استواء الرجال والنساء في صفة الصلاة
كل ما تقدم من صفة صلاته ﷺ يستوي فيه الرجال والنساء، ولم يرد في السنة ما يقتضي استثناء النساء من بعض ذلك؛ بل إن عموم قوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي».
يشملهن، وهو قول إبراهيم النَّخَعي؛ قال: «تفعل المرأة في الصلاة كما يفعل الرجل».
أخرجه ابن أبي شيبة «١/ ٧٥/٢» بسند صحيح عنه.
وحديث انضمام المرأة في السجود، وأنها ليست في ذلك كالرجل؛ مرسل لا حجة فيه.
رواه أبو داود في «المراسيل» «١١٧/ ٨٧» عن يزيد بن أبي حبيب. وهو مخرج في «الضعيفة» «٢٦٥٢» [وانظر «ص ٦٣٧»].
وأما ما رواه الإمام أحمد في «مسائل ابنه عبد الله عنه» «ص ٧١» عن ابن عمر: أنه كان يأمر نساءه يتربعن في الصلاة.
فلا يصح إسناده؛ لأن فيه عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف.
وروى البخاري في «التاريخ الصغير» «ص ٩٥» بسند صحيح عن أم الدرداء: أنها كانت تجلس في صلاتها جِلْسَةَ الرجل. وكانت فقيهة.
[أصل صفة الصلاة (٣/ ١٠٤٠)]
حديث «صلوا كما رأيتموني أصلي» هل هو خاص بالرجال ؟
مداخلة: يسأل هنا يقول: قال رسول الله ﷺ : صلوا كما رأيتموني أصلي، هل هذا المعنى بهذا الحديث يخص الرجال دون النساء؟ وهل ورد هنالك أحاديث
стр. 2032
أخرى تبين كيفية صلاة النساء؟
الشيخ: الجواب: هذا الحديث عام يشمل النساء والرجال، «صلوا كما رأيتموني» صلّوا: خطاب لجميع المؤمنين، وأي خطاب في القرآن أو في السنة بضمير أو بخطاب مذكر فهو يشمل المؤمنات مع المؤمنين، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] هذا خطاب مذكر، لو أراد النساء أقمن الصلاة آتين الزكاة، لكن في عموم الخطاب يدخل الجنس الآخر ألا وهو النساء، ولذلك فقوله ﵊: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، من حيث أن عمومه يشمل النساء أيضاً فهو كقوله ﷺ : «خذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا» إذاً: «خذوا عني مناسككم» يعني دخل فيه النساء كالرجال.
ولذلك فحج النساء كالرجال إلا ما استُثني، في الحج يوجد بعض المستثنيات أما في الصلاة فلا استثناء إطلاقاً، يقال هناك بعض الاستثناءات صدرت باجتهاد وسأذكر ذلك قبل أن أُلفت النظر بعد أن أُلفت النظر إلى بعض الاستثناءات المتعلقة بالنساء دون الرجال، مثلاً ربنا قال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] أيضاً هذا خطاب عام لكن هل يدخل فيه النساء؟ الجواب لا، لماذا؟ لأنه ثبت في السنة أنه ليس على النساء حلق إنما عليهن التقصير، تقص المرأة شعرها شيء من زوائدها، وبذلك تتحلل، هذا حكم انفصلت النساء فيه عن الرجال، فلا يجوز لهن أن يحلقن رؤوسهن، من ذلك مثلاً وهذا حكم ضروري جداً أن تعرفوه؛ لأن أكثر الناس يُهملونه حينما يحجون وهو أن يصلي الحاج صبح عرفة أو مزدلفة في المزدلفة، حينما يفيض الناس من عرفات إلى المزدلفة ويجمعون هناك بين المغرب والعشاء جمع تأخير ويباتون هناك وهذا البيات واجب، ولكن أوجب منه أن يبقوا هناك حتى يصلوا الفجر في جمع، أي في المزدلفة، صلاة الفجر في المزدلفة ركن، البيات من بعد الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة واجب، أما صلاة الفجر في مزدلفة ركن .. ولذلك لما جاء إلى النبي ﷺ رجل فقال له: أنا جئت من جبل طي وما تركت شيئاً فاتني حتى جئت إليك هاهنا، يسأله هل صح حجه أم لا؟ قال ﵊: «من صلى صلاتنا
стр. 2033
هذه معنا في جمع أي في مزدلفة» ويشير بقوله صلاتنا هذه معنا، أي صلاة الفجر، وكان قبل ذلك قد وقف في عرفة ساعة من ليل أو نهار فقد تم حَجُّه وقضى نُسُكَه.
إذاً: لا بد من أمرين اثنين أحدهما أوجب من الآخر .. الواجب البيات في مزدلفة إلى الصبح، وصلاة الفجر في مزدلفة ركن، لكن هل هذا الحكم عام، أيضاً يشمل النساء؟ أيضاً لا، فقد صح من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ أذن للنساء وللضعفة أن ينطلقن من المزدلفة بعد نصف الليل، إذاً النساء يجوز لهن أن ينطلقن من مزدلفة بعد نصف الليل، أي لا يجب عليهن البيات، ومن باب أولى لا يجب عليهن صلاة الفجر في مزدلفة، إذا عرفنا هذا الاستثناء في بعض مناسك الحج عدنا إلى الصلاة، لم يستثن رسول الله ﷺ شيئاً من عموم قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي» للنساء.
فإذاً: صلاة النساء هي تماماً كصلاة الرجال، إنما بعض العلماء يقولون: إن المرأة إذا سجدت لا تجافي، لا ترفع عَضُدَها عن إبطها، وإنما تنضام هكذا، لماذا قالوا هكذا؟ ذلك لفساد الزمان ولانصراف النساء عن الحجاب بل الجلباب الشرعي الفضفاض الواسع الذي إذا صلت فيه في المسجد كانت مستورة ولو أنها جافت عضدها عن إبطها، لما وجد بعض العلماء تساهل بعض النساء في الجلباب قالوا: الأفضل لها أن تنضم في سجودها، لكن نحن نرى بل نعتقد أن الأمر كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] ربنا الذي أوحى بهذا الإسلام الكامل إلى نبيه ﷺ والذي بين للناس كل ما أمره الله بتبليغه كما ذكرنا ذلك في بعض المحاضرات السابقة لم يخص النساء بحكم في الصلاة كما فعل في الحج ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] لو كان هناك خصوصية للنساء في الصلاة لبينها رسول الله عن الله كما فعل في الحج، فإذ لم يفعل فلا شيء من هذه الخصوصية التي يذكرها بعضهم بالنسبة لنساء آخر الزمان، وإذا كانوا أرادوا أن يعالجوا خطأ وقعت فيه بعض النساء من حيث أن جلبابهن أو لباسهن إذا خرجن من بيوتهن ليس شرعياً .. ! فلا يعالج هذا الخطأ بخطأ آخر، هذا خطأ فيجب أن يصلح ولا يعالج الخطأ بخطأ آخر، ما هو الخطأ الآخر؟ أن يقال لا تجافوا كما يجافي الرجال، مع أن الرسول قال:
стр. 2034
صلوا كما رأيتموني أصلي، فمعالجة الخطأ بالخطأ هذا ليس من الإسلام في شيء، وإنما هي معالجة كما أقول في بعض المناسبات على مذهب أبي نواس، ماذا قال أبو نواس الماجن المعروف بأنه كان يعاقر الخمر ويخالط الجواري، وو إلى آخره .. ؟ كان يقول: «وداوني بالتي كانت هي الداء».
فالخطأ داء، فمعالجة هذا الخطأ بداء آخر هذا لا يجوز إسلامياً، وإنما تنبه النسوة اللاتي يحرصن على الصلاة في المساجد مع علمهن بقول نبيهن ﷺ : وبيوتهن خير لهن، فإذا آثرن الحضور إلى المسجد لفائدة علمية يردن أن يحصلن عليها ما هناك مانع من هذا؛ لأن النبي ﷺ قال: «إذا استأذنكم نساؤكم بالخروج إلى المساجد فأذنوا لهن».
لكن إذا كان يترتب من وراء خروجهن أن يقعن في مخالفة شرعية هناك يرد قول عائشة رضي الله تعالى عنها: لو علم النبي ﷺ ما أحدث النساء بعده لمنعهن المساجد، أحدثت النساء هذه الثياب الشفافة، هذه الثياب الضَّيقة المقَصَّرة، هذه النعال التي تطقطق وهي تمشي في الطريق .. ، ونحو ذلك كل هذا مما لا يجوز في الإسلام، فنعالج الخطأ بالصواب، وليس نعالج الخطأ بالخطأ.
(الهدى والنور/٧١٦/ ٢١: ١٨: ٠٠)
стр. 2035
الثمرة المرجوة من الصلاة
تكون بقدر الخشوع وموافقتها للهدي النبوي
стр. 2036
الثمرة المرجوة من الصلاة تكون بقدر الخشوع فيها مع موافقتها لهدي النبي ﷺ -
قال الإمام في خاتمة تلخيص صفة الصلاة:
أخي المسلم هذا ما تيسر لي من تلخيص صفة صلاة النبي ﷺ «محاولا بذلك أن أقربها إليك، حتى تكون واضحة لديك، ماثلة في ذهنك، وكأنما تراها بعينك. فإذا أنت صليت نحو ما وصفت لك من صلاته ﷺ ، فإني أرجو من الله تعالى أن يتقبلها منك، لأنك بذلك تكون قد حققت فعلا قول النبي ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي».
ثم عليك بعد ذلك أن لا تنسى الاهتمام باستحضار القلب والخشوع فيها، فإنه هو الغاية الكبرى من وقوف العبد بين يدي الله تعالى فيها، وبقدر ما تحقق في نفسك من هذا الذي وصفت لك من الخشوع والاحتذاء بصلاته ﷺ ، يكون لك من الثمرة المرجوة التي أشار إليها ربنا ﵎ بقوله: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر﴾.
