← Фикх общий

Фикх общий · id 145204

جامع تراث العلامة الألباني في الفقه

ناصر الدين الألباني

Полный текст (8 195 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

وبين ما تسمعون الأذان، في فرق. أقول مُكرِّراً: بالنسبة لما ستسمعون مني، فلا فرق، «لكن أنا من منهجي في العلم والفقه أنني لا أَهْدِر أقوال العلماء، ما استطعت إلى ذلك سبيلاً». لقد روي عن بعض السلف، أنه سُئل عن الصلاة بدون أذان، فقال: أذان حَيّ يكفينا، فلو أردت أن أتَرَخّص لكم -بناءً على ما سمعت منك في أول كلامك- كنت أقول: أذان الحيّ يكفيكم، لكن بعدين تبين حتى أذان الحي ما في، ولذلك اختلفت المسألة. أما أنا فأقول: لو كنتم تسمعون الأذان، ولأمرٍ ما صليتم في بيتكم، فلا بد لكم من أذانٍ خاصٍّ بصلاتكم. وقول القائل: «أذان الحي يكفينا»، ليس حديثاً مرفوعاً إلى النبي ﷺ . وثانياً: عندنا حديث عن الرسول ﵇ يأمر كل مصلٍ أن يؤذن وأن يقيم، حتى لو صلى منفرداً، فما بالكم إذا صلوا جماعةً. ذلك الحديث: في بعض طرق الحديث المشهور عند العلماء بحديث «المسيء صلاته». وأظنكم جميعاً تعرفون حديث: «المسيء صلاته» هذا الذي رواه البخاري ومسلم، من حديث أبي هريرة، أن رجلاً دخل المسجد ورسول الله ﷺ منتحٍ في ناحية منه، فصلى، ثم جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: «السلام عليك يا رسول الله»، قال: «وعليك السلام، ارجع فصلِّ فإنك لم تُصلِّ»، فرجع، وبلاش طول الكلام الآن، والوقت ضيق ثلاث مرات، يصلي ويرجع عند الرسول: السلام عليك يا رسول الله، «وعليك السلام، ارجع فصل فإنك لم تصل». عرف الرجل في المرة الثالثة أنه لا يُحسن الصلاة، فاعترف قائلاً: والله يا رسول الله لا أحسن غيرها، فعلِّمني، فقال ﵊: «إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله، ثم استقبل القبلة، ثم كبر ثم اقرأ ما تيسر من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تطمئن قائماً»، إلى آخره، قال: «فإذا أنت فعلت

стр. 2067

ذلك فقد تمَّت صلاتك، وإن أنت أنقصت من ذلك فقد أنقصت من صلاتك»، هذا الحديث في الصحيح. لكن جاء من طريق صحابي آخر، وطريق أخرى في سنن أبي داود، قال له: «إذا قمت إلى الصلاة فاستقبل القبلة، وأذن وأقم ثم كبر»، أذن وأقم ثم كبر، إلى آخره، فإذاً: أمر المسيء صلاته بالأذان والإقامة، وهو يصلي وحده في المسجد. فدلنا هذا الحديث: على أن الأذان والإقامة، لا ينبغي أن يخل به أي مصل، حتى النساء، وبخاصة في صلاة النساء جماعة. وقد جاء في حديث صحيح فضيلة عظيمة جداً لمن يكون في فلاة من الأرض فحضرته الصلاة فأذن وأقام قال ﵇: «إلا صلى خلفه من خلق الله ما لا يرى طَرَفاه». لماذا؟ لأنه أعلن الصلاة: الله أكبر، ثم أتبعها بالإعلان الثاني هالّلي هو دونه، وهو الإقامة، ثم صلى ولو لوحده في هالبرية في هالصحراء، إلا صلى خلفه من خلق الله ما لا يرى طَرَفاه. فحريٌّ إذاً بكل مسلم أن يكون حريصاً على الأذان والإقامة بين يدي الصلاة، ولو كان منفرداً، فما بالكم لو كان يصلي جماعةً، فذلك أولى وأولى. (الهدى والنور / ٥٣٣/ ٣٧: ١٨: ٠٠) إذا كان بعض الناس في مجلس علم فهل يرخَّص لهم في ترك جماعة المسجد فيصلوا جماعة في مكانهم ؟ مداخلة: طيب الجماعة خارج المسجد، مثلنا هنا -مثلاً- وصلينا جماعة، هل لها أجر الصلاة في المسجد كجماعة؟

стр. 2068

الشيخ: هذا يختلف باختلاف جَوّ الجماعة، إذا كان جواً علمياً فلهم رخصة في أن يتأخروا .. إذا كان الجو عِلْمِيّ، فلهم رخصة في أن يُصَلّوا في المجلس وأن لا يذهبوا إلى المسجد، أما إذا كان الجو عادي، فلا يجوز لهم أن يتأخروا عن صلاة الجماعة، ويُصَلِّوا في المكان الذي هم مجتمعون فيه. كلامي السابق: إذا دار الأمر بين إضاعة الفريضة، وبين إضاعة المستحب، ماذا نفعل؟ نُضيِّع المستحب ونحافظ على الفريضة. لو فرضنا: ناس في مسجد في حارة، اتفقوا جميعاً على أنهم يُؤَخِّروا صلاة العشاء إلى آخر وقتها، فيكونوا جمعوا بين الفضيلتين، بين فضيلة صلاة الجماعة، وبين فضيلة تأخير صلاة العشاء إلى آخر الوقت، خلافاً لبقية الصلوات. هذا ما عندي من الجواب. مداخلة: أسأل عن أجر الجماعة في المسجد، هل له أجر أفضل في المسجد أكثر من البيت؟ الشيخ: سامحك الله، هذا السؤال غير وارد، أنا أقول لك: إذا دار الأمر بين فضل صلاة العشاء في آخر الوقت، وبين الصلاة في المسجد، قلنا لك: الصلاة في المسجد فريضة، يعني: هل تظن أنه ليس عليها أجر؟ مداخلة: أنا الذي أقصده بسؤالي، أنه نحن الآن صلينا جماعة مع بعض هنا، هل أجر الجماعة الذي أعرفه أنا في روايتين قرأتها: خمس وعشرين درجة، والرواية الأخرى بتقول: سبع وعشرين درجة. في الحالة هذه يستنتج الواحد منا بالبدهيات، أنه سبع وعشرين درجة على الصلاة التي تصليها منفرداً لنفسك. أقصد الآن: طالما أننا خارج المسجد وأقمنا الصلاة الآن هنا، هل الأجر في المسجد كونه المكان المخصص للصلاة، أفضل من المكان الذي نحن فيه؟

стр. 2069

الشيخ: بصورة عامة هو هذا يا أخي، لكن نحن أعطيناك صورتين: قلنا لك: إذا كان المجلس مجلس علميّ، فلهم أن يَدَعوا الفريضة هناك، ويُصَلّوا هنا. وهذا معناه: أن هؤلاء إذا لم يذهبوا إلى المسجد، أولاً: ما تركوا فرضاً؛ لأنهم في مجلس علم، وإذا ما تركوا فرضاً، وصلوا هنا جماعة، فقد حَصّلوا الأجر، لكن إذا كان المجلس ليس مجلس علم، فقد ضَيَّعوا فرضاً، وصلوا هنا جماعة، ولا يكونوا قد أدركوا فضيلة تلك الجماعة؛ لأنه لا عذر لهم. مداخلة: ما الدليل على تقديم مجلس العلم على الصلاة؟ الشيخ: ليس هناك دليل كما يتبادر للذهن، وإنما هو الاجتهاد القائم على فهم يؤتيه الله عبداً في كتابه. هناك في «صحيح البخاري» أن الصحابي أبا جحيفة السّوائي قال يوماً لعلي بن أبي طالب: «هل خَصّكم آل البيت رسولُ الله ﷺ بشيء دون الناس»؟ قال: «لا، اللهم إلا فهماً يؤتيه الله عبداً في كتابه، أو ما في قيراب سيفي هذا» وأخرج من جفن السيف، من بينه، ورقة من الأوراق القديمة مكتوب فيها حديث يتعلق بالقصاص والجراحات ونحو ذلك. الشاهد قوله: «اللهم إلا فهماً يؤتيه الله عبداً في كتابه». أنا أحكي عن نفسي، لما كنا نُدَرِّس على إخواننا في دمشق وفي حلب بلد أخينا محمد ناصر الترمانيني، وكنا ننزل في بيته -جزاه الله- خير، كان مركز الدعوة هناك يومئذ ولا يزال، لكن ضغط البعثيين معروف. المهم كنا في أول الأمر مجرد ما نسمع الأذان نخرج من المجلس، ونصلي في أقرب مسجد. لكن كان في النفس شيء، يعني: أنا أشعر أننا معذورين، نحن الآن في دراسة كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فهذا قد يعتبر عذراً في ترك الصلاة في المسجد،

стр. 2070

كنت أقول في نفسي هكذا، ولكن ليس عندي شيء يقنعني بهذا، فكنت أمشي مع الأصل وهو إجابة المؤذن، إلى أن قرأت في كتاب «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم رواية أن الإمام أحمد كان في مجلس علم، فيه كبار علماء الحديث، مثل يحيى بن معين، ومثل علي بن المديني، فأُذِّن لصلاة الظهر، فقال أحدهم: -منبهاً مذكراً- بأنه قد أُذِّن لصلاة الظهر، كأنه يقول: حيَّ على الصلاة. فقال الإمام أحمد: نحن الآن -لا أدري إذا كان قال لفظة صلاة باللفظ، أو بما يؤدي هذا المعنى- واعتبر مجلس العلم عذراً لترك صلاة الجماعة في المسجد، فهو يجمع بين صلاة الجماعة في المكان الذي هو فيه وبين مجلس العلم. من -يومئذ- الذي كان يجري في نفسي من تساؤل، راح وطاح، وأصبحت أُصَلّي هناك في مقر الدرس مع جماعة المسلمين، وفي كثير من الأحيان تكون تلك الجماعة أكثر بكثير من جماعة المسجد القريب منا. الشاهد: «فهماً يؤتيه الله عبداً في كتابه»، هذا الإمام يقابل المصالح والمفاسد، وهذه مسألة لا يستطيعها كل الناس، هذه أمور مثل المسائل الطِبِّية الدقيقة، الأطباء كلهم لا يشتركون في معرفتها، وإنما هم النوابغ المتخصصين في ذاك العلم، هم بالكاد أن يدركوها، ولذلك فنحن ننصح إخواننا جميعاً، أنه لا يتصوروا كما أقول أنا في كثير من المناسبات، لا يتصوروا أن كل مسألة عليها نص مُفَصّل عليها تفصيل، وعلى كيف كل واحد يخطر في باله هذه المسألة فيها نص، لا ليس فيها نص، إذاً: من أين أتيتم بها؟ وين بنروح من: «إلا فهماً يؤتيه الله عبداً في كتابه» هذا ليس حديث، هذا كلام عليّ، وهنا وين بنروح من: قوله ﵇: «من يُرِد الله به خيراً، يفقهه في الدين». (الهدى والنور / ١٦٢/ ١٨: ٣٧: ٠٠) (الهدى والنور / ١٦٢/ ٣٤: ٤٠: ٠٠)

