Полный текст (8 195 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
أبو معمر عنه.
وضعفه الدارقطني - وتبعه الهيثمي «٢/ ١٤٥» - بابن مجاهد هذا؛ فقالا: «ضعيف».
الثالث: عن ابن عمر مثله.
أخرجه الدارقطني «١٣٤» من طريق خارجة بن مصعب عن موسى بن عُبيدة عن عبد الله بن دينار عنه.
وقال: «موسى بن عبيدة وخارجة: ضعيفان».
الرابع: عن بريدة مرفوعاً: «يا بريدة إذا جلست في صلاتك؛ فلا تترك التشهد والصلاة عليَّ؛ فإنها زكاةُ الصلاة».
رواه الدارقطني أيضاً «١٣٦» عن عمرو بن شِمْر عن جابر عن عبد الله بن بريدة عنه.
وقال: «عمرو بن شِمْر وجابر: ضعيفان».
وهذه الأحاديث وإن كانت أسانيدها ضعيفة؛ فمجموعها صالح للاحتجاج بها إن شاء الله تعالى؛ لا سيما وأنها مؤيدة بالقسم الثاني، وفيه ثلاثة أحاديث: الأول: عن كعب بن عجرة عن النبي ﷺ : أنه كان يقول في الصلاة: «اللهم صل على محمد ... » إلخ.
أخرجه الإمام الشافعي في «الأم» «١/ ١٠٢»: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: ثني سعد بن إسحاق بن كعب بن عُجْرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه.
وإبراهيم بن محمد هذا: ضعيف.
وقال ابن القيم «١٥»: «كان الشافعي يرى الاحتجاج به على عُجَرِهِ وبُجَرِهِ، وقد تكلم فيه مالك والناس».
الثاني: عن أبي هريرة أنه قال: يا رسول الله! كيف نصلي عليك - يعني: في
стр. 1927
الصلاة -؟ قال: «قولوا: اللهم! صلِّ على محمد ... » إلخ.
أخرجه الشافعي أيضاً عن شيخه هذا بإسناده عنه. لكن يشهد له: الحديث الثالث: عن أبي مسعود عقبة بن عمرو قال: أقبل رجل حتى جلس بين يدي رسول الله ﷺ ونحن عنده؛ فقال: يا رسول الله! أما السلام عليك؛ فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا - صلى الله عليك -؟ قال: فَصَمَت رسول الله ﷺ حى أحببنا أن الرجل لم يسأله. فقال:
«إذا أنتم صليتم علي؛ فقولوا: اللهم! صل على محمد ... » إلخ.
أخرجه أبو داود «١/ ١٥٥»، والدارقطني «١٣٥»، والبيهقي «٢/ ١٤٦ و ٣٧٨»، وأحمد «٤/ ١١٩» عن محمد بن إسحاق قال: وثني - في الصلاة على رسول الله ﷺ إذا المرء المسلم صلى عليه في صلاته - محمدُ بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن محمد ابن عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري عنه.
وهذا إسناد حسن متصل - كما قال الدارقطني -.
وأما قول الحاكم «١/ ٢٦٨» - بعد أن ساقه من هذا الوجه -: «صحيح على شرط مسلم».
فليس بصواب؛ وإن وافقه الذهبي؛ لأن ابن إسحاق إنما خرَّج له مسلم في المتابعات - كما سبق التنبيه عليه مراراً -.
على أنه قد تكلم بعضهم في حديثه هذا؛ لأنه تفرد بقوله: إذا نحن صلينا في صلاتنا. مع أن بعض الرواة عن ابن إسحاق لم يذكرها - كما ذكر ذلك ابن القيم بما هو مبين في كتابه «الجلاء». فراجعه «٤ - ٦» -.
وقد روى الحديث مسلم وغيره، وليس فيه هذه الزيادة، وسيأتي ذكره قريباً إن شاء الله تعالى.
أما قوله: أما السلام عليك؛ فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك؟ فهو ثابت في غير ما حديث - كما سنذكره -.
стр. 1928
وأما النوع الآخر من الأحاديث؛ فسيأتي ذكر كل منها في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقد قال العلماء - كالبيهقي، وابن كثير، والعسقلاني -: ومعنى قولهم: «هذا السلام عليك قد عَلِمْناه»: هو ما علّمهم إياه في التشهد من قولهم: «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته».
فهو دليل واضح على مشروعية الصلاة عليه ﷺ في التشهد الأول أيضاً؛ لوجود السلام عليه فيه. ويؤيد ذلك الأحاديثُ التي قبله.
وإلى هذا ذهب الشافعي ﵀ كما نص عليه في «الأم» «١/ ١٠٢ و ١٠٥» - وهو الصحيح عند أصحابه؛ كما صرح به النووي في «المجموع» «٣/ ٤٦٠»، ثم قال: «والصحيح أنها تُسَنُّ، وهو نص الشافعي في «الأم» و «الإملاء».
«واستظهره في «الروضة» «١/ ٢٦٣ - طبع المكتب الإسلامي».
وهو اختيار الوزير ابن هبيرة الحنبلي في «الإفصاح»؛ كما نقله ابن رجب في «ذيل الطبقات» «١/ ٢٨٠» وأ قره».
وقد عقد ابن القيم فصلاً خاصاً للصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول، وذكر اختلاف العلماء في ذلك، وساق أدلة المجيزين والمستحِبين، وهي بعض الأحاديث التي أوردناها في النوع الأول؛ كحديث ابن عمر، وبريدة؛ وقال: «وهذا يعم الجلوس الأول والآخر».
ثم ذكر لهم حجة أخرى؛ وهي الآية التي مر ذكرها مع كلام ابن القيم عليها، ثم قال: «ولأنه - يعني: التشهد الأول - مكانٌ شرع فيه التشهد، والتسليم على النبي ﷺ ؛ فشرع فيه الصلاة عليه كالتشهد الأخير، ولأن التشهد الأول محل يستحب فيه ذكر الرسول ﷺ ؛ فاستحب فيه الصلاة عليه؛ لأنه أكمل لذكره».
ثم ساق أدلة المانعين المخالفين، وليس فيها ما ينبغي الاشتغال بالإجابة عنه، إلا قولهم: إن التشهدَ الأولَ تخفيفُه مشروعٌ، وكان النبي ﷺ إذا جلس فيه؛ كأنه
стр. 1929
على الرَّضْفِ. وقولهم: إنه لم يثبت عنه ﷺ أنه كان يفعل ذلك فيه.
والجواب عن الأول: إن الحديث المذكور ضعيف لا يصح الاحتجاج به؛ لأنه من رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، ولم يسمع منه - كما تقدم ذلك مراراً -.
أخرجه أصحاب «السنن» -إلا ابن ماجه- والحاكم «١/ ٢٦٩»، والبيهقي «٢/ ١٣٤»، والطيالسي «ص ٤٤»، وأحمد «١/ ٣٨٦ و ٤١٠ و ٤٢٨ و ٤٣٦ و ٤٦٠» من طرق عن سعد بن إبراهيم عنه.
وقال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين». وتعقبه الذهبي بقوله: «ينظر؛ هل سمع سعد من أبي عبيدة؟ ».
وهذا ليس بشيء؛ فقد صرح سعد بسماعه من أبي عبيدة في رواية الطيالسي، والترمذي، وهو يرويه عنه، وكذا صرح به في رواية لأحمد. وإنما علته الحقيقية ما أشرنا إليه آنفاً، وقد ذكرها الترمذي أيضاً حيث قال: «هذا حديث حسن، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه».
ويتعجب منه كيف جمع بين تحسين الحديث وذكرِ علته التي تمنع الحكم عليه بالحسن، مع العلم بأنه ليس له طريق إلا هذه!
وقد نقل النووي في «المجموع» «٣/ ٤٦٠» كلامه مختصراً، وتعقبه حيث قال: «قال الترمذي: هو حديث حسن. وليس كما قال؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع أباه، ولم يدركه باتفاقهم. وهو حديث منقطع».
وكذلك أعله الحافظ في «التلخيص» «٣/ ٥٠٦»؛ قال: «وهو منقطع؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، قال شعبة عن عمرو بن مُرَّة: سألت أبا عبيدة: هل تذكر من عبد الله شيئاً؟ قال: لا. رواه مسلم وغيره».
على أن الحديث لو صح؛ لم يكن فيه دليل على ما ذكروا؛ فقد قال الشوكاني «٢/ ٢٤٢» - بعد أن ذكر الخلاف في وجوب الصلاة على النبي ﷺ وساق أدلة
стр. 1930
الفريقين -: «ولكن تخصيص التشهد الأخير بها مما لم يدل عليه دليل صحيح ولا ضعيف، وجميع هذه الأدلة التي استدل بها القائلون بالوجوب لا تختص بالأخير، وغاية ما استدلوا به على تخصيص الأخير بها حديث ابن مسعود هذا، وليس فيه إلا مشروعية التخفيف، وهو يحصل بجعله أخف من مقابله - أعني: التشهد الأخير -، وأما أنه يستلزم ترك ما دل الدليل على مشروعيته فيه؛ فلا، ولا شك أن المصلي - على أحد التشهدات، وعلى أخصر ألفاظ الصلاة عليه ﷺ «قلت: كالنوعين الأخيرين» - كان مسارعاً غاية المسارعة باعتبار ما يقع من تطويل الأخير؛ بالتعوذ من الأربع، والأدعية المأمور بمطلقها ومقيدها فيه».
وأما الجواب عن قولهم: إنه لم يثبت عنه ﷺ أنه كان يفعل ذلك فيه؛ فهو المعارَضَةُ بأن يقال: كذلك لم يثبت عنه ﷺ أنه كان يفعل ذلك في التشهد الأخير؛ أفيدل ذلك على عدم المشروعية؟ كلا.
وتوضيح ذلك: أن الأمور الشرعية تثبت إما بقوله ﷺ ، أو بفعله، أو بتقريره، وليس من الضروري أن تجتمع هذه الأمور الثلاثة في إثبات أمر واحد اتفاقاً.
وعليه؛ فهذه الأدلة التي سقناها، والتي سيأتي ذكرها - كما أنها تدل على مشروعية الصلاة عليه ﷺ في التشهد الأخير؛ فكذلك - تدل على مشروعيتها في الجلوس الأول بعمومها وإطلاقها - كما تقدم -.
نعم؛ لو صح ما يقيد ذلك من الأدلة؛ لأخذنا بها؛ حملاً للمطلق على المقيد، ولكنه لم يصح - كما علمت -.
على أنه قد بقي علينا أن ننبه على بعض الروايات التي تصلح دليلاً على ذلك من حيث ظاهر معناها، وإن كانت لا تصلح لذلك من حيث ضعف سندها؛ وهي روايتان: الأولى: عن ابن مسعود قال: علَّمني رسول الله ﷺ التشهد في وسط الصلاة وفي آخرها. .. الحديث وفيه: قال: ثم إن كان في وسط الصلاة؛ نهض حين يفرغ من تشهده، وإن كان في آخرها؛ دعا بعد تشهده بما شاء الله أن يدعو، ثم يسلم.
