الناس خلفه جماعتين على التَتَابُع، كل جماعة تُصَلِّي خلفه ركعة.
فالرسول ﵇ كان يقوم تُجاه العدو، فيُصَلِّي خلفه صف من الناس، ويبقى الصف الآخر حارساً، فإذا صلى الركعة الأولى، جلس الذين صَلُّوا خلفه هذه الركعة وسَلّموا، ثم انصرفوا، وبقي الرسول ﵇ قائماً في الركعة الثانية، حتى تعود الجماعة التي كانت في الحراسة فتقتدي به ﵇ فيُسَلِّم بهم، فيكون له ركعتان، ولكلٍ من الجماعتين ركعة ركعة.
أحياناً: كانوا يَصُفُّون جميعاً، إذا كان العدو في القبلة، بحيث يراه الرسول ﵇، لكن مع ذلك فيه حرص شديد على الحراسة، فإذا ركع الرسول ﵇ وسجد، ركع معه الصف الأول وسجد، وبقي الصف الثاني قائماً يحرسه، فإذا قام الرسول ﵇ إلى الركعة الثانية ركع هؤلاء وسجدوا، ثم قاموا واشتركوا مع الرسول ﵇ في الركعة الثانية وسلم بهم جميعاً.
فنحن نقول بالتعبير الشامي: شو ها اللبكة هذه؟ من شان التضييق هذا والتشديد، خَليِّه يصلي الرسول ﵇ مع جماعة وينصرف، ويأمر أبا بكر أو غيرَه يصلي بالجماعة الثانية ... وهكذا، وما يكون فيه هذا التضييق وهذا التشديد، في المحافظة على وَحْدة الإمام.
هذا في صلاة الخوف، في صلاة الحرب! فكيف نحن نفرق الجماعة الأولى إلى جماعات وجماعات، ونرى بعض الجماعات تُصَلِّي صلاة العصر، وأذان المغرب يُؤَذَّن، هكذا كان عندنا في المسجد الأكبر في دمشق، وهو المعروف بالمسجد الأُمَويّ، أو مسجد بني أمية.
وهذا ينبغي أن يذكِّرنا بالحديث المعروف، وأن نفهمه فَهْماً جَيِّداً، ألا وهو قوله ﵇: «صلاة الجماعة تفضُل صلاةَ الفذ بخمس وعشرين درجة -وفي رواية أخرى- بسبع وعشرين».
الذين يذهبون إلى شرعية الجماعة الثانية، هم في الحقيقة يستدلون ببعض الأدلة،
стр. 2137
منها: هذا الحديث، فهم يفهمون «ال» الجماعة هنا «ال» هو ليس للعهد عندهم، وإنما هو للاستغراق والشمول، كأنهم يفهمون الحديث: «صلاة الجماعة أيَّ: صلاة كل جماعة»، سواء كانت الأولى، أو الثانية أو العاشرة، فهي تَفْضُل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة.
لكن الصواب أن «ال» -هنا- الجماعة، هي للعهد، وليس للاستغراق والشمول، وهذه قاعدة مُهمة جداً، وهي أَن تُفَسّر النصوص والأقوال النبوية، بالتطبيق النبوي.
فإذا كان هناك في العهد النبوي جماعات متعددة، كانت تقع في مسجده ﵇، وهو يُقِرِّها ويشاهدها ولا ينكرها، -حينئذٍ- حُقَّ لأولئك الناس، أن يفهموا «أل هنا» في الجماعة للاستغراق والشمول، بحيث تشمل كل جماعة، سواء كانت الأولى أو الأخرى.
لكن ما دام أنّا نقطع بأنه ﵇، لم تَقُم في مسجده إلا جماعة واحدة، من الأدلة التي ذكرناها -آنفاً-.
وهناك أدلة أخرى تؤكد الأدلة الأولى، منها: -مثلاً- ما ذكره الإمام الشافعي في كتابه «الأم»، -وهو كتاب قَيّم جداً- يتعرض لهذه المسألة، فيقول بلسان عربي مبين: «إذا دخل جماعةٌ المسجد فوجدوا الإمام قد صلى، صلوا فرادى، وإذا صَلّوا جماعة أجزأتهم صلاتهم، ولكني أكره ذلك، لأنه لم يكن من عمل السلف» هنا الشاهد.
ثم يقول في الصفحة الأخرى: «وأنا قد حفظنا: أن جماعة النبي ﷺ فاتتهم الصلاة مع الجماعة، فصلوا فُرَادى، وقد كانوا قادرين على أن يُجَمِّعوا مرة أخرى، ولكنهم لم يفعلوا، لأنهم كرهوا أن يُجَمّعوا في المسجد مرتين» فأصحاب الرسول لابد فاتتهم الجماعة، لأن الإنسان له أعذارُه، فما كانوا يعقدون جماعة ثانية، وإنما كل فرد يُصَلِّي وحده، هذا نص الإمام الشافعي في «الأم».
стр. 2138
وما حكاه عن الصحابة تعليقاً بغير سند، قد أسنده «الحافظ ابن أبي شيبة» في «مُصَنّفه»، عن الحسن البصري: «بأن الصحابة كانوا إذا فاتتهم الصلاة مع الجماعة، صلوا فُرَادى».
ويؤكد هذا المعنى: أنه لو قيل بشرعية الجماعة الثانية، وأن لها تلك الفضيلة، التي للجماعة الأولى، لعادت الجماعة الثانية أفضل من الأولى، وكيف ذلك؟
روى الإمام «النسائي» في «سننه» بسند قوي «عنه ﷺ ، أنه قال: «من توضأ في بيته، فأحسن وضوءَه، ثم أتى مسجد الجماعة، فوجد الناس قد صَلّوا، كَتَب الله له مثل أجر صلاتهم، دون أن يَنْقُصَ من أجورهم شيء» فإذا صلى هذا الجماعة الثانية، وكتبت له الجماعة الأولى، صار له ثوابين، وهذا لا يقول به عاقل.
وأخيراً نقول: -كما أَلْمَحْنا في أول كلامنا في هذه المسألة- أننا نعرف عملياً أنا شخصياً وغيري- أنه إذا ما استقر في ذهن المسلم، أن هناك جماعةً ثانية مشروعة، فذلك يدفعه دفعاً إلى أن لا يتحمس للجماعة الأولى، واسأل به خبيراً؛ لأنني كنت أجلس في دكاني، وأنا معروف أنني نشأت ساعاتي المهنة، وكان المسجد بجانبي، فكنت أسمع الأذان والساعة بيدي، أُرَكِّب بُرغة، أُرَكِّب عقرب، أو أيَّ شيء، فأقول: لو أُرَكِّب هذا البرغة، لو أُرَكِّب هذا العقرب، وبعدُ العقل يُحَدِّث نفسي: إذا أتممت معك تصليح هذه، ورحت المسجد، ووجدت الجماعة انتهت، ترجع نفسي تقول: عقلي أين كان؟ تلاقي جماعة ثانية، لأنه كان في نفسي قبل أن ربي يُبَصِّرني بسنة نبيه أن فيه جماعة ثانية، وهذا هو المقرر في بطون كتب المذاهب تقريباً.
فتعود المناقشة بين العقل والنفس، طَيِّب، تذهب إلى المسجد، ربما لا تجد إماماً، طيب، أنت ما عاجبك نفسك، أنت طالب علم! أنت تصلي بالناس إماماً، وهكذا، فكثيراً ما فاتتني الصلاة، بهذه التَعَلُّلات وهذه المناقشات.
لكن لما قام في نفسي: أنه لا جماعة ثانية، فنادر جداً جداً جداً أن تفوتني هذه الجماعة، وإذا فاتتني، صليت وحدي لأشعر بأنني خاسر، راحت الجماعة الأولى.
