Полный текст (8 195 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
الشيخ: نعم.
مداخلة: ينهوا الصلاة، ومن ثَمَّ تأتي جماعة أخرى وتقيم الصلاة.
الشيخ: هذه في الحقيقة -الجماعة الثانية- من العادات التي سار عليها المسلمون من زمن بعيد، وهي ليست مشروعة عند جماهير علماء المسلمين.
كلنا يعلم أن صلاة الجماعة في مساجد المسلمين فريضة، أو واجبة يجب على كل مسلم أن يسعى إليها فور سماعه المؤذن يقول: «حَيَّ على الصلاة حَيَّ على الفلاح» هذا الواجب في سبيل الحفاظ عليها وتكثير سواد جماعتهم حث النبي ﷺ على أدائها فقال: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بخمسٍ» وفي رواية «بسبعٍ وعشرين درجة».
ثم كلما كثرت الجماعة كلما كان أجرُها أعظم عند الله ﵎، لذلك كان السلف الصالح حريصين كلَّ الحرص على المحافظة على هذه الجماعة، أولاً: ليقوموا بواجب قوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] كما شرحنا ذلك في درس أو محاضرة مضت: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي: صَلُّوا مع المصلين في المساجد، فحرصاً من السلف كانوا يفعلون ذلك ويحضرون الصلاة في المساجد، ثم بعد ذلك لا تقام جماعة ثانية أبداً، ذلك لأن النبي ﷺ الذي سَنَّ للأمة هذه الجماعة جعلها جماعةً فريدة واحدة.
فمسجد النبي ﷺ في زمنه كسائر المساجد الأخرى التي كانت في بَلَدِه أو في غيره من بلاد التي دخلها الإسلام، كان المسلمون يحافظون على وحدة الجماعة.
ومن الأدلة على ذلك: الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «لقد هممت أن آمُرَ رجلاً فيصلي بالناس، ثم آمُر رجالاً فيحطِبوا حَطَباً، ثم أُخالِف إلى أُناس يَدَعُون الصلاة مع الجماعة فأحرِّق عليهم بيوتَهم، والذي نفس محمد بيده لو يعلم أحدهم أن في المسجد مرماتين حسنتين لشهدها» أي: صلاة العشاء.
стр. 2102
فهذا الحديث يدل على أنه لم يكن في عهد النبي ﷺ إلا الجماعة الأولى، من أين أخذنا هذه الدلالة؟
مِن هَمِّه ﵇ بحرق بيوت المتخلفين عن صلاة الجماعة، وإلا لو كان هناك جماعة ثانية ومشروعة لكان في ذلك عذر واضح لأولئك المُتَخَلِّفين في بيوتهم، فكان بإمكانهم أن يعتذروا عن أنفسهم، وأن يقولوا: لو هَمَّ، أو لو فعل الرسول ما هَمَّ به من تحريق بيوتهم بالنار لقالوا: يا رسول الله نحن نصلي مع الجماعة الثانية أو الثالثة أو ما أدري كم الرقم، يختلف هذا باختلاف البلاد أو المساجد، وأنا شخصياً في دمشق شاهدت أكثر من مرة وفي المسجد الكبير -مسجد بني أمية- آذان المغرب يؤذِّن وهناك جماعة في المسجد يُصَلُّون صلاة العصر، تصوَّروا كم جماعة أقيمت من بعد الجماعة الأولى، علماً أن من مساوئ هذا المسجد الكبير غير تكرار هذه الجماعة الطارئة، فهناك أربعة محاريب، وأربعة جماعات مُعترف بها في وزارة الأوقاف، بل ولكل محراب إمامه، هذا هو الإمام الحنفي في الوسط، يميناً الشافعي، يساراً الحنبلي، ثم المالكي، هكذا هذا -بلا شك- ليس مشروعاً، بل كراهته أشد مما نحن نتحدث فيه؛ لأنها أئمة معترف بها رسمياً من قِبل الدولة.
أما الإسلام الذي جاء في القرآن، وجاء في حديث الرسول ﵇، فهو لا يعترف بهذه الجماعات الطارئة، كما مثَّلْتُ لكم آنفاً، آذان المغرب يؤَذَّن، وهناك جماعة تُصلي صلاة العصر، هذه الجماعة الطارئة، فأنكر منها أربع جماعات، بل ثلاث جماعات بعد الجماعة الأولى معترف بها رسمياً، وتصرف أموال الشعب المسلم لإقامة هذه الجماعات غير المشروعة، وهي بعد الجماعة الأولى.
هذا بلا شك يخالف القرآن ويخالف السنة أما القرآن فقوله ﵎: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢].
لا شك أن الصلاة من الدين فالتفرُّق في هذه الصلاة هو تفرُّق في الدين، ولا أدل على ذلك من أننا كنا نشاهد تُقَام الصلاة فيصلي الإمام الأول، وهناك جلوس، ناس جلوس لا
стр. 2103
يقومون يصلون لماذا؟ لأنهم يريدون أن يصلوا بإمامهم، فإذا أُقيمت الصلاة للجماعة الثانية للإمام الثاني هناك ناس آخرون جلوس، لماذا؟ يريدون أن يصلوا مع إمامهم؛ فالثالث والرابع هكذا؛ فأيُّ تَفَرُّق أشد من هذا التفرق؟ !
هذا التفرق معترف به رسمياً في الدولة.
ولقد وقع لي مرة أن قلت لأحد المتعصبة -وهو في المسجد-: قد أقيمت الصلاة فهيا لنصلي، قال: هذه الصلاة لم تُقَمْ لنا، يعني: هو مذهبه مثلاً حنفي، والصلاة التي أُقيمت أُقيمت للشافعية.
هذه أمور كانت تقع منذ قرون، أما في هذا الزمان فقد اضْمَحَلَّت هذه العصبية، لكن مع الأسف أقول: لم تَضْمَحِل من كثير من الناس؛ لأنها تخالف الإسلام وتُفَرِّق الدين، وإنما لأن الواحد منهم لا يبالي يصلي مع الإمام الأول أو الثاني، خلاصة الكلام: تكرار الجماعة في المساجد -ولو كانت غير رسمية- فهي مما تُفَرِّق الجماعة الأولى، والتَّفَرُّق في الإسلام منهي عنه.
ولستم بحاجة إلى التوسُّع في هذه القضية، ولكني أُذَكِّركم بكلمةٍ للإمام الشافعي ﵀ قالها في كتابه «الأم» المعروف، قال: «وإذا دخل جماعة المسجد فوجدوا الإمام قد صلى صلوا فرادى».
(الهدى والنور /٣٤١/ ١٥: ١٩: ١)
مذهب الشافعي في حكم الجماعة الثانية
الشيخ: الإمام الشافعي صَرَّح بأنه: إذا دخل جماعة المسجد بعدما صَلَّت الجماعة الأولى، يصلون فُرادى، ثم قال: وإن صَلُّوا جماعةً أجزأتهم صلاتُهم، ولكني أكره لهم ذلك؛ لأنه لم يكن من عمل السلف، وأنَّا قد حفظنا: أنَّ جماعةً من أصحاب النبي ﷺ فاتتهم الصلاة مع الجماعة، فصلوا فُرادى، وقد كانوا قادرين على أن يُجَمِّعوا مرة أخرى، ولكنهم لم يفعلوا؛ لأنهم كرهوا أن يجّمعوا في مسجد مرتين.
стр. 2104
ثم نجد أثراً يشهد لهذا القول من هذا الإمام، وهذا الأثر أخرجه «الإمام الطبراني» في «المعجم الكبير» بإسناد قوي أيضاً عن ابن مسعود أنه كان عنده رجلان من أصحابه في داره، فحضر وقت الصلاة انطلق بهما إلى المسجد، وإذا بالناس يخرجون من المسجد، فرجع بهما وصلى بهما إماماً في داره.
فلو كانت الجماعة الثانية مشروعة في المسجد مع استحضار قوله ﵇: «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة».
فما دام أنه يريد أن يصلي الفريضة، فلما لم يصلها في المسجد وعاد بصاحبيه إلى الدار فأمهما.
فهذا تَصَرُّف عملي من ابن مسعود يدلنا على عدم شرعية إقامة الجماعة في المسجد جماعة ثانية.
لكن هنا قيد لا بد من ذكره وهو من تمام فقه الإمام الشافعي حيث قال في الكلام السابق: وأما مسجد على قارعة طريق ليس له إمام راتب، ولا مؤذن راتب، فتجوز تكرار الجماعة فيه، أقول: والسر في هذا الشرط -تجويزاً- وإذا لم يتحقق الشرط معناه أن كل مسجد له مؤذن راتب يدعو الناس إليه، وإمام راتب يؤم الناس الذين يجتمعون في المسجد .. نعم.
(الهدى والنور /٣٤٧/ ٥٦: ١٧: ٠٠)
الائتمام بالمسبوق في جماعة ثانية
مداخلة: بالنسبة الصلاة: إذا إنسان أتى متأخرًا في صلاة، ووجد الإمام -مثلاً- في الركعة الرابعة، فهو: واحد يلحق ركعة، وركعتين، وأتى واحد مسبوق وصلى معه، هل يجوز؟
الشيخ: لا.
مداخلة: لا يجوز.
الشيخ: لا يشرع إقامة جماعتين في مسجد.
(الهدى والنور/٤٣٨/ ٤٦: ١٠: ٠١)
стр. 2105
هل يرخص في الجماعة الثانية في الدول الغربية ؟
السائل: كنت قد انتهيت من صلاة العشاء ثم جاء بعض الإخوة ليصلوا العشاء، فأردت أن أُصلِّي معهم تطوعاً، فهل أُتَمِّم أربعاً بنية التطوع، أم أُصلي اثنتين؛ لقول النبي ﷺ : «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى»؟
الشيخ: لا، هذا في أمر عارض، يُصلِّي معهم أربعاً، ولكن المسألة ينبغي النظر إليها من زاوية أخرى، وهي:
هل هو كان صلاته في المسجد، أم في غير المسجد؟ لأن الحكم يختلف.
إن كان في المسجد، فلا يجوز تكرار الجماعة.
وعلى هذا: فلا يجوز أن يُعيد هو وراء هؤلاء الذين يَعْقِدون جماعةً ثانية في مسجد له إمام راتب، وله مؤذن راتب.
أما إن كان وقع ذلك خارج المسجد، في الدار، في العراء، في محل العمل، في التجارة إلى آخره ... فالجواب كما قلنا، إنه يصلي معهم أربعاً.
السائل: يمكن يا شيخ في أمريكا، حتماً في المسجد حاصل هذا الشيء، هناك الناس لا يملكون أوقاتهم كما هنا، ممكن هؤلاء الذي جاؤوا يصلوا الجماعة الثانية، ما يقدروا يصلوا مع الجماعة الأولى مطلقاً؟
الشيخ: لماذا؟
السائل: بسبب وضعهم هناك، يختلف عن وضعنا هنا بالنسبة للعمل، كلهم عاملون هناك.
الشيخ: بس هذا لا يُبَرِّر لهم، ولا يسوغ لهم تكرار الجماعة في المسجد.
السائل: لأنه عندنا هنا في بلادنا، وفي باقي البلاد الإسلامية، ربما يتساهلون
стр. 2106
ويتكاسلون، يقولون نجد جماعة ثانية وثالثه، ورابعة، خاصة في مساجد السوق، فهناك لا أعتقد أن الوضع ينطبق عليهم؛ لأنهم هناك ينتهي عملهم في كذا، في ساعة كذا، وهناك في مسافات بعيدة، ومساجد قليلة جداً هناك، فهل لهم فرصة -مثلاً- للجماعة الثانية؟
الشيخ: يا شيخ علي، إذا قلنا لهم رخصة، معنى ذلك؛ أولاً: أن نُقرَّهم في إقامتهم في تلك البلاد الكافرة، هذه واحدة.
