اللفظ الصادر من الصحابي لأنه يكون معبراً عن معنى فهمه من الرسول، فلا شك أن اللفظ الذي نقله الصحابي عن الرسول فيه فائدتان: فائدة اللفظ وفائدة المعنى، بحيث أنه لا يمكن أن نقول: أن الرسول ما تلفظ بهذا، وإنما تلفظ بالمعنى، بخلاف القسم الثاني نقول: هذا المعنى، أما لفظ الرسول ما ندري، لما يقول الصحابي: نهى رسول الله ﷺ عن الانتعال قائماً مثلاً، . ما نعرف ما لفظ الرسول، لو قال: قال رسول الله: لا تنتعلوا قياماً. نقول: هذا لفظه ومعناه واضح، أما لما يقول: نهى رسول الله ما نقل إلينا لفظ الرسول لكن نقل إلينا المعنى، في هذه الحالة: هل يحتج بهذا المعنى؟
الجواب: نعم، ولكن التفريق بين لفظ الرسول ولفظ الصحابي يساعدنا أحياناً إذا ما جاءنا خبران فيهما شيء من التعارض فالتمسك بلفظ الرسول حينذاك مع المعنى أقوى من التمسك بلفظ الصحابي مع ما فيه من معنى.
المهم لو كان الرسول ﵇ تَلَفَّظ بنص عام يشمل أجزاء كثيرة، ثم جزء من هذه الأجزاء لم يجر عمل السلف عليه، فهذا الجزء يخرج من النص العام ولا يعمل به، هنا الدقة في الموضوع، نص عام يشمل أجزاء كثيرة فروع كثيرة، لكن فرع من هذه الفروع علمنا بطريقة أو بأخرى أن الرسول والسلف ما فعلوا بهذا الفرع، إذاً: ما نعمل به ولو كان داخلاً في النص العام، وهذه حقيقة يعرفها كل العلماء الذين يلاحظون طريقة الاستدلال للأحكام الشرعية التي منها مثلاً أن الشيء الفلاني والشيء الفلاني عشرات الأمور يقال: إنها من البدع، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
مع أنه على الغالب في الدين تسعة وتسعين ما من بدعة إلا وتدخل ضمن نص عام، تصور كل وا حد منكم الآن يتصور أي بدعة مقتنع هو في قرارة نفسه ببدعيتها ثم ليفكر قليلاً فسيجد نصاً عاماً يشمل تلك البدعة، وإن لم يستحضر، وأنا مستعد أن أذكر له نصاً عاماً إذا ما أراد أن يعمل بهذا النص العام دون النظر إلى عدم جريان العمل بذاك الجزء الذي سميناه بدعة صارت هذه البدعة سنة، وأنا أضرب على هذا
стр. 1717
مثلاً واضحاً جداً لأن الناس أذهانهم ليست مشغولة به، وتجد النفوس تتقبله بسرعة، مثلاً: عندنا أحاديث تحض على الجماعة: يد الله مع الجماعة. هذا نص عام يحض على كل اجتماع، لكن هل المقصود كل اجتماع، يد الله على الجماعة. نص عام هل هذا النص العام على إطلاقه وشموله أم مقيد؟
الآن أي بدعة عمت وطمت في البلاد الإسلامية تبادر إلى إنكارها يحتجوا عليك: يا أخي! يد الله على الجماعة، هؤلاء المسلمون كلهم يفعلون هذا الشيء، فأنت شاذ، خاصة أن للحديث تتمة وإن كانت لا تصح سنداً: يد الله على الجماعة، ومن شذ شذ في النار. فينسبوك وأنت متمسك بالسنة إلى أنك تركت الجماعة وشذذت عنها، فأنت لا سمح الله في النار، فيد الله على الجماعة، إذاً: ليس كل جماعة، وإلا لازم نكون نحن مع هؤلاء الجماهير الذين ماشين على غير هدى ولا كتاب منير.
نأتي إلى حديث أخص في الموضوع: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس أو بسبع وعشرين درجة» فلو دخلنا المسجد في صلاة الظهر مثلاً أو أي صلاة نريد أن نصلي السنة القبلية فنحن جميعاً كما توارث الخلف عن السلف يصلون السنة فرادى، فإذا أقيمت الصلاة صلوا جماعة وراء الإمام، فلو بدا لأحدهم لما دخلوا المسجد كل واحد انتحى ناحية يريد أن يصلي السنة لوحده، هاه يا أخي تعال نصلي جماعة، يد الله على الجماعة، وصلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، ماذا يكون موقفنا؟
نقول له: لا، يا أخي هذا حديث عام، نقول له: صح، لكن هذه الجزئية أي: هذه السنة القبلية التي أنت تريد الآن تصليها جماعة لو كانت داخلة في النص العام كان السلف الأُوَل فعلوا ذلك؛ لأنهم أولاً أفقه منا، وثانياً: أحرص منا على التقرب إلى الله ﵎.
أظن وضح لك تماماً ما المقصود بالنص العام الذي يدخل فيه أجزاء وجزء منه لم يجر عليه العمل فهذا الجزء يُسْحب منه، ولا يُحتج على شرعيته بالنص العام،
стр. 1718
يمنعنا من ذلك عدم جريان العمل، واضح إلى هنا؟
نرجع الآن: هذا الوضع في القيام الثاني كما قلنا، ما فيه عندنا دليل خاص أن الرسول ﵊ كان إذا رفع رأسه من الركوع قبض ووضع، عندنا دليل عام وليته كان من كلام الرسول كما ذكرنا في الحديثين الجماعة، «يد الله على الجماعة» هذا كلام الرسول، صلاة الجماعة كلام الرسول، هناك ما عندنا إلا أحاديث أصحاب الرسول ﵇ هم الذين يعبرون عن شيء شاهدوه، تُرى هذا المشاهَد هل هو الوضع في القيام الأول أم في القيام الثاني؟
هنا المسألة تحتاج إلى سبر وإلى بحث وتفتيش في كل الأحاديث التي تتعلق بصفة صلاة النبي ﷺ ، فلا نجد مطلقاً ولا حديثاً ضعيفاً يقال بمثله يعمل به في فضائل الأعمال، أي: ليس شديد الضعف، لا نجد مثل هذا الحديث أن الرسول ﵇ لما رفع رأسه من الركوع وضع اليمنى على اليسرى.
بل نعتقد بما هو أكثر من ذلك، حديث وائل بن حجر هو مختصر من حديث له مفصل، هذا الحديث لما أنت تقرأه تشعر أن هذا الراوي ما فيه في ذهنه وضع القيام الثاني، لماذا؟ والحديث في صحيح مسلم، بينما الحديث الأول: كان إذا قام في الصلاة وضع اليمنى على اليسرى في سنن النسائي، في صحيح مسلم أن وائل بن حجر وصف صلاة الرسول ﵇ فقال: «كبر ثم وضع اليمنى على اليسرى، ثم لما ركع كبر ورفع يديه ثم لما رفع رأسه من الركوع كبر ورفع يديه ثم سجد ... » فهنا كلما انتقل بالتكبير وفي وضع يديه ذكر يقول: وفعل كما فعل من قبل، أما لما ذكر الوضع الأول وذكر أنه ركع وكبر ورفع يديه قال: لما رفع رأسه من الركوع رفع يديه أيضاً، لكن ما قال: ووضع كما وضع من قبل، فإذاً: سياقه الذي فيه تفصيل لصفة صلاة النبي ﷺ لا يذكر هذا الوضع الثاني مطلقاً، الراوي الذي روى الحديث في «سنن أبي داود» أخذ من هذا الحديث المفصَّل ما يتعلق بالقيام، فخَرَّج منه نصاً عاماً، هذا النص العام ما جرى به العمل.
(الهدى والنور / ٤٩٤/ ٥٣: ٠٨: ٠٠)
стр. 1719
حكم قبض اليدين بعد الرفع من الركوع
الشيخ: سأل سائل آنفًا عن مسألة القبض ووضع اليمنى على اليسرى بعد رفع الرأس من الركوع، فذكر قائلًا لي: إنك تقول: بأن هذا الوضع لم يرد عن السلف، فهل ورد السدل عن السلف؟ فقلت: لا، لم يرد هذا ولا هذا، قال: فإذًا: كيف؟
كان انتهى الكلام إلى هنا، لكن كلامه مفهوم، أو مغزاه مفهوم، وهو: كيف تفرق بين القبض فتعتبره بدعة، وبين السدل فتعتبره سنة، فأجبته بأن السؤال خطأ، قال: وكيف؟ قلنا: السدل لا نعتبره سنة بمعنى أننا نتقرب بذلك إلى الله ﵎ بخلاف الذين يقبضون فإنهم يعتبرون القبض سنًة كما هو شأنه في القيام الأول، فافترق الأمر في وجهة نظرنا عن وجهة نظرهم، هم يتسننون ويتقربون بالقبض، أما نحن لا نتسنن بالسدل وإنما نقول ما يأتي:
الأصل في العبادات كلها أن يأتي في ذلك نص على أن النبي ﷺ فعل ذلك قاصدًا التقرب إلى الله ﵎، فلو أنه فعل فعلًا ما، ولم يظهر في هذا الفعل منه ﵇ قصد التقرب إلى الله فلا يكون ذلك قربةً تقربنا نحن إلى الله زلفا، بل لا يجوز نحن أن نزيد على فعله ﵇ نيًة لم ينويها هو في فعله هذا.
ومن هذا الباب يأتي تفصيل القول بين السنن التعبدية والسنن العادية، فالسنن التعبدية هي التي فعلها ﵇ بقصد العبادة فيسن في المسلم أن يفعل ذلك بنية العبادة، والسنة العادية هي التي لم ينوي فيها عبادًة إنما فعلها عادًة أو فعلها جبلًة، فكل من الأمرين فعله جائز مع فارق كبير: أن السنة التعبدية إذا نوى فيها التقرب إلى الله أثيب، أما السنة العادية فلا يجوز له أن يتقرب بها إلى الله؛ لأنه في هذه الحالة يخالف النبي ﷺ ليس في مظهر فعله، وإنما في مقصد نيته، ولا شك أن الأمر كما جاء في قوله ﵇: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» فإذا افترضنا أن النبي ﷺ فعل فعلًا بنيًة ما ففعل المسلم الفعل نفسه ولكن بنية مغايرة لنية النبي ﷺ ، فبداهًة أنه لا يكون مقتديًا به بل يكون مخالفًا له في الباطن
стр. 1720
وليس في الظاهر، والعبرة دائمًا في الباطن الذي هو موضع النية.