стр. 1931
أخرجه أحمد، وكذا ابن خزيمة - كما في «التلخيص» «٣/ ٥٠٧» -.
وهو حديث ضعيف - كما سبق بيانه في «جلسة التشهد» -.
والأخرى: عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان لا يزيد في الركعتين على التشهد.
أخرجه أبو يعلى من طريق أبي الحويرث عنها.
قال الهيثمي «٢/ ١٤٢»: «والظاهر أن أبا الحويرث هذا هو خالد بن الحويرث، وهو ثقة».
وأقول: خالد هذا لم أر أحداً كنّاه بهذه الكنية ولا بغيرها. ثم إن كان هو هذا؛ فهو مجهول، قال ابن معين: «لا أعرفه».
وقال ابن عدي: «إذا كان يحيى لا يعرفه؛ فلا يكون له شهرة، ولا يعرف».
والهيثمي إنما اعتمد في توثيقه على توثيق ابن حبان، وقد اشتهر ابن حبان بتساهله في ذلك؛ فلا يعتمد عليه، ولذلك قال الحافظ في «التقريب»: «مقبول». أي: مجهول - كما بين ذلك في المقدمة -.
والحافظ أقعد في الحديث، وأعرف بعلومه من شيخه الهيثمي.
هذا؛ وأما بقية أدلة المانعين التي ذكرها ابن القيم؛ فهي إنما ترِد على الشافعية خاصة، حيث إنهم يفرقون بين التشهد الأول والتشهد الأخير في الصلاة على النبي ﷺ حكماً وكمية؛ فيقولون بوجوبها في الأخير دون الأول، ويقولون بأنه لا يشرع إتمامها إلى آخرها في الأول، بل يكرهون الزيادة على: «اللهم صل على محمد. .. »، بخلاف التشهد الأخير؛ فلا تكره الزيادة على ذلك، بل تستحب.
فلذلك ألزمهم مخالفوهم بالتسوية بين الصلاتين في الحكم، والكمية، والكيفية؛ وهو إلزام قوي لا مفر لهم منه؛ لأن الدليل واحد في كل من الصلاتين، فكيف يسوغ التفريق بينهما؟ ! ولذلك نرى أنه لا بد من الإتيان بالصلاة على النبي ﷺ كاملة في كل تشهد؛ ليكون عاملاً بالأمر على تمامه. والله تعالى هو الموفق.
стр. 1932
ثم وجدت حديثاً فيه التصريح بصلاته ﷺ على نبيه ﷺ في التشهدين - عند أبي عوانة.
[أصل صفة الصلاة (٣/ ٩٠٤)]
ضعف حديث عدم زيادة الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول
«كانَ لا يزيدُ في الركعتينِ على التَّشَهُّدِ». منكر.
[قال الإمام]:
وقد تمسك بهذا الحديث وبحديث ابن مسعود الآتي بعده بعض الشيوخ في السعودية على أنه لا تشرع الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول! كما كتب إلي بعضهم بتاريخ ٢٥/ ٣ / ١٤٠٥ وطالبا الجواب، وهذا مما لا يتيسر لي مع الأسف؛ فالأسئلة التحريرية كثيرة، ولا سبيل عندي للإجابة عنها؛ لضيق الوقت، وثقل اليد. والله المستعان. وإذا عرف ضعف الحديث والذي يليه؛ بقي ما كنا طبعناه في «صفة الصلاة» حول شرعية الصلاة عليه ﷺ في كل تشهد سالماً من أي اعتراض، والحمد لله رب العالمين، ولم يكن ذلك إلا بعد الوقوف على هذا الحديث وكذا الذي يليه وعلى ما فيهما من ضعف وعلة، بينت ذلك في الأصل الذي يعتبر صفة الصلاة كخلاصة له؛ فقلما يوجد فيه ما ليس في الأول، إلا ما استدركناه بعد وبالله التوفيق.
السلسلة الضعيفة (١٢/ ١/ ٢٦١ - ٢٦٢).
مشروعية الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:
стр. 1933
ومن التشهد الأول
قوله في استحباب التخفيف فيه: «قال ابن القيم: لم ينقل أنه ﷺ صلى عليه وعلى آله في التشهد الأول ... ومن استحب ذلك فإنما فهمه من عمومات وإطلاقات قد صح تبيين موضعها وتقييدها بالتشهد الأخير».
قلت: لا دليل تقوم به الحجة يصلح لتقييد العمومات والمطلقات المشار إليها بالتشهد الأول فهي على عمومها وأقوى ما استدل به المخالفون حديث ابن مسعود المذكور في الكتاب وهو غير صحيح الإسناد لانقطاعه كما ذكره المؤلف وقد استوفى ابن القيم ﵀ أدلة الفريقين وبين ما لها وما عليها في «جلاء الأفهام في الصلاة على خير الأنام» فراجعه يظهر لك صواب ما رجحناه.
ثم وقفت على ما ينفي مطلق قول ابن القيم: «لم ينقل أنه ﷺ صلى عليه وعلى آله في التشهد الأول» وهو قول عائشة ﵂ في صفة صلاته ﷺ في الليل: «كنا نعد لرسول الله ﷺ سواكه وطهوره فيبعثه الله فيما شاء أن يبعثه من الليل فيتسوك ويتوضأ ثم يصلي تسع ركعات لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة فيدعو ربه ويصلي على نبيه ثم ينهض ولا يسلم ثم يصلي التاسعة فيقعد ثم يحمد ربه ويصلي على نبيه ﷺ ويدعو ثم يسلم تسليما يسمعنا .. الحديث.
أخرجه أبو عوانة في «صحيحه» ٢/ ٣٢٤ وهو في «صحيح مسلم» ٢/ ١٧٠ لكنه لم يسق لفظه.
ففيه دلالة صريحة على أنه ﷺ صلى على ذاته ﷺ في التشهد الأول كما صلى في التشهد الآخر وهذه فائدة عزيزة فاستفدها وعض عليها بالنواجذ ولا يقال: إن هذا في صلاة الليل لأننا نقول: الأصل أن ما شرع في صلاة شرع في غيرها دون تفريق بين فريضة أو نافلة فمن ادعى الفرق فعليه الدليل.
[تمام المنة ص (٢٢٤)]
стр. 1934
مشروعية الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول
عن عائشة مرفوعًا: صلِّي ثماني ركعات لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، فيجلس؛ فيذكر الله ، ثم يدعو، ثم يسلم تسليماً يسمعنا، ثم يصلي ركعتين وهو جالس بعدما يسلِّم، ثم يصلي ركعة؛ فتلك إحدى عشرة ركعة يابُنَيَّ فلما أسنَّ رسولُ الله ﷺ وأخذَ اللَّحْم؛ أوتر بسبع، وصلى ركعتين وهو جالس بعدما يسلّم ... الحديث.
والحديث أخرجه أحمد «٦/ ٥٣»: ثنا يحيى: ثنا سعيد بن أبي عروبة. .. به. وأخرجه أبو عوانة في «صحيحه» «٢/ ٣٢٣»: حدثا الحسن بن علي بن عفان قال: ثنا محمد بن بشر. .. به؛ وزاد- بعد قوله: ثم يدعو-: . .. رَبَّهُ، ويصلي على نبيه، ثم ينهض ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة، فيقعد، ثم يحمد ربه ويصلي على نبئه ﷺ ، ويدعو، ثم يسلم. ..
وإسناده صحيح. وفيه فائدة عزيزة، وهي مشروعية الصلاة عليه ﷺ في التشهد الأول.
صحيح سنن أبي داود (٥/ ٨٩ - ٩٠)
كثرة صيغ الصلاة على النبي ﷺ وتوسع بعضهم في ذلك
اعلم أنه قد جاءت صيغ كثيرة في الصلاة عليه ﷺ ، حتى جمعها بعض المتقدمين فبلغت ثمانياً وأربعين كيفية؛ منها عن النبي ﷺ ست وثلاثون، والباقي عن الصحابة والتابعين. وقد أورد منها صديق حسن خان في «نزل الأبرار» «١٦٧ - ١٧١» نحو ثلاثين كيفية، كلها مرفوعة إلا واحدة، ولكني أرى أنهم قد توسعوا في ذلك بما كانوا في غنى عنه؛ فقد ذكروا في أثناء ذلك روايات ضعيفة لا تصح - كما سيأتي التنبيه على بعضها إن شاء الله تعالى-، وفي الصحيح ما يغني عنها، بل استخرجوا من الرواية الواحدة عن صحابي واحد عدة صيغ وكيفيات، وليس هذا
стр. 1935
بجيد؛ فإنما نشأ ذلك من اختلاف الرواة، فكان ينبغي الأخذ بالزائد، وضمه إلى الأصل - كما هو صنيعنا في هذا الكتاب -. وسيأتي التنبيه على بعض الأمثلة في ذلك إن شاء الله تعالى.
[أصل صفة الصلاة (٣/ ٩١٣)]
صيغ الصلاة التي علمها النبي ﷺ لأصحابه
وعلمهم أنواعاً من صيغ الصلاة عليه ﷺ :
١ - «اللهم صل على محمد، وعلى أهل بيته، وعلى أزواجه، وذريته؛ كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. وبارك على محمد، وعلى أهل بيته، وعلى أزواجه، وذريته؛ كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد». وهذا كان يدعو به هو نفسه ﷺ .
«اللهم صل» قال العلماء: معنى صلاة الله على نبيه: ثناؤه عليه عند ملائكته. ومعنى صلاة الملائكة عليه: الدعاء له والاستغفار. ومعنى صلاة الآدميين: الدعاء والتعظيم لأمره. وقيل: صلاة الرب: الرحمة. وقد رد هذا القول المحققون من العلماء؛ كالحافظ ابن حجر العسقلاني، وقبله ابن القيم في كتابه «الجلاء».
وقد ساق في بيان ضَعْفِ ذلك خمسة عشر وجهاً؛ أولها: أن الله سبحانه فرق بين صلاته على عباده ورحمته؛ فقال ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ. أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾. فعطف الرحمة على الصلاة؛ فاقتضى ذلك تغايُرَهما، هذا أصل العطف. وأما قولهم: و «ألفى قولها كذباً وَمَيْناً»: فهو شاذ نادر لا يحمل عليه أفصح الكلام، مع أن المين أخص من الكذب.
قال: «فمعنى الصلاة: هو الثناء على الرسول، والعناية به، وإظهار شرفه وفضله وحرمته؛ كما هو المعروف عند العرب».
قال: «وإن ذُكِرت صلّى عليها وزمزما. أي: برَّك عليها ومدحها. ولا تعرف
стр. 1936
العرب قط «صلى عليه» بمعنى «رحمه»».
وقال الحافظ في «الفتح» «١١/ ١٣٠»: «وأولى الأقوال ما تقدم عن أبي العالية: أن معنى صلاة الله على نبيه: ثناؤه عليه وتعظيمه. وصلاة الملائكة وغيره عليه: طلب ذلك له من الله تعالى، والمراد: طلب الزيادة؛ لا طلب أصل الصلاة».
«أهل بيته» في «القاموس»: «أهل الرجل: هم عشيرته، وذوو قرباه».
