«الفتح» لأبي داود، وهو وهم! وقال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم»، ووافقه الذهبي، وهو وهم أيضاً؛ وإنما هو حديث حسن فقط، ليس صحيحاً، ولا على شرط مسلم - كما بيناه مراراً -.
وأما الترمذي؛ فأعلَّه بأن رواه سفيان بن عيينة وغيرُ واحد عن سُمي عن النعمان ابن أبي عَيّاش عن النبي ﷺ نحو هذا. ثم قال: «وكأن هؤلاء أصح من رواية الليث». وعلق عليه القاضي أحمد شاكر بقوله: «لماذا؟ ! هؤلاء رَوَوُا الحديث عن سُمي عن النعمان مرسلاً، والليث بن سعد رواه عن سُمي عن أبي صالح عن أبي هريرة موصولاً؛ فهما طريقان مختلفان يؤيد أحدهما الآخر ويعضُده. والليث بن سعد: ثقة حافظ حجة، لا نتردد في قبول زيادته وما انفرد به؛ فالحديث صحيح». انتهى.
وأقول: هذا كلام صحيح متين؛ لو أن الاختلاف في وصله وإرساله كان بين الليث وبين سفيان وغيره - كما هو ظاهر كلام الترمذي، وعليه مشى القاضي المذكور -، ولكن الواقع أن الاختلاف هو بين محمد بن عجلان وبين سفيان؛ فإن الليث إنما رواه عن سُمي بواسطة ابن عجلان - كما رأيت -، وإذ الأمر كذلك؛ فمحمد بن عجلان ليس بالقوي إذا خولف؛ فالصواب في الحديث أنه مرسل؛ كما رواه سفيان بن عيينة.
وقد أخرجه البيهقي «٢/ ١١٧»، ثم قال: «وكذلك رواه سفيان الثوري عن سُمَي عن النعمان». ثم قال: «قال البخاري: وهذا أصح بإرساله».
فالحديث - إذن - معلول، فيُحذف من الكتاب، ويُذكر في التعليق على سبيل التنبيه.
قلت: فلذا؛ أثبتناه كما أراد الشيخ ﵀ (١).
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٧٥٧)]
стр. 1787
ضم القدمين حال السجود هل يلحق به ضم الركبتين ؟
السائل: لما يكون المصلي ساجداً كيف تكون حالة رجليه، هل يضمهما مع بعضيهما؟
الشيخ: نعم
السائل: بالنسبة الركبتين؟
الشيخ: لا شيء.
(الهدى والنور / ٥٦٤/ ٥٠: ١٥: ٠٠)
ركن الطُّمأنينة في السُّجود
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ١٠١، ١٠٢:
ويجب عليه أن يعتدل في سجوده، وذلك بأن يعتمد فيه اعتمادا متساويا على جميع أعضاء سجوده، وهي: الجبهة والأنف معا، والكفان، والركبتان، وأطراف القدمين.
ومن اعتدل في سجوده هكذا فقد اطمأن يقينا، والاطمئنان في السجود ركن أيضا.
وقال في أصل الصفة:
وكان ﷺ يأمر بإتمام الركوع والسجود، ويضرب لمن لا يفعل ذلك مَثَلَ الجائع؛ يأكل التمرة والتمرتين لا تغنيان عنه شيئاً. وكان يقول فيه: «إنه من أسوأ الناس سرقةً».
وكان يحكم ببطلان صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود - كما سبق
стр. 1788
تفصيله في «الركوع» -، «وأمر «المسيء صلاته» بالاطمئنان في السجود - كما تقدم في أول الباب».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٧٦٠)]
أذكارُ السُّجود
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ١٠٣:
ويقول فيه: «سبحان ربي الأعلى» ثلاث مرات أو أكثر.
وقال في أصل الصفة:
وكان ﷺ يقول في هذا الركن أنواعاً من الأذكار والأدعية، تارةً هذا، وتارةً هذا:
١ - سبحان ربي الأعلى «ثلاث مرات».
وكان - أحياناً - يكررها أكثر من ذلك.
وبالغ في تكرارها مرة في صلاة الليل حتى كان سجوده قريباً من قيامه، وكان قرأ فيه ثلاث سور من الطوال: «البَقَرَة» و «النِّسَاء» و «آلِ عِمْرَان»، يتخللها دعاءٌ واستغفارٌ - كما سبق في «صلاة الليل» -.
٢ - سبحان ربي الأعلى وبحمده «ثلاثاً».
٣ - «سُبُّوح، قُدُّوس، رب الملائكة والروح».
٤ - «سبحانك اللهم ربنا! وبحمدك، اللهم! اغفر لي».
وكان يكثر منه في ركوعه وسجوده؛ يتأول القرآن.
٥ - «اللهم! لك سجدت؛ وبك آمنت، ولك أسلمت، [وأنت ربي]، سجد وجهي للذي خلقه وصوَّره، [فأحسن صُوَرَه]، وشق سمعه وبصره، [فـ] تبارك الله
стр. 1789
أحسن الخالقين».
٦ - «اللهم! اغفر لي ذنبي كله، دِقّه وجِلَّه «١»، وأوله وآخره، وعلانيته وسره.
٧ - «سجد لك سوادي وخيالي، وآمن بك فؤادي، أبوء بنعمتك عليَّ، هذه يداي وما جَنَيْتُ على نفسي».
٨ - «سبحان ذي الجبروتِ، والملكوتِ، والكبرياءِ، والعظمة». وهذا - وما بعده - كان يقوله في صلاة الليل.
٩ - «سبحانك [اللهم! ] وبحمدك، لا إله إلا أنت».
١٠ - «اللهم! اغفر لي ما أسررتُ، وما أعلنتُ».
١١ - «اللهم! اجعل في قلبي نوراً، [وفي لساني نوراً]، واجعل في سمعي نوراً، واجعل في بصري نوراً، واجعل من تحتي نوراً، واجعل من فوقي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن يساري نوراً، واجعل أمامي نوراً، واجعل خلفي نوراً، [واجعل في نفسي نوراً]، وأعظم لي نوراً».
١٢ - «[اللهم! ] [إني] أعوذ برضاك من سخطك، و [أعوذ] بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أُحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك».
قوله: «أحسن الخالقين» أي: أتقن الصانعين، يقال لمن صنع شيئاً: خلقه، ومنه قول الشاعر: ولأنت تفري ما خلقت وبعـ. .. ضُ القوم يخلق ثم لا يفري قال القرطبي في «تفسيره» «١٢/ ١١٠»: «وذهب بعض الناس إلى نفي هذه اللفظة عن الناس، وإنما يضاف الخلق إلى الله تعالى.
وقال ابن جريج: إنما قال: ﴿أَحْسَنُ الخَالِقِينَ﴾؛ لأنه تعالى قد أذن لعيسى ﵊ أن يخلق. واضطرب بعضهم في ذلك. ولا تنفى اللفظة عن البشر في معنى الصنع، وإنما هي منفية بمعنى الاختراع والإيجاد من العدم».
قوله: «اجعل في قلبي نورا ... إلخ»: المراد بـ «النور»: إما الهداية والتوفيق للخير، وهذا يشمل الأعضاء كلها؛ لظهور آثاره في الكل، أو المراد: ظاهر النور.
стр. 1790
والمقصود أن يجعل الله تعالى له في كل عضو من أعضائه نوراً يوم القيامة، يستضيء به في تلك الظلم ومن تبعه. والله أعلم. سندي.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٧٦١)]
النهيُ عن قراءة القرآن في السُّجود واستحباب الاستكثار من الدعاء فيه
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ١٠٤، ١٠٧:
ويستحب أن يكثر الدعاء فيه، فإنه مظنة الإجابة.
ولا يجوز أن يقرأ القرآن وهو ساجد.
وقال في أصل الصفة:
وكان ﷺ ينهى عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، ويأمر بالاجتهاد والإكثار من الدعاء في هذا الركن - كما مضى في «الركوع» - وكان يقول: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد؛ فأكثروا الدعاء [فيه]».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٧٧١)]
هل يبدأ المصلي في سجوده بالتسبيح أم بالدعاء
مداخلة: [المصلي في سجوده] يبدأ بالدعاء، أم بتسبيحات السجود؟
الشيخ: التسبيحات هي الواجبة، وما سوى ذلك ليس الأولى، هي الواجبة، أما الدعاء فهو أمر مرغوب فيه مستحب، فيبدأ بالواجب، ثم يثني بالمستحب.
(الهدى والنور/٦٦٤/ ٤٢: ٣٦: ٠٠)
стр. 1791
هل ورد دعاء (رب اعط نفسي تقواها) في أدعية السجود
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:
قوله: «٣ - وعن عائشة أنها فقدت الرسول ﷺ من مضجعه فلمسته بيدها وهو ساجد وهو يقول: «رب أعط نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها» رواه أحمد».
قلت: وإسناده ضعيف لأن فيه «المسند» ٦/ ٢٠٩ صالح بن سعيد لم يرو عنه غير نافع بن عمر فهو في عداد المجهولين وإن وثقه ابن حبان
والصحيح عن عائشة في هذا الباب النوع ٥ و ٦ مما في الكتاب.
