Полный текст (8 195 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
لَفَتُّ نظركم إلى أن حديث ابن الزبير قد جاء من طريقين اثنين في صحيح مسلم:
الطريق الأولى: عثمان ابن حكيم عن عامر ابن عبد الله ابن الزبير عن أبيه.
الطربق الأخرى: عن ابن عجلان عن عامر ابن عبد الله ابن الزبير.
في الحديث كما هو معلوم الإشارة بالإصبع, ولم يذكر في هذا الحديث تصريحا نفيا للتحريك الذي جاء في حديث وائل ولا إثبات, وإنما قال: «أشار» وكما شرحنا في بعض الجلسات قديما وحديثا أيضا أن:
إشارته ﵇ في رواية هذا الصحابي عبد الله ابن مسعود لا تنفي التحريك ولسنا الآن في هذا الصدد,
وإنما أردت أن أبين بأن الإمام أبا داود السجستاني قد روى الحديث, حديث ابن الزبير من الطريق الثاني طريق ابن عجلان بلفط «أشار بإصبعه ولا يحركها» , فهذا نص صريح لو ثبت بأن الإشارة لا تعني التحريك, لأن أبا داود ﵀ قد صرح في روايته بأن ابن الزبير رأى الرسول يشير ولا يحرك.
الآن هنا بحث حديثي محض تطبيق لما قد تقرؤونه في علم المصطلح مما يُسمى بالحديث الشاذ أو بالحديث المنكر, نجد هاهنا روايتين: عن عامر ابن عبد الله ابن الزبير.
الرواية الأولى: رواية عثمان ابن حكيم.
الرواية الأخرى: رواية ابن عجلان.
هاتان الروايتان في صحيح مسلم متفقتان على عدم ذكر «ولا يُحركها» على عدم ذكر زيادة «ولا يحركها» هذه الزيادة التي رواها أبو داود في سننه عن ابن عجلان عن عامر.
ماحكم هذه الزيادة؟
стр. 1822
نقول:
أولا: ابن عجلان حديثه مرشح لأدنى مناسبة للتضعيف, لماذا؟ لأنه كان في حفظه شيء من الضعف ولذلك فالعلماء الذين يقوون حديثه لا يرفعونه إلى مرتبة الحديث الصحيح وإنما يحكمون بحسنه فقط, والحكم على حديث الرجل بالحسن ملازم للحكم على راويه بشيء من الضعف.
إذ الأمر كذلك فنحن نجد هنا تعارضا في محلين:
الأول: أن أبا داود خالف مسلما في هذه الزيادة عن ابن عجلان, فمسلم لما ذكر رواية ابن عجلان لم يزد فيها «وكان لا يحركها» الآن يجب المقابلة بين رواية مسلم وبين رواية أبي داود, كلنا يعلم -إن شاء الله-بأن الإمام مسلم يتفوق على الإمام أبي داود من حيث أن كتابه قد خصه بالصحيح, أما أبو داود فلم يفعل ذلك ولذلك يقول السيوطي في أرجوزته في ألفية الحديث:
يروي أبو داود أقوى ما وجد ثم الضعيف إذا غيره فقد
فأبو داود ليس كمسلم فضلا عن أنه ليس كالبخاري من حيث تخصيص كتابه بالثابت من الحديث, ليس كذلك، وهذا معروف حتى أودع هذا الإمام السيوطي في أرجوزته فقال كما سمعتم آنفا:
يروي أبو داود أقوى ما وجد ثم الضعيف إذا غيره فقد
أما الإمامان البخاري ومسلم فلا يرويان في صحيحيهما إلا ما صح عندهما عن رسول الله ﷺ , باستثناء البخاري فيما يرويه معلقا فهذا فيه ما يصح وما لا يصح وهذ له مجال آخر لبيانه.
فإذن أول ما ينغي أن نتنبه الاختلاف بين مسلم فلم يرو هذه الزيادة وبين أبي داود فرواها
هنا ينبغي أن يأخذ الطالب انتباها خاصا, لماذا لم يرو الإمام المسلم هذه الزيادة ورواها أبو داود في السنن؟
стр. 1823
البيان سيأتي فيما بعد وقد أشرت إلى شيء منه. .
ابن عجلان وسط في الرواية حَسَن الحديث فقط أما عثمان ابن حكيم فهو ثقة وإذا خالف مثل ابن عجلان ذلك الثقة كان حديثه شاذا لأنه مخالفة من هو أوثق منه وهذه المخالفة هي باعتبار رواية أبي داود خلاف رواية عثمان ابن حكيم وليس باعتبار رواية ابن عجلان في صحيح مسلم لأن مسلما لم يرو هذه الزيادة, هذا شيء ثاني.
وشيء ثالث: أن الذين رووا الحديث من طريق ابن عجلان عن عامر ابن عبد الله ابن الزبير عن أبيه, كلهم رووا الحديث عن ابن عجلان كما رواه كل من رواه عن عثمان ابن حكيم ليس فيها زيادة «وكان لا يحركها» إلا هذه الرواية الواحدة الفريدة في سنن أبي داود فلو تركنا الآن المقابلة التي أجريناها آنفا بين رواية عثمان ابن حكيم ورواية ابن عجلان التي في سنن أبي داود بزيادة «وكان لا يحركها» وقلنا أن هذه الزيادة فيها مخالفة لرواية عثمان ابن حكيم, إذا تركنا هذه المقابلة الدالة على شذوذ رواية أبي داود عن ابن عجلان بزيادة «ولا يحركها» ندع الآن هذه المقابلة وهي كافية لإثبات ضعف وشذوذ زيادة «وكان لا يحركها»، ونأتي إلى الطرق التي جاءت عن ابن عجلان فنجد فيها ما يأتي:
كل الطرق التي وردت عن ابن عجلان لم تذكر هذه الزيادة سوى طريق واحد فحينئذ تُصبح هذه الزيادة شاذة باعتبار آخر وهو رواية الجماعة لهذا الحديث عن ابن عجلان دون زيادة وإنما رواها شخص واحد في سنن أبي داود فيكون هذا الشخص الواحد وهو ثقة قد خالف الثقات فيما رواه الحديث عن ابن عجلان دون هذه الزيادة, فتكون الزيادة بالنسبة للمقابلة الأولى شاذة بسبب مخالفة ابن عجلان لعثمان ابن حكيم وتكون الزيادة بالمقابلة الثانية شاذة باعتبار أنه تفرد بها ثقة واحد عن ابن عجلان مخالفا في ذلك الثقات الذين رووا الحديث عن ابن عجلان بدون هذه الزيادة, فتكون هذه الزيادة شاذة في أحسن أحوالها إن لم يُقل فيها إنها منكَرَة لأن الذي دار الاختلاف عليه هو ابن عجلان وليس ثقة بالاتفاق وإنما
стр. 1824
هو دون الثقة هو حسن الحديث كما ذكرتُ آنفا.
على المقابلة الأولى: ننسب الخطأ جزما إلى ابن عجلان لأنه خالفه من هو أوثق منه وهو عثمان بن حكيم.
على المقابلة الأخرى: نقول يمكن أن يكون الخطأ من ابن عجلان كما اقتضته المقابلة الأولى ويمكن أن يكون الخطأ من ذاك الراوي الثقة الذي رواه عن ابن عجلان هذه الزيادة وقد خالف الثقات الذين رووها الذين رووا الحديث عن ابن عجلان دون زيادة, يمكن أن يُقال هذا في المقابلة الثانية, يمكن أن يكون ابن عجلان هو وهم، ويمكن أن يكون الوهم من الفرد الذي زاد هذه الرواية في رواية ابن عجلان.
ما هو الراجح؟
نقول: الله أعلم, ذلك لأنه من المحتمل أن ابن عجلان بسبب ما كان في حفظه شيء من الضعف كان هو نفسه في أغلب الحديث يروي الحديث على الجادة وعلى الاستقامة دون هذه الزيادة, فتلقى الحديث عنه الرواة دونها فأصاب هو وأصابوا هم.
ويمكن أنه كان أحيانا يُحدث بها وذلك بسبب ضعفه فتلقى هذه الرواية منه ثقة وحينئذ على هذا الاحتمال يمكن أن يكون الخطأ من ابن عجلان كما اقتضت نسبة الخطأ إليه المقابلة الأولى بين رواية عثمان ابن حكيم وبين رواية ابن عجلان.
ولكن النفس تبقى مترددة في الجزم بأن الخطأ في المقابلة الثانية من ابن عحلان لأن الثقات خالفوا الثقة الذي روى عن ابن عجلان هذه الزيادة.
لكن نهاية المطاف أن هذه الزيادة لا يجوز تصحيحها وبالتالي لا يجوز ضرب حديث وائل ابن حجر بها بزعم أن هذا الإسناد ثابت وهو إسناد حسن
وأقول: نعم كل حديث يرويه ابن عجلان الأصل أن يُقال فيه حسن إلا إذا ثبت خطأ ابن عجلان في حديث ما فحينئذ يُحكم على حديثه بما يقتضيه.