وختاما، أسأل الله تعالى أن يتقبل منا صلاتنا، وسائر أعمالنا، ويدخر لنا ثوابها إلى يوم نلقاه ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. والحمد لله رب العالمين.
[تلخيص الصفة ص ٣٢].
стр. 2037
جامع تراث العلامة الألباني في الفقه
صَنَعَهُ
د. شادي بن محمد بن سالم آل نعمان
المجلد الخامس
صلاة الجماعة
وجوب صلاة الجماعة
السائل: أستاذي: عندي هون، يعني: بعض من إخواننا في السوق، طبعاً، منهم من يعمل في بعض المحلات، ومنهم من يكون من أصحاب المحلات، كان البعض منهم -أستاذ- يذهب إلى صلاة الجماعة، لكن من مُدَّة بيصلي في مَحَلّه، فكنا ذكرنا لهم: أنه صلاة الجماعة خير من صلاتك في محلك، فكنا تكلمنا معهم ببعض الأشياء هذه، وبعض الأدلة فيها، أما الآن -طبعاً- فحّبينا نسمع من الشيخ الآن كلمة حول صلاة الجماعة، وحول التخلف عن صلاة الجماعة، وشُو في لها عقوبة عند الله .
الشيخ: أيوه.
السائل: تفضل أستاذنا.
الشيخ: يجب على كل مسلم أن يعلم أن صلاة الجماعة لا تكون مقبولة عند الله ﵎ إلا إذا صَلَّاها مع جماعة المسلمين في مساجدهم، وذلك لأن الله حينما قال في القرآن الكريم: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، لم يَكْتَفِ بذلك، بل عطف على قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ فقال: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، والآية تقول: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، فكما أنه لا يجوز للمسلم أن يقتصر وأن يكتفي بأداء الصلاة عن الزكاة إذا كان غنياً، كما لا يجوز لهذا أن لا يُزَكِّي مكتفياً بما يُصَلي، كذلك لا يجوز لهذا الذي يصلي في داره، أو في حانوته، أو في أي مكان آخر، وإنما يجب عليه أن يصلي في المسجد مع إخوانه المسلمين، هذا صريح القرآن الكريم: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]. أي: مع جماعة الراكعين المصلين في المساجد، هذا شيءٌ.
стр. 2040
وشيءٌ ثانٍ: قد أمر النبي ﷺ أمراً لا هوادة ولا تساهل فيه، كُلَّ مسلم سليم غير مريض، أن يُصَلِّي في المسجد، وهَدَّده بأنه إذا تخلَّف عن المسجد حرّق عليه بيته، كما جاء في صحيح البخاري وصحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لقد هممت أن آمر رجلاً فيُصَلِّي بالناس، ثم آمر رجالاً فيحطبوا حطباً، ثم أخالف إلى أناس يَدَعون الصلاة مع الجماعة، فأحرِّق عليهم بيوتَهم، والذي نفس محمد بيده لو يعلم أحدهم أن في المسجد مرماتين حسنتين لشهدها» يعني: صلاة العشاء.
وإنما لم يُحَرّق الرسول ﵇ بيوتَ أولئك المتخلفين عن حضور صلاة الجماعة في المسجد؛ لأنه يوجد في البيوت من لا يجب عليهم صلاة الجماعة، كالأطفال الصغار، بل والنساء الكبار؛ لأن صلاة النساء في بيوتهن خير لهن.
لهذا السبب: هَمَّ ﵇ بتحريقهم، ولم يُنَفِّذ ما همّ عليه لوجود المانع، وهو وجود من لا تجب عليه الصلاة في المسجد، النساء والأطفال الصغار.
ولو لم يكن هناك في تعيير وتعييب هؤلاء المتخلفين عن مساجد المسلمين، إلا أنهم يتشبهون بالنساء اللاتي يصلين في البيوت وليس في المساجد، لكفى بهم عاراً وعيباً، فكيف وقد هَمّ النبي ﷺ بتحريق بيوت أمثال هؤلاء المتخلفين.
ولذلك جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: «كنا نعد المتخلفين عن صلاة الجماعة، أنه لا يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق».
والحقيقة: أن جشع المسلمين وتكالبهم على الدنيا، وإهمالهم الاهتمام بأمور الشريعة، هو السبب الذي يحمل هؤلاء الناس في أن لا يصلوا في المساجد، وأن يقنعوا في الصلاة في حوانيتهم ودكاكينهم.
والواقع أن هذه غفلة كبيرة جداً، عن كون كل مسلم يؤمن بأن الرزق مقسوم، فهم ينسون أو يتناسون هذه الحقيقة، فيطلبون الرزق من الله بمعصية الله، وقد قال ﵇، وبه أختم هذا الكلام: «يا أيها الناس إن أحداً لن يموت حتى يستكمل رزقه، وأجله، فأجملوا في الطلب، فإن ما عند الله لا ينال بالحرام».
(الهدى والنور/٢٠/ ٤٠: ٢٩: ١)
стр. 2041
وجوب صلاة الجماعة
مداخلة: [حكم من سمع الأذان ولم يصل في جماعة المسجد]؟
الشيخ: إذا كانوا ممن يسمعون الأذان الطبيعي ليس بمكبر الصوت، ولا يستجيبون له، فهم آثمون بلا شك.
(الهدى والنور/١٩٧/ ٥٧: ٥٩: ٠٠)
أذان المسجد إذا لم يسمع لمانع هل تجب عليه الجماعة كذلك ؟
مداخلة: يا شيخ، بالنسبة لموضوع سماع النداء لوجوب إتيان الصلاة، هل مشترط بسماع النداء، أم بأمر يتعدى، ألا وهو العلم بدخول الوقت.
يعني: حالة من الحالات -في السعودية هذه كثير- يكون المسجد قريب من البيت، ولكن لوضعي أنا في البيت داخل في مكيفات وفي أصوات يمنعني من سماع النداء، فهل يجب عليَّ حينما أعلم بدخول الوقت؟
الشيخ: بلا شك، إذا علمت، لأن الأذان وسيلة لكي تذهب، فإذا لم تتيسر لك وسيلة العلم بحضور وقت الصلاة بالأذان، وإنما بوسيلة أخرى، فقد حصل السبب الموجب عليك أن تذهب إلى صلاة الجماعة.
(الهدى والنور/١٩٧/ ٥٧: ٥٩: ٠٠)
من أدلة وجوب صلاة الجماعة
[قال رسول الله ﷺ ]: «لا يسمع النداء أحد في مسجدي هذا، ثم يخرج منه - إلا لحاجة - ثم لا يرجع إلا منافق».
стр. 2042
[قال الإمام]: واعلم أن الحديث ظاهر لفظه اختصاص الحكم المذكور فيه بمسجد الرسول ﷺ ، ولكنه من حيث المعنى عام لكل المساجد، للأحاديث الكثيرة الدالة على وجوب صلاة الجماعة. والخروج من المسجد يفوت عليه الواجب. فتنبه.
(السلسلة الصحيحة (٦/ ١/ ٥٧).
وجوب حضور صلاة الجماعة
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:
ومن من تجب عليه [أي الجمعة] ومن لا تجب عليه.
قوله: «٥, ٦ المدين المعسر الذي يخاف الحبس، والمختفي من الحكم الظالم، فعن ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من سمع النداء فلم يجبه فلا صلاة له إلا من عذر». قالوا: يا رسول الله وما العذر؟ قال: «خوف أو مرض». رواه أبو داود بإسناد صحيح.
تنبيه: هذا الحديث اقتصر المؤلف على إيراده ههنا في «الجمعة» وكان يلزمه أن يورده أيضا في «الجماعة» لأن لفظ «النداء» يشملهما معا وعليه نقول: والحديث كما يدل على وجوب الجمعة وأنه لا يجوز التخلف عنها إلا لعذر فكذلك هو يدل على وجوب حضور صلاة الجماعة وأنه لا يجوز تركها إلا لعذر، فهو حجة على المؤلف حيث ذكر هناك أن صلاة الجماعة سنة مؤكدة، ووجه ذلك أن الحديث صريح أنه لا يجوز التخلف عنها إلا لعذر وليس هذا شأن السنة فإنه يجوز تركها بدون عذر البتة اكتفاء بالقيام بالفرائض فقط كما يدل على ذلك إقرار النبي ﷺ للأعرابي على قوله: «والله لا أزيد عليهن ولا أنقص»
وقوله: «أفلح الرجل إن صدق» أو: «دخل الجنة إن صدق» فثبت من ذلك أن صلاة الجماعة واجبة لا يجوز تركها إلا لعذر وهو الحق كما سبق بيانه هناك.
стр. 2043
وأما تأويل بعض العلماء لقوله في الحديث: «فلا صلاة له» أي: كاملة فإن أرادوا بذلك نفي الوجوب كما هو الظاهر فهو باطل من وجهين:
الأول: قوله عقبه: «إلا من عذر» فإن هذا لا يقال في غير الواجب كما سبق بيانه.
الثاني: أن هذا التأويل غير معروف في الشرع كما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ولا بأس من أن أنقل كلامه مختصرا لأهميته قال ﵀ في «القواعد النورانية ص ٢٦»:
«وأما ما يقوله الناس: إن هذا نفي للكمال. كقوله: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» قلت: هذا ليس له إسناد ثابت. فيقال له: نعم هو لنفي الكمال لكن لنفي كمال الواجبات أو لنفي كمال المستحبات؟
فأما الأول فحق وأما الثاني فباطل لا يوجد مثل ذلك في كلام الله ولا في كلام رسول الله قط وليس بحق فإن الشيء إذا كملت واجباته فكيف يصح نفيه؟ !