والدعاء المذكور صحيح ثابت عنه ﷺ مطلقا غير مقيد بالسجود وكذلك أخرجه مسلم ٨/ ٨١ في حديث لزيد بن أرقم في دعائه ﷺ الذي كان يدعو به.
[تمام المنة ص (٢٠٨)]
هل ورد دعاء: اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي .. في السجود
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:
قوله: ٧ - وكان ﷺ يقول وهو ساجد: «اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني ... ».
قلت: هكذا ذكره المؤلف دون عزو لأحد وكأنه تبع في ذلك ابن القيم حيث أورده كذلك في «زاد المعاد» ولا أعتقد أن أحدا رواه هكذا من أدعية السجود ولم أجد أحدا أورده فيها غير ابن القيم وأعتقد أنه من أوهامه ﵀ فقد أخرج الحديث الشيخان في «صحيحيهما» من حديث أبي موسى الاشعري عن النبي ﷺ أنه كان يدعو بهذا الدعاء. فذكره بتمامه إلا أنه قال: «أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير» بدل قوله: «أنت إلهي لا إله إلا أنت» هكذا أخرجاه مطلقا غير
стр. 1792
مقيد بالسجود وقد قال الحافظ في شرحه ١١/ ١٦٤: «لم أر في شيء من طرقه محل الدعاء بذلك».
وقد جاء القسم الأخير منه من حديث علي مقيدا بما بعد السلام وفي رواية: «بين التشهد والتسليم» وقد ذكره المؤلف في محله ص ٣٢١.
وفي الباب أذكار وأدعية أخرى تجدها في «صفة الصلاة» ص ١٥٣ - ١٥٦.
[تمام المنة ص (٢٠٩)]
إطالةُ السُّجود
وكان ﷺ يجعل سجوده قريباً من الركوع في الطُّول، وربما بالغ في الإطالة لأمر عارض؛ كما قال بعض الصحابة: «خرج علينا رسول الله ﷺ في إحدى صلاتي العشي [الظهر والعصر] وهو حامل حسناً أو حسيناً، فتقدم النبي ﷺ ، فوضعه [عند قدمه اليمنى]، ثم كبر للصلاة، فصلى، فسجد بين ظهرانَيْ صلاته سجدة أطالها، قال: فرفعت رأسي [من بين الناس]؛ فإذا الصبي على ظهر رسول الله ﷺ وهو ساجد، فرجعت إلى سجودي، فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة؛ قال الناس: يا رسول الله! إنك سجدت بين ظهرانَيْ صلاتك [هذه] سجدة أطلتها؛ حتى ظَنَنّا أنه قد حدث أمر، أو أنه يوحى إليك! قال: «كل ذلك لم يكن؛ ولكن ابني ارتحلني، فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته».
وفي حديثٍ آخر: «كان ﷺ يصلي؛ فإذا سجد؛ وثب الحسن والحسين على ظهره، فإذا منعوهما؛ أشار إليهم أن دعوهما، فلما قضى الصلاة؛ وضعهما في حِجْرِه، وقال: «من أحبني؛ فَلْيُحِبَّ هذين».
قوله: «بعض الصحابة»: هو شَدّاد بن الهَاد ﵁.
«بين ظهراني صلاته» أي: في أثناء صلاته.
«قد حدث أمر» كناية عن الموت، أو المرض.
стр. 1793
«ارتحلني» أي: اتخذني راحلة بالركوب على ظهري.
«فكرهت أن أعجله»: من التعجيل، أو الإعجال.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٧٧٢)]
جعل السجود قريبًا من الركوع في الطول
ويجعل سجوده قريبا من ركوعه في الطول كما تقدم.
[تلخيص صفة الصلاة فقرة ١٥٥].
فضل السجود
وكان ﷺ يقول: «ما من أمتي من أحد إلا وأنا أعرفه يوم القيامة».
قالوا: وكيف تعرفهم يا رسول الله! في كثرة الخلائق؟ قال: «أرأيت لو دخلت صِيَرة فيها خيل دُهم بُهم، وفيها فرسٌ أغرُّ مُحَجَّلٌّ؛ أما كنت تعرفه منها؟ ».
قال: بلى.
قال: «فإن أمتي يومئذٍ غُرٌّ من السجود، محجَّلون من الوُضوء».
«الصِّيَرة»: حظيرة تتخذ للدواب من الحجارة، وأغصان الشجر، وجمعها «صِيَر» - كما في «النهاية». والمعنى: مجتمع فيها خيل.
«دهم» «دُهم»: جمع أدهم، وهو: الأسود.
«بُهم»: جمع بهيم، وهو في الأصل: الذي لا يخالط لونَه لونٌ سواه. - كما في «النهاية» -.
وفي «القاموس»: «والبهيم: الأسود، وما لا شية فيه من الخيل - للذكر والأنثى- والنعجة السوداء، والخالص الذي لم يَشُبْهُ غيره».
стр. 1794
«أغرّ» من الغرة، وهو: البياض الذي يكون في وجه الفرس.
«مُحَجّل» وهو: من الخيل الذي يرتفع البياض في قوائمه إلى موضع القيد، ويجاوز الأرساغ، ولا يجاوز الركبتين؛ لأنهما مواضع الأحجال وهي: الخلاخيل والقيود، ولا يكون التحجيل باليد واليدين، ما لم يكن معها رِجل أو رِجلان. «نهاية».
«غر» بضم المعجمة وشد الراء: جمع أغر؛ أي: ذو غرة.
«من السجود»؛ أي: من أثر السجود في الصلاة.
قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾.
«من الوضوء» أي: من أثر وضوئهم في الدنيا.
والمراد أنهم بِيْضُ مواضعِ السجود من الجبهة والأنف، وبِيْضُ مواضعِ الوضوء من الأيدي والأقدام .. استعار أثر الوضوء والسجود في الوجه، واليدين، والرجلين للإنسان من البياض الذي يكون في وجه الفرس، ويديه، ورجليه. اهـ. من «النهاية». بقليل من التصرف.
قال المناوي: «ولا تدافع بين هذا الحديث، وبين خبر الشيخين: «إن أمتي يدعون يوم القيامة غرّاً محجلين من آثار الوضوء».
وما ذاك إلا لأن المؤمن يُكسى في القيامة نوراً من أثر السجود، ونوراً من أثر الوضوء، نور على نور، فمن كان أكثر سجوداً أو أكثر وضوءاً في الدنيا؛ كان وجهه أعظم ضياء وأشد إشراقاً من غيره، فيكونون فيه على مراتب من عِظَمِ النور، والأنوار لا تتزاحم؛ ألا ترى أنه لو أدخل سراج في بيت؛ ملأه نوراً، فإذا أدخل فيه آخر ثم آخر؛ امتلأ بالنور من غير أن يزاحم الثاني الأول، ولا الثالثُ الثاني .. وهكذا. والوُضوء هنا بالضم، وجوّز ابن دقيق العيد الفتح على أنه الماء.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٧٧٤)]
стр. 1795
من فضائل السجود
ويقول: «إذا أراد الله رحمةَ من أراد من أهل النار؛ أمر الله الملائكة أن يُخْرِجوا من كان يعبد الله؛ فيخرجونهم، ويعرفونهم بآثار السجود، وحَرّمَ الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار، فكل ابن آدم تأكله النار؛ إلا أثر السجود».
قال النووي: «ظاهر هذا أن النار لا تأكل جميع أعضاء السجود السبعة التي يسجد الإنسان عليها. وهكذا قاله بعض العلماء، وأنكره القاضي عياض ﵀ وقال: والمراد بأثر السجود: الجبهة خاصة. والمختار: الأول. فإن قيل: قد ذكر مسلم بعد هذا مرفوعاً: «إن قوماً يخرجون من النار يحترقون فيها، إلا دارات الوجوه».
فالجواب أن هؤلاء القوم مخصوصون من جملة الخارجين من النار بأنه لا يسلم منهم من النار إلا دارات الوجوه، وأما غيرهم؛ فيسلم جميع أعضاء السجود منهم؛ عملاً بعموم هذا الحديث، فهذا الحديث عام، وذلك خاص، فيعمل بالعام إلا ما خص. والله أعلم».
«وفيه: أن عصاة المصلين لا يخلدون في النار، وكذلك لو كان الموحِّد تاركاً للصلاة كسلاً؛ فإنه لا يخلد؛ صح ذلك، فانظر «الصحيحة» «٣٠٥٤»».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٧٧٦)]
السُّجودُ على الأرضِ والحَصِير
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ١٠٦:
ويجوز السجود على الأرض، وعلى حائل بينها وبين الجبهة، من ثوب، أو بساط، أو حصير، أو نحوه.
وقال في أصل الصفة:
стр. 1796
وكان يسجد على الأرض كثيراً.
استخرجنا ذلك مما اشتهر واستفاض: أن مسجده ﷺ لم يكن مفروشاً بالبسط، أو الحصر؛ كما يدل عليه أحاديث كثيرة جداً. [ثم ساق الإمام الأحاديث].