ونضرب على ذلك مثلين اثنين: أحدهما: تمثيلي وتقريبي، والآخر: فعلي واقعي، أما المثل التقريبي: هو أن رجلًا صلى سنة من السنن ولنفترض سنة الفجر، صلاها ركعتين كما كان رسول الله يصليهما، ومن دقته في اتباعه في الشكل والصورة أنه قرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] لكنه نوى أن هاتين الركعتين فرض، فهل يكون متبعًا للنبي ﷺ ؟ الجواب: لا؛ لأنه خالفه في القصد وفي النية.
وقلت: إن هذا المثل تمثيل، هو تمثيل ليس واقعًا بالنسبة لجماهير المسلمين، ولكن مع الأسف الشديد قد وقع فيه بعض الفرق الضالة التي انحرفت عن دائرة الإسلام، وانطلقت منه بعيدًا بسبب كثير من عقائدها المكفرة ألا وهي الفرقة القاديانية، وأظنكم أنكم تعلمون أن من ضلال هذه الفرقة أنه تعتقد بجواز مجيء أنبياء بعد النبي ﷺ ، وأنه بالفعل جاء أحدهم وهو: ميرزا غلام أحمد القادياني، يؤمنون به أنه نبي مرسل من ربه، وأن المسلم الذي لا يؤمن بهذا النبي فهو كافر.
من عقائد هؤلاء أن ركعتي الفجر واجبة، فإذًا: من صلى هاتين الركعتين في الصورة كما صلاها الرسول بنية أخرى فبداهة أنه لم يقتدي بالنبي ﷺ .
نأتي إلى مثال واقعي: ما يقع من كثير من الناس الطيبين والحريصين على الاقتداء بالنبي الكريم، فبعضهم مثلًا يطيل ويوفر شعر رأسه، رأينا هذا نحن في بعض البلاد السورية من يفعل ذلك، ربما في غيرها، ويقول: إن النبي ﷺ كان يفعل ذلك، ولا نذهب بكم بعيدًا.
فالأقرب مثالًا العمامة: العمامة لا شك أن النبي ﷺ تعمم، فهل هذه العمامة من سنن العادة أم من هي من سنن العبادة؟ إذا نظرنا إلى الفعل مجردًا عن نية أو قصد قلنا: إنها من سنن العادة؛ لأنه كما جاء في بعض الآثار: العمائم تيجان العرب، فالعمامة لم يأت بها الرسول ﵇ وإنما هي من عادات العرب، ومن متطلبات بيئتهم وإقليمهم الذي يغلب عليه تارًة الحرارة وتارة البرودة، فهم يستعلمون في
стр. 1721
سبيل دفع الحر والقر.
كذلك مثلًا: الرسول ﷺ ثبت في الصحيحين أنه كان لنعليه قبالان، الإبهام في سير، والأربع أصابع في سير، ماذا تسمونه عندكم اليوم هذا النعل؟
مداخلة: لا يوجد هنا اسم.
الشيخ: المقصود: عندنا في سوريا مثلًا يسمونه: الشاروخ، أو يسمونه: الصندل، أو ما شابه ذلك.
فمن الثابت في السنة الصحيحة كما ذكرنا آنفًا أن النبي ﷺ كان في نعليه قبالان، فلو قصد مسلم أن يتقرب إلى الله بالعمامة، أو بالقلنسوة، أو بالنعل الموصوف آنفًا يكون قد خالف السنة؛ لأن النبي ﷺ لم يثبت لدينا أنه فعل هذا وهذا وهذا بقصد التقرب إلى الله ﵎.
وعلى خلاف ذلك: لو تقصد المسلم أن يلبس اللباس البياض، قد يقال: أن هذا أيضًا عادة، نقول: لو وقف الأمر عند لباس الرسول ﵇ هذا اللباس لحشرناه مع الأمثلة السابقة، ولكن حينما قال ﵇ كما صح ذلك عنه: «خير ثيابكم البياض فألبوسها أحياءكم وكفنوا فيها موتاكم» فرجع هذا النوع من اللباس من العاديات إلى التعبديات.
قد يمكن أن يقول قائل: إن العمائم كاللباس الأبيض حيث جاء في فضلها أمور، فنقول: لم يصح في فضل العمامة شيء يخرجها من العاديات إلى التعبديات، والحديث المشهور القائل: «صلاة بعمامة تفضل سبعين صلاة بغير عمامة» فهو حديث ضعيف كما كنت بينت ذلك في سلسلة الأحاديث الضعيفة، لعل ذلك في المجلد الأول من الأربعة التي طبعت.
وفهم هذه الأمور على الوجه الصحيح يبعد الإنسان عن الغلو في الدين، والعكس بالعكس تمامًا، عندنا في الشام بعض الناس تراهم حسرًا وحالقي اللحى، لكنه إذا ما انتصب قائمًا للصلاة أخرج من جيبه منديلًا وكوره على رأسه، يزعم بأن
стр. 1722
بهذه الصورة وبهذه الشكلية تنقلب صلاته إلى سبعين صلاة! ونحن حينما بينا ضعف هذا الحديث إسنادًا، بينا أيضًا نكارته متنًا، . .. لو أن من العمامة فضيلة ما ما يبلغ شأن هذه الفضيلة مبلغ صلاة الجماعة، وأنتم تعلمون قول الرسول ﵇: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بخمس -وفي رواية- بسبع وعشرين درجة» فكيف تكون هذه الخرقة التي يكورها صاحبها على رأسه تجعل صلاته بدون أي جهد جهيد بسبعين صلاة، هذا حديث منكر سندًا ومتنًا.
إذا عرفنا هذه القاعدة، وعرفنا الضابط فيها، فأبعد ما يكون أن يدخل الإنسان في صلاته أمرًا لم يثبت أن النبي ﷺ قصد التقرب بذلك إلى الله ﵎.
إذا تبين لنا هذا واقتنعنا به إن شاء الله، نعود لنقول: ماذا كان يكون فعل المسلم المصلي لو لم يثبت عن النبي ﷺ أي حديث في وضع اليدين في القيام الأول، ماذا كان يفعل؟ هل يتصنع شيئًا متكلفًا إياه من عند نفسه، أم يدع يديه على سجيتهما وعلى طبيعتهما، أن يضعهما على الصدر، أو فوق السرة، أو تحت السرة على خلاف المذاهب المعروفة اليوم؟ في ظني أنه لا أحد يقول في الجواب عن مثل هذه الفرضية: أنه لو لم يثبت في السنة الوضع في القيام الأول لوضعنا، وإنما لتركنا الوضع؛ لأن الوضع فعل زائد على السدل، والسدل على العكس من ذلك فعل طبيعي، فلا يجوز إذا والحال هو الحاصل، لا يجوز مقابلة السدل بالوضع، فكما نقول نحن: إن الوضع في القيام الثاني ما دام أنه لم يأت عن السلف فلا يشرع فلا يقال: إذن هل جاء السدل؟ فنقول أيضًا بكل صراحة: إنه لم يأت، ولكن لا يرد علينا ما يرد على أولئك لما وضحناه وبيناه آنفًا.
هذا ما حضر في بال الشيخ الكبير مما يسر الله ، ونرجو الله أن يوفقنا لصواب ما نقول.
(فتاوى جدة (٥) /٠٠: ٠٠: ٠١)
стр. 1723
حول القول بأن وضع اليمنى على اليسرى عند الرفع من الركوع بدعة
مداخلة: فضيلة الشيخ، ورد في كتاب صفة صلاة الرسول ﷺ أن وضع اليد اليمنى على اليسرى بعد الرفع من الركوع بدعة؟
الشيخ: الجواب: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] وهذا البحث في الحقيقة يحتاج إلى تفصيل .. التذكير بقاعدة هي أن كل نص عام يشمل أكثر من جزء واحد ثم لم يأت العمل بجزء من هذا النص العام فذلك مما لا يسوغ أن حديث وائل حجر أنه يستدل بعض الأفاضل به على شرعية الوضع بعد رفع الرأس من الركوع هو من هذا القبيل حيث كان نصه: «كان رسول الله ﷺ إذا قام في الصلاة وضع اليمنى على اليسرى» فقوله: إذا قام في الصلاة، يشمل كل القيام سواء كان القيام الأول أو القيام الثاني الذي بعد الركوع، ولكن هل ثبت عملياً أن النبي ﷺ كان يضع يده اليمنى على اليسرى بعد رفع الرأس من الركوع بنص خاص لا بنص عام، كما ثبت بوضع الأول بنص خاص؟ فالجواب: لا وجود لهذا النص إطلاقاً.
فالاستدلال بالعموم حينذاك فيه نظر واضح عندي، أنا أضرب لكم مثالاً: كيف لا يصح الاستدلال بالنص العام على جزء لم يجري العمل به؟ إذا دخل جماعة المسجد في وقت الظهر مثلاً وأراد كل منهم أن يصلي سنة الوقت القبلية، ومعلوم حتى اليوم أن السنن تصلى فرادى فبدا لأحدهم أن يجمع هؤلاء المتفرقين، ومن دخل المسجد وكل واحد انتحى ناحية يريد أن يصلي سنة الظهر القبلية فقال تعالوا فلنصل جماعةً؛ لأن النبي ﷺ قال: «يد الله على الجماعة» يد الله على الجماعة نص عام، بل قال ﵊: «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاة الثلاث أزكى من صلاة الرجلين» وهكذا إلى آخر الحديث، هل يكون استدلاله صحيحاً؟ أنا أدري ألا أحد يقول: أن استدلاله صحيح، بل هذا
стр. 1724
استدلاله خطأ خاطئ، ما دليل الخطأ؟ الدليل أن هذا الاستدلال هو من باب الاستدلال بالنص العام على جزء لم يجر عمل المسلمين عليه، لا أعني المسلمين المتأخرين؛ لأنهم يعملون ببدع كثيرة وكثيرة جداً ومستندهم في هذه البدع يشبه هذا الاستدلال تماماً، فأنتم تعلمون مثلاً في بعض البلاد العربية حتى اليوم في الأذان في أوله وفي آخره ما يسمونه بالتذكير بين يدي الأذان وبخاصة يوم الجمعة، وبالزيادة بعد الأذان الصلاة على الرسول ﵇.
