيها، وربما أسرَّ»؛ يقصر القراءة فيها تارة، ويطيلها أحياناً، ويبالغ في إطالتها أحياناً أخرى، حتى قال ابن مسعود: «صليت مع النبي ﷺ ليلة، فلم يزل قائماً حتى هَمَمْتُ بأمر سوء! قيل: وما هَمَمْتَ؟ ! قال: هَمَمْتُ أن أقعد وأَذَرَ النبيَّ ﷺ ».
وقال حُذيفة بن اليمان: «صلّيت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح «البَقَرَة». فقلت: يركع عند المئة. ثم مضى. فقلت: يصلي بها في ركعة. فمضى. فقلت: يركع بها. ثم افتتح «النِّسَاء»، فقرأها، ثم افتتح «آلِ عِمْرَان»، فقرأها. يقرأ مترسلاً: إذا مَرَّ بآية فيها تسبيح؛ سبح، وإذا مَرَّ بسؤال؛ سأل، وإذا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ؛ تَعَوَّذَ، ثم ركع. .. » الحديث.
قوله: «يصلي بها في ركعة»: أي: في ركعتين. أفاده النووي؛ فيعاد النظر في ألفاظ الحديث! ثم راجعت ابن نصر؛ فإذا فيه: ركعتين.
قوله: «إذا مَرَّ بآية فيها تسبيح؛ سبح .. إلخ» قال في «شرح مسلم»: «فيه استحباب هذه الأمور لكل قارئ؛ في الصلاة وغيرها. ومذهبنا استحبابه للإمام والمأموم والمنفرد». زاد في «المجموع» «٤/ ٦٦»: لأنه دعاء؛ فاستووا فيه؛ كالتأمين.
قال: وسواء صلاة الفرض والنفل.
قال: وقال أبو حنيفة ﵀: يكره السؤال عند آية الرحمة، والاستعاذة في الصلاة.
وقال بمذهبنا جمهور العلماء من السلف فمن بعدهم. اهـ.
وأقول: أذكر أن الإمام محمداً ﵀ قد صرح بجواز ذلك واستحبابه في كتابه «الآثار»، ولكنه خصه بالتطوع دون الفرض، والدليل يساعده، وقد أردت أن
стр. 1620
أنقل نص كلامه في ذلك، ولكني افتقدت الكتاب؛ فلم أعثر عليه الآن (١).
وقال أبو الحسنات في «عمدة الرعاية» «١/ ١٤٢» - بعد أن ساق الحديث -: «حمله أصحابنا على التطوع، وجوزوه للمنفرد، وللإمام في التطوع؛ إن أمن ثقل ذلك على المقتدين؛ كما في «العناية» و «البناية» و «فتح القدير» وغيرها.
قوله: «الحديث» وتمامه: فجعل يقول: «سبحان ربي العظيم». فكان ركوعه نحواً من قيامه، ثم قال: «سمع الله لمن حمده - زاد جرير: ربنا! لك الحمد -»، ثم قام قياماً طويلاً؛ قريباً مما ركع، ثم سجد، فقال: «سبحان ربي الأعلى». فكان سجوده قريباً من قيامه.
قال الحافظ «٣/ ١٥»: «وهذا إنما يتأتى في نحو من ساعتين؛ فلعله ﷺ أحيا تلك الليلة كلها. وأما ما يقتضيه حاله في غير هذه الليلة؛ فإن في أخبار عائشة أنه كان يقوم قدر ثلث الليل».
قلت: قد صح عنها أنه ﷺ ما قام ليلة حتى الصباح. وهو محمول على الغالب من أحواله ﷺ كما سيأتي -.
ثم إن تقدير الحافظ ذلك بـ: «نحو ساعتين» بعيد عن التجربة؛ وذلك أننا صلينا منذ بضعة أيام صلاة الخسوف - الذي وقع ليلة الاثنين «١٦/ ١/٦٦ هـ» -، فقرأنا في الركعة الأولى بـ: سورة «إِبْرَاهِيم»، وفي الثانية بنحوها من سورة «الإِسْرَاء»، وأطلنا الركوعين في كل من الركعتين، وكذا السجدتين وما بين ذلك -حسب السنة - بعضَ الإطالة، بحيث لا يصح أن يقال: إن كلاً من ذلك كان نحو القيام أو قريباً منه، ومع هذا؛ فقد أخذت هذه الصلاة ساعة كاملة من الزمن.
فأين ذلك من صلاته ﷺ أربع ركعات - على الراجح من الروايات -؟ ! يقرأ في الأولى بثلاث سور من الطوال؛ يترسل، ويتمهل في قراءته، ويقف يسأل الله،
стр. 1621
ويستعيذ به، ثم يجعل ركوعه وسجوده وما بين ذلك قريباً من قيامه؛ فلا شك أن ذلك لا يتأتى إلا في ثلاث ساعات. فإذا أضيف إلى ذلك ثلاث ركعات أخرى؛ فيكون ﷺ قد أحيا الليل كله.
وقد يتبادر إلى الذهن أنه -على ما ذكرنا- لا يتسع الليل لمثل هذه الصلاة؛ لأنها تحتاج إلى اثنتي عشرة ساعة! فالجواب: إنه يمكن أن تكون الركعات الثلاث أقصر من الأولى؛ لأن المعهود عنه ﷺ أن الغالب من هديه إطالة الركعة الأولى أكثر من الثانية - كما سبق -. والله أعلم.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٤٩٩)]
القراءة بالسبع الطوال في صلاة الليل
وقرأ ليلة - وهو وَجِعٌ - السبع الطوال. وكان أحياناً يقرأ في كل ركعة بسورة منها .
«الطوال»: وفي رواية: «الطُّوَل»؛ قال ابن الأثير: «بالضم: جمع «الطولى»؛ مثل الكبرى والكبر. والسبع الطوال هي: «البَقَرَة»، و «آلِ عِمْرَان»، و «النِّسَاء»، و «المَآئِدَة»، و «الأَنْعَام»، و «الأَعْرَاف»، و «التَّوْبَة».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٥٠٨)]
ما عُلِمَ أنه ﷺ قرأ القرآن كله في ليلة قط والنهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث
وما عُلِمَ أنه ﷺ قرأ القرآن كله في ليلة [قط]؛ بل إنه لم يَرْضَ ذلك لعبد الله بن عمرو ﵄ حين قال له: «اقرأ القرآن في كل شهر».
стр. 1622
قال: قلت: إني أجد قوة.
قال: «فاقرأه في عشرين ليلة».
قال: قلت: إني أجد قوة.
قال: «فاقرأه في سَبْعٍ، ولا تزد على ذلك». ثم رَخَّصَ له أن يقرأه في خمس. ثم رَخَّصَ له أن يقرأه في ثلاث.
ونهاه أن يقرأه في أقل من ذلك. وعَلَّلَ ذلك في قوله له: «من قرأ القرآن في أقل من ثلاث؛ لم يفقَهْهُ». وفي لفظ: «لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث». [ساق الإمام روايات الحديث ثم قال]:
ثم في قوله له: «فإن لكل عابد شِرَّةً، ولكل شِرَّةٍ فترة؛ فإما إلى سنة، وإما إلى بدعة. فمن كانت فترته إلى سنة؛ فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك؛ فقد هلك».
واعلم أن الظاهر من اختلاف روايات هذا الحديث أن القصة تكررت بينه ﷺ وبين ابن عمرو، وأنه ﵊ لم يتنزَّل معه إلى الثلاث في مجلس واحد؛ بل في مجالس. وإلى ذلك جنح الحافظ في «الفتح».