стр. 1825
كذلك شأن كل راوٍ يكون فيه شيء من الضعف كابن إسحاق -مثلا- فحديثه كحديث ابن عجلان يحسن إلا إذا ثبت مخالفته لمن هو أوثق منه.
وعلى هذا إذا نظرنا وهنا الدقة الآن في تخريج الأحاديث، التخريج الذي انكب عليه الكثير من الشباب المسلم اليوم حين تيقظوا إلى أهمية علم الحديث والجرج والتعديل والتصحيح والتضعيف، فلمجرد أنهم يجرون نقدا موضعيا كمثل حديث ابن عجلان هذا ينظرون إلى من فوقه وينظرون إلى من دونه فيقولون هذا إسناد حسن دون أن يُدققوا النظر،
هل خالف من هو أوثق منه أولا, وهل اتفقت الروايات عنه بهذا اللفظ أو بهذه الزيادة ثانيا.
ومن هنا يتبين بأنه لا ينبغي لطالب العلم أن يتسرع فيحكم على الإسناد بالحسن بمجرد أن الرجال الذين جاء ذكرهم في هذا السند يقتضي الحكم على إسنادهم بالحسن فينبغي أن يُقابل بحثه الخاص بهذا الإسناد بالأحاديث الأخرى فقد يتبين له ما كان عليه خافيا.
وبهذا القدر كفاية في بيان هذه الناحية من حديث الإشارة بين السجدتين في الصلاة إثباتا أو نفيا.
(فتاوى جدة-موقع أهل الحديث والأثر- ١٤)
هل يشرع تحريك الإصبع بين السجدتين ؟
مداخلة: الإصبع اليمنى، يحركها في الجلسة بين السجدتين؟
الشيخ: ما صح هذا.
(فتاوى رابغ (٦) /٠٠: ٢٧: ٢٤)
стр. 1826
هل يشرع تحريك الإصبع بين السجدتين
[قال الإمام]:
تنبيه: رأيت بعضهم يحرك إصبعه بين السجدتين وعمدته في ذلك أن ابن القيم ذكره في «زاد المعاد» كما ذكر التحريك في التشهد ولا أعلم له فيه مستندا سوى رواية شاذة في حديث وائل هذا فوجب تحرير القول في ذلك [ثم ساق الإمام تخريج الحديث ودلل على شذوذ الرواية].
[تمام المنة ص (٢١٤)]
الإشارة بالإصبع بين السجدتين
مداخلة: الإشارة بالإصبع بين السجدتين استدل بعض أهل العلم على تحريك الأصبع في الجلسة بين السجدتين بقاعدة أصولية وهي: أن ذكر بعض أفراد المطلق بحكم يوافق حكم المطلق لا يستلزم تقييده، وقالوا: أن المطلق هو الأحاديث التي جاءت عامة، كان إذا جلس في الصلاة فعل كذا وحركه .. فعل هذا وحركه، هذا هو المطلق، والمقيد: هو كان إذا جلس للتشهد فعل هكذا، فقالوا: إذاً لا يستلزم من ذكر بعض أفراد المطلق بحكم وافق حكم المطلق يستلزم تقييده، وهذه القاعدة نريد التوضيح بشأنها بعد أن عرفنا أنكم قد حكمتم على الزيادة الواردة في حديث أبي داود الطيالسي وغيره بأن زيادة: «ثم سجد» شاذة، فإذا عرفنا من الناحية الحديثية أنها شاذة، فكيف يجاب عن المسألة باستخدام القاعدة الأصولية المذكورة؟
الشيخ: القاعدة مسلمة لا كلام فيها لكن هذه لا تكون في حديث صحابي واحد اختلف فيه الرواة في روايته، فمنهم من أطلق ومنهم من قيد، فيجب ضم حينئذٍ كل هذه الألفاظ والروايات بعضها إلى بعض فنخرج بالنتيجة الأقرب كالصلاة التي تحدث بها الراوي الواحد الذي يقول: كان إذا جلس، لم يذكر للتشهد، هو ينسبه إلى ابن عمر مثلاً أو إلى عبد الله بن الزبير، والآخر الثقة الذي
стр. 1827
يقول: إذا جلس للتشهد، هو أيضاً ينسبه إلى ابن عمر ولا نستطيع نحن أن نقول: أن ابن عمر كان تارة يقول: إذا جلس مطلقاً ليعطي الإطلاق، وتارةً يقول: إذا جلس للتشهد لعيطي التقييد، لا يمكن أن يتصور في الراوي الواحد أنه روايتان وله مقصدان، تارة والإطلاق وهو عام وأشمل وتارة التقييد وهو خاص.
فالقاعدة السابقة إما يمكن أن تقال فيما إذا جاء حديثان أو نصان في القرآن الكريم عن الله ﵎ وفي قضية معينة حينئذٍ لا يمكن أن يقال: لا يحمل المطلق على المقيد، إما إذا قضية مختلفة إحداهما عن الأخرى كما هو مثلاً أظن مذكور كتب الأئمة أصول الفقه، أن في بعض الآيات: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] في بعض الآيات الآخرى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] فهنا لا يقال تلك تقيد بهذه، وإنما تلك تجرى على إطلاقها وهذه على قيدها لانفكاك المسألة إحداهما عن الأخرى، وهنا ليست المسألة كذلك أبداً أولاً، وثانياً: هي تدرو عن راوي واحد اختلف الرواة في ضبط هذا الحديث عنه، ومنهم من أكمل ومنهم من لم يكمل.
وهنا يدخل موضوع علم الحديث وزيادة الثقة مقبولة أو ليست مقبولة؛ لأنها خالفت روايات الثقات، لهذا لا يصح أن نقول بأن هذا الإطلاق يعمل على إطلاقه وذاك على قيده؛ لأن الموضوع موحد والراوي أيضاً واحد.
هذا ما عندي في هذه المسألة.
يؤيد ذلك: أننا لا نجد في كل الروايات أن أحد من السلف فهم هذا التفصيل الذي هو على غير بابه، أي: يعمل بالمطلق ويعمل بالمقيد، المطلق يجيز مثلاً التحريك بين السجدتين؛ لأنه قال: إذا جلس، من الذي كان يرفع أصبعه في الجلسة بين السجدتين من السلف؟ لا أحد، إنما نتتبع بعض الأحاديث التي شذ فيها الراوي وأخطأ يقيناً وذلك لا يتبين إلا بعد جمع الطرق وضم بعضها إلى بعض حينئذٍ سيخرج الباحث بنتيجة لا يشك فيها إطلاقاً أنها قضية واحدة.
من هنا يقول ابن القيم ﵀ في بعض الأمثلة، يقول مثلاً في صفة صلاة الخوف: قد جاء فيها نحو خمسة عشر نوعاً: صلاة الخوف .. صلاة الحرب ... ثم
стр. 1828
يقول: يستصفى من هذه الروايات نحو سبعة أنواع فقط، لماذا؟ لأنه يرى الراوي الواحد تختلف عنه الروايات بعضهم يزيد بعضهم ينقص فهو يجمع بين هذه الروايات ويجعلها نوعاً واحداً بينما غيره كلما رأى خلافاً على صحابي في صفة من هذه الصفات يجعلها هيئة مستقلة، هذا ما ليس من دقيق هذا العلم علم الحديث النبوي.
(رحلة النور: ٢٣ أ/٠٠: ٢٦: ١٧)
стр. 1829
السجدة الثانية والرفع منها
стр. 1830
السجدة الثانية، والرفع منها
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ١١٨ - ١٢١:
السجدة الثانية:
ثم يكبر وجوبا، ويرفع يديه مع هذا التكبير أحيانا، ويسجد السجدة الثانية، وهي ركن أيضا، ويصنع فيها ما صنع في الأولى.
وقال في أصل الصفة:
ثم كان يكبر ويسجد السجدة الثانية، «وأمر بذلك «المسيء صلاته»؛ فقال له بعد أن أمره بالاطمئنان بين السجدتين - كما سبق -: «ثم تقول: الله أكبر. ثم تسجد حتى تطمئن مفاصلك، [ثم افعل ذلك في صلاتك كلها]».
وكان ﷺ يرفع يديه مع هذا التكبير أحياناً.
وكان يصنع في هذه السجدة مثل ما صنع في الأولى، ثم «يرفع رأسه مكبراً». وأمر بذلك «المسيء صلاته»؛ فقال له بعد أن أمره بالسجدة الثانية - كما مر -: «ثم يرفع رأسه، فيكبر».
وقال له: «[ثم اصنع ذلك في كل ركعة وسجدة؛ ] فإذا فعلت ذلك؛ فقد تمت صلاتك، وإن انتقصت منه شيئاً؛ انتقصت من صلاتك».
وكان يرفع يديه أحياناً.
