Полный текст (8 195 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
حُسْن قراءة أبي موسى الأشعري
وقال لأبي موسى الأشعري ﵁: «لو رأيتَني وأنا أستمع لقراءتك البارحة! لقد أوتيتَ مزماراً من مزامير آل داود. [فقال أبو موسى: لو علمتُ مكانك؛ لحبّرت «٢» لك تحبيراً]».
قوله: «مزمارًا»: قال العلماء: المراد بالمزمار هنا: الصوت الحسن. وأصل الزمر: الغناء. وآل داود: هو داود نفسه. وآل فلان: قد يطلق على نفسه، وكان داود ﷺ حسن الصوت جداً. ذكره النووي في «شرح مسلم».
قوله: «لحبرت»: يريد: تحسين الصوت وتحزينه. يقال: حبَّرت الشيء تحبيراً؛ إذا حسنته - كما في «النهاية» -.
قال الحافظ ابن كثير: «دل هذا على جواز تعاطي ذلك وتكلفه، وقد كان أبو موسى - كما قال ﵊ قد أُعطي صوتاً حسناً، مع خشية تامة، ورقة أهل اليمن؛ فدل على أن هذا من الأمور الشرعية».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٥٩١)]
стр. 1647
كتاب الركوع
стр. 1648
السكتة قبل الركوع، ورفع اليدين عند تكبيرة الركوع، وبيان ركنية الركوع، ووجوب التكبير
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٦٩ - ٧٢:
فإذا فرغ من القراءة سكت سكتة لطيفة بمقدار ما يترادّ إليه نفَسُه.
ثم يرفع يديه على الوجوه المتقدمة في تكبيرة الإحرام.
ويكبر، وهو واجب.
ثم يركع، بقدر ما تستقر مفاصله، ويأخذ كل عضو مأخذه، وهذا ركن.
وقال في أصل الصفة:
ثم كان ﷺ إذا فرغ من القراءة؛ سكت سكتةً، ثم رفع يديه؛ على الوجوه المتقدمة في «تكبيرة الافتتاح» وكَبَّر، وركع.
وأمر بهما «المسيء صلاته» فقال له: «إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء، كما أمره الله. .. ثم يكبر الله، ويحمده، ويمجده، ويقرأ ما تيسر من القرآن مما علمه الله وأذن له فيه، ثم يكبر، ويركع، [ويضع يديه على ركبتيه]، حتى تطمئن مفاصله وتسترخي. .. » الحديث.
قوله: «سكت سكتة» يدل على ذلك ما سبق من هديه ﷺ في قراءة القرآن، وأنه كان يقف عند كل آية. «وهذه السكتة قدرها ابن القيم وغيره بقدر ما يتراد إليه نَفَسُهُ».
وقد جاء في ذلك حديث صريح من رواية سَمُرة بن جُنْدُب: أنه ﷺ كان له سكتتان: سكتة حين يكبر، وسكتة حين يفرغ من القراءة عند الركوع.
ولكنه ليس على شرطنا - كما سبق بيانه في «القراءة» -، فتركناه، واستغنينا عنه بما ذكرنا من هديه ﷺ في القراءة.
стр. 1649
وقد أتفق الشافعية على استحباب هذه السكتة - كما في «المجموع» «٣/ ٣٩٥» - واحتجوا على ذلك بحديث سَمُرة هذا.
قال الترمذي «٢/ ٣١»: وبه يقول أحمد، وإسحاق، وأصحابنا.
قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن السكتتين. .. إلخ. ثم قال النووي: قال الشيخ أبو محمد في «التبصرة»: رُوي أن رسول الله ﷺ نهى عن الوصال في الصلاة. وفسَّروه على وجهين: أحدهما: وصل القراءة بتكبيرة الركوع، يكره ذلك، بل يفصل بينهما.
والثاني: ترك الطمأنينة في الركوع والاعتدال، والسجود والاعتدال؛ فيحرم أن يصل الانتقال بالانتقال، بل يسكن للطمأنينة انتهى.
والحديث المذكور غريب، أورده الغزالي في «الإحياء» وقال مخرجه العراقي «١/ ١٣٩»: «عزاه رَزِين إلى الترمذي، ولم أجده عنده».
قوله: «رفع يديه» اعلم أنه قد تواتر هذا الرفع عنه ﷺ ، وكذا الرفع عند الاعتدال من الركوع؛ رواه جمع من الصحابة، فنسوق أحاديث من صحت الأسانيد إليهم [ثم ساق الإمام ما صح من ذلك إلى أن قال]: ولم يصح ما يخالف هذه الأحاديث، إلا ما رواه عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ألا أصلي لكم صلاة رسول الله ﷺ ؟ قال علقمة: فصلى؛ فلم يرفع يديه إلا أول مرة.
أخرجه أحمد «١/ ٣٨٨»، وكذا أبو داود «١/ ١٢٠»، والترمذي «٢/ ٤٠»، والنسائي «١/ ١٥٨»، والطحاوي «١/ ١٣٢»، والبيهقي «٢/ ٧٨»، وابن حزم في «المحلى» «٤/ ٨٧» من طرق عن وكيع: ثنا سفيان عن عاصم بن كُلَيب عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة عنه.
وهذا سند صحيح. رجاله رجال مسلم. وقد حسنه الترمذي، وصححه ابن حزم، وخالفهم آخرون فضعفوه؛ كابن المبارك، والدارقطني، وابن حبان وغيرهم.
والحق أنه صحيح ثابت، لا مطعن في إسناده، وإن كان يستغرب من ابن
стр. 1650
مسعود ﵁ أن تخفى عليه هذه السنة مع قِدَمِ صحبته للنبي ﷺ ! ومع ذلك؛ فليست هي أول سنة عملية خفيت عليه، بل لها أمثلة أخرى: منها: سنة الأخذ بالركب في الركوع؛ فكان ﵁ ينكرها، ويذهب إلى التطبيق، مع ثبوت أنه منسوخ - كما يأتي بيانه قريباً -؛ ولذلك أجمع العلماء على رد ما رواه من التطبيق.
واختلفوا في العمل بحديثه هذا؛ فذهب جمهور علماء الإسلام؛ فقهاؤهم ومحدثوهم في سائر الأقطار والأمصار إلى ترك العمل به، والأخذ بالأحاديث المذكورة المُثْبِتَةِ للرفع في هذين الموضعين عند الركوع والرفع منه، وهو مذهب مالك في آخر قوله، «وهو الذي مات عليه ﵀ كما رواه ابن عساكر «١٥/ ٧٨/٢» -»، والشافعي، وأحمد وغيرهم. وخالفهم أكثر علماء الكوفة، ومنهم الإمام أبو حنيفة وأصحابه؛ فأعرضوا عن هذه الأحاديث، وأخذوا بحديث ابن مسعود هذا.
وجرى بسبب هذا الخلافِ بين الفريقين نزاعٌ طويل بين أتباعهم ومقلديهم؛ كل ينتصر لإمامه، وما ذهب إليه. والأمر عندي أهون من ذلك؛ فقد ثبت الرفع عنه ﷺ بالتواتر - كما رأيت -، حتى قال ابن القيم في رسالة «الصلاة» «٢٠٩»: «إنه صح ذلك عنه ﷺ ؛ كما صح التكبير للركوع، بل الذين رووا عنه رفع اليدين هنا أكثر من الذين رووا عنه التكبير». اهـ.
فثبوت ذلك لا ينكره إِلا جاهل. وقد اعترف بذلك علماؤنا، لكنهم ذهبوا إلى أنها منسوخة، واحتجوا على ذلك بحديث ابن مسعود. ولا يخفى أن القواعد الأصولية المتفق عليها بين الحنفية ومخالفيهم تأبى القول بالنسخ؛ لأنهم قالوا: إنه لا يجوز القول بالنسخ ما أمكن الجمع بين المتعارضين. وهو ممكن هنا من وجهين:
الأول: أن يقال: إنه ﷺ كان يرفع أحياناً، أو في غالب الأوقات، ويدع أحياناً.
الثاني: أن يقال: المثبِتُ مقدم على النافي. وهي قاعدة أصولية أيضاً.
стр. 1651
وقال البخاري في «جزئه» «٧»: «فإذا روى رجلان عن محدث، قال أحدهما: رأيته يفعل. وقال الآخر: لم أره.
فالذي قال: رأيته فعل. فهو شاهد. والذي قال: لم يفعل. فليس هو بشاهد؛ لأنه لم يحفظ الفعل. وهكذا قال عبد الله بن الزبير لشاهدين شهدا أن لفلان على فلان ألف درهم بإقراره. وشهدا أنه لم يقر بشيء: يعمل بقول الشاهدين، ويسقط ما سواه.
وكذلك قال بلال: رأيت النبي ﷺ صلى في الكعبة.
وقال الفضل بن العباس: لم يصل. وأخذ الناس بقول بلال؛ لأنه شاهد، ولم يلتفتوا إلى قول من قال: لم يصل.
حين لم يحفظ». اهـ.
فهكذا قول من قال من الصحابة: إنه ﷺ رفع يديه. مقدم على قول من قال: لم يرفع. لأنه لم يحفظ ما حفظوه، لا سيما وهم جمع، وذاك فرد؛ وهو ابن مسعود.
واستبعاد علمائنا ﵏ أن يخفى عليه ذلك لا يُجديهم نفعاً؛ لأن للمعارض أن يعكس ذلك؛ فيقول: وأبعد من ذلك أن يكون ابن مسعود علم النسخ الذي تدّعونه، ويخفى ذلك على جمهور الصحابة، وفيهم بعض الخلفاء الراشدين، فكانوا يعملون بالمنسوخ في زعمكم، ويروونه للأمة لتعمل به؛ لا سيما ابن عمر ﵁ الذي كان إِذا رأى رجلاً لا يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع؛ رماه بالحصى. كما رواه البخاري «٨» بسند صحيح. فلو كان رسول الله ﷺ قد ترك ذلك؛ لما فعلوا ذلك. على أن ما استبعده علماؤنا، وفروا منه قد وقعوا فيه؛ فإنهم رووا التطبيق عن ابن مسعود، ثم تركوه إلى الأخذ بالأخذ بالركب؛ لأحاديث وردت في ذلك.