وأيضا فلو جاز لجاز نفي صلاة عامة الأولين والآخرين لأن كمال المستحبات من أندر الأمور.
وعلى هذا فما جاء من نفي الأعمال في الكتاب والسنة فإنما هو لانتفاء بعض واجباته كقوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية.
وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ ونظائر ذلك كثيرة.
ومن ذلك قوله ﷺ : «لا إيمان لمن لا أمانة له» و «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» و «من سمع النداء ثم لم يجب من غير عذر فلا صلاة له».
ولا ريب أن هذا يقتضي أن إجابة المؤذن المنادي إلى الصلاة في جماعة من الواجبات.
لكن إذا ترك هذا الواجب فهل يعاقب عليه ويثاب على فعله من الصلاة أم
стр. 2044
يقال: إن الصلاة باطلة عليه إعادتها كأنه لم يصلها؟
هذا فيه نزاع بين العلماء. اهـ.
قلت: واختار شيخ الإسلام في غير هذا الكتاب البطلان واخترنا عدمه لحديث التفضيل على ما بينا في صلاة الجماعة. وحمله هو على المعذور وهو غير متبادر عندي. والله أعلم.
[تمام المنة ص (٣٢٧)]
وجوب صلاة الجماعة والرد على من قال بسنيتها
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:
ومن صلاة الجماعة
قوله: «صلاة الجماعة سنة مؤكدة».
قلت: لقد تساهل المؤلف في هذا الحكم فإن معنى كونها سنة مؤكدة عند الفقهاء أنه يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها فكيف يصح هذا في حق المتخلفين عن صلاة الجماعة وقد هم ﷺ بحرق بيوتهم عليهم كما في الحديث الرابع في الكتاب. وقد قال ابن القيم:
«ولم يكن ليحرق مرتكب صغيرة فترك الصلاة في الجماعة هو من الكبائر».
بل كيف يصح هذا مع قوله في ﷺ للأعمى: «أجب» مع أنه فوق كونه أعمى ليس له قائد يقوده إلى المسجد كما في الحديث الثالث بل وفي طريقه الأشجار والأحجار كما في بعض الروايات الصحيحة في الحديث، فهل هناك حكم اجتمع فيه مثل هذه القرائن المؤكدة للوجوب ومع ذلك يقال: هو ليس بواجب؟ !
وكذلك قوله في الحديث السادس: « ... إلا قد استحوذ عليهم الشيطان ... » فهو من الأدلة على وجوبها إذ إن من ترك سنة بل السنن كلها مع المحافظة على
стр. 2045
الواجبات لا يقال فيه: «استحوذ عليه الشيطان» كما يشير إلى ذلك حديث الأعرابي: «دخل الجنة إن صدق» وهذا بين لا يخفى.
ويغلب على ظني أن المؤلف حين كتب هذه المسألة كان متأثرا بما قرأه في «نيل الأوطار» للشوكاني في هذا البحث فإنه عفا الله عني وعنه قد أجاب عن الأحاديث المقيدة للوجوب بأجوبة تصرفها إلى الندب في زعمه ولكن من يمعن النظر في تلك الأجوبة يعلم ضعفها وتكلفها ولا سيما والشوكاني لم يتعرض للإجابة عن كل أدلة الوجوب التي منها الحديث السادس ومنها حديث: «من سمع النداء فلم يجبه فلا صلاة له إلا من عذر» وقد أورده المؤلف في الجمعة وعلقت عليه هناك بما فيه كفاية
بل سلم في «أبواب الأذان» أنه دليل على وجوب الأذان والإقامة قال: «لأن الترك الذي هو نوع من استحواذ الشيطان يجب تجنبه».
قلت: رواية أبي داود تدل على أن المراد بقوله: «لا تقام فيهم الصلاة» أي: صلاة الجماعة والشوكاني فهم من الحديث ما ذكرناه عنه لرواية أحمد له بلفظ: «ما من ثلاثة لا يؤذنون ولا تقام فيهم الصلاة ... » وأنا لا أفهم منه إلا الجماعة ولو سلمنا أن المراد الإعلام عنها ب «الله أكبر الله أكبر ... الخ» فنقول للشوكاني:
إذا سلمت بأن الحديث دليل على وجوب الأذان والإقامة فهو دليل على وجوب الجماعة من باب أولى لأن الأذان والإقامة بالنسبة للجماعة كالوسيلة مع الغاية فإذا وجبت الوسيلة فمن باب أولى أن تجب الغاية فتأمل.
ومن أدلة الوجوب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ ... ﴾ الآية. وذلك من وجهين:
أحدهما: أنه أمرهم بصلاة الجماعة معه في حال الخوف وذلك دليل على وجوبها حال الخوف وهو يدل بطريق الأولى على وجوبها حال الأمن.
الثاني: أنه سن صلاة الخوف جماعة وسوغ فيها ما لا يجوز لغير عذر كاستدبار
стр. 2046
القبلة والعمل الكثير فإنه لا يجوز لغير عذر بالاتفاق، وكذلك مفارقة الإمام قبل السلام عند الجمهور، وكذلك التخلف عن متابعة الإمام كما يتخلف الصف المؤخر بعد ركوعه مع الإمام إذا كان العدو أمامهم، وهذه الأمور مما تبطل الصلاة بها لو فعلت لغير عذر فلو لم تكن الجماعة واجبة بل مستحبة لكان قد التزم فعل محظور مبطل للصلاة وتركت المتابعة الواجبة في الصلاة لأجل فعل مستحب! مع أنه قد كان من الممكن أن يصلوا وحدانا صلاة تامة فعلم أنها واجبة.
ذكر هذا الدليل في أدلة أخرى من الكتاب والسنة شيخ الإسلام ابن تيمية في «الفتاوى» ٢/ ٣٦٣ - ٣٦٩ فمن شاء الزيادة من الإيضاح فليرجع إليها وإلى «المسائل الماردينية» ص ٩٠ - ٩٢.
واعلم أنه لا ينافي القول بالوجوب ما تفيده بعض الأحاديث من صحة صلاة المنفرد مثل الحديث الأول والثاني في الكتاب إذ أفادا أن صلاة المنفرد صحيحة حيث جعلا له درجة واحدة لأن هذا لا ينافي الوجوب الذي من طبيعته أن يكون أجره مضاعفا على أجر ما ليس بواجب. كما هو واضح.
[تمام المنة ص (٢٧٥)]
وجوب صلاة الجماعة حتى على الضرير
[قال رسول الله ﷺ ]: «إذا سمعت النداء، فأجب داعي الله ».
[ترجم له الإمام بقوله: وجوب صلاة الجماعة حتى على الضرير].
السلسلة الصحيحة (٣/ ٣٣٩).
стр. 2047
هل يعتبر سماع الأذان بالمكبرات الصوتية من المسجد البعيد موجبا لتلبية النداء
مداخلة: الآن بالنسبة لوجود الميكرفونات في المساجد، ترفع من الصوت حتى لو كان المسجد بعيداً، المرء المسلم يسمع الأذان [فما هو ضابط سماع الأذان الموجب لتلبية جماعة المسجد]؟
الشيخ: نُقَدِّرها بسماع الصوت الطبيعي بدون جهاز، واضح الجواب.
مداخلة: ماسمعت الجواب.
مداخلة: يقول الشيخ: إن تقدير هذا الشيء يكون بالصوت الطبيعي، تُقَدِّر كم الصوت الطبيعي يُسْمِع فتُقَدِّره على ضوء ذلك.
(الهدى والنور /٢٥٠/ ٥٤: ٥٥: ٠٠)
الأعذار المبيحة للتخلف عن الجماعة
مداخلة: ما هي الأعذار التي تبيح التخلف عن الجماعة؟
الشيخ: لا يمكن حصرها، ولكن بعضها منصوص، والبعض الآخر يعود إلى المُكلَّف، أما المنصوص عليه مثلاً: المرض، والمطر، والبرد الشديد، والثلج حيث يلحقان بالمطر، ونحو ذلك، ولكن هناك أمور لا يمكن ضبطها؛ لأنها تختلف باختلاف المكلفين، مثلاً: الحرج: الحرج من إنسان إلى آخر يختلف ولا ينضبط، وهنا يقال: ﴿بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤] هذا ما يمكن الجواب عن مثل هذا السؤال.
стр. 2048
هل يرخص في ترك الجماعة حال الانشغال ؟
عن عبد الله بن فضالة الليثي عن أبيه فضالة قال: علمني رسول الله ﷺ ، وكان فيما علمني أن قال لي: «حافظ على الصلوات الخمس». فقلت: إن هذه ساعات لي فيها أشغال، فمرني بأمر جامع إذا أنا فعلته أجزأ عني، قال: «حافظ على العصرين: صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها».
وقال الحافظ: «هذا الحديث صحيح، وفي المتن إشكال لأنه يوهم جواز الاقتصار على العصرين، ويمكن أن يحمل على الجماعة، فكأنه رخص له في ترك حضور بعض الصلوات في الجماعة، لا على تركها أصلا».
[قال الإمام]: قلت: والترخيص إنما كان من أجل شغل له كما هو في الحديث نفسه. والله أعلم.
السلسلة الصحيحة (٤/ ٤٢٨ - ٤٢٩).
وجوب صلاة الجماعة والأعذار المبيحة للتخلف عنها
مداخلة: حكم صلاة الجماعة والأعذار المبيحة للتخلف عن صلاة الجماعة؟
الشيخ: معروف هي الأعذار التي تُسْقط صلاة الجماعة.
أولاً: بصورة عامة النساء، لا يجب عليهن صلاة الجماعة لقوله ﵇: «وبيوتهن خير لهن».
ثانياً: من كان مريضاً من الرجال الذين يجب عليهم صلاة الجماعة، فليس على المريض حرج.