مداخلة: جهراً يعني.
الشاهد: أن هذا المثال يجب أن تتفقهوا فيه لأنه هام جداً: «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاة الرجل وحده» لماذا لا نصلي السنن جماعةً؟ لأن الرسول لم يفعل ذلك.
إذاً: إذا أردنا أن نثبت شرعية جزء معين كهذا المثال: صلاة النافلة جماعةً ما دام أنه لم يجر العمل ولم يأت نص يبين شرعية هذا العمل بخصوصه فالاستدلال بالعموم لا يصح والحالة هذه؛ لأننا نقول: لو كان هذا الاستدلال صحيحاً لفعل، فكيف هو عمل المسلمين في القرون الأولى .. نحن نحتج بالقرون الأولى فقط، كيف جرى عمل المسلمين دون تطبيق لازم هذا الاستدلال؟ لازم هذا الاستدلال أن نصلي السنن الرواتب القبلية والبعدية جماعةً؛ لأن الرسول قال: «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته. .» إلى آخر الحديث.
إذاً: ليس الاستدلال بالنص العام في موضوع خاص بالذي يسوغ هذا الموضوع الخاص إذا لم يكن عندنا عليه دليل خاص وهذا بحث يطول.
أرجع الآن لأقول: حديث وائل بن حجر: «كان رسول الله ﷺ إذا قام في الصلاة .. » أولاً: نلاحظ أن هذا العموم ليس قد صدر من الرسول بخلاف حديث: «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته ... » أما هذا الحديث حديث وائل بن حجر هو من قول وائل وليس من قول الرسول ﵇، وما الذي أعنيه بهذا التفصيل؟ أعني: أن من دون الرسول ليس دقيقاً في تعبيره عن حادثة ما أو عن
стр. 1725
حكم ما ليس هو في دقة الرسول وتعبير الرسول ﵇.
فالآن قد يرد سؤال، لما قال وائل بن حجر: «كان رسول الله إذا قام في الصلاة وضع اليمنى على اليسرى» ترى: هل كان في ذهنه أن هناك وضع ثان هو بعد الركوع؟ هذه المسألة تحتاج إعمال الفكر، فإذا رجعنا إلى بعض روايات وائل بن حجر هذا انكشف لنا الجواب بوضوح، وذلك في صحيح مسلم حيث وصف صلاة النبي ﷺ وائل هذا نفسه قال: إنه لما صلى الرسول ﵇ رفع يديه وكبر ووضع اليمنى على اليسرى - هذا ملخص الحديث - ثم لما ركع رفع يديه وقال: الله أكبر، ثم رفع رأسه من الركوع فرفع يديه كما فعل من قبل وقال: الله أكبر، ثم رفع رأسه من الركوع وقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ثم سجد فقال: الله أكبر، وهكذا وصف صلاة الرسول ﵇، بهذا التفصيل لصلاته ﷺ ، نجده يقول بأن النبي ﷺ كبر ورفع يديه مثلما فعل من قبل، لكن لما ذكر الوضع الأول وذكر أنه لما رفع رأسه من الركوع وقال: سمع الله لمن حمده لم يذكر هذا الوضع الثاني، وعلى ذلك جاءت الأحاديث كلها لا يوجد ولا حديث واحد عن صحابي ينبئنا بأنه النبي ﷺ وضع يده اليمنى على اليسرى لرفع الرأس من الركوع، ليس هناك إلا استدلالات بالعمومات.
وإذا عرفت القاعدة السابقة أن الاستدلال بالعام في موضع .. في جزء معين ليس عندنا أنه جرى العمل عليه [إلخ] هذا استدلال يسُدّ علينا كثيراً من البدع التي لا قبل لنا بردها إلا بهذا الطريق الذي ذكرته آنفاً ...
(رحلة النور: ١٨ ب/٠٠: ٣٠: ٥٢)
عدم مشروعية وضع اليدين على الصدر بعد الرفع من الركوع
وعن رفاعة بن رافع، قال: جاء رجل فصلى في المسجد، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : «أعد صلاتك، فإنك لم تصل» فقال: علمني يا رسول الله كيف أصلي؟ قال: إذا توجهت إلى القبلة، فكبر، ثم اقرأ بأم القرآن، وما شاء الله
стр. 1726
أن تقرأ، فإذا ركعت فاجعل راحتيك على ركبتيك، ومكن ركوعك، وامدد ظهرك، فإذا رفعت، فأقم صلبك وارفع رأسك، حتى ترجع العظام إلى مفاصلها، فإذا سجدت فمكن السجود، فإذا رفعت فاجلس على فخذك اليسرى، ثم اصنع ذلك في كل ركعة وسجدة حتى تطمئن.
هذا لفظ المصابيح.
ورواه أبو داود مع تغيير يسير، وروى الترمذي والنسائي معناه.
وفي رواية للترمذي، قال: «إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله به، ثم تشهد فأقم، فإن كان معك قرآن فاقرأ، وإلا فاحمد الله، وكبره وهلله، ثم اركع».
قال الألباني: هو بمعنى حديث أبي حميد المتقدم «٧٩٢» في صفة صلاته ﷺ : حتى يعود كل فقار مكانه، فلا دلالة في الحديث على مشروعة وضع اليمنى على اليسرى في هذا القيام بعد الركوع، كما بلغنا عن بعض إخواننا من أهل الحديث، انظر تعليقنا في صفة الصلاة «ص ٩٨» حول هذه المسألة.
[مشكاة المصابيح ١/ ٢٥٢]
تسوية القيام من الركوع مع الركوع في الطول
ويسوي بين هذا القيام والركوع في الطول.
[تلخيص الصفة فقرة ٨٥].
стр. 1727
كتاب السجود
стр. 1728
فضل الإكثار من السجود
[قال رسول الله ﷺ ]: يا أبا فاطمة أكثر من السجود، فإنه ليس من مسلم يسجد لله ﵎ سجدة إلا رفعه الله ﵎ بها درجة في الجنة وحط عنه بها خطيئة».
[ترجم له الإمام بقوله]: فضل الإكثار من السجود.
السلسلة الصحيحة (٤/ ٢٣).
ركنية السجود
قال الإمام:
فإذا سجد وهو ركن ...
[تلخيص الصفة فقرة ٨٩]
التكبير ورفع اليدين عند الهوي إلى السجود أحيانًا
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٨٦، ٨٧:
ثم يقول: «الله أكبر» وجوبا.
ويرفع يديه، أحيانا.
وقال في أصل الصفة:
ثم كان ﷺ يكبر، ويهوي ساجداً. وأمر بذلك «المسيء صلاته»؛ فقال له: «لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى ... يقول: سمع الله لمن حمده. حتى يستوي قائماً، ثم يقول: الله أكبر. ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله». وكان إذا أراد أن يسجد؛ كبَّر، [ويجافي يديه عن جنبيه]، ثم يسجد». وكان أحياناً يرفع يديه إذا سجد. [ذكر الإمام
стр. 1729
الأدلة الصحيحة على ذلك في أصل الصفة ثم قال]:
هذا، وقد عمل بهذه الأحاديث السلف الصالح ﵃؛ خلافاً لما يظنه كثير من الناس، بل جزم بنفي ذلك بعض المتأخرين؛ وهو: الشيخ أنور الكشميري في كتابه «فيض الباري» «٢/ ٢٥٤»، وسبقه إلى شيء من ذلك أبو جعفر الطحاوي؛ حيث ادعى الإجماع على أن لا يرفع بين السجدتين، ورد عليه الحافظ - كما رد ذلك غيرُه أيضاً؛ على ما سيأتي هناك -. وإليك النصوصَ الواردة عن السلف في ذلك:
١ - قال أبو سلمة الأعرج: أدركت الناس كلهم يرفع يديه عند كل خفض ورفع.
رواه ابن عساكر كما في «التلخيص» «٣/ ٢٧٢»، وسكت عليه.
٢ - قال البخاري في «رفع اليدين» «٢٤»: ثنا الهُذيل بن سليمان أبو عيسى قال: سألت الأوزاعي قلت: أبا عمرو، ما تقول في رفع الأيدي مع كل تكبيرة وهو قائم في الصلاة؟ قال: ذلك الأمر الأول. ثم ذكر «ص ١٨» عن عكرمة بن عمار قال: رأيت القاسم، وطاوساً، ومكحولاً، وعبد الله بن دينار، وسالماً يرفعون أيديهم إذا استقبل أحدهم الصلاة، وعند الركوع، وعند السجود.
قال: وقال وكيع عن الربيع: قال: رأيت الحسن، ومُجاهداً، وعطاء، وطاوساً، وقيس بن سعد، والحسن بن مُسلِم يرفعون أيديهم إذا ركعوا، وإذا سجدوا.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: هذا من السنة.
وقد صرح الحافظ في «الفتح» «٢/ ١٧٧» بصحة ذلك - يعني: الرفع في غير المواطن الثلاثة؛ الافتتاح، والركوع، والرفع منه - عن ابن عمر، وابن عباس، وطاوس، ونافع، وعطاء - كما أخرجه عبد الرزاق وغيره عنهم بأسانيدَ قوية -. اهـ.
وقد ذهب إلى ذلك غير واحد من أئمة الفقه والحديث؛ ومنهم: إمام السنة أحمد بن حنبل ﵁ في رواية عنه؛ ففي «بدائع الفوائد» لابن القيم «٣/ ٨٩»:
стр. 1730
«ونقل عنه الأثرم «الأصل: ابن الأثرم»، وقد سئل عن رفع اليدين؟ فقال: في كل خفض ورفع.
قال الأثرم: رأيت أبا عبد الله يرفع يديه في الصلاة في كل خفض ورفع».
وقال الحافظ أبو زُرعة [ابن العِراقيّ] في «طرح التثريب في شرح التقريب» «٢/ ٢٦٢» - بعد أن ذكر الأحاديث المتقدمة وغيرها -: وصحح ابن حزم وابن القطان حديث الرفع في كل خفض ورفع، وأعله الجمهور. .. فتمسك الأئمة الأربعة بالروايات التي فيها نفي الرفع في السجود؛ لكونها أصح، وضعفوا ما عارضها - كما تقدم - وهو قول جمهور العلماء من السلف والخلف.