[أصل صفة الصلاة (٣/ ٨١٥)]
стр. 1831
جلسة الاستراحة وهيئتها وذكر الخلاف فيها
стр. 1832
جَلْسَةُ الاسْتِراحَةِ وهيئتها وذكر الخلاف فيها
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ١٢٢ - ١٢٤ تحت عنوان جلسة الاستراحة:
فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية، وأراد النهوض إلى الركعة الثانية كبر وجوبا.
ويرفع يديه أحيانا.
ويستوي قبل أن ينهض قاعدا على رجله اليسرى، معتدلا، حتى يرجع كل عظم إلى موضعه.
وقال في أصل الصفة:
ثم يستوي قاعداً على رجله اليسرى معتدلاً؛ حتى يرجع كل عظم الى موضعه.
قوله: «ثم يستوي قاعدًا»: هو من حديث مالك بن الحويرث؛ أنه كان يقول: ألا أحدثكم عن صلاة رسول الله ﷺ ؟ فيصلي في غير وقت الصلاة، فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية في أول ركعة؛ استوى قاعداً، ثم قام، فاعتمد على الأرض.
أخرجه الإمام الشافعي في «الأم» «١/ ١٠١»، والنسائي «١/ ١٧٣»، والبيهقي «٢/ ١٢٤ و ١٣٥» عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثَّقَفي عن خالد الحَذَّاء عن أبي قِلابة قال: كان مالك بن الحُويرث يأتينا فيقول: . .. به.
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
وقد تابعه هُشيم عن خالد - مختصراً - بلفظ: أنه رأى النبي ﷺ يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته؛ لم ينهض حتى يستوي قاعداً.
أخرجه البخاري «٢/ ٢٤٠»، وأبو داود «١/ ١٣٤»، والنسائي أيضاً، والترمذي «٢/ ٧٩»، والدارقطني «١٣٢»، وكذا الطحاوي، والبيهقي. وصححه الترمذي، والدارقطني.
стр. 1833
وقد أخرجه البخاري في «صحيحه» «٢/ ٢٤١»، وكذا البيهقي «٢/ ١٢٣» من طريق وهُيب عن أيوب عن أبي قِلابة قال: جاءنا مالك بن الحويرث، فصلى بنا في مسجدنا هذا، فقال: إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة؛ ولكن أريد أن أريكم كيف رأيت النبي ﷺ يصلي.
قال أيوب: فقلت لأبي قلابة: وكيف كانت صلاته؟ قال: مثل صلاة شيخنا هذا - يعني: عمرو بن سلمة -.
قال أيوب: وكان ذلك الشيخ يتم التكبير، وإذا رفع رأسه من السجدة الثانية؛ جلس، واعتمد على الأرض، ثم قام.
وقد تابعه حماد بن زيد عن أيوب نحوه بلفظ: كان إذا رفع رأسه من السجدة الأولى والثالثة التي لا يقعد فيها؛ استوى قاعداً، ثم قام.
أخرجه الطحاوي «٢/ ٤٠٥»، وأحمد «٥/ ٥٣ - ٥٤».
وهو صحيح أيضاً على شرطهما.
وفي الباب عن عشرة من أصحاب النبي ﷺ فيهم أبو حُمَيد الساعدي - وهو الآتي بعد هذا -.
وقد قال الترمذي -بعد أن ساق الحديث-: «والعمل عليه عند بعض أهل العلم. وبه يقول إسحاق، وبعض أصحابنا».
قلت: «وهذا الجلوس يعرف عند الفقهاء بـ «جلسة الاستراحة»»، وقد قال به الشافعي، وكذا داود، وعن أحمد نحوه؛ كما في «التحقيق» «١/ ١١١»، وهو الأحرى به؛ لما عرف عنه من الحرص على اتباع السنة التي لا معارض لها.
وقد قال ابن هانئ في «مسائله عن الإمام أحمد» «١/ ٥٧»: «رأيت أبا عبد الله «يعني: الإمام أحمد» ربما يتوكأ على يديه إذا قام في الركعة الأخيرة، وربما استوى جالساً، ثم ينهض».
وهو اختيار الإمام إسحاق بن راهويه؛ فقد قال في «مسائل المروزي» «١/ ١٤٧/٢»:
стр. 1834
«مضت السنة من النبي ﷺ أن يعتمد على يديه ويقوم؛ شيخاً كان أو شاباً».
وانظر «الإرواء» «٢/ ٨٢ - ٨٣».
واستحبه الإمام ابن حزم في «المحلى» «٤/ ١٢٤»، وهو الصواب؛ لعدم ثبوت ما يعارض هذه السنة، وكل ما جاء مما يخالفها لا يثبت؛ كما سنبين ذلك بحوله تعالى وقوته.
قوله: «على رجله اليسرى معتدلاً؛ حتى يرجع كل عظم الى موضعه» هو قطعة من حديث أبي حميد الساعدي ﵁.
أخرجه البيهقي «٢/ ١٢٣» وغيره. وقد سبق ذكره بطوله في «الركوع» [ص ٦٠٥].
ومنه تعلم أن إنكار الطحاوي «٢/ ٢٠٥» كون جلسة الاستراحة هذه واردة في حديث أبي حميد خطأٌ واضحٌ؛ فإنها فيه كما ترى، وقد نبه على ذلك الحافظ في «التلخيص» «٣/ ٤٨٨»، واستغرب النووي «٣/ ٤٤٤» ذلك من الطحاوي؛ وإنما اعتمد في إنكاره على روايةٍ في حديث أبي حميد.
أخرجها هو، وأبو داود «١/ ١١٧» من طريق عيسى بن عبد الله بن مالك عن محمد ابن عمروبن عطاء عن عياش بن سهل: أنه كان في مجلس فيه أبوه - وكان من أصحاب النبي ﷺ وفي المجلس أبو هريرة وأبو أسيد وأبو حُميد الساعدي والأنصار ﵃: أنهم تذاكروا الصلاة، فقال أبو حميد: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ ... فذكر الحديث. وفيه: أنه لما رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الأولى؛ قام، ولم يتورك.
قلت: والجواب: أن هذه الزيادة - وهي قوله: ولم يتورك - ضعيفة؛ لأنه تفرد بها عيسى بن عبد الله بن مالك، وهو مجهول -كما سبق في «الركوع» -.
على أنها لو ثبتت؛ لكان الأخذ بما يخالفها من إثبات هذه الجلسة - كما في الحديث الصحيح - أولى؛ لأنها مثبِتة، وهذه نافية، والمثبِت مقدم على النافي - كما
стр. 1835
تقرر في أصول الفقه -.
على أنه من الممكن الجمع بين الروايتين - على فرض تعادلهما في الصحة - بأن يقال: هذه الرواية نفت التورك، ولم تنف الافتراش الثابت في الرواية الأولى؛ فلا تعارض، وإن كان هذا الاحتمال بعيداً. والله أعلم.
هذا، وقد جاء ذكر هذه الجلسة في بعض طرق حديث «المسيء صلاته»: عند البخاري «١١/ ٣١».
لكن قد أشار هو نفسه إلى أن ذكرها فيه وهم من بعض الرواة، وصرح به البيهقي؛ كما في «الفتح» للحافظ، وقال في «التلخيص» «٣/ ٤٨٨»: «وهو أشبه».
واعلم أنه روي عنه ﷺ ما يخالف هذه السنة الصحيحة، فوجب التنبيه عليها؛ لئلا يغتر بها مغتر، فيقع في مخالفة هديه ﷺ .
فمنها: حديث وائل بن حجر: أن النبي ﷺ لما سجد؛ وقعت ركبتاه إلى الأرض قبل أن تقع كفاه، فلما سجد؛ وضع جبهته بين كفيه، وجافى عن إبطيه، وإذا نهض؛ نهض على ركبتيه، واعتمد على فخذيه.
أخرجه أبو داود وغيره، كما مضى في «السجود» [ص ٧١٦]، وذكرنا هناك أنه منقطع؛ لأنه من رواية عبد الجبار بن وائل عن أبيه، وقال النووي «٣/ ٤٤٦»: «حديث ضعيف؛ لأن عبد الجبار بن وائل اتفق الحفاظ على أنه لم يسمع من أبيه شيئاً، ولم يدركه».
ومنها: حديث أبي هريرة؛ قال: كان النبي ﷺ ينهض في الصلاة على صُدور قدميه.
أخرجه الترمذي «٢/ ٨٠» من طريق خالد بن إلياس عن صالح مولى التوأمة عنه.
وذكره البيهقي «٢/ ١٢٤» وقال: «وخالد بن إِلياس - ويقال: إياس -: ضعيف». وكذا قال الترمذي، وزاد: «عند أهل الحديث، وصالح مولى التوأمة: هو
стр. 1836
صالح بن أبي صالح، وأبو صالح: اسمه نبهان».
قلت: وهو ضعيف أيضاً؛ كان قد اختلط.
