← Фикх общий

Фикх общий · id 145204

جامع تراث العلامة الألباني في الفقه

ناصر الدين الألباني

Полный текст (8 195 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

عدم قراءة دعاء الاستفتاح في الركعة الثانية إلا أنه لا يقرأ فيها دعاء الاستفتاح [أي في الركعة الثانية]. [تلخيص الصفة فقرة ١٢٧]. هل هناك سكتة في الركعة الثانية قبل القراءة وكان ﷺ إذا نهض في الركعة الثانية؛ استفتح القراءة بـ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ولم يسكت. قال البيهقي: «وفيه دلالة على أنه لا سكتة في الركعة الثانية قبل القراءة، وهو حديث صحيح. ويحتمل أنه أراد به أنه لا يسكت في الثانية، كسكوته في الأولى للاستفتاح». قلت: وهذا الاحتمال هو الظاهر من الحديث عندنا إذا قابلناه بحديث أبي هريرة الآخر بلفظ: كان رسول الله ﷺ إذا كبر في الصلاة؛ سكت هنية. .. الحديث؛ وفيه: أنه ﷺ كان يقرأ في هذه السكتة: اللهم! باعد بيني وبين خطاياي. .. الحديث. وقد مضى [ص ٢٣٨]. فهذه السكتة - والله أعلم- هي المنفية في هذا الحديث. وقد أشار إلى هذا الإمام مسلم في «صحيحه»؛ حيث ساق أولاً الحديث المشار إليه، ثم ساق بعده هذا الحديث. وإسناد الحديثين واحد، فكأن أحدهما متمم للآخر؛ فالحديث نص في نفي مشروعية دعاء الاستفتاح، ولكنه لا ينفي مشروعية الاستعاذة. وقد اختلف الفقهاء: هل هذا موضع استعاذة أم لا - بعد اتفاقهم على أنه ليس موضع استفتاح-؟ وفي ذلك قولان، هما روايتان عن أحمد، وقد بناهما بعض

стр. 1857

أصحابه على أن قراءة الصلاة: هل هي قراءة واحدة؛ فيكفي فيها استعاذة واحدة، أو قراءة كل ركعة مستقلة برأسها؟ قال ابن القيم في «الزاد» «١/ ٨٦»: «والاكتفاء باستعاذة واحدة أظهر؛ للحديث الصحيح عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ كان إذا نهض من الركعة الثانية؛ استفتح القراءة ولم يسكت. وإنما يكفي استفتاح واحد؛ لأنه لم يتخلل القراءتين سكوت، بل تخللهما ذكر، فهي كالقراءة الواحدة إذا تخللها حمدُ اللهِ، أو تسبيح، أو تهليل، أو صلاة على النبي ﷺ ونحو ذلك». كذا قال والظاهر خلاف ما استظهر، وأنه لا يكفي استعاذة واحدة؛ بل لابد من الاستعاذة في كل ركعة؛ قال الشيخ العلامة محمد حامد الفقي السلفي رئيس «جماعة أنصار السنة» في تعليقه على «المنتقى من أخبار المصطفى» «١/ ٤٣٤»: «والظاهر أنهما قراءتان؛ لطول الفصل بالركوع والسجود، وهي حركات كثيرة؛ فلكل ركعة تعوذ. وحديث أبي هريرة لا ينفي هذا؛ لأنه إنما نفى السكتة المعهودة عنده، وهي التي فيها الاستفتاح. أما سكتة التعوذ والبسملة؛ فلطيفة جداً لا يحس بها المأموم؛ لاشتغاله بحركة النهوض للركعة. وأيضاً: فإن كل ركعة معتبرة صلاة؛ ولذلك أوجبوا قراءة «الفَاتِحَة» لكل ركعة، فأولى أن تعتبر كذلك للتعوذ، وهذا الذي رجحه ابن حزم في «المحلى»، وهو الصواب». قلت: واحتج ابن حزم «٣/ ٢٤٧» بعموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ وهو احتجاج صحيح لا شائبة فيه؛ قال الحافظ في «التلخيص» «٣/ ٣٠٦»: «وعموم هذه الآية يقتضي الاستعاذة في أول كل ركعة. وهو الذي استظهره الرافعي في «الشرح الكبير»؛ قال: وبه قال القاضي أبو الطيب الطبري، وإمام الحرمين، والرُّوياني وغيرهم». قال النووي في «المجموع» «٣/ ٣٢٤»: «وهو المذهب».

стр. 1858

وقال في موضع آخر «٣/ ٣٢٦»: «وهو الأصح في مذهبنا». قلت: وهو قول في مذهب علمائنا الحنفية تخريجاً؛ فقد قال أبو الحسنات اللكنوي. [أصل صفة الصلاة (٣/ ٨٢٤)] جعل الركعة الثانية أقصر من الأولى قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ١٢٨: ويجعلها أقصر من الركعة الأولى. وقال في أصل الصفة: وكان يصنع في هذه الركعة مثل ما يصنع في الأولى؛ إلا أنه كان يجعلها أقصر من الأولى - كما سبق-. [أصل صفة الصلاة (٣/ ٨٢٧)] وجوبُ قراءة «الفَاتِحَة» في كُلِّ ركعةٍ وقد أمر «المسيء صلاته» بقراءة «الفَاتِحَة» في كل ركعة؛ حيث قال له بعد أن أمره بقراءتها في الركعة الأولى: «ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» «وفي رواية: «في كل ركعة». وقال: «في كل ركعة قراءة». [أصل صفة الصلاة (٣/ ٨٢٨)]

стр. 1859

جلسة التشهد

стр. 1860

الافتراش في الصلاة الثنائية والتشهد الأول من الثلاثية والرباعية قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ١٢٩، ١٣٠: فإذا فرغ من الركعة الثانية قعد للتشهد، وهو واجب. ويجلس مفترشا كما سبق بين السجدتين. وقال في أصل الصفة: ثم كان ﷺ يجلس للتشهد بعد الفراغ من الركعة الثانية، فإذا كانت الصلاة ركعتين كالصبح؛ «جلس مفترشاً»، كما كان يجلس بين السجدتين. والحديث نصٌّ ظاهر في الافتراش في الصلاة الثنائية كصلاة الصبح، وأحظى الناس بهذا الحديث الإمام أحمد، ثم أبو حنيفة والثوري؛ خلافاً لمالك والشافعي؛ فإنهما يقولان بأن السنة التورك فيها - على تفصيل في ذلك يأتي ذكره في «التشهد الأخير». والحديث يرد عليهما، وكذلك «يجلس في التشهد الأول» من الثلاثية أو الرباعية. وأمر به «المسيء صلاته»؛ فقال له: «فإذا جلست في وسَط الصلاة؛ فاطمئن، وافترش فخذك اليسرى، ثم تشهد». والحديث دليل على أن السنة في جلوس التشهد الأوسط إنما هو الافتراش، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد؛ خلافاً لمالك؛ فإنه يقول بالتورك في كل جلوس - كما سيأتي -. وهذا الحديث يرد عليه، وكذا الذي بعده. قوله «وسط»: بفتح السين؛ قال في «النهاية»: «يقال فيما كان متفرق الأجزاء غير متصل - كالناس والدواب - بسكون السين، وما كان متصل الأجزاء - كالدار والرأس -؛ فهو بالفتح. والمراد هنا القعود للتشهد الأول في الرباعية، ويلحق به

стр. 1861

الأول في الثلاثية». «فاطمئن» يؤخذ منه أن المصلي لا يَشْرَعُ في التشهد حتى يطمئن. يعني: يستقر كل مَفصل في مكانه، ويسكن من الحركة. «وافترش» أي: ألقها على الأرض، وابسطها كالفِرَاش؛ للجلوس عليها. قال الشوكاني «٢/ ٢٢٩»: «وفيه دليل لمن قال: إن السنة الافتراش في الجلوس للتشهد الأوسط. وهم الجمهور». قال ابن القيم «١/ ٨٦»: «ولم يُروَ عنه في هذه الجلسة غير هذه القصة «يعني: الفرش والنصب». وقال مالك: يتورك فيه؛ لحديث ابن مسعود: أن النبي ﷺ كان يجلس في وسط الصلاة وفي آخرها متوركاً». قال ابن القيم «١/ ٨٧»: «لم يذكرعنه ﷺ التورك الا في التشهد الأخير». اهـ. ملخصاً. وأقول: سكت الشوكاني على قول ابن القيم الأخير هذا؛ مع أنه ذكر قبله حديث ابن مسعود الذي ينفي قول ابن القيم، ثم سكت أيضاً على الحديث، ولم يبين حاله ولا من رواه؛ وهو من الأحاديث الغريبة التي تفرد بروايتها الإمام أحمد فيما علمت، فقد أخرجه في «مسنده» «١/ ٤٥٩» قال: ثنا يعقوب: ثني أبي عن ابن إسحاق قال: ثني - عن تشهد رسول الله ﷺ في وسط الصلاة وفي آخرها - عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد النخعي عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال: علمني رسول الله ﷺ التشهد في وسط الصلاة وفي آخرها - فكنا نحفظ عن عبد الله حين أخبرنا أن رسول الله ﷺ علمه إياه؛ قال -: فكان يقول إذا جلس في وسط الصلاة وفي آخرها على وركه اليسرى: التحيات لله. .. إلخ. ثم قال: ثم إن كان في وسط الصلاة؛ نهض حين يفرغ من تشهده، وإن كان في آخرها؛ دعا بعد تشهده بما شاء الله أن يدعو، ثم يسلم.