قلت: وفي الصيغ الأخرى ذكر الآل. والمعنى واحد؛ فإن أصل الآل: أهل. أُبدلت الهاء همزة؛ فصارت: «أَأْل». ثم سهلت على قياس أمثالها؛ فقيل: «آل». ولا يستعمل إلا فيما فيه شرف غالباً؛ فلا يقال: آل الإسكاف، كما يقال: أهله. كما في «القاموس» أيضاً.
وقد ذكر ابن القيم في «الجلاء» «ص ١٣٣ - ١٣٥» قولين في أصل الآل؛ هذا أحدهما، وضعفه من وجوه ذكرها. والقول الثاني: أن أصله: أول. وذكره صاحب «الصحاح» في باب الهمزة والواو واللام.
قال: «وآل الرجل: أهله وعياله. وآله أيضاً: أتباعه. وهو عند هؤلاء مشتق من آل يؤول؛ إذا رجع. فآلُ الرجل: هم الذين يرجعون إليه، ويضافون إليه، ويؤولهم: أي: يسوسهم؛ فيكون مآلهم إليه. ومنه: الإيالة؛ وهي السياسة. فآل الرجل: هم الذين يسوسهم ويؤولهم، ونفسه أحق بذلك من غيره؛ فهو أحق بالدخول في آلهِ، ولكن لا يقال: إنه مختص بآله؛ بل هو داخل فيهم». ونحوه في «الفتاوى» لابن تيمية «١/ ١٦٣».
وقد اختلفوا في المراد بآل محمد على أربعة أقوال؛ أصحها: أنهم الذين تحرم عليهم الصدقة. على اختلاف بين العلماء في تعيينهم. وقد بسط الكلام على ذلك في «الجلاء» «١٣٨ - ١٥٠».
«أزواجه» جمع «زوج». وقد يقال: جمع «زوجة». والأول أفصح، وبها جاء القرآن؛ قال تعالى لآدم: ﴿اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾. وأزواجه ﷺ اللاتي دخل
стр. 1937
بهن إحدى عشرة:
١ - خديجة بنت خويلد. ماتت سنة ثلاث قبل الهجرة.
٢ - زينب بنت خزيمة الهلالية. ماتت سنة أربع بعد الهجرة.
٣ - زينب بنت جحش «سنة ٢٠».
٤ - حفصة بنت عمر بن الخطاب «سنة ٢٧».
٥ - رملة: أم حبيبة بنت أبي سفيان «سنة ٤٤».
٦ - جويرية بنت الحارث المُصْطَلِقِيّة «سنة ٥٠».
٧ - ميمونة بنت الحارث الهلالية «سنة ٥١».
٨ - صفية بنت حُيَي «سنة ٥٢».
٩ - سودة بنت زَمْعَة «سنة ٥٤».
١٠ - عائشة بنت أبي بكر «سنة ٥٨».
١١ - هند: أم سلمة بنت أبي أمية القرشية المخزومية «سنة ٦٢». فهي آخر نسائه موتاً.
وقد توفي ﷺ عن تسع منهن اتفاقاً، وهن مَن ذُكرن؛ غير خديجة وزينب بنت خزيمة. ومن شاء الاطلاع على تراجمهن وشيء من خصوصياتهن؛ فليراجع «الجلاء» «١٥٤ - ١٧٢».
«ذريته» بضم المعجمة؛ من «ذرأ الله الخلق». أي: نشرهم وأظهرهم. إلا أن الهمزة سُهِّلَت لكثرة الاستعمال. هذا هو الأصح في اشتقاقها - كما في «الجلاء» «١٧٢ - ١٧٣» - وهي الأولاد وأولادهم.
وهل يدخل فيها أولاد البنات؟ فيه خلاف بين الشافعي وأبي حنيفة؛ فأثبت ذلك الأول، ونفاه الآخر، وتوسط أحمد في رواية؛ فقال: «كل من انقطع نسبه من
стр. 1938
جهة الأب إما بلِعانٍ أو غيره؛ قامت أمه في النسب مقام أبيه وأمه».
قال ابن القيم «١٧٧»: «وهو مقتضى النصوص وقولِ ابن مسعود وغيره. والقياس يشهد له بالصحة». ثم بين وجه ذلك. فراجعه.
هذا، والمراد بالذرية هنا أولاد فاطمة ونسلها اتفاقاً؛ فلا يَرِدُ الخلاف المذكور فيه.
«حميد» هو فعيل، من «الحمد» بمعنى: محمود، وأبلغ منه. وهو من حصلت له من صفات الحمد أكملها.
وأما «المجيد»: فهو من «المجد»، وهو صفةُ مَن كَمُلَ في الشرف. وهو مستلزم للعظمة والجلال، كما إن الحمد يدل على صفة الإكرام.
ومناسبة ختم هذا الدعاء بهذين الاسمين العظيمين: أن المطلوبَ تكريمُ الله لنبيه، وثناؤه عليه، وزيادة تقريبه، وذلك مما يلزم طلب الحمد والمجد؛ ففي ذلك إشارة إلى أنهما كالتعليل للمطلوب، أو هو كالتذييل له.
والمعنى: أنك فاعل ما تستوجب به الحمد والمجد من النعم المترادفة، كريم بكثرة الإحسان إلى جميع عبادك. كذا في «الفتح» «١١/ ١٣٦».
«بارك» من «البركة»؛ وهي: النماء والزيادة. والتبريك: الدعاء بذلك، ويقال: باركه الله، وبارك فيه، وبارك عليه، وبارك له.
فهذا الدعاء يتضمن إعطاءه ﷺ من الخير ما أعطاه لآل إبراهيم، وإدامته، وثبوته له، ومضاعفته له، وزيادته. هذا حقيقة البركة. وقد فَصَّلَ ذلك ابن القيم في «الجلاء» «٢٠٥ - ٢١٥». فليراجعه من شاء.
[أصل صفة الصلاة (٣/ ٩١٣)]
стр. 1939
صيغة ثانية
«اللهم! صلِّ على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ؛ كما صليتَ على [إبراهيمَ، وعلى] آلِ إبراهيمَ، إنك حميدٌ مجيدٌ.
اللهم! بارك على محمدٍ، وعلى آلِ محمدٍ؛ كما باركتَ على [إبراهيمَ، وعلى] آلِ إبراهيمَ، إنك حميدٌ مجيدٌ».
[أصل صفة الصلاة (٣/ ٩١٨)]
صيغة ثالثة
«اللهم! صلِّ على محمدٍ، وعلى آلِ محمدٍ؛ كما صليتَ على إبراهيمَ، [وآلِ إبراهيمَ]، إنك حميدٌ مجيد.
وبارك على محمدٍ، وعلى آلِ محمدٍ؛ كما باركتَ على [إبراهيمَ، و] آلِ إبراهيمَ، إنك حميدٌ مجيد».
[أصل صفة الصلاة (٣/ ٩٢٠)]
صيغة رابعة
«اللهم صلِّ على محمدٍ [النبيِّ الأميِّ]، وعلى آل محمدٍ؛ كما صليتَ على [آلِ] إبراهيمَ.
وباركْ على محمدٍ [النبي الأميّ]، وعلى آل محمدٍ؛ كما باركتَ على ٤ [آلِ] إبراهيمَ، في العالمين إنك حميدٌ مجيد».
[أصل صفة الصلاة (٣/ ٩٢٣]
стр. 1940
صيغة خامسة
«اللهم صلِّ على محمدٍ عبدِك ورسولِك؛ كما صليت على [آل] إبراهيمَ.
وباركْ على محمدٍ [عبدِك ورسولِك]، [وعلى آلِ محمدٍ]؛ كما باركتَ على إبراهيمَ، [وعلى آلِ إبراهيمَ]».
[أصل صفة الصلاة (٣/ ٩٢٤)]
صيغة سادسة
«اللهمَّ صلِّ على محمدٍ، و [على] أزواجِهِ، وذرّيّتِه؛ كما صليتَ على [آلِ] إبراهيمَ.
وباركْ على محمدٍ، و [على] أزواجِهِ، وذرّيّتِه؛ كما باركتَ على [آلِ] إبراهيمَ، إنك حميدٌ مجيد».
قال الحافظ: «واستدل بهذا الحديث على أن الصلاة على الآل لا تجب؛ لسقوطها في هذا الحديث. وهو ضعيف؛ لأنه لا يخلو أن يكون المراد بالآل غير أزواجه وذريته، أو أزواجه وذريته. وعلى تقدير كل منهما لا ينهض الاستدلال على عدم الوجوب:
أما على الأول؛ فلثبوت الأمر بذلك في غير هذا الحديث، وليس في هذا الحديث المنع منه؛ بل أخرج عبد الرزاق من طريق ابن طاوس عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن رجل من الصحابة الحديث المذكور بلفظ: «صل على محمد، وأهل بيته، وأزواجه، وذريته».
وأما على الثاني؛ فواضح. واستدل به البيهقي على أن الأزواج من أهل البيت، وأيده بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ﴾».
قلت: استدلال البيهقي صحيح - كما بين ذلك ابن القيم في «الجلاء» «١٤٤».
стр. 1941
وأما قول الحافظ: إن الحديث لا يدل على المنع من ذكر الآل. فصواب أيضاً، لكن ليس هذا هو موضع النزاع؛ بل هو: هل يجب ذكره أم لا؟ فعلى أساس أن الآل هم غير أزواجه وذريته؛ فالحديث صالح للاحتجاج على عدم وجوب ذكر الآل، ووروده في أكثر الأحاديث يدل على الاستحباب، ويدل على أن ذلك ليس بواجب النوعُ الخامسُ؛ فإنه لم يذكر فيه الآل ولا الأزواج والذرية؛ فلعل ذلك مِسَاك من ذهب إلى جواز الاقتصار على النبي ﷺ دون آله - كالشافعية -، لكن دعواهم أعم مما يفيده الحديث؛ فإنهم يقولون: «لو قال: اللهم! صل على محمد؛ أجزأه»! وهذا القدر لم يرد مطلقاً في صفة من صفات الصلاة عليه ﷺ التي علمها إيانا؛ فدعواهم على هذا الوجه لا دليل عليها. فاعلم ذلك.
[أصل صفة الصلاة (٣/ ٩٢٥)]
صيغة سابعة
«اللهمَّ صلِّ على محمدٍ، وعلى آلِ محمدٍ، وباركْ على محمدٍ، وعلى آلِ محمدٍ؛ كما صليتَ وباركتَ على إبراهيمَ، وآلِ إبراهيمَ، إنك حميدٌ مجيد».
والحديث حجة على ابن القيم؛ فإن فيه الجمعَ بين إبراهيم وآل إبراهيم، وهو ما أنكر ثبوته ابن القيم تبعاً لشيخه، وقد رددنا عليه موسعاً فيما سلف، وإنما أحببنا الإشارة إلى ذلك هنا.