стр. 2071

قول بعض الأئمة عند الصلاة: صلوا صلاة مودع مداخلة: قول الأئمة عند الصلاة: «صلوا صلاة مُوَدِّع»؟ الشيخ: هذه يقولها بعض الأئمة هنا، لا، هذا ما يصح أن الرسول ﵇ أنه قاله بهذه المناسبة، لكن هو حديث صحيح. مداخلة: الحديث في «مسند أحمد». الشيخ: نعم، في مسند أحمد وغيره، لكن ما ورد إطلاقاً أنه كان يقول بعد إقامة الصلاة، أما إذا كنت تسأل عن صحة الحديث فالحديث الصحيح، وإذا كنتم تسأل هل يشرع قولُه من الإمام في هذا المكان فالجواب: لا. (الهدى والنور / ٢١٦/ ٣٤: ١٨: ٠٠) إذا كانت جماعة الدار تتميز عن جماعة المسجد بطول القراءة أو نحو ذلك فهل يقال أن جماعة الدار أفضل؟ وهل هناك فرق بين جماعة الفريضة وجماعة النافلة كالتراويح ؟ الشيخ: جماعة الدار، قلت: يجب المقابلة بين الجماعتين، لاشك أن جماعة الدار ستكون من حيث الكيف على الأقل، وربما الكم أيضاً أفضل من جماعة المسجد، واضح إلى هنا؟ مداخلة: نعم واضح. الشيخ: طيب، هذه الأفضلية نسبية، يعني -مثلاً- في المسجد يقرأ القارئ في المسجد، لو فرضنا في كل ركعة ثلاث آيات، في جماعة الدار أربع آيات -مثلاً- يعني، هذه النسبة من التفاضل، هل يصح أن يكون سبباً مُفَضِّلاً لجماعة الدار على

стр. 2072

جماعة المسجد. أضرب الآن -مثالاً- معاكسًا، البارحة سمعنا قراءة -ما شاء الله- في الإذاعة السعودية من المسجد النبوي -فيما أخبرني أحد أولادي- وقراءة نادراً ما أسمع من القراء المعروفين في الإذاعات -مثلها- تأثيراً في القلوب، الركعة الواحدة استمرت القراءة منها عشر دقائق، لاشك أن مثل هذه القراءة تتفضّل وتتميز -بدون أي شك أو تردد- هذه الجماعة، جماعة الدار التي فيها النسبة الممَّيزة من القراءة على جماعة المسجد، واضح المقصود من الكلام؟ إذاً: لابد من دراسة النسبة، نسبة المفاضلة بين هذه الجماعة وتلك، لماذا؟ لأنه يجب .. هذه الأمور دائما الأمور الاجتماعية مزالق أقدام في الحقيقة، لماذا؟ لأنه يريد الفقيه يجتهد في مورد النص، يعني يريد يُوقف العمل بالنص لأمر عارض، هذا يحتاج إلى نظر دقيق ودقيق جداً، حتى يُبَرّر له إيقاف النص لهذا الأمر العارض، نحن عندنا شيئان في موضوع المحافظة على جماعة الفريضة وعلى جماعة النافلة نافلة القيام. المحافظة على جماعة الفريضة أمر لا يحتاج إلى مناقشة، لأنه قد استقر في الأذهان أذهان المسلمين المثقفين الثقافة الشرعية الصحيحة من قديم الزمان أنها واجبة، فإذاً: لا يجوز ترك واجب لأمر مستحب، ما هو الأمر المستحب، أنه مع القراءة وإلى آخره. لذلك قلنا ابتداءً يُشْتَرط المحافظة على أداء جماعة الفريضة في المسجد، تأتينا جماعة النافلة، يوجد عندنا هنا شيئان: الشيء الأول: ما جرى عليه عمل المسلمين قديماً، ألا وهو حرصهم على أداء هذه النافلة، نافلة القيام مع جماعة المسلمين في بيوت الله ، علماً كما نعلم أيضاً جميعاً أن الأصل في النوافل أن تُصَلَّى في البيوت، فخرجت هذه النافلة عن هذه القاعدة، مما يُلفت النظر أن لها خصوصية، هذه الخصوصية هي التي حملت المسلمين على حرصهم أن يُصَلّوها جماعة في المساجد، هذا من الناحية العملية، ثم يؤكد ذلك قوله ﵊ كما في حديث أبي داود في «السنن» بسند صحيح بمعنى، وهو قوله ﵊: «من صلى صلاة العشاء في رمضان مع الإمام، ثم قام مع الإمام حتى ينصرف

стр. 2073

الإمام، كُتِبَ له قيام ليلة». الآن حينما نريد أن نخرج بالجماعة الثانية هنا، أعني بالجماعة الثانية جماعة القيام، على الجماعة الأولى جماعة الفرض، الجماعة الثانية هي جماعة القيام، حينما نريد أن نخرج بالجماعة الثانية من المسجد إلى دار من الدور لمميزات سبقت الإشارة إلى بعضها -آنفاً- هنا بلا شك وقفنا وجهاً لوجه أمام قوله ﵊: «ثم قام مع الإمام حتى ينصرف الإمام»، كيف الخلاص من مخالفة هذا النص فيما إذا أدينا الجماعة الثانية هذه في الدور وليس مع الإمام. (الهدى والنور / ٢٢٣/ ٢٨: ٣٨: ٠٠) هل يُعفى الزبال عن حضور الجماعة لأن رائحة ملابسه تؤذي الملائكة السؤال: نعم. طيب، هل يُعفى الزبال عن حضور الجماعة لأن رائحة ملابسه تؤذي الملائكة؟ الجواب: هذه المسألة في ظني وفي فقهي ولأول مرة أسمع مثل هذا السؤال، لا يجوز القول بأنه يعفى مطلقاً أو لا يعفى مطلقاً، لأن مثل هذا السؤال في الواقع يصدر في زمن كل المرافق وكل الأعمال التي لابد منها للمجتمع ليكون نظيفاً ويكون محفوظاً من الأمراض والأجواء ونحو ذلك، لا يرعى فيها الأحكام الشرعية. هذا كما قيل: هل ياتُرَى يعفى سائق السيارة؛ الباص -مثلاً- تبع الدولة والقطار ونحو ذلك، من فرضية حضور صلاة الجماعة، لا نقول -أيضاً- يُعفي أو لا يعفي، وإنما يجب أن تدرس الوضع، هناك أمور بإمكان الفرد أن يعالج النقص الذي قد يمكن أن يحصل منه بسب عمله كما هو السؤال الموجَّه حول الزَّبَّال، فهذا يمكن أن يقال له بأن عليك: أن تخلع ثيابك وتلبس ثياباً نظيفة حينما تريد أن تحضر الصلاة، وإذا كان عليك حرج من هذا التجديد للثياب فيمكن أن يُسْمَح لك

стр. 2074

بالجمع بين الصلاتين. أما إذا لم يكن أيّ حرج فعليه أن يلبس الثياب النظيفة في كل صلاة، هذا بالنسبة للفرد، أما بالنسبة للذي يسوق القطار -مثلاً- وليس هناك نظام إسلامي عام، بحيث أنه يوقف القطار حيث كان الأذان أو الباص في منتصف الطريق أو نحو ذلك، فإذا كان لا يوجد مثل هذا النظام فحينذاك نقول له شيئين: الشيء الأول: وقتي، والشيء الآخر: أبدي، الوقتي هو ما دمت تسأل هذا السؤال وأنت موظف فيمكنك أن تتابع مسيرتك وأنت تنوي الجمع بين الصلاتين فيما إذا لم تتمكن من أداء الصلاة في وقتها مع الجماعة أو لوحدك، هذا الجواب الوقتي، أما الجواب الأبدي فهو أن يفتش عن عمل يتمكن فيه من القيام بواجباته الشرعية. (الهدى والنور /٢٠٩/ ٥٧: ١٠: ٠٠) هل يرخص للعامل في ترك الجماعة بحجة الخوف من فصله من العمل مداخلة: واحد يشتغل في مطعم، بالنسبة لصلاة الجماعة: كما قال سيدنا عبد الله بن مسعود: «لقد رأيتمونا، وما تخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق» هل نحن تحكمنا -مثلاً- أعمال -مثل- المطاعم، هل نستطيع أن نغلق كل يوم خمس مرات ونذهب إلى الصلاة؟ أنا أشتغل في مطعم وهذا المطعم ليس لي، يعني: أنا أشتغل فيه، هل أستطيع أن أذهب إلى الصلاة في الجماعة في كل وقت، وهذا يؤدي إلى فصلي من العمل. الشيخ: سؤالك خطأ، أنت تقول: هل تستطيع كما لو قال ... شخص غيرك، هذا شيخ كبير يعني: مثلي أنا، هل أستطيع أن أصلي قائماً، أقول له: ما يدريني، أنت أدرى بنفسك، فأنت تقول: هل تستطيع أن تصلي كل وقت في المسجد ... مداخلة: صاحب العمل لا يسمح ..