وهذا مشاهد في صلاة الجمعة -مثلاً-، صلاة الجمعة لماذا يَغُصّ المسجد
стр. 2139
بالمصلين، حتى لا يتسع لهم؟ لكن -لا شك- هناك سببان، لكن أحدهما: ما نحن فيه، السبب الآخر: أن الناس الذين لا يصلون الصلوات الخمس، يصلون صلاة الجمعة، هذا معروف.
لكن -أيضاً- من جملة الأسباب، أن الذين يحرصون على الصلوات الخمس مع الجماعة، وعلى صلاة الجمعة، قام في أنفسهم: أنه يجوز تكرار صلاة الجماعة، لكن لا يجوز تكرار صلاة الجمعة، من أجل ذلك يَغُصّ المسجد بالمصلين يوم الجمعة، لأنه قام في أنفسهم: أن لا تَكْرَار لهذه الجماعة.
وإذا عرفنا هذه الحقيقة، التي يشهد بها الواقع، ورجعنا إلى حديث آخر، يشبه حديث أبي هريرة الأول: «لقد هممت أن آمر رجلاً .. إلخ» فقد روى الإمام مسلم في صحيحه نحو هذا الحديث، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «لقد هممت أن آمر رجلاً فيصلي بالناس صلاة الجُمعة، ثم أخالف إلى أناس يتأخرون عن صلاة الجمعة، فأُحَرِّق عليهم بيوتهم» ... انتهى حديث ابن مسعود إلى هنا، خلافاً لحديث أبي هريرة، فنحن نجد هنا أن الوعيد يَنْصبّ على الجماعتين: جماعة الصلوات الخمس، وجماعة الجمعة.
فكما لا يجوز التَخَلّف عن صلاة الجمعة، كذلك لا يجوز التخلف عن صلاة الجماعة.
فنحن في النهاية، وهذا آخر الجواب عن ذاك السؤال، في النهاية: الذي يحرص على أداء صلاة الجماعة مع الجماعة الأولى، فالنتيجة العملية نادراً أن تفوته، وهذا كما وقع معي ومع غيري، فإذا فاتته كُتِبَ له أجرُه؛ لأنه كان نابهاً لصلاة الجماعة، فإما أن يكون هكذا، أو أن يكون غير مبالٍ بصلاة الجماعة، وحسبه أنه يؤدي هذه الفريضة، ولو في آخر الوقت وحده، فهذا ما له ولهذه الفضيلة، ليس له هذه الفضيلة، ولا يمكنه أن يدركها، ولو صلى عديد من الجماعات، هذا آخر الجواب.
مداخلة: في معرض الكلام على أثر الحسن البصري، يذكر «المباركفوري» في كتاب له اسمه: «تذكار الجنان» يقول: هناك زيادة لهذا الأثر، «أنهم إنما كانوا يفعلون ذلك، خوفاً من السلطان» خوف الفتنة، فما كانوا يصلون جماعة لكي لا يظهر
стр. 2140
أمرهم، وإنما كانوا يصلون فُرَادى، فما أدري مدى صحة هذه الكلام؟
الشيخ: على كل حال، هذه زيادة، أنا لا علم لي بها، وكأنها مَرّت بي مَرًّا سريعاً، لكن أين إسنادها؟ هذا أولاً، ثانياً: هذه حجة لنا، ليه؟ هذا يُذَكِّرنا بالحديث المعروف في صحيح مسلم: «سيكون عليكم أُمَراء يُؤَخِّرون الصلاة عن وقتها -وفي رواية: - يُمِيتُون الصلاة عن وقتها، فإذا أدركتموهم فصَلُّوا أنتم الصلاة لوقتها، ثم صَلُّوها معهم، تكن لكم نافلة».
ففي هذا الحديث، حرص الرسول ﵇ الشديد على عدم مفارقة الجماعة، ولو كانت هذه الجماعة جماعة أمراء ظلمة، يميتون الصلاة، يُؤَخِّرون الصلاة عن وقتها، فيقول لهم: «صلوا أنتم الصلاة -طبعاً- لوحدكم، ثم صَلُّوها مع الجماعة» فتكونوا قد جمعتم بين فضيلتين: الفضيلة الأولى: أداء الصلاة في وقتها الأول، والفضيلة الأخرى: فضيلة صلاة الجماعة، فهب أن هؤلاء كانوا يفعلون كذلك، فهم يُحَقِّقون هَدَفاً شرعياً.
رجل دخل المسجد بعد صلاة الجماعة فصلى وحده، وإذ بأحدهم جاء ليأتم به
مداخلة: لو دخلت وكانت الجماعة الأولى خلصت ..
الشيخ: ما فيه جماعة ثانية.
مداخلة: ما فيه جماعة ثانية.
الشيخ: لا.
مداخلة: لو أذنت وأقمت الصلاة، من أجل أصلي مع نفسي.
الشيخ: صلِّ وحدك.
مداخلة: وجاء واحد بعدما دخلت في الصلاة، وقف بجانبي على أساس يَأْتم
стр. 2141
بي، ماذا أفعل معه؟
الشيخ: تعمل هيك إشارة ابعد، ابعد.
(الهدى والنور / ٢٢٤/ ٠٠: ٠٨: ٠٠)
سجود السهو للمسبوق في الصلاة
مداخلة: رجل مسبوق في الصلاة لمَّا سلم الإمام سجد للسهو ..
الشيخ: من؟
مداخلة: الإمام سجد للسهو، فالمسبوق ماذا يفعل؟
الشيخ: يتابعه حتماً.
مداخلة: يسجد للسهو.
الشيخ: نعم، حتى لا يسلم.
مداخلة: الإمام سَلَّم.
الشيخ: يسلم معه، لكنه إذا الإمام سَلَّم ثم سجد فإنه يجوز الوجهان، يجوز للإمام أن يسجد سجدتي السهو بعد السلام وقبل السلام، فإذا الإمام سلم فمعنى ذلك أنه لم يخالف الشرع، فهو المقتدي إذا كان يعلم أن الإمام سها، وأن عليه السجود -بطبيعة الحال- هنا يرد ما قلته آنفاً، يجب عليه المتابعة، ولكن من باب الاحتياط، وبخاصة أن أئمة المساجد اليوم لا يترخصون بالاقتصار على التسليمة الواحدة، كما هو ثابت في السنة أحياناً، أي: لا نعلم أن إماماً يُسَلِّم تسليمة واحدة، وعلى ذلك فالواجب على المقتدي أن يتريث ولا ينهض مجرد ما يسلم الإمام التسليمة الأولى حتى ينتظر تسليمته الأخرى، فهنا سيبدو له حتماً أن الإمام يسجد سجدتي السهو أو لا يسجد.
стр. 2142
باختصار إن سَلَّمَ الإمام التسليمتين نهض؛ لأنه بذلك تَمَّ خروجه من الصلاة، وإن سَلَّم تسليمة واحدة لا ينهض، لعله يريد أن يسجد بين التسليمتين، فهكذا هذا التفصيل هو الذي ينبغي أن يُراعَى بالنسبة للمسبوق وبالنسبة للإمام الذي عليه سجود السهو.
