Полный текст (8 195 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
الاعتدال من الركوع وما يقال فيه
стр. 1682
الاعتدال من الركوع، وما يقولُ فيه
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٨٠:
ثم يرفع صلبه من الركوع، وهذا ركن.
ويقول في أثناء الاعتدال: سمع الله لمن حمده، وهذا واجب.
وقال في أصل الصفة:
ثم كان ﷺ يرفع صُلبه من الركوع قائلاً: «سمع الله لمن حمده». «وأمر بذلك «المسيء صلاته»؛ فقال: «لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى. .. يكبر. .. ثم يركع. .. ثم يقول: سمع الله لمن حمده. حتى يستوي قائماً».
وكان إذا رفع رأسه استوى؛ حتى يعود كل فَقارٍ مكانه».
ثم كان يقول وهو قائم: «ربنا [و] لك الحمد».
وأمر بذلك كلَّ مُصَلٍّ؛ مُؤتماً أو غيره؛ فقال: «صلوا كما رأيتموني أُصلي». وكان يقول: «إنما جُعل الإمام ليؤتم به. .. وإذا قال: «سمع الله لمن حمده»؛ فقولوا: «[اللهم] ربنا ولك الحمد»».
زاد في حديث آخر: «يسمع اللهُ لكم؛ فإن الله ﵎ قال على لسان نبيه ﷺ : سمع الله لمنَ حمده».
وفي هذه الأحاديث دلالة على أن السنة للإمام أن يجمع بن التسميع والتحميد؛ فيقول الأولَ حالَ ارتفاعه، والآخر إذا استوى قائماً.
وهو مذهب جمهور العلماء، وبه قال عطاء، وأبو بردة، ومحمد بن سيرين، وإسحاق، وداود - كما في «المجموع» «٣/ ٤١٩» -، وأحمد أيضاً - كما في «الترمذي»، ورواه عنه أبو داود في «مسائله» «٣٣»، ولعلنا نذكر نصه قريباً -، وهو قول الإمام أبي يوسف، ومحمد - كما ذكر الطحاوي «١/ ١٤٠ - ١٤٢» -، واختاره
стр. 1683
«١»؛ خلافاً لأبي حنيفة -، ومالك وغيرهما: أن الإمام يقتصر على التسميع فقط. واحتجوا بحديث أبي هريرة الآتي، ولا حجة فيه - كما سنبينه إن شاء الله تعالى -.
ومن الحجة للأولَين الحديث المذكوُر بعد هذا؛ وهو قوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي».
فهو نص عام، يشمل كل مُصَلٍّ؛ أن يقول ويصلي كما كان ﷺ يصلي، ولا يجوز رد حديث - لا سيما إذا - بلغ مبلغ التواتر، أو كاد؛ كحديث أبي هريرة هذا الذي نحن في صدد الكلام عليه .. لا يجوز رده لحديث آخر؛ طالما يمكن الجمع بينهما - كما في الأصول قد تقرر.
قواه: «إنما جُعل الإمام ليؤتم به. .. وإذا قال: «سمع الله لمن حمده»؛ فقولوا: «اللهم ربنا ولك الحمد» هو من حديث أبي هريرة ﵁. وقد مضى في أوائل الكتاب في «الصلاة قاعداً» [ص ٨٧]، وقد أخرجه مسلم «٢/ ١٩ - ٢٠» من طرق عنه.
ومن حديث أنس أيضاً، وعائشة: عند الشيخين. وقد سبق تخريجهما هناك.
وفي الباب عن أبي موسى الأشعري، وقد مضى في «التأمين».
وعن أبي سعيد. وتقدم في الأوائل.
وكلها أحاديث صحيحة، وقد احتج بها من خَصَّ المؤتم بالتحميد دون الإمام، وهم من ذكرنا آنفاً. كما أنهم احتجوا بها على أنه ليس للمؤتم أن يقول: «سمع الله لمن حمده».
قال الحافظ في «الفتح» «٢/ ١٤٣»: «وليس في السياق ما يقتضي المنع من ذلك؛ لأن السكوت عن الشيء لا يقتضي ترك فعله. نعم؛ مقتضاه أن المأموم يقول: «ربنا! لك الحمد» عقب قول الإمام: «سمع الله لمن حمده». فأما منع الإمام من قول: «ربنا! ولك الحمد»؛ فليس بشيء؛ لأنه ثبت أن النبي ﷺ كان يجمع بينهما». اهـ.
قلت: وكذلك مَنْعُ المأموم من قول التسميع ليس بشيء أيضاً، ولعموم قوله
стр. 1684
- ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي». وللحديث الذي بعده: «إنما جعل الإمام ليؤتم به».
فإن من الائتمام به أن يقول بقوله، إلا ما استثناه الدليل؛ كالقراءة وراء الإمام في الجهرية - على ما سبق بيانه في محله -.
ولذلك قال الخطابي في «المعالم» «١/ ٢١٠»: «قلت: وهذه الزيادة - يعني: التسميع - وإن لم تكن مذكورة في الحديث نصاً؛ فإنها مأمور بها الإمامُ. وقد جاء: «إنما جعل الإمام ليؤتم به». فكان هذا في جميع أقواله وأفعاله، والإمام يجمع بينهما، وكذلك المأموم، وإنما كان القصد بما جاء في هذا الحديث مداركةَ الدعاء والمقارنة بين القولين؛ ليستوجب بها دعاء الإمام، وهو قوله: «سمع الله لمن حمده» ليس بيان كيفية الدعاء، والأمر باستيفاء جميع ما يقال في ذلك المقام؛ إذ قد وقعت الغُنْيَةُ بالبيان المتقدم».
ونحوه - وأوضح منه - قول النووي في «المجموع» «٣/ ٤٢٠»: «إن معنى الحديث: «قولوا: «ربنا لك الحمد» مع ما قد علمتموه من قول: «سمع الله لمن حمده». وإنما خص هذا بالذكر؛ لأنهم كانوا يسمعون جهر النبي ﷺ بـ: «سمع الله لمن حمده». فإن السنة فيه الجهر، ولا يسمعون قوله: «ربنا لك الحمد»؛ لأنه يأتي به سراً - كما سبق بيانه -. وكانوا يعلمون قوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي».
مع قاعدة التأسي به ﷺ مطلقاً، وكانوا يوافقون في: «سمع الله لمن حمده»؛ فلم يحتج إلى الأمر به، ولا يعرفون: «ربنا لك الحمد»؛ فأمروا به.
قال الحافظ «٢/ ٢٢٥»: «وهذا الموضع يقرب من مسألة التأمين - كما تقدم -؛ من أنه لا يلزم من قوله: «إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾؛ فقولوا: آمين». أن الإمام لا يُؤَمّن بعد قوله: ﴿وَلَا الضَّالّيِنَ﴾.
وليس فيه أن الإمام يؤمن، كما أنه ليس في هذا أنه يقول: «ربنا لك الحمد». لكنهما مستفادان من أدلة أخرى صحيحة صريحة؛ كما تقدم في «التأمين»، وكما مضى في هذا الباب؛ أنه ﷺ كان يجمع بين التسميع والتحميد.
стр. 1685
وأما ما احتجوا به - من حيث المعنى - من أن معنى: «سمع الله لمن حمده»: طلب التحميد؛ فيناسب حالَ الإمام، وأما المأموم؛ فتناسبه الإجابة بقوله: «ربنا لك الحمد». ويقويه حديث أبي موسى الأشعري عند مسلم وغيره؛ ففيه: «وإذا قال: «سمع الله لمن حمده»؛ فقولوا: «ربنا ولك الحمد». يسمع الله لكم».
فجوابه أن يقال: لا يدل ما ذكرتم على أن الإمام لا يقول: «ربنا لك الحمد». إذ لا يمتنع أن يكون طالباً ومجيباً. وهو نظير ما تقدم في مسألة التأمين؛ من أنه لا يلزم من كون الإمام داعياً والمأموم مُؤَمِّناً أن لا يكون الإمام مُؤَمِّناً».
قال: «وقضية ذلك أن الإمام يجمعهما، وهو قول الشافعي، وأحمد، وأبي يوسف، ومحمد، والجمهور، والأحاديث الصحيحة تشهد له». ثم قال: «وأما المنفرد؛ فحكى الطحاوي، وابن عبد البر الإجماع على أنه يجمع بينهما، وجعله الطحاوي حجة؛ لكون الإمام يجمع بينهما؛ للاتفاق على اتحاد حكم الإمام والمنفرد».
لكن أشار صاحب «الهداية» إلى خلاف عندهم في المنفرد.
قلت: ولكنه اختار له الجمع بينهما، وهو الصحيح؛ لعموم قوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي».
وقوله «يسمع الله لكم» أي: يستجبْ دعاءكم.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٦٧٤)]
تعليل الأمر بالحمد بعد الرفع من الركوع
وعَلَّلَ الأمرَ بذلك في حديث آخر بقوله: «فإنه من وافق قوله قول الملائكة؛ غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه».
قال الحافظ ابن حجر: فيه إشعار بأن الملائكة تقول ما يقول المأموم.
стр. 1686
وقال ابن عبد البر: الوجه عندي في هذا - والله أعلم - تعظيم فضل الذكر، وأنه يحط الأوزار، ويغفر الذنوب، وقد أخبر الله عن الملائكة أنهم يستغفرون للذين آمنوا، فمن كان منه من القول مثل هذا بإخلاص، واجتهاد، ونية صادقة، وتوبة صحيحة؛ غفرت ذنوبه إن شاء الله تعالى.
قال: ومثل هذه الأحاديث المشكلةِ المعاني البعيدةِ التأويلِ عن مخارج لفظها واجبٌ رَدُّها إلى الأصول المجتمع عليها. كذا في «التنوير».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٦٨١)].
رفع اليدين عند الرفع من الركوع وذكر صيغ الحمد
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٨٢ - ٨٤:
ويرفع يديه عند الاعتدال على الوجوه المتقدمة.
ثم يقوم معتدلا مطمئنا حتى يأخذ كل عظم مأخذه، وهذا ركن.
ويقول في هذا القيام: «ربنا ولك الحمد» وهذا واجب على كل مصل ولو كان مؤتما، فإنه ورد القيام، أما التسميع فورد الاعتدال.
وقال في أصل الصفة:
وكان يرفع يديه عند هذا الاعتدال على الوجوه المتقدمة في تكبيرة الإحرام، ويقول وهو قائم - كما مر آنفاً -: ١ - «ربنا ولك الحمد». وتارةً يقول: ٢ - «ربنا لك الحمد». بدون الواو.
وأحياناً يقول: ٣ - «اللهم ربنا ولك الحمد». تارة بالواو.
وتارة بدونها: ٤ - «اللهم ربنا لك الحمد».