стр. 2075

الشيخ: صاحب العمل لا يسمح، لكن أنت تستطيع أو لا تستطيع؟ مداخلة: أنا أستطيع، ولكن ... الشيخ: إذاً: لِمَ تقول: هل أستطيع؟ هذا خطأ في السؤال .. أنا أعرف أنت ماذا تقصد، لكن أنا قبل أن أجيبك عن سؤالك، أريد أن أُذكِّرك أنه ينبغي عليك وعلى غيرك أن يحسن السؤال، ليس سؤال: هل تستطيع أن تصلي؟ لأنه الجواب -طبعاً- أنت شاب -ما شاء الله- في عز شبابك، وقوة فتوتك ووإلى ... آخره، فلماذا لا تستطيع؟ أنت تستطيع لكن السؤال: أنت إذا ذهبت إلى الصلاة في كل وقت من الأوقات الخمسة، معلمك يفصلك من عملك؟ مداخلة: نعم. الشيخ: فماذا أفعل؟ أقول: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» فلا يجوز لك أن تتخلف عن صلاة الجماعة، وقد عرفت ما فيها من الوعيد من هذه الخطبة وغيرها، لا يجوز لك أن تتخلف عن صلاة الجماعة بِحُجَّة أن معلمك يفصلك عن عملك، ورزقك على الله وليس على معلمك، هذا من جهة، ومن جهة أخرى: قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣]. أتمنى أنك إذا أطعت ربك وصليت الصلوات الخمس في المسجد، ولو ذاك المعلم فصلك من عمله، هل تظن أن ربك سيعاقبك على طاعتك إياه، أم إنه يرزقك من حيث لا تحتسب؟ لا شك أن الأمر كذلك، وما أظنك من أولئك المَادِّيين المتهافتين على الدنيا، والذين يؤثرون الدنيا على الآخرة، تظن .. لا يا أخي! واحد لازم يتخذ الأسباب، ورَبُّنا بعد ذلك يرزق العباد، نقول: نعم، لكن: «ما عند الله لا يُنَال بالحرام»، فحرام عليك وعلى غيرك إطاعة العبد في معصية الرب، وضح لك؟ مداخلة: وضح.

стр. 2076

الشيخ: طيب. (الهدى والنور / ١٧٤/ ٠٥: ٣٢: ٠٠) هل يجوز للصائم التأخر عن الجماعة ؟ مداخلة: الصائم تطوع هل يجوز له التأخر عن تكبيرة الإحرام؟ الشيخ: كيف ما فهمت متطوع؟ مداخلة: صائم. الشيخ: صائم، متطوع؟ مداخلة: نوافل يعني: اثنين وخميس، أو كذا، هل يجوز له التأخر عن تكبيرة الإحرام، بعذر الأكل ... ؟ الشيخ: وهل يجوز للمفترض، المفترض يجوز له ذلك؟ مداخلة: يعني: من باب أولى. الشيخ: يجوز للمفترض؟ مداخلة: صيام رمضان. الشيخ: هذه واحدة بواحدة، أنا ما فهمت منك متطوع، مش مهم يا أخي على كل حال ... يعني: الذي صام الفرض يجوز له هذا التأخر؟ مداخلة: لا. لا يجوز له. الشيخ: إذا كان لا يجوز لصائم الفرض، فذاك لا يجوز من باب أولى، لكن لماذا لا يجوز، والرسول يقول: «لا صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان». مداخلة: كيف يعني ...

стр. 2077

الشيخ: يعني: هو بِدّه يتأخر عن صلاة الجماعة بسبب انشغاله بالطعام. مداخلة: الهدي النبوي، هل كان هكذا، يعني: أن ينشغل بالطعام وكذا، أم يأكل ما يسد رمقه، ثم يصلي، ثم يرجع؟ الشيخ: لا. قضية الهدي هو كمال يعني بلا شك، هذا صحيح إنه بيجمع بين لقيمات من التمر، ويروح يصلي ثم يعود، ويتم عشاءه، لكن إذا كان يعني: لا يكتفي بذلك، فله أن يستمر في طعامه. مداخلة: في الحديث نفسه، أحد رواة الحديث في سنن أبي داود، أستاذي يقول لراوٍ آخر، قال: وهل تظن طعامهم كطعام أبيك؟ الشيخ: لا. ليس كذلك. مداخلة: ومن باب أولى، طعامنا اليوم يا أستاذي. الشيخ: صحيح، لكن هذا ماذا يطلع منه، يطلع منه شيئين. الشيء الأول: -وهو المهم- وهو الحث على الاقتداء بالسلف الصالح. والشيء الثاني: أن ذاك الحكم لا يجري على من كان هَمُّه في طعام أو في شراب، لأن العلة الشرعية التي جاء ذكرها في الحديث السابق: «لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان» يعني: كما يقول بعض الفقهاء فتوى وتقوى، التقوى هو كما ذكرنا عن هدي الرسول ﵇، لكن الفتوى إذا كان واحد باله مشغول في الطعام يأكل. (الهدى والنور /١٣٦/ ٠٠: ٤٠: ٠٠) ما الحكم إذا تعارض وقت صلاة الجماعة مع وقت الامتحان مداخلة: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن والاه، أما بعد: يسأل السائل فيقول: إذا تعارض وقت صلاة الجماعة مع وقت الامتحان

стр. 2078

أو منتصفه، فما الجواب جزاكم الله خيرًا؟ الشيخ: الجواب: أن أصل المنهج ليس على الشرع، وما بني على فاسد فهو فاسد، هذا الذي دخل مثل هذه المدرسة التي وضعت المناهج لم يراع فيها أحكام الشريعة، فبدهي جدًا أن تكون العاقبة أيضًا بالتالي مخالفة للشريعة، ولذلك فهناك حكمة أو مثل عامي شامي يقول: الذي يريد ألا يرى منامات مكربة فلا ينام بين القبور، فالذي يريد أن يتمسك بالشريعة لا ينتمي إلى تعليم أو منهج يخالف الشريعة، وحينئذ إن فعل وانتمى فلا يرد مثل هذا السؤال ... ولذلك فعلى المرء أن يبتدئ الطلب للعلم على المنهج العلمي الصحيح؛ لأنه ما بني على صالح فهو صالح، وما بني على فاسد فهو فاسد. (أسئلة وفتاوى الإمارات - ١/ ٠٠: ٠٥: ٠٣) مشروعية الإعادة مع الجماعة بنية النافلة ولو بعد الصبح أو العصر عن يزيد بن الأسود، أنه صلى مع رسول الله ﷺ وهو غلام شاب، فلما صلى؛ إذا رجلان لم يصليا في ناحية المسجد، فدعا بهما، فجيء بهما تُرْعَدُ فرائصُهما. فقال: «ما منعكما أن تصليا معنا؟ ! ». قالا: قد صلينا في رحالنا. فقال: «لا تفعلوا، إذا صلى أحدكم في رحله، ثم أدرك الامام ولم يصلِّ؛ فليصل معه؛ فإنه له نافلة». [قال الإمام]: «قلت: إسناده صحيح». «وفي رواية عنه قال: صليت مع النبي ﷺ الصبح بمنى ... بمعناه». «قلت: إسنادها صحيح أيضا». والحديث سبق تخريجه والكلام عليه قبل؛ وإنما ساقه المصنف من طريق أخرى عن شعبة بهذه الزيادة التي فيه؛ وهي أن الصلاة هي صلاة الصبح، وفي منى؛ وهي ثابتة عند الحاكم وغيره. وفيها دلالة على أن الإعادة مع الجماعة مشروعة؛ ولو بعد الصبح وكذا العصر؛ وهو الحق وإليه ذهب الشافعية وغيرهم. صحيح سنن أبي داود (٣/ ١٢٢)

стр. 2079

اعتياد صلاة النوافل في جماعة بدعة [قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]: ثم قال السيد سابق في تعليقه على قوله السابق: «هذا في الفرض وأما الجماعة في النفل فهي مباحة سواء قل الجمع أو كثر ... ». قلت: لكن عامة تنفله ﷺ إنما كان يصليها منفردا ولذلك أرى أنه لا بد من تقييد الإباحة المذكورة ببعض الأحيان وإلا فاعتياد الاجتماع في النفل بدعة مخالفة لهديه ﷺ الغالب كما حققه شيخ الإسلام في «الفتاوى» ٢/ ٢ - ٣. [تمام المنة ص (٢٧٧)] صلاة الجماعة للمتنفلين السائل: في كذلك رجل يصلي سُنة راتبة، وجاء رجل آخر، وغلب ظنه أنه يصلي سنة راتبة، وراح يُتَمِّم خلفه بنيّة أنه يصليها معه جماعة، فهل يصح له ذلك؟ وأين يصلي هذا المصلي؟ الشيخ: أين يصلي؟ السائل: يصلي في المسجد هذا. الشيخ: ما بيصير. السائل: ولو كان خارج المسجد؟ الشيخ: بيصير. السائل: بيصير، يعني: أنه سنة وراء سنة، بيجوز جماعة؟ الشيخ: نعم بدون تداعي. (الهدى والنور / ٥٦٤/ ٢٥: ٣٠: ٠٠)

стр. 2080

حكم صلاة النافلة في جماعة السائل: شيخنا بالنسبة لصلاة النافلة في جماعة في بعض الأحاديث، ذكرت هذه المسألة لأحد الإخوان فرد علي قال: بوب البخاري باب صلاة النافلة في جماعة ثم ذكر الحديث الذي فيه صلاة الليل؟ الشيخ: نعم, وصلاة النهار. السائل: لا, أنا أستفسر الآن يا شيخ. الشيخ: تستفسر, الجواب ينبغي أن يكون علميا, نقول لا يشرع صلاة الجماعة في النافلة مطلقا سواء كان ذلك في الليل أو النهار إذا كان على سبيل التداعي كما صورت لكم آنفا, دخلوا المسجد لصلاة سنة, بعضهم يصلي جماعة, هذا هو التداعي, لكن كما ذكرتَ من حديث ابن عباس وحديث حذيفة بن اليمان وحديث ابن مسعود هذه أحاديث فيها أن بعض الصحابة صلوا قيام الليل وراء النبي ﷺ , ابن عباس معروف حديثه أنه روى أن النبي ﷺ صلى في تلك الليلة إحدى عشرة ركعة, وربما يكون هناك رواية أخرى ثلاث عشرة ركعة, وحديث حذيفة بن اليمان في صحيح مسلم فيه أن النبي ﷺ افتتح الصلاة في الليل بسورة البقرة, فاقتدى به حذيفة لكنه ﵇ أطال القراءة حتى قارب المائة آية فاستطال حذيفة القراءة ولكنه علل نفسه بأنه إذا وصل الرسول ﵇ على رأس المائة يركع قال: فمضى, ومضى حتى قرأ البقرة كلها, ثم أخذ في قراءة سور النساء حتى ختمها, ثم رجع إلى سورة آل عمران حتى ختمها, ثم قرأ سورة المائدة في ركعة واحدة, وترى الرجل حذيفة لما علل نفسه في أول الأمر أنه ﵇ إذا وصل إلى رأس المائة سيركع فمضى ربما قال مائة ثانية فمضى, استسلم للواقع ولم يعد يعلل نفسه بأن الرسول سيخفف القراءة, حتى صلى بهذه السور الطوال في ركعة واحدة, ثم ركع ﵇ فكان ركوعه قريبا من قيامه, ثم رفع رأسه من الركوع فكان قيامه قريبا من ركوعه ثم سجد فكان سجوده قريبا من قيامه الثاني, ثم جلس بين السجدتين فكان جلوسه قريبا من سجوده, هكذا حتى صلى ركعة, هذا قيام ليل وصلى حذيفة

