← Фикх общий

Фикх общий · id 145204

جامع تراث العلامة الألباني في الفقه

ناصر الدين الألباني

Полный текст (8 195 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

وقد يقال: إنه شاذ؛ وذلك لأن هذه الزيادة لم ترد في الأحاديث الصحيحة التي جاء بعضها في الصحيحين وبعضها في السنن، كحديث ابن مسعود مثلًا وهو أصح أحاديث التشهد بإجماع العلماء، ثم حديث ابن عباس في المرتبة الثانية في الصحة الذي تفرد بإخراجه الإمام مسلمًا في صحيحه دون صاحبه البخاري. ثم جاء الحديث في الموطأ عن عمر بن الخطاب وعن ابن عمر أيضًا بطرق قوية وصحيحة جدًا، ثم هي خالية عن البسملة، فكانت هي في أحسن أحوالها شاذة، وفي حقيقتها منكرة، فلا يشرع أن يسمي المتشهد بين يدي التشهد فيقول: بسم الله التحيات لعدم ورود ذلك في السنة الصحيحة طبعًا. مداخلة: بالنسبة أثر عمر الذي ذكرته في التشهد الذي في الموطأ، هذا ما يعد أقوى بالنسبة من حديث ابن مسعود إن كان مرفوعًا؛ لأنه كان في محضر من الصحابة .. الشيخ: لا، القوة جاءت في حديث ابن مسعود من ناحيتين: الناحية الأولى: أنه خرج في أصح كتاب بعد كتاب الله، ألا وهو صحيح البخاري وصحيح مسلم. والناحية الثانية وهي مهمة جدًا: أن الرواة لم يختلفوا حينما رووا حديث ابن مسعود ولو في حرف واحد، بينما سائر التشهدات وقع فيها اختلاف بوضع لفظة مكان لفظة، أو زيادة حرف أو كلمة وعدم زيادتها في بعض الروايات، من أجل هذا أجمع علماء الحديث حتى الشافعية منهم الذين اختاروا عمليًا حديث ابن عباس على حديث ابن مسعود لم يسعهم إلا أن يعترفوا بأن حديث ابن مسعود أصح من حديث ابن عباس، وذلك معروف في المصطلح: أنه ما اتفق عليه الشيخان فهو أصح مما تفرد به أحدهما، فكيف إذا ضم إلى ذلك أشياء أخرى منها ما ذكرته آنفًا: أنه لم يختلف في تشهد ابن مسعود ولا فر حرف واحد، بل قد صح عن ابن مسعود عنايته الخاصة في تعليمه تشهده لأصحابه كما هو أخذ من عناية الرسول ﵇ به حينما قال ابن مسعود: علمني رسول الله ﷺ التشهد وكفي بين كفيه،

стр. 1962

هذا كناية عن اهتمام الرسول ﵇ بابن مسعود وتعليمه إياه التشهد، وجرى ابن مسعود على هذا النسق فيمن بعده من أصحابه من التابعين. فيقول علقمة فيما أذكر: بأن ابن مسعود ﵁ كان يأخذ علينا الحرف الواحد، أي: كان إذا أخطأ أحدهم في الحرف الواحد يخطئه ويبين له وجه الصواب فيه، وهذه المجموعة هي التي جعلت علماء الحديث قاطبة لا خلاف بينهم وبين من كان محدثًا لا مذهب له أو مذهبيًا شافعيًا أو حنفيًا، كلهم أجمعوا على أن حديث تشهد ابن مسعود هو أصح أحاديث التشهد. فالملاحظة التي أنت لاحظتها هي قوة واحدة من جانب أنه أعلنها، لكن ذلك لا يعني الصحة من حيث الرواية ووصول هذا التشهد إلينا بنفس القوة والمتانة التي جاء إلينا حديث ابن مسعود ﵁، فتلك قوة موضعية، ولا شك أن عمر حينما يعلن شيئًا أمام الناس فهي قوة مهمة جدًا، لكن ما الذي يعرفنا بذلك؟ إنما هو الإسناد، لا شك حينذاك أن إسناد ابن مسعود وإجماع العلماء كما ذكرنا على أنه أقوى إسناد يبقى الفضيلة الراجحة لحديث ابن مسعود. (فتاوى جدة (٦) /٠٠: ٣١: ٥٤) حول صيغ التشهد الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله: لقد كان أصحاب النبي ﷺ لا يعرفون التشهد في جلوس التشهد؛ ولذلك فقد كانوا يقرؤون بعض الكلمات من عند أنفسهم يمجدون الله ﵎ كما يبدو لهم، فكان أحدهم إذا جلس في التشهد يقول: السلام على الله .. السلام على جبريل .. السلام على عباد الله الصالحين، فقال لهم ﵊: إن الله

стр. 1963

هو السلام فقول المصلي: السلام على الله فهذا لا يناسب مقام الله ﵎؛ لأن السلام اسم من أسماء الله، ولذلك علمهم رسول الله ﷺ فأحسن تعليمهم فقال لهم: «إذا جلس أحدكم في التشهد فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» قال ﵇: «ثم ليتخير أحدكم من الدعاء ما شاء»، فمن هنا فرض التشهد على المصلين ولم يكن قبل ذلك مفروضًا. وقد جاء في حديث مختصر عن ابن مسعود نفسه التصريح بأن النبي ﷺ فرض قراءة التشهد في الصلاة فمن يومئذ أصبح التشهد فريضة من فرائض الصلاة، وقد اختلف العلماء قديمًا في حكم هذا التشهد فمن قائل لما جاء في الحديث: إنه فرض ومن قائل: إنه واجب، ولا أريد أن أخوض الآن ببيان الفرق بين الفرض والواجب؛ لأنه أولًا: قول مرجوح الفرض هو الواجب والواجب هو الفرض، وإنما هو مجرد اصطلاح من بعض المذاهب، وقد علمتم وهذا ثانيًا: أنه خلاف ما عليه جماهير العلماء، وخلاف الحديث السابق أن التشهد في الصلاة فرض أي: فرضه الرسول على وحي من رب العالمين. فبعد هذا التشريع الجديد لم يجز لأحد أن يتساهل بترك التشهد في جلوس التشهد، وهذه الصيغة التي سمعتموها لا بد من أن نذكر حولها أمرين اثنين: أولهما: هو الجواب عن سؤال السائل أي: إن هذه الصيغة هي أفضل الصيغ وأصح الصيغ التي جاءت عن النبي ﷺ وإن كانت هناك صيغ أخرى كنت أحصيتها وجمعتها في كتاب: صفة صلاة النبي ﷺ من التكبير إلى التسليم كأنك تراها، وإنما ذلك أعني: إنما أصح هذه التشهدات هي: تشهد ابن مسعود من هذا؛ لأنه اتفق على إخراجه البخاري ومسلم في صحيحيهما؛ ولأن علماء الحديث قاطبةً يذهبون إلى أصحية هذه الصيغة على الصيغة الأخرى. هناك الصيغة الثانية المشهورة وهي التي أخذ بها الإمام الشافعي وهي تختلف بعض الشيء عن صيغة تشهد ابن مسعود: التحيات الطيبات لله في بعض

стр. 1964

الروايات: الزاكيات، فكان من جملة الأسباب التي جعل بعض المحدثين يرجحون رواية ابن مسعود بهذه الصيغة على رواية ابن عباس أن ابن مسعود قديم الصحبة أما ابن عباس فحديث الصحبة؛ لأنه مات النبي ﷺ وهو قريب من بلوغ سن التكيلف، وأيضًا إن حديث ابن مسعود لم يختلف الرواة عليه ولو في حرف واحد، فكلهم رووا هذه الصيغة كما روت الأمة بالإجماع فاتحة الكتاب ليس فيها اختلاف ولا في حرف واحد، كذلك تشهد ابن مسعود ﵁ كل الرواة الذين رووه خاطبوه عليه بالحرف الواحد ولا جرم ولا غرابة في ذلك؛ لأن ابن مسعود ﵁ كان من اهتمامه في تلقينه وتعليمه لأصحابه من بعد النبي ﷺ .. أصحاب ابن مسعود الذين لم يدركوا النبي ﷺ ، فكان ابن مسعود يعلم أصحابه ومنهم: علقمة، فعلقمة هذا يقول عن ابن مسعود: أنه كان إذا علمنا التشهد يأخذ علينا حتى الحرف الواحد - كان ابن مسعود إذا علمهم التشهد يأخذ عليهم حتى الحرف الواحد. فلذلك تتابع أصحاب ابن مسعود على رواية صيغة تشهد ابن مسعود بالحرف الواحد لا اختلاف بينهم إطلاقًا بخلاف تشهد ابن عباس، فإذا كان السؤال: أي الصيغ أصح؟ فقد عرفتم الجواب أنه حديث ابن مسعود ﵁، وعرفتم الأسباب أنها متعددة وكثيرة. بقي شيء آخر أشرت إلى أنه لا بد من ذكره وهي فائدة في علمي أعرض عن تطبيقها جماهير المصلين؛ وذلك بأنهم لم تصبهم هذه الفائدة مع أنها جاءت في صحيح البخاري وفي مسند الإمام أحمد رحمهم الله تعالى، لقد قال ابن مسعود فيما روياه أعني: البخاري وأحمد بإسنادهما الصحيح: «علمني رسول الله ﷺ وكفي بين كفيه» كف ابن مسعود بين كفي الرسول ﵇، وهذا كناية عن اهتمامه ﷺ بصاحبه ابن مسعود حيث وضع كفه. . ولما وصل النبي ﷺ إلى: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين قال ﵊: «فإنك إذا قلتها أصابت كل عبد صالح في السماء أو في الأرض» وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله،