ثالثاً وأخيراً: إنما تجب صلاة الجماعة على من يَسْمع الأذان، فمن كان بعيداً من المسجد بحيث لا يسمع الأذان فهو -بلا شك- الأفضل له أن يُصلي مع الجماعة، ولكن لا يكون آثماً إذا لم يُصلّ ما دام أنه لم يسمع الأذان.
(الهدى والنور / ٣١٩/ ٠٩: ٤٧: ٠٠)
стр. 2049
الحث على أداء الصلاة في جماعة
أول ما يبدو لي، أن أُهَنئ جوار هذا المسجد المبارك -إن شاء الله- والذي نرجو أن يكون قد أُسِّس على تقوى من الله، ولا يكون المسجد قد أُسِّس على تقوى من الله ﵎ إلا إذا كان على سُنَّة رسول الله ﷺ ؛ ذلك أن من سُنَّة النَّبي ﷺ أنه أول ما هاجر من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، كان أول ما بدأ به هو أن بَنى مسجدَه ﵊؛ ذلك لأن المساجد هي مأوى ومُجْتَمع المسلمين، بل هي مدرستُهم التي يتلقون فيها الدروس التي تعلمهم شريعة الله وسنة رسول الله ﷺ ؛ ولذلك كثرت الأحاديث التي تَحضُّ المسلمين على بناء المساجد، وبخاصة في الأرض أو في المحلة التي لا مسجد فيها؛ لذلك النبي ﷺ قال: «ما من ثلاثة في بدو، لا يُؤَذَّن فيهم، ولا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان -أي: أحاط بهم- فعليكم بالجماعة؛ فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية».
ولذلك كان من الواجب على كل مسلم مكلف أن يحافظ على أداء الصلوات الخمس في المسجد، وليس أن يصلي في داره أو في دكانه أو في معمله، بل عليه أن يَدَع كل شيءٍ يُشْغله عن الاستجابة لداعي الله -ألا وهو المؤذن حينما يقول-: حَيّ على الصلاة، حي على الفلاح، فحينما يسمع المسلم هذا الأمر المُنظّم من رسول الله ﷺ في كل يوم خمس مرات، ذلك لكي لا يكون لأيّ مسلم عذر في التخلف عن صلاة الجماعة، فقد قال ﵊: «من سمع النداء ولم يجب، ولا عذر له، فلا صلاة له»، هذا حديث يحض المسلم على أن يجيب منادي الله حينما يقول: حَيَّ على الصلاة، حَيَّ على الفلاح.
فإذا لم يفعل، ولم يكن له عذر شرعي، فصلاته تدور بين ألَّا تُرفع مطلقاً، أي: ألا تكون مقبولة، وبين أن تكون مقبولة في أدنى درجات الثواب والأجر.
ولذلك أكد النبي ﷺ المعنى المُتَضَمِّن في هذا الحديث، -الآمر كل من يسمع
стр. 2050
النداء أن يجيب- بمثل قوله ﵊: «لقد هممت أن آمُر رجلاً فَيُصَلي بالناس، ثم آمُر رجلاً فيحطب حَطَباً، ثم أُخَالف إلى أناس يَدَعون الصلاة مع الجماعة، فأُحَرِّق عليهم بيوتَهم، والذي نفس محمد بيده لو يعلم أحدهم أن في المسجد مرماتين حسنتين لشهدها»، في هذا الحديث وعيد شديد جداً لمن يتخلف عن الصلاة في مسجد المسلمين دون عذر شرعي، أنه يستحق أن يُحَرّق بالنار في الدنيا قبل الآخرة؛ ذلك لأن النبي ﷺ قد قال كما سمعتم: «لقد هممت أن آمر رجلاً فيصلي بالناس» أي: نيابة عنه، ثم هو يفعل ما يأتي، قال: «ثم أُخَالف إلى أُناس يَدَعون الصلاة مع الجماعة فأُحَرِّق عليهم بيوتهم» يخالف إلى أناس يدعون الصلاة مع الجماعة، أي: أباغتهم وأفاجئهم؛ لأن المفروض في هؤلاء المتخلفين أن يجيبوا منادي الله كما قلنا، والمفروض أنهم يعلمون أن الرسول ﷺ يصلي في المسجد إماماً، كما هي عادته، ولكنه هَمَّ ﵊ أن يُوكِل رجلاً أن يُصَلي نيابة عنه؛ ليباغت المتخلفين عن الصلاة في المسجد، فيُحَرِّق عليهم بيوتهم.
ثم قال ﵊ مبيناً البلاء الذي يصيب كثيراً من الناس، وبخاصة في آخر الزمان كزماننا هذا، أنهم يتخلفون عن الجماعة لأمر دنيوي مهما كان حقيراً، فقال ﵊: «والذي نفس محمد بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد في المسجد مرماتين حسنتين» يعني: عظمتين من أسفل قدم الشاة أو المعزاية، ترمى عادة في الأرض لا قيمة لها، لو يعلم أنه يجد في المسجد فائدة دنيوية كهاتين المرماتين «لشهدها»، أي: صلاة العشاء.
إلى هنا ينتهي هذا الحديث، وهو من أصح الأحاديث حيث أخرجه الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما.
وهنا سؤال قد يرد في خاطر بعض الناس عادةً ألا وهو: لماذا هَمَّ ﵊ بحرق المتخلفين عن صلاة الجماعة ولم يفعل؟
قال: «لقد هممت» لكنه ما فعل، ولذلك هذا الحديث يُذَكِّرنا بآية في القرآن الكريم قد يسيء فهمها بعض التالين والقارئين للقرآن الكريم، حينما يمرون بقوله
стр. 2051
تبارك وتعالى في سورة يوسف: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤]، فالهَمّ لا يعني الفعل، وإنما هو من مقدمات الفعل، فالعلماء يقسمون ما يخطر في بال المسلم، ثم ما ينتج من وراء ذلك من العمل إلى أقسام:
القسم الأول: الخاطرة، خاطرة تخطر في بال الإنسان، -سواء كان خيراً أو كان شراً- فإذا قويت هذه الخاطرة وأخذت مكانها من بال الإنسان صار هَمَّا، فإذا قويت وازدادت قوة هذه الخاطرة، ووصلت إلى مرتبة الهَمّ، يلي ذلك العزم، وليس بعد العزم إلا الفعل؛ ولذلك قال تعالى في مسألة الطلاق: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧].
فالشاهد: أن العزم قبل الفعل، وليس بعده إلا الفعل.
فلما هَمَّ النبي ﷺ على التحريق فهو لم يَعْزِم، لماذا -فضلاً عن أنه لم ينفذ-؟
الجواب: أن في البيوت -كما تعلمون- من لا تجب عليه صلاة الجماعة، أول ذلك النساء، ثم الصبيان الذين لم يدخلوا في مرتبة التكليف، يكون أيضاً في البيوت ناس مكلفين، ولكنهم من المعذورين؛ ولذلك كان من حِكْمة الرسول ﵇ أن أوعد ولم يُنَفّذ، فقد جمع بين تحقيق المصلحة، وبين الحض على حضور صلاة الجماعة، ودفع المفسدة وهو عدم تحريق البيوت بمن فيها؛ لأنه لو فعل ذلك لأصاب الحريق من لا يستحق الحَرْق.
إذاً: في هذا الحديث وعيد شديد لأولئك الذين يتخلفون عن صلاة الجماعة دون عذر شرعي، وليس هناك من الأعذار ما يمكن أن يُذْكَر في هذه المناسبة، إلا أن يكون الرجل مريضاً، إلا أن يكون نائماً، وأن يكون نومه أيضاً مشروعاً، وهذا له بحث طويل، ولا أريد الآن الخوض فيه؛ خشية أن نخرج عمَّا ما نحن في صدده.
فالشاهد: أن الله قد امتن على أهل هذه المحلَّة بهذا المسجد، وهو أقرب ما يكون إلى السُنّة، ولا أقول -آسفاً، لا أقول- إنه على السنة؛ فإني أرى فيه بعض الأشياء التي ما كانت تنبغي، ولكني أقول كلمة حق: إنه أقرب ما يكون إلى
стр. 2052
السنة، بالنسبة للمساجد الأخرى التي تبنى في هذا الزمان، وتنفق في سبيل تشييدها وزخرفتها الأموال الطائلة في زعم أنهم يُعَظِّمون شعائر الله، والأمر ليس كذلك؛ لأن تعظيم شعائر الله ليس ببنيان المساجد مشيدة مزخرفة، زخارف تلهي المصلين عن الإقبال في صلاتهم على رب العالمين.
لقد جاء في صحيح البخاري وصحيح مسلم من حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: لما رَجَعت أُمُّ سلمة وأم حبيبة من الحبشة ذكرتا لرسول الله ﷺ كنيسة رأتاها في الحبشة، وذكرتا من حسنها وتصاوير فيها، فقال ﵊: «أولئك كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا عليه مسجداً وصَوّروا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله ﵎».
أولئك أي: النصارى، كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وزادوا إثماً على إثم أن صَوَّروا تلك التصاوير، المقصود هنا بالتصاوير: هي النقوش والزخارف.
ولذلك جاء في الحديث الآخر في سنن أبي داود وغيره: أن النبي ﷺ قال: «ما أُمِرت بتشييد المساجد»، تشييد المساجد أي: رفع بنيانها فوق الحاجة التي يحتاجها المصلون فيها.
هذا الحديث رواه أبو داود من حديث ابن عباس مرفوعاً إلى النبي ﷺ كما سمعتم قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أُمِرت بتشييد المساجد»، قال ابن عباس بعد أن روى هذا الحديث عنه ﷺ : «لَتُزَخْرِفُنَّها كما زخرفت اليهود والنصارى».