والغريب أن هذه الأحاديث - التي ردوا بها تطبيق ابن مسعود - لا تبلغ قوتها قوة أحاديث الرفع - المعارضة لحديث ابن مسعود الفرد في ترك الرفع -. أفلا قالوا: إنه يستبعد أن يخفى على ابن مسعود الأخذ بالركب. فتركوا ذلك؛ لتركه له،
стр. 1652
وأخذوا بما رواه من التطبيق؟ ! كلا؛ لم يفعلوا ذلك، وأخذوا بالأحاديث الأخرى المعارضة لحديث ابن مسعود؛ فأصابوا، فكان عليهم أن يأخذوا أيضاً بأحاديث الرفع، ويتركوا حديث ابن مسعود في تركه. وهذا إلزام قوي لا مناص لهم من الأخذ به؛ لولا غَلَبة التقليد على أكثر الناس! وقد احتج بعض علمائنا بحجة أخرى على النسخ؛ وهو حديث جابر بن سمرة مرفوعاً: «ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شُمْسٍ؟ ! اسكنوا في الصلاة».
أخرجه مسلم وغيره - كما سيأتي في آخر الكتاب [ص ١٠٣٣ - ١٠٣٤]-.
والاحتجاج به من أعجب الأشياء - كما قال النووي «٣/ ٤٠٣» -؛ لأن الحديث لم يرد في الرفع عند الركوع والرفع منه؛ بل ورد في رفع الأيدي حالة السلام من الصلاة؛ فإنهم كانوا يشيرون بها إلى الجانبين، فنهاهم رسول الله ﷺ عن ذلك - كما سيأتي منصوصاً عليه في الحديث نفسه -.
وهذا لا خلاف فيه بين أهل الحديث، ومن له أدنى اختلاط بأهل الحديث - كما قال النووي أيضاً -.
وقال البخاري في «جزئه» «١٣»: «فأما احتجاج من لا يعلم بهذا الحديث؛ فإنما كان هذا في التشهد لا في القيام».
قال: «ولا يحتج بهذا من له حَظٌّ من العلم. هذا معروف مشهور؛ لا اختلاف فيه، ولو كان كما ذَهَبَ إليه؛ لكان رفع الأيدي في تكبيرة الافتتاح، وأيضاً تكبيرات صلاة العيد منهياً عنها؛ لأنه لم يستثن رفعاً دون رفع».
قال: «فليحذر امرؤ أن يتقول على رسول الله ﷺ ما لم يقل.
قال الله : ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾». اهـ.
فقد تبين أن لا دليل لعلمائنا فيما ذهبوا إليه من النسخ. ومن اللطائف أن بعض المتأخرين المنصفين منهم قد عكس ذلك عليهم؛ ألا وهو أبو الحسن السندي
стр. 1653
الحنفي ﵀؛ حيث قال في «حاشيته على ابن ماجه»: «قول من قال بالنسخ قول بلا دليل؛ بل لو فرض في الباب نسخ؛ لكان الأمر بعكس ما قالوا، فإن مالك بن الحويرث ووائل بن حُجْر - من رواة الرفع - ممن صلى مع النبي ﷺ آخر عمره؛ فروايتهما الرفعَ عند الركوع والرفع منه دليلٌ على تأخرِ الرفع، وبطلان دعوى النسخ، فإن كان هناك نسخ؛ فينبغي أن يكون المنسوخ ترك الرفع، كيف وقد روى مالك هذا جلسة الاستراحة، فحملوها على أنها كانت في آخر عمره في سن الكبر، فهي ليس مما فعلها النبي ﷺ قصداً؛ فلا تكون سنة! وهذا يقتضي أن لا يكون الرفع الذي رواه ثابتاً لا منسوخاً؛ لكونه آخر عُمُرِه عندهم، فالقول بأنه منسوخ قريب من التناقض. وقد قال ﷺ لمالك وأصحابه: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
وبالجملة؛ فالأقربُ القول باستنان الأمرين، والرفع أقوى وأكثر». اهـ.
قلت: ولحديث ابن مسعود هذا ذهب ابن حزم إلى سُنِّيَّةِ هذا الرفع المختلف فيه، قال «٤/ ٨٨»: «ولولاه؛ لكان فرضاً على كل مُصَلٍّ أن يصلي كما كان ﵊ يصلي، وكان ﵊ يصلي رافعاً يديه عند كل خفض ورفع، ولكن لما صح خبر ابن مسعود؛ علمنا أن رفع اليدين فيما عدا تكبيرة الإحرام سنة وندب فقط». اهـ.
فجعلَ حديث ابن مسعود صارفاً للأمر في حديث مالك: «صلوا. .. ». من الوجوب إلى السنية والاستحباب.
هذا، والذي أعتقده أن أئمتنا الأولين - أبا حنيفة وغيره - لم تبلغهم تلك الأحاديث المتواترة عنه ﷺ في رفع اليدين في الموضعين المذكورين، ولو بلغتهم؛ لأخذوا بها، وتركوا حديث ابن مسعود؛ كما تركوا حديث التطبيق للأحاديث المعارضة لذلك. ويؤيد ذلك أن أبا حنيفة ﵀ لما سأله بعض المحدثين عن سبب تركه رفع اليدين؟ قال: «لأنه لم يصح فيه حديث عن رسول الله ﷺ ». في حكاية ذكرها علماؤنا في كتبهم! فهل يعقل أن يقول عالم مثل أبي حنيفة هذا الجواب
стр. 1654
في حديث متواتر رواه عشرون من الصحابة، وعملوا به؟ ! كلا، ثم كلا. ولكن عذره في ذلك أنها لم تبلغه، ولم يكن عنده علم بها؛ فجاز له أن يقول: لم يصح فيه شيء. وبالتالي جاز له ترك العمل بها.
لكن إذا جاز ذلك لأبي حنيفة وأمثاله. المتقدمين؛ فلن يجوز ذلك مطلقاً للمتأخرين من أتباعه الذين أطلعوا على هذه الأحاديث الكثيرة، وعلموا صحتها، وأنه لا ينهض شيء من الأخبار لمعارضتها، فهم إذا تركوها تعصباً لأبي حنيفة، وتقليداً له؛ فهم مع مخالفتهم للسنة الثابتة عنه ﷺ ، مخالفون أيضاً لإمامهم؛ فإنه ﵁ لأمثال هؤلاء وَجَّه تلك الأقوال المأثورة عنه ﵁؛ كقوله: «إذا صح الحديث؛ فهو مذهبي». وقوله: «لا يحل لأحد أن يفتي بقولنا ما لم يعلم من أين قلنا». فإذا كان ﵁ لا يُحِل لأحد أن يفتي بقوله في مسألة إلا إذا علم دليله فيها؛ فكيف يجيز لأحد من أتباعه أن يفتي بقوله فيها وقد علم ضعف ما استند إليه بالنسبة للأدلة الصحيحة الأخرى- كما في مسألتنا هذه، وغيرها من المسائل الماضية والآتية -؟ ! فنحن نحمد الله أن وفقنا لاتباع سنة نبيه ﷺ ، ونرجو منه تعالى أن يجزي خير الجزاء الإمام أبا حنيفة وغيره من الأئمة الذين وجهونا هذا الاتجاه الحسن نحو السنة؛ بأمثال هذه الأقوال الجوهرية الثمينة.
فثبت بما ذكرنا أن من ترك السنة الثابتة لقول إمام؛ فهو مخالف له، وهو غير راضٍ عنه. ولذلك خالفه في هذه المسألة غير ما واحد من أتباعه المتقدمين والمتأخرين. وأقدم من وقفنا عليه منهم هو عصام بن يوسف: أبو عِصْمة البَلْخي، تلميذ أبي يوسف ﵀، المتوفى سنة «٢١٥»؛ فقد أوردوه في تراجم الحنفية، وذكروا أنه كان يرفع يديه عند الركوع والرفع منه.
وعلّق على ذلك العلامة أبو الحَسَنات اللَّكْنوي في كتابه «الفوائد البهية»: يُعلم منه بطلان رواية مكحول عن أبي حنيفة: «أن من رفع يديه في الصلاة؛ فسدت صلاته» - التي اغتر أمير كاتب الإتقاني بها -؛ فإن عصام بن يوسف كان من ملازمي أبي يوسف، وكان يرفع، فلو كان لتلك الرواية أصل؛ لعلم بها أبو يوسف
стр. 1655
وعصام. ثم قال: «ويُعلم أيضاً أن الحنفيَّ لو تَرَكَ في مسألةٍ مذهبَ إمامه لقوة دليل خلافه؛ لا يخرج به عن رِبْقَةِ التقليد، بل هو عين التقليد في صورة ترك التقليد. .. » إلخ كلامه. وقد ذكرناه بتمامه في «المقدمة» فراجعه.
وأما المتأخرون؛ فهم كثيرون والحمد لله، لا سيما حنفية الهند؛ فإنهم - بارك الله فيهم - أكثر المسلمين اليوم علماً وعملاً بالسنة، وأقلهم تعصباً للمذهب، إلا ما وافق الحق منه. فمنهم: أبو الحسن السندي - وقد مضى كلامه في ذلك قريباً -. ومنهم: ولي الله الدهلوي في «حجة الله البالغة» «٢ - ١٠»، وأبو الحسنات اللكنوي في «التعليق المُمَجَّد على موطأ محمد» «٨٩ - ٩١»، والشيخ محمد أنور الكشميري في كتابه «فيض الباري» «٢/ ٢٥٧». ولولا خشية الإطالة؛ لنقلت كلماتهم في ذلك، فاكتفينا بالإشارة إليها، وإلى مواضعها من كتبهم. فليراجعها من شاء.