ويحتمل أن القصة واحدة، وأن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظه الآخر، ولكن
يمنع القولَ بهذا ما ثبت في رواية: أنه منعه من القراءة في أقل من خمس، وفي أخرى في أقل من سبع؛ فلا مناص من القول بتعددها، وإلا؛ لزم ردُّ بعض الروايات الصحيحة، أو ضرب بعضها ببعض! وهذا لا يجوز ما أمكن الجمع بينها.
قال الحافظ: «فلا مانع أن يتعدد قول النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو ذلك؛ تأكيداً، ويؤيده الاختلاف الواقع في السياق، وكأن النهي عن الزيادة ليس على التحريم، كما أن الأمر في جميع ذلك ليس للوجوب، وعُرف ذلك من قرائن الحال التي أرشد إليها السياق؛ وهو النظر إلى عَجْزِه عن سوى ذلك في الحال أو في المآل، وأغرب بعض الظاهرية فقال: يحرم أن يقرأ القرآن في أَقل من ثلاث.
стр. 1623
وقال النووي: أكثر العلماء على أنه لا تقدير في ذلك، وإنما هو بحسب النشاط والقوة؛ فعلى هذا يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص».
قلت: وهذا مخالف لصريح قوله ﷺ : «من قرأ القرآن في أقل من ثلاث؛ لم يفقهه».
وهذا نص عام شامل لجميع الأشخاص، وفيه التقدير بثلاث ليال؛ فكيف يقال: إنه لا تقدير في ذلك؟ ! فقد ذكر ﷺ أن كل من يقرأ القرآن في أقل من ثلاث لا يفقهه، ولا يفهمه الفهم المقصود من تلاوة القرآن.
كما قد أشار إلى ذلك قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾.
وقال ابن مسعود: من قرأ القرآن في أقل من ثلاث؛ فهو راجز. هَذٌّ كهَذِّ الشعر، ونثر كنثر الدِّقَل.
وكان معاذ بن جبل لا يقرأ القرآن في أقل من ثلاث.
ذكرهما ابن نصر «٦٣».
وقد نسب ﵊ كل من خالف ذلك إلى عدم الفقه -كما هو ظاهر معنى الحديث المذكور باللفظ الثاني-.
فالحق أنه لا يجوز قراءة القرآن في أقل من ذلك. وهو اختيار الإمام أحمد وغيره من الأئمة - كما سلف-.
وقال الحافظ ابن كثير في «فضائل القرآن» «ص ١٧٢»: «وقد كره غير واحد من السلف قراءة القرآن في أقل من ثلاث، كما هو مذهب أبي عُبيد وإسحاق بن راهويه، وغيرهما من الخلف أيضاً، وثبت عن كثير من السلف أنهم قرؤوا القرآن في أقل من ذلك، وهو محمول على أنه ما بلغهم في ذلك حديث مما تقدم، أو أنهم كانوا يفهمون ويتفكرون فيما يقرؤونه مع هذه السرعة».
قلت: والجواب الصحيح هو الأول، وأما هذا؛ فمخالف لقوله ﷺ : «من قرأ القرآن في أقل من ثلاث؛ لم يفقهه» -كما بينا-. ولم يكن رسول الله ﷺ .
стр. 1624
وقوله: «شره» بكسر الشين المعجمة، وتشديد الراء، وبعدها تاء تأنيث؛ هي: النشاط والهمة. وشِرَّةُ الشباب: أوّله وحِدّته. كذا في «الترغيب».
وقال الطحاوي: «هي: الحِدَّة في الأمور التي يريدها المسلمون من أنفسهم في أعمالهم التي يتقربون بها إلى ربهم ، وإن رسول الله ﷺ أَحبَّ منهم فيها ما دون الحِدّة التي لا بد لهم من القصر عنها، والخروج منها إلى غيرها، وأمرهم بالتمسك من الأعمال الصالحة بما قد يجوز دوامهم عليه، ولزومهم إياه؛ حتى يَلْقَوا ربهم ، وروي عنه ﷺ في كشف ذلك المعنى أنه قال: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل». اهـ.
وهذا الحديث متفق عليه من حديث عائشة ﵂.
وهذه حجة أخرى في كراهة قراءة القرآن في أقل من ثلاث؛ لما يخشى من فتور الهمة، وعدم استطاعة المداومة عليها إلا بمشقة؛ كما وقع لعبد الله بن عمرو، حتى كان يقول لما كبر: وددت أني كنت قبلت رخصة رسول الله ﷺ .
فاقبلوا أيها المسلمون! رخصة رسول الله ﷺ التي هي من الله تعالى؛ فـ: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه». كما ثبت في الحديث الصحيح. وصدق الله العظيم إذ وصف رسوله الكريم بأنه ﴿بِالمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٥٢٤)]
فضل الصلاة في الليل بمئتي آية
وكان يقول: «من صلى في ليلة بمئتي آية؛ فإنه يكتب من القانتين المخلصين».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٥٢٥)]
стр. 1625
القراءة في صلاة الليل ببني إسرائيل والزمر
وكان يقرأ [في] كل ليلة بـ: «بني إسرائيل» «١٧: ١١١»، و «الزُّمَر» «٣٩: ٧٥».
الظاهر أنه ﵊ كان يقرأ ذلك في الصلاة؛ ولذلك أورده في «المجمع» في: «باب صلاة سيدنا رسول الله ﷺ ». ويحتمل كون ذلك خارجَها. ويرجح الأولَ اقترانُ ذلك بالصوم؛ فذلك يشعر بأنها أرادت الصلاة. والله أعلم.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٥٢٦)]
فضل الصلاة بمئة آية في صلاة الليل
وكان يقول: «من صلى في ليلة بمئة آية؛ لم يُكتب من الغافلين».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٥٢٧)]
قراءة قدر خمسين آية في كل ركعة في صلاة الليل
وكان أحياناً يقرأ في كل ركعة قدر خمسين آية أو أكثر.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٥٢٩)]
قراءة يا أيها المزمل في صلاة الليل
وتارة يقرأ قَدْرَ ﴿يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ﴾ «٧٣: ٢٠».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٥٣٠)]
стр. 1626
ما كان ﷺ يصلي الليل كلَّه إلا نادراً
وما كان ﷺ يصلي الليل كلَّه إلا نادراً؛ فقد راقب عبدُ الله بنُ خبّاب بن الأرَتِّ - وكان قد شهد بدراً مع رسولَ الله ﷺ رسولَ الله ﷺ الليلة كلها «وفي لفظ: في ليلة صلاها كلها» حتى كان مع الفجر، فلما سلَّم من صلاته؛ قال له خباب بن الأَرَتِّ: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي؛ لقد صليت الليلة صلاة ما رأيتك صليت نحوها؟ فقال: «أجل؛ إنها صلاةُ رَغَبٍ ورَهَب، [وإني] سألت ربي ثلاث خصال؛ فأعطاني اثنتين، ومنعني واحدة: سألت ربي أن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم قبلنا «وفي لفظ: أن لا يهلك أمتي بسَنَةٍ؛ فأعطانيها.
وسألت ربي أن لا يُظْهِرَ علينا عدواً من غيرنا؛ فأعطانيها. وسألت ربي أن لا يُلْبِسَنا شِيَعاً؛ فَمَنَعَنِيْهَا».
ولهذا الحديث وغيرِهِ يُكره إحياءُ الليل كله دائماً أو غالباً؛ لأنه خلاف سنته ﷺ ولو كان إحياء الليل أفضل؛ لما فاته ﷺ ، وخير الهدي هدي محمد ﷺ .