والأخرى: أن نُقرَّهم في المحافظة على المساجد القليلة، ويقنعوا بالقليل، بينما الواجب أن يكون في كل مَحِلَّة فيها جماعة مسلمون، مسجد يجمعهم -على الأقل- للصلوات الخمس، وأن يكون في مَحِلَّة أخرى مسجد جامع، تجتمع فيه أهل المَحِلَّات كلها في المسجد الجامع.
فإذا قلنا -وهذا الذي قلته، ونعرفه تماماً-: بأنه هذا يُسوِّغ لهم أن يُكَرِّروا الجماعة في المسجد الواحد، فمعنى ذلك أننا أقررناهم على أمرين اثنين:
على إقامتهم في تلك البلاد التي لا تسمح لهم -لأنها بلاد كفر- أن يُقيموا شعائر الإسلام، كما لو كانوا في بلاد الإسلام.
هذا أولاً: معناه أن نُقرّهم أن يستقروا هناك، وهذا لا يجوز.
وثانياً: أن نُقِرّهم على الإقلال من بناء المساجد وهذا لا يجوز.
غيره.
(الهدى والنور /٤٣٩/ ٤٦: ١٧: ٠٠)
حكم الجماعة الثانية
مداخلة: أريد أن استوضح بالنسبة للجماعة الثانية، والنهي عنها مع ذكر الأَوْلَى، -بارك الله فيكم-؟
стр. 2107
لا شك: أولاً: أريد أن تتذكر معي البحث السابق الذي ابتدأناه بقولنا:
إن كل عبادة تدخل تحت نص عام، لم يجر عمل السلف بهذا الجزء من النص العام من العبادة، فهي لست من العبادة في شيء. تذكر هذا البحث -إن شاء الله-؟
مداخلة: نعم.
هذا يساعدنا على الجواب عن سؤالك الآن.
سؤالك له علاقة بالحديث الذي ذكرته في الجواب السابق، وهو قوله ﵊: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس أو بسبع وعشرين درجة»، هنا نقف ولا بد نلنتساءل: الجماعة في هذا الحديث: كيف ينبغي أن تُفهم هذا اللفظة؟
(أل» هنا، «أل»: للتعريف في اللغة، تنقسم عندهم إلى قسمين:
إما أنها للعهد، وإما للشمول والاستغراق، أي: صلاة الجماعة: كل جماعة، وإلا صلاة الجماعة: الجماعة المعهودة المعروفة في الشرع؟
كل من المعنيين يمكن تفسيره.
يقال: صلاة الجماعة: ال للاستغراق والشمول، حينئذ يدخل في هذا الحديث أي جماعة صلت، ومنها الجماعة التي ضربت مثلاً آنفاً، والتي لا أظن فقيها يمكن أن يقول بشرعيتها، لعلك تذكر معي المثال.
مداخلة: نعم.
الشيخ: آه، فإذا كنا وقفنا عند هذا المثال، وكنا ما أدخلناه في عموم لفظة: «الجماعة»، وتذكرنا الدليل، قلنا: إن هذه الجماعة الخاصة ما فُعِلت في زمن الرسول ﵇، فهي إذاً لم تدخل في عموم قوله: «صلاة الجماعة»، واضح؟
مداخلة: نعم.
стр. 2108
الشيخ: نأتي الآن إلى مثال آخر، وهو: أبعد عن العقول أن يقال: إنها بدعة، بل قد تميل بعض العقول إلى أن تقول إنها مشروعة, لو أن ناساً أرادوا أن يُصَلّوا قيام الليل جماعة، واستدلوا على ذلك بحديث: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ ... » الخ، هل استدلالهم هذا صحيح أم لا؟
الجواب الآن، جواب امتحان، فأقول ماذا ترى؟
الملقي: هذا بالنسبة للدليل ... كان يصلى وكان يصلى بعض الصحابة وراءه ... فأرى الجواز، والله أعلم.
الشيخ: حسنًا، هو الإنسان -حقيقة- اللي بيريد يتعلم يجاوب عن السؤال، «إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ له أجر واحد»، ثم هذا الخطأ سَيجُرُّه إلى الصواب ولا بد.
الآن يأتي سؤال: هل الجزئيات التي أنت استدللت بها على الجواز -وأحسنت حينما عقبت على الجواب بقولك: والله أعلم-، سؤال توضيحي: هل كانت تلكم الجماعة على سبيل التَدَاعي، ولا كانت صُدفة واتفاقاً -فيما تعلم-؟
مداخلة: لا أدري والله.
الشيخ: ما تدري، حسناً.
الجواب: لم يكن تداعياً، وإنما كانت صدفة واتفاقاً.
والدليل: نفس الروايات التي أنت تشير إليها.
مثلاً: حديث ابن عباس: قال: «بِتُّ ليلةً عند خالتي ميمونة، فقام الرسول ﵇ وتوضأ، فقام يصلى، فقمت وتوضأت، ووقفت عن يساره، فجذبه ﵇ وأوقفه عن يمينه».
ابن عباس كان نائما، لكن لما شاف الرسول قام يصلي، قام، فالرسول دعاه، قال: تعال صلى معي، واضح هذه الصورة؟
مداخلة: نعم.
стр. 2109
الشيخ: طيب، كذلك مثلاً: قام رسول الله ﷺ ليلةً يُصَلّى فرآه ابن مسعود، اقتدى وراءه, قال: فأطال القراءة، حتى هممت بأمر سوء، لأن القراءة طويلة لا تُطاق.
كذلك قصة حذيفة بن اليمان، لما اقتدى وراء الرسول ﵇ فافتتح سورة البقرة، فقرأ، وقرأ، وقرأ.
بدأ الملل يتسرب أو التعب يتسرب إلى نفس حذيفة، لكن أخذ يُعَلِّل نفسه يقول: الآن عندما طولها، عندما أكثر من القراءة، بس يصل لرأس مائة آية يركع. قال: فمضى، قرأ المائة آية ومضى. الآن يركع والآن يركع، هكذا يُحَدِّث نفسه حتى ختم سورة البقرة كلها، وهي أطول سورة في القرآن الكريم.
الآن بس نخلص منها بيركع، فمضى، افتتح سورة آل عمران، استسلم للأمر الواقع وأمسك عن: الآن والآن.
خّلَّص الرسول سورة آل عمران بتمامها، ثم أفتتح سورة المائدة ثم رجع إلى سورة النساء، فقرأ أربع سورٍ طوال في ركعة واحدة .. الخ الحديث.
حديث طويل، نحن ما نتصوره اليوم لبعدنا عن العبادة والصبر عليها.
ما كان عن تداعي، التداعي هو: صلاة القيام في رمضان فقط.
فإذا وقعت صلاة جماعة في الليل هكذا بدون تداعي فهي مشروعة، أما تعالوا يا جماعة؟ بدنا نُصَلّي جماعة في قيام الليل، فهذا لم يقع.
المهم، قيام الليل جماعة لا يُشْرَع إلا اتفاقا، أما تعالوا يا جماعة بدنا نصلى جماعة، هذا خلاف السنة, وعلى ذلك، فقوله ﵇: «صلاة الجماعة»، «أل» هنا ليست للاستغراق والشمول، لأنها ستفتح علينا أبواباً من محدثات الأمور، أكثرُها لم يقع والحمد لله حتى اليوم، والمثال السابق في التجمع في صلاة السنن القبلية والبعدية -الحمد لله- المسلمون لا يزالون يحافظون على السنة، يحافظون على السنة على السنة، ويحافظون على الفرض على الفرض، الفرض فرضه الجماعة، السنة
стр. 2110
سنتها الإفراد، واضح؟ .
مداخلة: نعم.
الشيخ: هناك شبهة، يتشبث بها كثير من الناس في مخالفة هذه القاعدة الشرعية.
القاعدة الشرعية هي: أن النبي ﷺ لم يكن في عهده تقام -لا في مسجده ولا في مسجد غيره- جماعتان في وقت من الأوقات الخمسة.
وهذا مروي في بعض كتب السنة، وحَفِظَه لنا أحد أئمة الفقه الأربعة، وهو: الإمام الشافعي ﵀.
أما السنة: فقد جاء في مصنف ابن أبي شيبة من حديث الحسن البصري قال: كان أصحاب النبي ﷺ إذا فاتتهم الجماعة صلوا فرادى.
قلت: حفظ لنا النص الإمام الشافعي، فذكر في كتابه المشهور بـ «كتاب الأم»، قال: «وإذا دخل جماعة المسجد فوجدوا الإمام قد صلى صلوا فرادى، فإن صلوا جماعة أجزأتهم صلاتهم، ولكني أكره لهم ذلك؛ لأنه لم يكن من عمل السلف»، ثم قال: «وإنا قد حفظنا أن جماعة من أصحاب النبي ﷺ فاتتهم الصلاة مع الجماعة، فصلوا فرادى، وقد كانوا قادرين على أن يُجمعوا مرة أخرى، ولكنهم لم يفعلوا كراهية أن يجمعوا في مسجد مرتين».
هذا كلام الإمام الشافعي، كلام إمام فقيه في منتهى الدقة في تعبيره.
إذا كانت الجماعة الثانية في عهد الرسول ﵇ غير معروفة -فحينئذ- تدخل في القاعدة السابقة، ولا يشملها قوله ﵇ «صلاة الجماعة».
نعود إلى حديثك: حديثك ليس له علاقة بموضوعنا إطلاقاً، ويأتي البيان: جاء في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك -رضي عنهما- أن النبي ﷺ : «صلى ذات يوم، ولما سلم، دخل رجل يريد أن يصلى وحده، لأن الجماعة انتهت، فقال ﵊ لمن حوله ممن كانوا
стр. 2111
صلوا خلفه: «ألا رجل يتصدق على هذا، فيصلى معه»، فقام رجل من الذين صلوا مع الرسول وصلى معه»، وأرجو الانتباه، الحديث يقول: «صلى معه»، ولم يقل: صلى به.
وأظن في فرق واضح بين الحديث وبين ما قد يساء فهمه.
فقام وصلى معه: أي: من هو الإمام في هذه الصلاة الثانية، اللى بدنا نسميها الآن؟
الملقي: الداخل.
الشيخ: الداخل. إذن، من الذي جعل هذه الصلاة جماعة، الداخل أم الذي تَصَدّق عليه؟
الذي تصدق عليه، لأنه هو الذي صلى معه، وصلى خلفه متصدقًا عليه، هذا هو الحديث.
الآن نقول: ما علاقة هذا الحديث بالجماعة الثانية؟ الجماعة الثانية والثالثة والرابعة.
وأنا أذكر جيداً: لما كنت في دمشق الشام، كنت أدخل أكبر مسجد في سوريا -وربما حتى في كثير من البلاد العربية-: مسجد بني أمية.
أدخل بعد صلاة العصر، فأسمع أذان المؤذن للمغرب، وهناك جماعة قائمة تصلي صلاة العصر.
تَصَوّر بقى كم جماعة أُقيمت بعد الجماعة الأولى.
الشاهد: ليس لهذا الحديث علاقة مطلقاً بالجماعة الثانية، -فضلاً عن الثالثة والرابعة-، لماذا؟
لأن البحث: جماعة ثانية تشبه الجماعة الأولى، من حيث أن الإمام في فرض، والمقتدون أيضاً مفترضون، هذه الجماعة جماعة فريضة، هل هذه وقعت في عهد الرسول؟
عرفنا -سابقاً- من رواية ابن أبي شيبة، والإمام الشافعي أنهم كانوا قادرين على
стр. 2112
أن يُجمعوا مرة أخرى، ولكنهم لم يفعلوا، لأنهم كرهوا أن يجمعوا في مسجد مرتين.