стр. 1965

قال ابن مسعود -وهنا الفائدة- قلنا: السلام عليك أيها النبي والنبي بين ظهرانينا أي: وهو حي يعيش بين ظهراني أصحابه، قال ابن مسعود: فلما مات قلنا: السلام على النبي فلما مات ﵊ قلنا: السلام على النبي. فقول ابن مسعود في التفريق في السلام على النبي في التشهد إنما هو تفريق بتوقيف من النبي ﷺ له ولأصحابه، والمقصود بالتوفيق يعني: بإشعار من النبي ﷺ لهم أن يقولوا في التشهد في السلام عليه بعد وفاته: السلام على النبي، ولذلك استجابة من أصحابه ﵊ بإيقاف نبي الله إياهم على هذا التشريع الجديد بعد وفاته استجابوا له فصرح ابن مسعود في تشهده هذا أننا قلنا: السلام عليك أيها النبي وهو بين ظهرانينا، فلما مات قلنا: السلام على النبي أي: تركوا كاف الخطاب وانتقلوا إلى لفظة الغيب فقالوا: السلام على النبي. وقد تناقش بعض العلماء من الشافعية حول قول ابن مسعود هذا: هل هو توقيت من النبي ﷺ أو باجتهاد من ابن مسعود؟ فقيل وقيل، لكن كان القول الراجح ما ذكره الإمام السبكي من الشافعية أنه قال: إذا صح قول ابن مسعود: فلما مات قلنا: السلام على النبي وجب العدول من لفظة الخطاب: السلام عليك أيها النبي إلى لفظة الغيبة: السلام على النبي، لكن الفرق بين قول السبكي وبين استدراك الحافظ ابن حجر والعسقلاني هو ما يلحظه كل من سمع آنفًا أن هذا الحديث رواه البخاري، فقول السبكي إن صح فتحفظ لا محل له، ولذلك استدرك عليه ذلك الحافظ ابن حجر والعسقلاني فقال: قد صح ذلك كما جاء في رواية البخاري السابقة، فلما مات قلنا: السلام على النبي، فإذًا صح. وثانيًا: أن ابن مسعود لم يحك ذلك عن نفسه فقط بل حكاه عن الصحابة؛ لأنه قال: كنا نقول وهو ﷺ بين ظهرانينا: السلام عليك أيها النبي .. كنا نقول، ليس كنت أقول، فلما مات قلنا: السلام على النبي. ثم أيد الحافظ ابن حجر ﵀ هذا البيان الشافي من التفريق بين ما روى البخاري بلفظ: فلما مات قلنا. .. أيد هذه الرواية برواية الأخرى عزاها لمصنف

стр. 1966

عبد الرزاق - وقد طبع هذا المصنف والحمد لله منذ بضع سنين أو أكثر - حيث روى عبد الرزاق في مصنفه بإسناد صحيح عن عطاء بن أبي رباح قال: كان أصحاب النبي - هذه الرواية صريحة - كان أصحاب النبي ﷺ يقولون في حياته: السلام عليك أيها النبي، فلما مات قالوا: السلام على النبي، فلذلك صار لزامًا علينا أن نقول كما صار إليه أصحابه بعد وفاته: السلام على النبي، وليس السلام عليك أيها النبي. هذا من أجل هذا المثال نقول دائمًا وأبدًا: لا يكفي الدعوة في هذا الزمان إلى العمل بالكتاب والسنة وهذا واجب ولكن - انتبهوا إلى ما أقول - ينبغي الدعوة إلى الكتاب والسنة ولكن لا ينبغي الاقتصار بالدعوة إلى الكتاب والسنة أن نقف هنا، بل لا بد لنا من أن نضيف إلى ذلك وعلى منهج السلف الصالح أي: نحن ندعو إلى الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح، لماذا؟ لأن السلف الصالح وعلى رأسهم أصحاب النبي ﷺ الذين باشروا السماع من فمه غضًا طريًا إلى آذانهم، ونقلوا ذلك واقعًا في حياتهم إلى من بعدهم، وهذا هو المثال بين أيديكم. ولم نلتفت إلى رواية ابن مسعود هذه المفصلة بين حياته ﵇ التي كانوا يقولون: السلام عليك أيها النبي، وبين بعد وفاته التي قالوا فيها: السلام على النبي، ما كنا لنصدق الحديث إلا على التعليم النبوي الأول ألا وهو: «إذا جلس أحدكم في التشهد فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي» إلى آخره، لكن اعتمادنا على هذا الصحابي الذي فرق لنا ليس بلفظ من النبي ﷺ وإنما بفهم منه بين السلام لمخاطبته في حياته وبين السلام بترك مخاطبته بعد وفاته، من هنا يتبين لكم كمثال من عشرات بل مئات الأمثلة أننا لا نستطيع أن نفهم الكتاب والسنة فهمًا صحيحًا إلا على منهج أصحاب النبي ﷺ ثم الذين جاءوا من بعدهم. وهذا القيد: على منهج السلف الصالح، قد يستنكره بعض الجماعات الإسلامية التي لم تتفقه ليس فقط بسنة رسول الله ﷺ بل حتى ولا بالقرآن

стр. 1967

الكريم؛ لأن هذا القيد الذي ذكرته آنفًا وهو: اتباع أصحاب الرسول ﷺ فيما فهموه، وفيما تلقوه عن رسول الله ﷺ هو مما أمر به القرآن الكريم، فكلنا يقرأ فيه قول الله ﵎: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] فقوله ﵎: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِين﴾ [النساء: ١١٥] هذه الجملة لها معنى إضافي على الجملة التي قبلها والتي عليها حذفت الجملة التي بعدها حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لم يقل ربنا ، ولو أنه قال ذلك لكفى لكنه أراد أن ينبه المسلمين إلى هذه النكتة التي سبق أن ذكرتها وهي اتباع أصحاب الرسول ﵊ فقال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِين﴾ [النساء: ١١٥] لم يقل: «ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى» إلى آخر الآية، وإنما جاء بجملة إضافية على الجملة الأولى كما ذكرت آنفًا وهي: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِين﴾ [النساء: ١١٥]. فإذًا: اتباع سبيل المؤمنين أمر ضروري جدًا، وأساس من أسس الدعوة الإسلامية الحقة التي لا يكون مخالفها على هدًى من ربه ﵎، وقد شرح الرسول ﷺ هذه الجملة: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِين﴾ [النساء: ١١٥] وبينها؛ لأن المقصود ابتداء إنما هم أصحاب الرسول ﷺ كما في حديث تفرق المسلمين كما تفرقت اليهود والنصارى، لقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قلنا: من يا رسول الله؟ قال: هي الجماعة» لم يقل في هذه الرواية هي: كتاب وسنة رسول الله؛ لأن هذا مفهوم من عديد من الآيات والأحاديث، كمثل قوله ﵎: «فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا» [النساء: ٥٩] .. (رحلة النور: ٤٧ ب/٠٠: ٠٥: ٥٠)

стр. 1968

صيغة السلام على النبي ﷺ في التشهد بعد وفاته [قال الإمام عن لفظة السلام عليك أيها النبي في التشهد]: هذا الخطاب كان في قيد حياته ﷺ أما بعد وفاته فكانوا يقولون في التشهد: «السلام على النبي»، وفي ذلك أكثر من حديث واحد، ومن ذلك رواية صحيحة في بعض طرق حديث ابن مسعود هذا، قال: «وهو بين ظهرانينا، فلما قبض قلنا: السلام على النبي» أخرجه الشيخان وغيرهما، وهو في حكم المرفوع، فانظر إن شئت زيادة بيان «صفة صلاة النبي ﷺ »، ولا تغتر بمن ضعف هذا الحديث، ولا بجعجعة من ألف «صحيح صفة صلاة النبي ﷺ » فإنه حاسد حاقد، وشافعي متعصب، وأشعري منحرف، وفاقد الشيء لا يعطيه، وصدق فيه حديث: «يسمونها بغير اسمها». [صحيح الأدب المفرد ص ٢٧٤ حاشية ٢] صيغة السلام في التشهد بعد وفاة النبي ﷺ هي: السلام على النبي انظر صحيح موارد الظمآن (١/ ٢٥٠) حكم التلفيق بين صيغ التشهد ؟ السائل: [حكم التلفيق بين صيغ التشهد]؟ الشيخ: ما بيجوز تُلَفِّق، بِدّك كل تشهد لكل صحابي ترويه مثلما ما كان الصحابي نفسه ينطق به ولا تُلَفِّق؛ لأنه إذا بدك تلفق فيه عندنا أربع خمس تشهدات، راح يطلع معك تشهد صحيفة كاملة، من هون تأخذ شقفة، من هون تأخذ شقفة، بيطلع معك تشهد طويل لا.