وأقول أيضاً: إنه لم يَخْلُ قرن فيما مضى إلا ووجد فيه كثير من الحنفية يعملون بالسنة وإن خالفت المذهب، ولكن موانع - يعلمها أهل العلم - منعت من وصول أخبارهم إلينا، أو تظاهرهم بها أمام أتباعهم المتعصبين. وقد كان الشيخ صالح الحِمْصي ﵀ وهو من علماء الحنفية - يرى سنية الرفع هذا، ولكنه كان لا يفعل ذلك خوفاً من قيام المتعصبين عليه، كما صارحني بذلك ﵀.
ومما يؤيد هذا الرأي أنه وُجد في القرن الثامن من الهجرة بعض الأئمة الحنفية كان يرفع يديه في كل تكبيرة وهو إمام، فجاء في فتوى شيخ الإسلام ما ملخصه «٢/ ٣٧٥ - ٣٨٠»: مسألة في رجل حنفي؛ صلى في جماعة، ورفع يديه في كل تكبيرة، فأنكر عليه فقيه الجماعة، وقال له: هذا لا يجوز في مذهبك، وأنت مبتدع فيه، وأنت مذبذب؛ لا بإمامك اقتديت، ولا بمذهبك اهتديت. فهل ما فعله نقصٌ في صلاته، ومخالفةٌ للسنة ولإمامه، أم لا؟ فأجاب رحمه الله تعالى بعد أن أثبت سنية الرفع عند الركوع والرفع منه، ونفى سنية الرفع مع كل تكبيرة - وتبعه على ذلك تلميذه ابن القيم، ويأتي بيان خطئهما في ذلك في محله إن شاء الله تعالى -، قال شيخ
стр. 1656
الإسلام: «وإذا كان الرجل متبعاً لأبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد، ورأى في بعض المسائل أن مذهب غيره أقوى، فاتبعه؛ كان قد أحسن في ذلك، ولم يقدح ذلك في دينه ولا عدالته بلا نزاع؛ بل هذا أولى بالحق وأحب إلى الله ورسوله ﷺ ممن يتعصب لواحد معين غير النبي ﷺ ويرى أن قوله هو الصواب الذي ينبغي اتباعه دون قول الإمام الذي خالفه، فمن فعل هذا؛ كان جاهلاً ضالاً، بل قد يكون كافراً؛ فإنه متى اعتقد أنه يجب على العامة تقليد فلان وفلان؛ فهذا لا يقوله مسلم. ومن كان موالياً للأئمة، محباً لهم، يقلد كل واحد منهم فيما يظهر أنه موافق للسنة؛ فهو محسن في ذلك، بل هو أحسن حالاً من غيره، ولا يقال لمثل هذا: مذبذب؛ على وجه الذم، وإنما المذبذب المذموم الذي لا يكون مع المؤمنين ولا مع الكفار؛ بل يأتي المؤمنين بوجه، ويأتي الكفار بوجه؛ كما قال تعالى في حق المنافقين: ﴿إِنَّ المُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً. مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ. .. ﴾ الآية».
قال: «ومن تعصب لواحد بعينه من الأئمة دون الباقين؛ فهو بمنزلة من تعصب لواحد بعينه من الصحابة دون الباقين؛ كالرافضي الذي يتعصب لعلي دون الخلفاء الثلاثة وجمهور الصحابة، وكالخارجي الذي يقدح في عثمان وعلي ﵄. فهذه طرق أهل البدع والأهواء، فمن تعصب لواحد من الأئمة بعينه؛ ففيه شبه من هؤلاء، سواء تعصب لمالك أو الشافعي أو أبي حنيفة أو أحمد أو غيرهم.
ثم غاية المتعصب لواحد منهم أن يكون جاهلاً بقدره في العلم والدين، وبقدر الآخرين؛ فيكون ظالماً جاهلاً، والله يأمر بالعدل والعلم، وينهى عن الجهل والظلم.
وهذا أبو يوسف ومحمد أتبع الناس لأبي حنيفة، وأعلمهم بقوله، وهما قد خالفاه في مسائل لا تكاد تحصى؛ لَمَّا تبين لهما من السنة والحجة ما وجب عليهما اتباعه، وهما مع ذلك معظِّمان لإمامهما، لا يقال فيهما: مذبذبان! بل أبو حنيفة وغيره من الأئمة يقول القول، ثم تتبين له الحجة في خلافه؛ فيقول بها، ولا يقال له:
стр. 1657
مذبذب.
فإن الإنسان لا يزال يطلب العلم والإيمان -؛ بل هذا مهتدٍ زاده الله هدى، وقد قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.
فالواجب على كل مؤمن موالاة المؤمنين، وعلماء المؤمنين، وأن يقصد الحق، ويتبعه حيث وجده، ويعلم أن من اجتهد منهم فأصاب؛ فله أجران، ومن اجتهد منهم فأخطأ؛ فله أجر لاجتهاده، وخطؤه مغفور له. وعلى المؤمنين أن يتبعوا إمامهم إذا فعل ما يسوغ، وليس لأحد أن يتخذ قول بعض العلماء شعاراً يوجب اتباعه، وينهى عن غيره مما جاءت به السنة».
قال: «وجمهور المتعصبين لا يعرفون من الكتاب والسنة إلا ما شاء الله؛ بل يتمسكون بأحاديث ضعيفة، أو آراء فاسدة، أو حكايات عن بعض العلماء والشيوخ، قد تكون صدقاً، وقد تكون كذباً، وإن كانت صدقاً؛ فليس صاحبها معصوماً. يتمسكون بنقلٍ غيرِ مصدَّق عن قائل غير معصوم، ويَدَعون النقل المصدق عن القائل المعصوم، وهو ما نقله الثقات من أهل العلم، ودونوه في الكتب الصحاح عن النبي ﷺ ؛ فإن الناقلين لذلك مصدَّقون باتفاق أئمة الدين، والمنقول عنه معصوم، لا ينطق عن الهوى؛ ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، قد أوجب الله تعالى على جميع الخلق طاعته واتباعه؛ قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾». اهـ.
وقد تعمدت ذكر من ذهب من الحنفية إلى مشروعية الرفع، تنبيهاً للمتعصبين من مشايخنا وأتباعهم، وليعلموا أن هناك من علمائنا من يقول بذلك؛ فإن هؤلاء وأمثالهم في كل عصر كثر، لحصرهم العلم والفقه في كتب معلومة، حتى قال لي بعضهم: إن علمنا - معشرَ الحنفية - محصور في كتابين فقط لا غير: «حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح «و» حاشية ابن عابدين على الدر. .. »! ولقلة اطلاعهم على غيرها لا تكاد تجد فيهم من يعرف غير ما فيها؛ كيف لا، وكثيرون
стр. 1658
منهم يعدون قراءة كتب الحديث ومطالعتها تضييعاً للوقت! بل صارحني بعض المشايخ بقوله: «علم الحديث صنعة المفاليس»! فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وقد بلغ ببعضهم التعصب في المسألة إلى أن افترى على رسول الله ﷺ الكذب! فذكر أنه قال ﵊: «من رفع يديه في الركوع؛ فلا صلاة له»! قال الشيخ علي القاري في موضوعاته «٨١ و ١٢٩»: «موضوع. وضعه محمد بن عُكَّاشة الكِرْماني قبّحه الله». اهـ.
قلت: وفي مقابل هذا حديث: «إن لكل شيء زينة، وزينة الصلاة رفع الأيدي عند كل تكبيرة. .. » الحديث.
أخرجه الحاكم «٢/ ٥٣٨»، ومن طريقه البيهقي «٢/ ٧٤»، وغيرهما، عن إسرائيل ابن حاتم عن مُقاتِل بن حَيّان عن الأصبغ بن نَبَاتة عن علي ﵁ مرفوعاً به.
سكت الحاكم عليه! وضعفه البيهقي.
وقال الذهبي: «إسرائيل: صاحب عجائب لا يعتمد عليه. وأصبغ: شيعي متروك عند النسائي».
قلت: وكذا أورده ابن الجوزي في «الموضوعات»، وقال: إنه موضوع؛ كما في «اللآلي» «٢/ ١١» للسيوطي، وقال: «وقال الحافظ ابن حجر في تخريجه: إسناده ضعيف جداً».
قلت: ولم يقف الأمر عند هذا الحَدّ بل تجاوزه إلى تحريف معاني القرآن الكريم! فاسمع ما أورده أبو الحسنات اللكنوي في «التعليق المُمَجَّد» قال «٩٢»: قال صاحب الكنز المدفون والفلك المشحون: وقفت على كتاب لبعض مشايخ الحنفية، ذكر فيها مسائل خلاف، ومن عجائب ما فيه: الاستدلال على ترك رفع اليدين في الانتقالات بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾! وما زلت أحكي ذلك لأصحابنا على سبيل التعجب، إلى أن ظفرت في «تفسير
стр. 1659
الثعلبي» بما يَهُون عنده هذا العظيم؛ وذلك أنه حكى في سورة «الأَعْرَاف» عن التنوخي القاضي أنه قال في قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾: إن المراد بالزينة رفع اليدينَ في الصلاة! فهذا في هذا الطرف، وذاك في الطرف الآخر. اهـ.