هذا القول الصادر من ابن عباس في ظاهره في ظاهر إسناده موقوف عليه، هو من كلامه، ويمكن أن يقال فيه في التعبير العلمي الحديثي: إنه موقوف في حكم المرفوع، وإما أن يقال، -وهذا لا بد منه- إن لم يُقَل الأول: إنه فهمه من مجموع الأحاديث الواردة في هذا الصدد، من ذلك حديث عائشة حينما تحدث النبي ﷺ فقال: «أولئك كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجداً، وصَوَّروا
стр. 2053
فيه تلك التصاوير».
فيمكن أن ابن عباس أخذ هذا القول من مثل هذا الحديث، ومن قوله ﷺ الثابت في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «لتتبعن سنن من كان قبلكم، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه»، إذاً: قوله ﵇: «لتتبعن سنن من قبلكم» هذا معناه ..
(الهدى والنور /٧٢٨/ ٢٠: ٤٢: ٠٠)
(الهدى والنور /٧٢٨/ ٢٤: ٤٤: ٠٠)
(الهدى والنور /٧٢٨/ ٥٣: ٤٦: ٠٠)
صلاة الجماعة للمسافر
مداخلة: ما حكم صلاة الجماعة للمسافر؟
الشيخ: هناك جماعتان: جماعة الإقامة، وجماعة المسافرين، فإذا كان الرجل مع ركب مسافر فيجب عليهم أن يصلوا جماعةً، ولو نزلوا في بلد فيه طبعاً تقام الجماعات بل الجمعات فلا يجب عليهم أن يصلوا جمعة.
مداخلة: يجب؟
الشيخ: فلا يجب عليهم أن يصلوا جمعة فضلاً عن الجماعة أي: في المساجد، ولكن إذا كانوا جماعة مسافرين فعليهم أن يصلوا جماعة بعضهم مع بعض.
مداخلة: إذا كان فرداً واحداً؟
الشيخ: لا يجب عليه.
مداخلة: ونزل في بلد، هل تجب عليه الجماعة؟
стр. 2054
الشيخ: لا يجب عليه قلت لك سلفاً: لا تجب عليه الجمعة ما دام مسافراً فضلاً عن الجماعة.
مداخلة: الدليل؟
الشيخ: ألا تعلم دليل سقوط الجمعة؟
مداخلة: لا.
الشيخ: جاء في الحديث «أن أربعةً لا جمعة عليهم» ومن جملتهم: المسافر.
مداخلة: لكن هل المقصود بهذا: المسافر الذي يعني: يسير أم ينطبق أيضاً على من وضع رِحاله ورَكْبه؟
الشيخ: على المسافر النازل أيضاً؛ لأن النبي ﷺ كان نازلاً في عرفات فما صلى الجمعة.
(الهدى والنور / ٢٥٩/ ٢١: ٢٧: ٠٠)
إذا كان الإنسان جارًا للمسجد لكنه لا يسمع النداء لمانع
مداخلة: طيب بالنسبة لحديث: «من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر» ما هي درجة هذا الحديث؟
الشيخ: صحيح.
مداخلة: بالنسبة يا شيخ، هناك عندنا في أمريكا نواجه مشكلة عدم سماع للنداء، فكيف تكون عملية تلبية النداء، وبالتالي الصلاة؟
الشيخ: لا يخفى أن المقصود من هذا الأذان ومن شرعيته، هو بلا شك تذكير الناس الذين قد يكونون غافلين عن حضور أو استحضار وقت الصلاة؛ ولذلك قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩].
стр. 2055
فإذا فرضنا الصورة التي أنت صَوَّرت -آنفاً- وهذا يمكن أن يتحقق في البلاد الإسلامية.
مثلاً: قد يكون الإنسان في منطقة صناعية، دوي الآلات فيها يمنعه من سماع أذان المسجد الذي هو بجانبه، ولو كان بمكبر الصوت؛ لأن أصوات الآلات التي يعيش بينها تحول بينه وبين سماع الأذان، ولو بمكبر الصوت، حينئذ هل هذا يُسْقِط عنه صلاة الجماعة، وبالأَوْلى هل يسقط عنه صلاة الجمعة وهي آكد من صلاة الجماعة، والرسول ﵇ يقول في صلاة الجمعة: «الجمعة على من سمع النداء» مفهومه: لا جمعة على من لم يسمع النداء, هذا مفهومه؟
فهل نقول بهذا المفهوم مطلقاً؟ . بل هل نقول بهذا المنطوق مطلقاً؟
الجواب: كلاهما الجواب: لا. لا نقول بالمنطوق مطلقاً؛ لماذا لأن يمكن أن هذا الذي سمع النداء يكون معذوراً يكون مريضاً يكون أكسعاً، يكون أقطعاً ... إلى آخره، فلا يستطيع أن يشهد صلاة الجمعة فهو معذور.
إذاً: هذا المنطوق «الجمعة على من سمع النداء» الأصل أنه عام، لكن يستثنى منه من عَذَرَه الشارع الحكيم، نأتي نقول المفهوم: «لا جمعة على من لم يسمع النداء يوم الجمعة». هل هذا أيضاً على عمومه، وشموله؟
أيضاً نقول: لا؛ للصورة التي صَوَّرتُها لك -آنفاً- يكون الذي يجب عليه أن يحضر صلاة الجمعة في جانب المسجد، لكن هذه منطقه صناعية، ضوضاء الآلات وصوتُها يُضَيِّع عليه أن يسمع صوت المؤذن، هذا إذا كان معنا مكبر الصوت، فما بالك إذا كان الصوت طبيعي ليس مقروناً به المكبر.
حينئذ: هل يسقط عن هذا الإنسان الذي هو جار المسجد أن يحضر صلاة الجمعة بل صلاة الجماعة؛ لأنه لا يسمع -فعلاً- في الصورة التي صورتها؟
أقول أنا لا؛ لأنه بإمكانه أن يتخذ وسيلة ما يُتَمَكَّن بها أن يعرف متى وقت
стр. 2056
الصلاة؛ لأن الأصل أن هذا يجب عليه؛ لأنه جار المسجد؛ لكن هو يعلم بالتجربة أنه لا يسمع أذان المسجد، وهبه في النهاية أصم لا يسمع؛ لكن عنده وسيله ليعرف أنه حضرت صلاة الجمعة، بل صلاة الجماعة -كما قلنا-.
حينئذٍ عليه أن يحضر الصلاة، ولا عذر له أنه لم يسمع الأذان؛ لأن المقصود من سماع الأذان هو أن يكون هذا الإنسان متنبهاً لحضور وقت الصلاة، وهذا التَّنَبه ممكن تحصيله بوسيلة أو أخرى، وهذا -مثلاً- يقع كثير من الناس في هذا الإشكال. ليش ما بتقوم، وتصلي صلاة الفجر؟
والله أنا نومي ثقيل ما أسمع الأذان؛ وهو صادق، لكن في عنده ساعة منبه، إذا كان عنده موعد مع واحد كافر أو نصراني أو فاسق، وعنده موعد لكي يتعامل بالتجارة والصناعة ونحو ذلك، يُحَدّد الوقت الذي يريد أن يستيقظ فيه بالمنبه، ساعة منبه، بيرن الجرس ويفز، فأولى أن يكون هذا التعامل مع تحقيق أحكام الله .
فإذاً: من كان في أمريكا وغير أمريكا، عليه أن يكون هو متخذاً بعض الوسائل التي تُذَكِّره بوجوب حضور جماعة المسلمين، هذا إذا كان هناك جماعة، وهذا نسمع أن هناك جماعة مسلمين، ويختلفون قلة وكثرة.
المهم إذا كان هناك مسجد، لكن لا يسمع صوت أذان المسجد لسبب أو آخر، وكان هو بمثابة أنه لو لم تكن تلك الموانع يسمع، فعليه أن يحضر، وإذا كان يخشى أن يفوته الحضور لعدم وجود المنبه، فليتخذ هو منبهاً من عند نفسه.
واضح الجواب؟
مداخلة: نعم شيخنا.
مداخلة: هل يُفهم من هذا الحديث، أن من لم يكن عنده عذر شرعي، صلاته باطله؟
الشيخ: لا، هذا قول لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قوله: بأن الذي لا عذر له، فصلاته باطله لظاهر هذا الحديث، لكن هذا القول مع مخالفته لرأي جماهير العلماء، هناك بعض الأدلة والنصوص تشعرنا بأن النفي في هذا الحديث هو نفي كمال وليس نفي صحة؛
стр. 2057
أي: «لا صلاة له» أي كاملة أي: يفوت عليه سبعة وعشرين درجة، وهذا خسارة في الحقيقة كبيرة, لو كان المسلم يُقَدِّر هذه الفضيلة حَقّ قدرها.
فقوله ﵇: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة» فيه إشارة إلى أن صلاة الفرد صحيحة، ولكنه خاسر سبع وعشرين درجة، هذا الخسارة هي التي تتنافى مع الكمال الذي نفاه الرسول في الحديث الأول.
(الهدى والنور/٢٨٥/ ٤٤: ٣٢: ٠٠)
هل نستطيع تحديد المسافة التي توجب شهود جماعة المسجد
مداخلة: بالتحديد، يا شيخ كيف نعرف المسافة، بالمتر .. ؟
الشيخ: تقريباً وليس تحديداً؛ لأنه المسألة لا يمكن أن يوضَع لها حدود مادية.
مداخلة: نعم.
الشيخ: لا يمكن تجاوزها، وأنا أضرب لك مثلاً يختلف بطبيعة الحال من كان في بلدة لا تزال أبنيتها متواضعة كما كانت في العهود الأولى، فمجرد أن يصعد المؤذن على ظهر المسجد ويؤذن، فصوته يبلغ من حوله من الدور.
مداخلة: نعم.