إذًا: مثل هذه الجماعة ما وقعت.
الآن عندنا حديث أبي داود والترمذي، نقول: نعم، هذا الحديث يؤخذ منه أن من كان صلى مع الجماعة المشروعة، ودخل رجل يريد أن يصلى فيتطوع عليه، ويتفضل عليه، ويتصدق عليه بأن يصلى خلفه.
أي: في هذا الحديث دليل بأنه: يجوز لمن صلى الفريضة أن يعيدها وراء من يصلى الفريضة، بالنسبة إليه فريضة، وبالنسبة للذي يصلى خلفه نافلة.
بحثنا إذًا: في إقامة إمام ومقتدين به، هذا ليس فيه شيء من ذلك، والذي يؤكد لكم: انظروا الآن هذا الواقع الذي نشاهده في بعض المساجد، بسبب الغفلة عن العلم الصحيح، دخلوا ثلاثة، أربعة متأخرين عن صلاة الجماعة، فتقدمهم أحدهم، والآخرون يصلون خلفه.
من هو المُتَصدِّق ومن هو المُتَصَدَّق عليه؟ لا أحد، لماذا؟ لأن في الصورة التي وقعت في زمن الرسول: المتصدِّق هو الغنى، هذا كسب فضيلة الصلاة مع الجماع الأولى، أولاً.
وثانياً: وراء الرسول ﷺ ، هذا هو الغنى، أما الفقير هو اللي فاتته هذه الفضيلة، وهو الذي أراد أن يصلى.
أما هذا الذي حثَّه الرسول أن يصلى خلفه، فقال له: «ألا رجل يتصدق على هذا» فإذًا: هو تصدق عليه، فانعقدت الجماعة به، فهو مُتَصَدِّق، أما الفقير فهو الإمام.
أما الجماعة الثانية -اليوم- التي تقع، فكلهم فقراء، لأنهم فاتتهم الجماعة الأولى.
باختصار: ليس لهذا الحديث علاقة بموضوع الجماعة الثانية.
ولذلك: كتب الفقه، -وخاصةً متونها- تنص على أنه يكره تكرار الجماعة في مسجد له إمام راتب، ومؤذن راتب، وهذا نص الإمام الشافعي في الأم.
стр. 2113
يخرج من ذلك المساجد التي تُبنى على الطرق: كالمساجد التي ما بين مكة والمدينة.
هذه كلها جاء جماعة من المارة يصلون فيها بإمام من عندهم، ما شي الحال؟
أما مسجد في مَحِلّة: له إمام راتب ومؤذن راتب يقول لهم: حي على الصلاة، حي على الفلاح، ثم بعضهم يتقاعس في بيته، في عمله، يا أخي بنصلي فيما بعد.
وأنا في أول طلبي للعلم كنت مبتلىً بهذا القول، كنت أسمع الأذان من المسجد، وهو بجانبي، لا يبعد عنى أكثر من خمسين مترًا، أكون أنا -ساعاتي- أصلح الساعات، أقول: هه با خلص الساعة، بيصير في نقاش أنا بيني وبين عقلي: لك أنت بين ما تخلص الساعة يكون انتهت الجماعة. با صلي جماعة ثانية، لابد أُلاقي إمام. لك ما بتلاقي إمام. نفسي بتقول لي: أنت ما عاجبك نفسك، أنت طالب علم، أنت بتصلي إمام. هكذا كنت أفعل فعلاً.
لما علمت أن هذا خلاف السنة, كنت مجرد ما أسمع المؤذن يقول: الله أكبر، الله أكبر، أحط الساعة اليّ عَمّ أصلحها أمامي، وأقوم وأسعى ركضا إلى الميِضَأة أتوضأ وأصلى.
أعني بهذا: أنه إذا قام في أذهان المسلمين شرعية الجماعة الثانية والثالثة، فهذا يؤدي إلى فرط عِقْد الجماعة الأولى، وتقليل عددها، والواقع أكبر دليل.
شو الفرق بين صلاة الجماعة وصلاة الجمعة؟ الجمعة قائم في الأذهان ما يصير تكرارها؛ ولذلك بدّه يصلى الجمعة يسعى كما قال تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾.
على العكس من ذلك: لما كان قائما ومستقراً في نفوس كثير من الناس أنه في جماعة ثانية وثالثة، ها اللّي بِدّهم يصلوا مع الجماعة بيتقاعسوا عن الجماعة الأولى، بسبب هذه الفكرة القائمة في أذهانهم، وهي خلاف السنة.
فيكون حصيلة فهم هذه المسألة فهماً علمياً صحيحاً: هو مسارعة المسلمين إلى إجابة منادي الله: حي على الصلاة، حي على الفلاح.
стр. 2114
ومن الحكم القديمة المعروفة والمروية في بعض الكتب: من ثمارهم تعرفونهم، تعرف ثمرة المسألة إذا كانت صوابًا أو خطأً، تعرف صوابها من خطئها من ثمرتها.
إذا قيل بشرعية الجماعة الثانية وما بعدها، تفرقت الجماعة الأولى وتوزعت.
وإذا قيل لا جماعة تكسب هذه الفضيلة: «سبعة وعشرين درجة إلا الجماعة الأولى، انطلق المسلمون يسعون إلى ذكر الله».
الملقي: لو قال قائل: لِمَ فَرَقّتم بين المسجد اللّي فيه إمام راتب, ومؤذن راتب، وبين المساجد التي ليس فيها إمام راتب ومؤذن راتب، وما الدليل على ذلك في تفريقكم: إنه عدم قيام الجماعة الثانية؟
الشيخ: وهذا مذكور في نفس الأم للشافعي.
الملقي: نعم.
الشيخ: بالنسبة لمسجد له إمام راتب، ومؤذن راتب، يعني له جماعة، أما المساجد التي ليس لها إمام راتب ومؤذن راتب ليس لها جماعة.
فتكرار الجماعة هناك يَجمَع ولا يُفرق، بعكس تكرار الجماعة في المسجد الذي له إمام راتب، ومؤذن راتب، فهو يفرق ولا يجمع، فشتان ما بينهما، وهذا من فقه الإمام الشافعي.
(الهدى والنور /٥٢٧/ ٠٣: ٠٠: ٠١)
(الهدى والنور /٥٢٨/ ٤٦: ٠٠: ٠٠)
الجماعة الثانية في المسجد
مداخلة: ما هو حكم اثنين أو ثلاثة رجال، حضروا إلى المسجد بعد انتهاء صلاة الظهر، أو العصر، أو أيَّ فريضة كانت، أن يصلوا جماعة، أو منفردين هؤلاء الثلاثة أو الاثنين؟
стр. 2115
الشيخ: نحن نعتقد -جازمين- بما قال به أئمة المسلمين الأقدمين، كالإمام مالك والشافعي نصاً من كتبهم، وكذلك أبو حنيفة -وإن كان ليس له كتب لكن كتب أصحابه- كلهم مجتمعون على أنه يكره تكرار الجماعة في مسجد له إمام راتب ومؤذن راتب.
يُفَرِّق هؤلاء الأئمة بفقههم، بين مسجد على قارعة الطريق، أشبه ما يكون بالمساجد في طريق المدينة ... المدينة، مساجد صغيرة المارة يدخلون فيها فيصلون، فالجماعة هنا جائزة.
أما مسجد مَحِلَّة، هذا المسجد له جوارُه وله أهله وأصحابُه والمصلون فيه .. له مؤذن يخبرهم بحضور وقت الصلاة، وله إمام يؤمّهم، فمثل هذه المساجد، اتّفق هؤلاء الأئمة -الذين سَمَّيتهم لك آنفاً- بعدم شرعية الصلاة جماعةً ثانية أو ثالثة وما بعدها، ونص على ذلك الإمام مالك والإمام الشافعي -كما قلتُ- في كتبهم.
ومن أغرب ما ورد عن الإمام مالك، أنه قال: «لو أن إمام مسجدٍ لم يحضر، ولا حضر أحد إلاّ المؤذن، فصلَّى وحده، ثم حضر الجماعة، قال: يُصَلّون وَحْدَهم كُلَّهم، مع أنه لم تقم جماعة، لكن المؤذن قام بواجب الإخبار، والإمام لعذر أو آخر لم يحضر، فَصَلَّى هذا المؤذن وحده، ثم جاءت الجماعة قال: يُصَلّون فُرادَى، هذا كُلّه من باب سَدّ الذريعة.
مداخلة: طيب! ماذا تقول أنت يا شيخنا في هذه المسألة؟
الشيخ: كيف؟
مداخلة: هذه المسألة بالذات الصورة هذه، ما هو رأيك فيها؟
الشيخ: أنا معها.
مداخلة: حتى يعني ...
الشيخ: حتى في هذه الصورة، نعم.
стр. 2116
مداخلة: سد الذريعة.
الشيخ: نعم، المسجد الذي وافقته آنفاً.
مداخلة: نعم، نعم.
الشيخ: نعم، إخوانُنا يعرفون قصتي أنا مع الجماعة الأولى والثانية، وأنا بُرْهَةً طويلة من الدهر ساعاتي، مُصْلِح الساعات، وكان محلي -دُكَّاني- بجانب المسجد، فكنت أسمع الأذان بآذاني، ولكن كنت متأثراً بالفقه السائد، والمُشَاهد في المساجد تكرار الجماعة الواحدة بعد الأخرى.
فأنا مثلاً: أشتغل في الساعة، أريد أن أُرَكِّب برغي، أو أريد أن أُرَكِّب عقرب، أسمع الأذان، وأُعَلِّل لنفسي أن هذه شغلة بسيطة، سرعان ما أنتهي منها، وسأقوم وأُدرك صلاة الجماعة، هذه تُصْبِح أحياناً ليست بسيطة، صعبة وطويلة الأمد، ويصبح نقاش بيني وبين عقلي وبين نفسي، أن هذا ستفوِّتك صلاة الجماعة، اترك الساعة ستجدها في أرضها، واذهب وأدرك الجماعة، نفسي ستقول لي: لا، ولو كان راحت الجماعة ستجد جماعة ثانية .. عقلي يقول: افرض أنه لم نجد إماماً يصلي فينا، أنت طالب علم ..
فعلى الأقل في هذه المسألة.
فاقتنعتُ أنه كما أنه في المجتمع العام لا يُشْرَع إلا إمام واحد هو الخليفة، كذلك في المجتمع الخاص، -وهو المسجد- لا يُشْرَع إلا إمام واحد، اقتنعت في هذا ..
بعد هذا الاقتناع، الساعة بيدي، وضعتها على الطاولة أمامي، وانطلقت سراعاً، نادر جداً جداً بعدما حملت في نفسي هذه العقيدة الصحيحة أن تفوتني صلاة الجماعة.
ولذلك: فالقول بجواز الجماعة الثانية، هي تَصُدُّ عن ذكر الله مع الجماعة الأولى، هذا أمر واقع ما له من دافع.
стр. 2117
وأنا رُبِّيت في دمشق، وكنت أدخل مسجد بني أمية بعد صلاة العصر لحضور بعض الدروس هناك كنت في بعض الأحيان أسمع أذان المغرب، وجماعة صلاة العصر لم تُسَلِّم بعد.