قال النووي في «المجموع» «٣/ ٤١٨» - بعد أن ذكره بهذا اللفظ والألفاظ الثلاثة التي قبله -: «وكله في «الصحيح».
стр. 1687
قال الشافعي والأصحاب: كله جائز».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٦٨٢)]
جهر الإمام بالتسميع
قال النووي: «قال صاحب «الحاوي» وغيره: يستحب للإمام أن يجهر بقوله: «سمع الله لمن حمده»؛ ليسمعَ المأمومون، ويعلموا انتقاله، كما يجهر بالتكبير، ويسر بقوله: «ربنا! لك الحمد»؛ لأنه يفعله في الاعتدال، فأسر به؛ كالتسبيح في الركوع والسجود. وأما المأموم؛ فيُسِرُّ بهما، كما يُسِرُّ بالتكبير، فإن أراد تبليغَ غيره انتقالَ الإمامِ - كما يبلغ التكبيرَ -؛ جهر بقوله: «سمع الله لمن حمده»؛ لأنه المشروع في حال الارتفاع، ولا يجهر بقوله: «ربنا! لك الحمد»؛ لأنه إنما يشرع في حال الاعتدال».
قلت: وفي جهر الإمام بالتسميع حديث أبي سعيد الخدري: أنه جهر بالتكبير حين افتتح الصلاة. .. الحديث. وفيه: وحين قال: «سمع الله لمن حمده». .. الحديث. وفيه: هكذا رأيت رسول الله يصلي.
وقد مضى في «التكبير». ولكنه ليس صريحاً في ذلك؛ لاحتمال أن يكون المراد: وجهر بالتكبير حين قال: «سمع الله لمن حمده». ويعني به: التكبير للهُويّ إلى السجود، ويحتمل أن المراد: وجهر حين قال: «سمع الله لمن حمده». أي: به. والله أعلم.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٦٨٦)]
الزيادة في صيغ الحمد بعد الركوع
وكان تارةً يزيد على ذلك إما: ٥ - «ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد».
стр. 1688
وإما:
٦ - «مِلْءَ السماوات، و [مِلْءَ] الأرض، و [مِلْءَ] ما بينهما، ومِلْءَ ما شئت من شيء بعد».
«مِلء»: بكسر الميم، وبنصب الهمزة بعد اللام ورفعها. واختلف في الراجح منهما، والأشهر النصب. كما قال النووي.
قال العلماء: معناه: حمداً لو كان أجساماً؛ لملأ السماوات والأرض.
وقال السندي: «تمثيل وتقريب. والمراد تكثير العدد، أو تعظيم القدر. «وملء ما شئت من شيء بعد»: كالعرض والكرسي ونحوهما مما في مقدور الله تعالى».
قال الترمذي - بعد أن ساق الحديث -: «والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وبه يقول الشافعي؛ قال: يقول هذا في المكتوبة والتطوع.
وقال بعض أهل الكوفة: يقول هذا في صلاة التطوع، ولا يقولها في صلاة المكتوبة».
قلت: والصواب ما قاله الشافعي؛ لثبوت ذلك عنه ﷺ ، وهو قول الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه؛ فقد قال إسحاق بن منصور المروزي في «مسائله»: «قلت - يعني لأحمد -: إذا رفع رأسه من الركوع يزيدُ على «ربنا ولك الحمد»؟ قال: إذا كان وحده؛ يقول: «ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد». وإذا كان خلف الإمام فقال الإمام: «سمع الله لمن حمده».
وقال من خلفه: «ربنا ولك الحمد». وإن شاء قال: «اللهم ربنا ولك الحمد».
قال إسحاق - يعني: ابن راهويه -: كما قال - يعني: أحمد -، ولكن من خلفه يقولون مثل ما قال الإمام: «ربنا ولك الحمد» إلى قوله: «ما شئت من شيء بعد». وإن مدَّ إلى: «منك الجد إذا كان إماماً؛ أحب إلي في المكتوبة والتطوع». اهـ.
والظاهر أنه سقط من جواب الإمام أحمد شيء من الكلام، ولعل ما في «مسائل أبي داود» عنه يتمه ويوضحه.
стр. 1689
قال أبو داود «٣٣ - ٣٤»: «سمعت أحمد سئل: ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع مع الإمام؟ قال: إذا قال الإمام: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد». يقول من خلفه: «ربنا لك الحمد». وإن شاؤوا: «اللهم ربنا! لك الحمد». لا يزيدون على ذلك».
قال أبو داود: «وسمعته سئل عن إمام رفع رأسه فأطال القيام؟ قال: لا يقول من خلفه إلا: «ربنا ولك الحمد». ثم قال أبو داود: «قلت لأحمد مرة أخرى: أدعو بدعاء ابن أبي أوفى إذا رفعت رأسي من الركوع؟ قال: إذا كنت تصلي وحدك؛ تقوله، أو يكون الإمام يقوله. قلت: في الفريضة؟ قال: نعم». اهـ.
فكلام أحمد متفق مع كلام إسحاق والشافعي في استحباب ذلك في المكتوبة، لكن أحمد كان يمنع المؤتم من ذلك، ولعله خشية أن تفوتَه متابعة الإمام بسبب ذلك، ولكنه رجع أخيراً إلى استحباب ذلك؛ إذا كان الإمام يطيل القيام، ويقول ذلك، وهذا هو الحق؛ لعموم قوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي». وقوله: «إنما جعل الإمام ليؤتم به».
ثم ما تقدم في رواية المروزي: «وإن شاء قال: «اللهم ربنا ولك الحمد». كذا في النسخة الظاهرية، وأخشى أن تكون الواو زائدة؛ فقد قال أبو داود في «مسائله» «٣٤»: «قلت لأحمد: إذا قال: «اللهم لا يقول - يعني: الواو في: «ربنا ولك الحمد» -؟ قال: نعم».
فهذا نص صريح منه في أنه لا يرى الجمع بين: «اللهم» و: «الواو»، ولعل ذلك مستند ابن القيم في إنكار ذلك، وقد سبق الرد عليه، وبيان الروايات الواردة في الجمع بينهما.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٦٨٧)]
стр. 1690
إضافة أخرى في صيغ الحمد بعد الركوع
وتارة يضيف إلى ذلك قوله: «أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ».
«أهل»: بالنصب على الاختصاص والمدح، أو بتقدير: يا أهلَ الثناء أو بالرفع بتقدير: أنت أهلُ الثناء. و «المجد»: العظمة، ونهاية الشرف.
«لما»: «ما» هنا: يعم العقلاء وغيرهم. كما قال السندي.
«الجد»: بالفتح على الصحيح المشهور - كما قال النووي -. وهو الحظ والغنى، والعظمة والسلطان؛ أي: لا ينفع ذا الحظ في الدنيا بالمال والولد، والعظمة والسلطان منك حظُّه؛ أي: لا ينجيه حظُّه منك، وإنما ينفعه وينجيه العمل الصالح؛ كقوله تعالى: ﴿المَالُ وَالبَنُونَ زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ﴾.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٦٩٢)]
إضافة أخرى في صيغ الحمد بعد الركوع
وتارة تكون بإضافة: ٨ - «ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد - وكلنا لك عبد -[اللهم! ] لا مانع لما أعطيت، [ولا معطي لما منعت]، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ».
«أحق»: مبتدأ خبره: «اللهم لا مانع. .. » إلخ. واعترض بينهما: «وكلنا لك عبد».
قال النووي: «وإنما يعترض ما يعترض من هذا الباب؛ للاهتمام به، وارتباطه بالكلام السابق، وتقديره هنا: أحق قول العبد: لا مانع لما أعطيت. .. ، وكلنا لك عبد. فينبغي لنا أن نقوله.
стр. 1691
وفي هذا الكلام دليل ظاهر على فضيلة هذا اللفظ؛ فقد أخبر النبي ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى - أن هذا أحق ما قاله العبد، فينبغي أن نحافظ عليه؛ لأن كلنا عبد، ولا نهمله، وإنما كان أحق ما قاله العبد؛ لما فيه من التفويض إلى الله تعالى، والإذعان له، والاعتراف بوحدانيته، والتصريح بأنه لا حول ولا قوة إلا به، والحث على الزهادة في الدنيا، والإقبال على الأعمال الصالحة».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٦٩٣)]
إضافة أخرى في صيغ الحمد بعد الركوع في صلاة الليل
وتارة يقول في صلاة الليل: ٩ - «لربي الحمد، لربي الحمد». يكرر ذلك؛ حتى كان قيامه نحواً من ركوعه الذي كان قريباً من قيامه الأول، وكان قرأ فيه سورة «البَقَرَة».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٦٩٤)]
إضافة أخرى في صيغ الحمد بعد الركوع في صلاة الليل
١٠ - «ربنا ولك الحمد؛ حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، [مباركاً عليه؛ كما يحب ربنا ويرضى]».
قاله رجل كان يصلي وراءه ﷺ بعدما رفع ﷺ رأسه من الركعة وقال: «سمع الله لمن حمده»، فلما انصرف رسول الله ﷺ ؛ قال: «من المتكلم آنفاً؟ ». فقال الرجل: أنا يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ : «لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكاً يَبْتَدِرُوْنَها؛ أيهم يكتبها أولاً».
مباركًا عليه: قال الحافظ: «يحتمل أن يكون تأكيداً - يعني: لقوله: مباركاً فيه.
قال: -وهو الظاهر. وقيل: الأول: بمعنى الزيادة. والثاني: بمعنى البقاء.
стр. 1692
قال: وأما قوله: «كما يحب ربنا ويرضى»؛ ففيه من حسن التفويض إلى الله تعالى ما هو الغاية في القصد». اهـ.
قوله: «بضعة»: فيه رد على من زعم - كالجوهري - أن البضع يختص بما دون العشرين. كذا في «الفتح».
قوله: «يبتدرونها» أي: يَسْتَبِقُون في كتابتها؛ يريد كل منهم أن يسبق صاحبه في ذلك، قاصدين «أيهم يكتبها أولاً»؛ أي: سابقاً، وقبل الآخرين. وضمير التأنيث لهذه الكلمات.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٦٩٥)]
مشروعية الجمع بين أذكار القيام من الركوع لمن أراد إطالة قيامه
وفي الحديث هذا الذكر في هذا الموضع، ويستحب أن يضم إليه ما سبق من الأنواع مما كان يقوله ﵊ على اختلاف الأحوال؛ إذا كان يريد إطالة هذا القيام؛ اتباعاً للسنة -كما ذكرنا فيما تقدم، ويأتي قريباً-.
وقد قال النووي في «الأذكار»: «يستحب أن يجمع بين هذه الأذكار كلها، فإن اقتصر؛ فعلى: «سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد». فلا أقل من ذلك».