(الهدى والنور /٢٣٢/ ٠٠: ٣٨: ٠٠)
هل تُعد هذه الصورة من تكرار الجماعة في المسجد الواحد ؟
السائل: السؤال التالي دخل مسافرون مسجدًا في المدينة، فوجدوا الإمام المقيم في صلاة الظهر فدخلوا معه في صلاة الظهر، ثم بعد انقضاء الصلاة أرادوا أن يجمعوا العصر مع الظهر السؤال هو هل يشرع لهم أداء صلاة العصر جماعة في ذلك المسجد الذي له مؤذن راتب وإمام راتب؟
الشيخ: الجواب إن كان المسجد لا يزال عامرًا بالمصلين؛ فلا يجوز خشية أن يفهموا ما ليس مشروعًا بأنه مشروع فيصلون فرادى، لكن إذا انتحوا إلى ناحية من زوايا المسجد حيث لا يراهم أحد فهذا هو المشروع، أما الإعلان هكذا وبخاصة أن أكثر الناس اليوم لا يعرفون أن تكرار الجماعة في المسجد الذي له إمام راتب ومؤذن راتب لا يعرفون أن هذه الصلاة الجماعة الثانية والثالثة فهي غير مشروعة، كما قال الإمام الشافعي وغيره, قال في كتابه «الأم» وهو يتحدث عن هذه المسألة ويستدل لها تارة بالنظر وتارة بالأثر فقال: «وأنا قد حفظنا أن جماعة من أصحاب النبي ﷺ فاتتهم الصلاة مع الجماعة فصلوا فرادى، وقد كانوا قادرين على أن يجمِّعوا مرة أخرى ولكنهم لم يفعلوا لأنهم كرهوا أن يجمِّعوا في مسجد مرتين»، فأكثر الناس اليوم لا يعرفون هذا الحكم لما ترونه في كل المساجد؛ لا يكاد الإمام النظامي الرسمي الراتب لا يكاد يسلِّم إلا وتقام الصلاة هنا، ولا يكاد ينتهي هذا إلا تقام صلاة أخرى, هذا من التفرق في الدين الذي نهى عنه رب العالمين حين قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ
стр. 2143
فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣١ - ٣٢].
صلاة الجماعة الأولى هي المقصودة بالنصوص التي جاءت حولها سواء ما كان منها في القرآن الكريم كقوله : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣]، لا يقصد بهذه الآية إلا الجماعة الأولى وكقوله ﵇: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بخمس أو بسبع وعشرين درجة» هي الجماعة الأولى، أما الجماعة الثانية وإلى آخره فهذا لا يشرع للسببين اللذين سبق ذكرهما:
الأول: أنه لم يكن من عمل الصحابة.
والثاني: أن فيه تفريقًا للدين والصلاة بلا شك من أركان الإسلام كما هو معلوم.
فعلى المسلمين جميعًا أن يحرصوا على صلاة الجماعة الجماعة الأولى، فإذا فاتتهم فلا شك أن هذا الفوت إما أن يكون لعذرٍ وإما أن يكون لغير عذر؛ فإن كان لعذرٍ فقد قال ﵊: «من توضأ في بيته فأحسن وضوءه ثم أتى مسجد الجماعة فوجدهم قد صلوا كتب الله له مثل صلاتهم -أو مثل أجر صلاتهم - دون أن ينقص من أجورهم شيء» , هذا إذا كان معذورًا فلا مسوغ له لتكرار الجماعة الثانية لأن الأجر قد حصل له,
وإن كان غير معذور وإنما انشغل عن الجماعة الأولى بتجارته ببيعه بشرائه أو بتكاسله عنها ثم أراد أن يستدرك ما فاته من الأجر بل ما فاته من تنفيذ الأمر فهيهات هيهات لا مجال له لمثل هذا الإستدراك.
(فتاوى جدة-موقع أهل الحديث والأثر- ٢١)
حكم صلاة جماعة قبل جماعة الإمام الراتب
السؤال: [مجموعة من الطلاب يعقدون جماعة في المسجد قبل وقت الإقامة ليدركوا الدوام، فما حكم ذلك]؟
стр. 2144
الشيخ: عندك علم بحكم الصلاة من هؤلاء إذا صلوا بعدك جماعة ثانية، عندك علم ما حكم هذه الجماعة الثانية؟
مداخلة: قرأت فيها قليل.
الشيخ: هذا القليل كالعادة.
مداخلة: نحن سائلون.
الشيخ: كيف أنت السائل، أنا السائل.
مداخلة: الحكم في الجماعة الثانية بعد الجماعة الأولى، أو الجماعات التي بعد الجماعة الأولى.
الشيخ: أنا لا أسألك سؤال تحريري، سؤال ينقلك من حكم إلى حكم، فإن كنت تعلم قل: أعلم، لا تعلم لا تعلم، طيب، ما هو؟
مداخلة: أنه لا تجوز إلا في مسجد الطريق.
الشيخ: مسجد «الطريق» فجماعة هذول أولى بالكراهة، لأنهم يَسْتَعْدُون ويتقدمون على الإمام الرسمي.
مداخلة: إذاً: ماذا يفعل هؤلاء الطلبة؟
الشيخ: هؤلاء بنبغي أنهم يصلوا مع الجماعة.
مداخلة: هم لا يَتَمَكَّنون.
الشيخ: هذا لفساد المجتمع، وفساد النظام.
مداخلة: هم لا يتمكنون، إذاً: يتركون حتى ينتهي الدوام؟
الشيخ: كونهم لا يستطيعون المحافظة على المشروع، ذلك لا يستلزم أن يأتوا بما هو غير مشروع.
يعني: الغاية لا تُبَرِّر الوسيلة، وهذا من فوائده: أنه الذي يعترف علماً بخطئه
стр. 2145
ويلتزم ذلك عملاً، يوماً ما يرجى له العودة إلى الصواب، أما الذي يعرف ثم ينحرف مُبَرِّراً لانحرافه، مع الزمن سيعيش منحرفاً.
يعني: هؤلاء التلامذة إذا تُركوا وشأنَهم هذا، مش شاعرين أنهم مخالفون، أما إذا شعروا بأنهم مخالفون، على الأقل حينما يكونون خارج المدرسة يكونوا حريصين على أداء الصلاة مع الجماعة، لأن هذا متثبت في نفوسهم، أما إذا كنا تركناهم وشأنهم، باعتبار أن لهم عذراً، وهو فساد منهج الدراسة، سيمضي زمنهم وهم منحرفون عملياً عن الشريعة.
الخلاصة: لا ينبغي أن يُجَمِّعوا بين يدي الإمام، وإذا كان - فالمعالجة شرعية الآن- إذا كان من الممكن للإمام أن يُعَجِّل بأداء الصلاة قبيل عادته هو، وبُعَيد الأذان، مراعاة لهؤلاء يكون هذا أولى، يكون جمع بين مصلحتين، مصلحة جماعة المسجد، -وربما يكونون طلاباً، أنا لا أدري الوضع هناك- وبين جماعة الطلبة.
(الهدى والنور /٢٥/ ٤٧: ٢.: .. )
إقامة جماعة بعد الأذان وقبل الجماعة الراتبة للحاجة
سؤال: بالنسبة لصلاة الجماعة قبل الإمام الراتب لضرورة؟
الشيخ: لا شك أن الجماعة الأولى تعتبر في هذا السؤال اعتداء على الإمام الراتب، وهذا مثار خلاف ونزاع، بين هذه الجماعة، وبين الإمام والذين سَيُصَلّون خَلْفه.
ولذلك: ففي الوقت الذي أنا لا أتصور أن هناك ضرورة تفرض نفسها، وتوجب إقامة جماعة غير الجماعة الراتبة، على الرغم من أني لا أتصور مثل هذه الضرورة، فأنا أرى: إن وُجِدَت، أن الذين يريدون أن يُصَلّوا أن يستأذنوا الإمام، أن يأخذوا إذن الإمام، لكن لنقف قليلاً: ما هي الضرورة التي أنت ذكرتها في سؤالك؟
مداخلة: يوجد عندنا في الجامعة محاضرات، فيصلوا، حتى يدركوا هذه
стр. 2146
المحاضرة.