стр. 1969

السنة أنك تتلفظ بالدعاء إن كان الرسول نوع بتنَوّع، إن كان ما نَوَّع ما بتنَوِّع، وهون التشهدات فيها أنواع مثل أدعية الاستفتاح، أما أنك تُشَكِّل واحدة بينها ما بيجوز. مداخلة: ما نقدر نجمعها. الشيخ: نعم. (الهدى والنور/٣٢٦/ ٥٢: ٣٥: ٠٠) كيفية السلام على النبي ﷺ في الصلاة السائل: ما كيفية السلام الوارد على النبي ﷺ في الصلاة، وهل ورد أنه ﵇ كان يبدأ السلام جهة القبلة، ثم يُشير إلى اليمين، ثم إلى الشمال؟ الشيخ: هذا التفصيل لا أصل له في السنة، وإنما كان يلتفت إلى يمينه قائلاً: السلام عليكم ورحمة الله، ثم يلتفت إلى يساره قائلاً: السلام عليكم ورحمة الله. أما هذا التفصيل فلا أصل له في السنة، يقول به بعض المذاهب كمذهب الشافعي، لكن لم يرد في السنة. السائل: أستاذنا، بخصوص اليمين فيها موعظة هذه يا شيخ، أو فيها يعني لها موعظة على اليمين وعلى الشمال، يعني المقصود عنها الملائكة يعني؟ الشيخ: قيل يعني أنه يُسَلِّم على من عن يمينه من المسلمين، ومن على كتفيه من الملائكة، أما ذكر الملائكة هنا فلا أصل له أيضاً، كذلك لما يُسَلِّم إلى اليسار يقصد من عن يساره من المصلين، ومن على الكتف الأيسر من الملائكة، لكن ذكر الملائكة سواء عن اليمين أو اليسار لم يَرِد له ذِكْرٌ في السنة. (الهدى والنور/٩/ ٢٩: ٤٤: . .)

стр. 1970

هل الصلاة على النبي ﷺ لا بد أن يصاحبها التسليم؟ وهل يختلف الأمر في الصلاة وخارجها ؟ سؤال: يقول بعض الناس: إن الصلاة على النبي ﷺ لابد وأن يصاحبها التسليم، وذلك لقوله سبحانه: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. ما مدى صحة هذا القول؟ الشيخ: هذا صحيح بالنسبة للصلاة، لأنه حين نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله! هذا السلام عليك قد عرفناه، يعني: قولهم في التشهد السلام عليك أيها النبي .. إلخ، فكيف الصلاة عليك، قال: «قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد. . إلخ». فمن جلس في التشهد فبدهي جداً أنه لابد من أن يقرأ التشهد، وأن يصلي على الرسول ﵇ بالصلوات الإبراهيمية. أما خارج التَشَهُّد فليس من الضروري الجمع بين الأمرين، لأننا نعلم أن الصلاة التي أُمرنا بها في الصلاة لم نُؤمر بها خارج الصلاة. فأنا مثلاً إذا حدثتكم كما وقع آنفاً ببضعة أحاديث عن رسول الله ﷺ فليس هناك من عالم بل من عاقل يقول إنه بس تسمعوا قولي قال رسول الله ﷺ تجلسوا تقولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. . إلخ الصلاة الإبراهيمية المعروفة بالصلاة، لكن حسبك أن تأتي بأقصر وأقصر صيغ الصلاة عن الرسول ﵇. ولذلك فما يليق بالصلاة أو ما يجب في الصلاة لا يجب خارج الصلاة. ومن هنا يُخْطِئ كثير من العلماء فضلاً عن غيرهم، حينما ينقلون أحكاماً رُبطت بالصلاة بأمور هي أجزاء من الصلاة، لكن ليست صلاة، فيفرضون على هذه الأجزاء ما فَرَضوه على الصلاة.

стр. 1971

مثلاً: الطهارة يشترطون الطهارة لسجدة التلاوة، يشترطون لهذه السجدة بعضهم وليس كلهم التكبير والتشهد، وهذا الحكم خطأ؛ لأن سجدة التلاوة صحيح أنها جزء من الصلاة، لكن ليست هي الصلاة، فلا يشترط فيها ما يشترط في الصلاة. كذلك نقول: الصلوات الإبراهيمية، هذه خاصة بالصلاة كالتشهد تماماً، فصلوا عليه وسلموا تسليماً، بهاتين الصيغتين المحفوظتين عنه ﵇، فهما خاصتان بالصلاة المفروضة أو النافلة، أما خارج الصلاة فإذا قلت: ﷺ ، أو: صلى الله عليه، أو قلت: ﵇ فقد قمت بما يجب عليك، وأنجيت نفسك من أن تستحق وصف البخيل الذي وصفه الرسول ﵇ به من لم يصل عليه عند ذكره: «البخيل من ذُكرت عنده فلم يُصَلِّ علي». ولذلك: ما وجدنا في كل كتب علماء المسلمين القديمة منها والحديثة، أن المؤلف إن كان البخاري أو مسلم أو غيرهم ممن هم أعرف الناس بسنة الرسول ﵇، أنهم إذا ذكروا الرسول في مناسبة ما وما أكثر هذه المناسبات، وقفوا عندها وجَمَعُوا بين التشهد وبين الصلاة الإبراهيمية، أو حتى قالوا: ﷺ ، حتى بهذه العبارة الموجزة ما التزموها. ومن الأشياء التي نلاحظها على الكتب القديمة دون الحديثة أننا نجد في الكتب القديمة مخطوطة: قال رسول الله صلى الله عليه بدون وسلم، وهذا تطبيق منهم عملي للأمر الجائز في الشرع. فإذاً: السلام هذا ليس بالأمر اللازم، لكن إذا فعله المسلم بعبارة مختصرة كما هو المعهود اليوم: ﷺ فقد أتى بما ينبغي. (الهدى والنور /٥٥/ ٥٨: ٤١: . .)

стр. 1972

جمع أكثر من دعاء بعد التشهد السائل: أحياناً يأتي الحديث طريقين مختلفين مختلف، هل يجوز الجمع بين الروايتين؟ الشيخ: أولاً ماذا تعني، ومن أجل ماذا الجمع بين الروايتين؟ السائل: يعني يأتي الحديث مرات مثلاً التعوذ الأربع في روايتين أو ثلاث في المسيح الدجال، وفي مسألة قهر الرجال، يعني هل يجوز الدمج بين الحديثين والدعاء بهما في الصلاة؟ الشيخ: الآن وضح سؤالك، إذا كنت تقصد هل يجوز الجمع بمعنى أن أنت في التشهد استعذت بالله من أربع ثم قلت الاستعاذة من غلبة الدين وقهر الرجال والفقرات اللي جايه في الحديث، وربما كما قلت في المرة الأخيرة إنه ربما يكون أكثر من اثنين. الآن عم أجاوبك، إذا كنت وحدك فيجوز لك الجمع، أما إذا كنت تصلي إماماً بالناس فلا يجوز، لا لأجل الجمع لأنه جاز الجمع، وإنما لكي لا تطيل على المصلين. من أين أخذنا دليل الجمع؟ قوله ﵇ في نفس حديثه السابق «الاستعاذة من أربع» يقول ﵇: «إذا جلس أحدكم في التشهد الأخير فليستعيذ بالله من أربع» يقول وذكرها، قال: ثم ليتخير من الدعاء ما شاء، ثم ليتخير من الدعاء ما شاء، لكن أنا ممكن أعمل جلستي في التشهد طول الركعتين كلها بِسَرْد الأدعية الواردة، مثلاً الرسول ﵇ جاء في صحيح مسلم من حديث علي رضي الله تعالى عنه قال: وكان آخر ما يدعوا في صلاته «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدِّم، وأنت المؤخِّر، لا إله إلا أنت .. » إلى آخر ما قال ماذا قال من قبل ... المهم؛ إذا أمَّ أحدُكم فليُخفِّف، فإنه يصلي خلفه المريض والكبير، ما أدري ماذا قال ﵇ هذا جواب سؤالك حَصَّلته إن شاء الله. (الهدى والنور/٥٤٢/ ٢٧: ٥٣: ٠٠)

стр. 1973

القيام إلى الركعة الثالثة ثم الرابعة

стр. 1974

القيام إلى الركعة الثالثة ثم الرابعة ووجوب التكبير فيه قال الإمام في تلخيص الصفة ١٤٨: ثم يكبر وجوبا. وقال في أصل الصفة: ثم كان ﷺ ينهض إلى الركعة الثالثة مكبراً. وأمر به «المسيء صلاته» في قوله: «ثم اصنع ذلك في كل ركعة وسجدة». [أصل صفة الصلاة (٣/ ٩٥٠)] كيفية النهوض للركعة الثالثة وأما كيف نهوضه ﷺ ؛ أهو معتمداً على يديه، أم على صدور قدميه؟ فذلك مما لم يرد فيه حديث فيما علمنا، حاشا حديث أبي هريرة: كان النبي ﷺ ينهض في الصلاة على صدور قدميه. فإنه بعمومه يشمل هذا المحل، لكنه حديث ضعيف؛ لا يصح إسناده - وقد تقدم -. ثُمَّ هو معارض في بعض أجزائه لحديث مالك بن الحويرث: كان ﷺ إذا رفع رأسه من السجدة الأولى والثالثة التي لا يقعد فيها؛ استوى قاعداً، ثم قام. وهو حديث صحيح - كما سبق -[ص ٨١٧]. نعم؛ صح ذلك عن ابن مسعود موقوفاً عليه؛ كما قال عبد الرحمن بن يزيد: رمقت عبد الله بن مسعود في الصلاة؛ فرأيته ينهض، ولا يجلس. قال: ينهض على صدور قدميه في الركعة الأولى والثالثة.