قلت: وهو بهذا الكلام يخالف لما هو الأصح من مذهب الشافعية؛ وهو أن الصلاة تبطل بإطالة هذا الاعتدال؛ لأنه ركن قصير عندهم. ولكن النووي ﵀ ليس بالإمَّعة، بل شأنه شأن المحققين المنصفين من العلماء؛ يدورون مع الحق حيث دار؛ غير متحيزين لفئة، ولا متعصبين لمذهب؛ بل يتبعون ما صح عندهم من السنة المحمدية.
وقد ذكر في «المجموع» «٤/ ١٢٦ - ١٢٧» الخلاف في هذه المسألة، ثم عقب
стр. 1693
ذلك بذكر حديث حذيفة في صلاة النبي ﷺ في الليل، وفيه: أنه قرأ في ركعة بـ: «البَقَرَة» و «النِّسَاء» و «آلِ عِمْرَان»، ثم ركع نحواً من قيامه. ثم قال: «سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد». ثم قام قياماً طويلاً قريباً مما ركع. ثم قال النووي: «وفيه التصريح بجواز إطالة الاعتدال بالذكر، والجواب عنه صعب على من منع الإطالة؛ فالأقوى جوازها بالذكر». اهـ.
وإلى هذا ذهب المحقق ابن دقيق العيد - كما سيأتي كلامه في ذلك قريباً -.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٦٩٦)]
عدم مشروعية زيادة (اللهم طهرني من الثلج .. ) في أدعية الرفع من الركوع
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:
ومن أذكار الرفع من الركوع والاعتدال
قوله: «وعن عبد الله بن أبي أوفى عن النبي ﷺ أنه كان يقول: وفي لفظ: يدعو إذا رفع رأسه من الركوع: «اللهم لك الحمد ملء السماء. .. اللهم طهرني بالثلج والبرد. .. » رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه».
قلت: فيه ملاحظتان:
الأولى: أنه ليس عند أبي داود وابن ماجه قوله: «اللهم طهرني. .. » وإنما هي زيادة في بعض طرقه عند الآخرين.
الثانية: أن هذه الزيادة ليس في شيء من طرقها التصريح بأنه ﷺ كان يقولها بعد الرفع من الركوع بل هي مطلقة ولفظها عند مسلم وأحمد: «كان يقول: اللهم لك الحمد. .. اللهم طهرني. .. ».
وهكذا أخرج هذه الزيادة الترمذي ٤/ ٢٧٢ وصححه.
стр. 1694
فتقييدها بما بعد الركوع يحتاج إلى دليل وقد جاءت الجملة الأولى من هذا الحديث عن جماعة من الصحابة بطرق صحيحة وليس في شيء منها هذه الزيادة ولذلك نرجح أنها ليست من أذكار ما بعد الركوع بخلاف ما قبلها بل هي دعاء مطلق ولذلك لم أوردها في أذكار الركوع من كتابي «صفة صلاة النبي ﷺ » خشية أن أزيد فيها ما ليس منها وإن كان ابن القيم قد فعل ذلك ولم يتنبه لذلك المعلقان على «زاده» ١/ ٢٢١ كالمؤلف فتأمل.
[تمام المنة ص (١٩٢)]
إطالةُ هذا القيام، ووجوبُ الاطمئنان فيه
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٨٣:
ثم يقوم معتدلا مطمئنا حتى يأخذ كل عظم مأخذه، وهذا ركن.
وقال في أصل الصفة:
وكان ﷺ يجعل قيامه هذا قريباً من ركوعه - كما تقدم -؛ بل «كان يقوم أحياناً حتى يقول القائل: قد نسي؛ [من طول ما يقوم]».
قال في «الفتح»: «قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث يدل على أن الاعتدال ركن طويل، وحديث أنس -يعني: الآتي بعده- أصرح في الدلالة على ذلك، بل هو نص فيه؛ فلا ينبغي العدول عنه لدليل ضعيف؛ وهو قولهم: لم يُسن فيه تكرير التسبيحات كالركوع والسجود. ووجهُ ضعفهِ أنه قياس في مقابلة النص، وهو فاسد.
وأيضاً؛ فالذكر المشروع في الاعتدال أطول من الذكر المشروع في الركوع؛ فتكرير «سبحان ربي العظيم» ثلاثاً يجيء قدر قوله: «اللهم ربنا ولك الحمد؛ حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه». وقد شُرع في الاعتدال ذكر أطول -ثم ذكر ما تقدم من حديث أبي سعيد الخدري وغيره-.
стр. 1695
وقد تقدم في الحديث الذي قبله ترك إنكار النبي ﷺ على من زاد في الاعتدال ذكراً غير مأثور. ومن ثَمَّ اختار النووي جواز تطويل الركن القصير بالذكر؛ خلافاً للمرجح في المذهب. كما سبق قريباً.
قال الحافظ: «وقد أشار الشافعي في «الأم» «١/ ٩٨» إِلى عدم البطلان؛ فقال في ترجمة «كيف القيام من الركوع»: ولو أطال القيام بذكر الله، أو يدعو ساهياً، وهو لا ينوي به القنوت؛ كرهتُ له ذلك، ولا إعادة. .. إلى آخر كلامه. فالعجب ممن يصحح - مع هذا - بطلان الصلاة بتطويل الاعتدال وتوجيههم ذلك أنه «إذا أطيل؛ انتفت الموالاة» معترض بأن معنى الموالاة: أن لا يتخلل فصل طويل بين الأركان بما ليس منها، وما ورد به الشرع لا يصح نفي كونه منها. انتهى.
وقولهم: لم يسن فيه تكرار التسبيحات. .. إلخ. مخالف لما سبق أنه ﷺ كان يكرر فيه قوله: «لربي الحمد، لربي الحمد». فسقط اعتبار هذا القول والقياس عليه من أصله؛ فلا يلتفت إليه.
وقوله: «قد نسي» أي: نسي وجوب الهوي إلى السجود. ويحتمل أن يكون المراد: أنه نسي أنه في صلاة، أو ظن أنه وقت القنوت. من «الفتح».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٦٩٨)]
الأمر بالاطمئنان في الركوع وهيئته والتحذير من ترك ذلك
وكان يأمر بالاطمئنان فيه؛ فقال «للمسيء صلاته»: «ثم ارفع رأسك حتى تعتدل قائماً؛ [فيأخذ كل عظم مَأْخَذَه]»، «وفي رواية: «وإذا رفعت؛ فأقم صلبك، وارفع رأسك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها» وذكر له: «أنه لا تتم صلاة لأحد من الناس إذا لم يفعل ذلك». وكان يقول: «لا ينظر الله إلى صلاةِ عبدٍ لا يقيمُ صُلْبَه بين ركوعها وسجودها».
والمراد بـ «العظام» هنا: عظام سلسلة الظهر وفقراته - كما تقدم قريباً في
стр. 1696
«الاعتدال من الركوع. .. » -. و «المفاصل» جمع «مَفصِل»: ملتقى كل عظمين في الجسد. انظر «المعجم الوسيط».
وهذا الحديث يدل على بطلان الصلاة بترك الاطمئنان في هذا الاعتدال، وهو أمر زائد على ما أفاده حديث «المسيء صلاته» من وجوب الاطمئنان.
قال ابن حزم «٣/ ٢٦٦»: «من لم ينظر الله تعالى إليه في عملٍ ما؛ فذلك العمل بلا شك غير مرضيٍّ، وإذ هو غير مرضي؛ فهو يقيناً غير مقبول». اهـ.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٧٠٠)]
стр. 1697
عدم مشروعية وضع اليمنى على اليسرى في هذا القيام
стр. 1698
عدم مشروعية وضع اليمنى على اليسرى في هذا القيام
ولا يشرع وضع اليدين إحداهما على الأخرى في هذا القيام لعدم وروده.
[تلخيص الصفة حاشية فقرة ٨٤].
هل يستدل بهذا الحديث على وضع اليمنى على اليسرى في القيام بعد الركوع
تنبيه: إن المراد من هذا الحديث [وإذا رفعت؛ فأقم صلبك، وارفع رأسك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها] بيِّن واضح، وهو الاطمئنان في هذا القيام.
وأما استدلال بعض إخواننا من أهل الحجاز وغيرها بهذا الحديث على مشروعية وضع اليمنى على اليسرى في هذا القيام؛ فبعيدٌ جدًّا عن مجموع روايات الحديث -وهو المعروف عند الفقهاء بـ: «حديث المسيء صلاته» - بل هو استدلال باطل؛ لأن الوضع المذكور لم يرد له ذكر في القيام الأول في شيء من طرق الحديث وألفاظه؛ فكيف يسوغ تفسير الأخذ المذكور فيه بأخذ اليسرى باليمنى بعد الركوع؟ هذا لو ساعد على ذلك مجموع ألفاظ الحديث في هذا الموطن؛ فكيف وهي تدل دلالة ظاهرة على خلاف ذلك؟ ! ثم إن الوضع المذكور غير متبادر من الحديث ألبتة؛ لأن المقصود بـ «العظام» فيه عظام الظهر - كما تقدم -. ويؤيد ما سبق من فعله ﷺ : ... استوى حتى يعود كل فقار مكانه. فتأمل منصفاً.
ولست أشك في أن وضع اليدين على الصدر في هذا القيام بدعة ضلالة؛ لأنه لم يرد مطلقاً في شيء من أحاديث الصلاة -وما أكثرها- ولو كان له أصل؛ لنقل إلينا ولو عن طريق واحد، ويؤيده أن أحداً من السلف لم يفعله، ولا ذكره أحد من أئمة الحديث فيما أعلم.
ولا يخالف هذا ما نقله الشيخ التويجري في «رسالته» «ص ١٨ - ١٩» عن
стр. 1699
الإمام أحمد ﵀ أنه قال: «إن شاء؛ أرسل يديه بعد الرفع من الركوع، وإن شاء؛ وضعهما» «هذا معنى ما ذكره صالح ابن الإمام أحمد في «مسائله» «ص ٩٠» عن أبيه»؛ لأنه لم يرفع ذلك إلى النبي ﷺ ، وإنما قاله باجتهاده ورأيه، والرأي قد يخطئ، فإذا قام الدليل الصحيح على بدعية أمر ما -كهذا الذي نحن في صدده- فقول إمام به لا ينافي بدعيته -كما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بعض كتبه- بل إنني لأجد في كلمة الإمام أحمد هذه ما يدل على أن الوضع المذكور لم يثبت في السنة عنده؛ فإنه خيَّر في فعله وتركه، فهل يظن الشيخ الفاضل أن الإمام يُخَيِّر أيضاً كذلك في الوضع قبل الركوع؟ ! فثبت أن الوضع المذكور ليس من السنة، وهو المراد.
هذه كلمة مختصرة حول هذه المسألة، وهي تتحمل البسط والتفصيل، ولا مجال لذلك هنا، ومحله الرد الذي أشرت إليه في مقدمة الطبعة الخامسة «ص ٣٠» من هذه الطبعة الجديدة.