ولقد كانت هذه المسألة وأمثالها مَثَار فتن عظيمة بين الحنفية والشافعية، حتى لقد دفعَتْهم إلى وضع القاعدة المشهورة عند الفريقين: «وتكره الصلاة وراء المخالف في المذهب»! وهي كراهة تحريم عند علمائنا، ولا تزال آثار هذه القاعدة بادية في مساجدنا! ففيها المحاريب الأربعة، وترى فيها ناساً يصلون مع الإمام، وآخرين ينتظرون إمام مذهبهم! حتى لقد قلت مرة لبعض هؤلاء: حي على الصلاة؛ فإنها أقيمت. فكان جوابه أن قال: «إنها لم تُقَمْ لنا؛ إنها للشافعية»! وهم بذلك مخالفون لصريح قوله ﵊: «إذا أقيمت الصلاة؛ فلا صلاة إلا المكتوبة».
رواه مسلم وغيره. وفي لفظ لأحمد: «إلا التي أقيمت».
وليس يضيق على المتعصب أن يحرف معنى الحديث - كما حرف الآية السابقة الذكر -؛ فيقول: إن معنى الحديث: «إذا أقيمت الصلاة»: أي: الصلاة الكاملة. ولما كانت صلاة الشافعية ناقصة الأجر؛ لم يشملنا الحديث، وسلمنا من مخالفته.
هكذا يقول بعضهم! وهم مدفوعون بالقاعدة المشار إليها آنفاً؛ ظناً منهم أنها قاعدة متفق عليها بين الحنفية؛ لأنه قلما يرى - أو إن شئت قلت: لا يرى - خلافاً فيها.
ولذلك أحببت أن أذكر بعض النقول عن بعض أئمتنا مما يخالف هذه القاعدة المزعومة؛ فقد جاء في مجلة «نور الإسلام» المجلد السادس من السنة الأولى «ج ٦ ص ٣٨٨»:
وذهب أبو بكر الرازي من الحنفية إلى جواز الاقتداء بالمخالف في الفروع بإطلاق.
стр. 1660
فقال: يجوز للحنفي الاقتداء بمن خالف مذهبنا من المجتهدين وتقليدهم، وإن رأى ما يبطل الصلاة على رأيه ومذهبه.
ونقل ابن الهُمام عن شيخه سِراج الدين الشهير بـ: «قارئ «الهداية»»: أنه كان يعتقد قول الرازي حتى أنكر مرة أن يكون فساد الصلاة بذلك مروياً عن المتقدمين. وللشيخ محمد عبد العظيم بن فَرُّوخ رسالة اعتمد فيها قول الرازي، وبنى رسالته عليه؛ حيث قال: هذا «يعني: قول الرازي» هو المنصور درايةً، وإن اعتمدوا خلافه روايةً، وهو الذي أميل إليه. وعليه يتمشى ما ذهبنا إليه في هذه الوُرَيقات. ثم قال مُحَرِّر هذا البحث، وهو الأستاذ الفاضل محمد الخضر حسين: «وذهب أبو بكر محمد بن علي القَفَّال - من أكابر علماء الشافعية - إلى أن العبرة باعتقاد الإمام؛ فيصح اقتداء الشافعي بالحنفي أو المالكي، إذا أتى بالصلاة على الوجه الصحيح في مذهبه، وإن لم تكن صحيحة على مذهب المأموم، وتحقق المأموم ذلك».
قال الأستاذ الفاضل: «ووجه هذا المذهب: أن الأصل صحة اقتداء المسلمين بعضهم ببعض. ومن ذهب إلى عدم الصحة؛ فعليه إقامة الدليل. ولم نر للقائلين بعدم الصحة إلا دليلاً؛ هو اعتقاد المأموم أن إمامه على خطأ؛ وهذا غير كافٍ في الاستدلال؛ لأن المأموم يعتقد مع ذلك أن عمل الإمام صحيح عند الله؛ إذ كل مجتهد مطالب بأن يعمل على مقتضى اجتهاده، ومن قلده إنما يعمل على مقتضى هذا الاجتهاد، وإذا كان عمل المجتهد أو من يقلده صحيحاً عند الله تعالى؛ فما المانع من الاقتداء به؟ ! ثم إن السلف من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين كانوا يختلفون في الفروع، ولم يُنقَل عن أحد منهم أنه تحرَّج من الاقتداء بمن يخالفه في اجتهاده». اهـ.
قلت: بل جاء عن أبي يوسف ﵀ أنه صلى خلف هارون الرشيد وقد احتجم، وأفتاه مالك بأنه لا يتوضأ؛ فصلى خلفه أبو يوسف، ولم يُعِدْ. وكان أحمد بن حنبل يرى الوضوء من الحجامة والرُّعاف. فقيل له: «فإن كان الإمام قد خرج منه الدم، ولم يتوضأ؛ فصلى خلفه؟ فقال: كيف لا أصلي خلف سعيد بن المسيب
стр. 1661
ومالك؟ ! ».
وبالجملة؛ فهذا المذهب الذي ذهب إليه أبو بكر الرازي الحنفي، وأبو بكر القفال - خلافاً للمشهور من مذهبهما - هو الصواب، وهو مذهب مالك وأحمد؛ وذلك لأمرين: الأول: أن القول بخلافه بدعة في الدين؛ لم يقل به أحد من السلف الصالح ﵃ -كما سبق-. وقد قال ابن مسعود ﵁: «اتبعوا ولا تبتدعوا؛ فقد كُفيتم، عليكم بالأمر العتيق». فالأمر العتيق هو هذا.
الثاني: قوله ﷺ : «يصلون بكم، فإن أصابوا؛ فلكم ولهم، وإن أخطؤوا؛ فلكم وعليهم».
أخرجه البخاري «٢/ ١٤٩»، وأحمد «٢/ ٣٥٥» واللفظ له.
قال ابن المنذر: «هذا الحديث يرد على من زعم أن صلاة الإمام إذا فسدت؛ فسدت صلاة من خلفه». كذا في «الفتح» «٢/ ١٤٩».
وقال شيخ الإسلام في «الفتاوى» «٢/ ٣٨١»: «فقد بين ﷺ أن خطأ الإمام لا يتعدى إلى المأموم، ولأن المأموم يعتقد أن ما فعله الإمام سائغ له، وأن لا إثم عليه فيما فعل؛ فإنه مجتهد، أو مقلد مجتهد، وهو يعلم أن هذا قد غفر الله له خطأه؛ فهو يعتقد صحة صلاته، وأنه لا يأثم إذا لم يُعِدْها، بل لو حكم بمثل هذا؛ لم يجُزْ له نقض حكمه؛ بل كان ينفذه.
وإذا كان الإمام قد فعل باجتهاده - و ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ -، والمأموم قد فعل ما وجب عليه؛ كانت صلاة كل منهما صحيحة، وكان كل منهما قد أدى ما يجب عليه، وقد حصلت موافقة الإمام في الأفعال الظاهرة.
وقول القائل: إن المأموم يعتقد بطلان صلاة الإمام. خطأ منه؛ فإن المأموم يعتقد أن الإمام فعل ما وجب عليه، وأن الله قد غفر له ما أخطأ فيه، وأنه لا تبطل صلاته لأجل ذلك، ولو أخطأ الإمام والمأموم فسلم الإمام خطأً، واعتقد المأموم جواز متابعته، فسلَّم - كما سلَم المسلمون خلف النبي ﷺ لَمَّا سلم من اثنتين
стр. 1662
سهواً، مع علمهم بأنه إنما صلى ركعتين، وكما لو صلى خمساً سهواً؛ فصلوا خلفه خمساً؛ كما صلى الصحابة خلف النبي ﷺ لَمَّا صلى بهم خمساً؛ فتابعوه، مع علمهم بأنه صلى خمساً؛ لاعتقادهم جواز ذلك -؛ فإنه تصح صلاة المأموم في هذه الحال، فكيف إذا كان المخطئ هو الإمام وحده؟ ! وقد اتفقوا كلهم على أن الإمام لو سلم خطأً؛ لم تبطل صلاة المأموم إذا لم يتابعه، ولو صلى خمساً، لم تبطل صلاة المأموم إذا لم يتابعه؛ فدلَّ ذلك على أن ما فعله الإمام خطأً لا يلزم فيه بطلان صلاة المأموم. والله أعلم».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٦٠١)]
صفة الركوع
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٧٣:
ويضع يديه على ركبتيه، ويمكنهما من ركبتيه، ويفرج بين أصابعه، كأنه قابض على ركبتيه، وهذا كله واجب.
وقال في أصل الصفة:
وكان ﷺ في أول الأمر يُطَبِّقُ بين كفيه، ثم يجعلهما بين ركبتيه، [ويخالف بين أصابعه].
ثم ترك ذلك، ونهى عنه.
وكان ﷺ يضع كفيه على ركبتيه. وكان يأمرهم بذلك. وأمر به أيضاً «المسيء صلاته» - كما مر آنفاً -.
قال الحازمي: «وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب؛ فذهب نفر إلى العمل بهذا الحديث؛ منهم: عبد الله بن مسعود، والأسود بن يزيد، وأبو عُبيدة بن عبد الله بن مسعود، وعبد الرحمن بن الأسود.
стр. 1663
وخالفهم في ذلك كافة أهل العلم من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، ورأوا أن هذا الحديث كان محكماً في ابتداء الإسلام، ثم نُسخ، ولم يبلغ ابنَ مسعود نسخُه، وعرف ذلك أهل المدينة؛ فرووه، وعملوا به.
وقال بعض أهل العلم: في ذلك دلالة على أن أهل المدينة أعلم بالناسخ والمنسوخ ممن فارقها، وسكن غيرها من البلاد». اهـ.
قلت: وكما خفي على ابن مسعود ﵁ سنية وضع اليدين على الركبتين، خفيت عليه أيضاً سنية رفع اليدين في غير تكبيرة الإحرام -كما سبق بيانه-.