стр. 1862

لكن في ثبوت الحديث بهذه الألفاظ نظر؛ فإنه قد تفرد به ابن إسحاق مخالفاً لغيره ممن هو أوثق منه وأحفظ. وقد قال الذهبي - بعد أن ساق أقوال الأئمة فيه -: «فالذي يظهر لي أن ابن إسحاق حسن الحديث، صالح الحال، صدوق. وما انفرد به؛ ففيه نكارة؛ فإن في حفظه شيئاً». قلت: وذِكْرُ التورك والتشهد الأوسط منكرٌ في حديث ابن مسعود هذا؛ فقد أخرجه الشيخان والأربعة وغيرهم من طرق كثيرة، وليس فيه هذا الذي ذكره ابن إسحاق. والله أعلم. [أصل صفة الصلاة (٣/ ٨٢٩)] النهي عن إقعاء الكلب قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ١٣١: لكن لا يجوز الإقعاء هنا. وقال في أصل الصفة: وقال أبو هريرة ﵁: «ونهاني خليلي ﷺ عن اقعاء كإقعاء الكلب». وفي حديث آخر: «كان ينهى عن عُقْبَةِ الشيطان». «الإقعاء» -قال أبو عبيد وغيره-: «هو أن يلزق الرجل أليتيه بالأرض وينصب ساقيه، ويضع يديه بالأرض، كما يقعي الكلب». قلت: وهذا غير الإقعاء المشروع بين السجدتين - كما تقدم هناك -. [أصل صفة الصلاة (٣/ ٨٣٣)]

стр. 1863

موضع اليد في جلسة التشهد وهيئتها قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ١٣٢، ١٣٣: ويضع كفه اليمنى على فخذه وركبته اليمنى، ونهاية مرفقه الأيمن على فخذه لا يبعده عنه. ويبسط كفه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى. وقال في أصل الصفة: وكان إذا قعد في التشهد؛ وضع كفه اليمنى على فخذه «وفي رواية: ركبته» اليمنى، ووضع كفه اليسرى على فخذه «وفي رواية: ركبته» اليسرى؛ باسطها عليها. وكان ﷺ يضع حَدَّ مَرْفقِهِ الأيمن على فخذه اليمنى. قوله: «حد» في «النهاية»: لكل حرف حدّ. أي: نهاية. ومنتهى كل شيء حدُّه. قلت: وكأن المراد أنه كان لا يُجافي مَرْفِقَهَ عن جنبه في هذا الجلوس؛ لأنه لو جافى؛ لم يكن نهاية مَرْفِقِهِ على فخذه؛ بل يكون خارجاً عنه. ثم رأيت ابن القيم ﵀ قد صرح بذلك في «الزاد» «١/ ٩٢»، ونص كلامه: «وكان ﷺ يبسط ذراعه على فخذه، ولا يجافيها، فيكون حد مرفقه عند آخر فخذه، وأما اليسرى؛ فممدودة الأصابع على الفخذ اليسرى». [أصل صفة الصلاة (٣/ ٨٣٣)] النهي عن الجلوس مع الاعتماد على اليد اليسرى في الصلاة قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ١٣٤: ولا يجوز أن يجلس معتمدا على يده. وخصوصا اليسرى.

стр. 1864

وقال في أصل الصفة: ونهى رجلاً وهو جالس معتمد على يده اليسرى في الصلاة؛ فقال: «إنها صلاةُ اليهود». وفي لفظ: «لا تجلسْ هكذا؛ إنما هذه جِلْسَة الذين يعذَّبون». [أصل صفة الصلاة (٣/ ٨٣٥)]

стр. 1865

الإشارة بالإصبع في التشهد والنظر إليها وتحريكها

стр. 1866

الإشارة بالإصْبَعِ في التشهد والنظر إليها وتحريكها قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ١٣٧ - ١٣٩: ويشير بإصبعه السبابة إلى القبلة. ويرمي ببصره إليها. ويحركها يدعو بها من أول التشهد إلى آخره. وقال في أصل الصفة: وكان ﷺ إذا جلس [يتشهد]؛ وضع كفَّه اليسرى على ركبته اليسرى [باسطَها عليها]، ويقبضُ أصابعَ كفِّه اليمنى كلها، ويشير بإصبعه التي تلي الإبهام [في القبلة، ويرمي ببصره إليها - أو نحوها -]. قال الترمذي: «والعمل عليه عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين؛ يختارون الإشارة في التشهد. وهو قول أصحابنا». يعني: أهل الحديث. وهو قول أثمتنا الثلاثة؛ فقد قال الإمام محمد - بعد أن ساق الحديث -: «وبصنيع رسول الله ﷺ نأخذ، وهو قول أبي حنيفة». وقد ذكر أبو يوسف في «الأمالي» كما ذكر محمد - على ما في «فتح القدير» وغيره -. فالعجب من كثير من علمائنا الحنفية كيف أنهم اختاروا ترك الإشارة في التشهد مع ثبوت ذلك عنه ﷺ وعن أئمتهم أيضاً، وقد ألف في ذلك الشيخ المحقق ملا علي القاري رسالة نفيسة أثبت فيها هذه السنة، ورد على من خالفها، وأسماها «تزيين العبارة لتحسين الإشارة». ومن المهم بالنسبة للمقلدين أن نلخص أهم ما جاء فيها؛ فقد ساق الأحاديث الصريحة في الإشارة: منها: حديث ابن عمر وابن الزبير المتقدمين. ومنها: حديث وائل بن حُجر - الآتي قريباً [ص ٨٥٠]-.

стр. 1867

ومنها: حديث أبي هريرة، وأبي حميد الساعدي، ونُمير الخُزاعي، وخُفَاف الغفاري، ومعاذ بن جبل، وأنس بن مالك، وعقبة بن عامر، وعبد الرحمن بن أبزى. وقد خرجها كلها وساق ألفاظها، وقد أضربنا صفحاً عن ذكر أكثرها؛ لأنها ليست على شرطنا. ثم قال الشيخ عليٌّ بعد ذلك «ص ١٠»: «فهذه أحاديث كثيرة بطرق متعددة شهيرة، ولا شك في صحة أصل الإشارة؛ لأن بعض أسانيدها موجود في «صحيح مسلم». وبالجملة؛ فهو مذكور في «الصحاح الستّة» وغيرها؛ مما كاد أن يصير متواتراً؛ بل يصح أن يقال: إنه متواتر معنىً؛ فكيف يجوز لمؤمن بالله ورسوله أن يعدل عن العمل به، ويأتي بالتعليل في معرض النص الجليل؛ مع أن ذلك التعليل مدخول، صَدَرَ من العليل، وهو ما قيل - نقلاً عن بعض المانعين للإشارة - بأن فيها زيادة رفع لا يحتاج إليها، فيكون الترك أولى؛ لأن مبنى الصلاة على الوقار والسكينة، وهو مردود بأنه لو كان الترك أولى؛ لما فعله ﷺ ، وهو على صفة الوقار والسكينة في المقام الأعلى، ثم لا شك أن الإشارة الى التفريد مع العبادة بالتوحيد نور على نور، وزيادة سرور على سرور؛ فهو محتاج إليه؛ بل مدار الصلاة والعبادة والطاعة عليه. وعلل بعضهم بأن فيه موافقة فرقة الرافضة، فكان تركه أولى؛ تحقيقاً للمخالفة أيضاً! [وهذا] ظاهر البطلان من وجوه: اما أولاً: فلأن عامتهم - على ما نشاهدهم في زماننا - لا يشيرون أصلاً، وإنما يشيرون بأيديهم عند السلام، ويضربون على أفخاذهم؛ تأسفاً على فوت الإسلام. فينقلب التعليل عليهم حجة لنا. وأما ثانياً: فلأنه على تقدير صحة النسبة اليهم؛ فليس كل ما يفعلونه نحن مأمورون بمخالفتهم به حتى يشمل أفعالهم الموافقة للسنة - كالأكل باليمين ونحو ذلك -؛ بل يستحب ترك موافقتهم فيما ابتدعوه وصار شعاراً لهم - كما هو مقرر في المذهب -، كوضع الحجر فوق السجادة؛ فإنه وإن كانت السجدة على جنس الأرض أفضل باتفاق الأئمة مع جوازها على البساط والفَرْوِ ونحوهما عند أهل

стр. 1868

السنة؛ لكن وضع نحو الحجر والمدر فوق السجادة بدعة ابتدعوها، وصار علامة لمعشرهم، فينبغي الاجتناب عن فعلهم؛ لسببين: أحدهما: نفس موافقتهم في البدعة؛ كما ورد في الحديث: «خالفوا اليهود والنصارى». وثانيهما: رفع التهمة. وقد ورد: «اتقوا مواضع التهم» (١). ونظيره: الوقوف للدعاء في المستجار؛ فإنه صار من ذلك الشعار، وكذا: الخروج من مكة إلى يلملم للإحرام خارج الحرم مع الاتفاق على جواز ما ذكر عند أرباب العلم وأصحاب الحكم؛ بخلاف ما إذا شاركونا في سنة مستمرة؛ كالخروج لإحرام العمرة إلى التنعيم والجِعِرَّانة. فالحاصل: أن مخالفة المبتدعة في الأمر المباح يستحسن؛ زجراً لهم، ورجوعاً إلى الصلاح. وأما الإشارة المذكورة الثابتة على نهج الصواب؛ فليست من هذا الباب. ثم من أدلتها الإجماع؛ إذ لم يعلم من الصحابة ولا من علماء السلف خلاف في هذه المسألة، ولا في جواز هذه الإشارة، ولا في تصحيح هذه العبارة؛ بل قال به إمامنا الأعظم وصاحباه، وكذا الإمام مالك، والشافعي، وأحمد، وسائر علماء الأمصار والأعصار؛ على ما ورد به صحاح الأخبار والآثار، وقد نص عليها مشايخنا المتقدمون والمتأخرون، فلا اعتداد لما عليه المخالفون، ولا عبرة لما ترك هذه السنة الأكثرون من سكان ما وراء النهر وأهل خراسان، والعراق والروم وبلاد الهند؛ ممن غلب عليهم التقليد، وفاتهم التحقيق والتأييد من التعلق بالقول السديد». ثم ساق أقوال المشايخ في إثبات الإشارة، وفي صفتها، ثم قال «١٨»: «وقد أغرب الكَيْداني حيث قال: والعاشر من المحرمات: الإشارة بالسبابة كأهل الحديث. أي: مثل إشارة جماعةٍ يجمعهم العلم بحديث الرسول ﵊! وهذا منه خطأ عظيم، وجرم جسيم، منشؤه الجهل عن عقائد الأصول،