الشيخ: والصلاة التي تقام في المسجد؟
مداخلة: نعم
الشيخ: وبعد الأذان، بطبيعة الحال، لماذا لا يُتَّفَق مع الإمام في مثل هذا الوقت يستعجل في أداء الصلاة، من شان الطلاب يدركوا المحاضرة، ولا تفوتهم؟
يعني: أولاً: كما قال ﵇، في غير هذا المجال: «ما أنزل الله داء، إلا وأنزل له دواء» فيمكن هذه القضية أن تُعَالَج بصورة أو بأخرى.
ثانياً: المحاضرة التي سَتُلقى، لا نستطيع نحن أن نتصورها، فرضُ عَينٍ على المسلم، يجب عليه أن يحضرها، وبخاصة أنه قد يُفَوِّت على نفسه محاضرات [انقطاع].
(الهدى والنور /٥٥/ ٨.: ٢.: .. )
стр. 2147
كتاب القراءة خلف الإمام
стр. 2148
خلاصة حكم القراءة خلف الإمام
ويجب على المقتدي أن يقرأها [أي الفاتحة] وراء الإمام في السرية، وفي الجهرية أيضا إن لم يسمع قراءة الإمام، أو سكت هذا بعد فراغه منها سكتة ليتمكن فيها المقتدي من قراءتها، وإن كنا نرى أن هذا السكوت لم يثبت في السنة.
[تلخيص الصفة فقرة ٥٤].
نَسْخُ القراءةِ وراءَ الإمام في الجهرية
وكان ﷺ قد أجاز للمؤتمين أن يقرؤوا بها وراء الإمام في الصلاة الجهرية؛ حيث كان في صلاة الفجر، فقرأ، فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ؛ قال: «لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟ ». قلنا: نعم؛ هذّاً يا رسول الله! قال: «لا تفعلوا؛ إلا [أن يقرأ أحدكم] بـ «فاتحة الكتاب»؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها».
هذًّا: بتشديد الذّال وتنوينها.
قال الخطابي «١/ ٢٠٥»: «والهذّ: سرد القراءة، ومداركتها في سرعة واستعجال».
والحديث حجة في القراءة خلف الإمام في الجهرية، ولكنه لا يدل على الوجوب؛ بل على الإباحة - كما يأتي بيانه قريباً -.
قال الخطابي في «المعالم» «١/ ٢٠٥»: «هذا الحديث نص بأن قراءة «فاتحة الكتاب» واجبة على من صلى خلف الإمام، سواء جهر الإمام بالقراءة، أو خافت بها». ثم قال «٢٠٦»: «وقد اختلف العلماء في هذه المسألة؛ فروي عن جماعة من الصحابة أنهم أوجبوا القراءة خلف الإمام. وروي عن آخرين أنهم كانوا لا يقرؤون. وافترق الفقهاء فيها على
стр. 2149
ثلاثة أقاويل: فكان مكحول والأوزاعي والشافعي وأبو ثور يقولون: لا بد من أن يقرأ خلف الإمام فيما يجهر به، وفيما لا يجهر».
وقال الزهري ومالك وابن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق: يقرأ فيما أسر الإمام فيه، ولا يقرأ فيما جهر به (١).
وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي: لا يقرأ أحد خلف الإمام؛ جَهَرَ الإمام أو أَسَرَّ. واحتجوا بحديث رواه عبد الله بن شداد مرسلاً عن النبي ﷺ : «من كان له إمام؛ فقراءة الإمام له قراءة». انتهى.
قلت: وهذا الحديث المرسل صحيح - كما سيأتي -؛ ولكنه لا يدل على المنع من القراءة كما صنع علماؤنا! وإنما يدل على أن قراءة الإمام تغني عن قراءة المؤتم، بحيث إنه لو لم يقرأ؛ جازت صلاته. وأما حكم قراءته هو؛ فإنما يؤخذ من أحاديث أخرى.
وأعدل هذه المذاهب الثلاثة، وأقربها إلى الصواب: أوسطها، وهو قول الإمام الشافعي ﵀ في القديم - كما في «المهذب» و «شرحه» «٣/ ٣١٣ - ٣١٤» وغيرهما -.
وليس مع القائلين بالوجوب دليل؛ إلا هذا الحديث، وإلا حديث عبادة بن الصامت: «لا صلاة لمن لم يقرأ بـ: «فاتحة الكتاب». وقد مضى.
وفي الاستدلال على ذلك بهذا الحديث الذي نحن بصدده نظر بيِّن؛ وذلك لأنه قد تقرر في كتب الأصول: أن الاستثناء من حكم يدل على نقيضه فحسب، ولا دلالة له على زيادة حكم. فقوله ﷺ : «لا تفعلوا»؛ نهي عن القراءة خلف الإمام في الجهرية، واستثناؤه قراءة «الفَاتِحَة» يدل على عدم النهي عن قراءة «الفَاتِحَة»، يعني: عدم كراهتها وحرمتِها. ولا دلالة فيه بوجه من الوجوه على ركنية «الفَاتِحَة» أو
стр. 2150
وجوبها، فإن ثبت بدليل آخر؛ فذاك، وإلا؛ فلا دلالة فيه على ما راموا منه من إثبات الوجوب أو الركنية.
قال بعض المتأخرين من المحققين الحنفيين: ونظيره: قوله تعالى: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾؛ فنهى الله عن تصريح المواعدة في العِدَّة، واستثنى منه التعريض والكناية. فالتعريض والكناية بالاستثناء لم يبق حراماً؛ لا أنه صار فرضاً أو واجباً، ولا يبعد أن يكون قريباً من الكراهة.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾؛ فهل هذا الإغماض والمسامحة واجب عند أحد؟ ! إنما هو إغضاء على القذى وسحب الذيل على الأذى.
فثبت من هذا الاستثناء: أن الاستثناء بعد النهي لا يفيد الوجوب والركنية، وإنما يفيد الإباحة؛ لا سيما إذا وردت هذه الإباحة على سببٍ حادثٍ؛ لا ابتداءً؛ فلا يبقى ريبة في أنها إباحة مرجوحة غير مستحسنة ولا مرضية، ويدل على ذلك: ما رواه ابن أبي شيبة مرسلاً: أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه: «هل تقرؤون خلف إمامكم؟ ».
قال بعض: نعم. وقال بعض: لا. فقال: «إن كنتم لا بدَّ فاعلين؛ فليقرأ أحدكم بـ: «فاتحة الكتاب» في نفسه».
فمن قال: لا؛ لم يأمره بالإعادة. ثم قال: «إن كنتم فاعلين» - ووزانه وزان قول الله : ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ -، ثم قال: «فليقرأ أحدكم»؛ فلفظُ: «أحدكم»، لغير الاستغراق.
وأما قوله ﷺ : «فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن»؛ فهو بيان وصف في «الفَاتِحَة»، وأنها من وصفها كذا، لا حكم به الآن ها هنا، والوصف لا يستلزم الحكم ما لم يحكم، ولم يحكم إلا بالإباحة.
نعم؛ يكون حكماً سابقاً، وهو إذن لغير المقتدي، ثم سبق هنا ثانياً لغير المقتدي
стр. 2151
على أنه بيان وصف في «الفَاتِحَة»، فجعلوه حكماً الآن، وليس كما ينبغي! وهو كقولنا لابن سَبْعٍ: صلِّ؛ فإنه لا دين لمن لا صلاة له. فالصلاة ليست بواجبة على ابن سبع بالإجماع؛ ولكن علله بقوله: فإنه لا دين لمن لا صلاة له. يعني: لما كان شأن الصلاة هكذا - بأنه لا دين لمن لا صلاة له -؛ صح أن يقال لابن سبع: صل. من غير وجوب ولا افتراض.
فكذا قوله ﷺ : «لا تفعلوا إلا بـ: أم القرآن»؛ حكم بالإباحة، ثم علل لاستثناء «الفَاتِحَة» بقوله: «فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها»، يعني: لما كان شأن «الفَاتِحَة» هكذا - وهو أنه لا صلاة إلا بها -؛ صح استثناؤها من النهي، ولعل ضمير الشأن في قوله: «فإنه لا صلاة ... ». إلخ. أليق بهذا اهـ. كلام هذا المحقق.