أما كيف يخفى عليه ذلك، وهو من قدماء الصحابة الملازمين للرسول ﷺ سفراً وحضراً؟ ! فمن عجائب الأمور التي لا نجد لها تعليلاً إلا مجرد كونه بشراً يسهو وينسى.
والله تعالى أعلم بوقائع الأمور.
قال الترمذي - بعد أن ساق حديث عمر ﵁: «والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، والتابعين ومن بعدهم، لا اختلاف بينهم في ذلك، إلا ما روي عن ابن مسعود وبعض أصحابه أنهم كانوا يطبقون». اهـ.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٦٢٦)]
تمكين اليدين من الركبتين في الركوع
وكان يُمكّن يديه من ركبتيه [كأنه قابضٌ عليهما].
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٦٣١)]
стр. 1664
تفريج أصابع اليدين حال الركوع
وكان يُفرِّج بين أصابعه. وأمر به «المسيء صلاته»؛ فقال: «إذا ركعت؛ فضع راحتيك على ركبتيك، ثم فرِّج بين أصابعك، ثم امْكُث حتى يأخذ كل عضو مأخذه».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٦٣٢)]
جعل الأصابع على الساقين حال الركوع
وكان يجعل أصابعه أسفل من ذلك؛ [على ساقيه].
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٦٣٤)]
التطبيق في الركوع منسوخ
عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، وَعَلْقَمَةَ، قَالَا: أَتَيْنَا عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ فِي دَارِهِ، فَقَالَ: أَصَلَّى هَؤُلَاءِ خَلْفَكُمْ؟ فَقُلْنَا: لَا، قَالَ: فَقُومُوا فَصَلُّوا، فَلَمْ يَأْمُرْنَا بِأَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ، قَالَ وَذَهَبْنَا لِنَقُومَ خَلْفَهُ، فَأَخَذَ بِأَيْدِينَا فَجَعَلَ أَحَدَنَا عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرَ عَنْ شِمَالِهِ، قَالَ: فَلَمَّا رَكَعَ وَضَعْنَا أَيْدِيَنَا عَلَى رُكَبِنَا، قَالَ: فَضَرَبَ أَيْدِيَنَا وَطَبَّقَ بَيْنَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ أَدْخَلَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ، قَالَ: فَلَمَّا صَلَّى، قَالَ: «إِنَّهُ سَتَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ مِيقَاتِهَا، وَيَخْنُقُونَهَا إِلَى شَرَقِ الْمَوْتَى، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ قَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ، فَصَلُّوا الصَّلَاةَ لِمِيقَاتِهَا، وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ سُبْحَةً، وَإِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَصَلُّوا جَمِيعًا، وَإِذَا كُنْتُمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَلْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ، وَإِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْرِشْ ذِرَاعَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَلْيَجْنَأْ، وَلْيُطَبِّقْ بَيْنَ كَفَّيْهِ، فَلَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى اخْتِلَافِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَرَاهُمْ».
стр. 1665
[قال الإمام]:
شرق الموتى: أي إلى أن دنت الشمس للغروب، والإضافة إلى الموتى لكون ضوئها عند ذلك ساقطاً على المقابر، أو أراد أنهم يصلونها ولم يبق من النهار إلا بقدر ما يبقى من نفس المحتضر إذا شرق بريقه أي غص.
واعلم أن في هذا الحديث أمورا لم يستمر عمل النبي ﷺ عليها فوجب بيانها:
الأول: وقوف الاثنين عن يمين الإمام ويساره والسنة أن يقفا خلفه لحديث جابر الآتي في كتاب الفضائل.
الثاني: التطبيق: والسنة الأخذ بالركب كما في الباب الآتي.
الثالث: الأذان والإقامة لمن سمع النداء. فقد بينت في بعض طرق حديث المسئ صلاته أنه أمره ﷺ بهما.
[التعليق على مختصر صحيح مسلم ص ٨٣]
المجافاة حال الركوع
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٧٦:
ويباعد مرفقيه عن جنبيه.
وقال في أصل الصفة:
وكان يجافي، ويُنَحِّي مرفقيه عن جنبيه.
قال الترمذي: «وهو الذي اختاره أهل العلم؛ أن يُجافيَ الرجل يديه عن جنبيه في الركوع والسجود».
قلت: وذكر الطحاوي «١/ ١٣٥» إجماع المسلمين.
وقال النووي «٣/ ٤١٠»: «ولا أعلم في استحبابها خلافاً لأحد من العلماء،
стр. 1666
والحكمة فيها أنها أكمل في هيئة الصلاة وصورتها». اهـ.
وتخصيص الترمذي ذلك بالرجل يُشعر أن المرأة لا تجافي؛ بل تضم بعضها إلى بعض. وهو مذهب الحنفية والشافعية وغيرهم؛ خلافاً لابن حزم؛ فإنه صرح في «المحلى» «٤/ ١٢٢ - ١٢٤» بأن الرجل والمرأة في ذلك سواء.
قال: «ولو كان لها حكم بخلاف ذلك؛ لما أغفل رسول الله ﷺ بيان ذلك. والذي يبدو منها في هذا العمل هو بعينه الذي يبدو منها في خلافه ولا فرق. وبالله تعالى نعتصم». اهـ.
وما ورد في ذلك عنه ﷺ لا يصح منه شيء؛ ففي «التلخيص» «٣/ ٣٨١»: روى أبو داود في «المراسيل» عن يزيدَ بن أبي حبيب: أنه ﷺ مر على امرأتين تصليان، فقال: «إذا سجدتما؛ فضُمَّا بعض اللحم إلى الأرض؛ فإن المرأة في ذلك ليست كالرجل».
ورواه البيهقي من طريقين موصولين، لكن في كل منهما متروك.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٦٣٥)]
وجوب بسط الظَّهْر وتسويته حال الركوع
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٧٤:
ويمد ظهره ويبسطه، حتى لو صب عليه الماء لاستقر، وهو واجب.
وقال في أصل الصفة:
وكان إذا ركع؛ بسَط ظهرَهُ وسوَّاه؛ «حتى لو صُبَّ عليه الماء؛ لاستقر».
وقال للمسيء صلاته: «فإذا ركعتَ؛ فاجعلْ راحتَيْكَ على رُكْبتيك، وامْدُدْ ظهرك، ومكِّن لركوعك».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٦٣٧)]
стр. 1667
مساواة الرأس للظهر حال الركوع
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٧٥:
ولا يخفض رأسه، ولا يرفعه، ولكن يجعله مساويا لظهره.
وقال في أصل الصفة:
وكان لا يَصُبُّ رأسَه، ولا يُقْنعُ؛ ولكن بين ذلك.
«لا يقنع» أي: لا يرفع رأسه حتى يكون أعلى من ظهره. «نهاية».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٦٣٧)]
وجوبُ الطُّمأنينة في الركوع
وكان يطمئن في ركوعه. وأمر به «المسيء صلاته»؛ فقال: «إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ. .. » الحديث. وفيه: «ثم يكبر. .. ثم يقول: الله أكبر. ثم يركع حتى تطمئن مفاصله».
قال الحافظ في «الفتح» «٢/ ٢٢٢»: «واستُدِلَّ بهذا الحديث على وجوب الطمأنينة في أركان الصلاة. وبه قال الجمهور».
واشتهر عن الحنفية أن الطمأنينة سنة، وصرح بذلك كثير من مصنفيهم، لكن كلام الطحاوي كالصريح في الوجوب عندهم؛ فإنه ترجم في «شرح المعاني» «١/ ١٣٦ - ١٣٧»: «مقدار الركوع والسجود»، ثم ذكر الحديث الذي أخرجه أبو داود وغيره في قوله: « ... سبحان ربي العظيم - ثلاثاً في الركوع -، وذلك أدناه».
قال: «فذهب قوم إلى أن هذا مقدار الركوع والسجود، ولا يُجزئ أدنى منه».
قال: «وخالفهم آخرون؛ فقالوا: إذا استوى راكعاً، واطمأن ساجداً؛ أجزأ». ثم قال: «وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد». اهـ.
стр. 1668
وقال السندي: «نَصَّ الطحاويُّ في آثاره أن مذهب أبي حنيفة وصاحبيه افتراض الطمأنينة في الركوع والسجود. وهو أقرب؛ للأحاديث».
وكان يقول: «أتمُّوا الركوعَ والسجود؛ فوالذي نفسي بيده! إني لأراكم من بعد ظهري إذا ما ركعتم، وإذا ما سجدتم».
«وأتموا»: أي: ائتوا بهما تامَّيْن كاملين؛ بشرائطهما، وسننهما، وآدابهما، وأوفوا الطمأنينة فيهما حقها، فتجب الطمأنينة فيهما في الفرض، وكذا في النفل عند الشافعية؛ وذلك بأن تستقر أعضاؤه في محلها.
قال الحراني: الإتمام: التوفية لما له صورة تلتئم من أجزاء وآحاد. كذا في «فيض القدير» للمناوي.
«فوالذي نفسي بيده» فيه جواز الحلف بالله تعالى من غير ضرورة، ولكن المستحب تركه إلا لحاجة؛ كتأكيد أمر، وتفخيمه، والمبالغة في تحقيقه وتمكينه من النفوس، وعلى هذا يُحمل ما جاء في الأحاديث من الحلف.
«من بعد ظهري» أي: من ورائي.
قال العلماء: معناه: أن الله تعالى خلق له ﷺ إدراكاً في قفاه يبصر به من ورائه. وقد انخرقت العادة له ﷺ بأكثر من هذا، وليس يمنع من هذا عقل ولا شرع؛ بل ورد الشرع بظاهره؛ فوجب القول به.