وإلى هذا ذهب الشافعية، وأحمد، وداود، وأكثر العلماء؛ أن الاعتدال ركن لا تصح الصلاة إلا به؛ كما في «المجموع» «٣/ ٤١٩»، قال: وقال أبو حنيفة: لا يجب، بل لو انحط من الركوع إلى السجود؛ أجزأه. وعن مالك روايتان كالمذهبين، واحتج لهم بقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾، واحتج أصحابنا بحديث «المسيء صلاته»، والآية الكريمة لا تعارضه، وبقوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٧٠٠)]
مشروعية القبض في القيام الذي قبل الركوع دون الذي بعده
عن وائل بن حجر مرفوعًا: «كان إذا قام في الصلاة قبض على شماله بيمينه».
ذكر الإمام تخريجه ثم قال:
ورواه أحمد «٤/ ٣١٦» وابن أبي شيبة في «المصنف» «١/ ٣٩٠»: حدثنا وكيع حدثنا موسى بن عمير العنبري به مختصرا بلفظ: «رأيت رسول الله ﷺ واضعا
стр. 1700
يمينه على شماله في الصلاة». فلم يذكر القيام. ورواه البغوي في «شرح السنة» «٣/ ٣٠» من طريق أخرى عن وكيع. وهكذا رواه أحمد «٤/ ٣١٦ - ٣١٩» من طريق أخرى عن وائل بن حجر دون القيام.
ولا يشك الباحث في طرق هذا الحديث أنه مختصرا أيضا - كرواية وكيع - من حديث وائل المبين لصفة صلاة النبي ﷺ والقيام الذي قبض فيه يديه، وهو الذي قبل الركوع، جاء ذلك من طريقين: الأولى: عن عبد الجبار بن وائل عن علقمة بن وائل ومولى لهم أنهما حدثاه عن أبيه وائل بن حجر: أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل الصلاة، كبر - وصف همام - حيال أذنيه. ثم التحف بثوبه. ثم وضع يده اليمنى على اليسرى. فلما أراد أن يركع أخرج يده من الثوب ثم رفعها ثم كبر فركع. فلما قال: سمع الله لمن حمده رفع يده. فلما سجد سجد بين كفيه. أخرجه مسلم «٢/ ١٣» وأبو عوانة «٢/ ١٠٦ - ١٠٧» وأحمد «٤/ ٣١٧ - ٣١٨» والبيهقي «٢/ ٢٨ و ٧١». الثانية: عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر قال: «قلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله ﷺ كيف يصلي؟ قال: فقام رسول الله ﷺ فاستقبل القبلة فكبر فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه. ثم أخذ شماله بيمينه. فلما أراد أن يركع رفعها مثل ذلك. ثم وضع يديه على ركبتيه. فلما رفع رأسه من الركوع رفعهما مثل ذلك.
فلما سجد وضع رأسه بذلك المنزل من بين يديه، ثم جلس فافترش رجله اليسرى .. وأشار بالسبابة .. » الحديث. أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد وغيرهم بسند صحيح، وهو مخرج في «صحيح أبي داود» «٧١٦ - ٧١٧» برواية آخرين من الأئمة عن جمع من الثقات عن عاصم، يزيد بعضهم على بعض، وأتمهم سياقا زائدة بن قدامة وبشر بن المفضل، وهو ثقة ثبت، والسياق له، ولابن ماجة منه قوله: «رأيت النبي ﷺ يصلي فأخذ شماله بيمينه». قلت: فإذا نظر الناظر إلى هذه الجملة لوحدها، ولم يعلم، أو على الأقل لم يستحضر أنها مختصرة من الحديث، فهم منها مشروعية الوضع لليدين في كل قيام سواء كان قبل الركوع أو بعده، وهذا خطأ يدل عليه سياق الحديث، فإنه صريح في أن الوضع إنما هو في القيام الأول، وهو في سياق
стр. 1701
عاصم بن أصرح، فإنه ذكر رفع اليدين في تكبيرة الإحرام، ثم الركوع والرفع منه، يقول فيهما: مثل ذلك، فلو كان في حفظ وائل وضع اليدين بعد الرفع لذكره أيضا كما هو ظاهر من ذكره الرفع ثلاثا قبله، ولكن لما فصلت تلك الجملة عن محلها من الحديث أوهمت الوضع بعد الرفع، فقال به بعض أفاضل العلماء المعاصرين، دون أن يكون لهم سلف من السلف الصالح فيما علمت. ومما يؤكد ما ذكرنا رواية ابن إدريس عن عاصم به مختصرا بلفظ: «رأيت رسول الله ﷺ حين كبر أخذ شماله بيمينه».
ومثل هذا الوهم بسبب الاختصار من بعض الرواة أو عدم ضبطهم للحديث يقع كثير، ولقد كنت أقول في كثير من محاضراتي ودروسي حول هذا الوضع وسببه: يوشك أن يأتي رجل ببدعة جديدة اعتمادا منه على حديث مطلق لم يدر أنه مقيد أيضا، ألا وهي الإشارة بالإصبع في غير التشهد، فقد جاء في «صحيح مسلم» حديثان في الإشارة بها في التشهد أحدهما من حديث ابن عمر، والآخر من حديث ابن الزبير، ولكل منهما لفظان مطلق ومقيد، أو مجمل ومفصل: «كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها .. »، فأطلق الجلوس. والآخر: «كان إذا قعد في التشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على ركبته اليمنى .. » الحديث. فقيد الجلوس بالتشهد. ونحوه لفظا حديث ابن الزبير. فاللفظ الأول «جلس» يشمل كل جلوس، كالجلوس بين السجدتين، والجلوس بين السجدة الثانية والركعة الثانية المعروفة عند العلماء بجلسة الاستراحة. فكنت أقول: يوشك أن نرى بعضهم في هاتين الجلستين!
فلم يمض على ذلك إلا زمن يسير حتى قيل لي بأن بعض الطلاب يشيرون بها بين السجدتين، ثم رأيت ذلك بعيني من أحد المتخرجين من الجامعة الإسلامية حين زارني في داري في أول سنة «١٤٠٤» ونحن في انتظار حدوث البدعة الثالثة، ألا وهي الإشارة بها في جلسة الاستراحة، ثم حدث ما انتظرته، والله المستعان، وقد وقع مثل هذا الاختصار الموهم لشرعية الإشارة في كل جلوس في حديث وائل أيضا من رواية عاصم بن كليب عن أبيه عنه، وهو في «مسند أحمد» «٤/ ٣١٦ -
стр. 1702
٣١٩» على وجهين: الأول: الإشارة مطلقا دون تقييد بتشهد. أخرجه «٤/ ١١٦ - ١١٧» من طريق شعبة عنه بلفظ: «وفرش فخذه اليسرى من اليمنى، وأشار بإصبعه السبابة». وكذا أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» «١/ ٣٤٥ / ٦٩٧»، لكنه قال في آخره: «يعني في الجلوس في التشهد». وهذا التفسير، إما من وائل وإما من أحد رواته والأول هو الراجح لما يأتي. وفي لفظ له في «المسند» «٤/ ٣١٦» من رواية عبد الواحد بلفظ:
«فلما قعد افترش رجله اليسرى .. وأشار بإصبعه السبابة». وتابعه عنده «٤/ ٣١٧ / ٣١٨» سفيان - وهو الثوري - وزهير بن معاوية، ورواه الطبراني «٢٢/ ٧٨ و ٨٣ و ٨٤ و ٨٥ و ٩٠» من طريقهما وآخرين. والآخر: الإشارة بقيد التشهد. وهو في «المسند» «٤/ ٣١٩» من طريق أخرى عن شعبة بلفظ: «فلما قعد يتشهد .. أشار بإصبعه السبابة وحلق بالوسطى». وسنده صحيح، وأخرجه ابن خزيمة أيضا «٦٩٨». وتابعه أبو الأحوص عند الطحاوي في «شرح المعاني» «١/ ١٥٢» والطبراني في «المعجم الكبير» «٢٢/ ٣٤ / ٨٠»، وزاد: «ثم جعل يدعو بالأخرى». وتابعهما زائدة بن قدامة بلفظ: «فحلق حلقة، ثم رفع إصبعه، فرأيته يحركها يدعو بها». أخرجه أبو داود وغيره من أصحاب السنن، وأحمد «٤/ ٣١٨» والطبراني «٢٢/ ٣٥ / ٨٢» وصححه ابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود والنووي وابن القيم، وهو مخرج في «صحيح أبي داود» «٧١٧». وتابعه أبو عوانة بنحوه، وفيه: «ثم دعا». أخرجه الطبراني «٢٢/ ٣٨ / ٩٠». وابن إدريس مثله. رواه ابن حبان «٤٨٦».
وسلام بن سليم عند الطيالسي «١٠٢٠». قال الطحاوي عقب رواية أبي الأحوص المتقدمة: «فيه دليل على أنه كان في آخر الصلاة». قلت: وهذا صريح في رواية أبي عوانة المشار إليها آنفا، فإنه قال: «ثم سجد، فوضع رأسه بين كفيه، ثم صلى ركعة أخرى، ثم جلس فافترش رجله اليسرى، ثم دعا ووضع كفه اليسرى على ركبته اليسرى، وكفه اليمنى على ركبته اليمنى، ودعا بالسبابة». وإسناده صحيح. ونحوه رواية سفيان «وهو ابن عيينة»، ولفظه: «وإذا جلس في الركعتين
стр. 1703
أضجع اليسرى ونصب اليمنى ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ونصب إصبعه للدعاء ووضع يده اليسرى على رجله اليسرى». أخرجه النسائي «١/ ١٧٣» بسند صحيح، والحميدي «٨٨٥» نحوه. قلت: فتبين من هذه الرواية الصحيحة أن التحريك أو الإشارة بالإصبع إنما هو في جلوس التشهد، وأن الجلوس المطلق في بعضها مقيد بجلوس التشهد، هذا هو الذي يقتضيه، الجمع بين الروايات، وقاعدة حمل المطلق على المقيد المقررة في علم أصول الفقه، ولذلك لم يرد عن أحد من السلف القول بالإشارة مطلقا في الصلاة ولا في كل جلوس منها فيما علمت، ومثل ذلك يقال في وضع اليدين على الصدر، إنما هو في القيام الذي قبل الركوع، إعمالا للقاعدة المذكورة. فإن قال قائل: قد روى عبد الرزاق عن الثوري عن عاصم بن كليب بإسناده المتقدم عن وائل .. فذكر الحديث والافتراش في جلوسه قال: «ثم أشار بسبابته ووضع الإبهام على الوسطى حلق بها وقبض سائر أصابعه، ثم سجد فكانت يداه حذو أذنيه». فهذا بظاهره يدل على أن الإشارة كانت في الجلوس بين السجدتين، لقوله بعد أن حكى الإشارة: «ثم سجد .. ». فأقول: نعم قد روى ذلك عبد الرزاق في «مصنفه» «٢/ ٦٨ - ٦٩»، ورواه عنه الإمام أحمد «٤/ ٣١٧» والطبراني في «المعجم الكبير» «٢/ ٣٤ - ٣٥» وزعم الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي في تعليقه عليه: «أنه أخرجه الأربعة إلا الترمذي والبيهقي مفرقا في أبواب شتى».