ولا تغتر بما روي عن أبي حنيفة ﵀ أنه مكث أربعين سنة يصلي الصبح بوضوء العشاء؛ فإنه مما لا أصل [له] عنه؛ بل قال العلامة الفيروزأبادي في «الرد على المعترض» «٤٤/ ١»: «هذا من جملة الأكاذيب الواضحة التي لا يليق نسبتها إلى الإمام، فما في هذا فضيلة تُذكر، وكان الأولى بمثل هذا الإمام أن يأتي بالأفضل، ولا شك أن تجديد الطهارة لكل صلاة أفضل وأتم وأكمل. هذا إن صح أنه سهر طوال الليل أربعين سنة متوالية! وهذا أمر بالمحال أشبه، وهو من خرافات بعض المتعصبين الجهال، قالوه في أبي حنيفة وغيره، وكل ذلك مكذوب».
وقوله: «بسَنَة»: أي: عامة؛ كما في حديث ثوبان.
قال النووي: «أي: لا يهلكهم بقحط يعمهم، بل إن وقع قحط؛ فيكون في ناحية يسيرة بالنسبة إلى باقي بلاد الإسلام. فلله الحمد والشكر على جميع نعمه».
стр. 1627
قوله: «أن لا يُظهر علينا»؛ أي: على أمته ﷺ .
«من غيرنا»؛ أي: من فرق الكفر. والمراد: أن لا يُسلَّط عليهم بحيث يستأصلهم؛ كما في رواية ثوبان: «وأن لا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم؛ فيستبيح بيضتهم»؛ أي: جماعتهم وأصلهم.
قوله: «يُلبِسنا»: بكسر الباء؛ أي: لا يخلطنا في معارك الحرب.
«شيعاً»: فرقاً مختلفين يقتل بعضهم بعضاً.
«فمنعنيها»: قال السندي: «وفيه أن الاستجابة بإعطاء عين المدعو ليست كلية؛ بل قد تتخلَّف مع تحقق شرائط الدعاء».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٥٣٠)]
القيام في الليل بآية وترديدها حتى يصبح
وقام ليلة بآية يرددها حتى أصبح وهي: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ «٥: ١١٨»؛ [بها يركع، وبها يسجد، وبها يدعو]، [فلما أصبح؛ قال له أبو ذر ﵁: يا رسول الله! ما زلتَ تقرأ هذه الآية حتى أصبحت؛ تركع بها، وتسجد بها]، [وتدعو بها]، [وقد علَّمَك الله القرآن كله]، [لو فعل هذا بعضُنا؛ لَوَجَدْنَا عليه؟ ]. [قال: «إني سألت ربي الشفاعة لأمتي؛ فأعطانيها، وهي نَائِلَةٌ إن شاء الله لمن لا يشرك بالله شيئاً».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٥٣٤)]
فضل قراءة سورة الإخلاص في صلاة الليل
وقال له رجل: يا رسول الله! إن لي جاراً يقوم الليل، ولا يقرأ إلا ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ «١١٢: ٤»؛ [يرددها] [لا يزيد عليها]- كأنه يُقَلِّلُها -؟ ! فقال النبي ﷺ :
стр. 1628
«والذي نفسي بيده! إنها لتعدل ثلث القرآن».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٥٣٨)]
سؤال الله من فضله والتعوذ من عذابة أثناء قراءة القرآن يكون في صلاة الليل
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:
ومما يستحب أثناء القراءة:
قوله: «قال النووي: يسن لكل من قرأ في الصلاة أو غيرها إذا مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله وإذا مر. .. ».
قلت: هذا إنما ورد في صلاة الليل كما في حديث حذيفة المذكور في الكتاب بعد قليل فمقتضى الاتباع الصحيح الوقوف عند الوارد وعدم التوسع فيه بالقياس والرأي، فإنه لو كان ذلك مشروعًا في الفرائض أيضًا لفعله ﷺ ولو فعله لنقل بل لكان نقله أولى من نفل ذلك في النوافل كما لا يخفى.
واعلم أنه لا يناقض هذا الذي ذكرته هنا الأصل الذي بنيت عليه فيما يأتي شرعية الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول كما ظن بعض إخواننا المجتهدين في خدمة الحديث الشريف - جزاه الله خيرا - في جملة ما كتب إلي بتاريخ ٢/ ٨ / ١٣٩٧ وذلك لقيام دليل الفرق هنا وهو ما أشرت إليه بقولي: «فإنه لو كان ذلك مشروعا في الفرائض أيضا لفعله النبي ﷺ . .. » الخ وذلك لأن الهمم والدواعي تتوفر على نقل مثله فلما لم ينقل دل على أنه لم يفعله ﷺ . فوقفنا مع الدليل المانع هنا من الأخذ بالأصل المشار إليه فظهر أنه لا تناقض والحمد لله وإنما هو التمسك بالدليل الملزم بالتفريق بين المسألتين. والله أعلم.
[تمام المنة ص (١٨٥)]
стр. 1629
ما ورد فيما يقال عند بعض الآيات
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:
قوله: «ويستحب لكل من قرأ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ أن يقول: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين وإذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ قال: بلى أشهد. وإذا قرأ: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ قال: آمنت بالله. وإذا قال: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: سبحان ربي الأعلى».
قلت: لم يبين ما إذا كان ذلك واردا أم لا وما إذا كان ثابتا أم لا؟ ولذلك أقول: أما جملة التسبيح منه فصحيح ثابت من حديث ابن عباس وغيره وهو مخرج في «صحيح أبي داود» ٨٢٦.
وأما ما قبله فهو من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ: «من قرأ منكم ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ فانتهى إلى آخرها: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ فليقل: بلى. .. » الخ.
أخرجه أبو داود وغيره وفيه رجل لم يسم وبيانه في «ضعيف أبي داود» ١٥٦ و «المشكاة» ٨٦٠.
لكن صح منه قوله: «بلى» في آية القيامة رواه موسى بن أبي عائشة قال:
كان رجل يصلي فوق بيته وكان إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ قال: سبحانك فبلى فسألوه عن ذلك؟ فقال: سمعته من رسول الله ﷺ .
أخرجه أبو داود بسند صحيح عن الرجل وهو صحابي وجهالته لا تضركما هو معروف عند العلماء ولذلك خرجته في «صحيح أبي داود» رقم ٨٢٧.
[تمام المنة ص (١٨٥)]
стр. 1630
القراءة في صلاة الوِتْرِ
كان ﷺ يقرأ في الركعة الأولى بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ «٨٧: ١٩»، وفي الثانية بـ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ «١٠٩: ٦»، وفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ «١١٢: ٤».
وكان يضيف إليها أحياناً: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ «١١٣: ٥»، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ «١١٤: ٦». ومرة: «قرأ في ركعة الوتر بمئة آية من «النِّسَاء» «٤: ١٦٧». «ص ٥٣٩ - ٥٤٣».
وقد اختار القراءة بهذه السور الثلاث [الأعلى والكافرون والإخلاص] في الوتر الإمام أحمد - كما رواه أبو داود عنه في «مسائله» - وحكاه الترمذي «٢/ ٣٢٦» عن أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم، واستحب بعضهم قراءة المعوذتين بعد ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
وقد ذهب إلى مشروعية القراءة بهما الشافعية؛ كما في «المجموع» «٤/ ٢٣»، قال: «وحكاه القاضي عَيِاضٌ عن جمهور العلماء، وبه قال مالك وداود».