стр. 2081

خلفه لكن هذا لم يكن كصلاة التراويح, كذلك قصة عبد الله ابن مسعود ﵁ الذي قال: صليت ليلة وراء النبي ﷺ فقال: حتى هممت بأمر سوء, قالوا ماذا هممت؟ قال: هممت أن أدعه وأجلس, لطول القراءة, هذا بغير تداعي بصدفة يعني، ففرق بين مثلا إنسان قام يصلي في الليل فقام آخر يقتدي وراءه عن أن يتعاهدوا ويقول: نحن الآن صلينا العشاء وإن شاء الله نقوم بعد النصف الأخير من الليل ونصلي جماعة هذا خلاف السنة. (فتاوى جدة-موقع أهل الحديث والأثر- شريط ٤)

стр. 2082

كتاب حكم الجماعة الثانية

стр. 2083

حكم الجماعة الثانية في المسجد السؤال: شيخنا: في مسألة تَكْرَار الجماعة الثانية في المسجد، يسأل أحد الإخوة عن أثر أنس الذي رواه البخاري في صحيحه، ما هو الرد عليه؟ الجواب: طبعاً، أنت تريد ما هو الجواب؟ السائل: نعم. الشيخ: أما نحن لا نَرد عليه، أولاً: أُريد أن أُلْفِتَ النظر، أنّ هذا الأثر في صحيح البخاري معلق وليس بمسند، لكنه أُسْنِدَ في خارج الصحيح بالسَّند الصحيح، فهو ثابت عن أنس. لكن ليس له علاقة بالموضوع الذي تبنيناه، اتباعاً لما كان عليه السلف من الناحية العملية، ثم اتباعاً لأكثر الأئمة الأربعة، الذين نَصُّوا على أنه لا تُشرع تكرار الجماعة في المسجد الواحد. لكننا نقول تبعاً لهم -أيضاً-: هذا المسجد الذي لا تُشْرَع فيه تكرار الجماعة، ليس كل مسجد، وإنما له مواصفات، المسجد الذي لا تشرع فيه تكرار الجماعة هو مسجد له إمام راتب، وله مؤذن راتب. هذا المسجد إذا دخل إليه جماعة ووجدوا الإمام قد صلى يصلون فرادى كما قال الإمام الشافعي في «كتاب الأم». إذا عرفنا هذين الشرطين اللذين فحواهما: أنه ليس كل مسجد تُكْره فيه صلاة الجماعة الثانية، وإنما مسجد بهذين الشرطين. ورجعنا إلى أثر أنس بن مالك، ليس في هذا الأثر أن هذا المسجد كان له إمام راتب، ومؤذن راتب، وحينئذٍ: فليس له علاقة بالموضوع إطلاقاً. لأننا لا نقول نحن بكراهة تكرار الجماعة في كل مسجد، وإنما في مسجد تَوفَّر

стр. 2084

فيه الشرطان السابقان -ذكراً-: الإمام الراتب، والمؤذن الراتب، هذا من ناحية. من ناحية أخرى: ممكن للإنسان أن يقيم جماعة في مسجد له إمام راتب، وله مؤذن راتب، لكن يكون له عذر، أنا أعرف من نفسي حينما كنت سائراً من دمشق إلى حلب، كانت تدركنا الصلاة في الطريق، فندخل مسجداً، نراقب المسجد، فيه أحد؟ لأن الناس صلوا وانتهوا، -والمسجد في قرية- بطبيعة الحال-، فإن وجدنا ناساً هناك صلينا فرادى، وإن لم نجد صَلّينا في زاوية من المسجد، لأن المحذور الذي يُخشى أن يقع من القول بتكرار الجماعة، هو أن يتحقق هذا الواقع المؤلم، الموجود اليوم في كثير من المساجد هنا وهناك. مسجد بني أمية في دمشق، من أكبر المساجد في العالم الإسلامي كُلِّه، كنا ندخل بعد صلاة العصر قريباً من المغرب، ونجد أناساً جماعةً يُصَلّون صلاة عصر، -الله أعلم كم جماعة أُقِيمت ما بين العصر وما بين المغرب-، في هذا تفريق لجماعة المسلمين. فالحِكْمَة من عدم شرعية الجماعة الثانية في المسجد الذي له إمام راتب ومؤذن راتب، هو المحافظة على تكثير الجماعة الأولى، فإذا ما تساهل المسلمون -كما هو واقع اليوم، عَدَّدوا الجماعات-، قَلَّت الجماعة الأولى، ولذلك تجد المساجد لا تمتلئ بالمصلين في الجماعات بخلاف يوم الجمعة لأن كثيراً من المسلمين يصلون الجمعة فقط، لكن من أسباب كثرة الجماعة يوم الجمعة، وقِلَّتِها في الصلوات الخمس، هو أنهم يُصَلّون جماعات متعددة بعد الجماعة الأولى، فمن باب سد الذريعة، وسد تقليل الجماعة الأولى، مُنِعَ عقدُ جماعةٍ ثانية بعد الإمام الأول. ففي مثل الصورة التي صَوَّرتُها آنفاً: إذا كنا مسافرين -مثلاً- ودخلنا مسجداً، نعلم أن له إماماً راتباً، ومؤذناً راتباً، لكن ما أحد يوجد في المسجد، فراح نصلي وننصرف، ولا نُبْقِي هناك أثراً لمثل هذه الجماعة الثانية، فممكن أن يكون وضع أنس في تلك الصلاة التي صلاها، لاحظ ما نلاحظه نحن، ويمكن أن يكون غير ذلك.

стр. 2085

لكن الذي يمكن أن يقال -على أقلّ احتمال- أن هذا الأثر لا يوجد فيه وصف لذاك المسجد، وأنه كان له إمام راتب، ومؤذن راتب، ولذلك: فلا يُنْقَض بهذا الأثر، ما ثبت من تعامل المسلمين في القرون الأولى، في محافظتهم على الجماعة الأولى. ثم نُذَكِّر بما يناقض هذا الأثر- لو فرضنا أن فيه دليلاً لشرعية الجماعة الثانية- يعارضه مع الفَرَضية المذكورة، أثر عبد الله بن مسعود ﵁ أنه خرج مع صاحبين له إلى المسجد لصلاة الظهر فيما أذكر، وإذا بالناس يخرجون من المسجد، يعني: فاتت صلاة الجماعة، فما دخل بهم المسجد، وإنما رجع فصلى في الدار، وهو يعلم يقيناً قولَ الرسول ﵇: «أفضل صلاة المرء في بيته، إلا المكتوبة»، فما الذي منعه أن يدخل المسجد ويصلي في المسجد جماعة؟ يعلم أنه لا تشرع الجماعة الثانية في مسجد صلى فيه الإمام، ولذلك آثر أن يصلي جماعةً في الدار، على أن يصلي جماعةً في المسجد، لأنه هكذا جرت سنة الرسول ﵇ والصحابة، كما قال الحسن البصري: «كان أصحاب النبي ﷺ إذا دخلوا المسجد، ووجدوا الإمام قد صلى صلوا فرادى»، وهذا الأثر رواه ابن أبي شيبة بسند قويّ عن الحسن البصري، وتَبنّاه الإمام الشافعي، فذكره بأنه قضية مُسَلَّمة، فقال: من الأدلة التي يُؤَيد بها قوله: «إذا دخل جماعةٌ المسجد فوجدوا الإمام قد صلى، صَلّوا فرادى»، ثم ذكر السبب قال: «لأنه لم يكن من عمل السلف»، قال: «وأَنَّا قد حفظنا: أن جماعةً من أصحاب النبي ﷺ فاتتهم الصلاة مع الجماعة، فصَلّوا فرادى، وقد كانوا قادرين على أن يُجَمِّعُوا في المسجد مرةً أخرى، ولكنهم لم يفعلوا؛ لأنهم كرهوا أن يُجَمِّعُوا في مسجدٍ مرتين، هذا كلام الإمام الشافعي، وهو صريح المعنى، وصريح الاستدلال بالأثر الذي رواه ابن أبي شيبه في المصنف. (الهدى والنور/ ٨/ ٥٥: ٥٣: .. )

стр. 2086

حكم الجماعة الثانية [قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]: قوله: « ... روى الأثرم وسعيد بن منصور عن أنس أنه دخل مسجدا قد صلوا فيه فأمر رجلا فأذن بهم وأقام فصلى بهم جماعة». قلت: قد علقه البخاري ووصله البيهقي بسند صحيح عنه وقد يستدل به بعضهم على جواز تعدد صلاة الجماعة في المسجد الواحد ولا حجة فيه لأمرين: الأول: أنه موقوف. الثاني: أنه قد خالفه من الصحابة من هو أفقه منه وهو عبد الله بن مسعود ﵁ فروى عبد الرزاق في «المصنف» ٢/ ٤٠٩ / ٣٨٨٣ وعنه الطبراني في «المعجم الكبير» ٩٣٨٠ بسند حسن عن إبراهيم أن علقمة والأسود أقبلا مع ابن مسعود إلى المسجد فاستقبلهم الناس وقد صلوا فرجع بهما إلى البيت ... ثم صلى بهما. فلو كانت الجماعة الثانية في المسجد جائزة مطلقا لما جمع ابن مسعود في البيت مع أن الفريضة في المسجد أفضل كما هو معلوم. ثم وجدت ما يدل على أن هذا الأثر في حكم المرفوع فانه يشهد له ما روى الطبراني في «الأوسط» ٤٧٣٩ - بترقيمي عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه أن رسول الله ﷺ أقبل من نواحي المدينة يريد الصلاة فوجد الناس قد صلوا فمال إلى منزله فجمع أهله فصلى بهم. وقال: «لا يروى عن أبي بكرة إلا بهذا الإسناد». قلت: وهو حسن وقال الهيثمي ٢/ ٤٥: «رواه الطبراني في «الكبير» و «الأوسط» ورجاله ثقات». ولعل الجماعة التي أقامها أنس ﵁ كانت في مسجد ليس له إمام