وهو غاية في التحقيق، لا يدع مجالاً لأحد بعد هذا البيان أن يحتج به على الوجوب.
ولذلك؛ فقد تنبه لهذا المعنى الصحيح المحقِّقُ السندي، فقال: ظاهر هذه الرواية إباحة القراءة بـ: ﴿الفَاتِحَة﴾، ولو جهر الإمام. فلعل من يمنع عنها يقول: إن النهي مقدم على الإباحة عند التعارض. ولا يخفى أن المعارضة حال السر مفقودة؛ فالمنع حينئذٍ غير ظاهر؛ ولهذا مال محمد وبعض المشايخ وغيرهم إلى قراءة «الفَاتِحَة» حال السر، ورجحه علي القاري في «شرح موطأ محمد»، ورأى أنه الأحوط. اهـ.
وإذ ثبت أن الحديث لا يدل على الوجوب - بل على الإباحة؛ بل الإباحة المرجوحة -؛ دل هو بعد ذلك على أن حديث عبادة - وهو حجتهم الثانية والأخيرة على الوجوب - لا يشمل المقتدي؛ بل هو خاص بغيره - الإمام والمنفرد -؛ لأنه قد استثنى المؤتم من إيجاب «الفَاتِحَة» عليه؛ مع الرخصة له بقراءتها، وإنما يبقى النظر في هذه الرخصة؛ هل ظلت باقية أم ارتفعت؟ والظاهر لنا أنها ارتفعت؛ بدليل الحديث الذي بعد هذا في الكتاب، ونحن وإن كنا نعترف أنه لا نص لدينا يدل على أنه متأخر الورود عن هذا الحديث الذي نحن بصدد التعليق عليه؛ فإن النظر الصحيح، والرأي الرجيح يقتضي ذلك؛ لأنه ليس من المعقول أن يكون ﵊ نهى الصحابة عن القراءة وراءه في ابتداء الأمر، ثم يخالفونه؛
стр. 2152
فيقرؤون وراءه «الفَاتِحَة» وغيرها! هذا بعيد جداً أن يصدر من الصحابة، وهم يتلون قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
فثبت بذلك أن النهي كان بعد الرخصة، ولعل هذا هو وجه قول علمائنا بنسخ هذا الحديث - وإن كنت لم أقف على شيء من كلامهم في توجيه نسخه -، ويكون ﵊ قد تدرج في النهي، ولم يفاجئهم بذلك؛ فنهاهم أولاً عن القراءة وراءه إلا بـ: «الفَاتِحَة»، ثم نهاهم عن القراءة كلها، وذلك بمقتضى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
قال الشافعي في القديم: «فهذا عندنا على القراءة التي تسمع خاصة». ويؤيد ذلك سبب نزول الآية؛ كما قال مجاهد: كان رسول الله يقرأ في الصلاة، فسمع قراءة فتى من الأنصار؛ فنزلت: ﴿وَإِذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾.
أخرجه البيهقي «٢/ ١٥٥» وغيره.
وقد قيل في سبب نزولها غير ذلك من الأقوال، ولكن ما ذكرنا أرجحُها؛ كما بينه أبو الحسنات اللكنوي في «إمام الكلام» «ص ٧٧ - ١٠١». وقد بسط القول في هذا الكتاب على هذا الحديث تخريجاً، وتحقيقاً لفقهه، مع إنصاف؛ بما لا تجده في كتاب. فراجعه «١٨٧ - ٢١١».
وقد استفدنا منه بعض ما ذكرنا في هذا البحث. ومثله في التحقيق من الناحية الفقهية العلامة الشيخ محمد أنور الكشميري في كتابه «فيض الباري على صحيح البخاري» «٢/ ٢٧١ - ٢٨٠»، ولولا أن يطول البحث؛ لنقلت كلامه؛ فإنه غاية في التحقيق، وفيه شيء جديد لا تراه في الكتب المعروفة، لكن فيما ذكرناه عن ذلك المحقق كفاية، وكلامه كان خلاصة كلام الكشميري هذا، وأظنه هو الكشميري نفسه، لكني وجدت كلامه معلقاً عندي في بعض التعليقات منسوباً إليه غير مسمى، ولا أذكر الآن مصدره، وغالب ظني أنه في كتابه هذا المذكور. والله أعلم. وأما المذاهب الأخرى؛ فيأتي قريباً ذكر أدلتها.
[أصل صفة الصلاة (١/ ٣٢٧)]
стр. 2153
النهي عن القراءة خلف الإمام
ثم نهاهم ﷺ عن القراءة كلها في الجهرية، وذلك حينما «انصرف من صلاةٍ جهرَ فيها بالقراءة «وفي رواية: أنها صلاة الصبح»، فقال: «هل قرأ معي منكم أحد آنفاً؟ ! ».
فقال رجل: نعم؛ أنا يا رسول الله! فقال: «إني أقول: ما لي أُنازَع؟ ! ».
[قال أبو هريرة: ] فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر فيه رسول الله ﷺ بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ ، [وقرؤوا في أنفسهم سرّاً فيما لا يجهر فيه الإمام].
قوله: «أُنازع»: قال الخطابي: «معناه: أُدَاخَلُ في القراءة وأُغَالَبُ عليها. وقد تكون المنازعة بمعنى المشاركة والمناوبة؛ ومنه منازعة الناس في النِّدام».
قلت: والأنسب في هذا المقام: المعنى الآخر، وهو المشاركة؛ بدليل انتهائهم عن القراءة. ولو كانوا فهموا أنه المعنى الأول؛ لانتهوا عن المداخلة فقط.
احتج بالحديث من ذهب إلى منع القراءة وراء الإمام في الجهرية، وهم جمهور العلماء؛ كالأئمة الثلاثة، وغيرهم - كما سبق -، وهو اختيار أكثر أصحاب الحديث؛ كما قال الترمذي، لكن ذكر هو والبيهقي وغيرهما أن الحديث لا يدل على ذلك؛ لأن أبا هريرة الذي روى هذا الحديث قد صح عنه أنه سئل في قراءة ﴿الفَاتِحَة﴾ وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك.
أخرجه مسلم «٢/ ٩ - ١٠»، وغيره. فلو كان الحديث ثابتاً، أو كان دالاً على المنع؛ لما أفتى بخلاف ذلك.
قلت: لو كانت هذه الحجة صحيحة؛ للزم منها رد كثير من السنن الصحيحة، ولكان أول من يخالفها هم الذين أوردوها في هذا المكان، كما لا يخفى على البصير بطرق الاستدلال عند العلماء على اختلافهم. وإليك مثالاً على ذلك: فقد صح عنه
стр. 2154
- ﷺ أنه قال: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم؛ فليُرِقْه، ثم ليغسله سبع مرات».
أخرجه مسلم، والنسائي، وغيرهما.
وممن روى هذا الحديث أبو هريرة، ثم ثبت عنه أنه كان يفتي بالغسل من ولوغه ثلاثاً، فلم يأخذ به الجمهور؛ لأنه مخالف لقواعدهم، ولذلك تعقب ابن التركماني البيهقي هنا بقوله: «مذهب الشافعي والمحدثين: أن الراوي إذا روى حديثاً ثم خالف؛ كان العبرة لما روى، لا لما رأى، ولا يكون رأيه جرحاً في الحديث؛ فكيف تكون فتوى أبي هريرة دليلاً على ضعف حديثه المرفوع؟ ! ». انتهى.