وهو زعم باطل يدل على غفلته عن موجب التحقيق فإن أحد منهم ليس عنده قوله بعد الإشارة: «ثم سجد»، بل هذا مما تفرد به عبد الرزاق عن الثوري، وخالف به محمد بن يوسف الفريابي وكان ملازما للثوري، فلم يذكر السجود المذكور. رواه عنه الطبراني «٢٢/ ٣٣ / ٧٨». وقد تابعه عبد الله بن الوليد حدثني سفيان. .. به. أخرجه أحمد «٤/ ٣١٨». وابن الوليد صدوق ربما
أخطأ، فروايته بمتابعة الفريابي له أرجح من رواية عبد الرزاق، ولاسيما وقد ذكروا في ترجمته أن له أحاديث استنكرت عليه، أحدها من روايته عن الثوري، فانظر «تهذيب ابن حجر» و «ميزان الذهبي»، فهذه الزيادة من أوهامه. وإن مما يؤكد ذلك، أنه قد تابع الثوري في روايته المحفوظة جمع كثير من الثقات الحفاظ منهم عبد
стр. 1704
الواحد بن زياد وشعبة وزائدة بن قدامة وبشر بن المفضل وزهير بن معاوية وأبو الأحوص وأبو عوانة وابن إدريس وسلام بن سليمان وسفيان بن عيينة، وغيرهم، فهؤلاء جميعا لم يذكروا في حديث وائل هذه الزيادة، بل إن بعضهم قد ذكرها قبيل الإشارة، مثل بشر وأبي عوانة وغيرهما، وقد تقدم لفظهما، وبعضهم صرح بأن الإشارة في جلوس التشهد كما سبق. وهذا هو الصحيح الذي أخذ به جماهير العلماء من المحدثين والفقهاء، ولا أعلم أحدا قال بشرعيتها في الجلوس بين السجدتين، إلا ابن القيم، فإن ظاهر كلامه في «زاد المعاد» مطابق لحديث عبد الرزاق، ولعل ذلك الطالب الجامعي الذي تقدمت الإشارة إليه قلده في ذلك، أو قلد من قلده من العلماء المعاصرين، وقد بينت له ولغيره من الطلاب الذين راجعوني شذوذ رواية عبد الرزاق ووهاءها، ولقد أخبرني أحدهم عن أحد العلماء المعروفين في بعض البلاد العربية أنه يعمل بحديث عبد الرزاق هذا ويحتج به وذلك مما يدل على أنه لا اختصاص له بهذا العلم، وهذا مما اضطرني إلى كتابة هذا التخريج والتحقيق، فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي. سائلا المولى أن يأخذ بأيدينا ويهدينا إلى الحق الذي اختلف فيه الناس، إنه يهدي من يشاء إلى الصراط المستقيم. والحمد لله رب العالمين.
السلسلة الصحيحة (٥/ ٣٠٦ - ٣١٣).
هل يستقيم الاستدلال بحديث: حتى ترجع العظام إلى مفاصلها على وضع اليدين على الصدر في القيام من الركوع ؟
قال الألباني شارحاً عبارة «فإذا رفعت رأسك فأقم صلبك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها» من حديث المسئ صلاته:
أي عظام الصلب والظهر، أي: يستقر ويعود إلى مكانه كل فقرة من فقرات ظهره، كما جاء في وصف أبي حميد لصلاته ﷺ ، والمراد كمال الاعتدال في هذا
стр. 1705
القيام، وقد صحت أحاديث في النهي عن الإخلال به.
وأما الاستدلال به على وضع اليدين على الصدر في هذا القيام، فمن أبعد ما يكون عن هديه ﷺ ، المعروف في صلاته، وعن سياق هذا الحديث وعن غيره، كما شرحت ذلك في غير ما موضع.
صحيح موارد الظمآن (١/ ٢٣٩)
عدم مشروعية وضع اليدين على الصدر بعد الرفع من الركوع
[قال الإمام]:
ليتأمل القراء في حسن سياق وائل ﵁ لصفة رفع يديه ﷺ في تكبيرة الإحرام، ثم إيجازه تعبيره عنها عند الركوع والقيام منه بقوله: «فرفع يديه مثلها»، فلو كان ما ينسبه إليه بعض الفضلاء من قبض اليدين بعد القيام منه صحيحاً لقال مثلاً: «ووضع اليمنى على اليسرى مثلها» أو نحو ذلك، لأنه وقت بيان كما هو ظاهر، فتأمل منصفًا.
صحيح موارد الظمآن (١/ ٢٤٠) وانظر (١/ ٢٤١)
عدم ثبوت وضع اليمنى على اليسرى بعد الرفع من الركوع عند السلف إلى عصرنا
الشيخ موجهًا كلامه للسائل:
قولك في الجواب عن السؤال الثاني، وهو: هل تعلم بأن المسلمين كانوا ولا يزالون يضعون أيديهم في القيام الأول؟ قلت نعم، وسألتك قبل هذا: هل تعلم أنهم كانوا يضعون في القيام الثاني؟ قلت لا أعلم، ماذا ينتج من قولك أعلم هنا، ولا أعلم هناك؟ ينتج أن الوضع بعد القيام من الركوع سنة؟ !
стр. 1706
السائل: حاصل الكلام أنه غير سنة.
الشيخ: هذا الذي أُريده منك، غرضي إذاً: أنه قد تحدث حوادث في هذا الزمن، فنحن لا ننظر إليه في هذا الزمن، ننظر في الأزمنة الماضية، في الأزمنة الماضية كان المسلمون مثلا ما يعرفون حسر الرأس والمشي في الطرقات، لكن اليوم هذا معروف.
فإذاً: نحن نُنْكِر هذا الحَسْر؛ لأنه لم يكن من أعمال المسلمين.
كذلك أيّ شيء يحدث في هذا العصر، إن لم يكن إحياءً لسنةٍ صريحة مضت، فنحن نرفضه مهما كان العامل فيه.
(الهدى والنور /١٨١/ ٠٠: ٤١: ٠٠)
رد القول بوضع اليمنى على اليسرى بعد الرفع من الركوع
مداخلة: يا شيخ، أردنا أن تشرح القاعدة التي قال فيها الإمام ابن تيمية: كُلُّ عموم لم يَجْرِ عليه عمل السلف.
الشيخ: وأنا كنت بهذا الصدد بارك الله فيك، أنا كنت سأصل إلى هذه النتيجة هي.
مداخلة: نعم.
الشيخ: لأني لما ذكرت هذا الرجل الذي صار يُشِير مع كل تهليلة عشر أيضاً إشارات، هذا أخذ ذلك من هذا العموم، وأردت أن أقول: أخشى ما أخشى أنه يجيء يأخذ من عمومات أخرى بِدَعاً أخرى.
مثلاً: قال ﵊: «إن الله يستحيي من عبده إذا رفع يديه يدعوه، أن يَرُدُّهما خائبتين».
ونحن نعلم أن في الصلاة أدعية بعضها قصيرة، وبعضها طويلة، دعاء مثلاً بين
стр. 1707
السجدتين: رب اغفر لي وارحمني. .. إلى آخره.
ما رأيك أن واحداً يعمل بهذا الحديث، ويرفع يديه خاصة في التشهد الأخير، حيث هناك قال ﵇ بعد الاستعاذة من أربع: «ثم لِيَتَخَيَّر من الدعاء ما شاء».
إذاً: يدعو ويرفع يديه عملاً بذاك الحديث، هذا جهل بقاعدة علمية هامة جداً وهي: أن أيَّ نَصٍّ عام يتضمن أجزاء كثيرة، جزء من هذه الأجزاء يَدُل عليه النص العام، لكن لم يَجْرِ العمل على هذا الجزء، وهذه أمثلة أمامكم.
وألهمت يوماً ما بمثال، وما رأيكم؟ دخلنا المسجد، في صلاةٍ من الصلوات التي لها سنن قبلية صلاة الظهر مثلاً، كان في أربعة خمسة عشرة كل واحد انتحى ناحية يريد أن يصلي السنة، وواحد من الجماعة، من أمثال هؤلاء الذين ما يفقهون كيف تُفْهَم النصوص، قال: يا جماعة لماذا التَفَرُّق هذا؟ يد الله على الجماعة قال ﵇: دَعُونا نصلي جماعة، وأقوى دلالة من هذا الحديث: «صلاة الرجلين أزكى من صلاة الرجل وحده، وصلاة الثلاثة أزكى من صلاة الرجلين» دعونا نصلي جماعة، بماذا نرد على هذا وهؤلاء وهؤلاء؟ بالكلمة التي يقولها علماء السلف: أي الذين فهموا مذهب السلف، وجروا على مذهب السلف، وهي: «لو كان خيراً لسبقونا إليه».
أيُّ مثال تأخذه من الأمثلة هذه، يظهر لكم أن هذه الاستدلالات العامة لا قيمة لها أبداً، بل أنا أقول: أصل أكثر البدع التي نحارب الناس عليها، ناشئة من الأخذ بالعمومات، التي لم يَجْرِ العمل على بعض أجزائها.
فبدأت الزيادة على الأذان وعلى الإقامة، وبدأت الترقية بين يدي الخطيب يوم الجمعة الموجود في بعض المساجد.
فهذه كُلُّها لها أصل في الكتاب والسنة: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأنفال: ٤٥].
﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] أدلة عامة.
стр. 1708
فأصل كل البدع إلا القليل منها: هو اللجوء إلى العمل بدليل عام، لم يَجْرِ عمل السلف عليه.
ولذلك: هذا البحث هذا العلم، الإنسان ليس بإمكانه مجرد ما يقرأ كتاب أنه يفهم، والله ما معنى هذا الحديث ما معنى ذاك الحديث، بِدّه إلمام بما كان عليه الرسول ﵇، وما كان عليه السلف الصالح.
وهذا لو تَحَقَّق يتطلب أمراً لا يخفى عليكم جميعاً، ألا وهو: أن يُمَيِّز بين ما صح وما لم يصح سواءً من السنة، أو من آثار السلف الصالح.