стр. 2087

راتب ولا مؤذن راتب فإن إعادتها في مثل هذا المسجد لا تكره لما يأتي وبذلك يتفق الأثران ولا يختلفان. وأحسن ما وقفت عليه من كلام الأئمة في هذه المسألة هو كلام الإمام الشافعي ﵁ ولا بأس من نقله مع شيء من الاختصار ولو طال به التعليق نظرا لأهميته وغفلة أكثر الناس عنه قال ﵁ في «الأم» ١/ ١٣٦: «وإن كان لرجل مسجد يجمع فيه ففاتته الصلاة فإن أتى مسجد جماعة غيره كان أحب إلي إن لم يأته وصلى في مسجده منفردا فحسن، وإذا كان للمسجد إمام راتب ففاتت رجلا أو رجالا فيه الصلاة صلوا فرادى، ولا أحب أن يصلوا فيه جماعة، فإن فعلوا أجزأتهم الجماعة فيه، وإنما كرهت ذلك لهم لأنه ليس مما فعل السلف قبلنا بل قد عابه بعضهم، وأحسب كراهية من كره ذلك منهم إنما كان لتفرقة الكلمة وأن يرغب رجل عن الصلاة خلف إمام الجماعة فيتخلف هو ومن أراد عن المسجد في وقت الصلاة فإذا قضيت دخلوا فجمعوا فيكون بهذا اختلاف وتفرق الكلمة وفيهما المكروه، وإنما أكره هذا في كل مسجد له إمام ومؤذن، فأما مسجد بني على ظهر الطريق أو ناحية لا يؤذن فيه مؤذن راتب ولا يكون له إمام راتب ويصلي فيه المارة ويستظلون فلا أكره ذلك لأنه ليس فيه المعنى الذي وصفت من تفرق الكلمة وأن يرغب رجال عن إمامة رجل فيتخذون إماما غيره قال: وإنما منعني أن أقول: صلاة الرجل لا تجوز وحده وهو يقدر على جماعة بحال تفضيل النبي ﷺ صلاة الجماعة على صلاة المنفرد ولم يقل: لا تجزي المنفرد صلاته، وأنا قد حفظنا أن قد فاتت رجالا معه الصلاة فصلوا بعلمه منفردين وقد كانوا قادرين على أن يجمعوا، وأن قد فاتت الصلاة في الجماعة قوما فجاؤوا المسجد فصلى كل واحد منهم منفردا وقد كانوا قادرين على أن يجمعوا في المسجد فصلى كل واحد منهم منفردا وإنما كرهوا لئلا يجمعوا في مسجد مرتين». وما علقه الشافعي عن الصحابة قد جاء موصولا عن الحسن البصري قال:

стр. 2088

«كان أصحاب محمد ﷺ إذا دخلوا المسجد وقد صلي فيه صلوا فرادى». رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٢٣. وقال أبو حنيفة: «لا يجوز إعادة الجماعة في مسجد له إمام راتب». ونحوه في «المدونة» عن الإمام مالك. وبالجملة فالجمهور على كراهة إعادة الجماعة في المسجد بالشرط السابق وهو الحق ولا يعارض هذا الحديث المشهور: «ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه» فإن غاية ما فيه حض الرسول ﷺ أحد الذين كانوا صلوا معه ﷺ في الجماعة الأولى أن يصلي وراءه تطوعا فهي صلاة متنفل وراء مفترض وبحثنا إنما هو في صلاة مفترض وراء المفترض فاتتهم الجماعة الأولى ولا يجوز قياس هذه على تلك لأنه قياس مع الفارق من وجوه: الأول: أن الصورة الأولى المختلف فيها لم تنقل عنه ﷺ لا إذنا ولا تقريرا مع وجود المقتضى في عهده ﷺ كما أفادته رواية الحسن البصري. الثاني: أن هذه الصورة تؤدي إلى تفريق الجماعة الأولى المشروعة لأن الناس إذا علموا أنهم تفوتهم الجماعة يستعجلون فتكثر الجماعة وإذا علموا أنها لا تفوتهم يتأخرون فتقل الجماعة وتقليل الجماعة مكروه وليس شيء من هذا المحذور في الصورة التي أقرها. رسول الله ﷺ فثبت الفرق فلا يجوز الاستدلال بالحديث على خلاف المتقرر من هديه ﷺ . وبعد ... فإن هذا البحث يتطلب شرحا أوسع لا يتسع له هذا التعليق وفي النية أن أجمع في ذلك رسالة فعسى أن أوفق لتحريرها إن شاء الله تعالى. [تمام المنة ص (١٥٥)]

стр. 2089

حكم الجماعة الثانية إذا كان إمامها ممن أدرك الجماعة الأولى مداخلة: إذا جاء رجل إلى المسجد ووجد الصلاة قد انتهت، فهل يحق له، هل يجوز أن يأتم بمسبوق لحديث: «ألا رجل فيتصدق على هذا». الشيخ: على كل حال: الحديث الذي أشرت إليه، له علاقه بالجماعة الثانية، ويمكن التمثل منه على سؤالك، وهو الاقتداء بالمقتدي. حديث: «ألا رجل يتصدق على هذا، فيصلي معه» مناسبته أن النبي ﷺ صلى يوماً، بعد أن صلى، جاء رجل دخل المسجد يريد أن يصلي، فقال ﵊ لأصحابه الذين كانوا يُصَلّون معه: «ألا رجل يتصدق على هذا» وفي رواية: «يتجر على هذا، فيصلي معه، فقام رجل وصلى معه». يتوهم كثير من الناس، بأنه يفيده جواز الجماعة الثانية، التي تُفعل في كثير من المساجد اليوم، اثنين ثلاثة يدخلون المسجد، وقد صلى الإمام الراتب، فَيَتقدَّمهم أحدُهم ويصلي. ثم تأتي جماعة ثانية، -أيضاً- يتقدمهم واحد ويصلي، وهكذا تتعدد الجماعات في المسجد الواحد، حُجَّتُهم في ذلك هذا الحديث، [وليس] له علاقة إطلاقاً بهذه الجماعات، التي أشرنا إليها آنفاً، لماذا؟ لأن الجماعة التي عُقِدَت في مسجد الرسول ﵇ وبمرأى منه، بل بَحَضّ منه، ليس هي هذه الجماعات التي تقع اليوم، وأشرنا إليها آنفاً، هذه الجماعة التي انعقدت بالرجل الذي كان صلى مع الرسول ﵇، هذه الجماعة هي جماعة نفل، وليست جماعة فريضة؛ لأن الذي صلى مقتدياً بهذا الرجل الذي فاتته صلاة الجماعة هذا يتنفل خلف ذاك الرجل، فصلاته صلاة نافلة، وبالتالي تكون الجماعة جماعة نافلة، والذي يوضح هذا ويُؤَكِّده أنه لا يصح الاستدلال بهذا الحديث على هذه الجماعات التي تُفعل اليوم، أن الحديث صريح؛ لأن هناك رجل

стр. 2090

مُتَصدِّق، ورجل متصدَّق عليه، الجماعات التي تقام الآن، ليس فيها هذان الوصفان، متصدِّق ومتصدَّق عليه، ونحن نفهم من كلمة الرسول ﷺ «ألا رجل يتصدق على هذا، فيصلي معه؟ »، أن المُتَصَدِّق غني، وأن المُتَصَدَّق عليه فقير، فمن هو المُتَصدِّق ومن هو المُتَصَدَّق عليه؟ الذي كان قد صلى مع الرسول ﵇، واكتسب فضيلة الجماعة خمساً وعشرين، أو سبعاً وعشرين درجة، هو بلا شك الغني، وهذا الذي فاتته هذه الجماعة هو الفقير، فهذا الذي تَصَدّق عليه، قد صلى الفريضة مع الجماعة، هذا فاتته هذه الفريضة، فإذاً هو المتصدَق عليه. فالآن: لَمّا يدخلوا ثلاثة أربعة إلى المسجد، فاتتهم الجماعة جميعاً، فتقدمهم أحدهم، مَن المُتَصَدِّق عليهم؟ لا أحد، كلهم فقراء، لماذا؟ كلهم فاتتهم الجماعة، فاتهم سبع وعشرون درجة. فإذاً: جَرّ الحديث وتطبيقه على هذه الجماعات التي تقع اليوم، هذا في الواقع تحميل الحديث ما لا يتحمل، وأوضح شيء هو: أن يُلاحظ مُتَصَدِّق ومُتَصَدَّق عليه، هذا لا يوجد في هذه الجماعة؛ لأنهم كلهم مُفْترِضون، بينما هناك كان مفترِض وهو الإمام، ومتنفِّل وهو المُتَصَدِّق عليه. لهذا فاستدلال بهذا الحديث، هو كما يقول الشافعي وغيرُه: «أنه من كان قد صلى الفَرض مع الجماعة، ثم حضر جماعة أخرى، هل له أن يعيد تلك الصلاة مع الجماعة الأخرى»؟ الجماعة المشروعة، قالوا: نعم. وهذا هو الدليل. أو من صلى الفريضة، هل له أن يَؤُم جماعةً ما صلوا الفريضة، الجواب: نعم. لأن هذا وقع في عهد الرسول ﵇، حيث كان معاذ بن جبل -كما في صحيح البخاري- كان يصلي صلاة العشاء الآخرة وراء النبي ﷺ ، ثم يذهب إلى قبيلته، فيصلي بهم نفس الصلاة، أي يؤمهم في صلاة العشاء، كانوا يعرفونه أنه أفقههم وأعلمهم وأَقْوَاهم، فيعرفون من جهة بأنه يصلي خلف النبي ﷺ فينتظرونه حتى يعود إليهم، فيصلي بهم صلاة العشاء.