[أصل صفة الصلاة (٣/ ٩٢٦)]
حكم الترحم على النبي ﷺ في التشهد
[قال الإمام بعد أن ضعف الحديث الوارد في ذلك]:
قال أبو بكر بن العربي في «عارضة الأحوذي في شرح الترمذي» «٢/ ٢٧١»: «حذارِ حذارِ من أن يلتفت أحد إلى ما ذكره ابن أبي زيد؛ فيزيد في الصلاة على النبي
стр. 1942
عليه الصلاة والسلام: وارحم محمداً. فإنها قريب من بدعة؛ لأن النبي ﷺ علم الصلاة بالوحي؛ فالزيادة فيها استقصار له، واستدراك عليه، ولا يجوز أن يزاد على النبي ﷺ حرف، بل إنه يجوز أن يترحم على النبي ﷺ في كل وقت».
وتعقبه بعضهم بحديث أبي هريرة هذا، وقد علمت أنه ضعيف؛ فلا يجوز الاحتجاج به، لا سيما في مخالفة أصل متفق عليه، وهو ما أفاده قوله ﷺ : «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا؛ فهو رد». متفق عليه.
[أصل صفة الصلاة (٣/ ٩٣٠)]
فَوائدُ مهمَّة في الصَّلاةِ على نبيِّ الأُمَّة ﷺ -
وجه التشبيه في قوله: «كما صليت»:
اشتهر السؤال بين العلماء عن وجه التشبيه في قوله: «كما صليت. .. » إلخ، مع أن المقرر أن المشبَّه دون المشبه به. والواقع هنا عكسه؛ إذ إن محمداً ﷺ وحده أفضل من آل إبراهيم بما فيهم إبراهيم نفسه، ولا سيما وقد أضيف إليه ﷺ آل محمد، وقضية كونه أفضل أن تكون الصلاة المطلوبة أفضل من كل صلاة حصلت أو تحصل.
وقد أجاب العلماء عن ذلك بأجوبة كثيرة أوردها ابن القيم في «الجلاء» «١٨٦ - ١٩٨»، ثم الحافظ في «الفتح» «١١/ ١٣٤ - ١٣٦». وقد بلغت نحو عشرة أقوال، بعضها أشد ضعفاً من بعض، إلا قولاً واحداً؛ فإنه أقواها وأصحها، وقد استحسنه ابن القيم؛ تبعاً لشيخه في «الفتاوى» «١/ ١٦٥»، وهو قول من قال: إن آل إبراهيم فيهم الأنبياء الذين ليس في آل محمد مثلهم، فإذا طُلب للنبي ﷺ ولآله من الصلاة عليه مثل ما لإبراهيم وآله، وفيهم الأنبياء؛ حصل لآل محمد ﷺ من ذلك ما يليق بهم؛ فإنهم لا يبلغون مراتب الأنبياء، وتبقى الزيادة التي للأنبياء وفيهم إبراهيم لمحمد ﷺ ؛ فيحصل له من المزية ما لا يحصل لغيره.
стр. 1943
قال ابن القيم «١٩٧»: «وهذا أحسن من كل ما تقدم، وأحسن منه أن يقال: محمد ﷺ هو من آل إبراهيم، بل هو خير آل إبراهيم؛ كما روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى العَالَمِينَ﴾ [٣: ٣٣].
قال ابن عباس ﵁: محمد من آل إبراهيم.
وهذا نص؛ إذ أدخل غيره من الأنبياء - الذين هم من ذرية إبراهيم - في آله؛ فدخول رسول الله ﷺ أولى. فيكون قولنا: «كما صليت على آل إبراهيم». متناولاً للصلاة عليه، وعلى سائر النبيين من ذرية إبراهيم، ثم قد أمرنا الله أن نصلي عليه وعلى آله خصوصاً بقدر ما صلينا عليه مع سائر آل إبراهيم عموماً، وهو فيهم، ويحصل لآله من ذلك ما يليق بهم، ويبقى الباقي كله له ﷺ ».
قال: «ولا ريب أن الصلاة الحاصلة لآل إبراهيم ورسول الله ﷺ معهم أكمل من الصلاة الحاصلة له دونهم؛ فيُطلب له من الصلاة هذا الأمرُ العظيم الذي هو أفضل مما لإبراهيم قطعاً.
ويظهر حينئذٍ فائدة التشبيه، وجريه على أصله، وأن المطلوب له من الصلاة بهذا اللفظ أعظم من المطلوب له بغيره؛ فإنه إذا كان المطلوب بالدعاء إنما هو مثل المشبَّه به - وله أوفر نصيب منه -؛ صار له من المشبَّه المطلوبِ أكثر مما لإبراهيم وغيره، وانضاف إلى ذلك مما له من المشبَّه به من الحصة التي لم تحصل لغيره. فظهر بهذا من فضله وشرفه على إبراهيم وعلى كلٍّ مِنْ آله - وفيهم النبيون - ما هو اللائق به، وصارت هذه الصلاة دالةً على هذا التفضيل، وتابعةً له، وهي من موجباته ومقتضياته.
فصلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً، وجزاه عنا أفضل ما جزى نبياً عن أمته.
اللهم! صلِّ على محمد، وعلى آل محمد؛ كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. وبارك على محمد، وعلى آل محمد؛ كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد».
стр. 1944
واعلم أنه لم يرد في أكثر هذه الأنواع من صيغ الصلاة عليه ﷺ ذكرُ إبراهيم نفسه مستقلاً عن آله؛ بل قال: «كما صليت على آل إبراهيم».
والسبب في ذلك ما تقدم بيانه؛ أن آل الرجل يتناوله كما يتناول غيره ممن يؤوله.
قال شيخ الإسلام في «الفتاوى» «١/ ١٦٣»: «إذا أطلق لفظ: «آل فلان» في الكتاب والسنة؛ دخل فيه فلان، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى العَالَمِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ﴾، وقوله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ﴾، وقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى آل يَاسِينَ﴾. ومنه قوله ﷺ : «اللهم صل على آل أبي أوفى».
وكذلك لفظ: «أهل البيت»؛ كقوله: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ﴾.
فإن إبراهيم داخل فيهم. ثم قال: «ولهذا جاء في أكثر الألفاظ: «كما صليت على آل إبراهيم»، و: «كما باركت على آل إبراهيم».
وجاء في بعضها إبراهيم نفسه؛ لأنه هو الأصل في الصلاة والزكاة، وسائر أهل بيته إنما يحصل لهم ذلك تبعاً.
وجاء في بعضها ذكر هذا وهذا؛ تنبيهاً على هذين».
[أصل صفة الصلاة (٣/ ٩٣١)]
لا بد من إتمام صيغ الصلاة كما وردت
قد علمت مما سبق أن صيغ الصلاة على النبي ﷺ فيها كلها الصلاة على أهل بيته ﷺ وآله؛ ولذلك فلا ينبغي الاكتفاء بالصلاة عليه ﷺ وحده، بل لا بد من إضافة الآل إليه، بل لا بد من إتمام الصيغة من أولها إلى آخرها؛ كما وردت؛ تقيُّداً بقوله ﷺ : «قولوا: اللهم! صل على محمد، وعلى آل محمد. .. » إلخ، حين سألوه عن كيفية الصلاة عليه ﷺ .
стр. 1945
«لا فرق في ذلك بين التشهد الأول والآخر، وهو نص الإمام الشافعي في «الأم» «١/ ١٠٢» فقال: «والتشهد في الأولى والثانية لفظ واحد لا يختلف، ومعنى قولي: «التشهد»: التشهد والصلاة على النبي ﷺ ، لا يجزيه أحدهما عن الآخر».
وأما حديث: «كان لا يزيد في الركعتين على التشهد».
فهو حديث منكر، كما حققته في «الضعيفة» «٥٨١٦»، [وانظر «ص ٩١١»]».
وإن من غرائب هذا العصر أن يتجرأ بعض الناس على إنكار ما ثبت عنه ﷺ من طرق مستفيضة صحيحة؛ ألا وهو الصلاة على النبي ﷺ وعلى آله معاً، مع اطلاعه ووقوفه عليها في كتب السنة «عن جمع من الصحابة؛ منهم كعب بن عجرة، وأبو حميد الساعدي، وأبو سعيد الخدري، وأبو مسعود الأنصاري، وأبو هريرة، وطلحة ابن عبيد الله، وفي أحاديثهم أنهم سألوا النبي ﷺ : «كيف نصلي عليك؟ ، فعلمهم ﷺ هذه الصيغ»، ألا وهو: الأستاذ محمد إسعاف النشاشيبي في كتابه «الإسلام الصحيح» «ص ١٧٧ - ١٨٩»، وحجته في ذلك أن الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾؛ لم يُذكر فيها غيرَ النبي ﷺ أحدٌ. وبناء على ذلك رد الأحاديث الصحيحة كلها المخالفة لزعمه؛ فقال «ص ١٧٨ - ١٧٩»: «إن هناك من أشرك في الصلاة بالنبي غيرَه، وهناك من أوجب هذه الصلاة في كل صلاة، والحق غير شركهم، ولم يجب ما أوجبوا، وهؤلاء أئمة في الدين يقولون؛ فاستمع لما يقولون. .. ».
ثم ساق أقوالاً كثيرة في نفي الوجوب المشار إليه، ولكنه لم يسق ولا قولاً واحداً في تأييد ما سماه شركاً! وأنه لا يجوز ضم الآل إليه في الصلاة عليه ﷺ .
وإنما ساق بعض الأقوال الموهمة لذلك، وهي عند التحقيق حجة عليه؛ كقوله «ص ١٧٩»: «قال ابن تيمية في «منهاج السنة»: لم يأمر الله بالصلاة على معين غير النبي».
فإن هذا القول إنما ينفي أمر الله؛ أي: في كتابه، فليس ينفي أمر النبي ﷺ بذلك - وأمره من أمر الله - في سنته - كما سبق بيانه مفصلاً -.
стр. 1946
وبالتالي؛ فإن هذا القول لا ينفي مشروعية الصلاة على الآل استحباباً في الصلاة عليه ﷺ ؛ ألا ترى أن هذا القائل - أعني: ابن تيمية - قد ذهب كغيره من العلماء قبله وبعده إلى مشروعية ذكر الآل في الصلوات الإبراهيمية - كما تراه في بعض ما نقلناه من كتابه «الفتاوى» فيما تقدم -، ولو كان عندي الآن كتابه «منهاج السنة»؛ لراجعت عبارته، ولتبين لنا غير ما ذكرنا. وكون الصلاة على الآل لم تذكر في الآية لا
يلزم منه عدم مشروعيتها؛ لثبوتها في السنة؛ «وذلك لأنه من المعلوم عند المسلمين أن النبي ﷺ هو المبين لكلام رب العالمين؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
فقد بين ﷺ كيفية الصلاة عليه وفيها ذكر الآل، فوجب قبول ذلك منه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، وقد قال ﵊: «ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه» وهو مخرج في «تخريج المشكاة» «١٦٣ و ٤٢٤٧».
وقد جاء في كلامه شبهة له أخرى لا بد لنا من إزاحة الستار عنها؛ وهو قوله - بعد أن ساق الآية السابقة -: «فأي عربي فطن أو غبي لا يلقف ذهنه هذا الكلام سريعاً، وأن الصلاة كالسلام الذي قالوا: إنهم علموه. فكيف يسألون عن مثل ما لم يجهلوه، وهل يأمر رسول الله بغير ما أمر الله؟ ! ».