الشيخ: لكن إذا نظرنا اليوم إلى هذه البيوت الشاهقة المرتفعة قد لا يبلغ صوت المؤذن الطبيعي.
مداخلة: نعم.
الشيخ: فلا تستوي هذه الصورة مع الصورة الأولى.
كذلك مثلاً: نضرب صورة ثانية المسجد على رأس الجبل وهناك بيوت، وفي سفح الجبل أيضاً بيوت، والطريق إلى المسجد ليس طريقاً هكذا مستقيماً كالشوارع الموجودة
стр. 2058
اليوم، وإنما كمثل طرق الجبال التي يطرقها الحيوانات مثلاً كالمعز والغنم ونحو ذلك كيف أنها مُتَعَرِّجة، فمن سمع الأذان من كان في سفح الجبل لريثما يصعد إلى رأس الجبل هو سمع الصوت؛ لأن الصوت يمشي كالسهم مستقيماً، أما لو يريد أن يصل إلى منبع الصوت فيجب أن يتعرج هكذا وهكذا حتى يصل إلى هنا.
بهذا المثال السالف يظهر للسامعين تماماً أنه لا يمكن أن نضع في هذه القضية حدوداً مادية لا يمكن تجاوزها أو تجاهلها.
إذاً: هنا يعود الأمر إلى ما يسمى اليوم بـ «ضمير الإنسان» والذي عبَّر عنه الرسول ﵇ بقوله: «استفت قلبك وإن أفتاك المفتون»، فحينئذ: من كان يسمع أذان المسجد بِمكَبِّر الصوت، فهو يدري هل يتمكن من إجابة المؤذن إلى المسجد بدون أيّ مشقة، فحينئذ هذا واجب عليه بأن يستجيب، وإلا فلا.
خلاصة القول: التحديد المادي لا يمكن أن يوضَع لمثل هذه المسألة. والله أعلم.
(الهدى والنور/٣٦١/ ٥٠: ٢٠: ٠٠)
يجب على الجامعات والمدارس أن تحدد جداول المحاضرات
بما يتناسب مع أوقات الصلاة
مداخلة: عندنا في الجامعة، كليات ومعاهد، وفيه مسجد في طرف الجامعة، فإذا أذن نكون جميعاً في الحصة الخامسة، في وسط الحصة الخامسة، قِلَّة من الطلاب يتحرجون من أنهم يسمعوا المؤذن ولا يُجيبوه، ثم تقام الصلاة ونحن في الحصة الخامسة، وإذا انتهينا نصلي، كل كلية تصلي على حِدة، وكل معهد يصلي على حدة، فبعض الطلاب أو جُلُّهم يتحرجوا من هذه ويخرجوا من الحصة غير مبالين بأنظمة الجامعة وبالمدرس الذي يُدَرِّسهم ليُلَبُّوا النداء، فما قولكم في ذلك؟
الشيخ: قولي أن المنهاج خطأ، لا يجوز أن تكون مناهج الجامعة الإسلامية
стр. 2059
كمناهج الدول العربية؛ لأن هذه الظاهرة التي أنت تشير إليها تماماً واقعة بالنسبة للمدارس، سواء كانت ابتدائية أو ثانوية أو جامعة، بحيث أن الطلاب لا يستطيعون أن يحضروا الصلاة مع الجماعة لماذا؟ لأن وقت التدريس يتعارض مع وقت الصلاة، فوقت الصلاة محدَّد ومُقنَّن شرعاً.
فينبغي أن توضع مناهج المدارس، بحيث لا تتصادم مع المنهج الإلهي، فلماذا يوضع درس والمؤذن يؤذن في المسجد؟ ثم لا الأستاذ الذي يُربِّي الطلاب على الأحكام الشرعية يستجيب لهذا المؤذن، ولا الطلاب بالتالي يستجيبون إلاَّ مَن قَلَّ منهم، فيجب أن تُوضع المناهج التدريسية بحيث لا تتنافى مع مواقيت الصلاة، هكذا يجب أن يكون.
(الهدى والنور/٣٦١/ ٤٠: ٢٥: ٠٠)
أخذ الأطفال للصلاة في المسجد
يا شيخ بالنسبة للأمر بالصلاة للأطفال بعد سن السابعة صلاة الفجر وصلاة العشاء في وقت المدارس نستطيع.
الشيخ: قلنا: استعمل الرفق.
مداخلة: نحاول نوقظهم -مثلاً-؟
الشيخ: نحن الآن نقنع الآباء أن يأمروهم بصلاة الظهر والعصر والمغرب، وبعدين هؤلاء لما يمشوا بالخط، هذا بيجي دور السؤال في الفجر.
السائل: بالنسبة لصلاة الظهر والعصر والمغرب -يعني- ما في مشكلة، بالنسبة للفجر والعشاء -يعني- ننتظر، يعني: حتى يبلغوا سن التاسعة أو العاشرة، يعني: حتى نحثهم على الصلاة أو؟
الشيخ: أنا أجبتك .. وقلت: إن هؤلاء متعودين على أن يأتمروا بأمر الوالدين،
стр. 2060
في الظهر والعصر والمغرب والعشاء، وما بقى بين الوالدين وبين الأولاد إلا صلاة الفجر، فأقول: يُتَرفَّق بهم أو بهن، وما يَسْتَعمِل معهم الشدة؛ لأن الواقع، -طبيعة الولد-: أنه نؤوم بالنسبة للكبير -طبعاً-، فلذلك يجب أن يكون حَكِيماً.
لكن لا نريد أن نصل إلى درجة إيقاظه رغم أنفه من النوم، بحيث أنه يصلي صلاة وكأنه سكران، ولا -أيضاً- أن نُخَلِّيه يعيش أبد الدهر معذوراً من قِبَل الوالدين؛ لأنه ماذا؟ ما يريدون -يعني- يُحَرِّجوا عليه، أو يُشَدِّدوا عليه، وإنما تارةً وتارة، «وكان بين ذلك قواماً».
المهم: رَبُّ البيت يجب أن يكون حكيماً، مع الحكمة الشرع، فهذه في يد، والأخرى في يد، حتى ينجح في سياسته لتربية أولاده.
مداخلة: جزاك الله خيراً، كما تفضلت شيخَنا في بعض كلامك -يعني- إذا ذهب إلى المسجد .. إذا صلى في البيت يناديه الولد بِيأْلف.
الشيخ: إي والله.
مداخلة: يعني من الناحية العملية، يصير الولد يُطَبِّق بدون ما أنه -يعني- يقول له افعل، الولد بيألف.
الشيخ: ما شاء الله، يعيد النظر إلى قضية مهمة جداً من ناحية التربية، وأنا أعتقد أن هذه الناحية أكثر الآباء المتدينين مهملوها، لهذا تجد أكثر المساجد ليس فيها إلا الكبار، إن كان هناك شباب فجاوزوا سِنّ الخامسة عشر بسنين طويلة، أما هؤلاء الذين نحكي عنهم: «مُرُوا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع» أبناء عشر نادراً ما تجدهم في الصلوات الخمس في المساجد، هذا يدل على أن الآباء مُقَصِّرون مع هؤلاء، نعم.
وإلا كلما راح الأب يصلي في المسجد، تعال يا ابني صَلِّ معي في المسجد، الصلاة بخمس، وعشرين وسبع وعشرين إلى ... آخره، لا يمكن بعد ذلك إلا أنه هو يكون سباقاً إلى الخير، لكن يا تُرَى: هل الآباء يفعلون ذلك، هل الآباء يحضرون
стр. 2061
الصلوات الخمس في المسجد؟
مداخلة: يحضرون معه، يا شيخ بالنسبة -يعني- الذي في المسجد.
الأُم لما تُؤَذِّن بصوت مرتفع، كما نعلم منكم بالسنة تُؤَذِّن وتُصَلِّي الصلاة جهرية، وتنادي البنات اللاتي في البيت، أو كما قلت في بعض كلامك: حتى الأولاد الصغار الذي هم ذكور، ولا يحسنون القراءة أن يُصَلّوا مع أُمِّهم جماعة، فيكون البيت أيضاً فيه من الناحية هذه.
(الهدى والنور /٦٢٦/ ٠٠: ٤٢: ٠٠)
الترخص في حضور جماعة المسجد للمسافر
وللمقيمين الحاضرين لمجالس العلم فيصلون جماعة في مجلسهم
مداخلة: فضيلة الشيخ جزاك الله خيرًا، وحفظك الله، يقول: ما هو المسوغ لأدائكم صلاة المغرب هنا مع كثرة المساجد وقربها منا، وهل هو مسوغ شرعي يبيح ترك المسجد، وما هو المسجد المقصود، وهل هو الذي تؤدى فيه الصلوات الخمس، أم ما هو؟
الشيخ: هنا مسألتان: المسألة الأولى تتعلق بنا نحن المسافرين، والمسألة الأخرى تتعلق بكم أنتم معشر المقيمين في هذا البلد.
أما فيما يتعلق بالمسافرين، فلا يجب عليهم حضور الجماعة في المسجد؛ لأنهم مسافرون، وهذه مسألة تبين لي أن كثيرًا من الناس لم يحيطوا بها علمًا، مع أنهم أحاطوا بمسألة تضاهيها وتتابعها وهي أهم من هذه، وعرفوا أنها لا تجب على المسافرين ألا وهي صلاة الجمعة، ولا يخفى على الجميع أن صلاة الجمعة هي فرض عين على كل مصل مقيم، أما المسافر فهو أحد أربعة لا تجب عليهم صلاة الجمعة، فلذلك لما صلى النبي ﷺ في عرفات وكان ذلك يوم جمعة لم يصلي يوم الجمعة
стр. 2062
صلاة جمعة وإنما صلاها ظهرًا، فليس على المسافر صلاة جمعة.