стр. 1975

أخرجه الطبراني في «الكبير»، والبيهقي «٢/ ١٢٥ - ١٢٦» من طريق سفيان بن عيينة عن عبدة ابن أبي لبابة عنه. وهذا إسناد صحيح. وقد صححه البيهقي، وقد رواه من طرق أخرى عن ابن يزيد، ورواه أيضاً عن ابن عمر: أنه كان يقوم على صدور قدميه. وسنده صحيح أيضاً. ولكن جاء عنه خلافه بإسناد آخر؛ فقال معاذ بن نجدة: ثنا كامل بن طلحة: ثنا حماد - هو ابن سلمة - عن الأزرق بن قيس قال: رأيت ابن عمر إذا قام من الركعتين؛ اعتمد على الأرض بيده. فقلت لولده ولجلسائه: لعله يفعل هذا من الكِبَر؟ قالوا: لا، ولكن هذا يكون. أخرجه البيهقي «٢/ ١٣٥». وهذا سند جيد. رجاله كلهم ثقات؛ غير معاذ بن نجدة؛ فقال الحافظ في «اللسان» - تبعاً لأصله «الميزان» -: «صالح الحديث، وقد تُكُلِّم فيه». ثم قال البيهقي: «وروينا عن نافع عن ابن عمر: أنه كان يعتمد على يديه إذا نهض. وكذلك كان يفعل الحسن، وغير واحد من التابعين». قال النووي في «المجموع» «٣/ ٤٤٤»: «وهو مذهبنا. حكاه ابن المنذر عن ابن عمر، ومكحول، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم بن عبد الرحمن، ومالك، وأحمد». قلت: وهو نص الإمام الشافعي في «الأم» «١/ ١٠١»؛ قال - بعد أن ساق حديث ابن الحويرث -: «وبهذا نأخذ؛ فنأمر من قام من سجود، أو جلوس في الصلاة أن يعتمد على الأرض بيديه معاً، اتباعاً للسنة؛ فإن ذلك أشبه للتواضع، وأعون للمصلي على الصلاة، وأحرى أن لا ينقلب، وأي قيام قامه سوى هذا كرهته». قلت: ولا يخفى أن حديث ابن الحويرث أخص مما قاله الشافعي من العموم، فالظاهر أنه قال ذلك قياساً على ما ذكر فيه من القيام، وهو ما يفيده صنيع البيهقي؛

стр. 1976

حيث قال في «سننه»: ««باب الاعتماد بيده على الأرض إذا نهض؛ قياساً على ما روينا في النهوض في الركعة الأولى»». ثم ساق حديث ابن الحويرث، وعقبه بأثر ابن عمر المذكور آنفاً. [أصل صفة الصلاة (٣/ ٩٥٠)] كان ﷺ إذا قام من القعدة؛ كبَّر، ثم قام قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ١٤٨: والسنة أن يكبر وهو جالس. وقال في أصل الصفة: وكان ﷺ إذا قام من القعدة؛ كبَّر، ثم قام. [أصل صفة الصلاة (٣/ ٩٥٢)] رفع اليدين مع التكبير أحيانًا قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ١٤٩: ويرفع يديه أحيانا. وقال في أصل الصفة: وكان ﷺ يرفع يديه مع هذا التكبير أحياناً. [أصل صفة الصلاة (٣/ ٩٥٢)] التكبير للركعة الرابعة وكان إذا أراد القيام إلى الركعة الرابعة؛ قال: «الله أكبر».

стр. 1977

وأمر به «المسيء صلاته». [أصل صفة الصلاة (٣/ ٩٥٢)] رفع اليدين في التكبير للركعة الرابعة وكان ﷺ يرفع يديه مع هذا التكبير أحيانا. [أصل صفة الصلاة (٣/ ٩٥٢)] جلسة الاستراحة بين الركعة الثالثة والرابعة قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ١٥٢، ١٥٣: ولكنه قبل أن ينهض يستوي قاعدا على رجله اليسرى معتدلا حتى يرجع كل عظم إلى موضعه. ثم يقوم معتمدا على يديه كما فعل في قيامه إلى الركعة الثانية. وقال في أصل الصفة: ثم كان يستوي قاعداً على رجله اليسرى معتدلاً حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، «ثم يقوم معتمداً على الأرض». [أصل صفة الصلاة (٣/ ٩٥٢)] العجن عند القيام من جلسة الاستراحة وكان يعجن: يعتمد على يديه إذا قام. [أصل صفة الصلاة (٣/ ٩٥٣)]

стр. 1978

قراءة الفاتحة في الركعة الثالثة والرابعة قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ١٥٤، ١٥٥: ثم يقرأ في كل من الثالثة والرابعة سورة «الفاتحة» وجوبا. ويضيف إليها آية أو أكثر أحيانا. وقال في أصل الصفة: وكان يقرأ في كل من الركعتين: «الفَاتِحَة»، وأمر بذلك «المسيء صلاته»، وكان ربما أضاف إليهما في صلاة الظهر بضع آيات - كما سبق بيانه في «القراءة في صلاة الظهر» -. [أصل صفة الصلاة (٣/ ٩٥٣)]

стр. 1979

التشهد الأخير

стр. 1980

التشهد الأخير وجوب التشهد ثم كان ﷺ بعد أنْ يتم الركعة الرابعة يجلس للتشهد الأخير. وكان يأمر فيه بما أمر به في الأول، ويصنع فيه ما كان يصنع في الأول؛ إلا أنه «كان يقعد فيه متوركاً»؛ يفضي بِوَرِكِه اليُسرى إلى الأرض، وُيخْرِجُ قدميه من ناحية واحدة. ويجعل اليسرى تحت فخذه وساقه». [أصل صفة الصلاة (٣/ ٩٨١)] هيئة جلوس التشهد الأخير قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ١٧٠ - ١٧٣: إلا أنه يجلس فيه متوركا، يفضي بوركه اليسرى إلى الأرض، ويخرج قدميه من ناحية واحدة، ويجعل اليسرى تحت ساقه اليمنى. وينصب قدمه اليمنى. ويجوز فرشها أحيانا. ويلقم كفه اليسرى ركبته، يعتمد عليها. اختلاف العلماء في صفة الجلوس في التشهدين واعلم أن العلماء اختلفوا في صفة الجلوس في التشهدين: فمنهم من قال: يفترش فيهما. وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه. ومنهم من قال: يتورك فيهما. وهو قول مالك وأتباعه. ومنهم من قال: يتورك في كل تشهد يليه السلام، ويفترش في غيره. وهو مذهب الشافعي وأصحابه.

стр. 1981

ومنهم من قال: يتورك في كل صلاة فيها تشهدان في الأخير منهما؛ فرقاً بين الجلوسين. وهو مذهب الإمام أحمد ﵁، وهو أسعد الأئمة في هذا المكان بالسنة؛ فإن معه حديثِ أبي حميد هذا ومن معه من الصحابة، وهو نصٌّ في ذلك؛ قال في «زاد المعاد» «١/ ٩١»: «قال الإمام أحمد ومن وافقه: هذا مخصوص بالصلاة التي فيها تشهدان، وهذا التورك فيها جُعل فرقاً بين الجلوس في التشهد الأول - الذي يسن تخفيفه؛ فيكون الجالس فيه متهيئاً للقيام - وبين الجلوس في التشهد الثاني - الذي يكون الجالس فيه مطمئناً -. وأيضاً فتكون هيئة الجلوس فارقة بين التشهدين، مذكرةً للمصلي حاله فيهما. وأيضاً فإن أبا حميد إنما ذكر هذه الصفة عنه ﷺ في الجلسة التي في التشهد الثاني؛ فإنه ذكر صفة جلوسه في التشهد الأول، وأنه كان يجلس مفترشاً، ثم قال: وإذا جلس في الركعة الآخرة. وفي لفظ: فإذا جلس في الركعة الرابعة». وينبغي أن نسوق أدلة كل مذهب من المذاهب المذكورة؛ ليظهر الحق منها: أما المذهب الأول: فاحتج أصحابه بثلاثة أحاديث: الأول: عن عائشة قالت: وكان ﷺ يقول في كل ركعتين التحية، وكان يفرش رجله اليسرى، وينصب رجله اليمنى. .. الحديث. وقد سبق في «افتتاح الصلاة». وهو بعمومه حجة ظاهرة؛ لأنها ذكرت ذلك بعد قولها: في كل ركعتين التحية. فقولها: وكان يفرش. .. إلخ؛ كأنه نص أنه في كل ركعتين أيضاً؛ لكن الحديث - وإن كان في «صحيح مسلم»؛ فهو - معلّ بالانقطاع كما بَيَّنَّاه هناك. ولو صح؛ لقلنا بجواز الافتراش في التشهد الأخير، وأنه سنة أحياناً، لكنه لم يصح. الثاني: عن وائل بن حُجْر قال: فلما قعد للتشهد؛ فرش رجله اليسرى، ثم قعد عليها، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى، ووضع مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم عقد أصابعه، وجعل حلقة بالإبهام والوسطى، ثم جعل يدعو بالأخرى. أخرجه النسائي «١/ ١٤١»، والدارمي «١/ ٣١٤»، وأحمد «٤/ ٣١٨»،