стр. 1869

ومراتب الفروع من النقول، ولولا حسن الظن به وتأويل كلامه بسببه؛ لكان كفراً صريحاً، وارتداداً صحيحاً! فهل يجهل المؤمن أن يُحَرِّمَ ما ثبت فِعله منه ﷺ ما كاد نقله أن يكون متواتراً، ويمنعَ جواز ما عليه عامة العلماء كابراً عن كابر مكابراً؟ ! والحال: أن الإمام الأعظم، والهمام الأقدم قال: لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعرف مأخذه من الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، والقياس الجلي في المسألة. وقال الشافعي: إذا صح الحديث على خلاف فعلي؛ فاضربوا قولي على الحائط، واعملوا بالحديث الضابط. فإذا عرفت هذا؛ فاعلم أنه لو لم يكن نص الإمام على المرام؛ لكان على المقتفين من أتباعه من العلماء الكرام - فضلاً عن العوام - أن يعملوا بما صح عنه ﵊. وكذا لو صح عن الإمام - فرضاً - نفيُ الإشارة، وصح إثباتها عن صاحب البشارة؛ فلا شك في ترجيح المثبت المسند إليه ﷺ . كيف وقد طابق نقله الصريح ما ثبت عنه ﵊ بالإسناد الصحيح؟ ! فمن أنصف ولم يتعسف؛ عرف أن هذا سبيل أهل التَّدَيُّن من السلف والخلف، ومن عدل عن ذلك؛ فهو هالك بوصف الجاهل المعاند المكابر؛ ولو كان عند الناس من الأكابر. وغاية ما يعتذر به عن بعض المشايخ حيث منعوا الإشارة وذهبوا إلى الكراهة: عدم وصول الأحاديث إليهم، وقد ورد اختلاف فعلها وتركها عليهم، فظنوا أن تركها أولى». قال: «فالجاهل بالأخبار النبوية والآثار المصطفوية لما رأى أن بعض الناس يشيرون عملاً بالسنة، وبعضهم يتركون الإشارة، إما للجهل، أو للكسل، أو للغفلة؛ فقال: تركها أولى؛ لأنها زيادة في المبنى على أصل المعنى. فجاء بعده غيره وقال: هي مكروهة. وأراد أنها كراهة تنزيه؛ لكن لم يجعل عليه من تنبيه! فتوهم مَنْ بعدهم أنه حرام، وحسب أنه في الدين لعظيم؛ بناءً على أن الكراهة إذا أطلقت؛ فهي كراهة تحريم! ثم

стр. 1870

قال مَنْ بعده: ما كره؛ فهو حرام عند محمد؛ لا سيما وهو متعلق بعبادة الأحد! ! فانظر كيف تدرج الجهلُ، وتركب في نظر العقل العاري عن النقل إلى أن جعل السنة المشهورة من الأمور المنهية المحرمة المهجورة! فاعلم أن تعريف الحرام: ما ثبت نهيه بالدليل القطعي من الكتاب والحديث. ومن القواعد المقررة أن تحريمَ المباحِ حرامٌ؛ فكيف السنة الثابتة عنه ﵊؟ ! مع أنه يكفي في موجب تكفير الكيداني إهانةُ المحدِّثين الذين هم عمدة أئمة الدين المفهوم من قوله: كأهل الحديث. المفضية إلى قلة الأدب المقتضي لسوء الخاتمة؛ إذ من المعلوم أن أهل القرآن أهل الله، وأهل الحديث أهل رسول الله ﷺ ! وأُنشد في هذا المعنى: أهل الحديث هُمُ أهل النبي وإن لم. .. يصحبوا نَفْسَهُ أنفاسَه صحبوا أماتنا الله على محبة المحدثين وأتباعهم من الأئمة المجتهدين، وحشرنا مع العلماء العاملين تحت لواء سيد المرسلين. والحمد لله رب العالمين». اهـ كلامه ﵀. هذا؛ وفي «التعليق الممجد على موطأ محمد» لعبد الحي اللكنوي «١٠٦»: «وقد ذكر ابن الهُمَام في «فتح القدير»، والشُّمُنِّي في «شرح النقاية» وغيرهما أنه ذكر أبو يوسف في «الأمالي» مثل ما ذكر محمد. فظهر أن أصحابنا الثلاثة اتفقوا على تجويز الإشارة؛ لثبوتها عن النبي ﷺ وأصحابه بروايات متعددة وطرق متكثرة، لا سبيل إلى إنكارها، ولا إلى ردها. وقد قال به غير واحد من العلماء؛ حتى قال ابن عبد البر: «إنه لا خلاف في ذلك». وإلى الله المشتكى من صنيع كثير من أصحابنا من أصحاب الفتاوى - كصاحب «الخلاصة» و «البزّازية الكبرى» و «العَتّابية» و «الغِياثية» و «الولوالجية» و «عمدة المُفْتِي» و «الظهيرية» وغيرها - حيث ذكروا أن المختار هو عدم الإشارة! بل ذكر بعضهم أنها مكروهة! والذي حملهم على ذلك سكوتُ أئمتنا عن هذه المسألة في ظاهر الرواية، ولم يعلموا أنه قد ثبت عنهم بروايات متعددة، ولا أنه ورد في أحاديث متكثرة.

стр. 1871

فالحذر الحذر من الاعتماد على قولهم في هذه المسألة مع كونه مخالفاً لما ثبت عن النبي ﷺ وأصحابه؛ بل وعن أئمتنا أيضاً، بل لو ثبت عن أئمتنا التصريح بالنفي، وثبت عن رسول الله ﷺ وأصحابه الإثبات؛ لكان فِعل الرسول وأصحابه أحق وألزم بالقبول؛ فكيف وقد قال به أئمتنا أيضاً؟ ! ». وقد ذكر نحو هذا في كتابه «عمدة الرعاية» «١/ ٣٨»، وتعجب كل العجب من المشايخ المذكورين الذين اختاروا ترك الإشارة وكراهتها، ثم قال: «وزاد عليهم الكَيْداني في «خُلاصته» نغمةً في الطنبور؛ فعدها من المحرمات»! وقال في حاشية «غيث الغمام على إمام الكلام» «ص ٤١»: «هذا القول من الأقوال الخبيثة المردودة؛ لمخالفته لما ثبت عن أئمتنا الثلاثة من سنية الإشارة -كما صرح به محمد في «موطئه»، وأبو يوسف في «الأمالي» -. والعجب مِنْ جَمْعٍ مِنَ الحنفية كيف أفتوا بكراهة الإشارة مع ثبوتها عن صاحب الشرع وإمام المذهب؟ ! ». قلت: وأعجب من ذلك أن هؤلاء المفتين يقولون بأن باب الاجتهاد مغلق من بعد القرون الأربعة، ثم هم يجتهدون في هذه المسألة، فيخالفون فيها نصوص أئمتهم المقلَّدين، والآثارَ المرويةَ عن الصحابة والتابعين، والأحاديثَ الصحيحةَ عن سيد المرسلين؛ مع أنه «لا اجتهاد في معرض النص» باتفاقهم، فليتهم لم يقولوا قولهم هذا! وليتهم وقفوا عنده! والله المستعان. وقد كان جرى بحث بيني وبين بعض مشايخي حول هذه المسألة؛ فإنه من القائلين بالمنع رغم كونه قد اطلع على الأحاديث المشار إليها، وعلى أقوال الأئمة الواردة في ذلك. فقلت له: لم لا ترفع أصبعك في الصلاة؟ ! فاحتج بحجتين: الأولى قديمة معروفة، وقد سبقت في كلام القاري -وهي كون الصلاة مبنية على السكون والهدوء، وأجاب عنها بما تقدم. أما أنا؛ فقلت له: «إذا جاء الأثر؛ بطل النظر، ولا رأي مع النص»! وهل مثلك إلا مثل من يقول: أنا لا أركع في الصلاة، ولا أسجد؛ لأن في ذلك من الحركات

стр. 1872

والانتقالات ما لا يتفق مع الصلاة أو السكون فيها! وهل لك ما تجيبه على ذلك إلا أن تقول: إن الذي أمرنا بالسكون في الصلاة هو الذي أمرنا بهذه الحركات والانتقالات، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾، فهذا الجواب هو جوابنا لك وكفى. فسكت! وأما حجته الأخرى؛ فهي قوله: لما كان العلماء قد اختلفوا في صفة الرفع؛ فبعضهم يقول: يرفع المسبحة مع قبض الأصابع الأخرى. وبعضهم يقول: يبسط هذه الأخرى ويرفع المسبحة. وبعضهم يقول: يرفعها عند النفي ويضعها عند الإثبات. وبعض يعكس ذلك. وبعضهم يقول: يقبض الأصابع عند وضع اليدين في أول التشهد. وبعضهم إنما يفعل ذلك عند التهليل. وبعضهم يحرك المسبِّحة. وبعضهم لا يحركها. فلما رأيناهم اختلفوا في ذلك؛ تركنا هذه السنة؛ لأننا لم نعرف صفتها! فقلت له: لا يلزم من الاختلاف في صفة شيء ما تركُهُ مطلقاً أو إنكاره! وإلا؛ لزمك أن تترك أشياء كثيرة اختلف فيها العلماء حتى علماء مذهبك! فخذ مثالاً على ذلك: سنية وضع اليمنى على اليسرى في القيام في الصلاة؛ فبعضهم يقول بأن السنة القبض. وبعضهم: الوضع. وبعضهم: الجمع بينهما. هذا في مذهبك. وأما في المذاهب الأخرى؛ فالخلاف أشد؛ فبعضها تقول بأن الوضع يكون تحت السرة. وبعضها: فوقها. وبعضها: على الصدر. بل إن الإمام مالكاً لا يرى مشروعية الوضع مطلقاً - في رواية عنه -؛ فهل تترك أنت هذه السنة لهذه الاختلافات في كيفيتها؛ بل وفي أصلها أيضاً؟ ! فبهت. ثم قلت: لا ينجيك من هذه الاختلافات إلا الرجوع إلى ما أمرنا الله تعالى به في قوله: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾. هذا ما قلته وقتئذٍ، والأمر يحتاج إلى شيء من التفصيل: أما وضع اليدين في القيام؛ فقد سبق بيان ما يثبت في السنة من ذلك في محله. وأما المسألة التي نحن فيها؛ فاعلم أن تلك الاختلافات لا أصل لها في السنة؛

стр. 1873

بل بعضها مداره على روايات مجملة، وبعضها مجرد رأي واجتهاد! أما القبض والبسط؛ فالأول هو الثابت صراحة في حديث ابن عمر، وعبد الله ابن الزبير، ووائل بن حجر. وأما البسط؛ فلم يصرح به في حديث ما، وحجة من ذهب إليه: أنه لم يذكر القبض بعض الصحابة في أحاديثهم، وهذا ليس بشيء؛ فإن أحاديث هؤلاء في هذه المسألة مجملة، وأحاديث أولئك مفصلة، والمفصل يقضي على المجمل -كما في الأصول تقرر-. وأما وقت الرفع؛ فلم نجد في ذلك حديثاً يعينه ويحدده، فهو اجتهاد محض ليس عليه دليل. وهذا بناء على أن السنة أن لا تحرك المُسَبِّحة من أول التشهد إلى آخره إلا عند التهليل. وليس كذلك -كما سيأتي-. وأما وقت قبض الأصابع الأخرى؛ فالظاهر من الأحاديث المتقدمة أنه من أول التشهد؛ لأنها تقول: كان إذا جلس؛ وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها. وليس لهذا الظاهر معارض؛ فوجب الأخذ به. وأما اختلافهم في استمرار التحريك؛ فالصواب الذي لا شك فيه مع من أثبته؛ لأنه ثابت في حديث وائل بن حجر. لكنهم اختلفوا أيضاً في صفته - كما سيأتي بيانه قريباً -. [أصل صفة الصلاة (٣/ ٨٣٨)] وضع الإبهام على الوسطى حال الإشارة والتحليق قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ١٣٥، ١٣٦:

стр. 1874

ويقبض أصابع كفه اليمنى كلها، ويضع إبهامه على إصبعه الوسطى تارة. وتارة يُحلق بهما حلقة. وقال في أصل الصفة: وكان إذا أشار بإصبعه؛ وضع إبهامه على إصبعه الوسطى. وتارة «كان يحلِّق بهما حلقة». وقد اختار صفة التحليق علماؤنا الحنفية، مع تجويزهم الصفة الأولى؛ عكس الشافعية - كما سبق- وقد قال البيهقي - بعد أن ساق الحديث -: «ونحن نجيزه، ونختار ما رويناه في حديث ابن عمر، ثم ما روينا في حديث ابن الزبير؛ لثبوت خبرهما، وقوة إسناده، ومزية رجاله، ورجاحتهم في الفضل على عاصم ابن كُلَيب». والحق: أنه لا تفضيل بين الصفتين؛ بل كل منهما سنة ينبغي العمل بكل منهما أحياناً. وقد أشار إلى ذلك شارح «منية المصلي»؛ حيث ذكر الصفتين بدون أن يرجح إحداهما على الأخرى؛ ولذلك قال الشيخ علي القاري «١٨»: «وهو يفيد التخيير بين نوعي الإشارة الثابتين عن رسول الله ﷺ ، وهو قول حسن، وجمع مستحسن؛ فينبغي للسالك أن يأتي بأحدهما مرة وبالآخر أخرى؛ فإنه بالتحري أحرى». وهذا هو الصواب إن شاء الله تعالى. وذهب ابن القيم في «زاد المعاد» «١/ ٩٢» إلى أن حديث ابن عمر ووائل بن حُجْر مؤداهما إلى صفة واحدة، محاولاً في ذلك الجمع بين الروايات! وفيه بُعد؛ لتصريح وائل دون ابن عمر بالتحليق. والله أعلم. [أصل صفة الصلاة (٣/ ٨٥٠)]

стр. 1875

فضل رفع الإصبع في التشهد وكان إذا رفع أصبعه السبابة؛ يحركها يدعو بها»، ويقول: «لهي أشد على الشيطان من الحديد». يعني: السبابة. وقوله: «يدعو بها»؛ قال الإمام الطحاوي في «شرح المعاني» «١/ ١٥٣»: «فيه دليل على أنه كان في آخر الصلاة». قلت: وذلك لأن الدعاء إنما يشرع عند الجمهور - خلافاً لابن حزم كما سيأتي - في التشهد الذي يليه السلام؛ كما هو ثابت في السنة، ففي ذلك دليل أيضاً على أن السنة أن يستمر في الإشارة، وفي تحريكها إلى السلام؛ لأن الدعاء قبله، وهو مذهب مالك وغيره، وسئل الإمام أحمد: هل يشير الرجل بإصبعه في الصلاة؟ قال: «نعم؛ شديداً». ذكره ابن هاني في «مسائله عن الإمام أحمد» «ص ٨٠». قلت: ومنه يتبين أن تحريك الإصبع في التشهد سنة ثابتة عن النبي ﷺ ، عمل بها أحمد وغيره من أئمة السنة؛ فليتق الله رجال يزعمون أن ذلك عبث لا يليق بالصلاة؛ فهم من أجل ذلك لا يحركونها مع علمهم بثبوتها، ويتكلفون في تأويلها بما لا يدل عليه الأسلوب العربي، ويخالف فهم الأئمة له! ومن الغرائب: أن بعضهم يدافع عن الإمام في غير هذه المسألة - ولو كان رأيه فيها مخالفاً للسنة -؛ بحجة أن تخطئة الإمام يلزم منها الطعن فيه وعدم احترامه! ثم ينسى هذا؛ فيرد هذه السنة الثابتة، ويتهكم بالعاملين بها، وهو يدري - أو لا يدري - أن تهكمه يصيب أيضاً هؤلاء الأئمة الذين من عادته فيهم أن يدافع عنهم بالباطل، وهم هنا أصابوا السنة! بل إن تهكمه به يصيب ذات النبي ﷺ ؛ لأنه هو الذي جاءنا بها، فالتهكم بها تهكم به، ﴿فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا ... ﴾؟ ! . وأمأ قول الشيخ علي القاري في «تزيين العبارة» «١٧»: «إن الصحيح المختار عند جمهور أصحابنا أنه يشير بالمسبّحة؛ رافعاً لها عند النفي واضعاً لها عند الإثبات، ثم يستمر على ذلك؛ لأنه ثبت العقد عند الإشارة بلا خلاف، ولم يوجد أمر يُغَيِّرُهُ؛

стр. 1876

فالأصل إبقاء الشيء على ما هو عليه، واستصحابه إلى آخر أمره ومآله إليه». فكلام غير صحيح من حيث الدليل؛ لأنه مبني على أن الوضع ثابت في السنة بعد الرفع، وليس كذلك - كما سبق -. وعليه يعود الأصل الذي ذكره عليه؛ فإنا نقول: إذا كان قد ثبت في السنة الرفع، ثم لم يرد الوضع بعد ذلك؛ فالأصل إبقاء الشيء على ما هو عليه، واستصحابه إلى آخر أمره ومآله إليه. فهذا الأصل يقتضي إبقاء الأصبع مرفوعة إلى آخر التشهد كما لا يخفى. هذا يقال لو لم يأت الحديث مبيناً لذلك؛ فكيف وقد اتفق الأصل والفرع؟ ! وقد وجدت في ذلك حديثاً آخر - وإن كان في صحته نظر؛ فإنه في الشواهد معتبر -، وهو: ما أخرجه الترمذي «٢/ ٢٧٨ - طبع بولاق» من طريق عبد الله بن مَعْدَان: أخبرني عاصم بن كُليب الجَرْمي عن أبيه عن جده قال: دخلت على النبي ﷺ وهو يصلي، وقد وضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه، وبسط السبابة؛ وهو يقول: «يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك». وكذلك رواه أبو يعلى، والبغوي، ومُطَيِّن، والباوَرْدي، والطبري عن ابن معدان به - كما في «الإصابة» «٢/ ١٥٩» -، وقال الترمذي، ثم البغوي: «غريب». ثم قال الحافظ: «رجاله موثقون؛ إلا أن أبا داود قال: عاصم بن كُلَيب عن أبيه عن جده: ليس بشيء». فهذا الحديث مثل حديث وائل في إثبات استمرار الرفع حتى الدعاء؛ لكنه أخص من حديث وائل؛ فإن هذا يفيد استمرار التحريك أيضاً - كما هو مذهب مالك وغيره -، وهو حجة على الشافعية. وقول البيهقي «٢/ ١٣٢»: «يحتمل أن يكون المراد بالتحريك الإشارة بها، لا تكرير تحريكها؛ فيكون موافقاً لرواية ابن الزبير. والله أعلم».

стр. 1877

ليس بقوي؛ لأن هذا الاحتمال إنما يصح أن يقال لو كان حديث ابن الزبير النافي للتحريك صحيحاً ثابتاً، وقد بينا فيما سبق أنه ليس كذلك؛ بل هو معلول، فيبقى حديث وائل بدون معارض، وقد علم أن الفعل المضارع يفيد الاستمرار إلا لقرينة، وإذ ليس؛ فليس. على أنه لو ثبت حديث ابن الزبير؛ لكان الأولى أن يقال: السنة تحريكها أحياناً، وترك ذلك أحياناً؛ عملاً بالحديثين - كما قلنا ذلك في مواضع أخرى -. وهذا أولى من قول ابن القيم المتقدم: «إن حديث ابن الزبير نافٍ، وحديث وائل مثبت؛ وهو مقدم» فإن هذا يلزم منه رد الحديث الآخر - لو صح -، وليس بجيد، ثم اعلم أنه لم يرد أي حديث - فيما علمنا - يبين كيفية التحريك، فالمصلي بالخيار أن يحرك كيف يشاء؛ لكننا نرى - والعلم عند الله تعالى - أن يكون تحريكه لأصبعه تحريكاً أقرب ما يكون إلى هيئة الصلاة والخشوع فيها. [أصل صفة الصلاة (٣/ ٨٥٢)] أخذ الصحابة الإشارة بالإصبع في الدعاء عن بعض «وكان أصحاب النبي ﷺ يأخذ بعضهم على بعض. يعني: الإشارة بالإصبع في الدعاء». [أصل صفة الصلاة (٣/ ٨٥٧)] الإشارة بالإصبع في التشهدين جميعًا قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ١٤١: ويفعل هذا كله في كل تشهد. وقال في أصل الصفة:

стр. 1878

وكان ﷺ يفعل ذلك في التشهدين جميعاً. [أصل صفة الصلاة (٣/ ٨٥٧)] النهي عن الإشارة بالإصبعين جميعًا قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ١٤٠: ولا يشير بإصبع يده اليسرى. وقال في أصل الصفة: ورأى رجلاً يدعو بأصبعيه، فقال رسول الله ﷺ : «أحِّدْ [أحِّدْ]»، [وأشار بالسبابة]». «أحِّد»: بكسر الحاء المشددة. وكرر للتأكيد بالوحدة، من التوحيد؛ أي: أَشِرْ بأصبع واحدة؛ لأن الذي يدعوه واحد. وأصله: وحد. قلبت الواو همزة. قلت: فما يفعله العامة عقب الوضوء من الإشارة بالسبابتين عند الشهادة؛ خلاف أمره ﷺ ! ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. نسأله تعالى أن يجعلنا من المقتدين بسنته ﷺ ، والمهتدين بهديه. [أصل صفة الصلاة (٣/ ٨٥٧)] الرد على من حكم على التحريك في حديث وائل بالشذوذ [قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]: وأضيف هنا فائدة جديدة في هذا الموضوع فأقول: لقد رأيت في الآونة الأخيرة الشيخ أحمد الغماري يذهب في كتابه الذي صدر