وإذا كانت هذه الحقيقة معروفة لديكم، إليكم معرفة أخرى وهي: أن صلاة الجمعة آكد من صلاة الجماعة، فإذا سقطت فرضيتها على المسافر فبالأولى أن تسقط فرضية صلاة الجماعة عن المسافر، ولكن ذلك لا يعني أن صلاة الجماعة لا تجب على المسافرين إذا كانوا جماعة - وهذا ما فعلناه آنفًا - لقوله ﵊ لمالك ابن الحويرث: «إذا سافرتما فأذنا وليؤمكما أكبركما سنًا» فأمر النبي ﷺ هذين الصحابيين إذا سافرا أن يؤذنا وأن يقيما جماعة، ويكون الإمام فيها أكبرهما سنًا، والظاهر أن هذا الحديث أنهما كانا في نسبة واحدة في معرفة الحفظ للقرآن، وإلا
لعلكم تذكرون معي قول النبي ﷺ : «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم للسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأكبرهم سنًا» لذلك قال ﵇: «وليؤمكما أكبركما».
فإذًا: نستطيع أن نقول: صلاة الجماعة على المسافرين تجب ولا تجب، تجب عليهم بعضهم مع بعض، ولا يجب عليهم الحضور إلى المسجد؛ لأن الله أسقط عنهم فرضية الجمعة فبالأولى أن تسقط عنهم فرضية الجماعة، هذا فيما يتعلق بالمسافر.
أما المقيم فلا شك أنه يجب عليهم كلما سمعوا أذان المؤذن في المسجد أن يجيبوه وأن يسارعوا إلى المسجد ليحضروا جماعة المسلمين لقول رب العالمين: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] إلا أن هناك أثرًا صحيحًا عن إمام السنة الإمام أحمد ﵀ أنه كان في مجلس علم فيه من كبار أصحابه وأقرانهم في الحديث كيحيى بن معين وغيره، فلما أذن لصلاة الظهر أشار بعض الحاضرين إلى أن يقوموا من مجلس العلم ذاك إلى الصلاة فطمئنهم أحمد ﵀ بأننا نحن في مجلس علم فسنصلي هنا جماعة أي: إنما صدر استغرابه وأصحابه بالعلم وهو يوافق الكتاب والسنة كما هو معلوم عن أولئك الأئمة ... فواجب دراسة الكتاب والسنة اعتبر ذلك عذرًا لعدم الذهاب إلى المسجد وإقامة الصلاة في ذلك المكان الذي كانوا يتدارسون فيه العلم، وقد حفتهم الملائكة ونزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة.
стр. 2063
من هنا نرى إذا كنا مقيمين وكنا في مجلس علم أنه من الأعذار التي تبيح لهذه الجماعة أن يقيموا الصلاة .. صلاة الجماعة في المكان الذي [هم فيه] وبخاصة إذا كان الجمع في ذلك المنزل الذي كان يدرس فيه العلم أكثر من بعض المساجد، وهذا يتفق أحيانًا، وأنتم على كل حال كما يقال: أهل مكة أدرى بشعابها، فلو أننا قمنا مثلًا جميعًا كمقيمين وانطلقنا إلى أقرب مسجد إلينا ترى! أيكون المصلون هناك أكثر أم هنا؟ فإذا كان هنا فلا شك أن هذا عذر كامل يسوغ لنا أن نقيم صلاة الجماعة في منزلنا هذه؛ لأننا في هذه الحالة جمعنا بين فضيلة العلم وفضيلة الجماعة الأكثر من تلك الجماعة، وقد قال ﵊: «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاة الثلاثة أزكى من صلاة الرجلين» وهكذا: صلاة الأربعة أزكى عند الله ﵎ من الثلاثة، فكلما زاد العدد كان أفضل.
لكن ينبغي أن نتنبه أخيرًا أن هذه الصورة ينبغي أن تكون محصورة بمثل هذا الموضع الذي ذكرناه حتى لا يتخذ ذلك ذريعة للتكاسل أو ... عدم الاستجابة للمؤذن في مسجد من المساجد، نعم.
(رحلة النور: ٤٢ ب/٠٠: ٢٥: ٣٩)
هل صح عن علي ﵁ أنه قال: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ؟
مداخلة: هل صح عن علي ﵁ أنه قال: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد؟
الشيخ: هذا روي مرفوعًا إلى النبي ﷺ ولم يصح، أما عن علي بذاته وموقوفًا عليه فلا يحضرني الآن شيء فيه.
مداخلة: طيب! هل متن الحديث أيضًا يصح يا شيخ؟
стр. 2064
الشيخ: متن الحديث غير صحيح ... لأنه يستلزم بطلان الصلاة في المسجد البعيد إذا لم يصل في المسجد المجاور القريب، لكن هناك حديث ينهى عن تتبع المساجد، وذلك يستلزم ضمنًا أن يصلي في المسجد القريب، إلا أن هذا له تفصيل، خلاصته: أن النهي ينصب فيما إذا قصد تكثير الخُطَى .. [في الذهاب] للمسجد البعيد من أجل هذا، فهذا مما نهى عنه الرسول ﵇، بخلاف ما إذا قصد الصلاة في مسجد بعيد؛ لأن فيه علم، فيه موعظة وما شابه ذلك فهذا لا يدخله النهي عن تتبع المساجد.
(رحلة النور: ٣٠ أ/٠٠: ٤٣: ١٦)
عدم حضور صلاة الجماعة بعذر الامتحان
مداخلة: طالب كان في امتحان وأقيمت الصلاة، ولا يستطيع الخروج لأنه في امتحان، فهل هذا يعتبر عذر شرعي؟
الشيخ: عذر شرعي، لعدم الحضور؟
مداخلة: عدم الحضور للصلاة
الشيخ: هذا مثله مثايل لما بيكون المنع اللِّي منحرف عن الشريعة، فإذا ما بينتمي للعمل بهذا المنهج وإلا بِدُّه يلتزمه حينئذٍ بِدّه يخالف الشريعة.
فإذا كان واقعه هكذا، فحينئذ نقول: إما أن تخرج عن هذا المنهج، وإما أن تعتبر واقعك هذا ضرورة لك، فَتُصَلِّي إما جمعاً وإما كل صلاة في وقتها منفردة.
مداخلة: يعني: يؤثم على ذلك.
الشيخ: حسب المنهج، المنهج خطأ وما بُني على خطأ فهو خطأ، ولذلك ما نشجع نحن العمل بمثل هذه المناهج، صلاة الجمعة بيروحوها أحياناً.
مداخلة: نعم.
(الهدى والنور /١٤٠/ ٥٤: ٥١: ٠٠)
стр. 2065
رجل يعمل في برج مراقبة ولا يصلي مع الجماعة لظروف العمل
مداخلة: شيخنا! يقول: رجل يعمل في المراقبة المطار، وأحيانًا يكون الدوام وقت الصلاة، فلو ترك عمله للصلاة قد يسبب [بالتعطيل] لمئات من ركاب الطائرة، فما الحل؟ مع العلم أنه يخرج وقت صلاة الجماعة.
الشيخ: إذا كانت هذه الصورة هي صورة واقعة، حينذاك نقول مثل هذا المراقب: يجب أن يتهيأ بعمله قبل أن [يتلبس] بمثل هذه الصورة التي أعتبرها خيالية، يجب إذا كانت حقيقية أن يتهيأ لها بحيث أنه يجمع بين الصلاتين ولا يخرجهما عن وقتهما هكذا عبثًا، فالجمع بين الصلاتين بالنسبة للمقيم أمر وسع الله فيه على المسلمين كما جاء في حديث ابن عباس ﵄ من قوله: «جمع رسول الله ﷺ في المدينة بين الظهر والعصر .. ».
(أسئلة وفتاوى الإمارات - ١٠/ ٠٠: ٤٦: ١٨)
الأذان لجماعة البيت
الملقي: [إذا علمنا وقت الصلاة نقيم إقامة فقط في البيت بلا أذان ولا جماعة]؟
الشيخ: يعني تصلون على أذان المسجد؟
الملقي: نعم، بحيث الوقت معروف، الوقت ونشعر بالوقت، نرى المئذنة من بعيد، نرى أن الآن حان وقت الأذان.
الشيخ: إذًا: ما تسمعون الأذان؟
الملقي: لا، لا نسمعه، قليلاً، يعني، لا نسمعه قليلاً، حسب الهواء.
الشيخ: إيه، لأنه في فرق بين أن تسمعوا الأذان -بالنسبة لبعض الأقوال-،
стр. 2066
وبين ما تسمعون الأذان، في فرق.
أقول مُكرِّراً: بالنسبة لما ستسمعون مني، فلا فرق، «لكن أنا من منهجي في العلم والفقه أنني لا أَهْدِر أقوال العلماء، ما استطعت إلى ذلك سبيلاً».
لقد روي عن بعض السلف، أنه سُئل عن الصلاة بدون أذان، فقال: أذان حَيّ يكفينا، فلو أردت أن أتَرَخّص لكم -بناءً على ما سمعت منك في أول كلامك- كنت أقول: أذان الحيّ يكفيكم، لكن بعدين تبين حتى أذان الحي ما في، ولذلك اختلفت المسألة.
أما أنا فأقول: لو كنتم تسمعون الأذان، ولأمرٍ ما صليتم في بيتكم، فلا بد لكم من أذانٍ خاصٍّ بصلاتكم.
وقول القائل: «أذان الحي يكفينا»، ليس حديثاً مرفوعاً إلى النبي ﷺ .
وثانياً: عندنا حديث عن الرسول ﵇ يأمر كل مصلٍ أن يؤذن وأن يقيم، حتى لو صلى منفرداً، فما بالكم إذا صلوا جماعةً.
ذلك الحديث: في بعض طرق الحديث المشهور عند العلماء بحديث «المسيء صلاته».