стр. 1982

والطحاوي «١/ ١٥٢ - ١٥٣»، والبيهقي «٢/ ١٣٢». وسنده صحيح. وأظن أنه تقدم. قال الطحاوي: «قوله: «يدعو»: دليل على أنه كان في آخر الصلاة». وهو كما قال، لكن ينبغي أن ينظر: هل كانت هذه الصلاة ثنائية أم رباعية؟ وقد وجدت في «سنن النسائي» «١/ ١٧٣» رواية أخرى تُعيِّن ذلك بلفظ: وإذا جلس في الركعتين؛ أضجع اليسرى، ونصب اليمنى، ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ونصب أصبعه للدعاء. وإسنادها صحيح أيضاً. فهذا نص في أن الافتراش إنما كان في الركعتين، والظاهر أن الصلاة كانت ثنائية، ولعلها صلاة الصبح. وعليه؛ فالحديث لا حجة فيه لهذا المذهب، بل هو حجة للمذهب الرابع - مذهب أحمد -؛ الذي يقول بالافتراش في التشهد الأول في الرباعية، وكذا في الثنائية، وهو حجة على المذهب الثاني والثالث. الحديث الثالث: إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى، وتَثْني رجلك اليسرى. أخرجه مالك «١/ ١١٢ - ١١٣»، وعنه البخاري «٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣» عن عبد الرحمن ابن القاسم عن عبد الله بن عبد الله بن عمر أنه أخبره: أنه كان يرى عبد الله بن عمر يتربع في الصلاة إذا جلس، ففعلته - وأنا يومئذٍ حديث السن -، فنهاني عبد الله، وقال: . .. فذكره. فقلت له: فإنك تفعل ذلك؟ فقال: إن رِجْلَيّ لا تحملاني. وكذلك أخرجه الطحاوي «١/ ١٥١»، والبيهقي «٢/ ١٢٩». وأخرجه النسائي «١/ ١٧٣»، والدارقطني «١٣٣»، والبيهقي أيضاً من طريق يحيى ابن سعيد عن القاسم بن محمد عن عبد الله بن عبد الله به نحوه. وقد سبق لفظ النسائي في «الجلوس بين السجدتين»، وله عنده - وكذا الدارقطني - ألفاظ أخرى، ثم قال الدارقطني: «كلها صحاح».

стр. 1983

قلت: وهو حجة بإطلاقه، إلا أنه قد جاء عن ابن عمر أيضاً ما يقتضي تقييده بالتشهد الأول في الرباعية أو بالتشهد؛ في الثنائية. وهو: ما أخرجه مالك أيضاً، وعنه الطحاوي، والبيهقي عن يحيى بن سعيد أيضاً: أن القاسم بن محمد أراهم الجلوسَ في التشهد؛ فنصب رجله اليمنى، وثنى رجله اليسرى، وجلس على وركه الأيسر، ولم يجلس على قدمه، ثم قال: أراني هذا عبد الله بن عبد الله بن عمر، وثني: أن أباه كان يفعل ذلك. فهذا خلاف ما أفادته رواية القاسم بن محمد التي قبل هذه، ومثلها رواية ابنه عبد الرحمن، فإن لم تُحمل إحدى الروايتين على تشهدٍ والأخرى على تشهد آخر؛ تعارضتا. قال الحافظ «٢/ ٢٤٣»: «فإذا حُملت رواية القاسم وابنه على التشهد الأول، وروايته الأخيرة على التشهد الأخير؛ انتفى عنهما التعارض، ووافق ذلك التفصيلَ المذكورَ في حديث أبي حميد. والله أعلم». هذا كل ما وجدنا لأرباب هذا المذهب من دليل وحجة. وقد ظهر لك بهذا البيان أنه لا يَسلَمُ لهم ولا حجة واحدة. وأما المذهب الثاني: فقد احتجوا بحديث ابن عمر المذكور قريباً: أنه كان يجلس على وركه الأيسر. والجواب عنه يتضح مما سبق؛ وهو أن هذه الرواية محمولة على التشهد الأخير؛ جمعاً بينها وبين الرواية المعارضة له، فالروايتان بمجموعهما حجة لأحمد على مالك. وقد وجدت له حجة أخرى؛ وهو حديث ابن مسعود: أنه ﷺ كان يقول إذا جلس في وسط الصلاة وفي آخرها على وركه اليسرى: «التحيات. .. » الحديث. وهذا نص واضح في التورك في التشهدين، ولكنه لا يصح إسناده - كما سبق بيانه في «الافتراش في التشهد». فراجعه إن شئت -. ولهم حجة ثالثة، وهو حديث عبد الله بن الزبير هذا.

стр. 1984

وأجيب عنه بأنه مجمل، وأنه محمول على التشهد الأخير؛ كما دل عليه حديث أبي حميد قبله. ذكره في «الزاد» «١/ ٨٦». وأما المذهب الثالث: فليس لهم حجة سوى ما في روايةٍ من حديث أبي حميد بلفظ: حتى إذا كان في السجدة التي فيها التسليم؛ أخر رجله اليسرى، فقعد متوركاً على شقه الأيسر. وقد تقدمت في «الركوع» [ص ٦٠٥]. وهذا لا حجة فيه؛ لأن سياق الحديث يدل على أن ذلك إنما كان في التشهد الذي يليه السلام من الرباعية أو الثلاثية؛ فإنه ذكر قيامه من الركعتين، ثم قال: حتى إذا كان في السجدة التي فيها التسليم؛ قعد متوركاً. قال ابن القيم «١/ ٩٢»: «فهذا السياق ظاهر في اختصاص هذا الجلوس بالتشهد الثاني». قلت: وأصرح منه رواية البخاري المتقدمة آنفاً بلفظ: فإذا جلس في الركعتين؛ جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى. وإذا جلس في الركعة الآخرة؛ قدم رجله اليسرى. ونصب اليمنى، وقعد على مقعدته. وهذه نص فيما قاله ابن القيم، وهي تبين أن بعض الرواة أجملوا رواية حديث أبي حميد هذا؛ فلم يذكر صفة جلوسه في التشهد الأول؛ فاغتر به من احتج به لهذا المذهب! وإنما يجب الأخذ بالزائد فالزائد - كما هو معلوم -. وأما المذهب الرابع: فقد علمت أن حجته هي حديث أبي حميد هذا، وهو نص صريح قاطع في ذلك؛ فهو أقوى المذاهب وأصحها، وهو الذي يجمع بين مختلف الأحاديث المتقدمة الثابتة، ولا يرد شيئاً منها، بخلاف غيره من المذاهب؛ فإنه يلزم أن يَرُد كثيراً من تلك الأحاديث أو بعضها - كما لا يخفى -. [أصل صفة الصلاة (٣/ ٩٨٢)]

стр. 1985

نصب اليمنى وفرشها أحيانًا وينصب اليمنى، وربما «فرشها» أحياناً. قال ابن القيم «١/ ٨٧»: «ومعنى فرش قدمه اليمنى: أنه كان يجلس في هذا الجلوس على مقعدته؛ فيكون قدم اليمنى مفروشة، وقدم اليسرى بين فخذه وساقه ومقعدته على الأرض، فوقع الاختلاف في قدمه اليمنى في هذا الجلوس: هل كانت مفروشة أو منصوبة؟ وهذا - والله أعلم - ليس اختلافاً في الحقيقة؛ فإنه كان لا يجلس على قدمه، بل يخرجها عن يمينه؛ فتكون بين المنصوبة والمفروشة، فإنها تكون على باطنها الأيمن، فهي مفروشة بمعنى أنه ليس ناصباً لها جالساً على عقبه، ومنصوبة بمعنى أنه ليس جالساً على باطنها وظَهْرُها إلى الأرض. فصح قول أبي حميد ومن معه، وعبد الله بن الزبير. أو يقال: إنه ﷺ كان يفعل هذا وهذا؛ فكان ينصب قدمه، وربما فرشها أحياناً، وهذا أروح لها. والله أعلم». وهذا التأويل الأخير الذي ذكره هو المختار عندنا؛ تبعاً للنووي في «شرح مسلم» ويكون فَعَل هذا لبيان الجواز، وأن وضع أطراف الأصابع على الأرض - وإن كان مستحباً باتفاق العلماء - يجوز تركه أحياناً. وهذا التأويل له نظائر كثيرة؛ لا سيما في باب الصلاة - كما مر ذلك في كتابنا هذا -. [أصل صفة الصلاة (٣/ ٩٨٨)] ضعف حديث التورك في التشهد الأوسط «كانَ يقول -إذا جَلَسَ في وَسطِ الصَّلاةِ وفي آخِرِهَا على وِرْكِهِ اليُسْرَى -: التحياتُ للهِ .. -إلى قوله-: وأشهد أن محمداً عبده ورسوله-. قال: ثم إنْ كان في وسطِ الصلاة؛ نَهَضَ حينَ يفرُغُ من تَشَهُّدِهِ، وإنْ كان في آخِرها دعا بعد تَشَهُّدِهِ بما شاء الله أَنْ يَدْعُوَ، ثم يُسَلِّم». منكر بهذا التمام.