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٧٨٠)]
بسط الثوب والسجود عليه لشدة الحر
«وكان أصحابه يصلون معه في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدهم أن يمكن جبهته من الأرض؛ بسط ثوبه، فسجد عليه». وكان يقول: « ... وجعلت الأرض كلها لي ولأمتي مسجداً وطَهوراً، فأينما أدركَتْ رجلاً من أمتي الصلاةُ؛ فعنده مسجده، وعنده طهوره، [وكان مَنْ قبلي يعظمون ذلك؛ إنما كانوا يصلون في كنائسهم وَبِيَعِهم]».
قوله: «مسجداً»: أي: موضع سجود؛ لا يختص السجود منها بموضع دون غيره.
«وطَهوراً»: بفتح الطاء، قال الحافظ: «استدل به على أن الطَّهور هو المطهر لغيره؛ لأن الطهور لو كان المراد به الطاهر؛ لم تثبت الخصوصية، والحديث إنما سيق لإثباتها، وقد روى ابن المنذر، وابن الجارود بإسناد صحيح عن أنس مرفوعاً: «جعلت لي كل أرض طيبة مسجداً وطهوراً».
ومعنى «طيبة»: طاهرة. فلو كان معنى «طهوراً»: طاهراً؛ للزم تحصيل الحاصل.
واستدل به على أن التيمم جائز بجميع أجزاء الأرض، وقد أكد ذلك بقوله: «كلها».
وقال السندي: «والمراد أن الأرض ما دامت على حالها الأصلية؛ فهي كذلك، وإلا؛ فقد تخرج بالنجاسة عن ذلك. والحديث لا ينفي ذلك.
стр. 1797
والحديث يؤيد القول بأن التيمم يجوز على وجه الأرض كلها، ولا يختص بالتراب.
ويؤيد أن هذا العموم غير مخصوص قولُه: «فأينما أدرك الرجلَ» بالنصب «الصلاةُ» بالرفع، وهذا ظاهر؛ سيما في بلاد الحجاز؛ فإن غالبها الجبال والحجارة، فكيف يصح أو يناسب هذا العموم إذا قلنا: إن بلاد الحجاز لا يجوز التيمم منها إلا في مواضع مخصوصة؟ ! فليتأمل».
ويؤيد أن الحديث على عمومه تيممُه ﷺ من الحائط، وهو في «الصحيحين».
ولذلك قال ابن دقيق العيد: «ومن خص التيمم بالتراب؛ يحتاج إلى أن يقيم دليلاً يخص به هذا العموم، أو يقول: دل الحديث على أنه يصلي، وأنا أقول بذلك، فيصلي على الحالة، وَيَرِدُ عليه حديث الباب، فإنه بلفظ: «فعنده مسجده، وعنده طهوره».
وقد ذهب إلى تخصيص التيمم بالتراب: العترةُ، والشافعي، وأحمد، وداود. وذهب مالك، وأبو حنيفة، وعطاء، والأوزاعي، والثوري إلى أنه يجزئ بالأرض وما عليها».
قلت: وهو مذهب ابن حزم في «المحلى» «٢/ ١٥٨ - ١٦١».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٧٨٣)]
السجود في طين وماء
وكان ربما سجد في طين وماء، وقد وقع له ذلك في صبح ليلة إحدى وعشرين من رمضان؛ حين أمطرت السماء، وسال سقف المسجد -وكان من جريد النخل- فسجد ﷺ في الماء والطين.
قال أبو سعيد الخدري: «فأبصرت عيناي رسول الله ﷺ انصرف وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٧٨٩)]
стр. 1798
الصلاة على الخمرة والحصير
وكان يصلي على الخُمْرة أحياناً، وعلى الحصير أحياناً.
وصلى عليه - مرةً -، وقد اسود من طول ما لُبِس.
«الخمرة» بضم الخاء المعجمة، وسكون الميم.
قال ابن الأثير في «النهاية»: «هي مقدارما يضع الرجل عليه وجهه في سجوده؛ من حصير، أو نسيجة خوص، ونحوه من النبات، ولا تكون خُمرة إلا في هذا المقدار، وسميت خُمرة؛ لأن خيوطها مستورة بسعفها». اهـ.
وفي «الفتح» «١/ ٣٤٢»: «وقال الخطابي: هي السجادة يسجد عليها المصلي. ثم ذكر حديث ابن عباس في الفأرة التي جرت الفتيلة حتى ألقتها على الخُمْرة التي كان النبي ﷺ قاعداً عليها. ففي هذا تصريح بإطلاق الخمرة على ما زاد على قدر الوجه».
قوله: «ما لبس»: فيه أن الافتراش يسمى لبساً، وقد استدل به على منع افتراش الحرير؛ لعموم النهي عن لبس الحرير. ولا يرد على ذلك أن من حلف لا يلبس حريراً؛ فإنه لا يحنث بالافتراش؛ لأن الأيمان مبناها على العرف. كذا في «الفتح».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٧٩٠)]
لا دليل على عدم جواز السجود على حائل متصل
«شكونا إلى رسول الله ﷺ الحر في جباهنا وأكفنا، فلم يشكنا». منكر بهذا التمام.
[قال الإمام]:
والخلاصة: أن ذكر الجباه والأكف في الحديث لا يصح. وبذلك تضعف حجة الرافعي وغيره من الشافعية الذين استدلوا بالحديث على أن السجود على حائل دون الجبهة لا يجزئ! وأما قول النووي عقب الحديث: «وقد اعترض بعضهم على
стр. 1799
أصحابنا في احتجاجهم بهذا الحديث لوجوب كشف الجبهة، وقال: هذا ورد في الإبراد! وهذا الاعتراض ضعيف؛ لأنهم شكوا حر الرمضاء في جباههم وأكفهم، ولو كان الكشف غير واجب لقيل لهم: استروها، فلما لم يقل ذلك؛ دل على أنه لا بد من كشفها»! ! فأقول: هذا التضعيف هو الضعيف، بل هو باطل، وبيانه من وجوه: الأول: أنه مبني على ثبوت ذكر الجبهة في الحديث؛ وهو غير ثابت؛ كما عرفته من التحقيق السابق، فسقط الاستدلال به من أصله. الثاني: أن الحديث لو كان الاستدلال به على ما ذكروا؛ للزمهم القول بوجوب السجود على الكفين دون حائل أيضاً؛ لأنهما قد ذكرا فيه مع الجبهة كما سبق!
وهم لا يقولون بذلك، على ما هو الصحيح عندهم، وهو المنصوص في عامة كتب الشافعي كما قال النووي «٣/ ٤٠٤». فثبت أن الحديث لا يدل على الوجوب المزعوم، وهذا على فرض ثبوته، فكيف وهو غير ثابت؟ ! الثالث: أنه ثبت عن أنس أنه قال: كنا إذا صلينا مع النبي ﷺ فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر مكان السجود. أخرجه الشيخان، والبيهقي «٢/ ١٠٦» -واللفظ له-.
وأما حمل الشافعية هذا الحديث على الثوب المنفصل عن المصلي - كما فعل البيهقي والنووي -؛ فهو ضعيف مخالف لظاهر قوله: طرف الثوب! لأن المتبادر منه أنه الثوب المتصل به؛ لا سيما وهم في المسجد وليس فيه قرش، مع أن الغالب من حالهم قلة الثياب، وأنه ليس لأحدهم إلا ثوبه المتصل به. الرابع: قال الحسن البصري: كان أصحاب النبي ﷺ يسجدون وأيديهم في ثيابهم، ويسجد الرجل منهم على عمامته. أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» «١/ ٢٦٦»، والبيهقي «٢/ ١٠٦». قلت: وهذا إسناد صحيح. وقول البيهقي: «يحتمل أن يكون أراد: يسجد الرجل منهم على عمامته وجبهته»! !
رده ابن التركماني بقوله: «قلت: هذه الزيادة من غير دليل: إذ لا ذكر للجبهة». وجملة القول؛ أنه لا دليل على عدم جواز السجود على حائل متصل؛ لا سيما والأدلة كثيرة جداً على جواز السجود على حائل منفصل، كالبساط والحصير ونحو ذلك؛ مما يفصل بين الجبهة والأرض، والتفرقة بين الحائل المتصل والحائل المنفصل من
стр. 1800
الثياب - مع أنه لا دليل عليه في النقل -؛ فهو مع ذلك مما لا يشهد النظر السليم بصحته؛ لأنه إن كان الغرض إنما هو مباشرة الأرض بالسجود مبالغة في الخضوع لله تعالى؛ فهو غير حاصل بالحائل المنفصل أيضاً. فإن قيل: إذا لم تثبت الزيادة المذكورة في الحديث؛ فما هو المقصود من الحديث بعد إسقاط الزيادة منه؟ والجواب: ما جاء في «النهاية» لابن الأثير - بعد أن ذكر الحديث -: «أي: شكوا إليه حر الشمس وما يصيب أقدامهم منه إذا خرجوا إلى صلاة الظهر، وسألوه تأخيرها قليلاً «فلم يشكهم»؛ أي: لم يجبهم إلى ذلك، ولم يزل شكواهم، يقال: أشكيت الرجل: إذا أزلت شكواه، وإذا حملته على الشكوى. وهذا الحديث يذكر في مواقيت الصلاة؛ لأجل قول أبي إسحاق - أحد رواته - وقيل له: في تعجيلها؟ فقال: نعم. والفقهاء يذكرونه في السجود؛ فإنهم كانوا يضعون أطراف ثيابهم تحت جباههم في السجود من شدة الحر، فنهوا عن ذلك»! ! كذا قال! ورده أبو الحسن السندي بقوله: «قلت: وهذا التأويل بعيد، والثابت أنهم كانوا يسجدون على طرف الثوب. وقال القرطبي: يحتمل أن يكون هذا قبل أن يأمرهم بالإبراد، ويحتمل أنهم طلبوا منه زيادة تأخير الظهر على وقت الإبراد، فلم يجبهم إلى ذلك. وقيل: معناه: فلم يشكنا؛ أي: لم يحوجنا إلى الشكوى، ورخص لنا في الإبراد. وعلى هذا يظهر التوفيق بين الأحاديث».