ومنها: عن معاذ بن جبل؛ في حديث له: وكان يمكّن جبهته وأنفه من الأرض، ثم يقوم كأنه السهم لا يعتمد على يديه.
قال الهيثمي «٢/ ١٣٥»: «وفيه الخَصِيب بن جَحْدَر، وهو كذاب».
فقد ظهر لك من هذا البيان أنه لا تصح هذه الهيئة المعارضة للهيئة الثابتة.
ومع ذلك؛ فقد اعتمد عليها ابن القيم في «الزاد» «١/ ٨٥ - ٨٦» وفي رسالة «الصلاة» «٢١٢»، ونفى أنه ﵊ كان يعتمد على يديه إذا نهض وأجاب - تبعاً للطحاوي وغيره - عن حديث مالك وأبي حُميد في جلسة الاستراحة: أنه ﵊ إِنما كان يفعل ذلك للحاجة حينما أسن وأخذه اللحم، وأنه لم يفعلها تعبداً وتشريعاً! وهذا ظن خاطئ، لا يجوز بمثله رد السنة الصحيحة؛ لاسيما إذا كان قد رواها جمع من الصحابة بلغوا بضعة عشر شخصاً؛ فكيف يجوز أن يخفى على هؤلاء الأجلة أنه ﷺ إنما فعل ذلك للحاجة لا للعبادة؛ لا سيما وفيهم مالك بن الحويرث ﵁ وهو الذي روى عنه ﷺ قوله له: «صلوا كما رأيتموني أصلي» -؛ مع العلم بأن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، فكيف يخفى ذلك على هؤلاء، ثم يعلمه مَنْ جاء مِنْ بعدهم بعدة قرون - مثل الطحاوي، وابن القيم -، ولا دليل لهم على ذلك ولا برهان سوى الظن ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾؟ ! وليس عجبي أن يسلك هذا السبيل مثلُ الطحاوي الذي نصب نفسه لتأييد مذهب أبي حنيفة -إلا نادراً- ولكن عجبي الذي لا ينتهي سلوك ابن القيم هذا السبيل وهو ناصر السنة، وحامل لوائها، ورافع رايتها! ولكن لا بد لكل جواد من كبوة؛ بل كبوات! ورحم الله إلإمام مالكاً حيث قال: ما منا من أحد إلا رادّ ومردود عليه؛ إلا صاحب هذا القبر ﷺ .
نعم؛ لقد احتج ابن القيم ﵀ على ترك الاعتماد على اليدين بحديث ذكره في رسالة «الصلاة» عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ نهى أن يعتمد الرجل على
стр. 1837
يديه إذا نهض في الصلاة.
ولكن قوله في هذا الحديث: إذا نهض. زيادة غير صحيحة؛ تفرد بها محمد بن عبد الملك الغزال، وهو كثير الخطأ.
فلا يجوزأن يعتمد عليها؛ لا سيما إذا خالفت ما ثبت من هديه ﷺ كما فعلنا ذلك في «التعليقات الجياد» -.
ولذلك ضعف هذه الزيادة النووي في «المجموع».
وهناك حجة أخرى ذكرها في «الزاد» عن الخلال، وهي من كلام أحمد ﵀، رواه ابنه عبد الله في «مسائله» فقال: سمعت أبي يقول: «إن ذهب رجل إلى حديث مالك بن الحويرث؛ فأرجو أن لا يكون به بأس».
قلت: ثم ذكر جلسة الاستراحة، قال: «وكان حماد بن زيد يفعله».
قال: «وأذهب أنا إلى حديث رفاعة بن رافع من طريق ابن عجلان: «ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم قم». اهـ.
ويعني الإمامُ ﵀ أن جلسة الاستراحة لم تذكر في حديث «المسيء صلاته».
وهذه أيضاً حجة غريبة؛ فليس هذا الحديث جامعاً لجميع سنن الصلاة وهيئاتها باتفاق العلماء، فإذا جاءت سنةٌ في حديث غيره؛ وجب الأخذ بها، لا ردها بحديث «المسيء صلاته» وكم من سنن - بل وواجبات - أخذ بها أحمد وغيره لم يرد ذكرها فيه، أفيجوز ردُّها لذلك؟ ! وقد قال الإمام النووي ﵀ «٣/ ٤٤٣»:
«والجواب عن حديث «المسيء صلاته»: أن النبي ﷺ إنما علّمه الواجبات دون المسنونات. وهذا معلوم سبق ذكره مرات».
قلت: وكأنه لوضوح ضعف هذه الحجة رجع عنها أحمد إلى حديث مالك بن الحويرث في جلسة الاستراحة - كما قال الخلال، على ما في «الزاد» «١/ ٨٥» -.
стр. 1838
وهذا من إنصاف الإمام أحمد ﵀ ورجوعه إلى الحق والصواب. ثم قال الإمام النووي: «وأما حديث وائل؛ فلو صح؛ وجب حمله على موافقة غيره في إثبات جلسة الاستراحة؛ لأنه ليس فيه تصريح بتركها، ولو كان صريحاً؛ لكان حديث مالك بن الحويرث وأبي حميد وأصحابه مقدماً عليه؛ لوجهين: أحدهما: صحة أسانيدها.
والثاني: كثرة رواتها.
ويحتمل أن يكون وائل رأى النبي ﷺ في وقت أو أوقات؛ تبياناً للجواز، وواظب على ما رواه الأكثرون.
ويؤيد هذا: أن النبي ﷺ قال لمالك بن الحويرث - بعد أن قام يصلي معه، ويتحفظ العلم منه عشرين يوماً، وأراد الانصراف من عنده إلى أهله -: «اذهبوا إلى أهليكم، ومروهم، وعلِّموهم، وصلوا كما رأيتموني أصلي».
وهذا كله ثابت في «صحيح البخاري» من طرق، فقال له النبي ﷺ هذا وقد رآه يجلس للاستراحة، فلو لم يكن هذا هو المسنون لكل أحد؛ لما أطلق ﷺ قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي».
وبهذا يحصل الجواب عن فرق أبي إسحاق المروزي بين القوي والضعيف، ويجاب به أيضاً عن قول من لا معرفة له: ليس تأويل حديث وائل وغيره بأولى من عكسه». ثم قال النووي: «واعلم أنه ينبغي لكل أحد أن يواظب على هذه الجلسة؛ لصحة الأحاديث فيها، وعدم المعارض الصحيح لها. ولا تغتر بكثرة المتساهلين بتركها؛ فقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾.
[أصل صفة الصلاة (٣/ ٨١٦)]
стр. 1839
مشروعية جلسة الاستراحة
«حديث أبى هريرة: «كان ينهض على صدور قدميه». ضعيف.
ومع ضعف هذا الحديث فقد خالفه حديثان صحيحان:
الأول: حديث أبى حميد الساعدى المتقدم «٣٠٥» وفيه بعد أن ذكر السجدة الثانية من الركعة الأولى: «ثم قال: الله أكبر, ثم ثنى رجله وقعد واعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه, ثم نهض».
الثانى: عن مالك بن الحويرث أنه كان يقول: ألا أحدثكم عن صلاة رسول الله ﷺ ؟ فصلى في غير وقت صلاة, فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية في أول ركعة, استوى قاعدا ثم قام فاعتمد على الأرض».
أخرجه الشافعى في «الأم» «١/ ١٠١» وابن أبى شيبة «١/ ١٥٨/١» والنسائى «١/ ١٧٣» والبيهقى «٢/ ١٢٤/١٣٥» والسراج «١٠٨/ ٢» عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفى عن خالد الحذاء عن أبى قلابة قال: كان مالك بن الحويرث يأتينا فيقول: فذكره.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
وأخرجه البخارى «١/ ٢١١» والبيهقى «٢/ ١٢٣» من طريق وهيب عن أيوب عن أبى قلابة قال: جاءنا مالك بن الحويرث فصلى بنا في مسجدنا هذا, فقال: إنى لأصلى بكم وما أريد الصلاة, ولكن أريد أن أريكم كيف رأيت النبى ﷺ يصلى, قال أيوب فقلت لأبى قلابة: وكيف كانت صلاته؟ قال: مثل صلاة شيخنا هذا يعنى عمرو بن سلمة, قال أيوب: وكان ذلك الشيخ يتم التكبير, وإذا رفع رأسه عن السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض ثم قام».
وقد تابعه حماد بن زيد عن أيوب به نحوه بلفظ: «كان إذا رفع رأسه من السجدة الأولى والثالثة التى لا يقعد فيها استوى قاعدا ثم قام».
стр. 1840
أخرجه الطحاوى «٢/ ٤٠٥» وأحمد «٥/ ٥٣ ـ ٥٤» وهو صحيح أيضا.
وتابعه هشيم عن خالد مختصرا بلفظ: «أنه رأى النبى ﷺ يصلى, فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوى قاعداً».