قلت: واختاره ابن نصر «١١٩». ثم قال ابن نصر «١٢٧»: «وسئل مالك عن القراءة في الوتر؟ فقال: ما زال الناس يقرؤون بالمعوذات في الوتر، وأنا أقرأ بها في الوتر. وعن سفيان: كانوا يستحبون أن يقرأ في الركعة الأولى بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾، ثم يقرأ في الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وإن قرأت غير هذه السور؛ أجزأك.
وقال أحمد ﵀: نختار أن يقرأ في الوتر بـ: ﴿سَبِّحِ﴾، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. وسئل: يقرأ المعوذتين في الوتر؟ فقال: ولمَ لا يقرأ؟ ! . اهـ.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٥٣٩)]
стр. 1631
القراءة في الركعتين بعد الوتر
وأما الركعتان بعد الوتر؛ فكان يقرأ فيهما: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ﴾ «٩٩: ٨»، و ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ﴾ «١٠٩: ٦».
فائدة: اعلم أنه قد ثبتت هاتان الركعتان من حديث عائشة أيضاً في «صحيح مسلم» «٢/ ١٦٩»، «وابن خزيمة، وابن حبان بسند حسن صحيح»، وغيرهم «من فعله ﷺ »، وهما تنافيان قوله ﷺ : «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً».
رواه الستة إلا ابن ماجه.
فالظاهر أنه ﷺ كان يفعل ذلك أحياناً؛ بياناً للجواز، وأن الأمر هذا ليس للوجوب.
والله أعلم. ويراجع «المجموع» «٤/ ١٦».
ثم وقفت على حديث صحيح يأمر بالركعتين بعد الوتر؛ فالتقى الأمر بالفعل، وثبت مشروعية الركعتين للناس جميعاً. والأمر الأول يحمل على الاستحباب؛ فلا منافاة. وقد خرجته في «الصحيحة» «١٩٩٣». والحمد لله على توفيقه.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٥٤٤)]
القراءة في صلاة الجمعة
«كان ﷺ يقرأ أحياناً في الركعة الأولى بسورة «الجُمُعَة» «٦٢: ١١»، وفي الأخرى: ﴿إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ﴾ «٦٣: ١١».
وتارة يقرأ - بدلها -: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ﴾ «٨٨: ٢٦».
وأحياناً «يقرأ في الأولى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ «٨٧: ١٩»، وفي الثانية: ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ «٨٨: ٢٦».
стр. 1632
قال السندي: «هذا الاختلاف محمول على جواز الكل واسْتِنَانِه، وأنه فعل تارة هذا وتارة ذاك؛ فلا تعارض في أحاديث الباب».
وقال ابن القيم «١/ ١٤٤»: «وثبت عنه ذلك كله، ولا يستحب أن يقرأ من كل سورة بعضها، أو يقرأ إحداهما في الركعتين؛ فإنه خلاف السنة، وجهال الأئمة يداومون على ذلك».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٥٤٥)]
القراءة في صلاة العيدين
«كان ﷺ يقرأ أحياناً في الأولى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ «٨٧: ١٩»، وفي الأخرى: ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ «٨٨: ٢٦»». وأحياناً «يقرأ فيهما بـ: ﴿ق. وَالقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ «٥٠: ٤٥»، و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ «٥٤: ٥٥».
قال في «شرح مسلم»: وفي الحديث دليل للشافعي وموافقيه أنه تُسنُّ القراءة بهما في العيدين.
قال العلماء: والحكمة في قراءتهما لما اشتملتا عليه من الإخبار بالبعث، والإخبار عن القرون الماضية، وإهلاك المكذبين، وتشبيه بروز الناس للعيد ببروزهم للبعث، وخروجهم من الأجداث كأنهم جراد منتشر. اهـ.
وذهب أكثر العلماء إلى استحباب قراءة: «سَبِّحِ» و «الغَاشِيَةِ» على حديث النعمان وغيره؛ كما في «البداية» «١/ ١٧٠» لابن رشد.
قال: «تواتر ذلك عن رسول الله ﷺ ».
وقال النووي في «المجموع» «٤/ ١٧ - ١٨» بعد أن ذكر الحديثين: «إن كليهما سنة».
وهذا هو الحق إن شاء الله تعالى؛ فيأتي تارة، بهذا، وتارة بهذا.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٥٥٠)]
стр. 1633
القراءة في صلاة الجنازة
«السنة أن يقرأ فيها بـ: «فاتحة الكتاب» [وسورة]».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٥٥٣)]
قراءة سورة بعد الفاتحة في صلاة الجنازة
قوله: «وسورة»: قال الشوكاني «٤/ ٥٣»: «فيه مشروعية قراءة سورة مع «الفَاتِحَة» في صلاة الجنازة، ولا محيص عن المصير إلى ذلك؛ لأنها زيادة خارجة من مخرج صحيح، ويؤيد وجوبَ قراءة السورة في صلاة الجنازة الأحاديثُ المتقدمة في «باب وجوب قراءة «الفَاتِحَة»» من كتاب الصلاة؛ فإنها ظاهرة في كل صلاة». اهـ.
واستحباب قراءة سورة قصيرة هو وجه للشافعية؛ كما في «المجموع» - «وهو الوجه الحق» -، واستدل له بهذا الحديث. وصححه - كما سيأتي -.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٥٥٣)]
قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة
[ذكر الإمام حديث ابن عباس أنه صلى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب ثم قال: لتعلموا أنها سنة. وتكلم على صحة الحديث إلى أن قال]: والصلاة على الجنازة صلاة قطعاً؛ فهي تدخل في عموم حديث «لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب». وبه استدل الحنابلة وغيرهم على وجوب قراءة «الفَاتِحَة» في صلاة الجنازة، فهو بقوله: «فما زاد» يدل أيضاً على مشروعية قراءة السورة بعد «الفَاتِحَة» في الجنازة، وهذا مما ذكره الشوكاني في «نيل الأوطار» «٤/ ٥٣».
قال النووي في «المجموع» «٥/ ٢٣٢»: «إنه المذهب الصحيح الذي قاله جمهور العلماء من أصحابنا في الأصول، وغيرهم من الأصوليين والمحدثين».
стр. 1634
هذا، وفي القراءة على الجنائز بـ: «فاتحة الكتاب» أحاديث كثيرة سوى هذا الحديث، وقد ساقها في «التعليق» على «نصب الراية» «٢/ ٢٧٠»، وهي عن سبعة من الصحابة ﵃، وذكر بعضها الشوكاني في «النيل» «٤/ ٥٢»، وأسانيدها لا تخلو من ضعف، لكن بعضها يقوي بعضاً. ومنه نعلم أن قول ابن الهمام «١/ ٤٥٩»: «ولم تثبت القراءة عن رسول الله ﷺ ». ليس بصواب. ويأتي ما يخالفه من بعض علمائنا، وهي تدل على أن السنة قراءة «الفَاتِحَة» في الجنازة.
قال الترمذي: «والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم؛ يختارون أن يقرأ بـ: «فاتحة الكتاب» بعد التكبيرة الأولى، وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وقال بعض أهل العلم: لا يقرأ في الصلاة على الجنازة؛ إنما هو الثناء على الله، والصلاة على النبي ﷺ والدعاء للميت، وهو قول الثوري وغيره من أهل الكوفة».
قلت: وهو مذهب علمائنا، قال الإمام محمد في «الموطأ» «١٦٥»: «لا قراءة على الجنازة، وهو قول أبي حنيفة ﵀».