وأخذ آخرون بالأحاديث التي فيها الرفع في كل خفض ورفع، وصححوها، وقالوا: هي مثبِتة؛ فهي مقدمة على النفي. وبه قال ابن حزم الظاهري، وقال: إن أحاديث رفع اليدين في كل خفض ورفع متواترة؛ توجب يقين العلم.
ونقل هذا المذهب عن ابن عمر، وابن عباس، والحسن البصري، وطاوس، وابنه عبد الله، ونافع مولى ابن عباس - كذا، والصواب: نافع مولى ابن عمر؛ كما في «المحلى» -، وأيوب السَّخْتِياني، وعطاء بن أبي رباح.
وقال به ابن المنذر، وأبو علي الطبري من أصحابنا، وهو قول عن مالك، والشافعي.
فحكى ابن خُوَيْز مَنْدَاد عن مالك رواية؛ أنه يرفع في كل خفض ورفع. وفي أواخر «البُوَيطي»: يرفع يديه في كل خفض ورفع. وروى ابن أبي شيبة الرفع بين السجدتين عن أنس، والحسن، وابن سيرين.
واعلم أن قوله عن الجمهور: «وضعفوا ما عارضها كما تقدم»: إنما يريد به غير الأحاديث التي سردناها سابقاً؛ لأنه لم يتكلم عليها بشيء في المكان الذي أشار إليه، اللهم إلا رواية من حديث ابن عمر رواها الطحاوي، وقال: «إنها شاذة. وصححها ابن القطان».
стр. 1731
وأما رواية الطبراني التي اعتمدنا عليها؛ فلم يضعفها، بل صححها تلميذ أبيه الحافظ الهيثمي - كما سبق -.
وإذ قد صحت الأحاديث بالرفع في كل خفض ورفع؛ فوجب الأخذ بها، ولا يجوز ردها ومعارضتها بالروايات التي فيها نفي الرفع؛ هذا لما تقرر في الأصول: أن المثبت مقدم على النافي.
وعلى هذا الأصل أخذ جماهير العلماء بالأحاديث المثبتة للرفع عند الركوع، والرفع منه - كما سبق بيانه هناك -، فمن قدم منهم النفي ههنا؛ فهو واقع فيما أنكره على غيره من الحنفية الذين نفوا الرفع هناك -، وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾.
وما أحسن كلام ابن حزم ﵀ في الجمع بين الأحاديث المختلفة الواردة في هذا الباب قال ﵀ «٤/ ٩٣»: «فكان ما رواه الزهري عن سالم عن ابن عمر زائداً على ما رواه علقمة عن ابن مسعود». يعني: نفيه للرفع إلا في الإحرام.
قال: «ووجب أخذ الزيادة؛ لأن ابن عمر حكى أنه رأى ما لم يره ابن مسعود من رفع رسول الله ﷺ يديه عند الركوع والرفع منه. وكلاهما ثقة، وكلاهما حكى ما شاهد.
وكان ما رواه نافع ومُحارِب بن دِثَارٍ؛ كلاهما عن ابن عمر.
وما رواه أبو حُميد وأبو قتادة وثمانية من أصحاب رسول الله ﷺ من رفع اليدين عند القيام إلى الركعتين زيادة على ما رواه الزُّهْري عن سالم عن ابن عمر، وكلٌّ ثقة، وكل مصدَّق فيما ذكر أنه سمعه ورآه، وأخذُ الزيادةِ واجبٌ.
وكان ما رواه أنس من رفع اليدين عند السجود زيادة على ما رواه ابن عمر، والكل ثقة فيما روى وما شاهد. وكان ما رواه مالك بن الحُويرث من رفع اليدين في كل ركوع، ورفع من ركوع، وكل سجود، ورفع من سجود؛ زائداً على كل ذلك،
والكل ثقات فيما رَوَوْهُ وما سمعوه، وأخذ الزيادات فرض لا يجوز تركه؛ لأن
стр. 1732
الزيادة حكم قائم بنفسه، رواه من علمه، ولا يضره سكوت من لم يروه عن روايته؛ كسائر الأحكام كلها، ولا فرق».
وقد ذكرنا فيما سبق [ص ٦٠٤] كلام البخاري في نحو ما قاله ابن حزم، وسيأتي له كلام أوسع من ذلك في «الرفع إذا قام من الركعتين» إن شاء الله تعالى.
وإنما قلت: أحياناً؛ لأنه - والله أعلم - لو كان يرفع دائماً؛ لرواه الذين رووا الرفع عند الركوع، وعند الرفع منه. وقد ذكرنا أسماءهم هناك ..
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٧٠٦)]
стр. 1733
النزول للسجود على اليدين
стр. 1734
الخرور إلى السجود على اليدين
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ٨٨:
ثم يخر إلى السجود على يديه، يضعهما قبل ركبتيه. بهذا أمر رسول الله ﷺ ، وهو الثابت عنه من فعله ﷺ ، ونهى عن التشبه ببروك البعير، وهو إنما يخر على ركبتيه اللتين هما في مقدمتيه.
وقال في أصل الصفة:
وكان يضع يديه على الأرض قبل ركبتيه. وكان يأمر بذلك؛ فيقول: «إذا سجد أحدكم؛ فلا يَبْرُكْ كما يَبْرُكُ البعيرُ، ولْيَضَعْ يديه قبل ركبتيه». [ثم ساق الإمام أدلة ذلك وضعف ما يخالفها إلى أن قال]:
فهذا كل ما وقفت عليه من الأحاديث المعارضة للسنة الصحيحة، وقد رأيت أن بعضها أشد ضعفاً من بعض.
وقد تعَسَّفَ ابن القيم ﵀ في هذا الوضع كثيراً؛ فحاول ترجيح هذه الأحاديث على حديث ابن عمر، وأطال في ذلك جداً؛ قدر ثلاث صفحات من كتابه «الزاد»، وقد رددت عليه في «التعليقات الجياد» رداً مسهباً، ونقضت الوجوه التي تمسك بها في ذلك وجهاً وجهاً، وإيراد ذلك يطول؛ فعليك بالكتاب المذكور؛ فإن فيه تحقيقات قلما تراها في كتاب. والله المستعان.
قال الحازمي: «وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب؛ فذهب بعضهم إلى أن وضع اليدين قبل الركبتين أولى. وبه قال مالك والأوزاعي، وقال: أدركت الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم.
وخالفهم في ذلك آخرون، ورأوا وضع الركبتين قبل اليدين أولى. ومنهم: عمر بن الخطاب، وبه قال سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة وأصحابه».
стр. 1735
قلت: وحجة هؤلاء ما سلف من الأحاديث، ولو صحت؛ لقلنا بجواز الأمرين؛ كما هو رواية عن مالك وأحمد - كما في «الفتح» -. وإذ لم تصح؛ فالعمدة على ما ذهب إليه الأولون، وهو قول أصحاب الحديث - كما قال ابن أبي داود، ونقله في «الزاد» «١/ ٨٢» -، وحجتهم في ذلك هذا الحديث.
وأما ما أخرجه الطحاوي «١/ ١٥٠»، والبيهقي «٢/ ١٠٠»، وأبو بكر بن أبي شيبة في «المصنف» «١/ ١٠٢/٢»، وعنه الأثرم في «سننه» - كما في «الزاد» «١/ ٨٠» -؛ كلهم من طريق ابن فُضَيل عن عبد الله بن سعيد عن جده عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: «إذا سجد أحدكم؛ فليبدأ بركبتيه قبل يديه، ولا يبرك بروك الفحل». فقال الحافظ «٢/ ٢٣١» - تبعاً للبيهقي -: «إسناده ضعيف».
وأقول: بل هو ضعيف جداً، وعلته عبد الله بن سعيد هذا، وهو المقبري، وهو متروك - كما سبق في الحديث الذي قبل هذا -، وقد اتهمه بعضهم بالكذب. ولعله تعمد، فقلب هذا الحديث؛ فغير بذلك المعنى.
وليس العجب من هذا المتهم، وإنما العجب أن يعتمد على حديثه هذا ابن القيم في «الزاد»؛ فيزعم أن حديث أبي هريرة الأول الصحيح مما انقلب على بعض الرواة متنه، وأن أصله: «وليضع ركبتيه قبل يديه». - كما رواه المقبري هذا - وهو إنما ذهب ذلك المذهب؛ لأن الحديث غير معقول عنده؛ لأن أوله يخالف آخره - كما زعم -، إلا على قول من يقول: إن ركبتي البعير في يديه. ولكنه ينكر ذلك؛ فيقول: «إنه كلام لا يعقل، ولا يعرفه أهل اللغة، وإنما الركبة في الرجلين».
كذا قال وهو مما يتعجب منه أيضاً؛ كيف خفي عليه ذلك، مع أن نصوص العلماء كثيرة في إثبات ما نفاه؟ ! على أنه قد سُبِق إلى ذلك؛ فقد عقد الطحاوي ﵀ في «المشكل» باباً خاصاً من أجل ذلك، ساق فيه هذا الحديث، ثم قال: «فقال قائل: هذا كلام مستحيل؛ لأنه نهاه إذا سجد أن يبرك كما يبرك البعير والبعير إنما ينزل يديه. ثم أتبع ذلك بأن قال: ولكن ليضع يديه قبل ركبتيه. فكان ما في هذا الحديث مما نهاه عنه في أوله قد أمره به في آخره. فتأملنا ما قال؛ فوجدناه مُحالاً،
стр. 1736
ووجدنا الحديث. مستقيماً لا إحالة فيه؛ وذلك أن البعير ركبتاه في يديه، وكذلك كل ذي أربع من الحيوان، وبنو آدم بخلاف ذلك؛ لأن ركبتهم في أرجلهم لا في أيديهم، فنهى رسول الله ﷺ في هذا الحديث [المصلي] أن يخر على ركبتيه اللتين في يديه، ولكن يخر [لسجوده] على خلاف ذلك؛ فيخر على يديه اللتين ليس فيهما ركبتاه، بخلاف ما يخر البعير على يديه اللتين فيهما ركبتاه. فبان بحمد الله ونعمته أن ما في هذا الحديث عن رسول الله ﷺ كلام صحيح لا تضاد فيه ولا استحالة». اهـ.
وقد ذكر نحوه في «شرح المعاني» «١» (١).