وهذا اعتراض قوي لا جواب لهم عليه، كما أنه اعتراض قوي على الحنفية الذين خالفوا الجمهور في هذه القاعدة؛ فقالوا: «العبرة برأي الراوي لا بمرويه». فيلزم على ذلك أن يَدَعوا الاحتجاج بالحديث؛ لإفتاء أبي هريرة بخلافه - كما ذكرنا -، ويأخذوا به.
وأما الجواب عن ذلك - كما صنع أبو الحسنات «١٢٥» - بأن يحمل قول أبي هريرة: اقرأ بها في نفسك. على السرية، فحينئذٍ لا تعارض بين رأيه ومرويه، ولا إلزام به: فليس بشيء؛ لأنه ثبت في «جزء البخاري» «٨»، و «سنن البيهقي» «٢/ ١٦٦» أن السائل سأله عن الصلاة الجهرية بلفظ: قال عبد الرحمن أبو العلاء: قلت: يا أبا هريرة! كيف أصنع إذا كنت مع الإمام، وقد جهر بالقراءة؟ فأجابه بما تقدم.
وأما حمله على سكتات الإمام؛ فشيء لا يخطر على بال أبي هريرة، إذ ليس في السنة سكتات تتسع لقراءة «الفَاتِحَة». ويأتي بيان ذلك قريباً إن شاء الله.
وبالجملة؛ فإن هذا الحديث قد أظهر اضطراب العلماء أحياناً في قواعدهم وفي فروعهم؛ تأييداً لمذاهبهم؛ فالحنفية أخذوا بالحديث، وليس على قواعدهم؛ فكان عليهم إما: أن يردوه - كما ردوا حديث الولوغ وغيره -، أو: أن يُعَدِّلوا هذه القاعدة لما هو الحق.
وقد أشار إلى ذلك أبو الحسنات - وهي من حسناته -.
стр. 2155
والشافعية عكسوا ذلك؛ فلم يأخذوا به، وأجابوا عنه بما هو مخالف لقاعدتهم، فكان عليهم إما: أن يَدَعوها ليصحَّ جوابهم، أو: يظلوا متمسكين بها، ويأخذوا بالحديث، وهو الصواب. و: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾.
هذا، وأيد الجمهور مذهبهم هذا بالآية السابقة الذكر، وسبب نزولها - وقد ذكرناه آنفاً -، وقال ابن تيمية في «الفتاوى» «٢/ ١٤٢ - ١٤٣»: «إنه استفاض عن السلف أنها نزلت في القراءة في الصلاة، وذكر الإمام أحمد الإجماع على أنها نزلت في ذلك، وذكر الإجماع على أنه لا تجب القراءة على المأموم حال الجهر».
ثم نقول: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
لفظ عام، فإما أن يختص في القراءة في الصلاة، أو في القراءة في غير الصلاة، أو يعمهما.
والثاني باطل قطعاً؛ لأنه لم يقل أحد من المسلمين، أنه يجبُ الاستماع خارج الصلاة، ولا يجب في الصلاة. ولأن استماع المستمع إلى قراءة الإمام الذي يأتم به، ويجب عليه متابعته؛ أولى من استماعه إلى قراءة من يقرأ خارج الصلاة، [وذلك] داخل في الآية: إِما على سبيل الخصوص، وإما على سبيل العموم. وعلى التقديرين؛ فالآية دالة على أمر المأموم بالإنصات لقراءة الإمام، والمنازع يسلم بذلك إلا في «الفَاتِحَة»، والآية أمرت بالإنصات إذا قرئ القرآن، و «الفَاتِحَة»: أم القرآن، وهي التي لا بد من قراءتها في كل صلاة، وهي أفضل سور القرآن، وهي التي لم ينزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها؛ فيمتنع أن يكون المراد بالآية الاستماع إلى غيرها دونها، مع إطلاق لفظ الآية وعمومها، مع أن قراءتها أكثر وأشهر.
والعادل عن استماعها إلى قراءتها، إنما يعدل لكون قراءتها أفضل من الاستماع، وهذا غلط مخالف للنص والإجماع؛ فإن الكتاب والسنة أمرت المؤتم بالاستماع دون القراءة، والأمة متفقة على أن استماعه لما زاد على «الفَاتِحَة» أفضل من قراءة ما زاد عليها. فلو كانت القراءة لما يقرؤه الإمام أفضل من الاستماع لقراءته؛ لكان قراءة
стр. 2156
المأموم أفضل من قراءته لما زاد على «الفَاتِحَة».
وهذا لم يقله أحد، وإنما نازع من نازع في «الفَاتِحَة»؛ لظنه أنها واجبة على المأموم، أو مستحبة.
وجوابه؛ أن المصلحة الحاصلة له بالقراءة يحصل بالاستماع ما هو أفضل منها؛ بدليل استماعه لما زاد على «الفَاتِحَة»، فلولا أنه يحصل له بالاستماع ما هو أفضل من القراءة؛ لكان الأولى أن يفعل أفضل الأمرين وهو: القراءة. فلما دلَّ الكتاب والسنة، والإجماع على أن الاستماع أفضل من القراءة؛ [دل] على أن المستمع يحصل له أفضل مما يحصل للقارئ، وهذا المعنى موجود في «الفَاتِحَة» وغيرها، وحينئذٍ فلا يجوز أن يؤمر بالأدنى، ويُنهى عن الأعلى، وثبت أنه في هذه الحال قراءة الإمام له قراءة؛ كما قال ذلك جماهير السلف والخلف من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، وفي ذلك الحديث المعروف عن النبي ﷺ أنه قال: «من كان له إمام؛ فقراءة الإمام له قراءة».
وهذا الحديث روي مرسلاً ومسنداً، ولكن أكثر الأئمة الثقات رووه مرسلاً عن عبد الله بن شداد عن النبي ﷺ ، وأسنده بعضهم، ورواه ابن ماجه مسنداً، وهذا المرسل قد عضده ظاهر القرآن والسنة، وقال به جماهير أهل العلم من الصحابة والتابعين، ومرسِله من أكابر التابعين، ومثل هذا المرسل يحتج به باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم.
وقد نص الشافعي على جواز الاحتجاج بمثل هذا المرسل.
فتبين أن الاستماع إلى قراءة الإمام أمر دل عليه القرآن دلالة قاطعة، ولأن هذا من الأمور الظاهرة التي تحتاج إليها الأمة؛ فكان بيانها في القرآن بما يحصل به المقصود، وجاءت السنة بموافقة القرآن.
ثم ذكر هذا الحديث الذي نتكلم عليه، وقواه، ورد على البيهقي تضعيفه إياه بنحو ما ذكرنا آنفاً، ثم ساق أيضاً الحديث الآتي بعده - وسنعلق كلامه عليه هناك -، ثم قال: «وأيضاً: فلو كانت القراءة في الجهر واجبة على المأموم؛ للزم أحد أمرين: إما أن يقرأ مع
стр. 2157
الإمام، وإما أن يجب على الإمام أن يسكت له حتى يقرأ. ولم نعلم نزاعاً بين العلماء أنه لا يجب على الإمام أن يسكت ليقرأ المأموم «الفَاتِحَة» ولا غيرها، وقراءته معه منهي عنها بالكتاب والسنة، فثبت أنه لا تجب عليه القراءة معه في حال الجهر؛ بل نقول: لو كان قراءة المأموم في حال الجهر مستحبة؛ لاستحب للإمام أن يسكت ليقرأ المأموم، ولا يستحب للإمام السكوت ليقرأ المأموم عند جماهير العلماء، وهذا مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد، وغيرهم، وحجتهم في ذلك أن النبي ﷺ لم يكن يسكت ليقرأ المأمومون، ولا نقل أحد هذا عنه؛ بل ثبت عنه في «الصحيح» سكوته بعد تكبيرة الافتتاح.