أخرجه البخارى وأبو داود «٨٤٤» والنسائى أيضا والترمذى «٢/ ٧٩» والطحاوى والدارقطنى «١٣٢» والبيهقى.
وقال الترمذى: «حديث حسن صحيح».
وصححه الدارقطنى أيضاً.
فائدة: هذه الجلسة الواردة في هذين الحديثين الصحيحين تعرف عند الفقهاء بجلسة الاستراحة, وقد قال بمشروعيتها الإمام الشافعى, وعن أحمد نحوه كما في «تحقيق ابن الجوزى» «١١١/ ١» , وأما حمل هذه السنة على إنها كانت منه ﷺ للحاجة لا للعبادة وأنها لذلك لا تشرع كما يقوله الحنفية وغيرهم فأمر باطل كما بينته في «التعليقات الجياد, على زاد المعاد» وغيرها, ويكفى في إبطال ذلك أن عشرة من الصحابة مجتمعين أقروا إنها من صلاة رسول الله ﷺ كما تقدم في حديث أبى حميد, فلو علموا أنه ﵇ إنما فعلها للحاجة لم يجز لهم أن يجعلوها من صفة صلاته ﷺ وهذا بين لا يخفى والحمد لله تعالى.
[إرواء الغليل تحت حديث رقم (٣٦٢)]
جلسة الاستراحة والاختلاف في حكمها
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:
ومن جلسة الاستراحة
قوله: «وقد اختلف العلماء في حكمها تبعا لاختلاف الأحاديث ونحن نورد ما لخصه ابن القيم في ذلك. .. » ثم ساقه.
стр. 1841
قلت: هذا يوهم أن في هذه المسألة أحاديث متعارضة وليس كذلك بل كل ما ورد فيها مثبت لها ولم يرد مطلقا أي حديث ينفيها غاية الأمر أنها لم تذكر في بعض الأحاديث وهذا لا يوجب الاختلاف المدعى وإلا للزم ادعاء مثله في كل سنة لم تتفق عليها الأحاديث وهذا لا يقول به أحد.
وقوله: «أن أبا أمامة سئل عن النهوض؟ فقال: على صدور القدمين على حديث رفاعة».
قلت: الظاهر من سياق هذا الكلام في «الزاد» أن المراد بـ «أبا أمامة» هو الإمام أحمد ﵀ ولم أجد في شيء من كتب التراجم أنه يكنى بأبي أمامة أو أن له ولدا يدعى أمامة.
ثم وجدت في هامش النسخة الهندية من «الزاد»: أن في نسخة: أبا عبد الله. فلعله الصواب.
ثم إن قوله: «على حديث رفاعة».
يعني به حديث رفاعة بن رافع قال عبد الله بن الإمام أحمد في مسائله ٨١/ ٢٨٦:
«سمعت أبي يقول: إن ذهب رجل إلى حديث مالك بن الحويرث - تقدم قريبا - فأرجوا أن لا يكون به بأس».
قلت: ثم ذكر جلسة الاستراحة قال: «وكان حماد بن زيد يفعله. قال:
وأذهب أنا إلى حديث رفاعة بن رافع من طريق ابن عجلان: ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم قم».
قلت: وهذا لا حجة فيه على نفي ما ثبت في حديث ابن الحويرث وغيره إذ غاية ما فيه أن الجلسة لم تذكر فيه وهي سنة وليست بواجب فكيف تذكر في حديث المسئ صلاته الذي علمه ﷺ فيه الواجبات دون السنن والمستحبات. راجع «المجموع» ٣/ ٤٤٣.
وكأنه لضعف هذه الحجة رجع الإمام أحمد ﵀ إلى العمل بحديث ابن
стр. 1842
الحويرث وهو الحق الذي لا شك فيه.
قوله: «وفي حديث ابن عجلان ما يدل على أنه كان ينهض على صدور قدميه».
قلت: إن كان يعني حديث ابن عجلان عن رفاعة المذكور في رواية عبد الله عن أحمد المتقدمة فليس فيها ما ذكر من النهوض ثم هو من تعليمه ﷺ للمسيء صلاته وليس من فعله ﷺ كما تقدم. وإن كان يعني غيره فلم أعرفه وعلى الأول فالعبارة مشكلة لأنها تفيد أن حديث رفاعة غير حديث ابن عجلان مع أنهما حديث واحد. فتأمل.
قوله أيضا: «وسائر من وصف صلاته ﷺ لم يذكر هذه الجلسة وإنما ذكرت في حديث أبي حميد ومالك بن الحويرث».
قلت: حديث أبي حميد فيه وصف صلاة النبي ﷺ وفيها الجلسة - بحضرة عشرة من أصحاب النبي ﷺ وفي آخر: قالوا: صدقت هكذا كان يصلي ﷺ .
أخرجه أصحاب السنن وغيرهم وهو مخرج في «الإرواء» ٣٠٥ فليس الحديث من رواية أبي حميد وابن الحويرث فقط كما يوهمه الكلام المذكور عن ابن القيم وإنما معهما عشرة آخرون من أصحاب رسول الله ﷺ الذين شاهدوا صلاته ﷺ وقليل من السنن يتفق على روايتها مثل هذا الجمع الغفير من الصحابة ﵃.
وإذ الأمر كذلك فيجب الاهتمام بهذه الجلسة والمواظبة عليها رجالا ونساء وعدم الالتفات إلى من يدعي أنه ﷺ فعلها لمرض أوسن لأن ذلك يعني أن الصحابة ما كانوا يفرقون بين ما يفعله ﷺ تعبدا وما يفعله لحاجة وهذا باطل بداهة.
قوله عن الإمام ابن القيم: «ولو كان هديه ﷺ فعلها دائما لذكرها كل واصف لصلاته».
قلت: هذا الكلام غريب جدا من مثل هذا الإمام فإن لازمه التهوين من شأن
стр. 1843
السنن كلها لأنه ليس فيها سنة يمكن أن يقال: «اتفق على ذكرها كل واصف لصلاته» يعلم ذلك من له عناية خاصة بتتبع السنن وطرقها ولا أدري - والله - كيف ينقل المؤلف هذا الكلام ويمر عليه دون أن يعلق عليه بشيء يدل على ما فيه من الخطأ مما يدل على ارتضائه له وموافقته عليه فانظر ما يلزمه من توهين السنن التي ساقها المؤلف في كتابه فإن وضع اليمين على الشمال مثلا ودعاء التوجه والاستعاذة والتأمين والقراءة والذكر في الركوع والذكر في السجود والصلاة على النبي ﷺ كل هذه السنن التسع لم يذكرها أبو حميد ومن معه من الصحابة في صفة صلاته ﷺ وكذلك لم يذكرها غيرهم أفيلزم من ذلك رد هذه السنن؟ اللهم لا ولذلك رد الحافظ قول ابن القيم هذا بقوله في «الفتح»:
«فيه نظر فإن السنن المتفق عليها لم يستوعبها كل واحد ممن وصف وإنما أخذ مجموعها من مجموعهم».
وذكر مثله الشوكاني ٢/ ٢٢٦ وهو الحق الذي لا ريب فيه.
قوله: «ومجرد فعله ﷺ لها لا يدل على أنها من سنن الصلاة إلا إذا علم أنه فعلها سنة فيقتدى به فيها. .. ».
قلت: قد علمنا أنه فعلها سنة وتشريعا من وجوه:
الأول: أن الأصل عدم العلة فمن ادعاها فعليه إثباتها.
الثاني: أن أحد رواة هذه السنة مالك بن الحويرث وهو راوي حديث: «صلوا كما رأيتموني أصلي». فحكايته لصفات صلاة رسول الله ﷺ داخلة تحت الأمر. انظر «الفتح» و «نيل الأوطار».
الثالث: أنه رواها جماعة من الصحابة كما تقدم في حديث أبي حميد ويستحيل عادة أن يخفى عليهم أنه إنما فعلها للحاجة لو كان الأمر كذلك ولو سلمنا بإمكان ذلك عادة فإنه لا يخفى على النبي ﷺ خفاء ذلك عليهم وحينئذ كان ينبههم على ذلك فإذ لم يكن شيء مما ذكرنا فهو دليل واضح على أنه إنما فعلها للعبادة لا
стр. 1844
للحاجة. والله هو الموفق.