قال أبو الحسنات: يحتمل أن يكون نفياً للمشروعية المطلقة؛ فيكون إشارة إلى الكراهة. وبه صرح كثير من أصحابنا المتأخرين؛ حيث قالوا: يكره قراءة «الفَاتِحَة» في صلاة الجنازة.
وقالوا: لو قرأ بنية الدعاء؛ لا بأس به. ويحتمل أن يكون نفياً للزومه، فلا يكون فيه نفي الجواز.
وإليه مال حسن الشُّرُنْبُلالي من متأخري أصحابنا؛ حيث صنف رسالة سمّاها: «النظم المستطاب لحكم القراءة في صلاة الجنازة بـ: «أم الكتاب»». ردَّ فيها على من ذكر الكراهة بدلائل شافية. وهذا هو الأولى؛ لثبوت ذلك عن رسول الله ﷺ وأصحابه.
стр. 1635
ثم ذكر بعض الأحاديث التي أشرنا إليها آنفاً، ومنها حديث ابن عباس هذا. ثم ذكر بعض الآثار عن الصحابة في القراءة وعدمها، ثم قال: «وبالجملة؛ الأمر بين الصحابة مختلف، ونفس القراءة ثابت؛ فلا سبيل إلى الحكم بالكراهة، بل غاية الأمر أن لا يكون لازماً». اهـ.
وقال أبو الحسن السندي: «ينبغي أن تكون «الفَاتِحَة» أَوْلَى وأحسن من غيرها من الأدعية. ولا وجه للمنع منها. وعلى هذا كثيرٌ من محققي علمائنا، إلا أنهم قالوا: يقرأ بنية الدعاء والثناء؛ لا بنية القراءة.
قلت: وهذا القيد مما لا دليل لهم عليه؛ اللهم! إلا أن يكون محاولة منهم للتوفيق بين قول أئمتهم: لا قراءة على الجنازة. وبين ثبوتها فيها عنه ﷺ . والأخذ بالسنة -بدون أي قيد خارجي عنها- أولى، وبالاتباع أحرى.
ومن غرائب علمائنا أنهم أثبتوا قراءة دعاء الاستفتاح في صلاة الجنازة؛ قياساً على الصلوات المعهودة، مع أنه لم يأت أي حديث في قراءته! ونَفَوا قراءة «الفَاتِحَة» والسورة، ولم يقيسوا ذلك على قراءتها في الصلوات المعروفة، مع ثبوت ذلك عنه ﷺ .
فتأمل منصفاً! ومما يدفع ذلك القيدَ ثبوتُ قراءة السورة بعد «الفَاتِحَة»، ولا يعقل تقييدها بمثل ما قيدوا به «الفَاتِحَة»؛ لأن أكثر السور لا دعاء فيها؛ كسورة «الإِخْلاص» مثلاً.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٥٥٦)]
قراءة الفاتحة تكون بعد التكبيرة الأولى
وكان النبي ﷺ يخافت فيها [أي الفاتحة] مُخَافَتَةً بعد التكبيرة الأولى.
قد ذهب إلى العمل به الشافعية؛ فاتفقوا على أن القراءة بعد التكبيرة الأولى.
وهو قول أحمد؛ قال أبو داود في «مسائله» «١٥٣»: «سألت أحمد عن الدعاء
стр. 1636
على الميت: قلت: في الأولى بـ: «فاتحة الكتاب»؟ قال: نعم. قلت: في الثانية ماذا؟ قال: يصلي على النبي ﷺ . قلت: في الثالثة الدعاء للميت؟ قال: نعم. قلت: في الرابعة أسلّم؟ أو: أدعو ثم أسلّم؟ قال: تدعو ثم تسلِّم». اهـ.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٥٦٠)]
هل يُسر بالفاتحة في صلاة الجنازة أم يجهر
اتفقوا على أن السنة فيها الإسرار في النهار، واختلفوا فيما إذا كانت بالليل؛ فقيل بالإسرار أيضاً، وقيل: يستحب الجهر.
قال النووي «٥/ ٢٣٤»: «والمذهبُ: الأولُ. ولا يغتر بكثرة القائلين بالجهر؛ فهم قليلون جداً بالنسبة إلى الآخرين، وظاهر نص الشافعي في «المختصر»: الإسرار؛ لأنه قال: ويخفي القراءة. ولم يفرق بين الليل والنهار، ولو كانا يفترقان؛ لذكره. ويحتج له بحديث أبي أمامة الذي ذكرناه» [ا. هـ مختصراً].
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٥٦١)]
стр. 1637
ترتيل القراءة وتحسين الصوت بها
стр. 1638
تَرْتيلُ القراءةِ وتحسينُ الصوت بها وفضل ذلك
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٦٧:
والسنة أن يرتل القرآن ترتيلا، لا هذًّا ولا عجلة، بل قراءة مفسرة حرفا حرفا، ويزين القرآن بصوته، ويتغنى به في حدود الأحكام المعروفة عند أهل العلم بالتجويد، ولا يتغنى به على الألحان المبتدعة، ولا على القوانين الموسيقية.
أصل الصفة:
وكان ﷺ كما أمره الله تعالى- يرتل القرآن ترتيلاً؛ لا هَذّاً، ولا عَجَلَةً؛ بل قراءة مفسرة؛ حرفاً حرفاً، حتى كان يرتل السورة؛ حتى تكون أطول من أطولَ منها.
وكان يقول: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا؛ فإن منزلك عند آخر آية تقرؤها».
«حرفًا حرفًا»: أي: كلمة كلمة. يعني: مرتلة محققة مبينة. كما في «شرح الشمائل».
«حتى تكون أطول من أطولَ منها» أي: حتى تصير السورة القصيرة كـ: «الأَنْفَال» مثلاً -لاشتمالها على الترتيل- أطول من طويلة خلت عنه كـ: «الأَعْرَاف». وفيه ندب ترتيل القراءة في الصلاة، وهو إجماع. كذا في «شرح الشمائل» للمناوي.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٥٦٢)]
أيهما أفضل: الترتيل وقلة القراءة، أو: السرعة مع كثرة القراءة ؟
اختلف العلماء في أيهما الأفضل: الترتيل وقلة القراءة، أو: السرعة مع كثرة القراءة؟ على قولين؛ فذهب إلى الأول: ابن مسعود، وابن عباس، واختاره ابن سيرين.
стр. 1639
وذهب إلى الآخر: الشافعية، واحتجوا بقوله ﷺ : «من قرأ حرفاً من كتاب الله؛ فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها. .. ». الحديث.
وقد مضى في «القراءة» من التعليق [ص ٣٦٨].
وجمع بين القولين ابن القيم في «الزاد» «١/ ١٢٥»، وتبعه الحافظ في «الفتح» «٩/ ٧٣»؛ فقالا - واللفظ للحافظ -: «والتحقيق: أن لكل من الإسراع والترتيل جهةَ فَضْلٍ؛ بشرط أن يكون المسرع لا يخلُّ بشيء من الحروف والحركات والسكون الواجبات؛ فلا يمتنع أن يفضُل أحدهما الآخر، وأن يستويا؛ فإن من رَتّلَ وتأمل؛ كمن تصدق بجوهرة واحدة مُثَمَّنَةٍ، ومن أسرع؛ كمن تصدق بعدة جواهر، لكن قيمتها قيمة الواحدة، وقد تكون قيمة الواحدة أكثرَ من قيمة الأُخريات، وقد يكون بالعكس». اهـ.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٥٦٢)]
مد حروف المد في القراءة
وكان يمد قراءته «عند حروف المد» فيمد «بِسْمِ اللَّهِ»، ويمد «الرَّحْمَنِ»، ويمد «الرَّحِيمِ»، و «نَضِيدٌ» «٥٠: ٤٥» وأمثالها.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٥٦٥)]
الوقوف على رؤوس الآيات
وكان يقف على رؤوس الآي.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٥٦٦)]
стр. 1640
السنة الوقوف على رأس كل آية
«حديث أم سلمة: «أن النبى ﷺ قرأ في الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم, وعدها آية». صحيح.