أي: من جملة الجماعات .. صلى الإمام الأول الحنفي .. هذا في الزمن الأول، بعد ذلك أصبح الإمام الأول هو الشافعي، وبعد ذلك: صلى الإمام الأول في محرابه والإمام الثاني في محرابه والثالث والرابع .. أربعة محاريب .. أربعة أئمة يُصَلّون بصورة رسمية، ونظامية في المسجد الأموي الكبير .. مع ذلك تستمر الجماعات، حتى ندرك جماعة تُصلِّي العصر وأذان المغرب يُؤَذَّن، فالقول بجواز الجماعة الثانية، وإدخالها تحت عموم قوله ﵇: «صلاة الجماعة تَفْضُل صلاةَ الفرد بسبع وعشرين درجة» هذا فيه تعطيل الجماعة الأولى.
ولذلك: الآن نجد الفرق بين صلاة الجمعة وصلاة الجماعة ..
صلاة الجمعة: لأن الناس يعلمون أن لا تكرار فيغص المسجد بالمصلين .. صلاة الظهر يعرفون أنها تتكرر، فيكملوا صف أوصفين ..
هذه الآثار كافية لتنبيه المسلم بِصحَّة هذا القول الذي نقلتُه لكم آنفاً، أنه لا جماعة ثانية في مسجد له إمام راتب ومؤذن راتب.
وهذا القول مُدَعَّم بالسنة العملية، أي: في زمن النبي ﷺ لم يكن في مسجده إلا جماعة واحدة، وهذا يُسْتَنْبط باستنْباطات دقيقة جداً، منها: قوله ﵇: «لقد هممت أن آمُرَ رجلاً فيُصَلِّي بالناس، ثم آمرُ رِجَالاً فيحطِبُوا حَطَباً، ثم أُخالف إلى أُناس يَدَعون الصلاة مع الجماعة، فأُحَرِّق عليهم بيوتَهم، -والذي نفس محمد بيده- لو يعلم أحدهم أن في المسجد مرماتين حسنتين لشهدها» أي: صلاة العشاء.
وجه الاستنباط من الحديث: أن الرسول ﵇ هَمَّ أن يُوكِل واحداً يصلي نيابةً عنه، ويذهب هو يُغافل المتخلفين عن صلاة الجماعة، ويُحَرِّق البيوت عليهم، لماذا؟ لأنهم تركوا فريضة الجماعة.
стр. 2118
وهذا معناه: أنه لا جماعة ثانية؛ لأنه لو قال الرسول: «ماذا تفعلون هنا»؟ لماذا لا تحضرون صلاة الجماعة؟ كانوا سيقولون يا رسول الله: هناك جماعة ثانية .. هناك جماعة ثالثة.
لكن: لا، مسدود عليهم طريق الاحتجاج على الرسول، وحجة الرسول قائمة عليهم؛ لأنه نَبَّأهم أنه لا جماعة إلا الجماعة الأولى؛ ولذلك جاز له ﵊، أن يُخَالف إلى أولئك الأقوام، ويُحَرِّق عليهم بيوتَهم، لكنه لم يفعل لسبب معروف عند العلماء، وهو أن في البيوت من لا تَجِب عليهم صلاةُ الجماعة من النساء والأطفال ... إلى آخره.
وهذا أسلوب رائع جداً من رسول الله ﷺ في الترهيب من مخالفة الشرع، وهو الهَمّ بتحريق النار، لماذا لم يفعل؟ لأنه قام المانع .. وُجِد المُقْتَضي للتحريق، فَهَدّدهم بذلك، لكن قام المانع فلم يُنفِّذ، هذا أسلوب رائع جداً.
إذاً: لهذا الحديث وجذوره، لم يكن السلف الصالح يعرفون جماعتين في مسجد واحد.
ولذلك صح عن عبد الله بن مسعود، أنه كان عنده رجلان من أصحابه التابعين الذين نقلوا العلم عنه، فانطلقوا إلى المسجد، وإذا الناس خارجون، انتهت الصلاة، فعاد بهما إلى بيته وصلى بهم جماعة وهو يعلم قوله ﷺ : «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» فلماذا لم يدخل المسجد ويُصَلِّي الفريضة؟ لأن الرسول يعني قال أفضل صلاة الجماعة؟ لكن عندما كان لا جماعة ثانية، رجع بهم وجَمَّع بهم في بيته.
ومن هذه النقول، وهي كثيرة وكثيرة جداً: لذلك فالجماعة الثانية لا تشرع نصاً وعقلاً .. نقلاً وعقلاً؛ لأنها تُفَرِّق جماعةَ المسلمين، وتُتَّخذ وسيلة للتباغض والتنافر والتشاحن ..
(الهدى والنور/٥٤٥/ ٥٩: ٢٠: ٠٠)
стр. 2119
حكم الجماعة الثانية
مداخلة: بالنسبة لحديث النبي ﷺ : «من يتصدق على هذا» نسأل، بالنسبة للإمامة، الرجل الذي صلى مع الجماعة أَمَّ الرجل الذي فاتته الجماعة.
الشيخ: الذي فاتته الجماعة؟
مداخلة: ما معنى قول الرسول ﷺ : «من يتصدق على هذا»
الشيخ: هو، إذا فهمنا هذا المعنى، تفهم أن الإمام هو الذي فاتته صلاة الجماعة؛ لأن الرسول ﷺ في مناسبة هذا الحديث: «ألا رجل يتصدق على هذا فيُصَلِّي معه» أنه صَلّى يوماً بأصحابه ثم دخل رجل وقد فاتته الصلاة، ورآه النبي ﷺ ، فقال للذين صَلّوا خلفه: «ألا رجل يتصدق على هذا فيُصَلِّي معه».
فما قال فيصلي به، قال «يصلي معه»، هذه أولاً.
ثانياً: عادة المُتَصَدِّق والمُتَصَدَّق عليه، لا شك أن أحدهما غنيٌّ والآخر فقير، فالغني هنا: هو الذي صَلّى خلف الرسول ﵇ والفقير هنا: هو الذي فاتته الصلاة وراء الرسول ﵇.
فإذاً: الذي صَلَّى خلف الرسول ﵇ هو الذي سيتصدق عليه، أي: يقتدي به، ويجعل صلاة هذا الذي دخل وسيصلي وحده، يجعلها جماعة.
فإذاً: هو الذي تصدق عليه، وليس الفقير يَتَصَدَّق على هذا الغني.
مداخلة: إذا كان أفقه وأقرأ منه، ...
الشيخ: ليس وارداً هذا الكلام.
مداخلة: هل هذا مشروع: لو كنا في المسجد، وعرفنا رجلاً يعني: محافظ على صلاة الفجر، فتأخر يوماً، وقال -مثلاً- الإمام واحد يقوم يصلي معه.
стр. 2120
الشيخ: نعم، هذا مشروع اليوم.
مداخلة: جزاك الله خيراً.
مداخلة: يا شيخنا: يحتجون به على إقامة الجماعة الثانية؟
الشيخ: لا، وليس للحديث علاقة بالجماعة الثانية، في عِدَّة أشرطة في هذا.
(الهدى والنور / ٥٩٣/ ٤٤: ٢٤: ٠١)
حكم الجماعة الثانية
«حديث أبى سعيد: «من يتصدق على ذا فيصلى معه». صحيح أخرجه أحمد «٣/ ٦٤ و ٥/ ٤٥» وأبو داود «٥٧٤» وكذا الدارمى «١/ ٣١٨» والترمذى «١/ ٤٢٧ ـ ٤٢٨» وابن أبى شيبة «٢/ ٦٣/٢» وابن الجارود «١٦٨» والحاكم «١/ ٢٠٩» وأبو يعلى فى «مسنده» «ق ٦٩/ ٢» والطبرانى فى «الصغير» «ص ١٢٦ و ١٣٨» والبيهقى «٣/ ٦٩» وابن حزم «٤/ ٢٣٨» عن سليمان الناجى عن أبى المتوكل عن أبى سعيد الخدرى: «أن رجلاً دخل المسجد, وقد صلى رسول الله ﷺ بأصحابه, فقال رسول الله ﷺ : فذكره. زاد أحمد - والسياق له - وغيره: فقام رجل من القوم فصلى معه». فهذا نص على أن الرجل كان من الجماعة الذين كانوا صلوا مع النبى ﷺ , ولم يدخل عليهم بعد الرجل الأول, ويؤيده مرسل الحسن البصرى بلفظ: «أن رجلاً دخل المسجد وقد صلى النبى ﷺ , فقال: ألا رجل يقوم إلى هذا فيصلى معه, فقام أبو بكر فصلى معه, وقد كان صلى تلك الصلاة». أخرجه ابن أبى شيبة «٢/ ٤٦/١» والبيهقى «٣/ ٦٩ ـ ٧٠» وإسناده إلى الحسن صحيح.
[إرواء الغليل تحت حديث رقم (٥٣٥)]
стр. 2121
استئذان الإمام إقامة جماعة ثانية
مداخلة: من كان يرى الجماعة الثانية في المسجد، وإمام المسجد لا يراها، فهل يجب عليه أن يستأذن إمام المسجد لإقامتها؟
الشيخ: لا، لا يجوز؛ لأن الاستئذان معناه: أنه مشروع، وهو لا يرى الشرعية، فكيف يطلب أن يستأذنوا منه.
(الهدى والنور /٦٢٦/ ٢١: ٤١: ٠٠)
صلاة الجماعة الثانية في المسجد
مداخلة: يسأل هنا ما حكم صلاة الجماعة الثانية بعد الجماعة الأولى في كل فريضة، يصلون
الشيخ: نعم.
مداخلة: ويُنْهوا الصلاة، ومن ثَمَّ تأتي جماعة أخرى وتقيم الصلاة وتصلى جماعة ثانية.
الشيخ: هذه -في الحقيقة- الجماعة الثانية من العادات التي سار عليها المسلمون من زمن بعيد، وهي ليست مشروعة عند جماهير علماء المسلمين، كلنا يعلم أن صلاة الجماعة في مساجد المسلمين فريضة أو واجبة، يجب على كل مسلم أن يسعى إليها فور سماعه المؤذن يقول: حَيَّ على الصلاة حَيَّ على الفلاح، هذا الواجب في سبيل الحفاظ عليها وتكثير ثواب جماعتها حَضّ النبي ﷺ على أدائها فقال: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس» وفي رواية «بسبع وعشرين درجة» ثم كلما كثرت الجماعة، كلما كان أجرها أعظم عند الله ﵎.
لذلك كان السلف الصالح حريصين كل الحرص على المحافظة على هذه
стр. 2122
الجماعة، أولاً: ليقوموا بواجب قوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] كما شرحنا ذلك في درس أو ومحاضرة مضت، ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] أي: صَلُّوا مع المصلين في المساجد، فحرصاً من السلف، كانوا يفعلون ذلك، ويحضرون الصلاة في المساجد، ثم بعد ذلك لا تقام جماعة ثانية أبداً؛ ذلك لأن النبي ﷺ ، الذي سن للأمة هذه الجماعة، جعلها جماعة فريضة واحدة، فمسجد النبي ﷺ في زمنه، كسائر المساجد الأخرى التي كانت في بلده أو في غيرها من البلاد التي دخلها الإسلام، كان المسلمون يحافظون على وحدة الجماعة.