السلسلة الضعيفة (١٠/ ١/ ٣٥٨).
انتهى من التَشَهُّد، وتَذَكَّر أنه لم يسجد إلا سجدةً واحدة
مداخلة: إذا كان الواحد انتهى من التَشَهُّد، وتَذَكَّر أنه لم يسجد إلا سجدةً واحدة، ما يفعل؟
الشيخ: يسجد الثانية، ويتشهد من جديد وبعد ذلك يسجد سجود السهو.
(الهدى والنور / ٩٦/ ٦.: ٤.: ١.)
стр. 1801
الرفع من السجود
стр. 1802
الرَّفعُ مِنَ السُّجود ووجوب التكبير فيه
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ١٠٨:
ثم يرفع رأسه مكبرا، وهذا واجب.
وقال في أصل الصفة:
ثم كان ﷺ يرفع رأسه من السجود مكبراً. وأمر بذلك «المسيء صلاته»؛ فقال: «لا يتم صلاة لأحد من الناس حتى. .. يسجد، حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول: «الله أكبر». ويرفع رأسه حتى يستوي قاعداً».
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٧٩٨)]
رفع اليدين أحيانًا في تكبير الرفع من السجود
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ١٠٩: ويرفع يديه أحيانا.
وقال في أصل الصفة: وكان يرفع يديه مع هذا التكبير أحياناً.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٧٩٨)]
رفع اليدين عند الرفع من السجود سنة متروكة
زاد أبو داود في حديث وائل في صفة الصلاة: «وإذا رفع رأسه من السجود أيضًا رفع يديه»:
قال الألباني: وهذه زيادة هامة صحيحة، ولها شواهد كثيرة، فنلفت أنظار أهل السنة والمحبين العمل بها إلى إحيائها.
صحيح موارد الظمآن (١/ ٢٤١)
стр. 1803
الجلوس بين السجدتين
стр. 1804
الافتراش أو الإقْعَاءُ بن السَّجْدتين
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ١١١ - ١١٤:
ويفرش رجله اليسرى فيقعد عليها، وهذا واجب.
وينصب رجله اليمنى.
ويستقبل بأصابعها القبلة.
ويجوز الإقعاء أحيانا، وهو أن ينتصب على عقبيه وصدور قدميه.
وقال في أصل الصفة:
ثم «يفرش رجله اليسرى، فيقعد عليها [مطمئناً]» وأمر بذلك «المسيء صلاته»؛ فقال له: «إذا سجدت؛ فمكِّن لسجودك، فإذا رفعت؛ فاقعد على فَخِذك اليسرى»، وكان ينصب رجله اليمنى»، ويستقبل بأصابعها القبلة.
وكان أحياناً يُقعي؛ [ينتصب على عقبيه، وصدور قدميه].
وقَدْ سَها ابنُ القيم رحمه الله تعالى في «الزاد» «١/ ٨٥»؛ فقد قال - بعد أن ذكر افتراشه ﷺ بين السجدتين -: «لم يُحفظ عنه ﷺ في هذا الموضع جلسة غير هذه»! ولعله لم يستحضر حديث ابن عباس هذا حين كتابته ذلك، وإلا؛ فهو حديث صحيح حجة لا مطعن فيه، وقد عمل به غير ما واحد من السلف الصالح ﵃، وقال الترمذي: «وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث من أصحاب النبي ﷺ ؛ لا يرون بالإقعاء بأساً، وهو قول بعض أهل مكة من أهل الفقه والعلم».
قال: «وأكثر أهل العلم يكرهون الإقعاء بين السجدتين».
قلت: وحجة هؤلاء أحاديث وردت في النهي عن الإقعاء.
أخرج أكثرها البيهقي «٢/ ١٢٠»، - وكلها ضعيفة؛ كما قال النووي في «شرح
стр. 1805
مسلم» -، وبين عللها الشوكاني في «نيل الأوطار» «٢/ ٢٣٢»؛ حاشا حديثين منها؛ فإنه لم يتعرض لهما بقدح، بل ذكر عن: أحدهما: أنه حسن، وهو حديث أبي هريرة قال: نهاني رسول الله ﷺ عن ثلاث: عن نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب.
والآخر: حديث سَمُرة بن جُنْدُب قال: نهى رسول الله ﷺ عن الإقعاء في الصلاة.
فوجب تحقيق القول فيهما.
أما الأول: فقال في «المجمع» «٢/ ٧٩ - ٨٠»: «رواه أحمد، وأبو يعلى، والطبراني في «الأوسط» وإسناد أحمد حسن». كذا قال! وهو في «المسند» «٢/ ٢٦٥» من طريق محمد بن فُضَيل: ثنا يزيد بن أبي زياد: ثني من سمع أبا هريرة يقول: .. به.
ثم أخرجه «٢/ ٣١١» من طريق شَرِيك عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن أبي هريرة.
وهذا سند ضعيف، لا يحسُن تحسينه؛ فإن مداره على يزيد بن أبي زياد، وهو: مشهور بسوء الحفظ. وفي «التقريب»: «ضعيف. كبر؛ فتغير، وصار يتلقن، وكان شيعياً».
وقد اختلف عليه محمد بن فُضَيل وشريك؛ فلم يسم الأول شيخه. وسماه الآخر: مجاهداً.
وشريك: سيئ الحفظ أيضاً.
وقد تابعه عن مجاهد ليث بن أبي سُلَيم.
أخرجه البيهقي، وقال: «ليث: لا يحتج به». وفي «التقريب»: «صدوق، اختلط أخيراً، ولم يتميز حديثه؛ فترك» (١).
стр. 1806
وأما حديث سَمُرة: فأخرجه الحاكم «١/ ٢٧٢»، والبيهقي من طريق سعيد بن أبي عَرُوبة عن قتادة عن الحسن عنه.
وقال الحاكم: «صحيح على شرط البخاري». ووافقه الذهبي. كذا قالا! والحسن: هو البصري، وكان يدلس كثيراً - كما في «التقريب» -. وإنما روى له البخاري عن سمرة حديث العقيقة «٩/ ٤٨٧»، وفيه التصريح بسماعه من سمرة. فما لم يصرح بالسماع؛ فليس بحجة كهذا الحديث.
ولذلك ضعفه النووي - كما سبق -. والله أعلم.
تنبيه: عزا النووي حديث سَمُرة هذا لـ «مسند أحمد»، ولم أجده فيه، وانقلب اسم صحابيه على الشوكاني «٢/ ٢٣٢»، وتحرف عليه؛ فقال: جابر بن سمرة. فليعلم.
ثم إن هذه الأحاديث لو صحت؛ لا تعارض حديث ابن عباس وابن عمر ﵄؛ لأنها تنهى عن إقعاء خاص، وهو إقعاء الكلب، وصورته: أن يلصق أليتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض.
كذلك فسره علماء اللغة؛ ومنهم أبو عبيد فيما رواه البيهقي عنه. فهذا إقعاء غير الإقعاء الثابت في السنة، وبذلك يُجمع بين الأخبار - كما بينه البيهقي، وتبعه ابن الصلاح، والنووي، وغيرهم من المحققين -، وحينئذٍ فلا مبرر للقول بالنسخ - كما فعل الخطابي وغيره -.
قال النووي في «المجموع» «٣/ ٤٣٩»: «والنسخ لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع بين الأحاديث، وعلمنا التاريخ. ولم يتعذر هنا الجمع، بل أمكن - كما ذكره البيهقي -، ولم يعلم أيضاً التاريخ».
قال: «فالصواب الذي لا يجوز غيره: أن الإقعاء نوعان: أحدهما: مكروه، والثاني: سنة.
وأما الجمع بين حديثي ابن عباس وابن عمر، وأحاديث أبي حميد ووائل
стр. 1807
وغيرهما في صفة صلاة رسول الله ﷺ ووصفهم الافتراش على قدمه اليسرى؛ فهو أن النبي ﷺ كانت له في الصلاة أحوال؛ حال يفعل فيها هذا، وحال يفعل فيها ذاك، كما كانت له أحوال في تطويل القراءة، وتخفيفها، وغير ذلك من أنواعها، وكما توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثاً ثلاثاً، وكما طاف راكباً، وطاف ماشياً، وكما أوتر أول الليل وآخره وأوسطه وانتهى وتره إلى السَّحَر، وغير ذلك - كما هو معلوم من أحواله ﷺ وكان يفعل العبادة على نوعين - أو أنواع -؛ ليبين الرخصة والجواز بمرة أو مرات قليلة، ويواظب على الأفضل منها على أنه المختار والأولى.