وقال ابن حزم «٤/ ١٣٠»: «وركبتا البعير هي في ذراعيه». وفي «لسان العرب» «١/ ٤١٧» ما نصه: «وركبة البعير في يده». ثم قال: «وركبتا يدي البعير المَفْصِلان اللذان يَلِيَان البطن إذا برك، وأما المَفْصِلان النَّاتِئان من خلف؛ فهما العُرْقُوبان، وكل ذي أربع ركبتاه في يديه، وعُرْقُوْبَاهُ في رجليه». ومثله تماماً في «تاج العروس» «١/ ٢٧٨». ويشهد لذلك من كلامهم المعهود في استعمالهم قول علقمة والأسود عن عمر ﵁: أنه خر بعد ركوعه على ركبتيه؛ كما يخر البعير - وقد تقدم في الحديث الذي قبل هذا -.
فقد وصفا خروره ﵁ على ركبتيه بخرور الجمل.
وهذا وصف خاطئ بزعم ابن القيم؛ لأن الجمل لا يخر على ركبتيه عنده، ثم إن الواقع أن البعير إذا برك؛ فإنما يبرك بقوة حتى إن للأرض منه لرجةً، وكذلك المصلي إذا سجد على ركبتيه؛ كان لسجوده دويٌّ، لا سيما إذا كان يصلي في مسجد قد بسطت عليه «الدفوف» الخشبية، وكان المصلون جمعاً كثيراً؛ فهناك تسمع لهم لَجَّةً
стр. 1737
شديدة، مما يتنافى مع هيئة الصلاة وخشوعها؛ فنهى ﷺ عن ذلك، وأمر بأن يقدم يديه أولاً؛ ليلقى بهما الأرض؛ فيتفادى بذلك الاصطدام بها بركبتيه، كما يفعل الجمل، فهذا وجه المشابهة بين بروك الجمل وبروك المصلي على ركبتيه.
وقد أشار إلى هذا المعنى - والله أعلم - الإمام مالك حين قال - كما في «الفتح» -: «هذه الصفة أحسن في خشوع الصلاة. ونص المناسبة التي أبداها ابن المنير لتقديم اليدين وهي: أن يلقى الأرض عن جبهته، ويعتصم بتقديمها عن إيلام ركبتيه إذا جثا عليهما. والله أعلم».
فائدة: ظاهر الأمر في الحديث يفيد الوجوب، ولم أر من صرح بذلك غير ابن حزم؛ فصرح في «المحلى» بفرضية ذلك، وأنه لا يحل تركه. وفي ذلك دليل على خطأ الاتفاق الذي نقله شيخ الإسلام ابن تيمية في «الفتاوى» «١/ ٨٨» على جواز كلا الأمرين من السجود على الركب أو على اليدين، ولعله لم يستحضر هذا النص حين كتابة الفتوى، والله أعلم.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٧١٤)]
وضع اليدين قبل الركبتين في السجود
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:
قوله: «وهو يعني وضع اليدين قبل الركبتين عند الهوى قول أصحاب الحديث».
قلت: وهو الصواب لأنه الذي ثبت عنه ﷺ فعلا وأمرا:
أما الفعل فمن حديث ابن عمر ﵁ قال: كان ﷺ إذا سجد يضع يديه قبل ركبتيه. أخرجه جماعة منهم الحاكم.
وقال: «صحيح على شرط مسلم» ووافقه الذهبي وهو كما قالا. وصححه أيضا ابن خزيمة ١/ ٣١٨ / ٦٢٧ وهو مخرج في «الإرواء» ٢/ ٧٧ - ٧٨.
стр. 1738
وأما الأمر فمن حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ: «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه».
أخرجه أبو داود والنسائي وجماعة وإسناده جيد كما قال النووي والزرقاني وقواه الحافظ ابن حجر كما يأتي.
وهو مخرج أيضا في المصدر المذكور آنفا ٢/ ٧٨ وفي «صحيح أبي داود» ٧٨٩.
وليس لهذين الحديثين ما يعارضهما إلا حديث وائل بن حجر الذي نقله المؤلف عن ابن القيم وهو حديث ضعيف لأنه من حديث شريك وهو ابن عبد الله القاضي وهو ضعيف سيئ الحفظ فلا يحتج به إذا انفرد فكيف إذا خالف؟ ولذلك قال الحافظ في بلوغ المرام:
«إن حديث أبي هريرة هذا أقوى من حديث وائل».
وذكر نحوه عبد الحق الاشبيلي فانظر «صفة الصلاة» ص ١٤٧.
ولقد أخطأ ابن القيم في «زاد المعاد» خطأ بينا حين رجح حديث وائل على حديث ابن عمر وأبي هريرة كما أخطأ أخطاء أخرى في هذه المسألة قد قمت بالرد عليه مفصلا في «التعليقات الجياد على زاد المعاد» وغيرها ويحسن بي هنا أن أضرب على ذلك مثلا واحدا لأنه شديد الاتصال بما نحن فيه وبه يتضح معنى قوله ﷺ : « ... فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه».
زعم ابن القيم ﵀ أن الحديث انقلب على الراوي وأن أصله:
«وليضع ركبتيه قبل يديه» وإنما حمله على هذا زعم آخر له وهو قوله: «إن البعير يضع يديه قبل ركبتيه». قال: «فمقتضى النهي عن البروك كبروك البعير أن يضع المصلي ركبتيه قبل يديه»!
وسبب هذا كله أنه خفي عليه ما ذكره علماء اللغة كالفيروز آبادي وغيره: «أن ركبتي البعير في يديه الأماميتين».
ولذلك قال الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ١٥٠: «إن البعير ركبتاه في
стр. 1739
يديه وكذلك في سائر البهائم وبنو آدم ليسوا كذلك فقال: لا يبرك على ركبتيه اللتين في رجليه كما يبرك البعير على ركبتيه اللتين في يديه ولكن يبدأ فيضع أولا يديه اللتين ليس فيهما ركبتاه ثم يضع ركبتيه فيكون ما يفعل في ذلك بخلاف ما يفعل البعير».
وبهذا ظهر معنى الحديث ظهورا لا غموض فيه. والحمد لله على توفيقه.
ثم إن ظاهر الأمر بهذه السنة يفيد وجوبها وقد قال به ابن حزم في «المحلى» ٤/ ١٢٨ وما نقله المؤلف عنه من الاستحباب خطأ واضح.
ولازم القول بالوجوب أن العكس لا يجوز ففيه رد للاتفاق الذي نقله شيخ الإسلام في «الفتاوى» ١/ ٨٨ على جواز الأمرين!
قلت: وهنا سنة مهجورة ينبغي التنبيه عليها للاهتمام بفعلها وهي ما جاء في حديث أبي حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ كان. .. يهوي إلى الأرض مجافيا يديه عن جنبيه ثم يسجد. وقالوا جميعا: صدقت هكذا كان النبي ﷺ يصلي.
رواه ابن خزيمة في «صحيحه» ١/ ٣١٧ - ٣١٨ بسند صحيح وغيره.
إذا عرفت هذا وتأملت معي معنى الهوي الذي هو السقوط مع مجافاة اليدين عن الجنبين تبين لك بوضوح لا غموض فيه أن ذلك لا يمكن عادة إلا بتلقي الأرض باليدين وليس بالركبتين ففيه دليل آخر على ضعف حديث وائل. .. والله تعالى هو الهادي.
[تمام المنة ص (١٩٣)]
رفع الركبتين قبل اليدين عند القيام من الركوع والكلام على الاعتماد على اليدين عند القيام والرد على من ضعف حديث العجن
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:
стр. 1740
قوله: «وأما كيفية الرفع من السجود حين القيام إلى الركعة الثانية فهو على الخلاف أيضا. فالمستحب عند الجمهور أن يرفع يديه ثم ركبتيه وعند غيرهم يبدأ برفع ركبتيه قبل يديه».
قلت: الحق هذا الثاني لحديث مالك بن الحويرث أنه كان يقول: ألا أحدثكم عن صلاة رسول الله ﷺ فيصلي في غير وقت الصلاة فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية في أول ركعة استوى قاعدا ثم قام فاعتمد على الأرض.
أخرجه البخاري والشافعي في «الأم» والسياق له. فهذا نص قي أنه ﷺ كان يعتمد بيديه على الأرض وبه قال الشافعي. قال البيهقي:
«وروينا عن ابن عمر أنه كان يعتمد على يديه إذا نهض وكذلك كان يفعل الحسن وغير واحد من التابعين».
قلت: وحديث ابن عمر رواه البيهقي بسند جيد عنه موقوفا ومرفوعا كما بينته في «الضعيفة» تحت الحديث ٩٦٧ وفي «صفة الصلاة» ويأتي لفظه قريبا بإذن الله تعالى.
ورواه أبو إسحاق الحربي بسند صالح مرفوعا عنه يرويه الأزرق بن قيس:
رأيت ابن عمر يعجن في الصلاة: يعتمد على يديه إذا قام. فقلت له؟ فقال: رأيت رسول الله ﷺ يفعله. وهو حديث عزيز - كما ذكرت هناك - لم يذكره أحد من المخرجين المتقدمين منهم والمتأخرين ثم سرقه المعلق على «الزاد» فنقله بالحرف الواحد من «الصفة» متشبعا بما لم يعط وكم له من مثل ذلك في تعليقه هذا وغيره! هدانا الله وإياه.
قلت: ولازم هذه السنة الصحيحة أن يرفع ركبتيه قبل يديه. إذ لا يمكن الاعتماد على الأرض عند القيام إلا على هذه الصفة. وهذا هو المناسب للأحاديث الناهية عن التشبه بالحيوانات في الصلاة وبخاصة حديث أبي هريرة المتقدم في النهي عن البروك كبروك الجمل فإنه ينهض معتمدا على ركبتيه كما هو مشاهد فينبغي
стр. 1741
للمصلي أن ينهض معتمدا على يديه مخالفة له. فتأمل منصفا.
وفي هذا الحديث مشروعية جلسة الاستراحة ويأتي الكلام عليها قريبا إن شاء الله تعالى.