ومن الأدلة على ذلك: الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لقد هممت أن آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم آمر رجالاً فيحطبوا حطباً، ثم أُخَالف إلى أناس يَدَعون الصلاة مع الجماعة، فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفس محمد بيده لو يعلم أحدهم أن في المسجد مرماتين حسنتين لشهدها، أي صلاة العشاء» فهذا الحديث يدل على أنه لم يكن في عهد النبي ﷺ إلا الجماعة الأولى، من أين أخذنا هذه الدِّلَالة؟ من هَمِّه ﵇ بحرق بيوت المتخلفين عن صلاة الجماعة، وإلا لو كان هناك جماعة ثانية ومشروعة، لكان في ذلك عذرٌ واضحٌ لأولئك المتخلفين في بيوتهم، فكان بإمكانهم أن يعتذروا عن أنفسهم، وأن يقولوا: لو هَمَّ أو لو فعل الرسول ما هَمّ به من تحريق بيوتهم في بالنار، لقالوا: يا رسول الله، نحن نُصَلِّي مع الجماعة الثانية أو الثالثة أو ما أدري كم الرقم، يختلف هذا باختلاف البلاد والمساجد، وأنا شخصياً في دمشق شاهدت أكثر من مَرَّة، وفي المسجد الكبير -مسجد بني أمية- أذان المغرب يُؤَذَّن، وهناك جماعة في المسجد يصلون صلاة العصر، تَصَوَّروا كما جماعة أُقيمت من بعد الجماعة الأولى، علماً أن من مساوئ هذه المسجد الكبير، غير تكرار هذه الجماعة الطارئة، فهناك أربع محاريب وأربعة جماعات مُعْتَرف بها في وزارة الأوقاف، بل ولكل محراب إمامُه، هذا هو الإمام الحنفي في الوسط، يميناً الشافعي، يساراً الحنبلي، ثم المالكي .. هكذا، هذا بلا شك ليس مشروعاً، بل كراهيته أشد مما نحن نتحدث فيه؛ لأنها أئمة معترف فيها رسمياً من قِبَل الدولة.
стр. 2123
أما الإسلام الذي جاء في القرآن، وجاء في حديث الرسول ﵇، فهو لا يعترف بهذه الجماعات الطارئة كما مثلت لكم آنفاً .. أذان المغرب يُؤَذَّن وهناك جماعة تصلي صلاة العصر، هذه الجماعة الطارئة، فأنْكَر منها أربعة جماعات، بل ثلاث جماعات بعد الجماعة الأولى معترف بها رسمياً، وتُصرف أموال الشعب المسلم لإقامة هذه الجماعات غير المشروعة، وهي بعد الجماعة الأولى، هذا بلا شك يخالف القرآن، ويخالف السنة، أما القرآن فقوله ﵎: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣١] ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢].
﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم: ٣١] ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ [الروم: ٣٢] لا شك أن الصلاة من الدِّين، فالتَفَرُّق في هذه الصلاة هو تَفَرُّق في الدين، ولا أدل على ذلك: من أننا كنا نشاهد تقام الصلاة فَيُصَلي الإمام الأول وهناك جلوس .. ناس جلوس لا يقومون يصلون، لماذا؟ لأنهم يريدون أن يُصَلّوا بإمامهم، فإذا أُقيمت الصلاة للجماعة الثانية، للإمام الثاني، هناك ناس آخرون جلوس، لماذا؟ يريدون أن يصلوا مع إمامهم، الثالث والرابع .. هكذا.
فأيُّ تفرق أَشَدّ من هذا التفرق؟ هذا التفرق معترف به رسمياً في الدولة.
ولقد وقع لي مَرَّة أن قلت لأحد المتعصبة وهو في المسجد: قد أُقيمت الصلاة فهيّا لنصلي، قال: هذه الصلاة لم تقم لنا .. لم تَقُم لنا.
يعني: هو مذهبه -مثلاً- حنفي والصلاة التي أُقيمت أُقيمت للشافعية، هذه أمور كانت تقع منذ قرون، أما في هذا الزمان فقد اضّمحلت العصبية، لكن -مع الأسف أقول- لم تَضْمَحِل من كثير من الناس، لأنها تخالف الإسلام، وتُفَرِّق الدين، وإنما لأن الواحد منهم لا يبالي يصلي مع الإمام الأول أو الثاني.
خلاصة الكلام: تكرار الجماعة في المساجد، ولو كانت غير رسمية، فهي مما تفرق الجماعة الأولى، والتَفَرُّق في الإسلام منهيٌّ عنه، ولستم بحاجة إلى توسع في
стр. 2124
هذه القضية، ولكني أُذَكِّركم بكلمة للإمام الشافعي ﵀ قالها في كتابه «الأم» المعروف قال: وإذا دخل جماعة المسجد فوجدوا الإمام قد صَلَّى صَلّوا فرادى، لِمَ؟ قال: لأنه لم يكن من عمل أهل السلف، ثم قال الإمام الشافعي: وأَنَّا قد حفظنا أن جماعة من أصحاب النبي ﷺ فاتتهم الصلاة مع الإمام فَصَلّوا فُرادى، وقد كانوا قادرين على أن يُجَمّعوا مرة أخرى، ولكنهم لم يفعلوا؛ لأنهم كرهوا أن يُجَمّعوا في مسجد مرتين، قال الشافعي: وأَنَّا قد حفظنا أن جماعة من أصحاب النبي ﷺ فاتتهم الصلاة مع الإمام فصلوا فرادى .. كل واحد منهم يُصَلّي لنفسه قال الإمام ﵀: وقد كانوا قادرين على أن يُجَمعوا مرة أخرى ولكنهم لم يفعلوا؛ لأنهم كرهوا أن يجمعوا في مسجد مرتين، يعني يصلوا جماعة ثانية.
والحِكْمَة في هذا ظاهرة جداً؛ لأن الجماعة الثانية والثالثة تُفَرِّق الجماعة الأولى، وهذا أمر مُشَاهد خاصةً يوم الجمعة، المسجد يغصّ بالمصلين يوم الجمعة، من أسباب ذلك: أنهم يعلمون أنه ما هناك إمام ثانٍ، ولذلك فهم يصلون في المسجد يوم الجمعة كلهم، وقد يضطرون للصلاة خارج المسجد، لشدة الزحام، فلو أن المصلين المحافظين على الصلاة في الجماعة يحرصون على أدائها مع الجماعة الأولى -أيضاً- لغَصّ المسجد بهؤلاء المصلين، ولكن حينما استقرّ في أنفسهم أن الجماعة الثانية جائزة والثالثة، فكل واحد يتعلل بِعِلّة، وهي غير شرعية حتماً، لا بأس إذا فاتتنا الجماعة الأولى نصليها جماعة ثانية وثالثة وأخرى.
وختاماً: أضرب لكم مثلاً بشخصي أنا: أنا كنت طالب علم، وصاحب مهنة، وهو تصليح الساعات والمسجد جاري، كنت إذا سمعت الأذان وفي يدي ساعة أُصْلِحُها أقول هاه حتى أنتهي منها، وقريباً أنتهي، ثم يأخذ العمل وقتاً، فيصير مناقشة بين عقلي وبين نفسي .. راح تفوتك الصلاة، بعدين قم ما عليش، إذا فاتتني الصلاة فلا بد أن أجد إماماً آخر يصلي بنا ونصلي خلفه .. ثم تتم المناقشة بين العقل والنفس، ربما ما تجد إمام، وإن لم تجد أنت طالب علم، يعني أنت ألست تعجب بحالك؟ طالب العلم، وتقرأ القرآن جيداً، إن ما وجدت إمامًا أنت تؤم الناس .. ،
стр. 2125
هكذا كنت أضيع صلاة الجماعة الأولى، بمثل هذه التَعَلُّلات.
ثم لما هداني الله وعَرَّفني سنة النبي ﷺ بعامّة، وهذه السنة بخاصة، كنت أول ما أسمع الأذان ولو بِدّي أُرَكِّب عقرب أو ما شابه ذلك، أدع الساعة أمامي على الطاولة، وأقوم وأُصَلّي، وأجد الساعة كما هي، وأتم الشغل بعد الصلاة.
هذا مثال في شخصي، وكل الناس مِثْلي تماماً في تَعُّللهم في إعراضهم وعدم حرصهم على الجماعة الأولى، لذلك أُذَكِّر -والذكرى تنفع المؤمنين- بضرورة الحرص على المحافظة على الجماعة الأولى، ولا تقيموا جماعة ثانية؛ لأن صلاتك وحدك والحالة هذه أفضل من صلاتك جماعة ثانية.
ثم أُذَكِّر بشيء هام .. إذا كان المسلم دائماً في باله أن يصلي في المسجد مع الجماعة الأولى، وهذا ما أشار إليه الرسول ﷺ في الحديث الذي أوّله «سبعة يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجل قلبه مُعَلّق بالمساجد» ما معنى: «رجل قلبه معلق بالمساجد»؟ يعني: عقله ولبه في المسجد، أي: مجرد ما يسمع الله أكبر الله أكبر، يَدَع كلَّ شيء من عمل وينطلق إلى المسجد، إذا كان المسلم -هكذا- حريصاً على صلاة الجماعة، ثم تأخَّر به تهيؤه لصلاة الجماعة .. ذهب -مثلاً- لقضاء الحاجة، فبينما انتهى، وبينما جَدّد وضوءه ودخل المسجد، وإذا الإمام سَلَّم، فهذا تُكتب له صلاة الجماعة؛ لأن النبي ﷺ قال: «من توضأ في بيته وأحسن وضوءه، ثم أتى مسجد الجماعة فوجدهم قد صَلّوا، كتب الله له مثل أجر صلاتهم، دون أن يُنْقِص من أجورهم شيئًا»، إذاً: المهم -بارك الله فيكم- أن تحرصوا على أداء الصلاة مع الجماعة الأولى، فمتى علم الله منكم حرصًا، هذا لو فاتته الجماعة مرة أو مرات كُتب له أجر الجماعة، أما الأشخاص الذين لا يبالون صَلّوها جماعة مع الأولى أو الثانية أو ما صلوها جماعة .. هؤلاء لا تُكتب لهم الجماعة، إلا إذا أدّوها فعلاً مع الجماعة الأولى ..
إذاً: حَسِّنوا نواياكم، حتى تؤدوا العبادة كما أمركم ربكم، فإذا فاتتكم أُجِرْتم
стр. 2126
على حسن نواياكم، نعم.
(الهدى والنور/٧١٦/ ٤٣: ٠٠: ٠٠)
حكم إقامة الجماعة الثانية في المسجد
الملقي: إذا أحدٌ دخل المسجد وقد انتهت الصلاة، وحدثت الصلاة الثانية جماعة.
الشيخ: تصلي وحدك؛ لأن الصلاة المشروعة هي الجماعة الأولى.
أولاً: هكذا كانت السنة في عهد النبي ﷺ ، فقد جاء في مصنف ابن أبي شيبة عن الحسن البصري: «أن أصحاب النبي ﷺ كانوا إذا فاتتهم الصلاة مع النبي ﷺ أو قال: الصلاة مع الجماعة، صلوا فرادى».
هذا عن الصحابة، وعَلَّق الإمام الشافعي هذا الأثر في كتابه الأم، وأتبعه تفقهاً منه بقوله: «وقد كانوا قادرين على أن يصلوا جماعةً مرةً أخرى، ولكنهم لم يفعلوا؛ لأنهم كرهوا أن يجمعوا في مسجد مرتين».
لكن هو من فقهه ﵁ يُفَصِّل فيجعل هذا الحكم خاصاً في مسجد له مؤذن راتب، وإمام راتب، المؤذن يعلن، والإمام يجمع الناس حوله.
وأما مسجد في قارعة طريق، ليس له مؤذن ولا إمام راتب، فكلما دخلت جماعة صلوا جماعة لا بأس من ذلك؛ ليه بيفرِّق الإمام الشافعي هذا التفريق؟
بيقول: لأنه في الحالة الأولى، في مخالفة للسلف، وفي تفريق لجماعة المسلمين، يعني: مسجد له مؤذن، وله إمام له جماعته، فإذا قيل لهذه الجماعة إنه يجوز جماعة ثانية وثالثة تفرَّقت الجماعة.