قال القاضي: قال أحمد بن حنبل وجمهور العلماء: هذه الرؤية رؤية بالعين حقيقة. كذا في «شرح مسلم».
قال ابن حجر: «وظاهر الحديث أن ذلك خاص بحالة الصلاة، ويحتمل العموم». انتهى.
وكلام جمعٍ متقدمين مصرِّحٌ بالعموم. كذا في «الفيض».
قلت: والظاهر ما قاله ابن حجر، «وهي من معجزاته ﷺ »، والعموم لا دليل عليه من السنة. والله أعلم.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٦٤٠)]
стр. 1669
حكم ترك الاطمئنان في الركوع
ورأى رجلاً لا يُتِمُّ ركوعه، وينقر في سجوده وهو يصلي؛ فقال: «لو مات هذا على حاله هذه؛ مات على غير ملة محمد ﷺ [ينقر صلاته كما ينقر الغرابُ الدمَ]، مَثَلُ الذي لا يتم ركوعه وينقر في سجوده؛ مثل الجائع الذي يأكل التمرة والتمرتين، لا يُغنِيان عنه شيئاً».
وقال أبو هريرة ﵁: «نهاني خليلي ﷺ أن أنقر في صلاتي نقر الدّيك، وأن ألتفت التفات الثعلب، وأن أُقعي كإقعاء القرد».
وكان ﷺ يقول: «أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته».
قالوا: يا رسول الله! وكيف يسرق من صلاته؟ قال: «لا يتم ركوعها وسجودها».
قال الباجي: «قصد ﷺ أن يُعَلِّمهم أن الإخلال بإتمام الركوع والسجود كبيرة، وأنه أسوأ مما تقرر عندهم أنه فاحشة. وإنما خص الركوع والسجود؛ لأن الإخلال في الغالب إنما يقع بهما، وسماه سرقة على معنى أنه خيانة فيما اؤتمن على أدائه». كذا في «التنوير».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٦٤٢)]
لا صلاة لمن لا يقيم صلبه في الركوع
وكان يصلي، فلمح بمؤخَّر عينه إلى رجل لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، فلما انصرف؛ قال: «يا معشر المسلمين! إنه لا صلاة لمن لا يقيم صلبه في الركوع والسجود».
وقال في حديث آخر: «لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود».
стр. 1670
«فلمح» أي: نظر ولاحظ.
قال السندي: «وهذا إما مبنيٌّ على زعمه، وإلا؛ فهو ﷺ كان يرى من خلفه أحياناً، وأحياناً يلمح».
«لا يقيم» أي: لا يعدل ولا يسوي. والمقصود الطمأنينة في الركوع والسجود.
قال الترمذي: «والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم؛ يرون أن يقيم الرجل صلبه في الركوع والسجود.
وقال الشافعي، وأحمد، وإسحاق: من لم يُقِم صلبه في الركوع والسجود؛ فصلاته فاسدة؛ لهذا الحديث». انتهى.
وقول أحمد وإسحاق بذلك: رواه المروزي في «مسائله عنهما».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٦٤٧)]
وجوب الاطمئنان في الركوع وعدم حصوله إلا بشروط
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:
ومن هيئات الركوع:
قوله فيها: «الواجب في الركوع مجرد الانحناء بحيث تصل اليدان إلى الركبتين ولكن السنة فيه. .. ».
قلت: هذا لا يكفي بل لا بد من الاطمئنان الذي جاء الأمر به في حديث المسيء صلاته وغيره.
ومن العجيب أن المؤلف ذكر هذا فيما تقدم ص ٢٥ من كتابه وذكر بعض الأحاديث المشار إليها فكأنه نسي ذلك كله عندما نقل هذا وهو في «المهذب وشرحه» ٣١/ ٤٠٦.والله المستعان.
وبهذه المناسبة أقول:
стр. 1671
يجب أن يعلم أن الاطمئنان الواجب لا يحصل إلا بتحقيق ما يأتي:
١ - وضع اليدين على الركبتين.
٢ - تفريج أصابع الكفين.
٣ - مد الظهر.
٤ - التمكين للركوع والمكث فيه حتى يأخذ كل عضو مأخذه.
وهذا كله ثابت في روايات عديدة لحديث المسيء صلاته، وهو مخرج في «صفة الصلاة» ص ١٣٣ - ١٣٤ - طبع المكتب الإسلامي.
[تمام المنة ص (١٨٨)]
أذكار الركوع والجمع بينها أحيانًا والاقتصار على بعضها أحيانًا
وكان يقول في هذا الركن أنواعاً من الأذكار والأدعية، تارةً بهذا، وتارةً بهذا.
ويحتمل أنه ﷺ كان يجمع بينها، أو بين بعضها، أو يقتصر على نوع واحد منها، كل ذلك جائز محتمل، ولم نقف على نص يرجح بعض هذه الاحتمالات؛ ولذلك قال ابن القيم في «الزاد» «١/ ٣٧»: وكان يقول: «سبحان ربي العظيم». وتارة يقول مع ذلك، أو مقتصراً عليه: «سبحانك اللهم ربنا! وبحمدك، اللهم! اغفر لي».
وقال النووي في «الأذكار»: «والأفضل أن يجمع بين هذه الأذكار كلها؛ إن تمكن، وكذا ينبغي أن يفعل في أذكار جميع الأبواب».
وتعقبه العلامة صديق حسن خان في «نزل الأبرار» «٨٤»؛ فقال: «يأتي مرة بهذه، وبتلك أخرى. ولا أرى دليلاً على الجمع. وقد كان رسول الله ﷺ لا يجمعها في ركن واحد؛ بل يقول هذا مرة، وهذا مرة، والاتباع خير من الابتداع».
стр. 1672
قلت: وهذا هو الحق إن شاء الله تعالى، لكن قد ثبت في السنة إطالة هذا الركن وغيره - كما سيأتي بيانه -؛ لا سيما في صلاة الليل وغيرها - حتى يكون قريباً من قيامه ﷺ ، فإذا أراد المسلم الاقتداء به ﷺ في هذه السنة؛ «فلا يمكنه ذلك إلا على طريقة الجمع الذي ذهب إليه النووي»، فأرى أنه لا مانع من الجمع بينها في هذه الحال.
أما إن اقتصر على نوع واحد من هذه الأنواع المذكورة؛ فلا يمكنه ذلك «إلا على طريقة التكرار المنصوص عليه في بعض هذه الأذكار؛ وهذا أقرب إلى السنة». والله أعلم.
ثم بعد كتابة ما تقدم رأيت في «قيام الليل» «٧٦» عن عطاء ما يؤيد ذلك: قال ابن جريج: قلت لعطاء: كيف تقول في الركوع؟ قال: إذا لم أعجل، ولم يكن معي من يعجلني؛ فإني أقول: «سبحانك وبحمدك، لا إله إلا أنت، سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاً». ثلاث مرات، و: «سبحان الله العظيم». ثلاث مرات، ثم أقول: «سبحان الله وبحمده». ثلاث مرات، و: «سبحان الملك القدوس». ثلاث مرار، «سبوح قدوس، رب الملائكة والروح، تسبق رحمة ربي غضبه» مراراً. ثم قال: وأقول في السجود مثلما أقول في الركوع سواء.
وقد كنت أسمع ابن الزبير يقول كثيراً في سجوده - وأخبرنا أيضاً عنه - «سبوح. .. » إلخ
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٦٤٩)]
من أذكار الركوع: سبحان ربي العظيم (ثلاث مرات)
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٧٧:
ويقول في ركوعه: «سبحان ربي العظيم» ثلاث مرات أو أكثر.
وقال في أصل الصفة:
стр. 1673
سبحان ربي العظيم «ثلاث مرات».
قال الترمذي - بعد أن ساق حديثَ ابنِ مسعودٍ القوليَّ -: «والعمل على هذا عند أهل العلم؛ يستحبون أن لا ينقص الرجل في الركوع والسجود من ثلاث تسبيحات.
ورُوي عن عبد الله بن المبارك أنه قال: أستحب للإمام أن يسبح خمس تسبيحاتٍ؛ لكي يدرك من خلفه ثلاث تسبيحات. وهكذا قال إسحاق بن إبراهيم».
قال الشوكاني «٢/ ٢٠٨»: «وبه قال الثوري. ولا دليل على تقييد الكمال بعدد معلوم، بل ينبغي الاستكثار من التسبيح على مقدار تطويل الصلاة من غير تقييد عدد.
وأما إيجاب سجود السهو فيما زاد على التسع، واستحباب أن يكون عدد التسبيح وتراً لا شفعاً فيما زاد على الثلاث؛ فمما لا دليل عليه».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٦٥٠)]
تكرار (سبحان ربي العظيم) أكثر من ثلاث
«وكان أحياناً يكررها أكثر من ذلك».
وبالغ مرةً في تكرارها في صلاة الليل؛ حتى كان ركوعه قريباً من قيامه، وكان يقرأ فيه ثلاث سور من الطِّوال: «البَقَرَة»، و «النِّسَاء»، و «آلِ عِمْرَان» يتخللها دعاء واستغفار - كما سبق في «صلاة الليل» -.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٦٥٨)]
стр. 1674
من أذكار الركوع: سبحان ربي العظيم وبحمده (ثلاثًا)
٢ - سبحان ربي العظيم وبحمده «ثلاثاً».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٦٥٨)]
من أذكار الركوع: سبوح قدوس رب الملائكة والروح
٣ - «سُبّوح، قُدُّوس، رب الملائكة والروح».
«سُبّوح، قُدُّوس» في «النهاية»: «يُرويان بالضم والفتح، وهو أقيس، والضم أكثر استعمالاً، وهما من أبنية المبالغة، والمراد بهما التنزيه».