هذا يَجُرُّني إلى التذكير بأمر أختلف أنا مع بعض إخواننا السلفيين من المشايخ في الهند وغير الهند، الذي يضعون اليُمنى على اليسرى بعد رفع الرأس من الركوع، نفس الطريقة التي يلجأ هؤلاء في الأمثلة السابقة، هؤلاء وقعوا فيها مع الأسف الشديد ما في عندهم ولو حديث ضعيف ولو موضوع، أن الرسول كان إذا رفع رأسه من الركوع وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، لكن من أين جاؤوا؟ جاؤوا من نصوص عامة.
مثلاً: «نحن معاشر الأنبياء أُمرنا بثلاث: بتعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليُمنى على اليسرى في الصلاة».
يقول لك: هذا نص عام، لكن يا جماعة هل جرى فعل الرسول على هذا النص العام الذي أنتم فهمتموه؟ هل عَمِل به السلف؟ هل قال به أحد من الأئمة؟ أبداً لا أحد.
مداخلة: يجيب يا شيخ، اسمح لي: أنه هل ثبت أنه ما جرى عمل السلف على هذا؟
الشيخ: هذا السؤال نحن نُخَطِّئهم، ولا يستطيعون رداً.
نقول لهم: لو لم يأت الوضع في القيام الأول، ماذا كنتم تفعلون؟ هل تضعون من عند أنفسكم؟ طبعاً يقولون: لا؛ لأنه هذه هيئة لا يستطيعون أنهم يُشَرِّعوا
стр. 1709
بعقولهم.
نحن نقول: مع هذا الأصل جيبوا لنا نص أن الرسول كان يضع في هذا القيام الثاني، حتى نمشي معكم، أما والله أنتم لازم تجيبوا دليلاً أن الرسول ما كان يفعل كذا، وهذا لو سمعهم المبتدعة اتخذوه سلاحاً ماضياً ضدهم، لماذا؟ والله زيادة على الأذان، بعد الصلاة على الرسول بعد الأذان، هذه بدعة، هات نص يا أخي أن الرسول نهى عنه، أو أنهم ما فعلوا ذلك؟ ! ما في عندنا أيَّ شيء بطبيعة الحال، لكن نحن نعرف الحياة التي كان عليها الرسول، والتي يُعَبِّر عنها بعض العلماء: أنه لو وَقَع لَنُقِل؛ لأنه هذه أمور تتوافر عليها الهمم لنقلها، مؤذن يؤذن كل يوم خمس مرات في خمس صلوات، ثم تمضي هذه القرون كلها، ولا تأتي رواية أن أحدهم كان يأتي بهذه الزيادة، هذا بلا شك يعني: افتراء محض.
وهكذا نحن نقول: كل القرون مضت، ولا أحد يقول من الأئمة المجتهدين سواءً كانوا الأربعة أو الأربعين أو الأربعمائة، لا نتعصب نحن لواحد دون الآخرين، ما أحد منهم يقول: بأنه هكذا من السنة أن نفعل.
فإذاً: الخطأ ينشأ من تسليط الفهم الخاص من إنسان بعد، في تعبيرنا السوري في الرقراق يعني: في الماء الفايش بعدما ماذا؟ أتقن السباحة وما يخوض ما يستطيع أن يخوض البحار، يجي يطلع لنا بهذه الآراء والأفكار.
ومرة جاءني طالب علم أعرفه، تَخَرَّج من الجامعة الإسلامية وهو تونسي الأصل، وكان في دمشق وتَعَرَّف عليَّ، وأنا الذي زَكّيته يومئذٍ فقبلوه طالباً في الجامعة، واستمر وتخرج الرجل، فأُرْسِل للدعوة إلى بلجيكا، زارني أظن منذ سنة أو سنتين في البيت صلينا المغرب، وهو باعتباره مسافر ومعه شخص جاء معه من بلجيكا أصله مغربي، لما صلى فإذا به يرفع أُصبعه بين السجدتين يرفع رأسه من السجدة الأولى، وهو يحرك أصبعه بين السجدتين.
كنت أنا قبل ما أشاهد هذه المشاهدة، أتي بهذا المثال أيضاً أقوله، يمكن أنت سمعته أكيد فإذا فوجئت وقع أمامي، بعدما سَلَّم ناقشته، قال: في حديث، قلنا له:
стр. 1710
وين الحديث؟ قال: في مسند الإمام أحمد قلنا له: صحيح؟ قال: نعم. قلت له: يا حبيب هذا الحديث يُسَمّى عند علماء الحديث بالحديث الشاذ، وهو من أقسام الحديث الضعيف؛ لأنه نحن لما نُحَرِّك في التشهد عمدتنا حديث وائل بن حجر؟ قال: «نظرت إلى صلاة رسول الله ﷺ فلما جلس في التشهد وضع اليسرى على ركبته اليسرى واليمنى على ركبته اليمنى، وقبض أصابعه، وحَلَّق بالوسطى والإبهام ورفع سبابته، فرأيته يُحَرِّك ويدعو بها».
هذا الحديث له طُرُق، هذه الطرق تلتقي عند شخص واحد هو عاصم بن كُلَيْب، وهو عن أبيه وهو عن وائل بن حجر ثلاثة أشخاص، تعددت الطرق تحته، كل الطرق تروي الحديث كما ذكرنا لكم إشارة في التشهد.
طريق واحدة شذت في «مسند الإمام أحمد» وفي «معجم الطبراني» وفي «مصنف عبد الرزاق» ومن طريقه تَلَقَّاه هؤلاء العلماء عن سفيان عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل ذكر صفة الصلاة، فلما رفع رأسه من السجدة الأولى أشار بأصبعيه، ولما ذكر التشهد ما في إشارة.
هذا حديث شاذ حديث خطأ، ممكن نُسَمِّيه أيضاً أو نعتبره مثالاً بالحديث المقلوب؛ لأنه انقلب عليه الإشارة من التشهد إلى ما بين السجدتين.
هذا كله به قلت أنا آنفاً كلمة تَذْكُرونها قلنا: إنه لازم يُحيط بقدر الاستطاعة بالسنة التي كان عليها الرسول ﵇ وآثار السلف الصالح، بشرط ماذا؟ تمييز الصحيح من الضعيف، وإلا وقع في البدعة من حيث لا يريد ولا يشعر.
وهذا هو المثال هذا عمل بالحديث، وموجود في مسند الإمام أحمد، لكن هذا حديث شاذ، من أين له أن يعرف هذا الحديث الشاذ كل طالب علم؟ هذا أمر مستحيل.
لذلك أنا أَعْتَبِر من الحِكَم البالغة ما يرويه بعض الصوفية خطأً حديثاً مرفوعاً إلى النبي ﷺ : «من عرف نفسه فقد عرف ربه» يروونه حديثاً لكن ليس بحديث، لكنه هو من الحكمة في مكان.
стр. 1711
فالإنسان لما يعرف حاله إنه لسه عم أيش؟ يمشي مشية الطفل الرضيع يومه، يطلع يختصر قفزه ويعرف حاله مجتهد أكبر، وإذا قيل له من أين لك هذا؟ يقول: هذا رأيي.
طيب، كل إنسان له رأي وله اجتهاد، هذه مصيبة الزمن، وهذا مصيبة تخص من ينتمون إلى العمل بالكتاب والسنة.
فنسأل الله أن يُلْهِمنا رشدنا، وأن يُقَوِّم سلوكنا، وأن يُلْهِمنا العمل بالعلم الصحيح، الذي يستلزم أن نعرف طرق الوصول إلى العلم الصحيح.
(الهدى والنور/١٩٧/ ٥٣: ٣١: ٠٠)
وضع اليدين على الصدر بعد الرفع من الركوع
مداخلة: يا شيخ سؤالي: أنا وجدت ابن حزم ﵀ يقول: ويستحب للمصلي أن يضع يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة في وقوفه كله، ومعلوم قبل الركوع يسمى وقوف لغوي، وكذلك بعد الركوع يسمى وقوف، فعلى هذا يكون ابن حزم ﵀ يدل على القبض، ثم بعد أن انتهى ابن حزم ﵀ من المسألة قال: نُقل هذا عن أحمد والشافعي وأبي حنيفة [فكلام] ابن حزم يدل على القبض بعد الركوع؟
الشيخ: هذا الكلام أخي ليس فيه دلالة على الوضع المتنازع فيه اليوم .. اليوم في عصرنا هذا، هذا الوضع لم يكن يومًا ما مشروعًا أبدًا، والدليل من كلام ابن حزم أنه يعني الوضع الذي أنت تفعله شاملًا الوضع بعد الركوع للأئمة لأبي حنيفة الشافعي، وهؤلاء لا يقولون بذلك، ولذلك يجب أن تفسر كلامه في كل قيام، أي: في كل ركعة، وليس هذا في القيام الأول، وإنما في القيام بالركعة الثانية .. في الركعة الثالثة والرابعة، فهو لا يعني الركعة الأولى فيها قيامان، هذا تحميل لكلام ابن حزم من المعنى ما لا يريده.
стр. 1712
وهنا لا بد من أن نذكركم بأسلوب في فهم اللغة العربية: يقول العلماء: السياق والسباق من المقيدات، سباق الكلام وسياقه يقيد العموم الذي يتبادر من فصل من فصول هذا الكلام، فأنت لما تقرأ كلام ابن حزم: في كل قيام، ممكن أن تفهم منه في كل قيام، أي: ولو في القيام الثاني في الركعة الواحدة، لكن إذا تابعت كلامه حيث يعزو ذلك لأبي حنيفة والشافعي وهؤلاء لا يقولون بهذا القيام الثاني، فإذًا: كان سياق كلام ابن حزم دليلًا على أنه لم يعن هذا العموم الذي أنت تفهمه، ولولا ما يقال اليوم من شرعية القيام بعد رفع الرأس من الركوع لما ذهب وهلك أنت ولا غيرك إلى أن تفسر كلام ابن حزم بأنه أدخل فيها الوضع في القيام بعد الركوع، وإلا سياق الكلام كما قلنا صريح في عزوه إلى الأئمة، ولا أحد من الأئمة يقول بهذا الوضع إطلاقًا.
وختامًا: أنا أريد أن ألفت النظر إلى شيء هام جدًا، وفي اعتقادي أنه لو تنبه له لساعدنا على فهم بعض هذه المسائل التي يختلف فيها العلماء اليوم: كل نص عام يتضمن أجزاء كثيرة لم يثبت العمل بجزء من ذاك النص العام من السلف الصالح، فالعمل بهذا الجزء غير مشروع، هذا كلام أصولي، ولعله مفهوم ولكن المثال يوضح كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١].