стр. 1986

[قال الإمام]: والصواب الذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة: أن الافتراش هو الأصل والسنة؛ على حديث ابن عمر المخرج في «الإرواء» «٣١٧»، ونحوه حديث عائشة الذي قبله «٣١٦»؛ فيفترش في كل جلسة وفي كل تشهد؛ إلا التشهد الأخير الذي يليه السلام؛ كما جاء مفصلاً في حديث أبي حميد الساعدي: « ... فإذا جلس في الركعتين؛ جلس على رِجْلِهِ اليسرى ونَصَبَ اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة؛ قَدَّمَ رِجْلَهُ اليسرى ونَصَبَ الأخرى، وقعد على مقعدته». رواه البخاري وغيره، وهو مخرج في «صحيح أبي داود» «٧٢٢». وبالجملة فَذِكْرُ ابنِ إسحاق في حديث الترجمة التوركَ في وسط الصلاة من أخطائه وشواذه التي خالف فيها بعضَ أحاديثه الأخرى وأحاديث الثقات الكثيرة. السلسلة الضعيفة (١٢/ ١/ ٢٦٨ - ٢٦٩). التورك في أي تشهد يكون ؟ الشيخ: . . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. أما بعد: قبل التوجه إلى الإجابة عن الأسئلة الباقية، وربما عن أسئلة أخرى مضافة بدا لي التنبيه على أمرين اثنين يتعلقان بأمر النبي ﷺ كما في صحيح البخاري في

стр. 1987

الحديث المشهور المعروف لديكم جميعًا: «صلوا كما رأيتموني أصلي» ولولا أني أشعر أنني بين أناس يلتقون معنا حرصًا على اتباع الكتاب والسنة، والابتعاد عن التقليد والجمود على ما وجدنا عليه الآباء والأجداد لما تطرقت للتنبيه على ما يأتي لمسألتين اثنتين، ولكن لما وجدت والحمد لله مجتمعًا كهذا حريصًا على اتباع السنة وبخاصة فيما يتعلق بالركن الإسلامي الثاني ألا وهي الصلاة، لذلك اندفعت إلى أن أنبهكم إلى أمرين اثنين: الأمر الأول: رأيت كثيرًا من إخواننا حينما يصلون صلاة ثنائية سواء كانت فرضًا أو سنة يتوركون في التشهد، فالذي أريد التذكير به إنما هو أن التورك في الثنائية لا فرضًا ولا سنة، لم يأت في شيء من أحاديث صفة صلاة النبي ﷺ المبثوثة في بطون كتب السنة سواء ما كان منها مطبوعًا أو مخطوطًا بل إن التورك في الثنائية يخالف نصًا صحيحًا أخرجه الإمام مالك في الموطأ وغيره بالسند الصحيح عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال: إنما سنة الصلاة أن تنصب اليمنى وأن تفرش اليسرى، هذا الحديث كما عليه علماء الحديث في حكم المرفوع؛ لن قول الصحابي: من السنة كذا فهو كما لو قال: فعل رسول الله كذا أو أمر بكذا، أو نهى عن كذا، بخلاف ما لو قال التابعي من السنة كذا، فليس ذلك في حكم المرفوع، هذا مما قرر في علم مصطلح الحديث، وعلى هذا فقول عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄: إنما سنة الصلاة فهذا في حكم المرفوع، فسنة الصلاة كقاعدة يقول بأداة الحصر: إنما سنة الصلاة أن تنصب اليمنى وتفرش اليسرى، هذه هي القاعدة. وحينئذ فيجب طردها واستعمالها دائمًا وأبدًا إلا ما قام الدليل الخاص الذي يحملنا علميًا على أن نستثني من هذه القاعدة ما دل عليه الدليل الخاص، فما يتعلق بالتورك إنما جاء الدليل على أن النبي ﷺ تورك في التشهد الثاني، ولم يأت التورك عنه ﵊ فيما سوى التشهد الثاني الذي يليه السلام، فإذا افترضنا أن رجلًا قام يصلي في الليل ركعتين ركعتين، ويتشهد على رأس كل ركعتين سواء صلى أربعًا أو ستًا أو ثمانية ففي كل هذه التشهدات إنما سنة الصلاة أن ينصب

стр. 1988

اليمنى وأن يفترش اليسرى، أما الركعة الأخيرة أو التشهد الأخير فهنا يأتي التورك. لولا هذا الحديث الذي جاء من حديث أبي حميد الساعدي وكنت ذكرته لكم في مناسبة أخرى، فيه أن النبي ﷺ تورك في التشهد الأخير، التورك إنما جاء في التشهد الأخير، أي: المسبوق بتشهد قبله، فيجب أن نعمل الأحاديث كلها ولا نضرب بعضها ببعض، فالقاعدة كما سمعتم من كلام ابن عمر الذي هو كما شرحت في حكم المرفوع هو الافتراش، إلا في التشهد الأخير المسبوق بتشهد قبله فكما جاء في حديث أبي حميد وغيره أن النبي ﷺ تورك، هذا فيما يتعلق بالتشهد. هناك سنة أخرى بين السجدتين إعمالًا لحديث ابن عمر هنا يأتي أيضًا نصب اليمنى وافتراش اليسرى ولكن قد ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ كان يقعي بين السجدتين، فماذا نفعل بهذا الحديث؟ أنرده بحديث ابن عمر السابق؛ لأن القاعدة ليس هو الإقعاء وإنما الافتراش فنقول كما قال كثير من أئمتنا المتقدمين من أهل الحديث أن الإقعاء بين السجدتين يفعل به أحيانًا مع التزام القاعدة في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه. والتنبيه الثاني المتعلق بالتورك: لقد لاحظت هنا وفي أمكنة أخرى أن الذين يتوركون ويحققون هذه السنة تفوتهم سنة أخرى تتعلق بكيفية التورك، هذه السنة هي أنه لا يضع كفه اليمنى على فخذه اليسرى وضعًا وإنما يلقم ركبته كفه تلقيمًا هكذا ثم يوسر يده، لا يضع هكذا. .. كما نجلس في الافتراش هو هكذا، في التورك ليس الأمر كذلك وإنما هكذا: الركبة نجعلها لقمة للكف اليسرى، ثم نوتر الساعد ونعتمد عليه، وهذا من تمام حكمة التشريع؛ لأن الذي يتورك لا سيما إذا كان حديث عهد بالتورك أو كان بدين الجسم مثلي يميل على صاحبه الذي على جنبه الأيمن فيضايقه، فجاءت هذه السنة ليقوم هذا المصلي ويستقيم في جلسته بسبب اعتماده على ساعده الأيمن وتلقيم الركبة بكفه اليسرى. هذا ما أردت التذكير به، والذكرى تنفع المؤمنين بإذن الله ﵎. (أسئلة وفتاوى الإمارات - ٦/ ٠٠: ٠٠: ٣٧)

стр. 1989

هل السنة في التشهد في الثنائية التورك أم الافتراش ؟ مداخلة: شيخ! ذكرت في «صفة صلاة النبي ﷺ »، أن السنة في التشهد الافتراش إلا في الثلاثية .. في الركعة الثالثة من المغرب أو الركعة الرابعة من الرباعية فيتورك، استناداً لحديث ابن عمر: «من السنة في الصلاة الافتراش»، ألا ترى أن قول الصحابي يروي صلاة النبي ﷺ : كان إذا كان في تشهده الذي منه التسليم تَوَرَّك، أليس هذه أولى بالأخذ من الحديث ذاك؟ الشيخ: وهل نحن قلنا خلاف ذلك؟ مداخلة: يعني: في الركعتين مثلاً في الصبح .. في تشهد الصبح هذا من بعده تسليم. الشيخ: نعم. مداخلة: يتورك أم يفترش؟ الشيخ: لا، هنا يفترش، إذاً أنت تعني ثنائية يعني. مداخلة: نعم. الشيخ: الآن وضح السؤال الآن تعني ثنائية؟ طيب! هل عندك حديث غير هذا يوضح لك أن التورك يكون في كل تشهد يليه سلام ولو كان تَشَهُّداً وحيداً؟ مداخلة: لا، ما في هذا التدقيق. الشيخ: طيب! ما في هذا التدقيق، هذه واحدة. ثانياً: هذه الجملة في أي حديث جاءت؟ مداخلة: حديث أبي حميد. الشيخ: طيب أبي حُمَيْد فَصَّلَ؛ فذكر التشهد الأول، وذكر فيه الافتراش، ثم ذكر التشهد الأخير، وذكر فيه التورك، فكيف يؤخذ منه التعميم؟ واضح كلامي.