стр. 2091

قال راوي الحديث، وهو جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁: «هي له نافلة وهي لهم فريضة»، فمعاذ كان قد صَلّى فأعادها، فهذا يجوز. كذلك يجوز لمن صلى الفريضة فوجد جماعة أخرى، يصلي معهم تلك الصلاة نفسها، لكنها تكون له نافلة. وعلى هذه الصورة أدلة، منها: حديث الإمام مالك في «الموطأ» أن النبي ﷺ ، صلى في حجة الوداع في مسجد الخير المعروف اليوم في ذلك المكان، صلى صلاة الفجر، لما سلم وجد رجلين قد انتحيا ناحيةً، يدل وَضْعُهما على أنهما لم يشتركا في الصلاة مع الجماعة، فقال لهما ﵊: «أولستما مُسْلِمَين؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: فما يمنعكما أن تصليا معنا؟ قالا: يا رسول الله! إنا كنا صلّينا في رِحَالنا، قال: فإذا صلى أحدكم في رحله، ثم أتى مسجد الجماعة فليصلي معهم، فإنها تكون له نافلة». فهذا الصحابي الذي كان صلى مع الرسول، وقام استجابة لِحَضّ الرسول ﷺ : «ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه؟ » صلى معه نفس الصلاة نافلة. كذلك من الأدلة على هذه الصورة أو قريب منها: قوله ﵊ -كما في صحيح مسلم، من حديث أبي ذر الغفاري- قال: قال ﵊: «سيكون عليكم أمراء يُمِيتُون الصلاة، وفي رواية يُؤَخِّرون الصلاة عن وقتها، فإذا رأيتم ذلك، فَصَلّوا أنتم الصلاة في وقتها، ثم صلوها معهم فإنها تكون لكم نافلة». «ألا رجل يتصدق على هذا، فيصلي معه؟ » لا يدل -مطلقاً- على شرعية الجماعة الثانية والثالثة، لاختلاف صورتها عن الصورة التي أَقَرّها الرسول ﵊. إذا عُرِفَ هذا: أمكننا أن ننتقل إلى أصل السؤال، وهو: رجل دخل المسجد، وقد سلم الإمام، وقام أحدهم كان مسبوقاً بركعة أو بركعتين، فهل لهذا الداخل أن يقتدي بهذا المسبوق؟ الجواب: لا، والسبب أن الجماعة الثانية لا تُعرف في عهد الرسول ﵇،

стр. 2092

وهذا الحديث عرفنا الجواب عنه. (الهدى والنور / ٧٥/ ٢٤: ٣٧: .. ) رجل دخل المسجد والإمام في التشهد الأخير فهل يدخل معه في الصلاة أم ينتظر الجماعة الثانية ؟ مداخلة: ذهبت إلى المسجد، وجئت والإمام في التَشَهُّد الأخير، وأظن فيه جماعة .. أو آمل فيه جماعة ستقوم، هل أدخل في التشهد مع الإمام وهو في التشهد الأخير، أم أنتظر جماعة وأُصَلِّي جماعة؟ الشيخ: لا، حينما تأتي المسجد فَتَنْضَم إلى هذه الجماعة القائمة؛ لأنها هي الجماعة المشروعة، وما سوى ذلك من الجماعات، التي تتبع هذه الجماعة فهي ليست جماعة مشروعة، الجماعة المشروعة هي الجماعة الأولى، وقد قال ﵇: «إذا أتيتم الصلاة، فأتوها وعليكم السكينة والوقار، ولا تأتوها وأنتم تسعون، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا». فالمسلم مهما أدرك من صلاة الإمام، ولو قبل السلام، فيُكْتَب له صلاة جماعة، ولكن بنسب متفاوتة. الذي يدرك صلاة الجماعة مع تكبيرة الإحرام، ليس شأنه وفضله كالذي يدرك الصلاة قبل سلام الإمام، لكن على كل حال هو أدرك الجماعة ولكلٍ ما يستحقه من الأجر. أما أن تترك الانضمام إلى هذه الجماعة القائمة، انتظاراً لجماعة تالية، فأنت تنتظر جماعة غير سُنِّية؛ لأنه قد اتفق جماهير الأئمة -أعني الإمام- أبا حنيفة ومالكاً والشافعيَّ والإمام أحمد في رواية عنه -أنه- يكره تكرار الجماعة في المسجد الذي له إمام راتب ومؤذن راتب.

стр. 2093

وقد جاء في «مصنّف» ابن أبي شيبة، من طريق الحسن البصري قال: «كان أصحاب النبي ﷺ إذا فاتتهم الصلاة مع الجماعة صلوا فُرَادى». وأخذ هذا الأثر الإمامُ الشافعي، فأودعه في كتابه العظيم: «الأم»، وأتبعه بجملة من عنده، فهو يقول: «وقد كان أصحاب النبي ﷺ إذا فاتتهم الصلاة مع الجماعة، صلوا فرادى» كما قال الحسن. وزاد الإمام الشافعي من عنده تَفَقُّهاً: «وقد كانوا قادرين على أن يجمعوا مرة أخرى، ولكنهم لم يفعلوا؛ لأنهم كرهوا أن يجمعوا في مسجد مرتين. وهكذا جاء صراحة في «المدونة» المنسوبة للإمام مالك ﵀ أنه ليس هناك جماعة ثانية. وهذا بحث له [ذيل] طويل، وخلاف مديد في الفروع الفقهية، لكن حسبكم الآن هذا الأثر. مداخلة: طبعاً لكن هناك حديث: ألا من رجل يتصدق على هذا؟ الشيخ: هو صحيح لا شك فيه؛ لأنه جاء من رواية أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك لكن الحديث هذا في وادٍ ونحن في وادٍ آخر. نحن بحثُنا الآن في عقد جماعة ثانية هي كالجماعة الأولى، من حيث أن المصلين فيها هم جميعُهم يُصَلّون ما عليهم من الفريضة، الجماعة الأولى والجماعة الثانية والثالثة كلهم يصلون فريضة الوقت، أما الحديث الذي تسأل عنه، فليس هذا بابه؛ ذلك لأن الحديث كما ذكرت صحيح، حيث يقول: «ألا رجل يتصدق على هذا، فيصلي معه» والحقيقة قلت آنفاً: أن هذا بحث طويل، لكن أشعر بأنني في الوقت الذي أردت التهرب منه، قد جُررت إليه، لكن على كل حال، فيه خير إن شاء الله. إذا دخل جماعةٌ المسجد، فوجدوا الإمام قد صلى، فَتَقدّم أَحَدُهم فصلى بهم إماماً، قولوا لي الآن: من المُتَصَدِّق ومن المتصدَّق عليه من هذه الجماعة؟ ما في أحد.

стр. 2094

إذاً: كلهم فقراء ومساكين؛ لأنهم فاتتهم الفريضة. أما الرجل الذي جاء وقد فاتته الصلاة خلف النبي ﷺ ، فقال ﵊ لمن حوله: «ألا رجل يتصدق على هذا، ويصلي معه، فقام أحدهم» هذا القائم قد صلى الفرض وراء الرسول ﵇، فهو غني، أما ذاك الرجل الذي أراد أن يصلي وحده فهو فقير، فذاك الذي صلى خلف الرسول يتصدق على هذا، بإمكانه أن يتصدق على هذا، لكن هؤلاء الفقراء والمساكين الذين فاتتهم الجماعة كلهم سواء، فتقديمهم أحدَهم، من المُتَصدِّق ومن المُتَصَدَّق عليه، لا يوجد هذا أبداً؛ لذلك: الحديث هذا لا علاقة له بالجماعة الثانية. هذه صورتها: أن الرجل يصلي مع الجماعة، ثم يرى رجلاً يريد أن يُصَلِّي وحده، فهو يصلي معه، لا بأس في هذا؛ لأن هذه جماعة نفل، وليست جماعة فرض، وبحثنا في جماعة الفرض، وليس في جماعة النفل، وعلى العكس من ذلك -مثلاً-: كما وقع في حجة الوداع، أن النبي ﷺ صلى صلاة الصبح في مسجد الخيف، لما سَلَّم وجد رجلين يوحي وضعهما أنهما لم يصليا مع الرسول، قال لهما: «أولستما مسلمين؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: فما منعكما أن تصليا معنا؟ قالا: يا رسول الله! إنا كنا قد صلينا في رحالنا، قال: فإذا صلى أحدكم في رحله ثم أتى مسجد الجماعة فليصل معهم، فإنها تكون له نافلة» فهذه نافلة كتلك الصلاة التي صلاها الرجل الذي استجاب لأمر الرسول ﵇: «ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه» فهذه نافلة، الجماعة جماعة نافلة، نحن نتكلم عن جماعة الفريضة. جماعة الفريضة في المسجد الذي له إمام راتب، وله مؤذن راتب، ليجتمع الناس ليُصَلَّوا في هذا المسجد، لا يشرع جماعة ثانية؛ وسبب ذلك يعود إلى النقل والعقل والنقل هو الأصل؛ لأن هذا لم يقع في عهد الرسول ﵇، ولا في عهد الصحابة الكرام. أما العقل والنظر السليم: فإنك إذا فَكّرت -لا سيما إذا كنت قد جَرَّبتَ كما جَرَّبتُ أنا- فستجد أن القول بشرعية الجماعة الثانية، يعود بالنقض للجماعة الأولى؛

стр. 2095

لأننا إذا افترضنا مسجداً جماعته -مثلاً- ثلاثمائة شخص تقريباً، إذا أُوحِي إليهم ولُقِّنوا وشُبِّعوا علماً، بأنه هناك جماعة ثانية وثالثة، فستجد مفعول هذا التفقيه مع الزمن يعود عدد الثلاثمائة إلى مائتين إلى أقل، لأنهم يتواكلون على الجماعة الثانية. وهذا ما كان وقع بنفسي -أنا- حينما كنت مبتدئاً في طلب العلم، وكنت صانعاً مصلحاً للساعات والمسجد بجانبي، فكنت أسمع الأذان فأقول: حتى أنتهي من هذه الساعة أركب هذا العقرب .. أركب كذا وكذا، يصير نقاش في نفسي وينتهي النقاش إلى القول: إذا انتهت الصلاة، ودخلتَ المسجد، وما وجدت أحداً يُصَلِّي فأنت طالب علم .. أنت لم تعجبك نفسك؟ ! أنت صَلِّ بالناس ... وهكذا، فعلاً كنت أسمع الأذان ولا أجيب ولا أبالي بالإجابة، لكني عندما عرفت السُّنة الصحيحة في عهد الرسول ﵇ وسُنّة السلف الصالح في هذا المجال، كنت -بفضل الله- لا تفوتني صلاة جماعة. لأن الفكرة التي كانت توحي إليَّ بالتكاسل عن الجماعة الأولى زالت وطاحت وأصبحت هباءً منثوراً، وتقرر في نفسي أنك بين أحد شيئين: إما أن تصلي مع هذه الجماعة، حتى أولاً: تُسْقِط عن نفسك ما فرض الله عليك في مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]. وإما أن تصلي وحدك فتخسر الفضيلة وتخسر القيام بهذه الفريضة، فلما صح فهمي للموضوع صَحّت عبادتي واستقامت، والحمد لله رب العالمين. (الهدى والنور / ٨٠/ ١.: ١١: ١.) حكم الجماعة الثانية مداخلة: ما هو حكم عقد جماعة ثانية بعد الجماعة الأولى؟ الشيخ: هذه المسألة تكلمنا فيها كثيراً .. الذي يتتبع سيرة الرسول ﵇ وسيرة أصحابه الكرام بعد وفاته، يجد أن السلف الصالح لا يَعرف جماعة ثانيةً في المسجد الذي له إمام راتب ومؤذن راتب.