فبدل ما يكون المسجد ممتلئ كله أو جُلّه أو نصفه بتلاقي صف أو نص صف، أو أقل أو أكثر، لماذا؟
لأنهم يتأخرون ويُفرِّقون الجماعة الأولى إلى جماعات متعددة.
стр. 2127
فهذا المسجد الذي له إمام راتب، ومؤذن راتب، إذا قيل لهذه الجماعة: يجوز لكم تعداد الجماعة تفرقت الجماعة.
[أنا -كما تعلمون- كدت أن أقول: من أبناء دمشق، لكن خشيت أن يفهموا أنني من مواليد دمشق، ولذلك عدلت من هذا القول إلى قولي: أنا من سكان دمشق، وعشت هناك سنين طويلة؛ «لأنني هاجرت من بلدي مع والدي ﵀، وسني في التاسعة»، فلا أنسى أبداً أنني] كنت أرى جماعات صلاة العصر، تستمر في أكبر مسجد، مسجد بني أمية إلى أذان المغرب، وبتعرفوا -يمكن قسم كبير منكم-، مثل مسجد بني أمية كبير، وحوله الأسواق: سوق الحمدية، والوزورية، والمسكية، وو ... إلى أخره.
فتصوروا هذول لو كانوا يتجاوبون مع المنادي: حي على الصلاة حي على الفلاح، كم تكون الجماعة في ذاك المسجد؟
لكن استقر في أذهانهم: في جماعة ثانية، ويستدل لهذه الجماعة الثانية بعض الناس -ويؤسفني أن يكون فيهم من نحترم علمهم- بمثل قوله ﷺ : «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس»، وفي رواية: «بسبع وعشرين درجة».
إذاً: صلاة الجماعة، هذه جماعة، وهذه جماعة إذاً ...
هنا فائدة علمية: -أرجوا أن تنتبهوا لها لأنها مهمة جداً جداً-، استدل المستدل في حديث: «صلاة الجماعة»، على شرعية تكرار الجماعة في المسجد الذي له إمام راتب ومؤذن راتب، فهو فهم الحديث بالتعبير اللغوي أن «أل» التعريف في «الجماعة» هي أو هو للاستغراق والشمول، «صلاة الجماعة» فسرها بمعنى: صلاة كل جماعة.
لأنه «أل» التعريف عند علماء اللغة والبيان والبلاغة تنقسم إلى قسمين: إما للعموم والشمول، وإما للعهد، هالّلي في الذهن، فالفرق بين «أل» و «أل» هذه واسع جداً إذا
стр. 2128
فهمت أن ال في الجماعة للعموم والشمول، صح الاستدلال بالحديث على أنه: كل جماعة تُقام في أي مسجد فهي جماعة مشروعة، وثوابها سبع وعشرون درجة.
أما إذا فُهمت على العهد، فيبطل هذا التعميم ويختص بجماعة مُعينة.
فما هو الصحيح؟ وكيف يُمكن تمييز هذا من هذا؟
«صلاة الجماعة»، إذا قلنا: «أل» للاستغراق والشمول، صح الاستدلال على شرعية كل جماعة بعد الفريضة التي صُلّيت مع الجماعة الأولى.
أما إذا فُسرت «أل» بأنها للعهد، وليست للاستغراق والشمول تنحصر بجماعة واحدة.
ما هي الجماعة الواحدة؟ هي المعروفة شرعاً، والمستقرة في الذهن، كلكم يتصور معي ما سأذكره الآن وهو أن الرسول ﵇ خاطب أصحابه بهذا الحديث، فإذا كان أصحابه لا يعهدون منه في مسجده إلا جماعة واحدة، فحينما يسمعون قوله ﵇: «صلاة الجماعة»، أيّ جماعة بيستقر في الذهن المقصودة بهذه الفضيلة؟ الجماعات التي لم تُخلق بعد؟ لا هذا ما يخطر في البال، ما يخطر في البال إطلاقاً، وإنما الجماعة المعهودة، ولذلك يقال: هذه «أل» هي للعهد، وليست للاستغراق والشمول، وعلى العكس من ذلك: إذا افترضنا أنه كانت تقام جماعات عديدة في مسجده ﵇، تارة هو يَؤُمهم، تارة يؤمهم أبو بكر، في نفس صلاة واحدة، الظهر، العصر، المغرب، العشاء .. إلى آخره، فقال ﵇ حينما قال: «صلاة الجماعة»، إلى وين بيروح فهمهم؟ لهذه الجماعات المتعددة؟ !
فإذا علمتم أنه لم يكن في عهد النبي ﷺ إلا جماعة واحدة، إذاً: انحصرت «أل» هنا أنها للعهد وليست للاستغراق وللشمول.
من هنا نحن نأتي إلى القاعدة الفقهية الهامة، وهي: أنه يجب تفسير أحاديث الرسول ﵇، بعضها ببعض، والحديث القولي يُفَسّر بالحديث العملي.
أضرب لكم مثلاً حساساً، وبعد ذلك ننتهي إلى تلخيص القاعدة الهامة: «
стр. 2129
صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة»، ويقول الرسول ﵇: «يد الله على الجماعة»، دخلنا المسجد في وقت صلاة الظهر -مثلاً-، وكل واحد منا ينتحي ناحية، ويتستر بسترة يصلي إليها سنة الظهر القبلية، فبدا لأحدهم وصاح: يا جماعة ليه عم بتصلوا وحدكم؟ ! تعالوا لتصلوا جماعة، قال ﵊: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة»، قال ﵇: «يد الله على الجماعة»، هل هذا مصيب أم مخطئ؟ أنا سأقول له مخطئ، لكن لماذا تقولون مخطئ؟ -ولا مؤاخذة لأنه ما جرت العادة-، أما لو جرت العادة فحكم هالجماعة مثل الجماعة اللّي عم بيسأل عنها الأخ.
إعادة الفريضة مرة ثانية وثالثة، هذه جرت العادة فيها، فلا نكير لها، أما هذه الصورة التي أنا صورتها لكم آنفاً، رأساً تتبادر الأذهان والأفهام إلى أن هذا منكر.
لكن لاحظوا معي: أن هذا المنكر داخل في الدلالة العامة: «صلاة الجماعة»، و «يد الله على الجماعة»، لكننا إذا رجعنا إلى الفهم السابق، الجماعة ليست للاستغراق والشمول، وإنما هي للعهد نرجع الآن لنقول: هذه الجماعة جماعة النافلة في السنة الراتبة، هل هي معهودة -كانت في عهد من قال: صلاة الجماعة، ويد الله على الجماعة-؟ الجواب: لا.
إذاً: ما يجوز أن نستدل بعموم حديث لم يَجْرِ العمل في عهد النبي بهذا العموم.
(الهدى والنور / ٥٣٣/ ٣٠: ٢٥: ٠٠)
حكم الجماعة الثانية
مداخلة: هل يجوز الاقتداء بالمأموم؟
الشيخ: لا، لا يجوز؛ لأنه لم يقع في عهد الرسول ﵇ ولا في أي عهد من عهود السلف الصالح، قد جاء في صحيح البخاري في قصة خروج النبي ﷺ -
стр. 2130
ذات صباح يوم لقضاء الحاجة وكان معه المغيرة بن شعبة، فلما جاء وقت الوضوء صب المغيرة على النبي ﷺ وكان الناس ينتظرونه ﵇ ليصلي بهم إمامًا كما هي عادته فلما استأخروه قدموا عبد الرحمن بن عوف فصلى بهم إمامًا، فجاء المغيرة مع النبي ﷺ فهم المغيرة أن ينبئ الإمام بمجيء الرسول ﷺ ليتأخر فأشار إليه أن دعه، فاقتدى الرسول ﵇ والمغير بعبد الرحمن بن عوف، ثم سلم عبد الرحمن وقام وقضيا الركعة التي كانت فاتتهما، فلم يقتدي المغيرة بالرسول ﵇ في تمام هذه الصلاة كما يفعل البعض اليوم، وكذلك الصورة التي أنت ذكرتها آنفًا أن يأتي رجل وقد سلم الإمام فيجد بعض المسبوقين، فيقتدي به، فلم تقع هذه الصورة أبدًا.
والجماعة الثانية على كل حال في المسجد لا تشرع؛ لأن السلف الصالح كلهم كانوا إذا فاتتهم الصلاة مع الجماعة صلوا فرادى، وقد قال الإمام الشافعي ﵀ في كتابه الأم: وأنا قد حفظنا أن جماعة من أصحاب النبي ﷺ فاتتهم الصلاة مع الجماعة فصلوا فرادى وقد كانوا قادرين على أن يجمعوا مرة أخرى، ولكنهم لم يفعلوا؛ لأنهم كرهوا أن يجمعوا في مسجد مرتين.
(فتاوى رابغ (٦) /٠٠: ٣٦: ٣٦)
حكم الجماعة الثانية في المسجد
مداخلة: فضيلة الشيخ حفظك الله ما حكم الجماعة الثانية في المسجد؟ وإذا كانت مكروهة وأتيت بعد انتهاء الجماعة الأولى فهل أعود إلى بيتي وأصلي الصلاة في البيت؟ أرجو التوضيح أثابكم الله.
الشيخ: هذه المسألة اختلف فيها الفقهاء من الأئمة الأربعة ثم من تابعهم، فأكثرهم على القول بكراهة تكرار الجماعة في مسجد له إمام راتب ومؤذن راتب، المؤذن يؤذن يجمع الناس للصلاة في هذا المسجد، والإمام يؤمهم ويصلي بهم، أما مسجد على قارعة الطريق ليس له إمام راتب ولا مؤذن راتب فتجوز الجماعة الثانية وما بعدها فيه، كلما دخلت جماعة أقامت الصلاة جماعة لا حرج في ذلك بهذا الشرط
стр. 2131
المذكور وهو: أن لا يكون له إمام راتب ولا مؤذن راتب بخلاف ما إذا كان من للمسجد مثل هذا الشرط فحينئذ تكره عقد جماعة ثانية، هذا مذهب الإمام أبي حنيفة والإمام مالك والإمام الشافعي.
أما الأمام أحمد فالرواية المشهورة عنه أنه يقول بجواز تكرار الجماعة في المسجد الواحد، لكني وجدت في كتابه المعروف بمسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني صاحب السنن المعروف بسنن أبي داود وجدته يروي عن الإمام أحمد أنه قال: تكره إعادة صلاة الجماعة في الحرمين الشريفين أكثر من غيرهما، فرأيت في هذا النقل الصحيح الذي نقله أبو داود في مسائله عن الإمام أحمد ﵀ ما يوافق أقوال الأئمة الثلاثة الذين ذكرتهم آنفا، وكلام الإمام الشافعي في كتابه المشهور والمسمى: بالأم صريح جدًا في هذه المسألة.
وفيه فائدة قلما تلتقط من غير كتابه حيث قال بلسانه العربي القرشي: وإذا دخل جماعة المسجد فوجدوا الإمام قد صلى صلوا فرادى، وإن صلوا جماعة جازت صلاتهم، وإنما أكره ذلك منهم؛ لأنه لم يكن من عمل السلف ثم قال: وأما مسجد على قارعة طريق ليس له إمام راتب ولا مؤذن راتب فيجوز تكرار الجماعة فيه.