فالحاصل: الإقعاء الذي رواه ابن عباس وابن عمر فعله النبي ﷺ على التفسير المختار، وفعل ﷺ ما رواه أبو حميد وموافقوه من الافتراش، وكلاهما سنة؛ لكن إحدى السُّنّتين أكثر وأشهر. وهي رواية أبي حميد؛ لأنه رواها وصدقه عشرة من الصحابة - كما سبق- ورواها وائل بن حُجر وغيره؛ وهذا يدل على مواظبته ﷺ عليها، وشهرتها عندهم، فهي أفضل وأرجح؛ مع أن الإقعاء سنة أيضاً.
فهذا ما يسر الله الكريم من تحقيق أمر الإقعاء، وهو من المهمات؛ لتكرار الحاجة إليه في كل يوم، مع تكرره في كتب الحديث، والفقه، واستشكال أكثر الناس له من كل الطوائف، وقد منَّ الله الكريم بإتقانه، ولله الحمد على جميع نعمه». انتهى كلامه ﵀.
[أصل صفة الصلاة (٢/ ٨٠١)]
سنية الافتراش أو الإقعاء بين السجدتين
قول عائشة: كان النبي ﷺ يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى وينهى عن عقبة الشيطان) رواه مسلم. صحيح.
стр. 1808
تنبيه: استدل المؤلف رحمه الله تعالى بالحديث على أن السنة في الجلوس بين السجدتين الافتراش, وحديث أبى حميد أصرح في الدلالة على ذلك ولفظه بعد أن ذكر السجدة الأولى:
«ثم ثنى رجله اليسرى وقعد عليها, ثم اعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه معتدلا». الحديث وقد تقدم تخريجه ولفظه برقم «٣٠٥». ومما ينبغي أن يعلم أن هناك سنة أخرى في هذا الموطن وهى سنة الإقعاء, وهو أن ينتصب على عقبيه وصدور قدميه فقد صح عن طاوس أنه قال: «قلنا لابن عباس في الإِقعاء على القدمين في السجود, فقال: هي السنة, فقلنا له: إنا لنراه جفاء بالرجل, فقال ابن عباس: بل هي سنة نبيك ﷺ ». أخرجه مسلم «٢/ ٧٠» وأبو داود «٨٤٥» والترمذى «٢/ ٧٣» والحاكم «١/ ٢٧٢» والبيهقى «٢/ ١١٩» وأحمد «١/ ٣١٣» وقال الترمذى: «حديث حسن صحيح» , وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث من أصحاب النبي ﷺ .
قلت: رواه ابن أبى شيبة «١/ ١١٢/١» عن جماعة من الصحابة وغيرهم, ورواه أبو إسحاق الحربى في «غريب الحديث» «٥/ ١٢/١» والبيهقى عن العبادلة الثلاثة عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير. وإسناده صحيح.
وبالجملة فالإقعاء بين السجدتين سنة كالافتراش, فينبغي الإتيان بهما, تارة بهذه, وتارة بهذه, كما كان رسول الله ﷺ يفعل. وأما أحاديث النهى عن الإقعاء فلا يجوز التمسك بها لمعارضة هذه السنة لأمور:
الأول: أنها كلها ضعيفة معلولة.
الثانى: أنها إن صحت أو صح ما اجتمعت عليه فإنها تنص على النهى عن إقعاء كإقعاء الكلب, وهو شيء آخر غير الإقعاء المسنون. كما بيناه في «تخريج صفة الصلاة».
الثالث: أنها تحمل على الإقعاء في المكان الذى لم يشرع فيه هذا الإقعاء المسنون, كالتشهد الأول والثاني, وهذا مما يفعله بعض الجهال فهذا منهى عنه قطعا
стр. 1809
لأنه خلاف سنة الافتراش في الأول, والتورك في الثاني على ما فصله حديث أبى حميد المتقدم والله أعلم.
[إرواء الغليل تحت حديث رقم (٣١٦)]
الإقعاء له صورتان: صورة منهي عنها وصورة ثابتة مشروعة
[قال الإمام]:
وأما النهي عن عقب الشيطان- وهو الإقعاء-؛ فقد ورد في النهي عنه أحاديث من رواية أبي هريرة، وعلي بن أبي طالب، وأنس بن مالك. وسمرة بن جندب، وقد خرجها الشوكاني في «نيل الأوطار» «٢/ ٢٣٢»، وبيَّن عللها. وهي- وإن كان كل منها على انفراده لا يخلو من مقال- فبعضها يقوي بعضاً، وقد صحح الحاكم منها حديث سمرة، ووافقه الذهبي. ليُعْلَمْ أن هذا الإقعاء المنهي عنه: هو غير الإقعاء على القدمين؛ فإن هذا ثابت مشروع.
صحيح سنن أبي داود (٣/ ٣٧٠) و (٤/ ٥٨)
صح عن النبي ﷺ الإقعاء بين السجدتين
قال الألباني: وقد صح عنه ﷺ الإقعاء بين السجدتين.
[مشكاة المصابيح ١/ ٢٨٤]
من السنن المتروكة وضع العقبين على الأليتين بين السجدتين
قال ابن عباس: «من السنة في الصلاة أن تضع أليتيك على عقبيك بين السجدتين».
[بوب له الإمام بقوله: سنة متروكة، ثم قال]:
стр. 1810
ففي الحديث وهذه الآثار دليل على شرعية الإقعاء المذكور، وأنه سنة يتعبد بها وليست للعذر كما زعم بعض المتعصبة، وكيف يكون كذلك وهؤلاء العبادلة اتفقوا على الإتيان به في صلاتهم، وتبعهم طاووس التابعي الفقيه الجليل وقال الإمام أحمد في «مسائل المروزي» «١٩»: «وأهل مكة يفعلون ذلك». فكفى بهم سلفا لمن أراد أن يعمل بهذه السنة ويحييها. ولا منافاة بينها، وبين السنة الأخرى، وهي الافتراش، بل كل سنة، فيفعل تارة هذه، وتارة هذه، اقتداء به ﷺ ، وحتى لا يضيع عليه شيء من هديه ﵊.
السلسلة الصحيحة (١/ ٢/ ٧٣٥).
سنية نصب اليمنى عند الرفع من السجود
[روي عن النبي ﷺ أنه قال]: «إذا رفعت رأسك من السجود فلا تقع كما يقعي الكلب، ضع أليتيك بين قدميك، وألزق ظاهر قدميك بالأرض». موضوع
[قال الإمام]:
وقوله: «وألزق ظاهر قدميك بالأرض» باطل مخالف لسنة نصب اليمنى كما هوظاهر.
السلسلة الضعيفة (٦/ ١٢٣).
الإقعاء بين السجدتين ثابت وهو الانتصاب على العقبين
[قال الإمام]:
والإقعاء بين السجدتين ثابت في السنة العملية؛ كما بينته في «صفة الصلاة» «ص ١٦٢ - الطبعة السابعة». وقد جاءت أحاديث يدل مجموعها على ثبوت النهي عن إقعاء كإقعاء الكلب؛ كما في الرواية الثانية؛ ومنها حديث أبي هريرة المخرج في «صفة الصلاة» «ص ١٦٧» فيحتمل على الإقعاء المشابه لإقعاء الكلب، فلا يشمل
стр. 1811
الإقعاء الثابت بين السجدتين؛ وهو الانتصاب على العقبين؛ لأنه ليس كإقعاء الكلب؛ فتنبه!
السلسلة الضعيفة (١٠/ ١/ ٣٢٩ - ٣٣٠).
ركنية الاطمئنان بين السجدتين
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ١١٠:
ثم يجلس مطمئنا حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، وهو ركن.
وكان ﷺ يطمئن حتى يرجع كل عظم إلى موضعه «١»، وأمر بذلك «المسيء صلاته»، وقال له: «لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك» «٢».
وكان يطيلها حتى تكون قريباً من سجدته «٣»، وأحياناً يمكث حتى يقول القائل: قد نسي.
قال ابن القيم «١/ ٨٥»: «وهذه السنة تركها أكثر الناس من بعد انقراض عصر الصحابة. ولهذا قال ثابت: وكان أنس يصنع شيئاً لا أراكم تصنعونه؛ يمكث بين السجدتين حتى نقول: قد نسي.
وأما من حكَّم السنة، ولم يلتفت إلى ما خالفها؛ فإنه لا يعبأ بما خالف هذا
الهدي».
[أصل صفة الصلاة (٣/ ٨٠٨)]
الأذكار بين السَّجدتين
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ١١٥، ١١٦:
ويقول في هذه الجلسة: «اللهم اغفر لي، وارحمني، واجبرني، وارفعني، وعافني، وارزقني».
стр. 1812
وإن شاء قال: «رب اغفر لي، رب اغفر لي».
وقال في أصل الصفة:
وكان ﷺ يقول في هذه الجلسة: ١ - «اللهم «وفي لفظ: رب! » اغفر لي، وارحمني، [واجبُرني]، [وارفعني]، واهدني، [وعافني]، وارزقني».