стр. 2096

ولذلك: جاءت أقوال الأئمة المشهورين تترى، يتبع بعضها بعضاً، كُلُّها تتفق على عدم شرعية الجماعة الثانية في المسجد الذي له إمام راتب ومؤذن راتب، يقول الإمام الشافعي في كتابه العظيم: «الأم»: «وإذا دخل جماعة المسجد، فوجدوا الإمام قد صلى، صلوا فُرَادى» فإن صلوا جماعةً صحت صلاتهم وأجزأتهم صلاتهم، ولكني أكره لهم ذلك؛ لأنه لم يكن من عمل السلف، وقد حفظنا - هذا من تمام كلام الإمام الشافعي- أن جماعة من أصحاب النبي ﷺ دخلوا المسجد، فوجدوا الإمام قد صلى، صلوا فرادى قال: وقد كانوا قادرين على أن يجمعوا في المسجد مرة أخرى، ولكنهم لم يفعلوا؛ لأنهم كرهوا أن يجمعوا في مسجد مرتين». فهذا خلاصة الجواب على هذه المسألة. (الهدى والنور / ٨١/ ٥٠: ٣٦: .. ) هل تعتبر الجماعة الثانية جماعة مداخلة: هل تعتبر الجماعة الثانية جماعة؟ الشيخ: لا، إنما هي الأولى، وهذا تأكيد أن المسلمين ليس لهم إلا جماعة واحدة، فلا يتفرقون. (الهدى والنور / ١٧٤/ ٤٣: ٢١: ٠٠) حكم الجماعة الثانية في المسجد إذا كانت لجمع صلاتين مداخلة: في حالة دخول الجماعة بعد انتهاء الصلاة من الجمع، في حال الجمع، هل يجوز أنهم يجمعوا؟ الشيخ: أولًا: هذه المسألة أو هذا الجواب مبنيّ على مسألة تقع دائماً في كل حال، وفي الحالات الطبيعية، وهي عقد جماعة ثانية، وثالثة في المساجد. هذه الجماعات غير مشروعة، مجرد ما يُصَلِّي الإمام الرسمي المُكَلّف من

стр. 2097

الدولة أن يؤم الناس انتهت الجماعة، فليس هناك جماعة أخرى. بمعنى: إذا دخلت المسجد وقصدُك تصلي مع هذه الجماعة لأمرٍ ما، وإذا الإمام سَلَّم، لا تنتظر وتلتفت ترى واحد اثنين تلملمهم معك تصلي بهم جماعة، لا، لكن تصلي وحدك. فلا يجوز عقد جماعة ثانية وثالثة في المسجد الذي له إمام راتب ومؤذن راتب، يجمع الناس في وقت الصلاة. بناء على هذا: كان الجواب، ما سمعت، لا يجوز ... مداخلة: [فإذا أدركوا الجماعة وقد انتهوا من الظهر ويصلون العصر، فصلوا خلفهم بنية الظهر، هل يجوز للمتأخرين صلاة العصر بعدها جماعة]؟ الشيخ: لا، هذا سؤال ثاني، هو أنك تقدر أن تصلي العصر بعدما صليت الظهر مع الجماعة. مداخلة: انتهوا الجماعة. مداخلة: جماعة وإلا مفرد؟ الشيخ: أنت تقول: لحقت صلاة العصر. مداخلة: لحقنا صلاة الظهر، وهم يصلون العصر. الشيخ: أنت تقول: لحقت صلاة العصر، والإمام يصلي العصر، وأنت ما صليت الظهر لأنك أتيت متأخراً. مداخلة: نعم. الشيخ: فلما دخلت المسجد، وكان الإمام يصلي العصر جمع تقديم، أليس كذلك؟ مداخلة: نعم. الشيخ: نعم، أنت تريد أن تصلي الظهر بطبيعة الحال، عندما يُسَلِّم الإمام

стр. 2098

وتسلم معه أنت، هو ينتهي من صلاة العصر، أنت انتهيت من صلاة الظهر، فأنت الآن بإمكانك أن تجمع. مداخلة: أجمع مفرداً، وإلا في جماعة تجمع معهم. الشيخ: لا، لا يوجد جماعة أخرى، جماعة أخرى لا يوجد، كل واحد لوحده يصلي، لأن الحكمة في الموضوع تعدد الأئمة، يعني، إمامين لا يكون في مسجد له إمام راتب ومؤذن راتب، تصلي لوحدك. مداخلة: أصلي .. الشيخ: كما قلنا -آنفاً- إذا دخلت في الأيام العادية وجدت الإمام صلى الظهر، فتصلي الظهر لوحدك، أو أيّ صلاة من بقية الصلوات الخمس. (الهدى والنور /٢٠٤/ ٢٣: ١٠: ٠٠) الحكمة في عدم مشروعية الجماعة الثانية الشيخ: السر في عدم شرعية التكرار هو أن هذا الإمام، وهذا المؤذن الذي يجمع الناس في المسجد، إذا قيل للناس شرعاً فسيكون هذا القيل أداة تفريق الجماعة الأولى وتقليل عددها، فما بالكم وهذه الجماعة قد فُرّقت وقُلِّل عدد أفرادها ليس بنص شرعي، بل برأي اجتهادي متأخر، من غير مجتهد، من مقلد .. ! مع ذلك حصل هذا التفرُّق؛ لأننا نجد في المساجد الكبيرة تستمر إقامة الصلاة الثانية والثلاثة من الصلاة إلى التي تليها، وكنت أنا أرى هذا شخصياً في المسجد الكبير في دمشق المعروف بمسجد بني أمية تستمر إقامة صلاة العصر والمؤذن للمغرب يؤذن وهم في صلاة الجماعة. فإذاً نستطيع أن نلخص ما سبق: أن عدم ورود ما يدل على شرعية الجماعة الثانية هو من باب سد الذريعة؛ لأن تشريع الجماعة الثانية ينافي شرعية الجماعة الأولى، وأنتم تعلمون قول الرسول ﵇: «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاة الثلاثة أزكى من صلاة الرجلين» وهكذا فكلما ازداد العدد تضاعف الأجر، والعكس بالعكس فأي سبب يؤدي إلى هذا العكس يكون

стр. 2099

غير مشروع. هذا خلاصة ما يمكن أن نتحدث به حول صلاة الجماعة الثانية فما بعدها، على أن هناك مجالاً للمزيد لكن لعل هذا فيه كفاية. مداخلة: وحديث الرسول يا شيخ بالنسبة لقوله عندما دخل الرجل متأخراً، وقال: .. الشيخ: «ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه». مداخلة: نعم. الشيخ: أنا أتعجّب -والله- من كثرة ترداد السؤال عن هذا الحديث، وليس من عامة الناس ولا من طلبة العلم بل من مشائخ العلم، هذا الحديث لو نظرنا إلى سبب وروده لكان كافياً لمعرفة أنه لا علاقة له بالبحث السابق إطلاقاً، ولكن قبل ذلك أريد أن نتأمل وأن نُشغِّل عقلنا وفكرنا، هل يمكن لأحد أن يُطَبِّق نَص هذا الحديث في الجماعة الثانية؟ «ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه» هنا رجلان في هذه الحادثة: متصدق، ومتصدَّق عليه .. في الجماعة الثانية مَن المُتصدِّق ومن المتصدَّق عليه؟ أو قبل أن نسأل هذا السؤال في تلك الجماعة التي قال الرسول: «ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه» هما رجلان بعدين ينتقل إلى الجماعة الثانية، مَن المتصدِّق ومن المتصدَّق عليه في هذين الرجلين؟ هات أشوف يكفيكم سماعاً الآن يكفيني أنا سكوتاً واستماعاً، أسمع منكم ماذا ترون في جواب هذا السؤال: رجلان صلى أحدهما بالآخر من المتصدِّق ومن المتصدَّق عليه في تلك الحادثة؟ مداخلة: الإمام متصدق عليه. الشيخ: نعم؟ مداخلة: الإمام متصدق عليه. الشيخ: الإمام متصدق عليه؟ مداخلة: نعم.

стр. 2100

الشيخ: بدليل ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه، واضح هذا الجواب؟ الآن نعود إلى السؤال الثالث: دخل جماعة المسجد فأيهما المتصدِّق والمتصدَّق عليه، هو الإمام أيضاً؟ مداخلة: ما فيه. الشيخ: ما فيه هنا مُتَصدِّق ولا متصدَّق عليه واضح؟ لذلك حَشْر هذا الحديث في موضوع الجماعة الثانية تحميله ما لا يطيق. الحقيقة: هذا الحديث يدل على ما دل عليه سبب وروده، الحديث يقول -كما جاء في سنن الترمذي وغيره من حديث أبي سعيد الخدري، ومن حديث أنس بن مالك أيضاً في معجم الطبراني-: أن النبي ﷺ صلى ذات يوم صلاة العصر، ولما سلم دخل رجل يريد أن يصلي وحده، فقال ﵊ لمن صلى خلفه: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه؟ فقام رجل واقتدى به. من هنا جاء الجواب السابق صحيحاً، لماذا كان المقتدِى مُتَصدِّق، والمقتدَى به متصدَّق عليه؟ هذه نكتة جميلة جداً، المتصدِّق غني والمتصدَّق عليه فقير، كيف؟ المتصدِّق صلى وراء الرسول ﵇ فاكتسب فضيلة صلاة الجماعة بسبع وعشرين درجة أولاً، ثم وراء سيد البشر ثانياً، أما الرجل هذا فقير فاتته هذه الخيرات الكثيرة، فإذاً هذا المليء المشحون بالخير وبالأجر هو الذي تصدق على ذلك المسكين الذي فاتته الصلاة. (الهدى والنور /٣٤٧/ ٣٤: ٢٦: ٠٠) حكم الجماعة الثانية مداخلة: يسأل هنا: ما حكم صلاة الجماعة الثانية بعد الجماعة الأولى في كل فريضة يصلونها؟

стр. 2101

الشيخ: نعم. مداخلة: ينهوا الصلاة، ومن ثَمَّ تأتي جماعة أخرى وتقيم الصلاة. الشيخ: هذه في الحقيقة -الجماعة الثانية- من العادات التي سار عليها المسلمون من زمن بعيد، وهي ليست مشروعة عند جماهير علماء المسلمين. كلنا يعلم أن صلاة الجماعة في مساجد المسلمين فريضة، أو واجبة يجب على كل مسلم أن يسعى إليها فور سماعه المؤذن يقول: «حَيَّ على الصلاة حَيَّ على الفلاح» هذا الواجب في سبيل الحفاظ عليها وتكثير سواد جماعتهم حث النبي ﷺ على أدائها فقال: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بخمسٍ» وفي رواية «بسبعٍ وعشرين درجة». ثم كلما كثرت الجماعة كلما كان أجرُها أعظم عند الله ﵎، لذلك كان السلف الصالح حريصين كلَّ الحرص على المحافظة على هذه الجماعة، أولاً: ليقوموا بواجب قوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] كما شرحنا ذلك في درس أو محاضرة مضت: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي: صَلُّوا مع المصلين في المساجد، فحرصاً من السلف كانوا يفعلون ذلك ويحضرون الصلاة في المساجد، ثم بعد ذلك لا تقام جماعة ثانية أبداً، ذلك لأن النبي ﷺ الذي سَنَّ للأمة هذه الجماعة جعلها جماعةً فريدة واحدة. فمسجد النبي ﷺ في زمنه كسائر المساجد الأخرى التي كانت في بَلَدِه أو في غيره من بلاد التي دخلها الإسلام، كان المسلمون يحافظون على وحدة الجماعة. ومن الأدلة على ذلك: الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «لقد هممت أن آمُرَ رجلاً فيصلي بالناس، ثم آمُر رجالاً فيحطِبوا حَطَباً، ثم أُخالِف إلى أُناس يَدَعُون الصلاة مع الجماعة فأحرِّق عليهم بيوتَهم، والذي نفس محمد بيده لو يعلم أحدهم أن في المسجد مرماتين حسنتين لشهدها» أي: صلاة العشاء.