стр. 1879

حديثا: «الهداية في تخريج أحاديث البداية»؛ «بداية المجتهد» يذهب فيه ٣/ ١٣٦ - ١٤٠ إلى تضعيف حديث وائل هذا مدعيا أن هذا اللفظ التحريك. إنما هو من تصرف الرواة لأن أكثرهم ذكر فيه الإشارة فقط دون التحريك! وفي سفرتي الأخيرة للعمرة أول جمادى الأولى سنة ١٤٠٨ هـ قدم إلى أحد الطلبة - وأنا في جدة - رسالة مصورة عن «مجلة الاستجابة» السودانية بعنوان: «البشارة في شذوذ تحريك الإصبع في التشهد وثبوت الإشارة» لأحد الطلبة اليمانيين وهو في الجملة موافق للشيخ الغماري فيما تقدم ذكره لكنه تميز بالتوسع في تخريج أحاديث الإشارة عن بعض الصحابة والروايات الكثيرة فيها عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل خاصة ومنها رواية زائدة بن قدامة عن عاصم المصرحة بالتحريك وقد أفرغ جهدا ظاهرا في تخريجها كلها مقرونة ببيان أجزاء وصفحات مصادرها مما يرجى له الأجر والمثوبة بالحسنى عند الله ﵎. إلا أنني أرى - والعلم عند الله تعالى - أن تفرد زائدة بالتصريح بالتحريك مما لا يسوغ الحكم على روايته بالشذوذ للأسباب الآتي بيانها. أولا: تلقي العلماء لها بالتسليم بصحتها وقبولها حتى من الذين لم يعملوا بها كالبيهقي والنووي وغيرهما فإنهم اتفقوا جميعا على تأويلها وتفسيرها سواء في ذلك من صرح بالتصحيح أو من سلم به، وليس يخفى على أحد أن التأويل فرع التصحيح ولولا ذلك لما تكلف البيهقي تأويل التحريك بالإشارة بها دون تحريكها كما تقدم ولاستغنى عن ذلك بإعلالها بالشذوذ كما فعل الأخ اليماني! وبخاصة أن البيهقي إنما حمله على التأويل حديث ابن الزبير المصرح بعدم التحريك بينما يرى اليماني أن حديث ابن الزبير شاذ وهو الحق كما تقدم بيانه فبقي حديث زائدة دون معارض سوى الروايات المقتصرة على الإشارة ويأتي الجواب عنها. ثانيا: الإشارة في تلك الروايات ليست نصا في نفي التحريك لما هو معهود في الاستعمال اللغوي أنه قد يقترن معها التحريك في كثير من الأحيان، كمثل لو أشار شخص إلى آخر بعيد عنه أن اقترب إلي أو أشار إلى ناس قاموا له أن اجلسوا فلا

стр. 1880

أحد يفهم من ذلك أنه لم يحرك يده! ومالنا نذهب بعيدا فإن خير مثال نقدمه للقارئ حديث عائشة ﵂ في صلاة الصحابة خلفه ﷺ قياما وهو قاعد فأشار إليهم أن اجلسوا. متفق عليه. «الإرواء» ٢/ ١١٩ وكل ذي لب يفهم منه أن إشارته هذه لم تكن بمجرد رفعه يده ﷺ ما هو الشأن في رده السلام على الأنصار وهو يصلي، بل إنها كانت مقرونة بالتحريك فإذن لا ينبغي أن نفهم من تلك الروايات أنها مخالفة لرواية التحريك بل قد تكون موافقة لها. وفي اعتقادي أن هذا هو ملحظ من صحح الحديث وعمل به أو من سلم بصحته لكنه تأوله ولم يقل بشذوذه. وإن مما يؤكد ذلك أنه صح عنه ﷺ أنه كان يشير بإصبعه السبابة في خطبة الجمعة كما رواه مسلم وغيره وهو مخرج في «الإرواء» ٣/ ٧٧ ومن المتبادر منه أن المقصود أنه كان يحركها إشارة للتوحيد وليس مجرد الإشارة دون تحريك ويشهد لذلك رواية ابن خزيمة في «صحيحه» ٢/ ٣٥١ بسند فيه ضعف عن سهل بن سعد نحو حديث عمارة بلفظ: «وأشار بإصبعه السبابة يحركها». وترجم له ابن خزيمة بقوله: «باب إشارة الخاطب بالسبابة على المنبر عند الدعاء في الخطبة وتحريكه إياها عند الإشارة بها». والخلاصة: أن الإشارة بالمسبحة لا ينافي تحريكها بل قد يجامعها كما تقدم فنصب الخلاف بينهما غير سليم لغة وفقها. ومن ذلك تعلم خطأ الأخ اليماني في جزمه بأن الإشارة تنفي التحريك فقال في حديث ابن عمر ﵁: «لهي أشد على الشيطان من الحديد يعني السبابة». «هذا الحديث ليس فيه تحريك بل أقول: أنحن أدرى بمعنى الحديث أم ابن عمر؟ فقد وصف نافع صلاة ابن عمر بالإشارة لا التحريك». فأقول: نعم ليس فيه تحريك ولا عكسه أيضا وكلاهما محتمل هذا هو الحق والله يحب الإنصاف. فحمله على أحدهما بحاجة إلى دليل وهو معنا كما قدمنا. نعم لو جاء صراحة عن ابن عمر أنه لم يحرك إصبعه لكان مرجحها لقوله وهيهات!

стр. 1881

ثالثا: وعلى افتراض أنه صح عن ابن عمر أو غيره التصريح بعدم التحريك فإننا نقول في هذه الحالة بجواز الأمرين: التحريك وعدمه كما هو اختيار الصنعاني في «سبل السلام» ١/ ٢٩٠ - ٢٩١ وإن كان الأرجح عندي التحريك للقاعدة الفقهية: «المثبت مقدم على النافي» ولأن وائلا ﵁ كان له عناية خاصة في نقل صفة صلاته ﷺ ولاسيما كيفية جلوسه ﷺ في التشهد فقد قال: «قلت: لأنظرن إلى رسول الله ﷺ كيف يصلي؟ . .. » الحديث. ثم قال: «ثم قعد فافترش رجله اليسرى فوضع كفه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى وجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى ثم قبض [اثنتين] من أصابعه فحلق حلقة ثم رفع إصبعه فرأيته يحركها يدعو بها. ثم جئت في زمان فيه برد فرأيت الناس عليهم الثياب تحرك أيديهم من تحت الثياب من البرد». رواه أحمد وغيره وهو في «الإرواء» كما تقدم. فقد تفرد وائل ﵁ بهذا الوصف الدقيق لتشهده ﷺ فذكر فيه ما لم يذكره غيره من الصحابة وهو: أولا: مكان المرفق على الفخذ. ثانيا: قبض إصبعيه والتحليق بالوسطى والإبهام. ثالثا: رفع السبابة وتحريكها. رابعا: الاستمرار بالتحريك إلى آخر الدعاء. خامسا: رفع الأيدي تحت الثياب في الانتقالات. أقول: فمن الخطأ الجلي رد التحريك المذكور فيها لتفرد زائدة بن قدامة به دون سائر أصحاب عاصم بن كليب وذلك لأمرين: الأول: أنهم رووا الإشارة وهي لا تنافي التحريك كما تقدم. الأخر: ثقة زائدة وشدة تثبته في روايته عن شيوخه فإن الأئمة مع إجماعهم على

стр. 1882

توثيقه واحتجاج الشيخين به فقد قال ابن حبان فيه في «الثقات» ٦/ ٣٤٠: «كان من الحفاظ المتقنين وكان لا يعد السماع حتى يسمعه ثلاث مرات وكان لا يحدث أحدا حتى يشهد عنه عدل أنه من أهل [السنة]». وقال الدارقطني: «من الأثبات الأئمة». والله ولي التوفيق. [تمام المنة ص (٢١٨)] عدم مشروعية حني الإصبع في التشهد [قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]: قوله: «فعن نمير الخزاعي قال: رأيت رسول الله وهو قاعد في الصلاة. .. رافعا إصبعه السبابة وقد حناها شيئا وهو يدعو. رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة بإسناد جيد». قلت: كلا بل هو ضعيف الإسناد لأن فيه مالك بن نمير الخزاعي وقد قال فيه ابن القطان والذهبي: «لا يعرف حال مالك ولا روى عن أبيه غيره». وأشار الحافظ في «التقريب» إلى أنه لين الحديث. ولم أجد حني الأصبع إلا في هذا الحديث فلا يشرع العمل به بعد ثبوت ضعفه والله أعلم. [تمام المنة ص (٢٢٢)] الإشارة بالإصبع وتحريكه يكون في التشهد [قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:

стр. 1883

قوله: «ورأى الشافعية أن يشير بالإصبع مرة واحدة وعند الحنفية. .. ». قلت: هذه التحديدات والكيفيات لا أصل لشيء منها في السنة وأقربها للصواب مذهب الحنابلة لولا أنهم قيدوا التحريك عند ذكر الجلالة ويبدو أنه ليس من أحمد نفسه فقد ذكر ابن هانئ في «مسائله» ص ٨٠ أن الإمام سئل: هل يشير الرجل بإصبعه في الصلاة؟ قال: نعم شديدا. وظاهر حديث وائل المتقدم الاستمرار في التحريك إلى آخر التشهد دون أي قيد أو صفة وقد أشار إلى نحو هذا الطحاوي في «شرح المعاني» ١/ ١٥٣. [تمام المنة ص (٢٢٣)] تحريك الإصبع في التشهد هل تفرد به زائدة بن قدامة ؟ مداخلة: حديث تحريك الأصبع، هل تفرد به زائدة بن قدامة؟ ... الشيخ: نعم، أجبنا عنه في جلسة سابقة بجوابين: الجواب الأول: أن المخالف هنا له صلة بشيخه واعتداد بروايته عنه أكثر من كل راو من أولئك الرواة الذين خالفوه، حيث قالوا في ترجمته بأنه ثقة ثبت ولعلهم خصوا بالذكر روايته عن عاصم الكبير، فهنا هذا الوصف يرفع من شأنه أكثر مما إذا قيل: فلان ثقة وخالفه الثقات الآخرون، فهنا ينطبق التعريف السابق. الجواب الثاني: أن المخالفة هنا ليست مخالفة جذرية بحيث أنه جاء بشيء لم يأت أولئك به خلاف المثال السابق. لعلكم تذكرون معي أن من أمثلة الحديث الشاذ الذي جاء في بعض كتب المصطلح منه: اختصار علوم الحديث لابن كثير، جاء بحديث ابن عمر: فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر عن كل .. من المسلمين .. زيادة من المسلمين، فردت