فهو يشير بهذا الكلام إلى رد أحاديث الصلاة على الآل؛ لأن منها - كما تقدم -: «هذا السلام قد عرفناه؛ فكيف الصلاة عليك؟ ». فهو يحيل الصحابة عن مثل هذا السؤال؛ لأن: «الصلاة في كلام العرب من غير الله إنما هو دعاء». كما نقله هو في التعليق «ص ١٧٧». فإذ الأمر كذلك؛ فهذه الأحاديث غير صحيحة، وهذه مغالطة مكشوفة، وكلام خِطَابي لا حجة فيه، وإنما ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾؛ وذلك لأن الصلاة في اللغة، وإن كان معناها ما ذكر؛ فذلك لا ينفي أن يكون لها معنى شرعي هو غير معناها اللغوي، أو يزيد عليه، ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ لا يمكن لمسلم أن يفهم معناه اللغوي؛ أي: الدعاء. فالصحابة ﵃ حين سألوا بقولهم: كيف الصلاة عليك؟ لم يقصدوا المعنى اللغوي
стр. 1947
المعروف عندهم الذي يلقفه ذهنهم، وإنما سألوا عن الصلاة الشرعية التي لا يمكنهم معرفتها من لغتهم، بل من طريق نبيهم؛ فأجابهم ﷺ عما سألوا، وأمرهم بقوله: «قولوا: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد. .. » إلخ.
وكل عالم باللغة العربية - مهما كان ضليعاً فيها كهذا الذي نحن في صدد الرد عليه - لا يمكنه أن يستغني ألبتة عن بيان النبي ﷺ للكتاب؛ فإن اللغة وحدها لا تكفي في فهمه على الجادة والصواب؛ ألم تر أن الصحابة - وهم من هم في العربية - قد احتاجوا إلى السؤال عن كيفية الصلاة عليه ﷺ ، كما سألوه غير ذلك؟ فقد أخرج الشيخان في «صحيحيهما»، والترمذي «٢/ ١٧٩ - طبع بولاق» وصححه، وأحمد «١/ ٤٤٤» عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾؛ شَقَّ ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله! وأينا لا يظلم نفسه؟ قال: «ليس ذلك؛ إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾؟ ».
فهذه القصة وغيرها دليل واضح على أنه قد يخفى على الصحابة أو بعضهم معنى بعض الآيات؛ فيسألون النبي ﷺ ، فيبينها لهم؛ فلا يجوز - إذن - استغراب صدور مثل هذا السؤال عنهم، وإنكار الأحاديث الصحيحة لمثل هذا الاستغراب - كما صنع النشاشيبي فيما سلف -.
وكتابه هذا الذي أسماه «الإسلام الصحيح»، كل الأبحاث التي فيه توحي بأن المؤلف لا يعتد بالسنة كثيراً، وإنما العمدة عنده القرآن، والقرآن فقط؛ ولذلك تراه يقول عن نفسه فيه «ص ٦٧»: «نحن مسلمون قرآنيون» وقد علمنا أن من مشرب هؤلاء «القرآنيين» ردَّ الأحاديث الصحيحة لأدنى شبهة، لا في صحتها من جهة إسنادها، ولكن لمخالفتها لأهوائهم وميولهم، وقد [سار] على نسقهم في هذا الكتاب؛ فرد أحاديث كثيرة صحيحة، قسم كبير منها في «الصحيحين»، نكتفي الآن بالإشارة إلى أماكنها من الكتاب؛ فانظر: «ص ٣٥ - ٣٦ و ٨٥ - ٨٦ و ١١٦ - ١١٧ و ١٤٢ و ١٤٩ و ١٥٠ و ١٥٤ و ٢١٢ و ٢٤٠ - ٢٤١ و ٢٧٦ - ٢٧٧ و ٢٧٨».
стр. 1948
«وليت شعري ماذا يقول النشاشيبي - ومن قد يغتر ببهرج كلامه - فيمن عسى أن ينكر التشهد في الصلاة، أو أنكر على الحائض ترك الصلاة والصوم في حيضها؟ ! بدعوى أن الله تعالى لم يذكر التشهد في القرآن، وإنما ذكر القيام والركوع والسجود فقط! وأنه تعالى لم يسقط في القرآن الصلاة والصوم عن الحائض، فالواجب عليها القيام بذلك! فهل يوافقون هذا المُنْكِر في إنكاره؛ أم ينكرون عليه ذلك؟ فإن كان الأول -وذلك مما لا نرجوه-؛ فقد ضلوا ضلالاً بعيداً، وخرجوا عن جماعة المسلمين! وإن كان الآخر؛ فقد وُفِّقوا وأصابوا، فما ردوا به على المنكِر؛ فهو ردنا على النشاشيبي، وقد بيَّنا لك وجه ذلك.
فحذار أيها المسلم أن تحاول فهم القرآن مستقلاً عن السنة؛ فإنك لن تستطيع ذلك ولو كنت في اللغة سيبويه زمانك، وهاك المثال أمامك؛ فإن النشاشيبي هذا كان من كبار علماء اللغة في القرن الحاضر، فأنت تراه قد ضلَّ حين اغترَّ بعلمه في اللغة، ولم يستعن على فهم القرآن بالسنة؛ بل إنه أنكرها كما عرفت، والأمثلة على ما نقول كثيرة جداً لا يتسع المقام لذكرها، وفيما سبق كفاية، والله الموفق».
[أصل صفة الصلاة (٣/ ٩٣٣)]
حكم زيادة لفظ سيدنا في الصلوات الإبراهيمية
في حكم زيادة لفظة: «سيدنا» في الصلوات الإبراهيمية، أو في التشهد.
«يرى القارئ أنه ليس في شيء منها [أي في طرق أحاديث الصلوات الإبراهيمية] لفظ: «السيادة»، ولذلك اختلف المتأخرون في مشروعية زيادتها في الصلوات الإبراهيمية. .. وأريد أن أنقل إلى القراء الكرام هنا رأي الحافظ ابن حجر العسقلاني في ذلك؛ باعتباره أحد كبار علماء الشافعية الجامعين بين الحديث والفقه؛ فقد شاع لدى متأخري الشافعية خلافُ هذا التعليم النبوي الكريم! فقال الحافظ محمد بن محمد بن محمد الغرابيلي «٧٩٦ - ٨٣٥» - وكان ملازماً لابن حجر، ومن خطه نقلت -: وسئل «أي: الحافظ ابن حجر» أمتع الله بحياته عن صفة الصلاة
стр. 1949
على النبي ﷺ في الصلاة أو خارج الصلاة، سواء قيل بوجوبها أو بندبيتها؛ هل يشترط فيها أن يصفه ﷺ بالسيادة؛ كأن يقول مثلاً: اللهم! صل على سيدنا محمد، أو على سيد الخلق، أو على سيد ولد آدم. أو يقتصر على قوله: اللهم! صل على محمد؟ وأيهما أفضل: الإتيان بلفظ السيادة لكونها صفة ثابتة له ﷺ ، أو عدم الإتيان به لعدم ورود ذلك في الآثار؟ ... فأجاب ﵁: نعم؛ اتباع الألفاظ المأثورة أرجح، ولا يقال: لعله ترك ذلك تواضعاً منه ﷺ ؛ كما لم يكن يقول عند ذكره ﷺ : « ﷺ »، وأمته مندوبة إلى أن تقول ذلك كلما ذكر! لأنا نقول: لو كان ذلك راجحاً؛ لجاء عن الصحابة ثم عن التابعين، ولم نقف في شيء من الآثار عن أحد من الصحابة ولا التابعين لهم قال ذلك؛ مع كثرة ما ورد عنهم من ذلك.
وهذا الإمام الشافعي - أعلى الله درجته، وهو من أكثر الناس تعظيماً للنبي ﷺ قال في خطبة كتابه الذي هو عمدة أهل مذهبه: «اللهم صلِّ على محمد. .. » إلى آخر ما أداه إليه اجتهاده، وهو قوله: «كلما ذكره الذاكرون، وكلما غفل عن ذكره الغافلون».
وكأنه استنبط ذلك من الحديث الصحيح الذي فيه: «سبحان الله عدد خلقه»؛ فقد ثبت أنه ﷺ قال لأم المؤمنين - ورآها قد أكثرت التسبيح وأطالته -: «لقد قلتُ بعدكِ كلماتٍ؛ لو وُزِنَتْ بما قُلْتِ لوَزَنَتْهُن»، فذكر ذلك. وكان ﷺ يعجبه الجوامع من الدعاء.
وقد عقد القاضي عياض باباً في صفة الصلاة على النبي ﷺ في كتاب «الشفا»، ونقل فيه آثاراً مرفوعة عن جماعة من الصحابة والتابعين؛ ليس في شيء منها عن أحد من الصحابة وغيرهم لفظ: «سيدنا».
منها: حديث علي: أنه كان يعلمهم كيفية الصلاة على النبي ﷺ ، فيقول: اللهم داحي المَدْحُوَّات وباري المسموكات اجعل سوابق صلواتك، ونوامي بركاتك، وزائد تحيتك على محمد عبدك ورسولك، الفاتح لما أُغْلِق.
وعن علي أنه كان يقول: صلوات الله البر الرحيم، والملائكة المقربين، والنبيين
стр. 1950
والصدِّيقين والشهداء الصالحين، وما سبح لك من شاء يا رب العالمين! على محمد بن عبد الله خاتم النبيين وإمام المتقين. .. الحديث.
وعن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول: اللهم اجعل صلواتك، وبركاتك، ورحمتك على محمد عبدك ورسولك، إمام الخير، ورسول الرحمة. .. الحديث.
وعن الحسن البصري أنه كان يقول: من أراد أن يشرب بالكأس الأروى من حوض المصطفى؛ فليقل: اللهم صل على محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأولاده وذريته وأهل بيته وأصهاره وأنصاره وأشياعه ومحبيه.
فهذا ما أوثره من «الشفا»؛ مما يتعلق بهيئة الصلاة عليه عن الصحابة ومن بعدهم، وذُكِرَ فيه غيرُ ذلك.
نعم؛ ورد في حديث ابن مسعود أنه كان يقول في صلاته على النبي ﷺ : اللهم اجعل فضائل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين. .. الحديث.
أخرجه ابن ماجه.
ولكن إسناده ضعيف.
وحديث علي المشار إليه أولاً: أخرجه الطبراني بإسناد ليس به بأس، وفيه ألفاظ غريبة رُوِّيتُها مشروحة في كتاب «فضل النبي ﷺ » لأبي الحسن بن فارس.
وقد ذكر الشافعية أن رجلاً لو حلف لَيُصَلِّيَنَّ على النبي ﷺ أفضل الصلاة؛ فطريق البر أن يصلي على النبي ﷺ : اللهم صلِّ على محمد كلما ذكره الذاكرون، وسها عن ذكره الغافلون.
وقال النووي: والصواب الذي ينبغي الجزم به أن يقال: «اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد؛ كما صليت على إبراهيم. .. » الحديث.