стр. 2102

فهذا الحديث يدل على أنه لم يكن في عهد النبي ﷺ إلا الجماعة الأولى، من أين أخذنا هذه الدلالة؟ مِن هَمِّه ﵇ بحرق بيوت المتخلفين عن صلاة الجماعة، وإلا لو كان هناك جماعة ثانية ومشروعة لكان في ذلك عذر واضح لأولئك المُتَخَلِّفين في بيوتهم، فكان بإمكانهم أن يعتذروا عن أنفسهم، وأن يقولوا: لو هَمَّ، أو لو فعل الرسول ما هَمَّ به من تحريق بيوتهم بالنار لقالوا: يا رسول الله نحن نصلي مع الجماعة الثانية أو الثالثة أو ما أدري كم الرقم، يختلف هذا باختلاف البلاد أو المساجد، وأنا شخصياً في دمشق شاهدت أكثر من مرة وفي المسجد الكبير -مسجد بني أمية- آذان المغرب يؤذِّن وهناك جماعة في المسجد يُصَلُّون صلاة العصر، تصوَّروا كم جماعة أقيمت من بعد الجماعة الأولى، علماً أن من مساوئ هذا المسجد الكبير غير تكرار هذه الجماعة الطارئة، فهناك أربعة محاريب، وأربعة جماعات مُعترف بها في وزارة الأوقاف، بل ولكل محراب إمامه، هذا هو الإمام الحنفي في الوسط، يميناً الشافعي، يساراً الحنبلي، ثم المالكي، هكذا هذا -بلا شك- ليس مشروعاً، بل كراهته أشد مما نحن نتحدث فيه؛ لأنها أئمة معترف بها رسمياً من قِبل الدولة. أما الإسلام الذي جاء في القرآن، وجاء في حديث الرسول ﵇، فهو لا يعترف بهذه الجماعات الطارئة، كما مثَّلْتُ لكم آنفاً، آذان المغرب يؤَذَّن، وهناك جماعة تُصلي صلاة العصر، هذه الجماعة الطارئة، فأنكر منها أربع جماعات، بل ثلاث جماعات بعد الجماعة الأولى معترف بها رسمياً، وتصرف أموال الشعب المسلم لإقامة هذه الجماعات غير المشروعة، وهي بعد الجماعة الأولى. هذا بلا شك يخالف القرآن ويخالف السنة أما القرآن فقوله ﵎: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢]. لا شك أن الصلاة من الدين فالتفرُّق في هذه الصلاة هو تفرُّق في الدين، ولا أدل على ذلك من أننا كنا نشاهد تُقَام الصلاة فيصلي الإمام الأول، وهناك جلوس، ناس جلوس لا

стр. 2103

يقومون يصلون لماذا؟ لأنهم يريدون أن يصلوا بإمامهم، فإذا أُقيمت الصلاة للجماعة الثانية للإمام الثاني هناك ناس آخرون جلوس، لماذا؟ يريدون أن يصلوا مع إمامهم؛ فالثالث والرابع هكذا؛ فأيُّ تَفَرُّق أشد من هذا التفرق؟ ! هذا التفرق معترف به رسمياً في الدولة. ولقد وقع لي مرة أن قلت لأحد المتعصبة -وهو في المسجد-: قد أقيمت الصلاة فهيا لنصلي، قال: هذه الصلاة لم تُقَمْ لنا، يعني: هو مذهبه مثلاً حنفي، والصلاة التي أُقيمت أُقيمت للشافعية. هذه أمور كانت تقع منذ قرون، أما في هذا الزمان فقد اضْمَحَلَّت هذه العصبية، لكن مع الأسف أقول: لم تَضْمَحِل من كثير من الناس؛ لأنها تخالف الإسلام وتُفَرِّق الدين، وإنما لأن الواحد منهم لا يبالي يصلي مع الإمام الأول أو الثاني، خلاصة الكلام: تكرار الجماعة في المساجد -ولو كانت غير رسمية- فهي مما تُفَرِّق الجماعة الأولى، والتَّفَرُّق في الإسلام منهي عنه. ولستم بحاجة إلى التوسُّع في هذه القضية، ولكني أُذَكِّركم بكلمةٍ للإمام الشافعي ﵀ قالها في كتابه «الأم» المعروف، قال: «وإذا دخل جماعة المسجد فوجدوا الإمام قد صلى صلوا فرادى». (الهدى والنور /٣٤١/ ١٥: ١٩: ١) مذهب الشافعي في حكم الجماعة الثانية الشيخ: الإمام الشافعي صَرَّح بأنه: إذا دخل جماعة المسجد بعدما صَلَّت الجماعة الأولى، يصلون فُرادى، ثم قال: وإن صَلُّوا جماعةً أجزأتهم صلاتُهم، ولكني أكره لهم ذلك؛ لأنه لم يكن من عمل السلف، وأنَّا قد حفظنا: أنَّ جماعةً من أصحاب النبي ﷺ فاتتهم الصلاة مع الجماعة، فصلوا فُرادى، وقد كانوا قادرين على أن يُجَمِّعوا مرة أخرى، ولكنهم لم يفعلوا؛ لأنهم كرهوا أن يجّمعوا في مسجد مرتين.

стр. 2104

ثم نجد أثراً يشهد لهذا القول من هذا الإمام، وهذا الأثر أخرجه «الإمام الطبراني» في «المعجم الكبير» بإسناد قوي أيضاً عن ابن مسعود أنه كان عنده رجلان من أصحابه في داره، فحضر وقت الصلاة انطلق بهما إلى المسجد، وإذا بالناس يخرجون من المسجد، فرجع بهما وصلى بهما إماماً في داره. فلو كانت الجماعة الثانية مشروعة في المسجد مع استحضار قوله ﵇: «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة». فما دام أنه يريد أن يصلي الفريضة، فلما لم يصلها في المسجد وعاد بصاحبيه إلى الدار فأمهما. فهذا تَصَرُّف عملي من ابن مسعود يدلنا على عدم شرعية إقامة الجماعة في المسجد جماعة ثانية. لكن هنا قيد لا بد من ذكره وهو من تمام فقه الإمام الشافعي حيث قال في الكلام السابق: وأما مسجد على قارعة طريق ليس له إمام راتب، ولا مؤذن راتب، فتجوز تكرار الجماعة فيه، أقول: والسر في هذا الشرط -تجويزاً- وإذا لم يتحقق الشرط معناه أن كل مسجد له مؤذن راتب يدعو الناس إليه، وإمام راتب يؤم الناس الذين يجتمعون في المسجد .. نعم. (الهدى والنور /٣٤٧/ ٥٦: ١٧: ٠٠) الائتمام بالمسبوق في جماعة ثانية مداخلة: بالنسبة الصلاة: إذا إنسان أتى متأخرًا في صلاة، ووجد الإمام -مثلاً- في الركعة الرابعة، فهو: واحد يلحق ركعة، وركعتين، وأتى واحد مسبوق وصلى معه، هل يجوز؟ الشيخ: لا. مداخلة: لا يجوز. الشيخ: لا يشرع إقامة جماعتين في مسجد. (الهدى والنور/٤٣٨/ ٤٦: ١٠: ٠١)

стр. 2105

هل يرخص في الجماعة الثانية في الدول الغربية ؟ السائل: كنت قد انتهيت من صلاة العشاء ثم جاء بعض الإخوة ليصلوا العشاء، فأردت أن أُصلِّي معهم تطوعاً، فهل أُتَمِّم أربعاً بنية التطوع، أم أُصلي اثنتين؛ لقول النبي ﷺ : «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى»؟ الشيخ: لا، هذا في أمر عارض، يُصلِّي معهم أربعاً، ولكن المسألة ينبغي النظر إليها من زاوية أخرى، وهي: هل هو كان صلاته في المسجد، أم في غير المسجد؟ لأن الحكم يختلف. إن كان في المسجد، فلا يجوز تكرار الجماعة. وعلى هذا: فلا يجوز أن يُعيد هو وراء هؤلاء الذين يَعْقِدون جماعةً ثانية في مسجد له إمام راتب، وله مؤذن راتب. أما إن كان وقع ذلك خارج المسجد، في الدار، في العراء، في محل العمل، في التجارة إلى آخره ... فالجواب كما قلنا، إنه يصلي معهم أربعاً. السائل: يمكن يا شيخ في أمريكا، حتماً في المسجد حاصل هذا الشيء، هناك الناس لا يملكون أوقاتهم كما هنا، ممكن هؤلاء الذي جاؤوا يصلوا الجماعة الثانية، ما يقدروا يصلوا مع الجماعة الأولى مطلقاً؟ الشيخ: لماذا؟ السائل: بسبب وضعهم هناك، يختلف عن وضعنا هنا بالنسبة للعمل، كلهم عاملون هناك. الشيخ: بس هذا لا يُبَرِّر لهم، ولا يسوغ لهم تكرار الجماعة في المسجد. السائل: لأنه عندنا هنا في بلادنا، وفي باقي البلاد الإسلامية، ربما يتساهلون
следующие страницы →