أخرجه أبو داود «٤٠٠١» وعنه البيهقى «٢/ ٤٤» والترمذى «٢/ ١٥٢» وفى «الشمائل» «٢/ ١٣١» والدارقطنى «١١٨» والحاكم «٢/ ٢٣١ ـ ٢٣٢» وأحمد «٦/ ٣٠٢» وأبو عمرو الدانى في «القراءات» «ق ٦/ ١, ٨/ ٢» من طرق عن يحيى بن سعيد الأموى قال: حدثنا ابن جريج عن عبد الله بن أبى مليكة عنها أنها سئلت عن قراءة رسول الله ﷺ فقالت: كان يقطع قراءته آية آية: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين, الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين.
فائدة: قال أبو عمرو الدانى في «باب تفسير الوقف الحسن «٥/ ٢»: ومما ينبغى له أن يقطع عليه رءوس الآى, لأنهن في أنفسهن مقاطع, وأكثر ما يوجد التام فيهن لاقتضائهن تمام الجمل, واستبقاء أكثرهن انقضاء القصص. وقد كان جماعة من الأئمة السالفين والقراء الماضين يستحبون القطع عليهن, وإن تعلق كلام بعضهن ببعض, لما ذكرنا من كونهن, مقاطع, ولسن بمشبهات لما كان من الكلام التام في أنفسهن دون نهاياتهن ثم روى عن اليزيدى عن أبى عمرو أنه كان يسكت على رأس كل آية, فكان يقول: إنه أحب إلى إذا كان آية أن يسكت عندها, وقد وردت السنة أيضا بذلك عن رسول الله ﷺ عند استعماله التقطيع ثم ساق هذا الحديث.
قلت: وهذه سنة تركها أكثر قراء هذا الزمان, فالله المستعان.
[إرواء الغليل تحت حديث رقم (٣٤٣)]
الترجيع في القراءة
وكان أحياناً يُرَجِّعُ صوته؛ كما فعل يوم الفتح وهو على ناقته، يقرأ سورة «الفَتْحِ» «٤٨: ٤٩» [قراءة لينة]. وقد حكى عبد الله بن مغفل ترجيعه هكذا: «آآآ».
стр. 1641
قوله: «يرجع»: مِن: التَّرْجِيْع.
قال الحافظ: «هو تقارب ضروب الحركات في القراءة، وأصله: الترديد. وترجيع الصوت: ترديده في الحلق». اهـ.
وقال المناوي: «وذلك ينشأ غالباً عن أَرْيحِيَّةٍ وانبساط، والمصطفى ﷺ حصل له من ذلك حظ وافر يوم الفتح».
قال الحافظ في شرح قوله: «آآ آ»: «بهمزة مفتوحة، بعدها ألف ساكنة، ثم همزة أخرى». ثم ذكر «١٣/ ٤٤٢» نحوه عن القرطبي. ونقل القاري مثله عينه ميرك شاه، ثم قال: «والأظهر أنها ثلاث ألفات ممدودات». ثم قال الحافظ: «ثم قالوا: يحتمل أمرين؛ أحدهما: أن ذلك حدث من هَزِّ الناقة. والآخر: أنه أشبع المد في موضعه؛ فحدث ذلك. وهذا الثاني أشبه بالسياق؛ فإنَّ في بعض طرقه: لولا أن يجتمع الناس؛ لقرأت لكم بذلك اللحن. أي: النغم».
قال القرطبي: «وقوله هذا يشير إلى أن القراءة بالترجيع تجمع نفوس الناس إلى الإصغاء، وتستميلها بذلك، حتى لا تكاد تصبر عن استماع الترجيع المَشُوْبِ بلذة الحكمة المهيمة». ثم قال الحافظ: والذي يظهر أن في الترجيع قدراً زائداً على الترتيل؛ فعند ابن أبي داود من طريق أبي إسحاق عن علقمة قال: بتُّ مع عبد الله بن مسعود في داره، فنام، ثم قام، فكان يقرأ قراءة الرجل في مسجد حَيِّه؛ لا يرفع صوته، ويُسْمعُ من حوله، ويرتل ولا يرجِّع.
وقال الشيخ أبو محمد ابن أبي جمرة: معنى الترجيع: تحسين التلاوة .. لا ترجيع الغناء؛ لأن القراءة بترجيع الغناء تنافي الخشوع الذي هو مقصود التلاوة.
قال الشيخ القاري «٢/ ١٤٢ - ١٤٣»: «ومن تأمل أحوال السلف؛ علم أنهم بريئون من التصنع في القراءة بالألحان المخترعة، دون التطريب، والتحسين الطبيعي؛ فالحق أن ما كان منه طبيعة وسجيَّة؛ كان محموداً - وإنْ أعانته طبيعته على زيادة تحسين وتزيين- لِتأثُّرِ التالي والسامع به.
стр. 1642
وأما ما فيه تكلف وتصنع بتعلم أصوات الغناء وألحان مخصوصة؛ فهذه هي التي كرهها السلف والأتقياء من الخلف».
تنبيه: وأما الحديث الذي أخرجه الترمذي في «الشمائل» «٢/ ١٤٣» عن حُسام ابن مِصَكٍّ عن قتادة قال: ما بعث الله نبياً إلا حسن الوجه حسن الصوت، وكان نبيكم حسن الوجه حسن الصوت، وكان لا يرجع. فهو مع انقطاعه؛ فإن حساماً هذا: ضعيف يكاد أن يترك -كما في «التقريب» -.
قال في «الميزان»: «ومن مناكيره هذا الخبر».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٥٦٧)]
الأمر بتحسين الصوت بالقرآن
وكان يأمر بتحسين الصوت بالقرآن؛ فيقول: «زينوا القرآن بأصواتكم؛ [فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً]».
قال في «فيض القدير»: وفي أدائه بحسن الصوت وجودة الأداء بَعْثٌ للقلوب على استماعه وتدبره والإصغاء إليه.
قال التُّورْبِشْتي: هذا إذا لم يخرجه التغني عن التجويد، ولم يصرفه عن مراعاة النظم في الكلمات والحروف، فإن انتهى إلى ذلك؛ عاد الاستحبابُ كراهةً.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٥٧٠)]
فضل تحسين الصوت بالقرآن
وكان يقول: «لله أشد أَذَنَاً إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن؛ [يجهر به] من صاحب القينة».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٥٧٤)]
стр. 1643
مِن أحسن الناس صوتًا بالقرآن
ويقول: «إن من أحسن الناس صوتاً بالقرآن: الذي إذا سمعتموه يقرأ؛ حسبتموه يخشى الله».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٥٧٥)]
الأمر بالتغني بالقرآن
وكان يأمر بالتغني بالقرآن؛ فيقول: «تعلَّموا كتاب الله، وتعاهدوه، واقتنوه، وتغنَّوا به؛ فوالذي نفسي بيده! لهو أشد تفلتاً من المخاض في العقل». ويقول: «ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن» ..