تنبيه: ثم رأيت لبعض الفضلاء المعاصرين جزءا في كيفية النهوض في الصلاة ضعف فيه حديث العجن ويؤسفني أن أقول:
لقد كان في بحثه بعيدا عن التحقيق العلمي والتجرد عن التعصب المذهبي على خلاف ما كنا نظن به، فإنه غلب عليه نقل ما يوافقه وطي ما يخالفه أو إبعاده عن موضعه المناسب له إن نقله بحيث لا ينتبه القارئ لكونه حجة عليه لا له، وتوسعه في نقد ما يخالفه وتشدده والتشكيك في دلالته وتساهله في نقد ما يؤيده وإظهاره الحديث الضعيف مظهر القوي بطرقه وليس له سوى طريقين واهيين أوهم القراء أنها خمسة ثم يطيل الكلام جدا في ذكر مفردات ألفاظها حتى يوصلها إلى عشرة دون فائدة تذكر سوى زيادة في الإيهام المذكور، إلى غير ذلك مما يطول البحث بالإشارة إليه ولا يتحمل هذا التعليق بسط الكلام فيه وضرب الأمثلة عليه! ولكن لا بد من ذكر بعضها حتى يتيقن القراء مما ذكرته فأقول:
١ - حديث مالك بن الحويرث اتفق العلماء جميعا على صحته وعلى دلالته على الاعتماد على اليدين عند النهوض حتى الذين لم يأخذوا به فإنهم سلموا بدلالته لكنهم لم يعملوا به ظنا منهم أنه كان لسنه ﷺ وشيخوخته انظر «المغني» لابن قدامة المقدسي ١/ ٥٦٩
وأما الفاضل المشار إليه فجاء بشيء لم يأت به الأوائل فقال ص ١٦:
«فهذا الحديث الصحيح غير صريح بالاعتماد على الأرض باليدين فهو يحمل لذلك وللاعتماد على الركبتين عند النهوض»!
يقول هذا من عنده توهينا منه لدلالته وهو يعلم أن الأئمة جميعا فهموه على خلاف زعمه من عمل به منهم ومن لم يعمل كما تقدم فهذا هو الإمام الشافعي
стр. 1742
العربي القرشي يقول في كتابه «الأم» ١/ ١٠١ بعد أن ساق الحديث: «وبهذا تأخذ فنأمر من قام من سجود أو جلوس في الصلاة أن يعتمد على الأرض بيديه معا اتباعا للسنة».
بل هذا هو الإمام أحمد الذي يقول بالنهوض على صدور القدمين لما ذكر حديث ابن الحويرث في «مسائل ابنه» ص ٨١/ ٢٨٦ ذكره بلفظ يبطل به الاحتمال الثاني وهو: « ... جلس قبل أن يقوم ثم قام ولم ينهض على صدور قدميه».
وهذا هو الذي لا يفهم سواه كل عربي أصيل لم تداخله لوثة العجمة! !
٢ - قال بعد أن خرج ألفاظ حديث ابن الحويرث: «ليس في شيء من ألفاظه لفظ: «بيديه» أي: فاعتمد بيديه على الأرض. وقد جزم بعض المحققين بأن هذه اللفظة ليست في شيء من روايات الحديث كما استقرأه عبد الله الأمير على ما ذكره الألباني في «الضعيفة» ٢/ ٣٩٢».
قلت: الذي ذكرته هناك حجة عليه لو أنه ساقه بتمامه ولكنه يأخذ منه ما يشتهي ويعرض عن الباقي! وهذا هو نص كلام الأمير هناك:
«وعند الشافعي: واعتمد بيديه على الأرض ولكني لم أجد هذه الزيادة: «بيديه» عند الشافعي ولا عند غيره وإن كان معناها هو المتبادر من الاعتماد».
فتأمل كيف أخذ من كلام الأمير بعضه وترك البعض الآخر الذي قال به جميع العلماء الموافقون منهم والمخالفون كما تقدم تركه لأنه ينقض احتماله الثاني الذي أيده بحديث وائل الذي اعترف هو ص ٢٤ بضعفه وانقطاعه مع أنه تفرد به الطريق الثاني دون طرقه الخمسة عنده! وبقية ألفاظه العشرة لديه وبحديث علي الذي اعترف أيضا ص ٢٩ بضعفه لكنه جعله شاهدا لحديث وائل ولا يصلح للشهادة لشدة ضعفه فإن فيه زيادا السوائي وهو مجهول العين لم يرو عنه غير عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي وهو ضعيف اتفاقا كما قال النووي ولذا قال البيهقي فيه:
«متروك». أي: شديد الضعف وهو الذي روى عنه هذا الشاهد المزعوم.
стр. 1743
وأيضا فهو خاص بالقيام من الركعتين الأوليين أي: التشهد وحديث وائل في النهوض من السجود! ! مع ضعفه ولكنه عاد فقال ص ٩٩ فيه:
«حديث صحيح صريح وحديث مالك صحيح غير صحيح» وهذا مما لم يسبق إليه من أحد من أهل العلم مع تناقضه في شطريه كما تقدم ويأتي.
٣ - في الوقت الذي يحشر الأحاديث الضعيفة كما رأيت لتأييد الاحتمال الثاني بزعمه لتفسير «الاعتماد على الأرض» في حديث مالك بن الحويرث يتجاهل ما يرجح الاحتمال الثاني للاعتماد فيقول ص ١٧: «ويتأيد الاحتمال الأول بحديث ابن عمر في العجن - لو صح - وبفعله. .. » الخ.
حديث العجن تقدم لفظه قريبا ويأتي الكلام عليه إن شاء الله والمقصود هنا أنه يوهم القراء أنه لا يوجد فيما صح من المرفوع عن ابن عمر ما يؤيد الاحتمال الأول والواقع خلافه وهو على علم به ومع ذلك فهو يشير إليه ص ٣٨ بعيدا عن موضعه المناسب له وأما هنا فهو لا يسوق لفظه بل يوهم أنه موقوف فإنه ذكر اعتماد ابن عمر على يديه برواية العمري الضعيف ثم قال: «وعند البيهقي ٢/ ١٣٥ اعتماده على الأرض بيديه. قال الألباني: إسناده جيد رجاله ثقات كما في «الضعيفة» ٢/ ٣٩٢».
ولم يسق لفظه هنا أيضا بل ساقه بعيدا عن البحث ص ٨٥ تشتيتا لدلالته الصريحة المؤيدة لحديث مالك بن الحويرث! فإن لفظه من رواية الأزرق بن قيس قال: «رأيت ابن عمر إذا قام من الركعتين اعتمد على الأرض بيديه فقلت لولده ولجلسائه: لعله يفعل هذا من الكبر؟ قالوا: لا ولكن هكذا يكون».
ثم نقل الفاضل المشار إليه عني قولي عقبه:
«قلت: وهذا إسناد جيد رجاله ثقات كلهم فقوله: «هكذا يكون» صريح في أن ابن عمر كان يفعل ذلك اتباعا لسنة الصلاة وليس لسن أو ضعف».
نقل هذا عني تحت بحثه في حديث العجن فأجاب عنه بقوله: «هذا يفيد
стр. 1744
الاعتماد فحسب وهذا قد أفاده. .. حديث مالك بن الحويرث في وصفه لصلاة النبي ﷺ والمسألة ليست في مشروعية الاعتماد على الأرض ولكن في هيئته وصفته العجن».
فأقول: بلى هما مسألتان: مشروعية الاعتماد باليدين على الأرض.
ومسألة العجن بهما وكلتاهما داخلتان تحت عنوان جزئك: «في كيفية النهوض في الصلاة» ولولا ذاك لم تسود من «جزئك لما صفحات في سرد حديث مالك وألفاظه وحديث وائل وطرقه الخمسة عندك وألفاظه العشرة وفي أحدها الاعتماد على الركبتين والفخذين خلافا لحديث مالك مما حملك على التصريح بالشك في دلالة حديث مالك على الاعتماد على اليدين كما تقدم نقله عنك فها أنت قد رجعت من حيث تدري أو لا تدري إلى الاعتراف بدلالة حديث مالك على الاعتماد على اليدين وأنه في ذلك مثل حديث ابن عمر هذا وأقررت قولنا بأنه صريح في أن ابن عمر كان يفعل ذلك اتباعا للسنة وليس لسن أو ضعف فالحمد لله الذي ألهمك الرجوع إلى الصواب بعد التشكيك والجهد الجهيد!
ولكن هل ثبت الأستاذ الفاضل على صوابه بعد أن وفقه الله إليه؟
يؤسفني أن أقول: لقد رجع فيما بعد إلى القول بأن ابن عمر فعل ذلك اضطرارا لشيخوخته ص ٧٢ و ٩٢ فأنكر ما كان أقره من قبل كما تقدم من شهادة ولد ابن عمر وجلسائه: «أنه لم يفعل ذلك من الكبر ولكن هكذا يكون». والله المستعان.
لذلك فنحن نطالب المؤلف - مخلصين - بالثبات على دلالة حديث مالك على الاعتماد على اليدين وأن ذلك لم يكن لعجز أو ضعف أو كبر وإنما لأنه السنة كما في حديث ابن عمر الذي أقر بصحته وصحة دلالته وبخاصة أنني وقفت له على طريق أخرى عن الأزرق بن قيس قال:
رأيت ابن عمر في الصلاة يعتمد إذا قام فقلت: ما هذا؟ قال: رأيت رسول الله ﷺ يفعله.
стр. 1745
رواه الطبراني في «الأوسط» ٣٤٨٩ - بترقيمي.
وأما حديثه الآخر في العجن فنحن نبين خطأه في تضعيفه إياه بيانا لا يدع لعارف بهذا الفن شكا في خطئه فإنه قد أعله بعلتين:
الأولى: يونس بن بكير.
والأخرى: الهيثم بن عمران العبسي.
أما العلة الأولى فتمسك فيها باختلاف العلماء في يونس توثيقا وتجريحا ونقل أقوالهم في ذلك واعتمد منها قول الحافظ ابن حجر:
«صدوق يخطئ».
وفهم منه أنه ضعيف إن لم يتابع وأعرض عن أقوال الموثقين من الأئمة تقليدا منه لابن حجر.
والعجيب من أمره أنه قال بعد أن حكى عن ابن عدي أنه قال: «وثقه الأئمة ... » قال: «وانظر «الميزان» ومقدمة «الفتح» و «العبر». .. ».
فنظرنا وإذا في خاتمة ترجمته من «الميزان» يقول الذهبي: «وهو حسن الحديث»!
فهذا حجة عليه لا له كما هو ظاهر فماذا قصد في إحالته عليه؟ !
ويقول الحافظ في «المقدمة»: «مختلف فيه وقال أبو حاتم: محله الصدق».
وهذا كالذي قبله فإن كونه مختلفا فيه ومحله الصدق يعني أنه حسن الحديث في علم المصطلح ويؤيد ذلك أن الحافظ سكت عن أحاديث له كثيرة يحضرني منها حديث عائشة في أكل القئاء بالرطب فإنه سكت عنه في «الفتح».