ثم قال وهذه هي الفائدة العزيزة التي أشرت إليها آنفًا: وأنا قد حفظنا أن أصحاب النبي ﷺ فاتتهم الصلاة مع الجماعة دخلوا المسجد فوجدوا الإمام قد صلى صلوا فرادى قال: وقد كانوا قادرين على أن يجمعوا في مسجد مرة أخرى ولكنهم لم يفعلوا؛ لأنهم كرهوا أن يجمعوا في مسجد مرتين، والحكمة في هذا الحكم الذي تبناه الأئمة الثلاثة وتبعهم الإمام أحمد في تلك الرواية الصحيحة عنه أن القول أو أن إقامة الجماعة الثانية وما بعدها في المسجد الذي له إمام راتب ومؤذن راتب يؤدي إلى تفريق جماعة المسلمين وعلى الأقل تقليل الجماعة الأولى، فإنها هي التي قال فيها الرسول ﷺ : «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بخمس - وفي الرواية الأخرى بسبع - وعشرين درجة» فهذه الفضيلة إنما تختص بها الجماعة الأولى
стр. 2132
لما سبق من الدليل أن أصحاب النبي ﷺ كانوا إذا فاتتهم الصلاة مع الجماعة أي: الأولى صلوا فرادى، فلماذا صلوا فرادى؟ ذلك أولًا؛ لأن الفضيلة التي ذكرناها آنفًا أنها بسبع وعشرين درجة قد فاتت فلا مجال لتعويضها، وثانيًا: لأن عمل السلف كان على عدم إعادة الجماعة، فالجماعة الأولى هي التي أشار إليها نبينا صلوات الله وسلامه عليه في الحديث الذي أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «وقد هممت أن آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم آمر رجالًا فيحطبوا حطبًا، ثم أخالف إلى أناس يدعون الصلاة مع الجماعة» الجماعة هنا بالعهد أي: الجماعة التي كان [يقيمها، وقد كان ﷺ يقول]: «لو يعلم أحدهم أن في المسجد مرماتين حسنتين لشهدها يعني: صلاة العشاء» فإذا ذكرنا هذا الحديث الذي فيه هذا الوعيد الشديد حيث هم النبي ﷺ بتحريق بيوت المتخلفين عن صلاة الجماعة هذا الهم الدال على أهمية وعظمة حكم صلاة الجماعة وهي
أنها فريضة، فإذا كان النبي ﷺ هَمَّ بتحريق المتخلفين عن هذه الجماعة هي الجماعة الأولى، فهل من قائل بأن مثل هذا الترهيب الشديد يتوجه أيضًا إلى كل الجماعات التي تقام بعد الجماعة الأولى، ما أتخيل عالماً أوتي شيئًا من الفقه يجرؤ على أن يقول بأنه يعاقب المتخلف عن الجماعة الثانية فما بعدها كما يعاقب المتخلف عن الجماعة الأولى، إذا ذكرنا هذا الوعيد الشديد للمتخلف عن صلاة الجماعة الأولى والذي لنا أن نذكر مثل هذا الوعيد في جماعة أخرى اتفق العلماء على أنه لا يشرع في إعادتها مرة ثانية ألا وهي جماعة صلاة الجمعة.
كما سمعتم هذا الحديث وهو في الصحيحين بنحوه أو بلفظه عن أبي هريرة، ففي صحيح مسلم نحوه من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «لقد هممت أن أحرق بيوت المتخلفين عن صلاة الجمعة» فحينما ترون اشتراط التخلف عن صلاة الجمعة وعن صلاة الجماعة تفهمون أن في غير صلاة الجمعة هي حكمها مثل حكم صلاة الجماعة، أي: هي فرض كما قال الله ﵎: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] كذلك نفهم أنه كما لا يجوز إعادة الجمعة في المسجد الواحد، كذلك لا يجوز إعادة الجماعة في المسجد الواحد
стр. 2133
بالشرطين المذكورين في أول كلامنا هذا، وهو أن يكون له إمام راتب ومؤذن راتب كما هو الشأن في صلاة الجمعة.
(رحلة النور: ٣٥ ب/٠٠: ٣٧: ٣٧)
الانتظار للجماعة الثانية
مداخلة: سئل شيخ الإسلام عن رجل ينتظر الجماعة الثانية، فأجاب ﵀: إذا تأكد من قيام جماعة ثانية، فلينتظر ليصلي معهم، فهل يُفهم من ذلك أن شيخ الإسلام يقول بجواز الجماعة الثانية في المسجد، وهل يصح قَوْلُه؟
الشيخ: لا شك أن الجواب، أن رأيه هذا ما نراه صواباً ... فتجميع الجماعة الثانية، واللواتي بعدها يعود من الناحية العملية «بالمسخ» على تجميع الجماعة الأولى، كلما كثرت الجماعات بعد الجماعة الأولى، كلما تفرَّقت الجماعة الأولى وقَلَّ عددها، وهذا أمر مشاهد.
أما الأدلة التي توحي إلينا أن هذه الجماعة الثانية -فضلاً عما وراءها- لا تُشْرع، فهو أننا نرى الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لقد هممت أن آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم آمر رجالاً فيُحضروا حطباً، ثم أخلُف إلى أناس يُدْعَون إلى الصلاة ثم لا يجيبون، فأُحَرِّق عليهم بيوتَهم، والذي نفس محمد بيده لو يعلم أحدهم أن في المسجد مرماتين حسنتين لشهدها» يعني: صلاة العشاء، فهذا الحديث يشعرنا بأنه لم يكن في عهد النبي ﷺ جماعة أخرى، لأنها لو كانت موجودة، لم تكن حجته ﵇ قائمة على أولئك المتخلفين عن صلاة الجماعة خلفه ﵇، لأنهم سيقولون: نحن نصلي مع الجماعة الثانية أو الثالثة أو غيرها، لكن الحديث يشعرنا شعوراً قوياً جداً، أنه لم يكن في عهد الرسول ﵇ إلا جماعة واحدة، ولذلك تقوم الحجة على المتخلفين عنها.
стр. 2134
يضاف إلى هذا الحديث: الأحاديث التي فيها الوعيد الشديد على المتخلفين عن صلاة الجماعة، منها: حديث ابن مسعود في صحيح مسلم، وهو حديث طويل، يقول فيه: «إنهم كانوا يرون المتخلف عن صلاة الجماعة، أنه منافق معلوم النفاق»، فلا يشك واحد بأن هذا الحديث أو ذاك محمول على الجماعة الأولى، و-حينئذٍ-: لا تجوز الجماعة الثانية، ولا تحقق الغرض المنشود، من هذا الوعيد الشديد من الرسول ﵇ بالنسبة للمتخلفين عن صلاة الجماعة.
كذلك -مثلاً- الحديث الذي يأمر المصلي، بأن ينطلق إلى المسجد حينما يسمع منادي الله يقول: «حَيّ على الصلاة، حي على الفلاح ... » لما جاءه عمرو ابن أُم مكتوم ليسأله هل له رخصة في أن يتخلف عن صلاة الجماعة، فأجابه في أول الأمر بأنه له ذلك، حينما عرف أنه أعمى، وأنه تَضُرّه الأحجار والأشجار ... إلى آخر ما ذكر من الأعذار في الحديث.
لكن الرسول ﵇، وكأنه أوحي إليه بوحي جبريل، قال له: أتسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فأجب.
فإذا كان هذا الضرير، ومع تلك الأعذار التي وصفها ببلاغته، لم يُعذر بعدم الاستجابة للمؤذن حين يقول: حَيَّ على الصلاة، فهل يُعْذَر المتخلفون عن الصلاة وهم أقوياء وأصحاء؟ لا شك أنهم لا يُعْذَرون.
فإذا قيل بشرعية الجماعة الثانية، فمعنى ذلك: أنها لهم باب وعذر، ليتداركوا ما فاتهم من التخلف عن صلاة الجماعة.
ثم في فتوى شيخ الإسلام ﵀ مخالفة أخرى -في زعمي- لأن هناك حديثاً في سنن أبي داوود عن معاذ بن جبل أو في قصة معاذ بن جبل بأنه ﵇ قال فيها: «اصْنَعوا ما يَصْنع الإمام».
لأن قبل تحكيم هذا الحكم في الإسلام، كان مما هو مشروع في السنة: أنه حين يدخل داخل المسجد ويقف في الصف، يسأل من كان في الصف يُصَلّي: أيُّ ركعة
стр. 2135
هذه؟ يقول له المصلي: هذه الركعة الثانية، فهو يصلي الركعة الثالثة لوحده، ثم ينضم إلى الإمام ويُسَلِّم معهم، ثم نُسِخَ هذا الحكم بنصوص كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فلا يجوز لمن كان يصلي أن يتكلم، وهذا الحكم نُسِخَ بمناسبة مجيء معاذ بن جبل إلى المسجد، وجد الرسول ﵇ في الصلاة، فدخل في الصلاة، وما سأل كما كان يسأل مَن كان قبله، لما سَلّم ﵊، وعرف ما فعل معاذ قال لهم: «اصنعوا ما يصنع الإمام، فإذا كان الإمام راكعاً فاركعوا، وإذا كان ساجداً فاسجدوا».
ويضاف إليه الحديث المعروف في الصحيحين: «إذا أتيتم الصلاة فأتوها وعليكم السلام والوقار، ولا تأتوها وأنتم تسعون، فما أدركتم فَصَلُّوا وما فاتكم فأتمّوا» فإذا أدرك المسبوقُ الإمامَ في التشهد، فعليه بناء على هذا الحديث: «فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» أن يقتدي بالإمام وإن تأخّر عنه.
هذا لو كانت الجماعة الثانية مشروعة، أما وهي غير مشروعة، لما ذكرنا من أدلة ومن أدلة أخرى، فأولى وأولى أن لا يجوز لهذا المسبوق داخل المسجد، والإمام جالس في التشهد، أن ينتظر وأن لا يفعل، وأن لا ينضم إلى الإمام، لأن هذه فيها مخالفة صريحة للإمام.
ثم مما يشعرنا بأن الجماعة الثانية وما بعدها، لا تشرع في الإسلام، أن النبي ﷺ لو كان قد أُوحي إليه بشرعية الجماعة الثانية، مع وجود الإمام الذي يسميه الفقهاء «بالإمام الراتب» لكان مجال هذا التشريع في صلاة الخوف أولى وأولى.
ونحن نلاحظ في كل الكيفيات التي جاءت عن النبي ﷺ في صلاة الخوف، وفيها ما صح وما لم يصح، ومع ذلك فكلُّها وجميعها، تتفق على أن الإمام في صلاة الخوف واحد، وأنه لا يخفاكم أن صلاة الحرب، صلاة الخوف تتطلب شيئاً من التيسير على الناس، بينما نلاحظ أن صلاة الخوف كان يصليها الرسول ﵇ في صور، منها: أنه إذا كان خارج المدينة، يصلي بالناس ركعتين قصراً، ويصلي
стр. 2136
الناس خلفه جماعتين على التَتَابُع، كل جماعة تُصَلِّي خلفه ركعة.
فالرسول ﵇ كان يقوم تُجاه العدو، فيُصَلِّي خلفه صف من الناس، ويبقى الصف الآخر حارساً، فإذا صلى الركعة الأولى، جلس الذين صَلُّوا خلفه هذه الركعة وسَلّموا، ثم انصرفوا، وبقي الرسول ﵇ قائماً في الركعة الثانية، حتى تعود الجماعة التي كانت في الحراسة فتقتدي به ﵇ فيُسَلِّم بهم، فيكون له ركعتان، ولكلٍ من الجماعتين ركعة ركعة.
أحياناً: كانوا يَصُفُّون جميعاً، إذا كان العدو في القبلة، بحيث يراه الرسول ﵇، لكن مع ذلك فيه حرص شديد على الحراسة، فإذا ركع الرسول ﵇ وسجد، ركع معه الصف الأول وسجد، وبقي الصف الثاني قائماً يحرسه، فإذا قام الرسول ﵇ إلى الركعة الثانية ركع هؤلاء وسجدوا، ثم قاموا واشتركوا مع الرسول ﵇ في الركعة الثانية وسلم بهم جميعاً.