قبل المثال أريد أن أذكر شيئًا بين يديه: الغفلة عن هذه القاعدة الهامة هو السبب الأول في كثرة انتشار البدع بين المسلمين قديمًا وحديثًا، ونحن أهل السنة الحريصين على التمسك بالسنة دون زيادات وإضافات باسم البدعة الحسنة مثلًا نحارب تلك البدع مع أنها كلها أو على الأقل جلها لها أدلة من مثل هذه الأدلة العامة التي يستدل بعمومها على جزء من أجزاء الدليل العام مع أن العمل لم يجر في هذا الجزء من السلف، كذلك نحن ننكر على المبتدعة إحداثهم بدع كثيرة بحجة أنه - وهي حجة صادقة وصحيحة - لو كان خيرًا لسبقونا إليه، كل البدع نحن نضربها بهذه الجملة وهي له أصولها وقواعدها بلا شك: لو كان خيرًا لسبقونا إليه، لكننا لو تأملنا في هذه البدع التي ننكرها على المبتدعة لوجدنا لها أدلة عامة كثيرة وكثيرة جدًا، ليس فقط في السنة بل وفي القرآن الكريم، يعني مثلًا: خذ ما هو عندنا في عمان وفي الشام
стр. 1713
من الزيادة بين يدي الأذان وفي الأذان .. بين يدي الأذان يسموه تذكير عندنا، يعني: آيات وصلاة على الرسول ﵇، أما بعد الأذان فهو صلاة على الرسول من المؤذن، نحن لا نتورع ولا نتردد في أن نقول: هذه بدعة، فهم يصدموننا بقوله تعالى .. تستنكرون الصلاة على الرسول والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] هذا الدليل إذا أردنا أن ندرسه على ضوء علم أصول الفقه، ما هو؟ هذا استدلال بالنص العام؛ لأنه قال: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] ما حدد مكانًا وإنما أطلق، إذًا: أهل البدعة وهذا مثال مرجعهم دائمًا وأبدًا في تأييدهم لبدعهم هو الاستدلال بدلالات الأدلة العامة التي لم يجر العمل بهذا الجزء الذي يستدلون عليه بالدليل العام، هذه نقطة مهمة جدًا، ولو أن أحدكم فكر دائمًا حينما ينكر بدعة. ..
لها أصلًا من هذه الأدلة العامة، ولهذا يقول الإمام الشاطبي ﵀: أن البدعة تنقسم إلى قسمين:
بدعة حقيقة، وبدعة إضافية: البدعة الحقيقة هي التي ليس لها أصل في الكتاب والسنة مطلقًا، ويضرب على ذلك بعض الأمثلة كالقول بالجبر أن الإنسان مجبور، والقول بالإرجاء ونحو ذلك، ولا يهمنا التفصيل هنا.
البدعة الأخرى البدعة الإضافية، يقول: هي التي إذا نظرت إليها من زاوية أو من جانب وجدت لها أصلًا، وإذا نظرت إليها من زاوية أخرى لم تجد لها أصلًا فيقال حينذاك أن هذه بدعة.
أعود الآن لأضرب لكم مثلًا لم يجر بعد عمل المبتدعة عليه، لكن لو أن أحدهم فعل ذلك لوجد له دليلًا، وهذا الذي أريد أن ألفت نظركم إليه، نحن دائمًا ندخل المساجد لأداء الفرائض فنصلي السنة القبلية كل منا لوحده، فلو أن داخلًا زين له الشيطان، قال له: يا جماعة! لماذا نحن نتفرق بالسنة تعالوا نصلي جماعة، ويحتج بمثل قوله ﵇: «يد الله على الجماعة» هذه حجة .. حجة خاصة أو عامة؟ دلالة عامة طبعًا: «يد الله على الجماعة» وهذه جماعة، بل قد يحتج علينا بما هو أخص فيقول في الحديث: «صلاة الاثنين أفضل من صلاة المرء وحده، صلاة الثلاثة أزكى
стр. 1714
عند الله من صلاة الاثنين» وهكذا فما رأيكم في هذه الصلاة في الجماعة لو أنها حدثت ألا يدل عليها مثل هذه الأدلة العامة؟ نقول: نعم، هذه الأدلة العامة واضحة الدلالة؛ لأنها لم تحصر الأجزاء التي أرادها الشارع الحكيم فيها، لكن جوابنا: أن هذه الجزئية بالذات لو كانت مرادة بهذا الحديث وذاك لجرى عمل السلف على ذلك، وإذ لم يفعلوا دل ذلك أن هذا الجزء من هذه العبادة لا يدخل في عموم هذا النص وذاك، أظن المثال هذا واضح؟
إذا الأمر كذلك فيجب أن يكون عندنا قاعدة حتى نكون سلفيين حقًا أتباع السلف الصالح، وهي: كلما [خطر] في بالنا الاستدلال بنص عام فلكي نكون في عصمة من [الانتقال] من السنة إلى البدعة يجب أن ننظر هل فعل ذلك السلف الصالح أم لا؟ وإلا وقعنا بما وقع فيه المبتدعة ..
(أسئلة وفتاوى الإمارات - ٤/ ٠٠: ٤٣: ٥٨)
الوضع بعد الرفع من الركوع
السائل: جزاك الله خير، فيه سؤال سألتك في البيت لما وقفت بالنسبة لوضع الأيدي في الصدر بعد القيام من الركوع، ممكن توضيحها يا شيخ لو سمحت؟
الشيخ: هذه مسألة يقول بها بعض المشايخ في بعض البلاد العربية والأعجمية ممن يحرصون معنا على التمسك بالحديث والسنة، لكن الحقيقة أنه لا يوجد في السنة نص صريح في أن النبي ﷺ كان يقبض إذا رفع رأسه من الركوع، لا يوجد مثل هذا النص إطلاقاً، وحجة هؤلاء أحاديث من أقوال الصحابة تدل بدلالتها اللغوية العامة أنها تشمل أيضاً هذا القيام ولنسميه بالقيام الثاني، إلا أنه هذا الاستدلال فيه خلل كبير جداً من الناحية العلمية الأصولية الفقهية، وذلك من ناحيتين اثنتين:
الناحية الأولى: أن أكثر هذه الأحاديث هي ليست من كلامه ﵊، وإنما هي من كلام بعض الصحابة، فالصحابي مثلاً وائل بن حجر يقول:
стр. 1715
كان رسول الله، هو يقول: كان رسول الله إذا قام إلى الصلاة وضع اليمنى على اليسرى، فقوله: إذا قام لفظ عام يشمل كل قيام، وعلى ذلك يقال بالنسبة لأحاديث أخرى كحديث مثلاً سهل بن سعد الساعدي، قال: «كانوا يؤمرون بوضع اليمنى على اليسرى في الصلاة» نحن نلاحظ فرق بين الحديثين هنا، الحديث الأول أطلق القيام، وخص بالذكر القيام، بينما الحديث الآخر أطلق الصلاة، وما ذكر القيام إطلاقاً، «كانوا يؤمرون بوضع اليمنى على اليسرى في الصلاة».
فإذا نظرنا إلى كلٍّ من الإطلاقين في كلٍّ من الحديثين سنفهم من الثاني معنى أوسع من المعنى الأول، فالمعنى الأول ذكر لفظ القيام فدخل فيه القيام الأول والقيام الثاني، الحديث الآخر لم يذكر القيام ذكر الصلاة، فإذاً: دخل فيه القيام الثاني وأي مكان آخر في الصلاة لا يعرف في السنة العملية ما ينافي هذا الوضع، وأنا أعني بذلك بصورة خاصة الجلوس بين السجدتين، وأما الجلوس بين السجدتين فيما علمت واطلعت لم نر حديثاً يصرح بأن النبي ﷺ كان إذا جلس بين السجدتين وضع اليمنى على اليسرى، كما أننا لا نجد أن النبي ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع كان أيضاً يضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، فإذا أردنا أن نعمل عموم النص الثاني لازم نضع أيضاً بين السجدتين، هذا هو الفرق بين الحديثين.
لكن الواقع أن هذا الحديث الأول أو الثاني عموم هذا لا يعمل به، والسبب في ذلك ما يأتي:
وهو النص العام لو كان صدر من الرسول ﵊ فضلاً عما إذا كان صدر من الصحابي وأنتم ترون أن الحديثين ما فيه ذكر أن الرسول قال، لكن فيه ذكر الصحابي يقول: أن الرسول فعل كذا. أو كانوا يؤمرون بكذا، ما يذكر اللفظ النبوي، ومن هذا الباب باب النواهي أي: الأحاديث التي تصدر بكلمة «نهى رسول الله عن كذا» نهى عن كذا، نهى عن كذا، هذه الألفاظ نهى حكاية عن معنى فهمه الصحابي من رسول الله ﷺ فهو يعبر عن هذا المعنى بلفظ: نهى.
أريد أن يلاحظ طالب العلم أن هناك فرقاً بين اللفظة الصادر من الرسول وبين
стр. 1716
اللفظ الصادر من الصحابي لأنه يكون معبراً عن معنى فهمه من الرسول، فلا شك أن اللفظ الذي نقله الصحابي عن الرسول فيه فائدتان: فائدة اللفظ وفائدة المعنى، بحيث أنه لا يمكن أن نقول: أن الرسول ما تلفظ بهذا، وإنما تلفظ بالمعنى، بخلاف القسم الثاني نقول: هذا المعنى، أما لفظ الرسول ما ندري، لما يقول الصحابي: نهى رسول الله ﷺ عن الانتعال قائماً مثلاً، . ما نعرف ما لفظ الرسول، لو قال: قال رسول الله: لا تنتعلوا قياماً. نقول: هذا لفظه ومعناه واضح، أما لما يقول: نهى رسول الله ما نقل إلينا لفظ الرسول لكن نقل إلينا المعنى، في هذه الحالة: هل يحتج بهذا المعنى؟
الجواب: نعم، ولكن التفريق بين لفظ الرسول ولفظ الصحابي يساعدنا أحياناً إذا ما جاءنا خبران فيهما شيء من التعارض فالتمسك بلفظ الرسول حينذاك مع المعنى أقوى من التمسك بلفظ الصحابي مع ما فيه من معنى.