قال النووي عن: «واعلم أن هذا الدعاء مستحب باتفاق الأصحاب؛ قال الشيخ أبو حامد: لم يذكره الشافعي في هذا الموضع في شيء من كتبه، ولم ينفه.
قال: وهو سنة؛ للحديث المذكور».
قلت: قد قال به الشافعي - كما ذكره الترمذي -، ومن علم حجة على من لم يعلم؛ قال - بعد أن ساق الحديث -: «وبه يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق؛ يرون هذا جائزاً في المكتوبة والتطوع».
[أصل صفة الصلاة (٣/ ٨٠٩)]
دعاء آخر
وتارة يقول «رب اغفر لي، رب اغفر لي».
وقد روي ذلك عن علي ﵁، أنه كان يفعل ذلك.
أخرجه الطحاوي في «المشكل» «١/ ٣٠٨» من طريق عبد الرحمن بن زياد: ثنا زهير ابن معاوية عن أبي إسحاق عن علي بذلك. ثم قال الطحاوي: «ولا نعلم أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ سواه، ولا من تابعيهم ومن بعد تابعيهم إلى يومنا هذا ذهب إلى ذلك؛ غير بعض من ينتحل الحديث؛ فإنه ذهب إلى ذلك وقال به.
وهذا عندنا من قوله حسن، واستعماله إحياءٌ لسنة من سنن رسول الله ﷺ وإليه نذهب، وإياه نستعمل، وقد وجدنا القياس يشده؛ وذلك أنا رأينا الصلاة مبنية على أقسام: منها القيام؛ وفيه ذكر -وهو الاستفتاح، وما يقرأ بعده من القرآن - ثم
стр. 1813
الركوع؛ وفيه ذكر - وهو التسبيح - ثم الرفع من الركوع؛ وفيه ذكر - وهو: سمع الله لمن حمده، وما سوى ذلك مما يقوله بعض الأئمة من: «ربنا ولك الحمد» -، ثم السجود؛ وفيه ذكر - وهو التسبيح -، ثم قعدة بين السجدتين؛ وهي التي فيها الذي رويناه عن رسول الله ﷺ من سؤاله ربه الغفران مرتين، ثم جلوس فيه ذكر؛ وهو التشهد وما بعده؛ من الصلاة على رسول الله ﷺ ، والدعاء.
فكانت أقسام الصلاة كلها يستعمل فيها ذكر الله غير خالية من ذلك، غير القعدة بين السجدتين التي ذكرنا؛ فكان القياس على ما وصفنا: أن يكون حكم ذلك القسم أيضاً من الصلاة كحكم غيره من أقسامها، وأن يكون فيه ذكر لله ، كما كان من أقسامها. والله الموفق سبحانه». اهـ. ببعض تلخيص.
وقوله: «لا نعلم أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ سوى علي ﵁ ذهب إلى ذلك».
إن كان يعني خصوص هذا الدعاء؛ فلا كلام.
وإن كان يعني مطلق الدعاء بين السجدتين - كما يشير إلى ذلك سياق كلامه -؛ فليس كما قال؛ فقد روى ابن نصر «٧٦» عن أم سلمة ﵂: أنها كانت تقول بين الركعتين - يعني: السجدتين -: رب اغفر وارحم، واهد السبيل الأقوم.
ولكن مختصِره المقريزي اختصر إسناده؛ فلم يذكره ليُنظر فيه.
وقد اختار الدعاء بهذا الإمام أحمد، وقال إسحاق بن راهويه: «إن شاء قال ذلك ثلاثاً، وإن شاء قال: اللهم اغفر لي .. لأن كليهما يذكران عن النبي ﷺ بين السجدتين».
كذا في «مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه» رواية إسحاق المروزي «ص ١٩».
[أصل صفة الصلاة (٣/ ٨٠٩)]
стр. 1814
الأذكار السابقة كان يقولها النبي ﷺ في صلاة الليل ويقاس عليها الفرائض
وكان يقولهما في صلاة الليل.
كذلك جاء النص عنه ﷺ ، ولم أجد حديثاً في ذلك مطلقاً أو مقيداً بالفرائض، لكن النظر يقتضي استحباب ذلك فيها أيضاً؛ لعدم وجود الفارق بين النوافل والفرائض، ولما ذكرناه عن الطحاوي قريباً، وكذلك ذهب إلى ذلك من سبق ذكرهم من الأئمة - كما حكاه الترمذي -.
[أصل صفة الصلاة (٣/ ٨١٤)]
إطالة الجلسة بين السجدتين قريبا من السجدة
ويطيل هذه الجلسة حتى تكون قريبًا من سجدته.
[تلخيص الصفة فقرة ١١٧].
هل ثبت عن النبي ﷺ حديث صحيح من كيفية وضع اليدين في الجلوس بين السجدتين في الصلاة ؟
مداخلة: يقول: هل ثبت عن النبي ﷺ حديث صحيح من كيفية وضع اليدين في الجلوس بين السجدتين في الصلاة؟
الشيخ: ليس هناك أي حديث، وما عليه العمل اليوم هو من باب توارث المسلمين هذه الصفة بخاصة، وليس هناك حديث يوضح الأمر في كيفية وضع اليدين بين السجدتين، ولكن عمل المسلمين على وضعهما كما يفعلوا في التشهد ..
стр. 1815
مداخلة: هل يقاس عليه قضية وضع اليد بعد الركوع؟
الشيخ: هذا قياس مع الفارق؛ لأن الوضع الذي تسأل عنه ليس كالوضع الذي سألنا عنه آنفاً؛ لأن المسؤول عنه آنفاً ما ذكرنا أن على هذا عمل المسلمين دون خلاف بينهم، أما الوضع بعد رفع الرأس من الركوع فلا يعرف في ذلك بين المسلمين كعمل متفق عليه لا خلاف فيه، وإنما يقول به بعض العلماء اعتماداً منهم على بعض الأحاديث، وقد تكلمنا مفصلاً في عديد من المجالس أن مثل هذه الأحاديث التي يستدلون بعمومها لا تنهض لإثبات شرعية هذا الوضع بخصوصه.
(رحلة النور: ٢٤ ب/٠٠: ٣١: ٥٧)
حديث الإشارة بين السجدتين في الصلاة إثباتا أو نفيا
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك وأشهد أن محمدا عبده ورسوله
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا الله الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
أما بعد:
فقد جرى بحث في المسجد حول ما رأيتُ بعضهم يحرك إصبعه السبابة بين السجدتين فلما سألته عن مستنِدِه في ذلك أجاب بعضهم بأن هناك حديث ابن عمر الذي يقول: «إن النبي ﷺ ,كان إذا جلس في الصلاة أشار بالسبابة.»
стр. 1816
قلت له: نعم, هذا موجود.
وحجته هو: أن الجلوس هنا مطلق فيشمل كل جلوس سواء كان جلوس تشهد أو جلوس دعاءٍ بين السجدتين.
فأجبته: بأن حديث ابن عمر قد جاء بروايتين إحداهما مُطلقة والأخرى مُقيدة ويَصح أن نقول إنها مُبينة فإن اقتنعت بهذا, وإلا فراجع صحيح مسلم.
وها هو الآن قد جاء بصحيح مسلم وهو الذي ترونه بين يدي, والآن نُجري درسا عمليا فيه شيء من الفقه النافع -إن شاء الله- حتى يَتَمرس طلاب العلم على طريقة التطبيق والتوفيق بين النصوص فلا يأتون بعبادة لم تُنقل عن النبي ﷺ ولا عن أحد من السلف الصالح بناء على فهم لنص على إطلاقه أو على عمومه.
ولقد ذكرتُ في جلساتٍ مضت أن أي نص مطلق أو أي نص عام لم يجر العمل عند السلف الصالح بذاك المطلق أو بذاك الجزء من أجزاء النص العام فلا يجوز العمل به احتجاجا بذاك النص الذي لم يجر العمل به.
كنتُ ضربتُ على ذلك مثلا قوله ﵊ «صلاة الاثنين أزكى من صلاة الرجل وحده وصلاة الثلاثة أزكى من صلاة الرجلين» وهكذا, وبنيتُ على ذلك وضربت على ذلك مثلا:
لو دخل جماعة المسجد لصلاة السنة القَبْلية فتفرقوا كل يصلي لوحده فناداهم مناد -كل يصلي لوحده كما نشاهد اليوم- وهذا من السنة العملية المتوارثة خلفا عن سلف, فنادى منادٍ: «أيها الناس يد الله على الجماعة لا تتفرقوا في صلاتكم, اجتمعوا في صلاتكم يبارك لكم فيها وقال ﵇ كذا وكذا» ويجيب لك ما قال الحديث المذكور آنفا: «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده» فصلوا جماعة, فهل يكونون قد أصابوا السنة أم خالفوها؟
لقد بينتُ أن هذا مخالف السنة وإن كان عموم هذا الحديث يشمل هذه الجزئية منه, ولكن لمَاَّ لم يكن قد حرى العمل من السلف الصالح على هذه الجزئية بنفسها
стр. 1817
فلا يجوز العمل بها وإن كان عمومُ النص يشملها, هذه قاعدة مهمة جدا لا يتنبه لها كثير من أهل العلم والفضل فضلا عن من دونهم إلا إني والفضل لطلاب العلم, الآن عندنا ما يُشبه هذا المثال وهو مثال جديد.