فنحن نقول بالتعبير الشامي: شو ها اللبكة هذه؟ من شان التضييق هذا والتشديد، خَليِّه يصلي الرسول ﵇ مع جماعة وينصرف، ويأمر أبا بكر أو غيرَه يصلي بالجماعة الثانية ... وهكذا، وما يكون فيه هذا التضييق وهذا التشديد، في المحافظة على وَحْدة الإمام.
هذا في صلاة الخوف، في صلاة الحرب! فكيف نحن نفرق الجماعة الأولى إلى جماعات وجماعات، ونرى بعض الجماعات تُصَلِّي صلاة العصر، وأذان المغرب يُؤَذَّن، هكذا كان عندنا في المسجد الأكبر في دمشق، وهو المعروف بالمسجد الأُمَويّ، أو مسجد بني أمية.
وهذا ينبغي أن يذكِّرنا بالحديث المعروف، وأن نفهمه فَهْماً جَيِّداً، ألا وهو قوله ﵇: «صلاة الجماعة تفضُل صلاةَ الفذ بخمس وعشرين درجة -وفي رواية أخرى- بسبع وعشرين».
الذين يذهبون إلى شرعية الجماعة الثانية، هم في الحقيقة يستدلون ببعض الأدلة،
стр. 2137
منها: هذا الحديث، فهم يفهمون «ال» الجماعة هنا «ال» هو ليس للعهد عندهم، وإنما هو للاستغراق والشمول، كأنهم يفهمون الحديث: «صلاة الجماعة أيَّ: صلاة كل جماعة»، سواء كانت الأولى، أو الثانية أو العاشرة، فهي تَفْضُل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة.
لكن الصواب أن «ال» -هنا- الجماعة، هي للعهد، وليس للاستغراق والشمول، وهذه قاعدة مُهمة جداً، وهي أَن تُفَسّر النصوص والأقوال النبوية، بالتطبيق النبوي.
فإذا كان هناك في العهد النبوي جماعات متعددة، كانت تقع في مسجده ﵇، وهو يُقِرِّها ويشاهدها ولا ينكرها، -حينئذٍ- حُقَّ لأولئك الناس، أن يفهموا «أل هنا» في الجماعة للاستغراق والشمول، بحيث تشمل كل جماعة، سواء كانت الأولى أو الأخرى.
لكن ما دام أنّا نقطع بأنه ﵇، لم تَقُم في مسجده إلا جماعة واحدة، من الأدلة التي ذكرناها -آنفاً-.
وهناك أدلة أخرى تؤكد الأدلة الأولى، منها: -مثلاً- ما ذكره الإمام الشافعي في كتابه «الأم»، -وهو كتاب قَيّم جداً- يتعرض لهذه المسألة، فيقول بلسان عربي مبين: «إذا دخل جماعةٌ المسجد فوجدوا الإمام قد صلى، صلوا فرادى، وإذا صَلّوا جماعة أجزأتهم صلاتهم، ولكني أكره ذلك، لأنه لم يكن من عمل السلف» هنا الشاهد.
ثم يقول في الصفحة الأخرى: «وأنا قد حفظنا: أن جماعة النبي ﷺ فاتتهم الصلاة مع الجماعة، فصلوا فُرَادى، وقد كانوا قادرين على أن يُجَمِّعوا مرة أخرى، ولكنهم لم يفعلوا، لأنهم كرهوا أن يُجَمّعوا في المسجد مرتين» فأصحاب الرسول لابد فاتتهم الجماعة، لأن الإنسان له أعذارُه، فما كانوا يعقدون جماعة ثانية، وإنما كل فرد يُصَلِّي وحده، هذا نص الإمام الشافعي في «الأم».
стр. 2138
وما حكاه عن الصحابة تعليقاً بغير سند، قد أسنده «الحافظ ابن أبي شيبة» في «مُصَنّفه»، عن الحسن البصري: «بأن الصحابة كانوا إذا فاتتهم الصلاة مع الجماعة، صلوا فُرَادى».
ويؤكد هذا المعنى: أنه لو قيل بشرعية الجماعة الثانية، وأن لها تلك الفضيلة، التي للجماعة الأولى، لعادت الجماعة الثانية أفضل من الأولى، وكيف ذلك؟
روى الإمام «النسائي» في «سننه» بسند قوي «عنه ﷺ ، أنه قال: «من توضأ في بيته، فأحسن وضوءَه، ثم أتى مسجد الجماعة، فوجد الناس قد صَلّوا، كَتَب الله له مثل أجر صلاتهم، دون أن يَنْقُصَ من أجورهم شيء» فإذا صلى هذا الجماعة الثانية، وكتبت له الجماعة الأولى، صار له ثوابين، وهذا لا يقول به عاقل.
وأخيراً نقول: -كما أَلْمَحْنا في أول كلامنا في هذه المسألة- أننا نعرف عملياً أنا شخصياً وغيري- أنه إذا ما استقر في ذهن المسلم، أن هناك جماعةً ثانية مشروعة، فذلك يدفعه دفعاً إلى أن لا يتحمس للجماعة الأولى، واسأل به خبيراً؛ لأنني كنت أجلس في دكاني، وأنا معروف أنني نشأت ساعاتي المهنة، وكان المسجد بجانبي، فكنت أسمع الأذان والساعة بيدي، أُرَكِّب بُرغة، أُرَكِّب عقرب، أو أيَّ شيء، فأقول: لو أُرَكِّب هذا البرغة، لو أُرَكِّب هذا العقرب، وبعدُ العقل يُحَدِّث نفسي: إذا أتممت معك تصليح هذه، ورحت المسجد، ووجدت الجماعة انتهت، ترجع نفسي تقول: عقلي أين كان؟ تلاقي جماعة ثانية، لأنه كان في نفسي قبل أن ربي يُبَصِّرني بسنة نبيه أن فيه جماعة ثانية، وهذا هو المقرر في بطون كتب المذاهب تقريباً.
فتعود المناقشة بين العقل والنفس، طَيِّب، تذهب إلى المسجد، ربما لا تجد إماماً، طيب، أنت ما عاجبك نفسك، أنت طالب علم! أنت تصلي بالناس إماماً، وهكذا، فكثيراً ما فاتتني الصلاة، بهذه التَعَلُّلات وهذه المناقشات.
لكن لما قام في نفسي: أنه لا جماعة ثانية، فنادر جداً جداً جداً أن تفوتني هذه الجماعة، وإذا فاتتني، صليت وحدي لأشعر بأنني خاسر، راحت الجماعة الأولى.
وهذا مشاهد في صلاة الجمعة -مثلاً-، صلاة الجمعة لماذا يَغُصّ المسجد
стр. 2139
بالمصلين، حتى لا يتسع لهم؟ لكن -لا شك- هناك سببان، لكن أحدهما: ما نحن فيه، السبب الآخر: أن الناس الذين لا يصلون الصلوات الخمس، يصلون صلاة الجمعة، هذا معروف.
لكن -أيضاً- من جملة الأسباب، أن الذين يحرصون على الصلوات الخمس مع الجماعة، وعلى صلاة الجمعة، قام في أنفسهم: أنه يجوز تكرار صلاة الجماعة، لكن لا يجوز تكرار صلاة الجمعة، من أجل ذلك يَغُصّ المسجد بالمصلين يوم الجمعة، لأنه قام في أنفسهم: أن لا تَكْرَار لهذه الجماعة.
وإذا عرفنا هذه الحقيقة، التي يشهد بها الواقع، ورجعنا إلى حديث آخر، يشبه حديث أبي هريرة الأول: «لقد هممت أن آمر رجلاً .. إلخ» فقد روى الإمام مسلم في صحيحه نحو هذا الحديث، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «لقد هممت أن آمر رجلاً فيصلي بالناس صلاة الجُمعة، ثم أخالف إلى أناس يتأخرون عن صلاة الجمعة، فأُحَرِّق عليهم بيوتهم» ... انتهى حديث ابن مسعود إلى هنا، خلافاً لحديث أبي هريرة، فنحن نجد هنا أن الوعيد يَنْصبّ على الجماعتين: جماعة الصلوات الخمس، وجماعة الجمعة.
فكما لا يجوز التَخَلّف عن صلاة الجمعة، كذلك لا يجوز التخلف عن صلاة الجماعة.
فنحن في النهاية، وهذا آخر الجواب عن ذاك السؤال، في النهاية: الذي يحرص على أداء صلاة الجماعة مع الجماعة الأولى، فالنتيجة العملية نادراً أن تفوته، وهذا كما وقع معي ومع غيري، فإذا فاتته كُتِبَ له أجرُه؛ لأنه كان نابهاً لصلاة الجماعة، فإما أن يكون هكذا، أو أن يكون غير مبالٍ بصلاة الجماعة، وحسبه أنه يؤدي هذه الفريضة، ولو في آخر الوقت وحده، فهذا ما له ولهذه الفضيلة، ليس له هذه الفضيلة، ولا يمكنه أن يدركها، ولو صلى عديد من الجماعات، هذا آخر الجواب.
مداخلة: في معرض الكلام على أثر الحسن البصري، يذكر «المباركفوري» في كتاب له اسمه: «تذكار الجنان» يقول: هناك زيادة لهذا الأثر، «أنهم إنما كانوا يفعلون ذلك، خوفاً من السلطان» خوف الفتنة، فما كانوا يصلون جماعة لكي لا يظهر
стр. 2140
أمرهم، وإنما كانوا يصلون فُرَادى، فما أدري مدى صحة هذه الكلام؟
الشيخ: على كل حال، هذه زيادة، أنا لا علم لي بها، وكأنها مَرّت بي مَرًّا سريعاً، لكن أين إسنادها؟ هذا أولاً، ثانياً: هذه حجة لنا، ليه؟ هذا يُذَكِّرنا بالحديث المعروف في صحيح مسلم: «سيكون عليكم أُمَراء يُؤَخِّرون الصلاة عن وقتها -وفي رواية: - يُمِيتُون الصلاة عن وقتها، فإذا أدركتموهم فصَلُّوا أنتم الصلاة لوقتها، ثم صَلُّوها معهم، تكن لكم نافلة».
ففي هذا الحديث، حرص الرسول ﵇ الشديد على عدم مفارقة الجماعة، ولو كانت هذه الجماعة جماعة أمراء ظلمة، يميتون الصلاة، يُؤَخِّرون الصلاة عن وقتها، فيقول لهم: «صلوا أنتم الصلاة -طبعاً- لوحدكم، ثم صَلُّوها مع الجماعة» فتكونوا قد جمعتم بين فضيلتين: الفضيلة الأولى: أداء الصلاة في وقتها الأول، والفضيلة الأخرى: فضيلة صلاة الجماعة، فهب أن هؤلاء كانوا يفعلون كذلك، فهم يُحَقِّقون هَدَفاً شرعياً.
رجل دخل المسجد بعد صلاة الجماعة فصلى وحده، وإذ بأحدهم جاء ليأتم به
مداخلة: لو دخلت وكانت الجماعة الأولى خلصت ..
الشيخ: ما فيه جماعة ثانية.
مداخلة: ما فيه جماعة ثانية.
الشيخ: لا.
مداخلة: لو أذنت وأقمت الصلاة، من أجل أصلي مع نفسي.
الشيخ: صلِّ وحدك.
مداخلة: وجاء واحد بعدما دخلت في الصلاة، وقف بجانبي على أساس يَأْتم
следующие страницы →