стр. 1884

هذه الزيادة من بعض المتقدمين؛ لأنه تفرد بها مالك، ثم جاء الرد الصحيح بأن هذا التفرد ليس صحيحًا بل توبع على هذه الزيادة الإمام مالك من كثير من الثقات، فزيادة: من المسلمين، هي زيادة ثقة على ثقة، أو زيادة ثقات على ثقات، أما هنا في التحريك، ما الذي زاده؟ هو قال: رأيته يحركها، أولئك قالوا: أشار، فالإشارة في اللغة العربية ليس كما لو قال أولئك: لم يحركها، لو قالوا: لم يحركها أو لم يذكروا الإشارة مطلقًا حينذاك يقال: شذ هذا عن أولئك الثقات، لكن أولئك الثقات وافقوا هذا الثقة في رواية الإشارة لكن الإشارة ليست صريحة بالتحريك وإنما هي تحتمل الإشارة هكذا والإشارة هكذا؛ لأنك إذا قلت وقد رأيت رجلًا ينادي الآخر من بعيد، تقول: أشار بيده أو كفه فهذا لا ينافي أنه حرك كفه أو حرك أصابعه، فإذًا: هذا الثقة الذي ذكر كلمة: يحركها، لم يخالف الثقات؛ لأننا لا نستطيع أن نقول: أن أولئك الثقات يعنون أشار إشارة بغير تحريك، لو كان كذلك كنا نقول: إنه حديث شاذ. يوجد في سنن أبي داود حديث ابن الزبير يروي جلوس النبي ﷺ في التشهد وأنه لما جلس رآه يشير بإصبعه ولا يحركها، رواية جامعة مانعة أثبت الإشارة ونفى التحريك، هذا لو كان كذلك الأمر في حديث عاصم بن كليب لكان مثالًا أيضًا جيدًا لكن حديث ابن الزبير هذا في أبي داود هو الشاذ، بل هو المنكر والسبب في ذلك أن هذا الحديث مروي من طريق محمد بن عجلان المدني، عن عامر بن عبد الله ابن الزبير عن أبيه، أنه رأى الرسول ﵇، محمد بن عجلان تعلمون أن فيه كلامًا وأن الذي استقر عليه رأي العلماء أنه حسن الحديث، وهنا يأتي الآن أن من كان حديثه حسنًا فحديثه معرض لخلخلة لأدنى مناسبة، وهذا الذي وقع في خصوص هذا الحديث، فالحديث في سنن أبي داود من رواية شخص .. هو محمد بن عجلان ثم جاء رواة ثقات ورووا الحديث عن ابن عجلان بدون: لا يحركها، فقط: رأيته يشير بها ولم يذكر: ولا يحركها، صار هذا الحديث شاذًا بالنسبة للراوي الأول الذي ظننه أنه زياد بن كعب وهو ثقة، فهو شذ عن الجماعة الذين رووا الحديث كلهم عن محمد بن عجلان إلى آخره.

стр. 1885

أنا شخصيًا أقول: هذا الثقة الذي روى زيادة: ولا يحركها، محمد بن عجلان لا نستطيع أن نقول: شذ عن الجماعة؛ لأننا حينما نقول ذلك معناه أنه أخطأ على ابن عجلان وأنه زاد عليه ما لم يقله بدليل رواية الثقات الآخرين، هذا يقال فيما لو كان محمد بن عجلان في الثقة مثل الراوي عنه، أما وهو دونه فأنا أتصور وهذا يعني: أنا متشبع به تمامًا مقتنع به بمثل هذه الصورة لا نتهم الثقة بأنه زاد على مثل هذا الراوي وإنما نتهم الراوي نفسه أنه هو تارة روى في رواية على الصحة بدون زيادة: لا يحركها، وتارة لأن في حفظه ضعفًا زاد هذه الزيادة، التقطها منه من؟ هذا الراوي الثقة، وأولئك سمعوا الحديث منه على الجادة، هذه واحدة. والأخرى وهي أهم: أن محمد بن عجلان توبع في رواية أصل الحديث دون هذه الزيادة، فإذًا: الخطأ من من؟ من ابن عجلان. ولهذا أقول: أن البيهقي ﵀ لما ذكر حديث عاصم بن كليب في زيادة: رأيته يحركها، ذكره بعد أن ذكر حديث أو قبيل حديث ابن الزبير: ولا يحركها، قال في سبيل الجمع بين الروايتين بلفظة الترجي، قال: ولعل مقصود رواية عاصم بن كليب أنه يحركها، يعني: يشير بها، برواية ابن الزبير أنه كان لا يحركها. فأنا رأيت أن هذا الجمع هو جمع فقهي أكثر ما يكون من أن يكون جمعًا حديثيًا؛ لأن هذا الجمع إنما يصار إليه إذا كان الروايتان المختلفتان قويتان كما قال ابن حجر العسقلاني رحمه في كتابه: شرح النخبة: أن الحديث إذا جاء حديثان من قسم المقبول متعارضين وفق بينهما بطريق من التوفيق، فإن لم يمكن التوفيق اعتبر الناسخ من المنسوخ، إذا لم يكن هناك مجال لإثبات ناسخ ومنسوخ صير إلى الترجيح، قيل مثلًا هذا صحيح وهذا حسن فيقدم الصحيح على الحسن ... إلى آخره، وإذا لم يمكن الترجيح وتساوت قوة الحديثين توقف فيهما [ووُكِلَ] الأمر إلى عالمه. حديث ابن عجلان عرفنا ما فيه فكيف نحاول التوفيق بين نفيه وبين إثبات الثقة، هو أي: البيهقي ﵀ لو وجد مجالًا لإعلال هذه الرواية: رأيته يحركها بالشذوذ لأغناه ذلك عن الجمع، كما يغنيني أنا عن الجمع بين هذا الحديث الصحيح

стр. 1886

وبين حديث ابن الزبير في زيادة: لا يحركها؛ لأنها زيادة شاذة إن لم نقل منكرة، تفرد بها ابن عجلان دون سائر الثقات الذين تابعوه على رواية أصل الحديث عن شيخه عامر والحديث بدون الزيادة في صحيح مسلم وبطرق صحيحة، ولعله أيضًا كما هي عادته .. أقول: لعل لأني لست متيقنًا: روى الحديث من رواية بعض الثقات عن ابن عجلان بدون الزيادة. فإذًا: هذه الزيادة شاذة، فيبقى حديث عاصم بن كليب دون أي معارض يضطرنا أن نقول: بأنه من قسم الشاذ. (لقاءات المدينة لعام ١٤٠٨ هـ (٥) /٠٠: ٠٥: ٤٦) صحة زيادة زائدة بن قدامة في التحريك في التشهد السائل: كيف رجحتم في حديث التحريك أنها زيادة مقبولة من الراوي، ولم تُرجِّحوا أنها شاذة، رغم كثرة المخالفين للزائد؟ الشيخ: ليسوا مخالفين، الذين يقولون: أولئك مخالفون، هم المخالفون. الذين حكى القائل أو الناقل بأنهم خالفوا الذي صَرَّح بالتحريك، إنما تكون المخالفة في مثل هذه المسألة فيما لو قالوا: لم يحركها والحديث واحد حينذاك يقال: والله خالفه الثقات، لكن لا يوجد مثل هذه المخالفة في هذا الحديث الذي روى الثقة التحريك، وإنما يوجد لفظة ليست صريحة في التحريك، وهي أنه أشار، والإشارة لا تُنافي التحريك أبداً، لا، الآن نتكلم لغةً بعدين نطبقها على ما نحن فيه، لو قال رجل: رأيت فلاناً يشير إلى صاحبه من بعيد أن تعال إلي فهو صادق في قوله، لو جاء متحدث آخر له نفس القصة فأشار إلى صاحبة وحرك يده، لا يقال هذا مخالف للأول، الأول ذكر اللفظة لفظة الإشارة، ممكن أن هذه اللفظة تتضمن التحريك، وممكن ألّا تتضمن التحريك، فلما جاءت رواية الثقة يقول أشار بإصبعه، فرأيته يحرك يده بها، هذا كما يقال اليوم: وَضْع النقاط على الحروف، يعني: أوضح

стр. 1887

المقصود من الإشارة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى الذي روى التحريك هو فيما أذكر زائدة ابن قدامة، ويروي ذلك عن شيخه عاصم بن كُليب، وعاصم يرويه عن أبيه كُليب، وكُليب يرويه عن الصحابي الجليل وائل بن حُجْر اليماني. زائدة ابن قدامة حينما ندرس ترجمته نجدهم يذكرون فيها أنه كان له عناية خاصة في ضبط وحفظ حديث عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل. فلهذا وذاك أخذنا بهذه الزيادة، ولم نعتبرها مخالفة، أو مخالفة لتلك الرواية الأخرى التي اقتصرت على ذكر الإشارة ولم تصرح التحريك. (الهدى والنور/٧٨٥/ ١٤: ٥٦: ٠٠) (الهدى والنور/٧٨٥/ ٥٥: ٥٧: ٠٠) هل زيادة زائدة بن قدامة في تحريك الإصبع شاذة ؟ الملقي: يقول السائل: في حديث وائل ابن حجر في تحريك الأصبع من طريق زائدة فهذه الزيادة تفرد بها زائدة؛ إذ ورد الحديث من اثني عشر طريقاً أو من اثني عشر طريقاً لم تُذْكَر فيها هذه الزيادة، فهل هذه الزيادة مخالفة، أم أنها زيادة الثقة؟ الشيخ: تكلمنا في السفرة الماضية بشيء من التفصيل عن مثل هذا السؤال، والجواب: أن حديث زائدة هو حديث صحيح، ولا مخالفة بينه وبين رواية الآخرين؛ لأن الآخرين ما نفوا ما جاء به زائدة. وإنما قالوا بالرفع، والرفع لا ينافي التحريك كما ذكرنا بالتفصيل. (الهدى والنور/٣٧٥/ ٥٨: ٥١: ٠٠) هل زيادة (يحركها) شاذة ؟ مداخلة: السؤال الثالث حول تحريك الإصبع، جاء عن بعض طلبة العلم أن