[تمام المنة ص (٢١٠)]
هل جلسة الاستراحة سنة؟ وهل يتابع عليها الإمام ؟
السائل: [هل جلسة الاستراحة سنة؟ وهل يتابع عليها الإمام؟ ]
الشيخ: إذًا سؤالك له شقان: جلسة الاستراحة هل هي سنة؟ والشق الآخر: هل يخالف الإمام يأتي بها أم لا؟
أما الجواب عن الشق الأول فجلسة الاستراحة سنة، وينبغي أن لا يغتر ببحث العلامة ابن قيم الجوزية في كتابه زاد في هدي خير العباد في هذه المسألة حيث يذهب فيه إلى أن الرسول ﵇ فعل ذلك للحاجة، وليس تسنينًا وتشريعًا للناس، فإن هذا القول يباين ما ثبت في صحيح البخاري وفي غيره، أن أبا حميد الساعدي قال لأصحابه يومًا وهم جلوس في نحو عشرة: ألا أصلي لكم صلاة رسول الله ﷺ ؟ قالوا: لست بأعلمنا بصلاته، قال: بلى، قالوا: فاعرض، فوصف لهم صلاة الرسول ﵇ فحينما قام من السجدة الثانية إلى الركعة الثانية جلس هذه الجلسة ثم نهض، ثم أتم وصفه لصلاته ﵇ فكان جواب أصحابه الآخرين: صدقت، هكذا كانت صلاة رسول الله ﷺ .
ثم هناك حديث في صحيح البخاري من حديث مالك بن الحويرث، يقول: أن النبي ﷺ كان إذا كان في وتر من الصلاة قام معتمدًا على يديه، فهنا فيه إشعار بجلسة الاستراحة، أما الحديث الأول ففيه التصريح، والشاهد منه: كيف يصح أن يقال في فعل فعله الرسول ﵇ في الصلاة وشاهده منه أصحابه والأمر كما قال ﵇ في حديث آخر في غير هذه المناسبة: «الشاهد يرى ما لا يرى الغائب» ابن القيم أو غيره يعلل تعليل بعد سبعة قرون، أما أبو حميد الساعدي وأصحابه من الصحابة فهم يصفون ما رأوه بأم أعينهم فلو كان الرسول عليه
стр. 1845
السلام فعل ذلك للحاجة حينما بدن وأسن كما يقول بعض المتأخرين لم يخف ذلك على الصحابة المشاهدين لصلاته ﵇، لا سيما وأبو حميد الساعدي كأنه يتحدى أصحابه ليقول لهم: أنا أعرف بصلاة الرسول منكم، لكن مع ذلك صدقوه، قالوا له: صدقت هكذا كانت صلاة رسول الله ﷺ .
فحينئذٍ من الوضوح بمكان أن الصحابة إذا نقلوا لنا صفة الصلاة وفيها جلسة الاستراحة ولو كان الرسول فعل ذلك للحاجة لسن كانوا فهموا ذلك أكثر من المتأخرين الذين لم يشهدوا صلاته ﵇، لذلك يؤكد الإمام النووي في كتابه العظيم: المجموع شرح المهذب أنه ينبغي الاعتناء بالمحافظة على هذه السنة لثبوتها عن النبي ﷺ عن أولئك الصحابة.
أما الشق الثاني من السؤال: فهو أن الإمام إذا كان لا يأتي بسنة جلسة الاستراحة فما يتأخر المقتدي عنه بل يتابعه؛ لأن متابعة الإمام واجب من واجبات الصلاة كما قال ﵊: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعين» وهذا حديث عظيم جدًا في تأكيد متابعة المقتدي للإمام ولو كان أخل ببعض السنن؛ لأن المتابعة أوجب من السنن فإن هذا الحديث قد أسقط فيه رسول الله ﷺ عن المقتدي ركن من أركان الصلاة ألا وهو القيام كما قال في القرآن: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] وكما قال ﵇ في صحيح البخاري من حديث عمران بن حصين: «صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب» هذا القيام الذي هو ركن من أركان الصلاة أسقطه الرسول ﵊ عن المقتدي لا لشيء إلا لمتابعته للإمام، فأولى أن يتابع فيما إذا ترك سنة من السنن.
هذا جواب الشق الثاني من السؤال.
(أسئلة وفتاوى الإمارات - ٢/ ٠٠: ٣٧: ٠٢)
стр. 1846
رد القول بأن النبي ﷺ إنما جلس للاستراحة لعلة المرض وكبر السن
قال الشيخ عن هذا الرأي: هم عللوا أن هذا لكبره وسنه، أنا أقول أن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، أصحاب الرسول ﵊، هم الذين نقلوا لنا صفة صلاة النبي ﷺ من أولها إلى آخرها، من ألفها إلى يائها هؤلاء هم الذين نقلوا لنا جلسة الاستراحة، وإذا كان حقاً وهو حديث صحيح: «الشاهد يرى ما لا يرى الغائب» والحديث الآخر: «ليس الخبر كالمعاينة» فهؤلاء الصحابة الذين عاينوا الرسول ﵇ ووصفوا لنا صلاته وخاصة حديث أبي حميد الساعدي الذي قال لجمهرة من أصحابه نحو العشرة: ألا أصلي لكم صلاة رسول الله ﷺ . قالوا له: لست بأعلم منا بصلاته. قال: بلى، قالوا: فاعرض، فكان من جملة ما عرض جلسة الاستراحة، ولما انتهى من العرض قالوا: صدقت، هكذا كانت صلاة رسول الله ﷺ فعجباً كيف يخفى على هذا الجمهور من الصحابة الذين تعمدوا أن يقدموا إلى من بعدهم صفة صلاة النبي ﷺ وفيما قدموا جلسة الاستراحة، فيقول المتأخرون أن الرسول ﷺ إنما فعل ذلك من أجل سِنِّه.
سبحان الله! أولاً يرد ما ذكره الأستاذ هنا، أنه فعل ذلك ثم بين لهم، ثانياً أن هؤلاء الأصحاب الحريصين على أن ينقلوا عبادة الرسول ﵇ حاشاهم أن ينقلوا في عبادته ما كان علة بسبب مرضه، ولذلك فأنا أرى أن من هدم السنة بعامة إعراض كثير من الفقهاء عن هذه السنة لذاك التعليل.
فهذا الذي أردت أن أُلفت النظر إليه، لعلكم تحققون قوله ﵊: «فليبلغ الشاهد الغائب».
(الهدى والنور / ٥٩٨/ ٣٠: ١٨: ٠٠)
стр. 1847
صفة جلسة الاستراحة
مداخلة: من ناحية الصلاة مثلاً في السجدة الأولى بعد السجدة الأولى في جلسة، وهناك السجدة الثانية بعد السجدة الثانية هناك وقوف، بين الوقوف والسجدة هناك جلسة؟
الشيخ: تقصد وقوف القيام؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: يعني بدل ما يرفع رأسه من السجدة الثانية إلى الركعة، هل هناك جلسة أم لا؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: نعم، هذه اسمها جلسة الاستراحة.
مداخلة: نعم.
الشيخ: جلسه خفيفة جداً، كإنسان وهم يريد أن يقعد للتشهد وتذكر فوراً.
مداخلة: نعم.
الشيخ: جلسة خفيفة، هذه سنة.
مداخلة: هناك دليل عليها يا شيخ.
الشيخ: الدليل في صحيح البخاري وسنن أبي داود وغيره.
(الهدى والنور / ٥٩٤/ ١٤: ٠١: ٠٠)
موضع التكبيرة بالنسبة لجلسة الاستراحة
مداخلة: أين يكون موضع التكبيرة بالنسبة لجلسة الاستراحة في الصلاة؟
стр. 1848
الشيخ: حينما يرفع رأسه من السجود، وقد لاحظت اليوم في السهرة أو في الدعوة أن أحد إخواننا السعوديين يرفع رأسه من السجود ويجلس جلسة الاستراحة ويقوم: الله أكبر، هذا خالف كل الأحاديث؛ لأنه كان يكبر حين يرفع، هذا رفع وجلس.
(الهدى والنور / ٧٩٣/ ٥٥: ٢٢: ٠٠)
стр. 1849
القيام إلى الركعة الثانية
стр. 1850
الاعتماد على اليدين في النُّهوض إلى الركعة على هيئة العاجن
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ١٢٥، ١٢٦:
ثم ينهض معتمدا على الأرض بيديه المقبوضتين كما يقبضهما العاجن إلى الركعة الثانية، وهي ركن، ويصنع فيها ما صنع في الأولى.
وقال في أصل الصفة:
ثم كان ﷺ ينهض - معتمداً على الأرض - إلى الركعة الثانية.
وكان يعجن في الصلاة: يعتمد على يديه إذا قام.
[أصل صفة الصلاة (٣/ ٨٢٤)]
حكم العجن في الصلاة وكيفيته
مداخلة: ما حكم العجن؟
الشيخ: العجن في الصلاة سُنّة: الاعتماد على الكفين، والاعتماد يحصل بأي كيفية، سواء على الكف أو على القبضة، لكن القبضة جاء فيها حديث، وبَيَّنا حسنه وثبوته في بعض كتبنا.
(الهدى والنور / ٨١/ ١٠: ١٦: . .)
الاعتماد على اليدين حال النهوض في الصلاة
حديث وائل بن حجر: «وإذا نهض نهض على ركبتيه واعتمد على فخذيه». رواه أبو داود «ص ٩٣». ضعيف.