هنا في صحيح مسلم على الهامش:
«باب سنة الجلوس أو بابٌ سنة الجلوس في الصلاة وكيفية وضع اليدين على الفخدين».
بهذه المناسبة أُذَكِّر والذكرى تنفع المؤمنين.
هذه الأبواب التي تجدونها تارة في النسخ القديمة من صحيح مسلم تجدونها على الهامش وفي الطبعات أو في بعض الطبعات الجديدة تجدون هذه الأبواب في صحيح مسلم هذا خطأ ناشئ عن خطأ وهو:
أن هذه الأبواب ليست من صنع الإمام مسلم, وإنما هي من فعل الإمام النووي ﵀ فلذلك إن وُضعت على الهامش فهو الحق وإذا وُضعت في صلب صحيح مسلم فهو الخطأ, لأننا إذا وضعناها في صلب صحيح مسلم أوهمنا القراء بأن هذه الأبواب إنما هي من صنيع مسلم المؤلف, وليس الأمر كذلك وليس لمسلم في كتابه المعروف بـ «الصحيح» إلا الكتب -كتاب الإيمان, كتاب الصلاة, كتاب الطهارة- وهكذا, أما التفاصيل التي جرى عليها أكثر المؤلفين في السنة فلم يجر عليها الإمام مسلم.
بعد هذه الملاحظة أو هذا التنبيه نقول:
قد روى مسلم في صحيحه بإسناده الصحيح من طريق عثمان ابن حكيم:
حدثني عامر بن عبد الله ابن الزبير عن أبيه قال: «كان رسول الله ﷺ إذا قعد في الصلاة جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه, وفرش قدمه اليمنى ووضع يده اليسرى على ركبته اليسرى, ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى, وأشار بإصبعه».
стр. 1818
الشاهد: أن بعضهم في هذا العصر يستدل بهذا الحديث على أن الإشارة بالإصبع تكون أيضا في مطلق الجلوس وبين السجدتين, لماذا؟ لأن ابن الزبير قال: «كان النبي ﷺ إذا قعد في الصلاة» , فأطلق الصلاة.
ثم يؤيد الإمام مسلم من طريق ابن عجلان:
عن عامر ابن عبد الله- هناك أرجو الإنتباه لأنه سيأتي التذكير بمسألة أخرى - في السند الأول يسوق إسناده إلى عثمان ابن حكيم, وهذا:
عن عامر ابن عبد الله ابن الزبير عن أبيه إلى آخره.
في السند الثاني: يسوق إسنادا آخر ومن طريق ابن عجلان عن عامر ابن عبد الله ابن الزبير, فقد التقى اثنان في رواية عن عامر ابن عبد الله ابن الزبير.
الأول: عثمان ابن حكيم.
والآخر هو: ابن عجلان وهو محمد ابن عجلان.
قال:
عن عامر ابن عبد الله عن ابن الزبير عن أبيه قال: «كان النبي ﷺ إذا قعد يدعو».
هنا كالرواية الأولى, إلا أن اللفظ اختلف والمعنى اتحد, ففي الرواية الأولى «جلس» وفي الرواية الأخرى «قعد».
فالرواية الأولى التي هي من طريقة عثمان ابن حكيم قال بلفظ «جلس» أما بطريق ابن عجلان فهو بلفظ كان إذا «قعد» , فإذن أطلق في كل من الروايتين أن الإشارة كانت في الجلوس في الصلاة.
لنتابع ما فعل الإمام مسلم بعد حديث ابن عبد الله ابن الزبير من طريق عثمان ابن حكيم وابن عجلان.
عن عامر ابن عبد الله ابن الزبير لقد ساقه من طريق نافع عن ابن عمر:
стр. 1819
أن النبي ﷺ : «كان إذا جلس في الصلاة» -أيضا هنا ذكر الجلوس وأطلقه -إلى آخره.
ثم ساق من طريق نافع أيضا, لكن الراوي هنا يختلف الرواي في الطريق الأولى
الطريق الأولى هي: عن عبيد الله ابن عمر عن نافع.
الطريق الأخرى هي: عن أيوب عن نافع عن ابن عمر: «أن رسول الله ﷺ كان إذا قعد في التشهد» -انتبهوا الآن- هنا جاءت زيادة في التشهد وبلفظ «قعد» كما تقدم في بعض الروايات السابقة, لكن في الروايات السابقة أطلق القعود, كما أطلق الجلوس والمعنى واحد كما هو واضح.
أما هنا فقال: «كان إذا قعد في التشهد وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى» إلى آخر ما تقدم.
ساق بعد ذلك طريقا أخرى بالمرة: عن ابن عمر يقول الرواي علي بن عبد الرحمن المعاوي أنه قال: «رآني عبد االله ابن عمر وأنا أعبث بالحصى في الصلاة فلما انصرف نهاني فقال: «اصنع كما كان رسول الله ﷺ يصنع» فقلت: وكيف كان رسول الله ﷺ يصنع؟ «كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليسرى .. » إلى آخره.
هكذا جاءت هذه الرواية الأخرى عن ابن عمر أطلقت هذا الجلوس أو هذا القعود بينما الرواية التي قبلها صرحت بأن هذا التحريك كان في القعود ولكن في التشهد, إذا ارتضينا الآن صحيح مسلم واستحضرنا هذه الروايات في أذهاننا لوجدنا ما ذكرنا أن روايةً من هذه الروايات قيدت الإشارة بالإصبع في الجلوس في التشهد هذا القيد هو الذي جاء أيضا في أحاديثَ أخرى من غير رواية ابن الزبير ومن غير رواية ابن عمر
كرواية وائل بن حجر المشهورة ففيها: «أن النبي ﷺ لما جلس في التشهد وضع اليسرى على فخذه اليسرى واليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعه وحلق
стр. 1820
بالإبهام والوسطى وأشار بالسبابة فرأيته يحركها يدعو بها».
هكذا جاءت الروايات الأخرى مقيدة للإشارة أو للتحريك بالتشهد وليس بالإطلاق.
هذا من حيث الرواية عن النبي ﷺ .
قلت آنفا وقد ضربتُ مثلا بنص أوضح من حيث العموم والشمول من هذا الحديث الذي أطلق الجلوس والقعود ولكنه جاء مقيدا بالتشهد,
ضربتُ مثلا لقوله عليه وسلم: «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده».
فهل يصح لنا أن نستدل بهذا العموم على أن نصلي السنن جماعة؟
الجواب: لا, ما هو السبب؟ مع أن الحديث واضح الدلالة: «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده».
الجواب: لا, لأن السلف لم يجر عملهم على هذا الفهم لهذه الجزئية من هذا العموم, كذلك الأمر ها هنا, لم يجر عمل السلف على تحريك الإصبع بين السجدتين وإن جاء هذا النص المطلق فالنص المطلق هنا كالنص العام هناك.
هنا قال: «إذا جلس» وهناك قال: «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده»
لم نعمل بهذا العموم هنا لِما ذكرته آنفا, وهو عدم جريان عمل السلف عليه, وكذلك نقول في مثل هذه الأحاديث أنه يُوفَّق بينها, ولا يُجعل كل حديث يعطي حكما آخر غير ما أعطاه الآخر أيضا وإنما نوفق بين الأحاديث ونخرج منها بنتيجة هي نتيجة واحدة أن التحريك المطلق في بعض الروايات كما سمعتم: «كان إذا جلس» أو «قعد» هو مقيد بقوله: «في التشهد» هذا الذي أردت بيانه بمناسبة ما جرة من البحث حول حديث ابن عمر هذا.
شيء آخر ..
стр. 1821
لَفَتُّ نظركم إلى أن حديث ابن الزبير قد جاء من طريقين اثنين في صحيح مسلم:
الطريق الأولى: عثمان ابن حكيم عن عامر ابن عبد الله ابن الزبير عن أبيه.
الطربق الأخرى: عن ابن عجلان عن عامر ابن عبد الله ابن الزبير.
في الحديث كما هو معلوم الإشارة بالإصبع, ولم يذكر في هذا الحديث تصريحا نفيا للتحريك الذي جاء في حديث وائل ولا إثبات, وإنما قال: «أشار» وكما شرحنا في بعض الجلسات قديما وحديثا أيضا أن:
إشارته ﵇ في رواية هذا الصحابي عبد الله ابن مسعود لا تنفي التحريك ولسنا الآن في هذا الصدد,
وإنما أردت أن أبين بأن الإمام أبا داود السجستاني قد روى الحديث, حديث ابن الزبير من الطريق الثاني طريق ابن عجلان بلفط «أشار بإصبعه ولا يحركها» , فهذا نص صريح لو ثبت بأن الإشارة لا تعني التحريك, لأن أبا داود ﵀ قد صرح في روايته بأن ابن الزبير رأى الرسول يشير ولا يحرك.
الآن هنا بحث حديثي محض تطبيق لما قد تقرؤونه في علم المصطلح مما يُسمى بالحديث الشاذ أو بالحديث المنكر, نجد هاهنا روايتين: عن عامر ابن عبد الله ابن الزبير.
الرواية الأولى: رواية عثمان ابن حكيم.