وأظنكم جميعاً تعرفون حديث: «المسيء صلاته» هذا الذي رواه البخاري ومسلم، من حديث أبي هريرة، أن رجلاً دخل المسجد ورسول الله ﷺ منتحٍ في ناحية منه، فصلى، ثم جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: «السلام عليك يا رسول الله»، قال: «وعليك السلام، ارجع فصلِّ فإنك لم تُصلِّ»، فرجع، وبلاش طول الكلام الآن، والوقت ضيق ثلاث مرات، يصلي ويرجع عند الرسول: السلام عليك يا رسول الله، «وعليك السلام، ارجع فصل فإنك لم تصل».
عرف الرجل في المرة الثالثة أنه لا يُحسن الصلاة، فاعترف قائلاً: والله يا رسول الله لا أحسن غيرها، فعلِّمني، فقال ﵊: «إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله، ثم استقبل القبلة، ثم كبر ثم اقرأ ما تيسر من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تطمئن قائماً»، إلى آخره، قال: «فإذا أنت فعلت
стр. 2067
ذلك فقد تمَّت صلاتك، وإن أنت أنقصت من ذلك فقد أنقصت من صلاتك»، هذا الحديث في الصحيح.
لكن جاء من طريق صحابي آخر، وطريق أخرى في سنن أبي داود، قال له: «إذا قمت إلى الصلاة فاستقبل القبلة، وأذن وأقم ثم كبر»، أذن وأقم ثم كبر، إلى آخره، فإذاً: أمر المسيء صلاته بالأذان والإقامة، وهو يصلي وحده في المسجد.
فدلنا هذا الحديث: على أن الأذان والإقامة، لا ينبغي أن يخل به أي مصل، حتى النساء، وبخاصة في صلاة النساء جماعة.
وقد جاء في حديث صحيح فضيلة عظيمة جداً لمن يكون في فلاة من الأرض فحضرته الصلاة فأذن وأقام قال ﵇: «إلا صلى خلفه من خلق الله ما لا يرى طَرَفاه».
لماذا؟ لأنه أعلن الصلاة: الله أكبر، ثم أتبعها بالإعلان الثاني هالّلي هو دونه، وهو الإقامة، ثم صلى ولو لوحده في هالبرية في هالصحراء، إلا صلى خلفه من خلق الله ما لا يرى طَرَفاه.
فحريٌّ إذاً بكل مسلم أن يكون حريصاً على الأذان والإقامة بين يدي الصلاة، ولو كان منفرداً، فما بالكم لو كان يصلي جماعةً، فذلك أولى وأولى.
(الهدى والنور / ٥٣٣/ ٣٧: ١٨: ٠٠)
إذا كان بعض الناس في مجلس علم فهل يرخَّص لهم في ترك جماعة المسجد فيصلوا جماعة في مكانهم ؟
مداخلة: طيب الجماعة خارج المسجد، مثلنا هنا -مثلاً- وصلينا جماعة، هل لها أجر الصلاة في المسجد كجماعة؟
стр. 2068
الشيخ: هذا يختلف باختلاف جَوّ الجماعة، إذا كان جواً علمياً فلهم رخصة في أن يتأخروا .. إذا كان الجو عِلْمِيّ، فلهم رخصة في أن يُصَلّوا في المجلس وأن لا يذهبوا إلى المسجد، أما إذا كان الجو عادي، فلا يجوز لهم أن يتأخروا عن صلاة الجماعة، ويُصَلِّوا في المكان الذي هم مجتمعون فيه.
كلامي السابق: إذا دار الأمر بين إضاعة الفريضة، وبين إضاعة المستحب، ماذا نفعل؟ نُضيِّع المستحب ونحافظ على الفريضة.
لو فرضنا: ناس في مسجد في حارة، اتفقوا جميعاً على أنهم يُؤَخِّروا صلاة العشاء إلى آخر وقتها، فيكونوا جمعوا بين الفضيلتين، بين فضيلة صلاة الجماعة، وبين فضيلة تأخير صلاة العشاء إلى آخر الوقت، خلافاً لبقية الصلوات.
هذا ما عندي من الجواب.
مداخلة: أسأل عن أجر الجماعة في المسجد، هل له أجر أفضل في المسجد أكثر من البيت؟
الشيخ: سامحك الله، هذا السؤال غير وارد، أنا أقول لك: إذا دار الأمر بين فضل صلاة العشاء في آخر الوقت، وبين الصلاة في المسجد، قلنا لك: الصلاة في المسجد فريضة، يعني: هل تظن أنه ليس عليها أجر؟
مداخلة: أنا الذي أقصده بسؤالي، أنه نحن الآن صلينا جماعة مع بعض هنا، هل أجر الجماعة الذي أعرفه أنا في روايتين قرأتها: خمس وعشرين درجة، والرواية الأخرى بتقول: سبع وعشرين درجة.
في الحالة هذه يستنتج الواحد منا بالبدهيات، أنه سبع وعشرين درجة على الصلاة التي تصليها منفرداً لنفسك.
أقصد الآن: طالما أننا خارج المسجد وأقمنا الصلاة الآن هنا، هل الأجر في المسجد كونه المكان المخصص للصلاة، أفضل من المكان الذي نحن فيه؟
стр. 2069
الشيخ: بصورة عامة هو هذا يا أخي، لكن نحن أعطيناك صورتين: قلنا لك: إذا كان المجلس مجلس علميّ، فلهم أن يَدَعوا الفريضة هناك، ويُصَلّوا هنا.
وهذا معناه: أن هؤلاء إذا لم يذهبوا إلى المسجد، أولاً: ما تركوا فرضاً؛ لأنهم في مجلس علم، وإذا ما تركوا فرضاً، وصلوا هنا جماعة، فقد حَصّلوا الأجر، لكن إذا كان المجلس ليس مجلس علم، فقد ضَيَّعوا فرضاً، وصلوا هنا جماعة، ولا يكونوا قد أدركوا فضيلة تلك الجماعة؛ لأنه لا عذر لهم.
مداخلة: ما الدليل على تقديم مجلس العلم على الصلاة؟
الشيخ: ليس هناك دليل كما يتبادر للذهن، وإنما هو الاجتهاد القائم على فهم يؤتيه الله عبداً في كتابه.
هناك في «صحيح البخاري» أن الصحابي أبا جحيفة السّوائي قال يوماً لعلي بن أبي طالب: «هل خَصّكم آل البيت رسولُ الله ﷺ بشيء دون الناس»؟ قال: «لا، اللهم إلا فهماً يؤتيه الله عبداً في كتابه، أو ما في قيراب سيفي هذا» وأخرج من جفن السيف، من بينه، ورقة من الأوراق القديمة مكتوب فيها حديث يتعلق بالقصاص والجراحات ونحو ذلك.
الشاهد قوله: «اللهم إلا فهماً يؤتيه الله عبداً في كتابه».
أنا أحكي عن نفسي، لما كنا نُدَرِّس على إخواننا في دمشق وفي حلب بلد أخينا محمد ناصر الترمانيني، وكنا ننزل في بيته -جزاه الله- خير، كان مركز الدعوة هناك يومئذ ولا يزال، لكن ضغط البعثيين معروف.
المهم كنا في أول الأمر مجرد ما نسمع الأذان نخرج من المجلس، ونصلي في أقرب مسجد.
لكن كان في النفس شيء، يعني: أنا أشعر أننا معذورين، نحن الآن في دراسة كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فهذا قد يعتبر عذراً في ترك الصلاة في المسجد،
стр. 2070
كنت أقول في نفسي هكذا، ولكن ليس عندي شيء يقنعني بهذا، فكنت أمشي مع الأصل وهو إجابة المؤذن، إلى أن قرأت في كتاب «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم رواية أن الإمام أحمد كان في مجلس علم، فيه كبار علماء الحديث، مثل يحيى بن معين، ومثل علي بن المديني، فأُذِّن لصلاة الظهر، فقال أحدهم: -منبهاً مذكراً- بأنه قد أُذِّن لصلاة الظهر، كأنه يقول: حيَّ على الصلاة.
فقال الإمام أحمد: نحن الآن -لا أدري إذا كان قال لفظة صلاة باللفظ، أو بما يؤدي هذا المعنى- واعتبر مجلس العلم عذراً لترك صلاة الجماعة في المسجد، فهو يجمع بين صلاة الجماعة في المكان الذي هو فيه وبين مجلس العلم.
من -يومئذ- الذي كان يجري في نفسي من تساؤل، راح وطاح، وأصبحت أُصَلّي هناك في مقر الدرس مع جماعة المسلمين، وفي كثير من الأحيان تكون تلك الجماعة أكثر بكثير من جماعة المسجد القريب منا.
الشاهد: «فهماً يؤتيه الله عبداً في كتابه»، هذا الإمام يقابل المصالح والمفاسد، وهذه مسألة لا يستطيعها كل الناس، هذه أمور مثل المسائل الطِبِّية الدقيقة، الأطباء كلهم لا يشتركون في معرفتها، وإنما هم النوابغ المتخصصين في ذاك العلم، هم بالكاد أن يدركوها، ولذلك فنحن ننصح إخواننا جميعاً، أنه لا يتصوروا كما أقول أنا في كثير من المناسبات، لا يتصوروا أن كل مسألة عليها نص مُفَصّل عليها تفصيل، وعلى كيف كل واحد يخطر في باله هذه المسألة فيها نص، لا ليس فيها نص، إذاً: من أين أتيتم بها؟ وين بنروح من: «إلا فهماً يؤتيه الله عبداً في كتابه» هذا ليس حديث، هذا كلام عليّ، وهنا وين بنروح من: قوله ﵇: «من يُرِد الله به خيراً، يفقهه في الدين».
(الهدى والنور / ١٦٢/ ١٨: ٣٧: ٠٠)
(الهدى والنور / ١٦٢/ ٣٤: ٤٠: ٠٠)