وفي «السنن»: أنه كانت له سكتتان: سكتة في أول القراءة، وسكتة بعد القراءة، وهي لطيفة للفصل؛ لا تتسع لقراءة «الفَاتِحَة»، وقد روي أن هذه السكتة كانت بعد «الفَاتِحَة»، ولم يقل أحد منهم أنه كان له ثلاث سكتات، ولا أربع سكتات، فمن نقل عن النبي ﷺ ثلاث سكتات، أو أربعاً؛ فقد قال قولاً لم ينقله عنه أحد من المسلمين، والسكتة التي عقب قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. من جنس السكتات التي عند رؤوس الآي، ومثل هذا لا يسمى سكوتاً، ولم يقل أحد من العلماء أنه يقرأ في مثل هذا.
وكان بعض من أدركنا من أصحابنا يقرأ عقب السكوت عند رؤوس الآي، فإذا قال الإمام: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾.
قال: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾. فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.
قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. وهذا لم يقله أحد من العلماء.
قلت: وَيَرِدُ على هذا ما سبق؛ وهو: أنه لا يجب الوقوف على رؤوس الآي، وإن كان مستحباً؛ لما سبق، ولكن قد لا يفعل الإمام ذلك؛ إما ترخصاً في بعض الأحيان، وإما جهلاً بسنة خير الأنام - كما هو الغالب في أئمة هذا الزمان -، حتى ولو سكت؛ لا تتسع هذه السكتة لقراءة الآية فيها بتمامها، فلا بد أن يقع بعضها والإمام يقرأ؛ فلا مناص من الوقوع في مخالفة النص القرآني.
стр. 2158
وحديث السكتتين هو من رواية الحسن البصري عن سمرة. وفي سماع الحسن منه خلاف؛ قال ابن القيم في «الزاد» «١/ ٧٤»: «ومن يحتج بالحسن عن سمرة؛ يحتج بهذا».
والراجح أنه سمع منه بعض الأحاديث. وقد قال الدارقطني - بعد أن ساق هذا الحديث «١٢٨» -:
«الحسن مختلف في سماعه من سمرة، وقد سمع منه حديثاً واحداً، وهو حديث العقيقة».
قلت: والحسن - على جلالته ومنزلته في العلم -: مشهور بالتدليس والإرسال؛ ولذلك فالقواعد الحديثية تقتضي أن لا يحتج بشيء من حديثه عن سمرة وغيره، إلا بما صرح فيه بالتحديث، وقد تأملت جميع طرق هذا الحديث - فيما لدي من كتب السنة المطهرة -؛ فلم أجده إلا معنعناً؛ غير مصرح بسماعه له من سمرة، وقد جهدت أن أجد له شاهداً - ولو بإسناد فيه ضعف -؛ فلم أجد. ولذلك فهو غير حجة عندي، وإن حسنه - الترمذي وغيره! ولذلك جرَّدت الكتاب منه، على أن الحديث قد اضطرب فيه في محل السكتة الثانية - كما أشار شيخ الإسلام إلى ذلك -، وإليك توضيح ذلك باختصار: اعلم أن الحديث رواه عن الحسن أربعة من الثقات؛ وهم: يونُس بن عُبيد، وقتادة، وأشعث الحُمْراني، وحُميد الطويل، وقد اتفقوا جميعاً على أن محلها بعد القراءة؛ قبل الركوع، إلا أن يونس وقتادة اختلف عليهما في ذلك؛ فقيل عنهما: إنها قبل الركوع.
وقيل: إنها بعد «الفَاتِحَة»؛ قبل السورة. ولا شك أن رواية أشعث وحميد التي لم يختلف عليهما فيها أصح وأولى؛ لا سيما وقد وافقهما الآخران في رواية على ذلك.
ومن شاء التفصيل؛ فعليه مراجعة رسالة «الصلاة» لابن القيم، و «تعليقاتنا الجياد» على كتابه «زاد المعاد».
ثم قال شيخ الإسلام: «ومعلوم أن النبي ﷺ لو كان يسكت سكتةً تتسع لقراءة «الفَاتِحَة»؛ لكان هذا مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله، فلما لم ينقل هذا
стр. 2159
أحد؛ عُلم أنه لم يكن، وأيضاً فلو كان الصحابة كلهم يقرؤون «الفَاتِحَة» خلفه؛ إما في السكتة الأولى، وإما في الثانية؛ لكان هذا مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله؛ فكيف ولم ينقل أحد عن أحد من الصحابة أنهم كانوا في السكتة الثانية يقرؤون «الفَاتِحَة»؟ ! مع أن ذلك لو كان مشروعاً؛ لكان الصحابة أحق الناس بعلمه وعمله؛ فعُلم أنه بدعة.
وأيضاً؛ فالمقصود بالجهر: استماع المأمومين؛ ولهذا يؤمِّنون على قراءة الإمام في الجهر دون السر، فإذا كانوا مشغولين عنه بالقراءة، فقد أُمِرَ أن يقرأ على قوم لا يستمعون لقراءته، وهو بمنزلة من يحدث من لا يستمع لحديثه، ويخطُب من لا يستمع لخطبته، وهذا سَفَهٌ تتنزه عنه الشريعة؛ ولهذا رُوي في الحديث: «مثل الذي يتكلم، والإمام يخطب؛ كمثل الحمار يحمل أسفاراً» «*». فهكذا إذا كان يقرأ والإمام يقرأ عليه». اهـ كلام شيخ الإسلام باختصار.
وهو مما يدل على علو كعبه في علم المنقول والمعقول ﵀.
واعلم أنه قد اشتهر بين علمائنا الاحتجاج بالآية السابقة الذكر على النهي عن ترك القراءة وراء الإمام حتى في السرية؛ قال ابن الهُمَام في «الفتح» «١/ ٢٤١»: «وحصل الاستدلال بالآية أن المطلوب أمران: الاستماع، والسكوت. فيعمل بكل منهما، والأول: يخص الجهرية، والثاني: لا؛ فيجري على إطلاقه، فيجب السكوت عند القراءة مطلقاً».
وقد تعقبه أبو الحسنات اللكنوي بقوله «١٠٤»: وفيه نظر؛ وهو أن الأمر باستماع القرآن والسكوت ليس أمراً تعبدياً غير معلل - كما هو ظاهر -، بل هو حكم معلل بإجماع القائسين والمعللين؛ كوجوب السكوت عند الخطبة، والقراءة خارج الصلاة، ونحو ذلك، ولا تظهر له علة - ولو بعد التأمل -؛ إلا كون القرآن منزلاً للتدبر والتأمل، وهو لا يحصل بدون الاستماع والإنصات. ومن المعلوم أن هذا خاص بالجهرية؛ التي يقرأ فيها الإمام جهراً، فيلزم على المقتدين التدبر؛ فيجب عليهم الإنصات.
стр. 2160
وأما في السرية؛ فالإمام لا يقرأ إلا سراً، بحيث لا يقرع صِماخ المقتدين؛ فلا يمكن أن يحصل التدبر لهم فيها - وإن كانوا منصتين -؛ فلا يظهر لوجوب السكوت عليهم فيها وجه معتد به.
والقول بأن وجوب السكوت أمر تعبدي غير معقول: مطالب بالدليل المعقول، على أن كثيراً من أصحابنا وغيرهم أخذوا بعموم الآية المذكورة، وعدم اختصاصها بالموارد المأثورة؛ حتى فَرَّعوا عليه كون سماع القرآن مطلقاً - ولو خارج الصلاة - فرض عين أو كفاية، فلو كان المأمور فيها أمرين - الاستماع، والسكوت؛ الأول في الجهر، والثاني في السر -؛ لزم أن يقال بوجوب سكوت من يقرأ القرآن عنده خارج الصلاة سراً؛ كفاية أو عيناً، وهو خلاف الإجماع بلا نزاع. اهـ.