وقد تعقبه جماعة من المتأخرين؛ بأنه ليس في الكيفيتين المذكورتين ما يدل على ثبوت الأفضلية فيهما من حيث النقل، وأما من حيث المعنى؛ فالأفضلية ظاهرة في الأول.
стр. 1951
والمسألة مشهورة في كتب الفقه، والغرض منها أن كل من ذكر هذه المسألة من الفقهاء قاطبة؛ لم يقع في كلام أحد منهم: «سيدنا»، ولو كانت هذه الزيادة مندوبة؛ ما خفيت عليهم كلهم حتى أغفلوها، والخير كله في الاتباع، والله أعلم».
قلت: وما ذهب إليه الحافظ ابن حجر ﵀ من عدم مشروعية تسويده ﷺ .
في الصلاة عليه اتباعاً للأمر الكريم، وهو الذي عليه الحنفية؛ - هو الذي ينبغي التمسك به؛ لأنه الدليل الصادق على حبه ﷺ ؛ ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١].
ولذلك قال الإمام النووي في «الروضة» «١/ ٢٦٥»: «وأكمل الصلاة على النبي ﷺ : «اللهم صلِّ على محمد ... » إلى آخر وفق النوع الثالث المتقدم، فلم يذكر فيه «السيادة»» وقد أشار إلى المنع من ذلك أبو بكر بن العربي - كما سبق -. وصرح بذلك جمع، وأباحه آخرون.
والذي نعتقده ونَدين الله تعالى به أن نبينا محمداً ﷺ هو سيدنا؛ بل هو سيد كل آدمي شاء أم أبى؛ كما قال ﷺ : «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع».
رواه مسلم «٧/ ٥٩»، وأبو داود «٢/ ٢٦٨»، وأحمد «٢/ ٥٤٠» من حديث أبي هريرة.
وفي الباب عن أبي سعيد الخدري وغيره.
والذي ينبغي البحث فيه هو النظر في جواز زيادة هذه اللفظة فيما شرعه ﷺ لأمته من صيغ التشهد، والصلوات الإبراهيمية؛ التي أمر بها رسول الله ﷺ على كيفيات مختلفة، وليس في شيء منها هذه اللفظة - كما رأيت -؛ ولذلك فإنا نقطع بأن الحق مع المانعين من ذلك؛ لأننا نعتقد أن زيادة هذه اللفظة لو كانت مما يقربنا إلى الله زلفى؛ لأمرنا بها رسول الله ﷺ ولما أغفل أمرها؛ لقوله ﷺ : «ما تركت شيئاً يقربكم إلى الله تعالى إلا وأمرتكم به. .. » الحديث.
стр. 1952
رواه الطبراني بإسناد صحيح -كما في «الإبداع» -. وقوله ﷺ : «إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمُه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم. .. » الحديث.
رواه مسلم «٦/ ١٨»، وأحمد «٢/ ١٩١» من حديث ابن عمرو.
وقد أورده ابن حزم في «الإحكام في أصول الأحكام» «١/ ٩٠» جازماً به بلفظ: «إن حقاً على كل نبي أن يدل أمته على أحسن ما يعلمه لهم».
فإذا كان الأمر كذلك؛ فعدم أمره ﷺ لنا بتسويده في الصلاة يدل على أنه لا يجوز التقرب إلى الله تعالى بذلك، ومن فعل ذلك؛ فقد استدرك عليه ﷺ ، ونسبه إلى القصور -كما قال ابن العربي فيما سبق- ولا يخفى ما في ذلك من الكفر والضلال.
وأيضا فإن الأذكار والأوراد توقيفية؛ لا يجوز الزيادة عليها، كما لا يجوز النقص منها، أو تغيير شيء من ألفاظها، وقد دلَّ على ذلك السنة؛ كما في «الصحيحين» من حديث البراء بن عازب قال: قال لي رسول الله ﷺ : «إذا أتيت مضجعك؛ فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، وقل: اللهم أسلمت وجهي إليك. .. » الحديث، وفيه: «آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت».
قال البراء: فقلت أستذكرهن: وبرسولك الذي أرسلت.
قال: «لا، -وفي رواية الترمذي، وصححه «٢/ ٢٤٠ - طبع بولاق»، والطحاوي في «المشكل» «٢/ ٤٥» قال: فطعن بيده في صدري، ثم قال: - وبنبيك الذي أرسلت».
قال الحافظ في «الفتح» «١١/ ٩٤»: «وأولى ما قيل في الحكمة في رده ﷺ على البراء: أن ألفاظ الأذكار توقيفية، ولها خصائص وأسرار لا يدخلها القياس؛ فيجب المحافظة على اللفظ الذي وردت به، وهذا اختيار المازري؛ قال: فيقتصر فيه على اللفظ الوارد بحروفه، وقد يتعلق الجزاء بتلك الحروف، ولعله أوحي إليه بهذه
стр. 1953
الكلمات؛ فيتعين أداؤها بحرفها».
وهذه قاعدة عظيمة يجب مراعاتها في جميع الأذكار والأوراد المروية عنه ﷺ ؛ أن لا يزاد فيها ولا ينقص، ولا يتصرف فيها بتغييرأي لفظ؛ لأنه ﷺ قد أنكر على من غير لفظ: «النبي» بلفظ: «الرسول»، مع أنه لم يغير شيئاً من المعنى؛ لما تقرر أن الرسول أعم من النبي، فالرسول نبيٌّ وزيادة، فإذا كان ﷺ قد أنكر ذلك - وليس فيه إلا استبدال لفظ بلفظ -؛ فلأن ينكر على من زاد زيادة باللفظ والمعنى من باب أولى، وعليه يدل أيضاً عمل الصحابة:
فقد أنكر ابن عمر ﵁ على رجل قال بعد أن عطس: الحمد لله، والصلاة على رسول الله ﷺ . فقال له: وأنا أقول: الحمد لله، والصلاة على رسول الله ﷺ ، ولكن ما هكذا علمنا رسول الله ﷺ .
أخرجه الترمذي.
هذا، ونحن نعلم أن السلف الصالح من الصحابة والتابعين لم يكونوا يتعبدون الله تعالى بتسويده ﷺ في الصلاة، وهم قطعاً أشد تعظيماً له ﷺ منا، وأكثر له حباً، ولكن الفرق بينهم وبيننا أن حبهم وتعظيمهم عملي باتباعه ﷺ ؛ كما هو نص قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. وأما حبنا؛ فلفظي شكلي.
فإذا كان السلف لم يتعبدوا بذلك؛ فليس لنا أن نفعل. وقد قال حذيفة بن اليمان ﵁: كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله ﷺ ؛ فلا تَعبدوها.
وقال ابن مسعود ﵁: اتبعوا، ولا تبتدعوا؛ فقد كُفِيْتُم، عليكم بالأمر العتيق.
والأمر العتيق: هو الاقتصار على ما صح عنه ﷺ من الأوراد والأذكار؛ بدون أدنى زيادة، مهما كان نوعها؛ ولذلك قال الحافظ: «اتباع الآثار الواردة أرجح، ولم تنقل - يعني: لفظة السيادة - عن الصحابة والتابعين، ولم تُرو إلا في حديث
стр. 1954
ضعيف عن ابن مسعود، ولو كان مندوباً؛ لما خفي عليهم».
قال: «وهذا يقرب من مسألة أصولية؛ وهي: أن الأدب أحسن، أم الاتباع والامتثال؟ ورجح الثاني؛ بل قيل: إنه الأدب».
قلت: وهذا القيلُ نقله الشيخ الطحطاوي في «مراقي الفلاح» «١٥٨» عن «شرح الشفا» للشهاب. وقد ذكر السيوطي نحوه في «الحرز المنيع» «٦٦» عن المجد اللغوي.
وأنا أستغرب وقوع مثل هذا الاختلاف بين العلماء؛ فإني لا أعقل أن يكون الأدب خيراً من الامتثال؛ لأن معنى ذلك أن الامتثال ليس فيه من الأدب ما يليق به ﷺ ولا يخفى ما فيه، ولأن في هذا القول محاذيرَ كثيرة تؤدي إلى تغير الشريعة! فخذ مثلاً: الشهادة في الأذان، والإقامة، وفي التشهد في الصلاة.
فإن الأفضل - على هذا القول - أن يقول المتشهد: «وأشهد أن سيدنا محمداً رسولُ الله».
وإذا كان الأدب مع رسول الله ﷺ أولى من امتثال أمره؛ فكذلك يقال أيضاً: إن الأدب مع الله تعالى أولى من امتثال أمره من باب أولى فينبغي أن يقال مثلاً: «أشهد أن لا إله إلا الله »؛ وغيرها من العبارات التي تدل على تعظيم الله تعالى وتنزيهه! وما أعتقد أن عاقلاً من علماء المسلمين يستجيز هذا التصرف، والتغيير في دين الله تعالى، وسَدُّ ذلك إنما يكون برد ذلك القول، والأخذ بمعارضه: الامتثال خير من الأدب؛ بل هو الأدب. ورحم الله ابن مسعود حيث قال: اقتصادٌ في سُنَّةٍ خيرٌ من اجتهاد في بدعة.
وكل خير في اتباع من سلف. .. وكل شر في ابتداع من خلف
[أصل صفة الصلاة (٣/ ٩٣٨)]
стр. 1955
إنكار زيادة السيادة في الصلوات الإبراهيمية
[قال الإمام]:
نحن ننكر زيادة السيادة في الصلوات الإبراهيمية.
السلسلة الضعيفة (١٢/ ١/ ٤١٥ - ٤١٦).
أفضل كيفيات الصلاة على النبي ﷺ -
قال الحافظ في «الفتح» «١١/ ١٣٩»: «واستُدل بتعليمه ﷺ لأصحابه الكيفية - بعد سؤالهم عنها - بأنها أفضل كيفيات الصلاة عليه؛ لأنه لا يختار لنفسه إلا الأشرف الأفضل، ويترتب على ذلك: لو حلف أن يصلي عليه أفضل الصلاة؛ فطريق البرِّ أن يأتي بذلك. هكذا صوبه النووي في «الروضة». ثم قال الحافظ: «والذي يرشد إليه الدليل أن البر يحصل بما في حديث أبي هريرة؛ لقوله ﷺ : «من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا؛ فليقل: اللهم صل على محمد النبي. .. » إلخ».
قلت: لكن هذا الحديث ضعيف؛ لا يجوز أن يحتج به - كما بينا فيما سبق [ص ٩٢٨]-؛ فالحق ما استصوبه النووي إن شاء الله تعالى؛ ولذلك قال تاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي في «طبقات الشافعية» «١/ ٩٦»: «سمعت أبي ﵀ يقول: أحسن ما صُلي على النبي ﷺ بهذه الكيفية، ومن أتى بها؛ فقد صلى على النبي ﷺ بيقين، وكان له الجزاء الوارد في حديث الصلاة بيقين، وكل من جاء بلفظ غيرها؛ فهو من إتيانه بالصلاة المطلوبة في شك؛ لأنهم قالوا: كيف نصلي عليك؟ قال: «قولوا: . .. كذا. فجعل الصلاةَ عليه منهم هي قولَ كذا.