وقال القرطبي: «هما مرفوعان على أنهما خبرُ محذوفٍ؛ أي: هو، أو: أنت. وقيل بالنصب؛ على إضمار فعل؛ أي: أعظم، أو: أذكر، أو: أعبد».
قال أبو إسحاق: «السُّبُّوح»: الذي ينزه عن كل سوء. و «القُدُّوس»: المبارك. وقيل: الطاهر.
وقال ابن سِيدَه: «سبوح قدوس» من صفة الله ؛ لأنه يسبَّح ويقدَّس. «لسان العرب».
«الروح» قيل: المراد به جبريل. وقيل: هو صنف من الملائكة. وقيل: مَلَكٌ أعظمُ خِلْقَةً. ذكره السندي.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٦٥٩)]
стр. 1675
من أذكار الركوع: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي
٤ - «سبحانك اللهم ربنا! وبحمدك، اللهم! اغفر لي». وكان يكثر منه في ركوعه وسجوده؛ يتأول القرآن».
يتأول القرآن: أي: يفعل ما أُمر به فيه؛ أي: في قول الله : فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا.
وفي الحديث دلالة على جواز الدعاء في الركوع، ولا يعارضه الحديث الآتي: «فأما الركوع؛ فعظموا فيه الرب، وأما السجود؛ فاجتهدوا في الدعاء، فَقَمِنٌ أن يستجاب لكم». فإنه بمفهومه يدل على اختصاص الركوع بالتعظيم، والمفهوم إذا عارضه منطوق - كهذا الحديث -؛ لا يعمل به - كما تقرر في الأصول -؛ ولذلك قال الحافظ في «الفتح» «٢/ ٢٢٤»: «لكنه لا مفهوم له؛ فلا يمتنع الدعاء في الركوع، كما لا يمتنع التعظيم في السجود». ثم قال «٢/ ٢٣٨»: «قال ابن دقيق العيد: يؤخذ من هذا الحديث إباحة الدعاء في الركوع، وإباحة التسبيح في السجود، ولا يعارضه قوله ﷺ : «أما الركوع؛ فعظموا فيه الرب. .. » الحديث.
قال: ويمكن أن يُحْمَلَ حديث الباب على الجواز، وذلك على الأولوية، ويحتمل أن يكون أمر في السجود بتكثير الدعاء؛ لإشارة قوله: «فاجتهدوا». والذي وقع في الركوع من قوله: «اللهم! اغفر لي». ليس كثيراً؛ فلا يعارض ما أمر به في السجود. انتهى.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٦٦٠)]
стр. 1676
من أذكار الركوع: اللهم! لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت ...
٥ - «اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، [أنت ربي]، خشع لك سمعي وبصري، ومُخِّي وعظمي «وفي رواية: وعظامي» وعصبي، [وما استقلَّت به قدمي؛ لله رب العالمين]».
«لك ركعت» أي: لا لغيرك خضعت. وإسناد «خشع» - أي: تواضع، وخضع - إلى السمع وغيره مما ليس من شأنه الإدراك والتأثر؛ كناية عن كمال الخشوع والخضوع؛ أي: قد بلغ غايته؛ حتى كأنه ظهر أثره في هذه الأعضاء، وصارت خاشعة لربها. سندي.
«ومخي» بالضم والتشديد: الدماغ. والعَصَب؛ بفتحتين: أطناب المفاصل. كما في «القاموس».
«استقلَّت به قدمي»: «أي: ما حَمَلَتْهُ؛ من الاستقلال؛ بمعنى: الارتفاع؛ فهو تعميم بعد تخصيص».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٦٦٤)]
من أذكار الركوع: اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، وعليك توكلت ..
٦ - «اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، وعليك توكلت، أنت ربي، خشع سمعي وبصري، ودمي ولحمي، وعظمي وعصبي؛ لله ربِّ العالمين».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٦٦٥)]
стр. 1677
من أذكار الركوع: سبحان ذي الجبروت والملكوت ...
٧ - «سبحان ذي الجبروت والملكوت، والكبرياء والعظمة». وهذا قاله قي صلاة الليل.
«الجبروت والملكوت»: هما مبالغة من «الجبر»: وهو القهر. و «الملك»: وهو التصرف؛ أي: صاحب القهر والتصرف البالغُ كلٌّ منهما غايتَه.
و«الكبرياء»؛ قيل: هي العظمة والملك. وقيل: هي عبارة عن كمال الذات، وكمال الوجود، ولا يوصف بها إلا الله تعالى. سندي.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٦٦٥)]
إطالة الركوع
وكان ﷺ يجعل ركوعه، وقيامه بعد الركوع، وسجوده، وجلسته بين السجدتين قريباً من السواء.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٦٦٧)]
النهي عن قراءةِ القرآنِ في الركوع
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٧٩:
ولا يجوز أن يقرأ القرآن في الركوع ولا في السجود.
وقال في أصل الصفة:
وكان ينهى عن قراءة القرآن في الركوع والسجود. وكان يقول: «ألا وإني نُهِيْتُ أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، فأما الركوع؛ فعظِّموا فيه الرب ، وأما السجود؛ فاجتهدوا في الدعاء؛ فقَمِنٌ أن يستجاب لكم».
стр. 1678
قال الترمذي: «وهو قول أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، والتابعين، ومن بعدهم؛ كرهوا القراءة في الركوع والسجود».
قلت: وممن صرح بكراهة ذلك الإمام محمد؛ قال: «وهو قول أبي حنيفة ﵀. اهـ. الظاهر أنه لا فرق عندهم بين الفريضة والتطوع؛ لعموم الحديث، وخالف في ذلك عطاء؛ فقال: لا أكره أن تقرأ راكعاً أو ساجداً في التطوع.
وقال ابن جُريج: أخبرني عطاء: أنه سمع عُبيد بن عُمير يقرأ وهو راكع في التطوع وساجداً». اهـ. من «قيام الليل» «٧٧».
ولعل مستنده في ذلك ما تقدم في «القراءة في صلاة الليل» [ص ٥٣٤]؛ أنه ﷺ قام ليلة بآية؛ يرددها حتى الصباح، بها يركع، وبها يسجد. وذكرنا وجه الجمع بينه وبين هذا الحديث هناك. فراجعه.
هذا، وقال الخطابي في «المعالم» «١/ ٢١٤»: «قلت: نَهْيُهُ عن القراءة راكعاً أو ساجداً يشد قول إسحاق ومذهبه في إيجاب الذكر في الركوع والسجود، وذلك أنه إنما أُخليَ موضعُهُما من القراءة؛ ليكون محلاً للذكر والدعاء».
قال الشوكاني في «النيل» «٢/ ٢٠٩»: «وهذا النهي يدل على تحريم قراءة القرآن في الركوع والسجود. وفي بطلان الصلاة بالقراءة حال الركوع والسجود خلاف».
وقوله في الحديث «فعظموا» أي: سبِّحوه ونَزِّهُوه ومَجِّدوه. وقد بَيَّن ﷺ اللفظ الذي يقع به هذا التعظيم بالأحاديث المتقدمة في هذا الفصل.
واعلم أن التسبيح في الركوع والسجود سنة غير واجب؛ هذا مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي ﵏، والجمهور. وأوجبه أحمد ﵀، وطائفة من أئمة الحديث؛ لظاهر الحديث في الأمر به، ولقوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي». وهو في «صحيح البخاري».
وأجاب الجمهور بأنه محمول على الاستحباب، واحتجوا بحديث «المسيء صلاته»؛ فإن النبي ﷺ لم يأمره به، ولو وجب؛ لأمره به. كذا في «شرح مسلم»
стр. 1679
للنووي.
واعلم أن مفهوم الحديث يدل على أن الركوع مختص بالتعظيم والتسبيح، وأن السجود على خلاف ذلك، لكن قد سبق أن بينا أن هذا المفهوم غير مراد؛ لثبوت خلافه عنه ﷺ من الدعاء في الركوع - كما مضى -، والتسبيح في السجود - كما يأتي -.
وقوله: «فقمن» بكسر الميم وفتحها؛ أي: جدير وخليق. قيل: بفتح الميم مصدر، وبكسرها صفة.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٦٦٩)]
التسوية بين الأركان في الطول من السنة
ومن السنة أن يسوي بين الأركان في الطول، فيجعل ركوعه وقيامه بعد الركوع، وسجوده، وجلسته بين السجدتين قريبا من السواء.
[تلخيص الصفة فقرة ٧٨].
من نسي الركوع وذكره في نهاية الصلاة قبل التسليم
مداخلة: في الركعة الثانية يعني يريد يركع نسي الركوع واستدركه في نهاية الصلاة ما ركع يعني، واستدرك في نهاية الصلاة قبل التسليم أنه يعني ما قام بالركوع في الركعة الثانية، يعني ماذا يفعل؟ سلم، يعني تذكر بعد التسليم أو قبل التسليم، يعني ما هو الحكم؟
الشيخ: يأتي بالركعة.
مداخلة: يعني فاتته الركعة.
الشيخ: يأتي بالركعة.
стр. 1680
مداخلة: يأتي بركعة كاملة؟
الشيخ: أقول: نعم. يقوم ويأتي بالركعة بكاملها ثم يسجد سجدتي السهو. نعم.
(الهدى والنور/٧١١/ ٥٠: ٥٠: ٠٠)
محل النظر حال الركوع
مداخلة: في الركوع ينظر إلى موضع السجود أو رجليه؟
الشيخ: ما في شيء معين في السنة، لم يرد مطلقًا شيء في تحديد أين ينظر في الركوع، كذلك في السجود.
مداخلة: كيف يكون موضع البصر. ..