المهم لو كان الرسول ﵇ تَلَفَّظ بنص عام يشمل أجزاء كثيرة، ثم جزء من هذه الأجزاء لم يجر عمل السلف عليه، فهذا الجزء يخرج من النص العام ولا يعمل به، هنا الدقة في الموضوع، نص عام يشمل أجزاء كثيرة فروع كثيرة، لكن فرع من هذه الفروع علمنا بطريقة أو بأخرى أن الرسول والسلف ما فعلوا بهذا الفرع، إذاً: ما نعمل به ولو كان داخلاً في النص العام، وهذه حقيقة يعرفها كل العلماء الذين يلاحظون طريقة الاستدلال للأحكام الشرعية التي منها مثلاً أن الشيء الفلاني والشيء الفلاني عشرات الأمور يقال: إنها من البدع، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
مع أنه على الغالب في الدين تسعة وتسعين ما من بدعة إلا وتدخل ضمن نص عام، تصور كل وا حد منكم الآن يتصور أي بدعة مقتنع هو في قرارة نفسه ببدعيتها ثم ليفكر قليلاً فسيجد نصاً عاماً يشمل تلك البدعة، وإن لم يستحضر، وأنا مستعد أن أذكر له نصاً عاماً إذا ما أراد أن يعمل بهذا النص العام دون النظر إلى عدم جريان العمل بذاك الجزء الذي سميناه بدعة صارت هذه البدعة سنة، وأنا أضرب على هذا
стр. 1717
مثلاً واضحاً جداً لأن الناس أذهانهم ليست مشغولة به، وتجد النفوس تتقبله بسرعة، مثلاً: عندنا أحاديث تحض على الجماعة: يد الله مع الجماعة. هذا نص عام يحض على كل اجتماع، لكن هل المقصود كل اجتماع، يد الله على الجماعة. نص عام هل هذا النص العام على إطلاقه وشموله أم مقيد؟
الآن أي بدعة عمت وطمت في البلاد الإسلامية تبادر إلى إنكارها يحتجوا عليك: يا أخي! يد الله على الجماعة، هؤلاء المسلمون كلهم يفعلون هذا الشيء، فأنت شاذ، خاصة أن للحديث تتمة وإن كانت لا تصح سنداً: يد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار. فينسبوك وأنت متمسك بالسنة إلى أنك تركت الجماعة وشذذت عنها، فأنت لا سمح الله في النار، فيد الله على الجماعة، إذاً: ليس كل جماعة، وإلا لازم نكون نحن مع هؤلاء الجماهير الذين ماشين على غير هدى ولا كتاب منير.
نأتي إلى حديث أخص في الموضوع: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس أو بسبع وعشرين درجة» فلو دخلنا المسجد في صلاة الظهر مثلاً أو أي صلاة نريد أن نصلي السنة القبلية فنحن جميعاً كما توارث الخلف عن السلف يصلون السنة فرادى، فإذا أقيمت الصلاة صلوا جماعة وراء الإمام، فلو بدا لأحدهم لما دخلوا المسجد كل واحد انتحى ناحية يريد أن يصلي السنة لوحده، هاه يا أخي تعال نصلي جماعة، يد الله على الجماعة، وصلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، ماذا يكون موقفنا؟
نقول له: لا، يا أخي هذا حديث عام، نقول له: صح، لكن هذه الجزئية أي: هذه السنة القبلية التي أنت تريد الآن تصليها جماعة لو كانت داخلة في النص العام كان السلف الأُوَل فعلوا ذلك؛ لأنهم أولاً أفقه منا، وثانياً: أحرص منا على التقرب إلى الله ﵎.
أظن وضح لك تماماً ما المقصود بالنص العام الذي يدخل فيه أجزاء وجزء منه لم يجر عليه العمل فهذا الجزء يُسْحب منه، ولا يُحتج على شرعيته بالنص العام،
стр. 1718
يمنعنا من ذلك عدم جريان العمل، واضح إلى هنا؟
نرجع الآن: هذا الوضع في القيام الثاني كما قلنا، ما فيه عندنا دليل خاص أن الرسول ﵊ كان إذا رفع رأسه من الركوع قبض ووضع، عندنا دليل عام وليته كان من كلام الرسول كما ذكرنا في الحديثين الجماعة، «يد الله على الجماعة» هذا كلام الرسول، صلاة الجماعة كلام الرسول، هناك ما عندنا إلا أحاديث أصحاب الرسول ﵇ هم الذين يعبرون عن شيء شاهدوه، تُرى هذا المشاهَد هل هو الوضع في القيام الأول أم في القيام الثاني؟
هنا المسألة تحتاج إلى سبر وإلى بحث وتفتيش في كل الأحاديث التي تتعلق بصفة صلاة النبي ﷺ ، فلا نجد مطلقاً ولا حديثاً ضعيفاً يقال بمثله يعمل به في فضائل الأعمال، أي: ليس شديد الضعف، لا نجد مثل هذا الحديث أن الرسول ﵇ لما رفع رأسه من الركوع وضع اليمنى على اليسرى.
بل نعتقد بما هو أكثر من ذلك، حديث وائل بن حجر هو مختصر من حديث له مفصل، هذا الحديث لما أنت تقرأه تشعر أن هذا الراوي ما فيه في ذهنه وضع القيام الثاني، لماذا؟ والحديث في صحيح مسلم، بينما الحديث الأول: كان إذا قام في الصلاة وضع اليمنى على اليسرى في سنن النسائي، في صحيح مسلم أن وائل بن حجر وصف صلاة الرسول ﵇ فقال: «كبر ثم وضع اليمنى على اليسرى، ثم لما ركع كبر ورفع يديه ثم لما رفع رأسه من الركوع كبر ورفع يديه ثم سجد ... » فهنا كلما انتقل بالتكبير وفي وضع يديه ذكر يقول: وفعل كما فعل من قبل، أما لما ذكر الوضع الأول وذكر أنه ركع وكبر ورفع يديه قال: لما رفع رأسه من الركوع رفع يديه أيضاً، لكن ما قال: ووضع كما وضع من قبل، فإذاً: سياقه الذي فيه تفصيل لصفة صلاة النبي ﷺ لا يذكر هذا الوضع الثاني مطلقاً، الراوي الذي روى الحديث في «سنن أبي داود» أخذ من هذا الحديث المفصَّل ما يتعلق بالقيام، فخَرَّج منه نصاً عاماً، هذا النص العام ما جرى به العمل.
(الهدى والنور / ٤٩٤/ ٥٣: ٠٨: ٠٠)
стр. 1719
حكم قبض اليدين بعد الرفع من الركوع
الشيخ: سأل سائل آنفًا عن مسألة القبض ووضع اليمنى على اليسرى بعد رفع الرأس من الركوع، فذكر قائلًا لي: إنك تقول: بأن هذا الوضع لم يرد عن السلف، فهل ورد السدل عن السلف؟ فقلت: لا، لم يرد هذا ولا هذا، قال: فإذًا: كيف؟
كان انتهى الكلام إلى هنا، لكن كلامه مفهوم، أو مغزاه مفهوم، وهو: كيف تفرق بين القبض فتعتبره بدعة، وبين السدل فتعتبره سنة، فأجبته بأن السؤال خطأ، قال: وكيف؟ قلنا: السدل لا نعتبره سنة بمعنى أننا نتقرب بذلك إلى الله ﵎ بخلاف الذين يقبضون فإنهم يعتبرون القبض سنًة كما هو شأنه في القيام الأول، فافترق الأمر في وجهة نظرنا عن وجهة نظرهم، هم يتسننون ويتقربون بالقبض، أما نحن لا نتسنن بالسدل وإنما نقول ما يأتي:
الأصل في العبادات كلها أن يأتي في ذلك نص على أن النبي ﷺ فعل ذلك قاصدًا التقرب إلى الله ﵎، فلو أنه فعل فعلًا ما، ولم يظهر في هذا الفعل منه ﵇ قصد التقرب إلى الله فلا يكون ذلك قربةً تقربنا نحن إلى الله زلفا، بل لا يجوز نحن أن نزيد على فعله ﵇ نيًة لم ينويها هو في فعله هذا.
ومن هذا الباب يأتي تفصيل القول بين السنن التعبدية والسنن العادية، فالسنن التعبدية هي التي فعلها ﵇ بقصد العبادة فيسن في المسلم أن يفعل ذلك بنية العبادة، والسنة العادية هي التي لم ينوي فيها عبادًة إنما فعلها عادًة أو فعلها جبلًة، فكل من الأمرين فعله جائز مع فارق كبير: أن السنة التعبدية إذا نوى فيها التقرب إلى الله أثيب، أما السنة العادية فلا يجوز له أن يتقرب بها إلى الله؛ لأنه في هذه الحالة يخالف النبي ﷺ ليس في مظهر فعله، وإنما في مقصد نيته، ولا شك أن الأمر كما جاء في قوله ﵇: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» فإذا افترضنا أن النبي ﷺ فعل فعلًا بنيًة ما ففعل المسلم الفعل نفسه ولكن بنية مغايرة لنية النبي ﷺ ، فبداهًة أنه لا يكون مقتديًا به بل يكون مخالفًا له في الباطن
стр. 1720
وليس في الظاهر، والعبرة دائمًا في الباطن الذي هو موضع النية.
ونضرب على ذلك مثلين اثنين: أحدهما: تمثيلي وتقريبي، والآخر: فعلي واقعي، أما المثل التقريبي: هو أن رجلًا صلى سنة من السنن ولنفترض سنة الفجر، صلاها ركعتين كما كان رسول الله يصليهما، ومن دقته في اتباعه في الشكل والصورة أنه قرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] لكنه نوى أن هاتين الركعتين فرض، فهل يكون متبعًا للنبي ﷺ ؟ الجواب: لا؛ لأنه خالفه في القصد وفي النية.
وقلت: إن هذا المثل تمثيل، هو تمثيل ليس واقعًا بالنسبة لجماهير المسلمين، ولكن مع الأسف الشديد قد وقع فيه بعض الفرق الضالة التي انحرفت عن دائرة الإسلام، وانطلقت منه بعيدًا بسبب كثير من عقائدها المكفرة ألا وهي الفرقة القاديانية، وأظنكم أنكم تعلمون أن من ضلال هذه الفرقة أنه تعتقد بجواز مجيء أنبياء بعد النبي ﷺ ، وأنه بالفعل جاء أحدهم وهو: ميرزا غلام أحمد القادياني، يؤمنون به أنه نبي مرسل من ربه، وأن المسلم الذي لا يؤمن بهذا النبي فهو كافر.
من عقائد هؤلاء أن ركعتي الفجر واجبة، فإذًا: من صلى هاتين الركعتين في الصورة كما صلاها الرسول بنية أخرى فبداهة أنه لم يقتدي بالنبي ﷺ .
نأتي إلى مثال واقعي: ما يقع من كثير من الناس الطيبين والحريصين على الاقتداء بالنبي الكريم، فبعضهم مثلًا يطيل ويوفر شعر رأسه، رأينا هذا نحن في بعض البلاد السورية من يفعل ذلك، ربما في غيرها، ويقول: إن النبي ﷺ كان يفعل ذلك، ولا نذهب بكم بعيدًا.
فالأقرب مثالًا العمامة: العمامة لا شك أن النبي ﷺ تعمم، فهل هذه العمامة من سنن العادة أم من هي من سنن العبادة؟ إذا نظرنا إلى الفعل مجردًا عن نية أو قصد قلنا: إنها من سنن العادة؛ لأنه كما جاء في بعض الآثار: العمائم تيجان العرب، فالعمامة لم يأت بها الرسول ﵇ وإنما هي من عادات العرب، ومن متطلبات بيئتهم وإقليمهم الذي يغلب عليه تارًة الحرارة وتارة البرودة، فهم يستعلمون في
следующие страницы →