قال: وإذا قالها العبد؛ فقد سأل الله تعالى أن يصلي على محمد ﷺ كما صلى على إبراهيم ﵊ وآله، ثم إذا قالها عبد آخر؛ فقد طلب صلاة أخرى
стр. 1956
غير التي طلبها الداعي الأول ضرورةَ أن المطلوبَيْنِ - وإن تشابها -؛ مفترقان بافتراق الطالب، وأن الدعوتين مستجابتان؛ إذ الصلاة على النبي ﷺ دعوة مستجابة، فلا بد أن يكون ما طلبه هذا غير ما طلبه ذاك؛ لئلا يلزم تحصيل الحاصل.
فالحاصل أن الله تعالى يصلي على النبي ﷺ صلاة مماثلة لصلاته على إبراهيم ﵊ وآله، وكلما دعا عبد؛ فلا تنحصر الصلوات عليه من ربه التي كل منها بقدر ما حصل لإبراهيم وآله؛ إذ لا ينحصر عدد من صلى عليه بهذه الصلاة.
وكان ﵀ لا يفتر لسانه عن الإتيان بهذه الصلاة».
قلت: فَلْيَعْتبِر بكلام السبكي هذا أولئك الذين يضيعون على أنفسهم هذه الأجور والفضائل بإعراضهم عن الصلوات الإبراهيمية - إلا في الصلاة -، ويتمسكون بصلوات بدعية ما أنزل الله بها من سلطان؛ كصلاة الفاتح لِمَا أُغلق، والصلاة النارية، والصلاة الطِّلَّسْمِيَّة المتضمنّة لفكرة وحدة الوجود، وصلاة ابن مشيش، وغيرها كثير. ولا يخلو أكثرها من شرك وإضلال، وقد تولى بيان ذلك الأستاذ الفاضل عبد الرحمن الوكيل في مجلة «الهدي النبوي» في أجزاء هذه السنة «٦٧ هـ»، تحت عنوان «طواغيت»؛ فليراجعها من شاء التمسك بهديه ﷺ ؛ فإن مثل هذه الأبحاث قلما كُتب مثلها. فجزى الله جامعها خير الجزاء.
[أصل صفة الصلاة (٣/ ٩٤٦)]
السنة في هذه الصلوات أن يؤتى بهذه مرة، وبهذه أخرى؛ كأدعيهَ الاستفتاح، والتشهدات وغيرها، لا أن يجمع بينها في صلاة واحدة
السنة في هذه الصلوات أن يؤتى بهذه مرة، وبهذه أخرى؛ كأدعيهَ الاستفتاح،
стр. 1957
والتشهدات وغيرها، لا أن يجمع بينها في صلاة واحدة - كما ذهب إليه بعض المتأخرين -؛ فإن ذلك يستلزم الإتيان بصفة لم ترد عنه ﷺ ، «وذلك بدعة في الدين».
قال الأذرعي: «الأفضل لمن تشهد أن يأتي بأكمل الروايات، ويقول كل ما ثبت؛ هذا مرة، وهذا مرة. وأما التلفيق؛ فإنه يستلزم إحداث صفة في التشهد لم ترد مجموعة في حديث واحد».
قال الحافظ «١١/ ١٣٢»: «وكأنه أخذه من كلام ابن القيم؛ فإنه قال: إن هذه الكيفية لم ترد مجموعة في طريق من الطرق، والأولى أن يستعمل كل لفظ ثبت على حدة؛ فبذلك يحصل الإتيان بجميع ما ورد، بخلاف ما إذا قال الجميعَ دفعة واحدة؛ فإن الغالب على الظن أنه ﷺ لم يفعل ذلك».
قلت: وقد فصل القول في هذا في كتابه «الجلاء» «٢١٩ - ٢٢٢»، فراجعه؛ فإنه نفيس، لا تكاد تجده في كتاب. «وبيّنه شيخ الإسلام ابن تيمية في بحث له في التكبير في العيدين «مجموع» «٦٩/ ٢٥٣/١»».
[أصل صفة الصلاة (٣/ ٩٤٧)].
أكثر المسلمين صلاة عليه ﷺ هم أهل الحديث ورواة السنة المطهرة
قال العلامة صديق حسن خان في كتابه «نزل الأبرار بالعلم المأثور من الأدعية والأذكار» - بعد أن ساق أحاديث كثيرة في فضل الصلاة على النبي ﷺ والإكثار منها؛ قال - «ص ١٦١»: «لا شك في أن أكثر المسلمين صلاة عليه ﷺ هم أهل الحديث ورواة السنة المطهرة؛ فإن من وظائفهم في هذا العلم الشريف التصلية عليه أمام كل حديث، ولا يزال لسانهم رطباً بذكره ﷺ ، وليس كتاب من كتب السنة، ولا ديوان من دواوين الحديث - على اختلاف أنواعها؛ من الجوامع والمسانيد
стр. 1958
والمعاجم والأجزاء وغيرها - إلا وقد اشتمل على آلاف الأحاديث، حتى إن أخصرها حجماً كتاب «الجامع الصغير» للسيوطي، فيه عشرة آلاف حديث، وقس على ذلك سائر الصحف النبوية، فهذه العصابة الناجية والجماعة الحديثية أولى الناس برسول الله ﷺ يوم القيامة، وأسعدهم بشفاعته ﷺ بأبي هو وأمي -، ولا يساويهم في هذه الفضيلة أحد من الناس إلا من جاء بأفضل مما جاؤوا به، ودونه خرط القتاد، فعليك يا باغي الخير وطالب النجاة بلا ضير أن تكون مُحَدِّثاً، أو متطفلاً على المحدِّثين، وإلا؛ فلا تكن. .. فليس فيما سوى ذلك من عائدةتعود إليك».
قلت: وأنا أسأل الله ﵎ أن يجعلني من هؤلاء المحدِّثين الذين هم أولى الناس برسول الله ﷺ ، ولعل هذا الكتاب من الأدلة على ذلك، ورحم الله الإمام أحمد؛ إمام السنة الذي أنشد:
دين النبيِّ محمد أخبار ... نعم المطيَّة للفتى آثار
لا ترغبن عن الحديث وأهله ... فالرأي ليل والحديث نهار
ولربما جهل الفتى أثر الهدى ... والشمس بازغة لها أنوار
[أصل صفة الصلاة (٣/ ٩٤٨)]
مشروعية الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول
قول ابن عمر: «كان النبى ﷺ يفصل بين الشفع والوتر بتسليمة ليسمعناها». رواه أحمد. صحيح.
وله شاهد يرويه زرارة بن أبى أوفى قال: «سألت عائشة عن صلاة رسول الله ﷺ بالليل؟ فقالت: كان يصلى العشاء, ثم يصلى بعد ركعتين ثم ينام. .. ثم توضأ فقام فصلى ثمان ركعات يقرأ فيهن بفاتحة الكتاب وما شاء من القرآن, وقالت: ما شاء الله من القرآن, فلا يقعد في شئ منهن إلا في الثامنة فإنه يقعد فيها, فيتشهد ثم
стр. 1959
يقوم ولا يسلم, فيصلى ركعة واحدة, ثم يجلس فيتشهد ويدعو ثم يسلم تسليمة واحدة: السلام عليكم يرفع بها صوته حتى يوقظنا» الحديث.
أخرجه الإمام أحمد «٦/ ٢٣٦»: حدثنا يزيد قال: حدثنا بهز بن حكيم وقال مرة: أخبرنا قال: سمعت زرارة بن أوفى يقول: فذكره.
قلت: وهذا سند صحيح.
وقد تابعه قتادة عن زرارة به نحوه وفيه: «لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة, فيدعو ربه ويصلى على نبيه, ثم ينهض ولا يسلم, ثم يصلى التاسعة, ثم يسلم تسلمية يسمعنا».
تنبيه: دل حديث عائشة عند أبى عوانة على مشروعية الصلاة على النبى ﷺ في التشهد الأول.
وهذه فائدة عزيزة لاتكاد تراها في كتاب فعض عليها بالنواجذ.
[إرواء الغليل تحت حديث رقم (٣٢٧)]
الدعاء في هذا التشهد
قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ١٤٧:
ثم يتخير في هذا التشهد من الدعاء الوارد أعجبه إليه، فيدعو الله به.
وقال في أصل الصفة:
وكذلك سنَّ لهم الدعاء في هذا التشهد وغيره، فقال ﷺ : «إذا قعدتم في كل ركعتين؛ فقولوا: التحيات لله ... ». فذكرها إلى آخرها، ثم قال: «ثم ليتخيَّر من الدعاء أعجبه إليه».
[أصل صفة الصلاة (٣/ ٩٤٩)]
стр. 1960
مشروعية الدعاء في التشهد الأول
[قال رسول الله ﷺ ]: «إذا قعدتم في كل ركعتين، فقولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه».
[قال الإمام]:
وفي الحديث فائدة هامة وهي مشروعية الدعاء في التشهد الأول ولم أر من قال به من الأئمة غير ابن حزم والصواب معه وإن كان هو استدل بمطلقات يمكن للمخالفين ردها بنصوص أخرى مقيدة، أما هذا الحديث فهو في نفسه نص واضح مفسر لا يقبل التقييد، فرحم الله امرءا أنصف واتبع السنة.
والحديث دليل من عشرات الأدلة على أن الكتب المذهبية قد فاتها غير قليل من هدي خير البرية ﷺ ، فهل في ذلك ما يحمل المتعصبة على الاهتمام بدراسة السنة والاستنارة بنورها؟ لعل وعسى.
السلسلة الصحيحة (٢/ ٥٣٨ - ٥٣٩).
حكم التسمية قبل التشهد
مداخلة: التشهد أُثر عن ابن عمر ﵄ في صيغة التشهد، يقول: بسم الله، التحيات لله .. [التسمية ثابتة]؟
الشيخ: التسمية يعني؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: لم يثبت في التسمية في أي حديث، وقد جاء مرويًا مرفوعًا إلى النبي ﷺ في سنن النسائي وغيره، هذا من جملة الأحاديث التي يقال فيها: إنه منكر،
стр. 1961
وقد يقال: إنه شاذ؛ وذلك لأن هذه الزيادة لم ترد في الأحاديث الصحيحة التي جاء بعضها في الصحيحين وبعضها في السنن، كحديث ابن مسعود مثلًا وهو أصح أحاديث التشهد بإجماع العلماء، ثم حديث ابن عباس في المرتبة الثانية في الصحة الذي تفرد بإخراجه الإمام مسلمًا في صحيحه دون صاحبه البخاري.
ثم جاء الحديث في الموطأ عن عمر بن الخطاب وعن ابن عمر أيضًا بطرق قوية وصحيحة جدًا، ثم هي خالية عن البسملة، فكانت هي في أحسن أحوالها شاذة، وفي حقيقتها منكرة، فلا يشرع أن يسمي المتشهد بين يدي التشهد فيقول: بسم الله التحيات لعدم ورود ذلك في السنة الصحيحة طبعًا.