الرواية الأخرى: رواية ابن عجلان.
هاتان الروايتان في صحيح مسلم متفقتان على عدم ذكر «ولا يُحركها» على عدم ذكر زيادة «ولا يحركها» هذه الزيادة التي رواها أبو داود في سننه عن ابن عجلان عن عامر.
ماحكم هذه الزيادة؟
стр. 1822
نقول:
أولا: ابن عجلان حديثه مرشح لأدنى مناسبة للتضعيف, لماذا؟ لأنه كان في حفظه شيء من الضعف ولذلك فالعلماء الذين يقوون حديثه لا يرفعونه إلى مرتبة الحديث الصحيح وإنما يحكمون بحسنه فقط, والحكم على حديث الرجل بالحسن ملازم للحكم على راويه بشيء من الضعف.
إذ الأمر كذلك فنحن نجد هنا تعارضا في محلين:
الأول: أن أبا داود خالف مسلما في هذه الزيادة عن ابن عجلان, فمسلم لما ذكر رواية ابن عجلان لم يزد فيها «وكان لا يحركها» الآن يجب المقابلة بين رواية مسلم وبين رواية أبي داود, كلنا يعلم -إن شاء الله-بأن الإمام مسلم يتفوق على الإمام أبي داود من حيث أن كتابه قد خصه بالصحيح, أما أبو داود فلم يفعل ذلك ولذلك يقول السيوطي في أرجوزته في ألفية الحديث:
يروي أبو داود أقوى ما وجد ثم الضعيف إذا غيره فقد
فأبو داود ليس كمسلم فضلا عن أنه ليس كالبخاري من حيث تخصيص كتابه بالثابت من الحديث, ليس كذلك، وهذا معروف حتى أودع هذا الإمام السيوطي في أرجوزته فقال كما سمعتم آنفا:
يروي أبو داود أقوى ما وجد ثم الضعيف إذا غيره فقد
أما الإمامان البخاري ومسلم فلا يرويان في صحيحيهما إلا ما صح عندهما عن رسول الله ﷺ , باستثناء البخاري فيما يرويه معلقا فهذا فيه ما يصح وما لا يصح وهذ له مجال آخر لبيانه.
فإذن أول ما ينغي أن نتنبه الاختلاف بين مسلم فلم يرو هذه الزيادة وبين أبي داود فرواها
هنا ينبغي أن يأخذ الطالب انتباها خاصا, لماذا لم يرو الإمام المسلم هذه الزيادة ورواها أبو داود في السنن؟
стр. 1823
البيان سيأتي فيما بعد وقد أشرت إلى شيء منه. .
ابن عجلان وسط في الرواية حَسَن الحديث فقط أما عثمان ابن حكيم فهو ثقة وإذا خالف مثل ابن عجلان ذلك الثقة كان حديثه شاذا لأنه مخالفة من هو أوثق منه وهذه المخالفة هي باعتبار رواية أبي داود خلاف رواية عثمان ابن حكيم وليس باعتبار رواية ابن عجلان في صحيح مسلم لأن مسلما لم يرو هذه الزيادة, هذا شيء ثاني.
وشيء ثالث: أن الذين رووا الحديث من طريق ابن عجلان عن عامر ابن عبد الله ابن الزبير عن أبيه, كلهم رووا الحديث عن ابن عجلان كما رواه كل من رواه عن عثمان ابن حكيم ليس فيها زيادة «وكان لا يحركها» إلا هذه الرواية الواحدة الفريدة في سنن أبي داود فلو تركنا الآن المقابلة التي أجريناها آنفا بين رواية عثمان ابن حكيم ورواية ابن عجلان التي في سنن أبي داود بزيادة «وكان لا يحركها» وقلنا أن هذه الزيادة فيها مخالفة لرواية عثمان ابن حكيم, إذا تركنا هذه المقابلة الدالة على شذوذ رواية أبي داود عن ابن عجلان بزيادة «ولا يحركها» ندع الآن هذه المقابلة وهي كافية لإثبات ضعف وشذوذ زيادة «وكان لا يحركها»، ونأتي إلى الطرق التي جاءت عن ابن عجلان فنجد فيها ما يأتي:
كل الطرق التي وردت عن ابن عجلان لم تذكر هذه الزيادة سوى طريق واحد فحينئذ تُصبح هذه الزيادة شاذة باعتبار آخر وهو رواية الجماعة لهذا الحديث عن ابن عجلان دون زيادة وإنما رواها شخص واحد في سنن أبي داود فيكون هذا الشخص الواحد وهو ثقة قد خالف الثقات فيما رواه الحديث عن ابن عجلان دون هذه الزيادة, فتكون الزيادة بالنسبة للمقابلة الأولى شاذة بسبب مخالفة ابن عجلان لعثمان ابن حكيم وتكون الزيادة بالمقابلة الثانية شاذة باعتبار أنه تفرد بها ثقة واحد عن ابن عجلان مخالفا في ذلك الثقات الذين رووا الحديث عن ابن عجلان بدون هذه الزيادة, فتكون هذه الزيادة شاذة في أحسن أحوالها إن لم يُقل فيها إنها منكَرَة لأن الذي دار الاختلاف عليه هو ابن عجلان وليس ثقة بالاتفاق وإنما
стр. 1824
هو دون الثقة هو حسن الحديث كما ذكرتُ آنفا.
على المقابلة الأولى: ننسب الخطأ جزما إلى ابن عجلان لأنه خالفه من هو أوثق منه وهو عثمان بن حكيم.
على المقابلة الأخرى: نقول يمكن أن يكون الخطأ من ابن عجلان كما اقتضته المقابلة الأولى ويمكن أن يكون الخطأ من ذاك الراوي الثقة الذي رواه عن ابن عجلان هذه الزيادة وقد خالف الثقات الذين رووها الذين رووا الحديث عن ابن عجلان دون زيادة, يمكن أن يُقال هذا في المقابلة الثانية, يمكن أن يكون ابن عجلان هو وهم، ويمكن أن يكون الوهم من الفرد الذي زاد هذه الرواية في رواية ابن عجلان.
ما هو الراجح؟
نقول: الله أعلم, ذلك لأنه من المحتمل أن ابن عجلان بسبب ما كان في حفظه شيء من الضعف كان هو نفسه في أغلب الحديث يروي الحديث على الجادة وعلى الاستقامة دون هذه الزيادة, فتلقى الحديث عنه الرواة دونها فأصاب هو وأصابوا هم.
ويمكن أنه كان أحيانا يُحدث بها وذلك بسبب ضعفه فتلقى هذه الرواية منه ثقة وحينئذ على هذا الاحتمال يمكن أن يكون الخطأ من ابن عجلان كما اقتضت نسبة الخطأ إليه المقابلة الأولى بين رواية عثمان ابن حكيم وبين رواية ابن عجلان.
ولكن النفس تبقى مترددة في الجزم بأن الخطأ في المقابلة الثانية من ابن عحلان لأن الثقات خالفوا الثقة الذي روى عن ابن عجلان هذه الزيادة.
لكن نهاية المطاف أن هذه الزيادة لا يجوز تصحيحها وبالتالي لا يجوز ضرب حديث وائل ابن حجر بها بزعم أن هذا الإسناد ثابت وهو إسناد حسن
وأقول: نعم كل حديث يرويه ابن عجلان الأصل أن يُقال فيه حسن إلا إذا ثبت خطأ ابن عجلان في حديث ما فحينئذ يُحكم على حديثه بما يقتضيه.
стр. 1825
كذلك شأن كل راوٍ يكون فيه شيء من الضعف كابن إسحاق -مثلا- فحديثه كحديث ابن عجلان يحسن إلا إذا ثبت مخالفته لمن هو أوثق منه.
وعلى هذا إذا نظرنا وهنا الدقة الآن في تخريج الأحاديث، التخريج الذي انكب عليه الكثير من الشباب المسلم اليوم حين تيقظوا إلى أهمية علم الحديث والجرج والتعديل والتصحيح والتضعيف، فلمجرد أنهم يجرون نقدا موضعيا كمثل حديث ابن عجلان هذا ينظرون إلى من فوقه وينظرون إلى من دونه فيقولون هذا إسناد حسن دون أن يُدققوا النظر،
هل خالف من هو أوثق منه أولا, وهل اتفقت الروايات عنه بهذا اللفظ أو بهذه الزيادة ثانيا.
ومن هنا يتبين بأنه لا ينبغي لطالب العلم أن يتسرع فيحكم على الإسناد بالحسن بمجرد أن الرجال الذين جاء ذكرهم في هذا السند يقتضي الحكم على إسنادهم بالحسن فينبغي أن يُقابل بحثه الخاص بهذا الإسناد بالأحاديث الأخرى فقد يتبين له ما كان عليه خافيا.
وبهذا القدر كفاية في بيان هذه الناحية من حديث الإشارة بين السجدتين في الصلاة إثباتا أو نفيا.
(فتاوى جدة-موقع أهل الحديث والأثر- ١٤)
هل يشرع تحريك الإصبع بين السجدتين ؟
مداخلة: الإصبع اليمنى، يحركها في الجلسة بين السجدتين؟
الشيخ: ما صح هذا.
(فتاوى رابغ (٦) /٠٠: ٢٧: ٢٤)