فائدة: روى ابن أبى شيبة في «المصنف» «١/ ١٥٧» عن جماعة من السلف منهم ابن مسعود وعلى وابن عمر وغيرهم بأسانيد صحيحة أنهم كانوا ينهضون في
стр. 1851
الصلاة على صدور أقدامهم. فلعل ذلك كان في الجلسة التى يقعد فيها أعنى للتشهد, توفيقا بين هذه الآثار وبين حديث مالك بن الحويرث الذى ذكرته آنفا, فإنى لا أعلم في جلسة التشهد سنة ثابتة, ويؤيد ذلك أن ابن أبى شيبة روى «١/ ١٥٧/٢» عن ابن عمر أيضا «أنه كان يعتمد على يديه في الصلاة» وسنده صحيح أيضا, فهذا على وفق السنة, وما قبله على ما لا يخالفهما, والله أعلم.
[إرواء الغليل تحت حديث رقم (٣٦٣)]
السنة في القيام إلى الركعة الثانية هو الاعتماد
حديث أبي قلابة قال: «كان مالك بن الحويرث يأتينا فيقول: ألا أحدثكم عن صلاة رسول الله ﷺ ؟ فيصلى في غير وقت الصلاة، فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية في أول ركعة استوى قاعدا، ثم قام فاعتمد على الأرض». أخرجه الإمام الشفاعي في «الأم» «١/ ١٠١» والنسائي «١/ ١٧٣» والبيهقي «٢/ ١٢٤ - ١٣٥» بإسناد صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجه البخاري «٢/ ٢٤١» من طريق أخرى عن أبي قلابة نحوه. ففيه دلالة صريحة على أن السنة في القيام إلى الركعة الثانية إنما هو الاعتماد، أي باليد، لأنه افتعال من العماد، والمراد به الإتكاء وهو باليد كما في «الفتح» قال: «وروى عبد الرزاق عن ابن عمر أنه كان يقوم إذا رفع رأسه من السجدة معتمدا على يديه قبل أن يرفعهما»، قلت: وفيه عنده «٢٩٦٤، ٢٩٦٩» العمري وهو ضعيف، لكن الاعتماد فيه شاهد قوي سأذكره بإذن الله تحت الحديث الآتي برقم «٩٦٧». فقد ثبت مما تقدم أن السنة الصحيحة إنما هو الاعتماد على اليدين في الهو ي إلى السجود وفي القيام منه، خلافا لما دلت عليه هذه الأحاديث الضعيفة، فكان ذلك دليلا آخر على ضعفها.
السلسلة الضعيفة (٢/ ٣٣١ - ٣٣٢).
стр. 1852
ثبوت الاعتماد على الأرض عند القيام إلى الركعة الثانية
«نهى أن يعتمد الرجل على يده إذا نهض في الصلاة». منكر.
[قال الإمام]:
تنبيه: قد وقعت بعض الأوهام حول هذا الحديث لبعض العلماء، فرأيت من النصيحة التنبيه عليها: [فذكر الأول والثاني ثم قال]:
ثالثا: احتج بهذا الحديث الحنفية والحنابلة على أن المصلي لا يعتمد على يديه عند النهو ض من السجدة الثانية في الوتر من الصلاة، وأغرب من ذلك أن يتابعهم عليه العلامة ابن القيم في كتابه المفرد في «الصلاة» وذكر في «زاد المعاد» أنه ﷺ كان لا يعتمد على الأرض بيديه! وليس له في النفي مستند صحيح كما بينته في «التعلقات الجياد» «١/ ٣٨» بل هو معارض لظاهر حديث مالك بن الحويرث أنه كان يقول: ألا أحدثكم عن صلاة رسول الله ﷺ فصلى في غير وقت الصلاة، فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية في أول الركعة استوى قاعدا، ثم قام فاعتمد على الأرض. أخرجه النسائي «١/ ١٧٣» والشافعي في «الأم» «١/ ١٠١» والبيهقي «٢/ ١٢٤ و ١٣٥» بإسناد صحيح على شرط الشيخين، وهو عند البخاري «٢/ ٢٤١» نحوه.
أقول: فظاهر قوله «فاعتمد على الأرض» أي بيديه عند النهو ض، وقد قال السيد عبد الله الأمير «وعند الشافعي: واعتمد بيديه على الأرض». ولكني لم أجد هذه الزيادة «بيديه» عند الشافعي ولا عند غيره، وإن كان معناها هو المتبادر من الاعتماد، وفي «الفتح»: قيل يستفاد من الاعتماد أن يكون باليد، لأنه افتعال من العماد، والمراد به الاتكاء، وهو باليد، وروى عبد الرزاق عن ابن عمر أنه كان يقوم إذا رفع رأسه من السجدة معتمدا عى يديه قبل أن يرفعهما». قلت: تقدم بيان ضعف إسناده تحت الحديث «٩٢٩» لكني وجدت له شاهدا قويا موقوفا ومرفوعا يرويه حماد بن سلمة عن الأزرق بن قيس قال: رأيت ابن عمر إذا قام من الركعتين اعتمد على الأرض بيديه، فقلت لولده وجلسائه: لعله يفعل هذا من الكبر؟ قالوا لا
стр. 1853
ولكن هكذا يكون، أخرجه البيهقي «٢/ ١٣٥». قلت: وهذا إسناد جيد رجاله ثقات كلهم. فقوله: «هكذا يكون» صريح في أن ابن عمر كان يفعل ذلك اتباعا لسنة الصلاة، وليس لسن أو ضعف، وقد جاء عنه مرفوعا إلى النبي ﷺ . فأخرجه أبو إسحاق الحربي في «غريب الحديث» «٥/ ٩٨ / ... » عن الأزرق بن قيس: رأيت ابن عمر يعجن في الصلاة: يعتمد على يديه في الصلاة إذا قام، فقلت له: ؟ فقال: رأيت رسول الله ﷺ يفعله. قلت: وإسناده حسن، وهو هكذا: حدثنا عبيد الله «الأصل: عبد الله وهو خطأ من الناسخ» بن عمر حدثنا يونس بن بكير عن الهيثم بن عطية عن قيس بن الأزرق بن قيس به. قلت: وابنا قيس ثقتان من رجال الصحيح. والهيثم هو ابن عمران الدمشقي، أورده ابن حبان في «الثقات» «٢/ ٢٩٦» وقال: «يروي عن عطية بن قيس، روى عنه الهيثم بن خارجة». وأورده ابن حاتم في «الجرح والتعديل» «٤/ ٢ / ٨٢ - ٨٣» وقال: «روى عنه محمد بن وهب بن عطية، وهشام بن عمار، وسليمان بن شرحبيل».
قلت: ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، لكن رواية هؤلاء الثقات الثلاثة عنه ويضم إليهم رابع وهو الهيثم بن خارجة، وخامس وهو يونس بن بكير، مما يجعل النفس تطمئن لحديثه لأنه لوكان في شيء من الضعف لتبين في رواية أحد هؤلاء الثقات عنه، ولعرفه أهل الحديث كابني حبان وأبي حاتم زد على ذلك أنه قد توبع على روايته هذه كما تقدم قريبا من حديث حماد بن سلمة نحوه. والله أعلم. وأما يونس بن بكير وعبيد الله بن عمر، فثقتان من رجال مسلم، والآخر روى له البخاري أيضا وهو عبيد الله بن عمر بن ميسرة القواريري، ووقع في «التهذيب» «ابن عمرو» بزيادة الواو وهو خطأ مطبعي، وقد ذكر الخطيب في الرواة عنه من ترجمته «١٠/ ٣٢٠» إبراهيم الحربي هذا. وجملة القول: أن الاعتماد على اليدين عند القيام سنة ثابتة عن رسول الله ﷺ ، وذلك مما يؤكد ضعف هذا الحديث في النهي عن الاعتماد، وكذا الحديث الآتي بعده. «تنبيه»: لقد خفي حديث ابن عمر هذا المرفوع على الحفاظ الجامعين المصنفين كابن الصلاح والنووي والعسقلاني وغيرهم، فقد، فقد جاء في «تلخيص الحبير» «١/ ٢٦٠» ما نصه: «حديث ابن عباس: أن رسول الله ﷺ كان إذا قام في صلاته
стр. 1854
وضع يده على الأرض كما يضع العاجن، قال ابن الصلاح في كلامه على «الوسيط»: هذا الحديث لا يصح، ولا يعرف، ولا يجوز أن يحتج به، وقال النووي في «شرح المهذب»: هذا حديث ضعيف، أو باطل لا أصل له، وقال في «التنقيح»: ضعيف باطل». هذه هي كلماتهم كما نقلها الحافظ العسقلاني عنهم، دون أن يتعقبهم بشيء، اللهم إلا بأثر ابن عمر الذي عزاه في «الفتح» لعبد الرزاق، فإنه عزاه هنا للطبراني في «الأوسط»، فلم يقف على هذا الحديث المرفوع صراحة، مصداقا للقول المشهور: كم ترك الأول للآخر. فالحمد لله على توفيقه، وأسأله المزيد من فضله.