стр. 1888

زيادة «يُحَرِّكها» في حديث وائل بن حجر شاذه، وتفرد راوٍ بها مخالفاً الجماعة الذين قالوا أشار بها، وما الجمع بين هذا وقوله في بعض الروايات نصب أصبعه؟ الشيخ: نحن سمعنا هذه الكلمة في عمرتنا الأخيرة في جدة وفي مكة وفي المدينة، وكان جوابنا كالتالي: أولاً: لفظة التحريك لا تُنَافي الإشارة؛ لأن الإشارة من حيث هي، أو من الناحية العربية كثيراً ما تكون مقترنة بالتحريك، فإذا قال الرجل العربي: إن فلاناً أشار لأخيه بأن يُقدم عليه، فمش ضروري يُفهم أنه أشار هكذا، كما هو الإشارة مثلاً في السلام، وهو في الصلاة إذا سَلَّم عليه رجل فهو يرفع يده، يُشير بذلك إلى أنه تَقَبل السلام، أو يحرك رأسه هكذا، لكن لا يعني أن الإشارة دائماً تكون بمعنى عدم التحريك، بل هي تُجَامع التحريك وتفارقه. فالذي يريد أن يقول بأن كلمة «يُحَرّكها» شَاّذة، بدعوى أن الأحاديث أو الروايات الأخرى بالعبارة الأصح لم تَذْكُر التحريك، وإنما ذكرت الإشارة. فالجواب هو ما ذكرناه آنفاً: أن الإشارة لا تُنَافي التحريك، فحينئذٍ لا يقال: إنه هناك تناف بين هذه الروايات، وبين رواية أظن اسمه زائدة بن قدامة هذا من جهة. من جهة أخرى: كلمة نصب أيضاً لا يُنَافي التحريك، كما لا ينافي الإشارة، لأن التحريك لا بد معه من النصب، فهنا تكون العبارة فيها زيادة على النصب، بلا شك التحريك يكون فيه زيادة على النصب، لكن ليس كذلك فيها زيادة على الإشارة، لأنه ذكرنا أن الإشارة في كثير من الأحيان تقترن مع التحريك، هذا إذا ثبت لفظ نصب بدون أي معارض. فهل الذين يقولون من إخواننا الطلاب كما قلتوا درسوا حديث نصب، كما درسوا حديث التحريك، فوجدوا هذا اللفظ بالذات محفوظاً؟ مداخلة: على مذهبهم لا بد أن يكون لاحقاً بلفظ التحريك، لكن يبدو أنه يعني: يثبتوه، أنا كتب لي بعض الإخوة أنه يعني يثبت هذا.

стр. 1889

الشيخ: لكن هل هو على طريقة إثباتهم الإشارة في حديث وائل دون التحريك؟ مداخلة: لا. الشيخ: هذا هو المقصود يعني، وضح لك جوابي. عندي شيء ما كنت ذكرته هناك خطر في بالي فيما بعد، وهو: نحن ننصح إخواننا الناشئين في هذا العلم بالتروي في إصدار الأحكام، ومن التروي أن ينظروا شخصاً من العلماء المتقدمين سبقهم إلى مثل هذا الحكم الذي قد يذهبون إليه؛ لأنني أنا وقد بلغت هذا السن في هذا العلم، ما عرفت حتى هذه الساعة عالماً من علماء الحديث ادَّعى هذه الدعوى، بل كل علماء الحديث الذين خَصَّصوا كتبهم للأحاديث الصحيحة، مضوا على أن هذا الحديث صحيح «كابن حبان» و «ابن خزيمة» و «المنتقى» لابن الجارود ونحو ذلك. أضف إلى هذا بأن العلماء الذين جاؤوا من بعد، وخَرَّجوا الحديث، ما أحد منهم ذكر أنه هذا الحديث شاذ، فهنا يُحْتَاج إلى شيء من الأناة؛ خشية أن يدخل في الموضوع شيء قد لا يتنبه له بعض الناس؛ لأن مكر الشيطان لبني الإنسان قبيح جداً. ولذلك اللِّي يكون له كضمان، من أن يكون قد انحرف شيئاً ما عن الخط الذي صار عليه جمهور علماء الحديث، فلا بد أن يستأنس برأي من سبقه في ذلك، يعني: هذا الحديث مثلاً من المتأخرين ابن القيم الجوزية يُصَحِّحه، ونقل ذلك عن المتقدمين الذين ذكرناهم. بلا شك نحن لعلنا سَبَّاقين في عدم التقليد، وفي النهي عن الاتباع الأعمى و .. و .. إلى آخره، لكن هذا ليس معناه أن نقفز قفزة الغزلان إلى الطرف المعاكس تماماً، فلا نعتد بجهود العلماء كلهم، وإنما نتئد ولا نستعجل، حتى لا نقع يوماً ما في خطأ علمي نخالف أولاً: قواعد علم الحديث، وثانياً: أئمة الحديث الذين سبقونا من قبل.

стр. 1890

هذا الذي خطر في بالي أن أذكره وما ذكرته هناك، هناك ذكرت شيئاً وهو: أن هذا الحديث حديث وائل بن حجر برواية زائدة بن قدامة «فرأيته يحرك يده بها» لو كان هناك مجال لادعاء ضعف هذا اللفظ من حديث وائل، لكان «الإمام البيهقي» استراح منه، ولم يتكلف ذلك التكلف الذي نشهد نحن بأنه كان في غنىً عنه، لو كان يجد مساراً وسبيلاً في تضعيف حديث وائل بن حجر في هذا اللفظ ماذا فعل؟ لقد أورد هذا الحديث في جملة ما أورد من أحاديث وما يتعلق من تحريك الإصبع والإشارة بالأصبع، قبل أن يُوْرِد حديث عبد الله بن الزبير من طريق الإمام أبي داود في سننه، حيث رواه أبو داود بلفظ فأشار بأصبعه ورأيته لا يُحَرِّكها، فقال البيهقي: والجمع بين حديث وائل الصريح في النفي، وبين حديث .. عفواً بين حديث ابن الزبير الصريح في النفي، وحديث وائل الصريح في الإثبات قال: لعل، هنا عبرتان: أولاً: أنه ما قال هذا الحديث الذي رواه عن ابن الزبير عليه العمل، أما حديث لا يُحَرّكها فهو شاذ، لو كان كذلك لكان استراح من قضية الجمع، لكنه لم يفعل شيئاً من ذلك، وإنما قال: والعبرة الثانية قوله: لعل المقصود من حديث وائل يعني: يشير بها؛ حتى لا يختلف حديث وائل مع حديث ابن الزبير. وهذا إمام من أئمة الحديث المتأخرين عن «ابن خزيمة» «وابن حبان» و «ابن الجارود صاحب المنتقى» إلى آخرهم، فما الذي حمله على هذا الجمع؟ هو القاعدة المعروفة بين علماء الحديث -وبخاصة في تعبير ابن حجر في شرح النخبة- أنه إذا جاء حديثان متعارضان من القسم المقبول وجب التوفيق بينهما إذا أمكن، فإذا لم يُمكن صِير إلى اعتبار الناسخ من المنسوخ، فإن لم يُمكن صِير إلى الترجيح أي: الأقوى على القوي وهكذا، فإذا تساووا في القوة حينئذٍ تُرك الأمرُ لعالمه. فإذاً: البيهقي لسان حاله، وكما يقول العلماء: لسان الحال انطق من لسان المقال، بيقول لك: حديث وائل بن حجر بلفظ «يُحَرِّكها» حديث صحيح. ولذلك حاول أن يُوَفِّق بين الحديثين، هذا ما كنت ذكرته هناك، فيضاف إلى ما

стр. 1891

ذكرته هنا؛ لأنه المسألة تأخذ شيئاً من القوة ... مداخلة: . .. من باب الإضافة، الحافظ ابن حجر رحمة الله عليه في «فتح الباري» في الشرح طبعاً يذكر أن «ابن العربي» ادّعى ضعف زيادة وردت في بعض الأحاديث؛ لأنها من طريق زائدة، وتعقَّبه شيخنا «الحافظ العراقي» بأن زائدته ثقة كبير، لا يضر انفراده، فيما لو انفرد فمثله لا ينفرد في الواقع؛ لأنه يعني فعلاً ترجمته بيضاء جداً، حَطُّوه مع شعبة ومع كذا وأكبر منه. .. الشيخ: بعض العلماء قالوا فيه ثقة ثبت، حتى هذا ذكرته أنا هناك، فسألني أحد الطلبة الظاهر عنده اشتغال وهذه ظاهرة طيبة في الواقع يعني: أن تكثر هذه الأسئلة قال لي: أنت قلت زائدة بن قدامة قالوا عنه بأنه ثقة ثبت، بمناسبة أنك صححت حديثه «رأيته يُحَرِّكها» قلت: نعم. قال: هل هذا خاص في روايته عن عاصم بن كليب أم هو عام؟ قلت له: أيهما أقوى. قال: إن كان عاماً. قلت: فهو عام، فهو ثقة ثبت في كل ما يروي عنه. مداخلة: هو لما سأل يريد الأولى. الشيخ: نعم؟ مداخلة: هو لما سأل يريد الأولى. الشيخ: هو هذا، لكن لا هي بالعكس تماماً. .. (الهدى والنور /١٣٥/ ٢٦: ٠٩: ٠٠) متى تكون الإشارة والتحريك في التشهد ؟ السائل: فضيلة الشيخ بالنسبة للإشارة بالسبابة في التشهد نرى الناس يفعلونها على ثلاثة أشكال وهي: الإشارة بها وعدم التحريك، الإشارة بها والتحريك بها على طول التشهد، أو الإشارة بها وتحريكها في بعض المواضع، نرجو التفصيل والإتيان بالدليل على القول الصحيح؟