٩/ ٥٧٣ والمؤلف يحتج بسكوت الحافظ كما ذكر ص ٢٧ من «جزئه»! !
ثم رجعت إلى العبر فإذا بالذهبي يتبنى فيه قول ابن معين: «صدوق».
وهو أيضا بالمعنى المتقدم أي أنه حسن الحديث ومن أجل ذلك أورده الذهبي
стр. 1746
في كتابه «معرفة الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب الرد» ص ١٩٢/ ٣٨٣ وقال فيه: «صدوق قال ابن معين: مرجئ يتبع السلطان».
يشير إلى أن ما قيل فيه فليس طعنا في صدقه وروايته وإنما لإرجائه وتردده على السلطان وذلك مما لا يطعن به على حديثه كما هو معروف في «المصطلح» وقد أشار إلى ذلك أبو زرعة حين سئل عنه: أي شيء ينكر عليه؟ فقال: «أما في الحديث فلا أعلمه».
والخلاصة: أن المؤلف - عفا الله عنا وعنه - لم يستفد شيئا من النقول المتضاربة التي نقلها عن الأئمة في يونس بن بكير هذا ولا هو بين وجه اختياره تضعيفه إياه تقليدا لابن حجر في «التقريب» على أن قوله فيه: «صدوق يخطئ» ليس نصا في تضعيفه للراوي به فإننا نعرف بالممارسة والتتبع أنه كثيرا ما يحسن حديث من قال فيه مثل هذه الكلمة وحديث عائشة مثال صالح لذلك فلو أنه كان على معرفة بعلم المصطلح لبين وجه اختياره كأن يقول مثلا: «الجرح مقدم على التعديل» فيقال: هذا ليس على إطلاقه بل هو مقيد بما إذا كان مفسرا وجارحا وقد أشار الذهبي في كلمته المنقولة عن «المعرفة» أن ما جرح به لا يضره فتأمل هذا أيها القارئ يتبين لك خطأ الرجل في تضعيفه ليونس وأنه لم يصدر ذلك منه عن علم ومعرفة بهذا العلم الشريف.
ويؤكد لك ذلك ما سأذكره فيما يأتي في الرد على علته الثانية وهي:
العلة الأخرى عنده: الهيثم بن عمران العبسي.
لقد سود صاحبنا حولها عشر صفحات دون فائدة تذكر واستطرد أحيانا - كعادته في «جزئه» - في ذكر أمور لا علاقة لها بالعلة المزعومة.
وخلاصة كلامه فيها أن الهيثم هذا روى عنه خمسة فهو مجهول الحال عنده وجل ما أورده أخذه من بعض مؤلفاتي.
ثم ذكر كلام الحافظ في «اللسان» في نقد مسلك ابن حبان في توثيق الراوي ولو
стр. 1747
لم يرو عنه إلا واحد، ثم نقل عني مثل ذلك من مواضع من كتبي. وهذا حق ولكنه لم يستطع لحداثة عهده بهذا العلم أن يفرق بين هذا المسلك المنتقد وبين ما سلكته في تقوية حديث الهيثم هذا لرواية الثقات الخمسة عنه. وقدم للقراء مثلا ليبين لهم تناقضي - بزعمه - في هذا المجال حديث معاذ في القضاء وأني حكمت بنكارته بأمور منها جهالة الحارث بن عمرو مع توثيق ابن حبان إياه. فهو يتوهم أن كل من وثقه ابن حبان فهو مجهول إما عينا وإما حالا. وهنا يكمن خلطه وخطؤه الذي حمله على القول ص ٥٦ بأنني جاريت ابن حبان في مسلكه المذكور.
والآن أقدم الشواهد الدالة على صواب مسلكي وخطئه فيما رماني به من أقوال أهل العلم.
١ - قال الذهبي في ترجمة مالك بن الخير الزبادي: «محله الصدق. .. روى عنه حيوة بن شريح وابن وهب وزيد بن الحباب ورشدين. قال ابن القطان: هو ممن لم تثبت عدالته. .. يريد أنه ما نص أحد على أنه ثقة. .. والجمهور على أن من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة ولم يأت بما ينكر عليه أن حديثه صحيح» وأقره على هذه القاعدة في «اللسان» وفاتهما أن يذكرا أنه في «ثقات ابن حبان» ٧/ ٤٦٠ وفي «أتباع التابعين» كالهيثم بن عمران هذا! وبناء على هذه القاعدة - التي منها كان انطلاقنا في تصحيح الحديث - جرى الذهبي والعسقلاني وغيرهما من الحفاظ في توثيق بعض الرواة الذين لم يسبقوا إلى توثيقهم مطلقا فانظر مثلا ترجمة أحمد بن عبدة الآملي في «الكاشف» للذهبي و «التهذيب» للعسقلاني.
وأما الذين وثقهم ابن حبان وأقروه بل قالوا فيهم تارة: «صدوق» وتارة: «محله الصدق» وهي من ألفاظ التعديل كما هو معروف فهم بالمئات فأذكر الآن عشرة منهم من حرف الألف على سبيل المثال من «تهذيب التهذيب» ليكون القراء على بينة من الأمر:
١ - أحمد بن ثابت الجحدري.
٢ - أحمد بن محمد بن يحيى البصري.
стр. 1748
٣ - أحمد بن مصرف اليامي.
٤ - إبراهيم بن عبد الله بن الحارث الجمحي.
٥ - إبراهيم بن محمد بن عبد الله الأسدي.
٦ - إبراهيم بن محمد بن معاوية بن عبد الله.
٧ - إسحاق بن إبراهيم بن داود السواق.
٨ - إسماعيل بن إبراهيم البالسي.
٩ - إسماعيل بن مسعود بن الحكم الزرقي.
١٠ - الأسود بن سعيد الهمداني.
كل هؤلاء وثقهم ابن حبان فقط. وقال فيهم الحافظ ما ذكرته آنفا من عبارتي التوثيق ووافقه في ذلك غيره من الحفاظ في بعضهم وفي غيرهم من أمثالهم.
ومن عادته أن يقول في غيرهم ممن وثقهم ابن حبان ممن روى عنه الواحد والاثنان: «مستور» أو: «مقبول».
كما حققته في موضع آخر. فأخشى ما أخشاه أن يبادر بعض من لا علم عنده إلى القول: إن الحافظ قد جارى ابن حبان في تساهله في توثيق المجهولين كما قال مثله مؤلف «الجزء في كاتب هذه السطور» لأنه لا يعرف - ولو تقليدا - الفرق بين راو وآخر ممن وثقهم ابن حبان وحده إن عرفه لم يدرك وجه التفريق المذكور وهو ما كنت أشرت إليه في تقوية الهيثم بن عمران راوي حديث العجن ونقله المؤلف المشار إليه في «جزئه» بقوله ص ٥٨.
«إنه جعل رواية أولئك الخمسة عنه سببا لاطمئنان النفس لحديثه».
ثم رده بقوله: «والأحاديث لا تصحح بالوجدان كالشأن في الرؤيا»! !
كذا قال - سامحه الله - فإني لم أصحح الحديث بمجرد الوجدان - كما قال - وإنما بالبحث الدقيق عن أصل الحديث وإسناده الذي فات على جميع من ألف في
стр. 1749
تخريج الأحاديث كما اعترف به المؤلف ص ٤٠ و ٤١ وفي حال رواته وبخاصة منهم الهيثم والرواة عنه حتى قام في النفس الاطمئنان لحديثه وحسن الظن به كما يدل عليه قول الحافظ السخاوي في بحث «من تقبل روايته ومن ترد «مبينا وجه قول من قبل رواية مجهول العدالة ١/ ٢٩٨ - ٢٩٩: «لأن الأخبار تبنى على حسن الظن بالراوي».
قلت: ولا سيما إذا كثر الرواة الثقات عنه ولم يظهر في روايتهم عنه ما ينكر عليه كما هو الشأن في الهيثم قال السخاوي: «وكثرة رواية الثقات عن الشخص تقوي حسن الظن به».
فهذا هو وجه توثيق الذهبي والحافظ لمن سبق ذكر هم ممن تفرد بتوثيقهم ابن حبان وهم من جهة أخرى لا يوثقون غيرهم من «ثقاته»! !
وللعلامة المعلمي اليماني في رده على الكوثري كلام نفيس في من وثقهم ابن حبان وأنهم على خمس درجات كلها معتمدة لديه إلا الأخيرة منها فمن شاء التفصيل رجع إليه في «التنكيل» مع تعليقي عليه ١/ ٤٣٧ - ٤٣٨.
وجملة القول أن صاحب «الجزء» أخطأ خطأ ظاهرا في تضعيفه لحديث ابن عمر في العجن لأنه اعتمد فيه على بعض ما قيل في توثيق ابن حبان ولم يعرف تفصيل القول في ذلك الذي جرى عليه عمل الحفاظ كالذهبي والعسقلاني وعلى نقول متناقضة لم يجد له مخرجا منها إلا باعتماده على ما يناسب تضعيفه للحديث منها!
وأفحش منه تشكيكه في سنية الاعتماد على اليدين عند النهوض مع ثبوته في حديثين مرفوعين غير حديث العجن في أحدهما التصريح بالاعتماد على اليدين والآخر يلتقي معه عند العلماء ويؤيده.
وبعد فإن مجال نقد «الجزء» تفصيليا وإظهار ما فيه من المخالفات لأقوال العلماء وأصولهم وتقويته ما لا يصح من الحديث واستشهاده ببعض الأقوال ووضعها في غير موضعها ومبالغته في بعض الأمور والتهويل فيها مجال واسع جدا يتطلب بيان ذلك من الوقت ما لا أجده الآن فإن وجدته فيما يأتي من الأيام بادرت
стр. 1750
إلى بيانه في كتاب خاص والله تعالى هو المستعان وعليه التكلان.
[تمام المنة ص (١٩٦)]
تقديم اليدين في النزول للسجود
مداخلة: بيَّنْتَ البارحة يا سيدي حكم السجود على اليدين قبل الركبتين.
الشيخ: نعم.
مداخلة: تفريقاً بيننا وبين الدابة.
الشيخ: نعم.
مداخلة: وذكرت من ذلك الجمع.
الشيخ: أي نعم.