ويقول: «ما أذن الله لشيء ما أَذِنَ «وفي لفظ: كأَذَنِه» لنبي [حسن الصوت، «وفي لفظ: حسن الترنم»] يتغنى بالقرآن؛ [يجهر به]».
قوله: «أذن»: قال الحافظ المنذري: «أذِن - بكسر الذال -؛ أي: ما استمع لشيء من كلام الناس كما استمع الله إلى من تغنى بالقرآن؛ أي: يُحسِّن به صوته. وذهب سفيان بن عيينة وغيره إلى أنه من الاستغناء، وهو مردود».
وقوله: «يتغنى بالقرآن»؛ اختُلف في المراد من «التغني» على خمسة أقوال؛ ذكرها في «الفتح»، والصحيح - كما قال النووي في «شرح مسلم» - أنه: تحسين الصوت، قال: «وهو قول أكثر العلماء من الطوائف وأصحاب الفنون».
ويؤيده قوله: «يجهر به». وكذا قوله: «حسن الترنم». فإن الترنم - كما قال الطبري - لا يكون إلا بالصوت إذا حسنه القارئ، وطرَّب به. ولذلك قال الحافظ: «وظواهر الأخبار ترجح أن المراد تحسين الصوت».
قال: «ولا شك أن النفوس تميل إِلى سماع القراءة بالترنم أكثر من ميلها لمن لا يترنم؛ لأن للتطريب تأثيراً في رقة القلب، وإجراء الدمع». اهـ.
стр. 1644
وقال ابن القيم «١/ ١٩٣»: «وذلك عَوْنٌ على المقصود، وهو بمنزلة الحلاوة التي تُجعل في الدواء؛ لتُنفِذه إلى موضع الداء، وبمنزلة الأفاويه والطِّيب الذي يُجعل في الطعام؛ لتكون الطبيعة أدعى له قَبُولاً، وبمنزلة الطِّيب والتحلِّي وتجمُّل المرأة لبعلها؛ ليكون أدعى إلى مقاصد النكاح».
قال السيد رشيد رضا ﵀: «كثيراً ما رأينا بعض أدباء النصارى يرغبون في سماع القرآن من القراء المجودين، ويعترفون بقوة تأثيره في القلوب.
وفي «الصحيح» أن المشركين كانوا يؤذون أبا بكر ﵁، ويمنعونه من الصلاة في المسجد الحرام، ثم حاولوا منعه من رفع صوته بالقرآن في بيته؛ لما رأوا من إقبال الناس - ولا سيما النساء، والأولاد المُدْرِكين - عليه، وتأثير قراءته في نفوسهم. وقد أدرك بعض علماء الإفرنج ما كان لتلاوة رسول الله ﷺ للقرآن من التأثير العظيم في جذب العرب إلى الإسلام، واعترف بأنه كان أشد تأثيراً من جميع معجزات الأنبياء في هداية الناس». اهـ.
ثم قال الحافظ: «وكان بين السلف اختلاف في جواز القراءة بالألحان. أما تحسين الصوت وتقديم حَسَنِ الصوت على غيره؛ فلا نزاع في ذلك». ثم ذكر أقوال العلماء في القراءة بالألحان، وحكى جوازه عن جماعة من الصحابة والتابعين، وهو المنصوص للشافعي، ونقله الطحاوي عن الحنفية. ثم قال: «ومحل هذا الاختلاف إذا لم يختل شيء من الحروف عن مخرجه، فلو تغير - قال النووي في «التبيان»: - أجمعوا على تحريمه». اهـ.
وقد ذكر ابن القيم في «الزاد» أقوال الفريقين المبيحين للقراءة بالألحان والمانعين «١/ ١٩١ - ١٩٥»، ثم قال: وفصل النزاع أن يقال: التطريب والتغنِّي على وجهين: أحدهما: ما اقتضته الطبيعة، وسمحت به من غير تكلُّف، ولا تمرين وتعليم؛ بل إذا خُلِّيَ وطَبْعَه، واسترسلت طبيعته؛ جاءت بذلك التطريب والتلحين، فذلك جائز، وإن أعان طبيعتَه فضلُ تزيين وتحسين؛ كما قال أبو موسى للنبي ﷺ : لو علمتُ أنك تسمع؛ لحبّرتُه لك تحبيراً.
стр. 1645
والحزين، ومن هاجه الطرب والحب والشوق لا يملك من نفسه دفع التحزين والتطريب في القراءة، ولكن النفوس تقبله، وتستحليه؛ لموافقته الطبع، وعدم التكلف، والتصنع؛ فهو مطبوع لا متطبع، وكَلِف لا متكلِّف.
فهذا هو الذي كان السلف يفعلونه ويستمعونه؛ وهو التغني الممدوح المحمود، وهو الذي يتأثر به السامع والتالي، وعلى هذا الوجه تحمل أدلة أرباب هذا القول كلها.
الوجه الثاني: ما كان من ذلك صناعة من الصنائع، وليس في الطبع السماحة به، بل لا يحصل إلا بتكلف وتصنع وتمرن؛ كما يتعلم أصوات الغناء بأنواع الألحان البسيطة والمركبة على إيقاعات مخصوصة، وأوزان مخترعة، لا تحصل إلا بالتعلم والتكلف؛ فهذه هي التي كرهها السلف، وعابوها، وذموها، ومنعوا القراءة بها، وأنكروا على من قرأ بها.
وأدلة أرباب هذا القول إنما تتناول هذا الوجه. وبهذا التفصيل يزول الاشتباه، ويتبين الصواب من غيره، وكل من له علم بأحوال السلف يعلم قطعاً أنهم برآء من القراءة بألحان الموسيقى المتكلفة؛ التي هي إيقاع، وحركات موزونة معدودة محدودة، وأنهم أتقى لله من أن يقرؤوا بها ويُسَوِّغوها، ويعلم قطعاً أنهم كانوا يقرؤون بالتحزين والتطريب، ويَحَسِّنون أصواتهم بالقرآن، ويقرؤونه بشجى تارة، وبطرب تارة، وبشوق تارة، وهذا أمر [مركوز] في الطباع تقاضيه، ولم يَنْهَ عنه الشارع، مع شدة تقاضي الطباع له؛ بل أرشد إليه، وندب إليه، وأخبر عن استماع الله لمن قرأ به.
وقال: «قالوا: ولا بدَّ للنفس من طرب واشتياق إلى الغناء؛ فعُوِّضَت عن طرب الغناء بطرب القرآن، كما عُوِّضت عن كل محرم ومكروه بما هو خير لها منه؛ كما عُوِّضت عن الاستقسام بالأزلام بالاستخارة؛ التي هي محض التوحيد والتوكل، وعن السِّفاح بالنكاح، وعن القمار بالمراهنة بالنِّصَال وسباق الخيل، وعن السماع الشيطاني بالسماع الرحماني القرآني، ونظائره كثيرة جداً».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٥٧٧)]
стр. 1646
حُسْن قراءة أبي موسى الأشعري
وقال لأبي موسى الأشعري ﵁: «لو رأيتَني وأنا أستمع لقراءتك البارحة! لقد أوتيتَ مزماراً من مزامير آل داود. [فقال أبو موسى: لو علمتُ مكانك؛ لحبّرت «٢» لك تحبيراً]».
قوله: «مزمارًا»: قال العلماء: المراد بالمزمار هنا: الصوت الحسن. وأصل الزمر: الغناء. وآل داود: هو داود نفسه. وآل فلان: قد يطلق على نفسه، وكان داود ﷺ حسن الصوت جداً. ذكره النووي في «شرح مسلم».