стр. 1990

مداخلة: نعم، بارك الله فيك. (الهدى والنور /٢٣٢/ ١٦: ٤٠: ٠٠) كيفية الجلوس في التشهد من الصلاة الثنائية [قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]: فائدة: لم يذكر المؤلف كيف يجلس المصلي في التشهد في الصلاة الثنائية كالصبح أيفترش كما يقول أحمد أم يتورك كما يقول الشافعي؟ الصواب عندي الأول لحديث وائل بن حجر قال: أتيت رسول الله ﷺ فرأيته يرفع يديه إذا افتتح الصلاة. .. وإذا جلس في الركعتين أضجع اليسرى ونصب اليمنى ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ونصب إصبعه للدعاء ووضع يده اليسرى على رجله اليسرى. أخرجه النسائي ١/ ١٧٣ بسند صحيح. فهذا ظاهر في أن الصلاة التي وصفها كانت ثنائية ويقويه حديث عائشة وابن عمر اللذين تقدما عند المؤلف في صفة الجلوس بين السجدتين فثبت ما قلنا والحمد لله. [تمام المنة ص (٢٢٣)] التورك إنما يكون في التشهد الأخير في الثلاثية أو الرباعية مداخلة: جاء في صحيح الجامع: «نهى رسول الله ﷺ عن الإقعاء والتورك». تعليق: فسرت الإقعاء، والتورك منهي عنه إلا في التشهد الأخير. الذي عرفناه خلال السنين منكم، وهذا ما جرينا عليه، أن التورك لا يكون إلا في صلاة ثلاثية أو رباعية وفي التشهد الأخير منها، أما الثنائية فلا، لكننا منذ أيام رأيناكم تتورّكون في الثنائية.

стр. 1991

مداخلة: هو مريض الشيخ. الشيخ: حَسِّن ظنك بشيخك، تظنه لا يزال شاباً! ! عندي وجع في الركب شديد وأتعالج منذ سنة، وبهذا الإمساك الذي صار معي اشتد الوجع في جميع البدن، ازداد الوجع. الوجع أصاب بدني كله، وازداد الوجع في الرُّكَب، أحياناً أضطر أني أتورك، خاصة إذا صليت خلف إمام أعرف منه بأنه يطيل التشهد، أحيانًا أجاهد نفسي وأجلس غير هذه القعدة، المقصود أن لي عذراً، كالذي يُصَلِّي متربعاً كما تعلم. (الهدى والنور / ١٧٩/ ٣٩: ١٠: ٠١) حكم التورك في الصلاة الثنائية مداخلة: سؤالي يا شيخنا، لو تُفَصِّل لنا القول في التورك في الركعة الثنائية أو في الصلاة الثنائية؟ الشيخ: في هذه المسألة ينبغي استحضار حديثين، وقد يُلْحَق بهما ثالث. الحديث الأول: قول عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄: «إنما سنة الصلاة نصب الرِّجل اليُمْنَى وافتراش الرِّجل اليسرى». هذا الحديث يُعْطينا قاعدة، أن كل جلوس في الصلاة ينبغي على المصلي فيه، أن يَفْتَرِش اليُسْرَى ويقعد عليها وينصب اليمنى. وهذه القاعدة ككل القواعد الشرعية والعمومات اللفظية النبوية، يجب طَرْدُها واستعمالها، إلا في حالة مجيء نص يُخَصِّص هذا النص العام أو يُقَيّده بصفات أخرى. وقبل أن أُفِيض في الشرح والبيان، أُريد أن أُلفت النظر إلى ناحية حديثية؛ لنبني عليها الناحية الفقهية.

стр. 1992

الناحية الحديثية هي: أن قول الصحابي في أيّ عبادة من العبادات الشرعية، السنة كذا، يكون هذا التعبير في حكم الحديث المرفوع، هكذا ذَكَرُوا في علم مصطلح الحديث. إذا قال الصحابي: السنة كذا، فهو في حكم المرفوع. أما إذا قال ذلك التابعيُّ فَمَن دونه، فليس له حكم المرفوع. والقائل هنا: «إنما سنة الصلاة .. » إلى آخره، هو كما سمعتم عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄. فإذاً: هذا النص يُفِيد أن القاعدة في المصلي إذا جلس، يشمل هذا الجلوس في التشهد الأول، يشمل الجلوس في التشهد الثاني، سواء في سلام أو ما في سلام، ويشمل التشهد الأخير الذي فيه سلام، يشمل الجلوس بين السجدتين، إلا إذا جاء هناك نص آخر يُبَيِّن في هذا النص أنه مسألة أخرى لا تدخل في هذا النص العام. وهنا يأتي دور الحديث الثاني، وهو: حديث أبي حميد الساعدي ﵁ حيث كان جالساً في زمرة من أصحاب النَّبي، في عشرة من أصحاب النبي ﷺ ، فقال لهم: «ألا أُصلي لكم صلاة رسول الله ﷺ »، قالوا: لست بأعلم منا بصلاته، قال: بلى، فقالوا: فاعرض. فبدأ يصلي الصلاة التي رآها من النبي ﷺ . فلما كان في التشهد الأول افترش كما هو في حديث ابن عمر، ولما كان في التشهد الأخير الذي قبل السلام تَوَرَّك، نصب اليُمنى وأدخل رجله اليسرى تحت ساقه اليمنى، وجلس على فخذه. وقال في آخر حديثه: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يصلي. فقالوا له: صدقت. هكذا كانت صلاة النبي ﷺ . إذاً: هذا الحديث حديث أبي حميد، فيه موافقة لعموم حديث ابن عمر من جهة، وذلك ما يتعلق بالتَشَهُّد الوسط، وفيه ما أقول مخالفة، فيه تقييد أو تخصيص لعموم

стр. 1993

حديث ابن عمر؛ لأنه التشهد الأخير الذي فيه السلام، ليست السنة فيه افتراش اليسرى وإنما التورك بها. قلت آنفاً: إنه ينبغي استحضار حديثين وقد يتلوهما حديث ثالث، الحديثان الآن وضحا، أحدهما قاعدة معتبرة في كل جلسة، هو الافتراش، الحديث الثاني، حديث أبي حميد فيه تفريق بين التشهد الأول الوسط، وبين التشهد الأخير الذي فيه السلام، فالتشهد الوسط يوافق حديث ابن عمر، التشهد الأخير فيه تورك. بهذا نُعمل الحديثين ولا نَضْرِب أحدهما بالآخر كما فعلت بعض المذاهب، فالمالكي -مثلاً- لا يعرف للافتراش أثراً، كل الجلسات إنما هي التورك، وهذا ما لم نجد له دليلاً في السنة. على العكس من ذلك المذهب الحنفي، لا يعرف في الصلاة إلا الافتراش، فهذا في طرف وذاك في طرف. والجمع بين الأحاديث هو الذي يراه كل العلماء على ما بينهم من اختلاف في الفروع. أما كقاعدة، فينبغي ضم الأحاديث بعضها إلى بعض، ولا نضرب أحاديث الرسول ﵇ بعضها ببعض. الحديث الثالث: حديث وائل في «سنن النسائي» أنه وصف أن النبي ﷺ صلى ركعتين وافترش فيهما. فهذا يوافق عموم حديث ابن عمر في خصوص الصلاة الثنائية. هكذا ينبغي أن نُعْمِل الأحاديث كُلَّها ولا نُعَطِّل شيئاً منها على حساب الحديث الآخر. هذا جواب السؤال السابق. (الهدى والنور/٢٤٧/ ٣٧: ١٥: ٠٠)

стр. 1994

التحامل على الركبة بالكف اليسرى وكان يُلْقِمُ كَفه اليسرى ركبتَه؛ يتحامل عليها. [أصل صفة الصلاة (٣/ ٩٨٩)] عدم المجافاة بين مرفق اليد اليمنى والفخذ في جلسة التشهد وعن وائل بن حجر عن رسول الله ﷺ قال: ثم جلس فافترش رجله اليسرى، ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، وحد مرفقه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض ثنتين، وحلق حلقة ثم رفع أصبعه، فرأيته يحركها يدعو بها. رواه أبو داود، والدارمي. قال الألباني: في تعليقه على «وحد مرفقه اليمنى»: في الأصل: ومد، وما أثبتناه موافق لمخطوطة الحاكم، ونسخة التعليق الصبيح، ومطبوعة بترومبورغ، وسنن أبي داود رقم «٩٥٧»، وحد مرفقه أي نهايته، وكأن المراد أنه كان لا يجافي مرفقه عن جنبيه، وقد صرح بذلك الإمام ابن القيم في «زاد المعاد». [مشكاة المصابيح ١/ ٢٨٧]

стр. 1995

الدعاء في التشهد الأخير

стр. 1996

وجوب الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير ومشروعية الدعاء فيه قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ١٧٤: ويجب عليه في هذا التشهد الصلاة على النبي ﷺ . وقال الإمام في أصل الصفة: وسنَّ فيه الصلاة عليه ﷺ ، كما سَنَّ ذلك في التشهد الأول. «وقد مضى هناك ذكر الصيغ الواردة في صفة الصلاة عليه ﷺ ». وقد سمع ﷺ رجلاً يدعو في صلاته؛ لم يُمَجِّدِ الله تعالى، ولم يُصَلِّ على النبي ﷺ ؛ فقال: «عَجِلَ هذا». ثم دعاه، فقال له أو لغيره: «إذا صلى أحدكم؛ فَلْيَبْدَأْ بتحميد ربه جل وعز، والثناء عليه، ثم يصلي «وفي رواية: ليصل» على النبي ﷺ ، ثم يدعو بعد بما شاء». [وسمع رسول الله ﷺ رجلاً يصلي، فَمَجَّدَ الله، وحمده، وصلى على النبي ﷺ ؛ فقال رسول الله ﷺ : «ادعُ؛ تُجَبْ، وسَلْ؛ تُعْطَ»]. قوله: «له أو لغيره»؛ كذا في رواية أبي داود، والطحاوي: «أو». ورواية الآخرين: «له ولغيره»؛ بالواو. قال ابن القيم «٢٤٦»: «وهي الرواية الصحيحة التي رواها ابن خزيمة، وابن حبان، وأحمد، والدارقطني، والبيهقي وغيرهم». قال: «و «أو» هنا ليست للتخيير؛ بل للتقسيم. والمعنى: أن أيَّ مصلٍّ صلى؛ فليقل ذلك، هذا أو غيره؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾. ليس المراد التخيير؛ بل المعنى: أن أيهما كان؛ فلا تطعه، إما هذا، وإما هذا».