مداخلة: ولم يكن آنذاك أستحضر الدليل ولكنني قلت بأن الحكم منسوخ، فبعد الرجوع للمراجع.
الشيخ: سوف لا تأتي بشيء.
مداخلة: يا سيدي.
الشيخ: أنا سامع لك.
مداخلة: وجدنا الآتي.
الشيخ: نعم.
مداخلة: نقرأ المسألة إن شاء الله ونريد إن شاء الله منك أدلة.
الشيخ: جزاك الله خير. لو جلست حتى يجلس من وراءك، ما رأيك؟
مداخلة: أنا من أجل تسمع يعني، أنا وقفت من أجل تسمع.
стр. 1751
الشيخ: أنا كلي لك سمع.
مداخلة: الله يجزيك الخير.
الشيخ: الله يحفظك.
مداخلة: فالمسألة تقول.
الشيخ: نعم.
مداخلة: الاعتماد على اليدين في السجود.
الشيخ: نعم.
مداخلة: والدليل موجود إن شاء الله.
الشيخ: نعم.
مداخلة: في حديث وائل بن حجر ورد بالضم أن النبي ﷺ كان يضع يده بين ركبتيه إذا ركع.
الشيخ: كيف بين يديه؟ كان يضع ماذا؟
مداخلة: يده.
الشيخ: بين ركبتيه؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: كيف بين ركبتيه؟
مداخلة: هكذا ورد الحديث.
الشيخ: مش معقول، بين يديه في ركبتيه معناها ماذا؟
مداخلة: نعم أنا يعني أقرأ المسألة.
الشيخ: طيب. يعني هذا جملة معترضة. نعم.
стр. 1752
مداخلة: وهذا الحديث وارد في سنن أبو داود والإمام أحمد في مسنده والنسائي في سننه والحاكم في مستدركه والترمذي في سننه والدارقطني في سننه كذلك.
الشيخ: نعم.
مداخلة: أوردوا هذا الحديث.
الشيخ: ما علاقة الحديث بالموضوع بارك الله فيك؟
مداخلة: أكمل لك إن شاء الله يا شيخ.
الشيخ: مالنا ولما ليس له بارك الله فيك، ما نريد نسهر إلى نصف الليل.
مداخلة: لا لا. ...
الشيخ: اسمح لي، اسمح لي. أفهم عليك، ما دام هذا الحديث ليس له علاقة بموضوع أمس فأنت هات الحديث الذي له علاقة.
مداخلة: لا، هو علاقة. ... إن شاء الله.
الشيخ: يا أخي، أعطينا [الخلاصة] بارك الله فيك.
مداخلة: خليني أكمل لك بس يعني سطرين إن شاء الله. وعنه قال: «رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه» هذا كذلك وارد في سنن الترمذي والنسائي والدارمي. قال سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه: كنا نفعل ذلك ثم أُمرنا بالرُّكَب، أي: كنا نضع اليدين قبل الرُّكَب فنهينا عن ذلك وأمرنا بوضع الرُّكَب قبل اليدين مخالفة للدواب. فيكون على ذلك أن حديث وائل الأول ناسخ للحديث الثاني، ويعضده حديث سعد الثاني، وهذا كذلك وارد في الرسالة في الصفحة تسعة وعشرين للإمام الشافعي، فما رأيكم؟
الشيخ: رأيي بارك الله فيك لو كنت معنا حاضراً أمس لسمعت الرد على حديثك الأول، وأنت كنت سائل أمس؟
مداخلة: . ... أنا سمعت. ...
стр. 1753
الشيخ: وأنت؟
مداخلة: لا لا.
الشيخ: لا لا، مش أنت يا شيخ. جارك، جارك هذا هو كان السائل.
مداخلة: نعم.
الشيخ: فأنا أجبت عن حديثك الأول، حديث وائل بن حجر هذا حديث ضعيف، وأنت بارك الله فيك خذها نصيحة مني وقد تكون قدوة عند الناس: لا يجوز لمسلم أن ينقل حديثاً إلى الناس إلا بعد أن يتثبت من صحته، وإلا لحقه وعيد قوله ﵇: «من قال علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار» ولذلك فأنا لك ناصح أمين، حذاري ثم حذاري ثم حذاري أن تروي حديثاً وتقول: قال رسول الله، أمر رسول الله، فعل رسول الله وأنت لست على علم بصحة هذا الحديث، ولعلك في الأمس القريب الذي كنت قد شرفتنا بحضورك عرفت أن علم الحديث له رجال، وأن معرفة الحديث هل صحيح أو غير صحيح له علم خاص، إلى آخره. ولذلك فما ينبغي لمثلك أنه مجرد ما رأى حديثاً في كتاب ما أن يقول: قال رسول الله، أمر رسول الله، لا. إلا بعد أن يتثبت، لأنك تعلم أولاً الآية الكريمة: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا» [الحجرات: ٦] وفي قراءة: «فتثبتوا» وهذا ليس كما يظن كثير من الناس أن هذه الآية خاصة بس بالمنافقين أو الفاسقين لا، هذا مبدأ التثبت والتحقق في كل ما يريد الإنسان أن يسمعه ثم يريد أن ينقله، لا بد من التثبت. والدليل على ذلك ما رواه الإمام «مسلم» في مقدمة صحيحه عن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «كفى المرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع» وفي لفظ: «بحسب المرء من الكذب أن يُحدِّث بكل ما سمع» هذه نصيحة كمقدمة للجواب عمَّا ذكرت من الأحاديث.
أما الجواب عن حديث وائل فقد ذكرته أمس، ولعل أخانا هذا الموجود الآن معنا والحمد لله يذكر أنني قلت وما أدري إذا كان الشريط موجوداً فيكون أوضح أن يسمع الشريط، أن الجواب كما قُدِّم سلفاً، حديث وائل بن حجر فيه رجل اسمه
стр. 1754
«شريك بن عبد الله القاضي» وذكرت أن هذا كان قاضياً فاضلاً إلى آخره.
لكن كان ضعيف الحفظ، ولذلك قال الحافظ «ابن حجر» - قلت هذا بالأمس القريب - لما ذكره في كتابه «تقريب التهذيب» قال: ليس بالقوي.
فحديث وائل بن حجر الذي أنت ذكرته آنفاً هذا إسناده ضعيف، هذا أولاً.
أما حديث سعد بن أبي وقاص - وهذا أنا لم أذكره ولم أتعرض له في الأمس القريب - هذا أيضاً لا يصح إسناده، وإنما حديث سعد الصحيح الذي رواه بعض رواة الأحاديث الصحيحة «كابن خزيمة» وغيره أنهم كانوا يُؤْمَرون كانوا يضعون أكفَّهم بين رُكَبهم فأمروا بوضعها على الرُّكَب.
ولذلك أنا استغربت أن الحديث الأول أظن اختلط على الناسخ حديث بحديث، فهم كانوا من قبل وهذا ما ثبت عن ابن مسعود ويسمى هذا بالتطبيق، أي: كان الرسول ﵇ في أول الأمر حينما كان يصلي فبديل أن يركع هكذا كان يطبق هكذا ويضع بين ركبتيه وهو راكع، فأمروا بوضع الأكف على الركب، هذا هو حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه الصحيح.
أما أنهم أمروا بوضع الأيدي عند السجود فهذا حديث ضعيف لا يُحتج به إطلاقاً. هذا الجواب عن حديث وائل من جهة وحديث سعد بن أبي وقاص من جهة أخرى.
ثم أرجوك ألا تنسى ما تسمعه من العلم فقد ذكرت لك حديثين صحيحين، الحديث الأول قال ﵊: «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع كفيه أو يديه قبل ركبتيه».
الحديث الثاني، لعلك تذكر حديث نافع عن مولاه ابن عمر: أنه كان إذا سجد وضع كفيه قبل ركبتيه، ويقول ابن عمر: «كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك».
وما ذكرته في الأمس القريب أن فعل ابن عمر هذا أنه كان إذا سجد وضع كفيه قبل الركبتين في صحيح البخاري، لكنه في صحيح البخاري بطريق يعرف عند
стр. 1755
المحدثين معلقاً، وهذا له بحث آخر.
ثم لا تنسوا أنني ذكرت لكم حديثاً قبل هذين الحديثين وهو حديث عبد الرحمن بن شبل قال: «نهى رسول الله ﷺ عن ثلاث: عن بروك كبروك الجمل، وعن التفات كالتفات الثعلب، وعن نقر كنقر الغراب» وبينا لكم لغة أن ركبتي البعير أين؟ في مقدمتيه، وكذلك ذوات الأربع وذكرنا لكم قصة متابعة سراقة بن مالك بن جعشم، ملاحقته للرسول ﵇ يوم خرج مهاجراً من مكة إلى المدينة على فرسه فغاصت قدما الفرس إلى ركبتيها. هكذا في صحيح البخاري.
فإذاً اللغة والرواية الصحيحة تؤكد أن ركبتي البعير في مقدمتيه، المصلي إذا سجد على ركبتيه فقد شابه البعير وهو إنسان كرمه الله فلا ينبغي له أن يتشبه، وبالتعبير البدوي: بالبعران.
مداخلة: هو يا سيدي في التعبير البدوي بعث سؤال يعني أحد البادية قالوا: بأن بروك الجمل على يديه، يعني أول ما يبرك يضع يديه.
الشيخ: سامحك الله، سامحك الله يا أستاذ أبو أسامة وإلا؟
مداخلة: أبو أسامة.
الشيخ: بارك الله فيك فاسمح لي، اسمح لي.
مداخلة: نعم.
الشيخ: ما نحن نقول: هذا كله الجواب سامحك الله مرة أخرى. الجواب هذا تقدم سلفاً، قلنا لكم: يا أخي! الذي يقول: إن البعير حينما يبرك يضع يديه هذا كأنه أوروبي ما رأى جملاً، ونحن أهل البعران أهل الإبل أهل الجمال ما نراهم ننظرهم يمشوا على أربع، الفصيل حينما يسقط من بطن أمه يسقط على أربع ويمشي على أربع، فكيف يقول القائل منكم بأن البعير إذا برك يبرك على يديه؟ يا أخي! يداه موضوعتان الأبد من يوم يولد موضوعتان على الأرض مثل رجليه، مثل مؤخرتيه، لكن أنا أقول دائماً وأبداً بهذه المناسبة حين المناقشة، أنا أسأل سؤالاً وأرجو أن