السلسلة الضعيفة (٢/ ٣٩١ - ٣٩٣)
ضعف ما جاء في أن النبي ﷺ كان يقوم من السجدة كالسهم لا يعتمد على يديه
«كان يمكن جبهته وأنفه من الأرض، ثم يقوم كأنه السهم لا يعتمد على يديه». موضوع.
قال الهيثمي «٢/ ١٣٥»: «رواه الطبراني في الكبير عن معاذ بن جبل وفيه الخصيب بن جحدر، وهو كذاب». قلت: وهذا الحديث مما يدل على كذبه، روى البخاري في «صحيحه» «١/ ٢٤١» عنه ﷺ : «أنه كان إذا رفع رأسه من السجدة الثانية جلس واعتمد على الأرض ثم قام». فهذا خلاف ما روى هذا الكذاب. وهذه الجلسة هي المعروفة بجلسة الاستراحة وهي سنة، وقد رواها بضعة عشر صحابيا عند أبي داود وغيره بسند صحيح، فلا التفات إلى من أنكر استحبابها وزعم أنه ﷺ إنما فعلها لحاجة أو شيخوخة! وأما تمكين الأنف والجبهة من الأرض، فثابت في غير ما حديث صحيح من فعله ﷺ وقوله، ولذلك أوردته في «صفة النبي ﷺ » مخرجا، فراجعه إن شئت «ص ١٤٩».
السلسلة الضعيفة (٢/ ٣٨).
стр. 1855
الركعة الثانية
стр. 1856
عدم قراءة دعاء الاستفتاح في الركعة الثانية
إلا أنه لا يقرأ فيها دعاء الاستفتاح [أي في الركعة الثانية].
[تلخيص الصفة فقرة ١٢٧].
هل هناك سكتة في الركعة الثانية قبل القراءة
وكان ﷺ إذا نهض في الركعة الثانية؛ استفتح القراءة بـ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ولم يسكت.
قال البيهقي: «وفيه دلالة على أنه لا سكتة في الركعة الثانية قبل القراءة، وهو حديث صحيح.
ويحتمل أنه أراد به أنه لا يسكت في الثانية، كسكوته في الأولى للاستفتاح».
قلت: وهذا الاحتمال هو الظاهر من الحديث عندنا إذا قابلناه بحديث أبي هريرة الآخر بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا كبر في الصلاة؛ سكت هنية. .. الحديث؛ وفيه: أنه ﷺ كان يقرأ في هذه السكتة: اللهم! باعد بيني وبين خطاياي. .. الحديث. وقد مضى [ص ٢٣٨].
فهذه السكتة - والله أعلم- هي المنفية في هذا الحديث.
وقد أشار إلى هذا الإمام مسلم في «صحيحه»؛ حيث ساق أولاً الحديث المشار إليه، ثم ساق بعده هذا الحديث.
وإسناد الحديثين واحد، فكأن أحدهما متمم للآخر؛ فالحديث نص في نفي مشروعية دعاء الاستفتاح، ولكنه لا ينفي مشروعية الاستعاذة.
وقد اختلف الفقهاء: هل هذا موضع استعاذة أم لا - بعد اتفاقهم على أنه ليس موضع استفتاح-؟ وفي ذلك قولان، هما روايتان عن أحمد، وقد بناهما بعض
стр. 1857
أصحابه على أن قراءة الصلاة: هل هي قراءة واحدة؛ فيكفي فيها استعاذة واحدة، أو قراءة كل ركعة مستقلة برأسها؟ قال ابن القيم في «الزاد» «١/ ٨٦»: «والاكتفاء باستعاذة واحدة أظهر؛ للحديث الصحيح عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ كان إذا نهض من الركعة الثانية؛ استفتح القراءة ولم يسكت.
وإنما يكفي استفتاح واحد؛ لأنه لم يتخلل القراءتين سكوت، بل تخللهما ذكر، فهي كالقراءة الواحدة إذا تخللها حمدُ اللهِ، أو تسبيح، أو تهليل، أو صلاة على النبي ﷺ ونحو ذلك».
كذا قال والظاهر خلاف ما استظهر، وأنه لا يكفي استعاذة واحدة؛ بل لابد من الاستعاذة في كل ركعة؛ قال الشيخ العلامة محمد حامد الفقي السلفي رئيس «جماعة أنصار السنة» في تعليقه على «المنتقى من أخبار المصطفى» «١/ ٤٣٤»: «والظاهر أنهما قراءتان؛ لطول الفصل بالركوع والسجود، وهي حركات كثيرة؛ فلكل ركعة تعوذ. وحديث أبي هريرة لا ينفي هذا؛ لأنه إنما نفى السكتة المعهودة عنده، وهي التي فيها الاستفتاح.
أما سكتة التعوذ والبسملة؛ فلطيفة جداً لا يحس بها المأموم؛ لاشتغاله بحركة النهوض للركعة.
وأيضاً: فإن كل ركعة معتبرة صلاة؛ ولذلك أوجبوا قراءة «الفَاتِحَة» لكل ركعة، فأولى أن تعتبر كذلك للتعوذ، وهذا الذي رجحه ابن حزم في «المحلى»، وهو الصواب».
قلت: واحتج ابن حزم «٣/ ٢٤٧» بعموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ وهو احتجاج صحيح لا شائبة فيه؛ قال الحافظ في «التلخيص» «٣/ ٣٠٦»: «وعموم هذه الآية يقتضي الاستعاذة في أول كل ركعة. وهو الذي استظهره الرافعي في «الشرح الكبير»؛ قال: وبه قال القاضي أبو الطيب الطبري، وإمام الحرمين، والرُّوياني وغيرهم».
قال النووي في «المجموع» «٣/ ٣٢٤»: «وهو المذهب».
стр. 1858
وقال في موضع آخر «٣/ ٣٢٦»: «وهو الأصح في مذهبنا».
قلت: وهو قول في مذهب علمائنا الحنفية تخريجاً؛ فقد قال أبو الحسنات اللكنوي.
[أصل صفة الصلاة (٣/ ٨٢٤)]
جعل الركعة الثانية أقصر من الأولى
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ١٢٨:
ويجعلها أقصر من الركعة الأولى.
وقال في أصل الصفة:
وكان يصنع في هذه الركعة مثل ما يصنع في الأولى؛ إلا أنه كان يجعلها أقصر من الأولى - كما سبق-.
[أصل صفة الصلاة (٣/ ٨٢٧)]
وجوبُ قراءة «الفَاتِحَة» في كُلِّ ركعةٍ
وقد أمر «المسيء صلاته» بقراءة «الفَاتِحَة» في كل ركعة؛ حيث قال له بعد أن أمره بقراءتها في الركعة الأولى: «ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» «وفي رواية: «في كل ركعة».
وقال: «في كل ركعة قراءة».
[أصل صفة الصلاة (٣/ ٨٢٨)]
стр. 1859
جلسة التشهد
стр. 1860
الافتراش في الصلاة الثنائية والتشهد الأول من الثلاثية والرباعية
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ١٢٩، ١٣٠:
فإذا فرغ من الركعة الثانية قعد للتشهد، وهو واجب.
ويجلس مفترشا كما سبق بين السجدتين.
وقال في أصل الصفة:
ثم كان ﷺ يجلس للتشهد بعد الفراغ من الركعة الثانية، فإذا كانت الصلاة ركعتين كالصبح؛ «جلس مفترشاً»، كما كان يجلس بين السجدتين.
والحديث نصٌّ ظاهر في الافتراش في الصلاة الثنائية كصلاة الصبح، وأحظى الناس بهذا الحديث الإمام أحمد، ثم أبو حنيفة والثوري؛ خلافاً لمالك والشافعي؛ فإنهما يقولان بأن السنة التورك فيها - على تفصيل في ذلك يأتي ذكره في «التشهد الأخير». والحديث يرد عليهما، وكذلك «يجلس في التشهد الأول» من الثلاثية أو الرباعية.
وأمر به «المسيء صلاته»؛ فقال له: «فإذا جلست في وسَط الصلاة؛ فاطمئن، وافترش فخذك اليسرى، ثم تشهد».
والحديث دليل على أن السنة في جلوس التشهد الأوسط إنما هو الافتراش، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد؛ خلافاً لمالك؛ فإنه يقول بالتورك في كل جلوس - كما سيأتي -. وهذا الحديث يرد عليه، وكذا الذي بعده.
قوله «وسط»: بفتح السين؛ قال في «النهاية»: «يقال فيما كان متفرق الأجزاء غير متصل - كالناس والدواب - بسكون السين، وما كان متصل الأجزاء - كالدار والرأس -؛ فهو بالفتح. والمراد هنا القعود للتشهد الأول في الرباعية، ويلحق به
следующие страницы →