стр. 1892

الشيخ: لقد تكلمنا في هذه المسألة كثيرًا ولذلك فألخص الجواب عنها فأقول: إن رفع الإصبع في التشهد سنةٌ ثابتةٌ في أحاديث كثيرة، ولكن لا يصح في شيء منها نفي التحريك، بل قد ثبت التحريك في حديثٍ صحيح صححه جماعةٌ من الأئمة المتقدمين والمتأخرين ألا وهو حديث وائل بن حُجرٍ ﵁ الذي وصف لنا جلوس النبي ﷺ في التشهد في جملة ما وصف لنا من صلاته ﵇، فذكر أنه رأى النبي ﷺ حين جلس للتشهد رفع السبابة قال: «فرأيته يحركها يدعو بها» فقوله ﵁: «فرأيته يحركها يدعو بها» نصٌ صريحٌ على أن التحريك بدأ من ساعة جلوسه ﵊ للتّشهد مستمرًا بالتحريك إلى الدعاء لأنه قال يدعو بها، أما تقنين التحريك مع لفظة الجلالة فهذا إنما هو مجرد رأيٍ ليس له أصلٌ لا في نص عن النبي ﷺ ولا في أثر عن صحابي، ولذلك فالرأي الصحيح هو ماجاء في صحيح حديث وائلٍ أنه ﵊ كان يحركها مستمرًا في تحريكها حتى نهاية التشهد - أي إلى السلام -، لم يقترن به فعلٌ، أليس يقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، مثلاً قد قال ﵊: «من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقام المحمود الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة» لم يُنقَل عن النبي ﷺ أنه كان يدعو بهذا الدعاء، ولكنه كما تسمعون حضَّ أمته على أن كل من قال هذا الدعاء بعد سماع النداء تحل له شفاعته الخاصة منه ﷺ بهذا الداعي يوم القيامة، ألا يدخل من كان ملتزمًا لهذا الدعاء في عموم قوله تعالى في حق نبيه ﷺ : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾؟ أليس من قال هذا الدعاء قد اقتدى به ﵇ -أي بقوله-؟ ، فكما يكون الاقتداء بفعله؛ يكون الاقتداء بقوله وتعليمه عليه الصلاة والسلام، ولذلك فالاستدلال بالآية السابقة؛ اعتراضًا وانتقادًا لما جاء في بعض كتب علم الأصول، أصول الفقه أنه إذا تعارض قوله ﷺ مع فعلٍ له قُدِم قوله على فعله، ما كان ينبغي للسائل أن يحشر الآية السابقة لترجيح الأخذ بالفعل على القول، بل الصواب هو ماحكاه من أن العلماء يقولون: إذا تعارض قوله ﷺ مع فعله قُدِمَ قوله على الفعل، والسبب في

стр. 1893

ذلك أن القول الصادر من النبي ﷺ إنما هو تشريعٌ من الله على لسانه ﷺ للأمةِ كلها، أما فعله ﵊ فقد يحيط به بعض الاحتمالات التي تجعل فعله خاصًا به ﵇، وهذا -يجب أن تنتبهوا- هذا الكلام الأخير إنما هو فيما إذا كان فعله مخالفًا لقوله ﵊؛ ففي هذه الحالة يقول العلماء إن فعله ﵇ إذا خالف قوله ولم يمكن التوفيق بين فعله وقوله ولا مناص حينئذٍ من مخالفةِ إمّا الفعل وإمّا القول فحينئذ اتباع القول ومخالفة الفعل هو اللائق بالأمة ذلك لأن فعل النبي ﷺ في هذه الحالة - أؤكد في هذه الحالة فقط؛ أي حالة كون فعله مخالفًا لقوله - في هذه الحالة فقط يقال: يترك فعله ﵇ له، ونأخذ نحن بقوله لما سبق ذكره آنفًا أن قوله تشريع عام للأمة أمّا فعله فيحيط به احتمالات، يمكن أن يكون فعله قبل أن يشرع للناس ماشرّع على لسان الله ماشرّع بوحي من الله لأمته، فيكون الفعل قبل القول، أو يكون فعله ﵊ لعذرٍ لا ندري ما هو، أو يكون في النهاية أمرًا خاصًا، تشريعًا خاصًا به ﵊ لايشاركه فيه أحدٌ من المسلمين. مثال ذلك مثلاً: من المقطوع به أن النبي عليه الصلاة السلام تزوج من النساء أكثر من أربع، بل مات ﵊ وتحت عصمته تسع من النساء وهذا خلاف ماجاء في ظاهر قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ وتأكد معنى المعنى الظاهر من هذه الآية بالحديث الذي جاء في السنن: أن رجلاً أسلم وتحته تسع من النسوة فلما جاء إلى النبي ﷺ وذكر له ذلك، قال له ﵊: «أمسك أربعًا منهن وطلّق سائرهن» هذا قوله ﵇ وذاك فعله، فما موقف ذاك السائل الذي حشر الأية الكريمة في محاولة ترجيح الفعل على القول؟ لا يجد له سبيلاً إلا أن يمشي مع عامة المسلمين، علماء ومن دونهم، بأنَّ تَزَوُج النبي ﷺ بتسعٍ من النساء بل وبأكثر من ذلك إنما هي خصوصيةٌ خصه الله ﵎ بها، فنحن ندع فعله له ﵇ ونأخذ بقوله كما في الآية وفي الحديث المذكور آنفًا، والأمثلة على ذلك تكثر، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ولعله يحسن بي في ختام الجواب على هذا السؤال أن أضرب مثلاً آخر حساسًا

стр. 1894

له علاقة بحياتنا الإجتماعية في هذا الزمان، حيث أننا نخالف قوله ﷺ محتجين بفعله مع أنه يرِد عليه ما ذكرته من الاحتمالات الثلاثة، ألا وهو شرب كثيرٍ من الناس قيامًا، وهم يعلمون أن النبي ﷺ قد نهى عن الشرب قائمًا، كما جاء في صحيح مسلم من حديث أنس بن مالكٍ رضي الله تعالى عنه قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الشرب قائمًا»، وفي روايةٍ: «زجر رسول الله ﷺ عن الشرب قائمًا، فقيل له: أرأيت الأكل؟ قال: شرٌ» أي الأكل من قيام شر من الشرب من قيام، كثير من الناس نراهم يتساهلون فيشربون قيامًا، وإذا ما أوردت عليهم هذا الحديث مُذكِّرًا لهم بنهيه، بل بزجره ﷺ لنا معشر المسلمين عن الشرب قائمًا، بادروك بقولهم: ألم يشرب رسول الله ﷺ قائمًا؟ ، جوابنا: نعم، قد ثبت عن النبي ﷺ في غير ما حديث، وفي غير ما حالةٍ واحدةٍ أنه شرب قائمًا، ولكن ما العمل وأمامنا حديثٌ من قوله ﷺ وهو زجرُه عن الشرب قائمًا وعندنا أيضًا فعله ﷺ وهو شربه قائما، إذا عرفتم القاعدة السابقة وحاولتم التوفيق بين نهيه وفعله؛ لابد أنكم ستجدون أنفسكم إذا سلمتم بها أن تقولوا ربما أن النبي ﷺ شرب قائمًا لأنه لم يتمكن من الشرب قاعدًا، وهذا يلاحظه الباحثون المتفقهون في أحاديث النبي ﷺ في بعض الأحاديث التي جاء فيها أنه ﷺ شرب قائمًا، حيث في هذا الحديث وهو في سنن الترمذي وغيره أن النبي ﷺ جاء إلى قِربةٍ معلَّقةٍ فحل وكاءها وشرب منها قائمًا، أي أن القربة كانت مُعلَّقة، وليس من السهل إنزال القربة والشرب منها، وهو عليه الصلاة والسلام جالسٌ، تصور هذه القصة يغنينا عن محاولة التكلف في بيان السبب الذي شرب ﵊ قائمًا. فالأحاديث التي ليس فيها بيان السبب تُحمَل إما على هذا المحمل وهو العذر، وإما على محمل ثاني وهو أن يكون الشرب قبل النهي، وإما على المحمل الأخير أن يكون ذلك حكمًا خاصًا به ﵊. بعض العلماء ممن عالجوا هذه المسألة، حاولوا الجمع بين الفعل والقول، والمحاولةُ في الأصل أمر مطلوب ولكن بشرطِ أن تكون المحاولة ليس فيها تكلفٌ، وليس فيها تعطيل لقوله ﵊ بوجه من وجوه التأويل، كما سترون

стр. 1895

فيما يأتي، قالوا توفيقًا بين فعله ﷺ بين شربه قائمًا وبين نهيه عن الشرب قائمًا، نحمل النهي على التنزيه؛ أي يكون الحكم أن الشرب قيامًا هو مكروهٌ وليس بحرام، فالأولى أن يشرب الشارب جالسًا، هذا ما قاله بعض أهل العلمِ ومنهم الإمام النووي، لكن هذا الجمع وقف عند لفظ نهى، لكنه لو تعدّى نظر الجامع المذكور إلى الرواية الآخرى التي تقول: «زجر رسول الله ﷺ عن الشرب قائمًا»؛ لوجد نفسه غير موفق في ذلك التوفيق، لأن الزجر أقوى من النهي، الزجرُ كما لوكان النص حرّم رسول الله الشرب قائمًا، حينئذ لا سبيل إلى تأويل التحريم إلى الكراهة التنزيهية، ولذلك فالتأويل السابق كان يمكن أن يكون سائغًا ومقبولاً لولا الرواية الأخرى: «زجر رسول الله ﷺ عن الشرب قائمًا» أما وهي أيضًا صحيحة وفي صحيح مسلم؛ فبذلك يثبت أن ذلك التأويل تأويل هزيل، لاينبغي الاعتماد عليه، يزداد التأويل المذكور ضعفًا على ضعفٍ، فيما إذا تذكرنا حديثًا آخر أخرج معناه الإمام مسلم في صحيحه أما اللفظ فأخرجه الإمام أحمد في مُسنده أن النبي ﷺ وسلم رأى رجلاً يشرب قائمًا فقال له: «يافلان أترضى أن يشرب معك الهر؟ قال: لا يارسول الله، قال: فقد شرب معك من هو شرٌ من الهر الشيطان، شرب معك الشيطان لأنك شربت قائمًا» ثم قال له ﵊ أو لغيره ممن شرب قائمًا: «قئ قئ» أمره بأن يستفرغ الماء الذي شربه قائمًا، هذا حكم مكروه كراهة تنزيهية أن يُكلَّف من ارتكب مكروهًا أن يشق على نفسه وأن يستفرغ ما في بطنه من الماء، ليس هذا سبيل المكروهات وإنما هو سبيل المحرمات ثم إذا كان الشيطانُ قد صرح النبي ﷺ بأنه قد شارك هذا الشارب للماء قائمًا، أفيكون هذا ايضًا مكروهًا كراهةً تنزيهية؟ الجواب: كلا ثم كلا ثم كلا، وختام القول أن هذا مثالٌ صالح، كيف ينبغي، أو لماذا قال أهل العلم بأنه إذا تعارض القولٌ مع الفعلِ قُدِمَ القول على الفعل، هذا أمر لا يشك فيه منّ تتبع أحكام الشريعة في أحاديث النبي ﷺ فإنه سيجد نفسه مضطرًا إلى القول بما قاله هؤلاء العلماء؛ أنه إذا تعارض فعله ﷺ مع قوله قُدِمَ القول على الفعل، هذا حينما لا يمكن التوفيق بين فعله وقوله كما ضربنا لكم آنفًا مثل الشرب قيامًا، ومثل التزوج بأكثر من أربع وفي هذا
следующие страницы →