مداخلة: بالنسبة أثر عمر الذي ذكرته في التشهد الذي في الموطأ، هذا ما يعد أقوى بالنسبة من حديث ابن مسعود إن كان مرفوعًا؛ لأنه كان في محضر من الصحابة ..
الشيخ: لا، القوة جاءت في حديث ابن مسعود من ناحيتين:
الناحية الأولى: أنه خرج في أصح كتاب بعد كتاب الله، ألا وهو صحيح البخاري وصحيح مسلم.
والناحية الثانية وهي مهمة جدًا: أن الرواة لم يختلفوا حينما رووا حديث ابن مسعود ولو في حرف واحد، بينما سائر التشهدات وقع فيها اختلاف بوضع لفظة مكان لفظة، أو زيادة حرف أو كلمة وعدم زيادتها في بعض الروايات، من أجل هذا أجمع علماء الحديث حتى الشافعية منهم الذين اختاروا عمليًا حديث ابن عباس على حديث ابن مسعود لم يسعهم إلا أن يعترفوا بأن حديث ابن مسعود أصح من حديث ابن عباس، وذلك معروف في المصطلح: أنه ما اتفق عليه الشيخان فهو أصح مما تفرد به أحدهما، فكيف إذا ضم إلى ذلك أشياء أخرى منها ما ذكرته آنفًا: أنه لم يختلف في تشهد ابن مسعود ولا فر حرف واحد، بل قد صح عن ابن مسعود عنايته الخاصة في تعليمه تشهده لأصحابه كما هو أخذ من عناية الرسول ﵇ به حينما قال ابن مسعود: علمني رسول الله ﷺ التشهد وكفي بين كفيه،
стр. 1962
هذا كناية عن اهتمام الرسول ﵇ بابن مسعود وتعليمه إياه التشهد، وجرى ابن مسعود على هذا النسق فيمن بعده من أصحابه من التابعين.
فيقول علقمة فيما أذكر: بأن ابن مسعود ﵁ كان يأخذ علينا الحرف الواحد، أي: كان إذا أخطأ أحدهم في الحرف الواحد يخطئه ويبين له وجه الصواب فيه، وهذه المجموعة هي التي جعلت علماء الحديث قاطبة لا خلاف بينهم وبين من كان محدثًا لا مذهب له أو مذهبيًا شافعيًا أو حنفيًا، كلهم أجمعوا على أن حديث تشهد ابن مسعود هو أصح أحاديث التشهد.
فالملاحظة التي أنت لاحظتها هي قوة واحدة من جانب أنه أعلنها، لكن ذلك لا يعني الصحة من حيث الرواية ووصول هذا التشهد إلينا بنفس القوة والمتانة التي جاء إلينا حديث ابن مسعود ﵁، فتلك قوة موضعية، ولا شك أن عمر حينما يعلن شيئًا أمام الناس فهي قوة مهمة جدًا، لكن ما الذي يعرفنا بذلك؟ إنما هو الإسناد، لا شك حينذاك أن إسناد ابن مسعود وإجماع العلماء كما ذكرنا على أنه أقوى إسناد يبقى الفضيلة الراجحة لحديث ابن مسعود.
(فتاوى جدة (٦) /٠٠: ٣١: ٥٤)
حول صيغ التشهد
الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله:
لقد كان أصحاب النبي ﷺ لا يعرفون التشهد في جلوس التشهد؛ ولذلك فقد كانوا يقرؤون بعض الكلمات من عند أنفسهم يمجدون الله ﵎ كما يبدو لهم، فكان أحدهم إذا جلس في التشهد يقول: السلام على الله .. السلام على جبريل .. السلام على عباد الله الصالحين، فقال لهم ﵊: إن الله
стр. 1963
هو السلام فقول المصلي: السلام على الله فهذا لا يناسب مقام الله ﵎؛ لأن السلام اسم من أسماء الله، ولذلك علمهم رسول الله ﷺ فأحسن تعليمهم فقال لهم: «إذا جلس أحدكم في التشهد فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» قال ﵇: «ثم ليتخير أحدكم من الدعاء ما شاء»، فمن هنا فرض التشهد على المصلين ولم يكن قبل ذلك مفروضًا.
وقد جاء في حديث مختصر عن ابن مسعود نفسه التصريح بأن النبي ﷺ فرض قراءة التشهد في الصلاة فمن يومئذ أصبح التشهد فريضة من فرائض الصلاة، وقد اختلف العلماء قديمًا في حكم هذا التشهد فمن قائل لما جاء في الحديث: إنه فرض ومن قائل: إنه واجب، ولا أريد أن أخوض الآن ببيان الفرق بين الفرض والواجب؛ لأنه أولًا: قول مرجوح الفرض هو الواجب والواجب هو الفرض، وإنما هو مجرد اصطلاح من بعض المذاهب، وقد علمتم وهذا ثانيًا: أنه خلاف ما عليه جماهير العلماء، وخلاف الحديث السابق أن التشهد في الصلاة فرض أي: فرضه الرسول على وحي من رب العالمين.
فبعد هذا التشريع الجديد لم يجز لأحد أن يتساهل بترك التشهد في جلوس التشهد، وهذه الصيغة التي سمعتموها لا بد من أن نذكر حولها أمرين اثنين:
أولهما: هو الجواب عن سؤال السائل أي: إن هذه الصيغة هي أفضل الصيغ وأصح الصيغ التي جاءت عن النبي ﷺ وإن كانت هناك صيغ أخرى كنت أحصيتها وجمعتها في كتاب: صفة صلاة النبي ﷺ من التكبير إلى التسليم كأنك تراها، وإنما ذلك أعني: إنما أصح هذه التشهدات هي: تشهد ابن مسعود من هذا؛ لأنه اتفق على إخراجه البخاري ومسلم في صحيحيهما؛ ولأن علماء الحديث قاطبةً يذهبون إلى أصحية هذه الصيغة على الصيغة الأخرى.
هناك الصيغة الثانية المشهورة وهي التي أخذ بها الإمام الشافعي وهي تختلف بعض الشيء عن صيغة تشهد ابن مسعود: التحيات الطيبات لله في بعض
стр. 1964
الروايات: الزاكيات، فكان من جملة الأسباب التي جعل بعض المحدثين يرجحون رواية ابن مسعود بهذه الصيغة على رواية ابن عباس أن ابن مسعود قديم الصحبة أما ابن عباس فحديث الصحبة؛ لأنه مات النبي ﷺ وهو قريب من بلوغ سن التكيلف، وأيضًا إن حديث ابن مسعود لم يختلف الرواة عليه ولو في حرف واحد، فكلهم رووا هذه الصيغة كما روت الأمة بالإجماع فاتحة الكتاب ليس فيها اختلاف ولا في حرف واحد، كذلك تشهد ابن مسعود ﵁ كل الرواة الذين رووه خاطبوه عليه بالحرف الواحد ولا جرم ولا غرابة في ذلك؛ لأن ابن مسعود ﵁ كان من اهتمامه في تلقينه وتعليمه لأصحابه من بعد النبي ﷺ .. أصحاب ابن مسعود الذين لم يدركوا النبي ﷺ ، فكان ابن مسعود يعلم أصحابه ومنهم: علقمة، فعلقمة هذا يقول عن ابن مسعود: أنه كان إذا علمنا التشهد يأخذ علينا حتى الحرف الواحد - كان ابن مسعود إذا علمهم التشهد يأخذ عليهم حتى الحرف الواحد.
فلذلك تتابع أصحاب ابن مسعود على رواية صيغة تشهد ابن مسعود بالحرف الواحد لا اختلاف بينهم إطلاقًا بخلاف تشهد ابن عباس، فإذا كان السؤال: أي الصيغ أصح؟ فقد عرفتم الجواب أنه حديث ابن مسعود ﵁، وعرفتم الأسباب أنها متعددة وكثيرة.
بقي شيء آخر أشرت إلى أنه لا بد من ذكره وهي فائدة في علمي أعرض عن تطبيقها جماهير المصلين؛ وذلك بأنهم لم تصبهم هذه الفائدة مع أنها جاءت في صحيح البخاري وفي مسند الإمام أحمد رحمهم الله تعالى، لقد قال ابن مسعود فيما روياه أعني: البخاري وأحمد بإسنادهما الصحيح: «علمني رسول الله ﷺ وكفي بين كفيه» كف ابن مسعود بين كفي الرسول ﵇، وهذا كناية عن اهتمامه ﷺ بصاحبه ابن مسعود حيث وضع كفه. . ولما وصل النبي ﷺ إلى: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين قال ﵊: «فإنك إذا قلتها أصابت كل عبد صالح في السماء أو في الأرض» وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله،
стр. 1965
قال ابن مسعود -وهنا الفائدة- قلنا: السلام عليك أيها النبي والنبي بين ظهرانينا أي: وهو حي يعيش بين ظهراني أصحابه، قال ابن مسعود: فلما مات قلنا: السلام على النبي فلما مات ﵊ قلنا: السلام على النبي.
فقول ابن مسعود في التفريق في السلام على النبي في التشهد إنما هو تفريق بتوقيف من النبي ﷺ له ولأصحابه، والمقصود بالتوفيق يعني: بإشعار من النبي ﷺ لهم أن يقولوا في التشهد في السلام عليه بعد وفاته: السلام على النبي، ولذلك استجابة من أصحابه ﵊ بإيقاف نبي الله إياهم على هذا التشريع الجديد بعد وفاته استجابوا له فصرح ابن مسعود في تشهده هذا أننا قلنا: السلام عليك أيها النبي وهو بين ظهرانينا، فلما مات قلنا: السلام على النبي أي: تركوا كاف الخطاب وانتقلوا إلى لفظة الغيب فقالوا: السلام على النبي.
وقد تناقش بعض العلماء من الشافعية حول قول ابن مسعود هذا: هل هو توقيت من النبي ﷺ أو باجتهاد من ابن مسعود؟ فقيل وقيل، لكن كان القول الراجح ما ذكره الإمام السبكي من الشافعية أنه قال: إذا صح قول ابن مسعود: فلما مات قلنا: السلام على النبي وجب العدول من لفظة الخطاب: السلام عليك أيها النبي إلى لفظة الغيبة: السلام على النبي، لكن الفرق بين قول السبكي وبين استدراك الحافظ ابن حجر والعسقلاني هو ما يلحظه كل من سمع آنفًا أن هذا الحديث رواه البخاري، فقول السبكي إن صح فتحفظ لا محل له، ولذلك استدرك عليه ذلك الحافظ ابن حجر والعسقلاني فقال: قد صح ذلك كما جاء في رواية البخاري السابقة، فلما مات قلنا: السلام على النبي، فإذًا صح.
وثانيًا: أن ابن مسعود لم يحك ذلك عن نفسه فقط بل حكاه عن الصحابة؛ لأنه قال: كنا نقول وهو ﷺ بين ظهرانينا: السلام عليك أيها النبي .. كنا نقول، ليس كنت أقول، فلما مات قلنا: السلام على النبي.
ثم أيد الحافظ ابن حجر ﵀ هذا البيان الشافي من التفريق بين ما روى البخاري بلفظ: فلما مات قلنا. .. أيد هذه الرواية برواية الأخرى عزاها لمصنف
следующие страницы →