стр. 1997

قوله: «والثناء عليه»؛ أراد بذلك التشهدَ؛ بدليل: أنه ليس في الصلاة موضع يشرع فيه الثناء على الله تعالى، ثم الصلاة على رسوله، ثم الدعاء إلا في التشهد آخر الصلاة؛ فإن ذلك لا يشرع في القيام، ولا في الركوع، ولا في السجود اتفاقاً؛ فعلم أنه إنما أراد به آخر الصلاة حال جلوسه في التشهد. كذا في «الجلاء» «٢٤٢». ويؤيد ذلك: قوله ﷺ في حديث رِشْدين: «إذا صليتَ، فقعدتَ؛ فاحمدِ الله ... » الحديث. وقول ابن مسعود: فلما جلستُ؛ بدأتُ بالثناء على الله، ثم الصلاة على النبي ﷺ ثم دعوت لنفسي. قوله: «يصلي» كذا رواه أبو داود، والطحاوي. وقال الآخرون: «ليصلِّ». بزيادة لام الأمر. وقد استدل به على وجوب الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير؛ لأن أمره ﷺ للوجوب. وقد ذهب إلى ذلك الإمام الشافعي، وكذا أحمد «في آخر الروايتين عنه»، وإسحاق في رواية عنهما. وقد نقل القول بالوجوب عن جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم؛ «بل قال الآجري في «الشريعة» «ص ٤١٥»: «من لم يصل على النبي ﷺ في تشهده الأخير؛ وجب عليه إعادة الصلاة». وذلك يرد قول من نسب الإمام الشافعي إلى الشذوذ لقوله بوجوبها - كالطحاوي وغيره -. قال الحافظ «١١/ ١٣٧»: «وأصح ما ورد في ذلك عن الصحابة والتابعين: ما أخرجه الحاكم بسند قوي عن ابن مسعود قال: يتشهد الرجل، ثم يصلي على النبي ﷺ ثم يدعو لنفسه. وهذا أقوى شيء يُحتج به للشافعي؛ فإن ابن مسعود ذكر أن النبي ﷺ علمهم التشهد في الصلاة، وأنه قال: «ثم ليتخير من الدعاء ما شاء».

стр. 1998

فلما ثبت عن ابن مسعود الأمر بالصلاة عليه قبل الدعاء؛ دل على أنه اطلع على زيادة بين التشهد والدعاء، واندفعت حجة من تمسك بحديث ابن مسعود في دفع ما ذهب إليه الشافعي؛ مثل ما ذكر عياض؛ قال: وهذا تشهد ابن مسعود الذي علمه له النبي ﷺ ؛ ليس فيه ذكر الصلاة عليه. وكذا قول الخطابي: إن في آخر حديث ابن مسعود: إذا قلت هذا؛ فقد قضيت صلاتك. لكن رُد عليه بأن هذه الزيادة مدرجة، وعلى تقدير ثبوتها؛ فتحمل على أن مشروعية الصلاة عليه وردت بعد تعليم التشهد. ويتقوى ذلك بما أخرجه الترمذي عن عمر موقوفاً: الدعاء موقوف بين السماء والأرض؛ لا يَصِلُ منه شيء حتى يُصلى على النبي ﷺ . قال ابن العربي: ومثل هذا لا يقال من قبل الرأي؛ فيكون له حكم الرفع. انتهى. وورد له شاهد مرفوع في «جزء الحسن بن عرفة». وأخرج المَعْمَريّ في «عمل يوم وليلة» عن ابن عمر بسند جيد قال: لا تكون صلاة إلا بقراءة، وتشهد، وصلاةٍ عليَّ. وأخرج البيهقي في «الخلافيات» بسند قوي عن الشعبي - وهو من كبار التابعين - قال: من لم يصل على النبي ﷺ في التشهد؛ فليُعِدْ صلاته. ثم قال الحافظ: «واستَدل له - يعني: الشافعيَّ - ابنُ خزيمة ومن تبعه بحديث فَضَالة بن عُبيد هذا». قال: «وهذا مما يدل على أن قول ابن مسعود المذكور قريباً مرفوع؛ فإنه بلفظه. وقد طعن ابن عبد البر في الاستدلال بحديث فضالة للوجوب؛ فقال: لو كان كذلك؛ لأُمر المصلي بالإعادة كما أمر «المسيء صلاته». وكذا أشار إليه ابن حزم. وأُجيب باحتمال أن يكون الوجوب وقع عند فراغه، ويكفي التمسك بالأمر

стр. 1999

في دعوى الوجوب». وخير من هذا الجواب وأقوى قولُ ابن القيم في «الجلاء» «٢٣٧»: «إنَّ هذا كان غير عالم بوجوبها، معتقداً أنها غير واجبة؛ فلم يأمره النبي ﷺ بالإعادة، وأَمَرَه في المستقبل أن يقولها. فأَمْرُه بقولها في المستقبل دليل على وجوبها. وتَرْكُ أمرِه بالإعادةِ دليلٌ على أنه يعذر الجاهل بعدم الوجوب، وهذا كما لم يأمر النبي ﷺ «المسيء» في الصلاة بإعادة ما مضى من الصلوات - وقد أخبر أنه لا يحسن غير تلك الصلاة - عذراً له بالجهل. فإن قيل: فلِمَ أمره أن يعيد تلك الصلاة، ولم يعذره بالجهل؟ قلنا: لأن الوقت باق، وقد علم أركان الصلاة؛ فوجب عليه أن يأتي بها. فإن قيل: فهلا أمر تارك الصلاة عليه بإعادة تلك الصلاة، كما أمر «المسيء»؟ قلنا: أمرُه ﷺ بالصلاة عليه فيها مُحْكَمٌ ظاهر في الوجوب. ويحتمل أن الرجل لما سمع ذلك الأمر من النبي ﷺ ؛ بادر إلى الإعادة من غير أن يأمره النبي ﷺ . ويحتمل أن تكون الصلاة نفلاً؛ لا تجب عليه إعادتها. ويحتمل غير ذلك؛ فلا يترك الظاهر من الأمر - وهو دليل محكم - لهذا المشتبه المحتمل. والله أعلم». ومما يدلك على قوة هذا الجواب أنه ثبت في «صحيح مسلم» «٢/ ٧٠» وغيره عن معاوية بن الحكم السلمي: أنه تكلم في الصلاة فقال: واثُكل أمِّياه! ما شأنكم تنظرون إليَّ ... الحديث. فلم يأمره ﷺ بالإعادة، ولكن علمه تحريم الكلام فيما يستقبل بقوله: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس؛ إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن». أفيدل عدم أمره ﷺ له بالإعادة على أن الكلام في الصلاة جائز؟ ! كلا، ثم

стр. 2000

كلا، فما يكون جواب ابن عبد البر وأمثاله ممن نحا نحو قوله عن هذا الحديث؛ فهو جوابنا عن حديث فضالة. نعم؛ إن الحديث لا يدل على ركنية الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة؛ بحيث إنه يلزم من تركها بطلانُها، وإنما يدل على الوجوب فقط الذي يأثم تاركه. فتنبه لهذا. والله أعلم. ومن أراد التوسع في هذا البحث؛ فليراجع كتاب «الجلاء» لابن القيم «٢٢٢ - ٢٤٨»؛ فإنه بحث طويل، فيه فوائد نفيسة، لا تجدها في كتاب. وفي الحديث أن الصلاة على النبي ﷺ قبل الدعاء؛ سبب لاستجابة الدعاء. وقد قال علي ﵁: كل دعاء محجوب؛ حتى يُصَلَّى على محمد وآل محمد. رواه الطبراني في «الأوسط». ورجاله ثقات - كما في «المجمع» «١٠/ ١٦٠» -. وفي الباب آثار أوردها ابن القيم في فصل خاص من «الجلاء» «٢٦٠ - ٢٦١»، وقد تقدم منها أثر ابن مسعود قريباً. [أصل صفة الصلاة (٣/ ٩٩٠)] وجوب الاستعاذةِ من أربع قبل الدُّعاء وتعليم ذلك الصحابة قال الإمام في تلخيص الصفة فقرة ١٧٥: و[يجب] أن يستعيذ بالله من أربع فيقول: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال». وقال في أصل الصفة: وكان ﷺ يقول: «إذا فرغ أحدكم من التشهد [الآخِر]؛ » فلْيستعذ بالله من أربع؛ [يقول: «اللهم إِني أعوذ بك] من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة
следующие страницы →