قوله: «لحبرت»: يريد: تحسين الصوت وتحزينه. يقال: حبَّرت الشيء تحبيراً؛ إذا حسنته - كما في «النهاية» -.
قال الحافظ ابن كثير: «دل هذا على جواز تعاطي ذلك وتكلفه، وقد كان أبو موسى - كما قال ﵊ قد أُعطي صوتاً حسناً، مع خشية تامة، ورقة أهل اليمن؛ فدل على أن هذا من الأمور الشرعية».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٥٩١)]
стр. 1647
كتاب الركوع
стр. 1648
السكتة قبل الركوع، ورفع اليدين عند تكبيرة الركوع، وبيان ركنية الركوع، ووجوب التكبير
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٦٩ - ٧٢:
فإذا فرغ من القراءة سكت سكتة لطيفة بمقدار ما يترادّ إليه نفَسُه.
ثم يرفع يديه على الوجوه المتقدمة في تكبيرة الإحرام.
ويكبر، وهو واجب.
ثم يركع، بقدر ما تستقر مفاصله، ويأخذ كل عضو مأخذه، وهذا ركن.
وقال في أصل الصفة:
ثم كان ﷺ إذا فرغ من القراءة؛ سكت سكتةً، ثم رفع يديه؛ على الوجوه المتقدمة في «تكبيرة الافتتاح» وكَبَّر، وركع.
وأمر بهما «المسيء صلاته» فقال له: «إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء، كما أمره الله. .. ثم يكبر الله، ويحمده، ويمجده، ويقرأ ما تيسر من القرآن مما علمه الله وأذن له فيه، ثم يكبر، ويركع، [ويضع يديه على ركبتيه]، حتى تطمئن مفاصله وتسترخي. .. » الحديث.
قوله: «سكت سكتة» يدل على ذلك ما سبق من هديه ﷺ في قراءة القرآن، وأنه كان يقف عند كل آية. «وهذه السكتة قدرها ابن القيم وغيره بقدر ما يتراد إليه نَفَسُهُ».
وقد جاء في ذلك حديث صريح من رواية سَمُرة بن جُنْدُب: أنه ﷺ كان له سكتتان: سكتة حين يكبر، وسكتة حين يفرغ من القراءة عند الركوع.
ولكنه ليس على شرطنا - كما سبق بيانه في «القراءة» -، فتركناه، واستغنينا عنه بما ذكرنا من هديه ﷺ في القراءة.
стр. 1649
وقد أتفق الشافعية على استحباب هذه السكتة - كما في «المجموع» «٣/ ٣٩٥» - واحتجوا على ذلك بحديث سَمُرة هذا.
قال الترمذي «٢/ ٣١»: وبه يقول أحمد، وإسحاق، وأصحابنا.
قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن السكتتين. .. إلخ. ثم قال النووي: قال الشيخ أبو محمد في «التبصرة»: رُوي أن رسول الله ﷺ نهى عن الوصال في الصلاة. وفسَّروه على وجهين: أحدهما: وصل القراءة بتكبيرة الركوع، يكره ذلك، بل يفصل بينهما.
والثاني: ترك الطمأنينة في الركوع والاعتدال، والسجود والاعتدال؛ فيحرم أن يصل الانتقال بالانتقال، بل يسكن للطمأنينة انتهى.
والحديث المذكور غريب، أورده الغزالي في «الإحياء» وقال مخرجه العراقي «١/ ١٣٩»: «عزاه رَزِين إلى الترمذي، ولم أجده عنده».
قوله: «رفع يديه» اعلم أنه قد تواتر هذا الرفع عنه ﷺ ، وكذا الرفع عند الاعتدال من الركوع؛ رواه جمع من الصحابة، فنسوق أحاديث من صحت الأسانيد إليهم [ثم ساق الإمام ما صح من ذلك إلى أن قال]: ولم يصح ما يخالف هذه الأحاديث، إلا ما رواه عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ألا أصلي لكم صلاة رسول الله ﷺ ؟ قال علقمة: فصلى؛ فلم يرفع يديه إلا أول مرة.
أخرجه أحمد «١/ ٣٨٨»، وكذا أبو داود «١/ ١٢٠»، والترمذي «٢/ ٤٠»، والنسائي «١/ ١٥٨»، والطحاوي «١/ ١٣٢»، والبيهقي «٢/ ٧٨»، وابن حزم في «المحلى» «٤/ ٨٧» من طرق عن وكيع: ثنا سفيان عن عاصم بن كُلَيب عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة عنه.
وهذا سند صحيح. رجاله رجال مسلم. وقد حسنه الترمذي، وصححه ابن حزم، وخالفهم آخرون فضعفوه؛ كابن المبارك، والدارقطني، وابن حبان وغيرهم.
والحق أنه صحيح ثابت، لا مطعن في إسناده، وإن كان يستغرب من ابن
стр. 1650
مسعود ﵁ أن تخفى عليه هذه السنة مع قِدَمِ صحبته للنبي ﷺ ! ومع ذلك؛ فليست هي أول سنة عملية خفيت عليه، بل لها أمثلة أخرى: منها: سنة الأخذ بالركب في الركوع؛ فكان ﵁ ينكرها، ويذهب إلى التطبيق، مع ثبوت أنه منسوخ - كما يأتي بيانه قريباً -؛ ولذلك أجمع العلماء على رد ما رواه من التطبيق.
واختلفوا في العمل بحديثه هذا؛ فذهب جمهور علماء الإسلام؛ فقهاؤهم ومحدثوهم في سائر الأقطار والأمصار إلى ترك العمل به، والأخذ بالأحاديث المذكورة المُثْبِتَةِ للرفع في هذين الموضعين عند الركوع والرفع منه، وهو مذهب مالك في آخر قوله، «وهو الذي مات عليه ﵀ كما رواه ابن عساكر «١٥/ ٧٨/٢» -»، والشافعي، وأحمد وغيرهم. وخالفهم أكثر علماء الكوفة، ومنهم الإمام أبو حنيفة وأصحابه؛ فأعرضوا عن هذه الأحاديث، وأخذوا بحديث ابن مسعود هذا.
وجرى بسبب هذا الخلافِ بين الفريقين نزاعٌ طويل بين أتباعهم ومقلديهم؛ كل ينتصر لإمامه، وما ذهب إليه. والأمر عندي أهون من ذلك؛ فقد ثبت الرفع عنه ﷺ بالتواتر - كما رأيت -، حتى قال ابن القيم في رسالة «الصلاة» «٢٠٩»: «إنه صح ذلك عنه ﷺ ؛ كما صح التكبير للركوع، بل الذين رووا عنه رفع اليدين هنا أكثر من الذين رووا عنه التكبير». اهـ.
فثبوت ذلك لا ينكره إِلا جاهل. وقد اعترف بذلك علماؤنا، لكنهم ذهبوا إلى أنها منسوخة، واحتجوا على ذلك بحديث ابن مسعود. ولا يخفى أن القواعد الأصولية المتفق عليها بين الحنفية ومخالفيهم تأبى القول بالنسخ؛ لأنهم قالوا: إنه لا يجوز القول بالنسخ ما أمكن الجمع بين المتعارضين. وهو ممكن هنا من وجهين:
الأول: أن يقال: إنه ﷺ كان يرفع أحياناً، أو في غالب الأوقات، ويدع أحياناً.
الثاني: أن يقال: المثبِتُ مقدم على النافي. وهي قاعدة أصولية أيضاً.