الشيخ: هو قائم ينظر إلى موضع سجوده، وهو في التشهد ينظر إلى إصبعه السبابة التي رفعها إلى القبلة ويحركها كما جاء في السنة الصحيحة فهو ينظر إليها، المحلين هما ما جاء في السنة من حيث تحديد رمي البصر إليهما، وما سوى ذلك فهو غفل مسكوت عنه.
(فتاوى رابغ (١) /٠٠: ٤٣: ٤٥)
التسبيح في الصلاة ركن أم واجب أم مستحب ؟
مداخلة: [التسبيح في الصلاة هل هو ركن أم واجب أم مستحب]؟
الشيخ: نقول بالوجوب، دون الركنية ودون الاستحباب.
(الهدى والنور /٨٠٤/ ٠٧: ٣٥: ٠٠)
стр. 1681
الاعتدال من الركوع وما يقال فيه
стр. 1682
الاعتدال من الركوع، وما يقولُ فيه
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٨٠:
ثم يرفع صلبه من الركوع، وهذا ركن.
ويقول في أثناء الاعتدال: سمع الله لمن حمده، وهذا واجب.
وقال في أصل الصفة:
ثم كان ﷺ يرفع صُلبه من الركوع قائلاً: «سمع الله لمن حمده». «وأمر بذلك «المسيء صلاته»؛ فقال: «لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى. .. يكبر. .. ثم يركع. .. ثم يقول: سمع الله لمن حمده. حتى يستوي قائماً».
وكان إذا رفع رأسه استوى؛ حتى يعود كل فَقارٍ مكانه».
ثم كان يقول وهو قائم: «ربنا [و] لك الحمد».
وأمر بذلك كلَّ مُصَلٍّ؛ مُؤتماً أو غيره؛ فقال: «صلوا كما رأيتموني أُصلي». وكان يقول: «إنما جُعل الإمام ليؤتم به. .. وإذا قال: «سمع الله لمن حمده»؛ فقولوا: «[اللهم] ربنا ولك الحمد»».
زاد في حديث آخر: «يسمع اللهُ لكم؛ فإن الله ﵎ قال على لسان نبيه ﷺ : سمع الله لمنَ حمده».
وفي هذه الأحاديث دلالة على أن السنة للإمام أن يجمع بن التسميع والتحميد؛ فيقول الأولَ حالَ ارتفاعه، والآخر إذا استوى قائماً.
وهو مذهب جمهور العلماء، وبه قال عطاء، وأبو بردة، ومحمد بن سيرين، وإسحاق، وداود - كما في «المجموع» «٣/ ٤١٩» -، وأحمد أيضاً - كما في «الترمذي»، ورواه عنه أبو داود في «مسائله» «٣٣»، ولعلنا نذكر نصه قريباً -، وهو قول الإمام أبي يوسف، ومحمد - كما ذكر الطحاوي «١/ ١٤٠ - ١٤٢» -، واختاره
стр. 1683
«١»؛ خلافاً لأبي حنيفة -، ومالك وغيرهما: أن الإمام يقتصر على التسميع فقط. واحتجوا بحديث أبي هريرة الآتي، ولا حجة فيه - كما سنبينه إن شاء الله تعالى -.
ومن الحجة للأولَين الحديث المذكوُر بعد هذا؛ وهو قوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي».
فهو نص عام، يشمل كل مُصَلٍّ؛ أن يقول ويصلي كما كان ﷺ يصلي، ولا يجوز رد حديث - لا سيما إذا - بلغ مبلغ التواتر، أو كاد؛ كحديث أبي هريرة هذا الذي نحن في صدد الكلام عليه .. لا يجوز رده لحديث آخر؛ طالما يمكن الجمع بينهما - كما في الأصول قد تقرر.
قواه: «إنما جُعل الإمام ليؤتم به. .. وإذا قال: «سمع الله لمن حمده»؛ فقولوا: «اللهم ربنا ولك الحمد» هو من حديث أبي هريرة ﵁. وقد مضى في أوائل الكتاب في «الصلاة قاعداً» [ص ٨٧]، وقد أخرجه مسلم «٢/ ١٩ - ٢٠» من طرق عنه.
ومن حديث أنس أيضاً، وعائشة: عند الشيخين. وقد سبق تخريجهما هناك.
وفي الباب عن أبي موسى الأشعري، وقد مضى في «التأمين».
وعن أبي سعيد. وتقدم في الأوائل.
وكلها أحاديث صحيحة، وقد احتج بها من خَصَّ المؤتم بالتحميد دون الإمام، وهم من ذكرنا آنفاً. كما أنهم احتجوا بها على أنه ليس للمؤتم أن يقول: «سمع الله لمن حمده».
قال الحافظ في «الفتح» «٢/ ١٤٣»: «وليس في السياق ما يقتضي المنع من ذلك؛ لأن السكوت عن الشيء لا يقتضي ترك فعله. نعم؛ مقتضاه أن المأموم يقول: «ربنا! لك الحمد» عقب قول الإمام: «سمع الله لمن حمده». فأما منع الإمام من قول: «ربنا! ولك الحمد»؛ فليس بشيء؛ لأنه ثبت أن النبي ﷺ كان يجمع بينهما». اهـ.
قلت: وكذلك مَنْعُ المأموم من قول التسميع ليس بشيء أيضاً، ولعموم قوله
стр. 1684
- ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي». وللحديث الذي بعده: «إنما جعل الإمام ليؤتم به».
فإن من الائتمام به أن يقول بقوله، إلا ما استثناه الدليل؛ كالقراءة وراء الإمام في الجهرية - على ما سبق بيانه في محله -.
ولذلك قال الخطابي في «المعالم» «١/ ٢١٠»: «قلت: وهذه الزيادة - يعني: التسميع - وإن لم تكن مذكورة في الحديث نصاً؛ فإنها مأمور بها الإمامُ. وقد جاء: «إنما جعل الإمام ليؤتم به». فكان هذا في جميع أقواله وأفعاله، والإمام يجمع بينهما، وكذلك المأموم، وإنما كان القصد بما جاء في هذا الحديث مداركةَ الدعاء والمقارنة بين القولين؛ ليستوجب بها دعاء الإمام، وهو قوله: «سمع الله لمن حمده» ليس بيان كيفية الدعاء، والأمر باستيفاء جميع ما يقال في ذلك المقام؛ إذ قد وقعت الغُنْيَةُ بالبيان المتقدم».
ونحوه - وأوضح منه - قول النووي في «المجموع» «٣/ ٤٢٠»: «إن معنى الحديث: «قولوا: «ربنا لك الحمد» مع ما قد علمتموه من قول: «سمع الله لمن حمده». وإنما خص هذا بالذكر؛ لأنهم كانوا يسمعون جهر النبي ﷺ بـ: «سمع الله لمن حمده». فإن السنة فيه الجهر، ولا يسمعون قوله: «ربنا لك الحمد»؛ لأنه يأتي به سراً - كما سبق بيانه -. وكانوا يعلمون قوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي».
مع قاعدة التأسي به ﷺ مطلقاً، وكانوا يوافقون في: «سمع الله لمن حمده»؛ فلم يحتج إلى الأمر به، ولا يعرفون: «ربنا لك الحمد»؛ فأمروا به.
قال الحافظ «٢/ ٢٢٥»: «وهذا الموضع يقرب من مسألة التأمين - كما تقدم -؛ من أنه لا يلزم من قوله: «إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾؛ فقولوا: آمين». أن الإمام لا يُؤَمّن بعد قوله: ﴿وَلَا الضَّالّيِنَ﴾.
وليس فيه أن الإمام يؤمن، كما أنه ليس في هذا أنه يقول: «ربنا لك الحمد». لكنهما مستفادان من أدلة أخرى صحيحة صريحة؛ كما تقدم في «التأمين»، وكما مضى في هذا الباب؛ أنه ﷺ كان يجمع بين التسميع والتحميد.
стр. 1685
وأما ما احتجوا به - من حيث المعنى - من أن معنى: «سمع الله لمن حمده»: طلب التحميد؛ فيناسب حالَ الإمام، وأما المأموم؛ فتناسبه الإجابة بقوله: «ربنا لك الحمد». ويقويه حديث أبي موسى الأشعري عند مسلم وغيره؛ ففيه: «وإذا قال: «سمع الله لمن حمده»؛ فقولوا: «ربنا ولك الحمد». يسمع الله لكم».
فجوابه أن يقال: لا يدل ما ذكرتم على أن الإمام لا يقول: «ربنا لك الحمد». إذ لا يمتنع أن يكون طالباً ومجيباً. وهو نظير ما تقدم في مسألة التأمين؛ من أنه لا يلزم من كون الإمام داعياً والمأموم مُؤَمِّناً أن لا يكون الإمام مُؤَمِّناً».
قال: «وقضية ذلك أن الإمام يجمعهما، وهو قول الشافعي، وأحمد، وأبي يوسف، ومحمد، والجمهور، والأحاديث الصحيحة تشهد له». ثم قال: «وأما المنفرد؛ فحكى الطحاوي، وابن عبد البر الإجماع على أنه يجمع بينهما، وجعله الطحاوي حجة؛ لكون الإمام يجمع بينهما؛ للاتفاق على اتحاد حكم الإمام والمنفرد».
لكن أشار صاحب «الهداية» إلى خلاف عندهم في المنفرد.
قلت: ولكنه اختار له الجمع بينهما، وهو الصحيح؛ لعموم قوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي».
وقوله «يسمع الله لكم» أي: يستجبْ دعاءكم.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٦٧٤)]
تعليل الأمر بالحمد بعد الرفع من الركوع
وعَلَّلَ الأمرَ بذلك في حديث آخر بقوله: «فإنه من وافق قوله قول الملائكة؛ غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه».
قال الحافظ ابن حجر: فيه إشعار بأن الملائكة تقول ما يقول المأموم.
следующие страницы →