وإنما أمر تعالى بالاستماع بعد الأمر بالإنصات؛ لأنه قد يقول قائل: أقرأ وأسمع.
كما يفعله بعض المتزهدين في خطبة الجمعة؛ فإنك تراهم يذكرون الله بالسبحة، ولو سألتهم؛ لقالوا: نحن نسمع ونقرأ! و: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾.
فكان من الحكمة أن يُتْبعَ الأمرَ بالاستماعِ الأمرَ بالإنصات. هذا ما ظهر لي. والله أعلم.
[أصل صفة الصلاة (١/ ٣٣٦)]
الإنصات لقراءة الإمام من تمام الائتمام به
وجعل الإنصات لقراءة الإمام من تمام الائتمام به؛ فقال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر؛ فكبروا، وإذا قرأ؛ فأنصتوا».
كما جعل الاستماع له مُغْنِيَاً عن القراءة وراءه؛ فقال: «من كان له إمام؛ فقراءة الإمام له قراءة»، هذا في الجهرية.
стр. 2161
وهذا الحديث كالآية المذكورة سابقاً في الدلالة على وجوب الاستماع لقراءة القرآن من الإمام، ولكنه أعم منها - كما لا يخفى -، وهو - كهي - يشمل بعمومه «الفَاتِحَة» وغيرها، وقد خصه الشافعية وغيرهم ممن سبق ذكرهم بما عدا «الفَاتِحَة». وقالوا بوجوب قراءتها، وقد ذكرنا فيما سبق أن الحديث الذي احتجوا به على الوجوب لا يدل على ذلك؛ بل على الإباحةِ، والإباحةِ المرجوحة - كما سلف بيانه عن الكشميري -.
وحينئذٍ فإذا كان لا بد من المصير إلى التخصيص؛ فإنما يخصص بجواز قراءة «الفَاتِحَة» جوازاً مرجوحاً؛ لا بوجوبها، وحينئذٍ فالتباين بين هذا الجواز وبين النهي المستفاد من الآية والحديث يسيرٌ؛ لأن النتيجة ترك القراءة والاستماع للإمام، وهذا هو المطلوب.
هذا يقال؛ إن أردنا أن نذهب مذهب الجمع، ولكننا قد بينا أن حديث الجواز منسوخ بحديث أبي هريرة وبسبب نزول الآية، وبين أيضاً شيخ الإسلام أن الاعتبار يدل على بقاء الآية على عمومها؛ فيقال عن الحديث - الذي نحن في صدد الكلام عنه - ما قيل فيها.
وإليك الآن بقية كلام شيخ الإسلام المتعلق بالحديث؛ قال: «وهذا يبين حكمة سقوط القراءة عن المأموم، وأن متابعته لإمامه مقدمة على غيرها حتى في الأفعال، فإذا أدركه ساجداً؛ سجد معه، وإذا أدركه في وتر من صلاته؛ تشهد عقب الوتر، وهذا لو فعله منفرداً؛ لم يجز، وإنما فعله لأجل الائتمام؛ فدل على أن الائتمام يجب به ما لا يجب على المنفرد، [ويسقط به ما يجب على المنفرد]».
وقال في موضع آخر «٢/ ٤١٢»: فكيف لا يستمع لقراءته، مع أنه بالاستماع يحصل له مصلحة القراءة؟ ! فإن المستمع له مثل أجر القارئ.
ومما يبين هذا اتفاقُهُم كلهم على أنه لا يقرأ معه فيما زاد على «الفَاتِحَة»؛ إذا جهر، فلولا أنه يحصل له أجر القراءة بإنصاته له؛ لكانت قراءته لنفسه أفضل من استماعه
стр. 2162
للإمام، وإذا كان يحصل له بالإنصات أجر القارئ؛ لم يَحْتَجْ إلى قراءته، فلا يكون فيها منفعة، بل فيها مضرة شغلته عن الاستماع المأمور به.
وقد تنازعوا إذا لم يسمع الإمام؛ لكون الصلاة صلاة مخافتة، أو لبعد المأموم، أو لطرشه، أو نحو ذلك؛ هل الأولى له أن يقرأ، أو يسكت؟ والصحيح: أن الأولى أن يقرأ في نفسه، وأنه أنفع؛ لأنه لا يستمع قراءة يحصل له بها مقصود القراءة. فإذا قرأ لنفسه؛ حصل له أجر القراءة، وإلا؛ بقي ساكتاً، لا قارئاً ولا مستمعاً، ومن سكت غير مستمع ولا قارئ في الصلاة؛ لم يكن مأجوراً بذلك ولا محموداً؛ بل جميع أفعال الصلاة لا بد فيها من ذكر الله تعالى؛ كالقراءة والتسبيح والدعاء أو الاستماع للذكر، وإذا قيل بأن الإمام يحمل عنه فرض القراءة؛ فقراءته لنفسه أكمل له، وأنفع له، وأصلح لقلبه، وأرفع له عند ربه. والإنصات لا يؤمر به إلا حال الجهر، فأما حال المخافتة؛ فليس فيه صوت مسموع حتى ينصت له. اهـ.
[فائدة]: والذي يتبادر من الحديث أن معناه: إن قراءة الإمام تكفيه، وتنوب عن قراءته؛ أي: المؤتم؛ فلا تجب عليه. وشرحه الشيخ علي القاري في «شرح مسند أبي حنيفة» «ص ١٥٠» بقوله: «أي: فلا يجب على المأموم قراءة، ولا يجوز له أن يقرأ وراءه، وظاهره الإطلاق، يعني: سواء كان في الصلاة السرية أو الجهرية». اهـ.
وفي دلالة الحديث على أنه لا يجوز القراءة وراءه بُعْدٌ ظاهر، وقد وجهه الشيخ ابن الهُمَام بقوله «٢٣٩»: «إن القراءة ثابتة من المقتدي شرعاً؛ فإن قراءة الإمام قراءة له، فلو قرأ؛ لكان له قراءتان في صلاة واحدة، وهو غير مشروع». وقد رد عليه أبو الحسنات بقوله «١٤٨»: «إن قراءة الإمام ليست بقراءة المأموم حقيقة؛ لا عرفاً ولا شرعاً، وإنما هي قراءة له حكماً، فلو قرأ المؤتم؛ لا يلزم إلا أن تكون له قراءتان: إحداهما حقيقية، وثانيهما حكمية. ولا عائبة في اجتماعهما، ولا دليل يدل على قبح اجتماعهما».
وقد أوضح ذلك في حاشيته المسماة: «غيث الغمام»، فراجعه؛ فإنه - كما قال: -
стр. 2163
من النفائس.
واعلم أن علماءنا قد اختلفوا في القراءة خلف الإمام على أقوال: الأول: أنهم اختاروا ترك القراءة، لا أنهم لم يجيزوه؛ بأن كرهوه أو حرموه.
الثاني: أنها مكروهة كراهة تحريم. وهو الذي اختاره ابن الهمام، وتبعه كثيرٌ ممن بعده، وبه صرح جمعٌ ممن قبله.
الثالث: أن قراءة الفَاتِحَة مستحبة في السرية، ومكروهة في الجهرية في رواية عن محمد - كما ذكره صاحب «الهداية» و «الذخيرة» وغيرهما -، وهو رواية عن أبي حنيفة - كما ذكره الزاهدي في «المجتبى» -، وهو الذي اختاره أبو حفص الكبير - من كبار تلامذة الإمام محمد -، وغيره من الحنفية.
والرابع: أن الإنصات واجب؛ كما ذكره الكيداني.
وذكر في بحث المحرمات: أن ترك كل واجب في الصلاة حرام. فيعلم منه أنه قائل بحرمة القراءة خلف الإمام.
والخامس: أن الصلاة تفسد بالقراءة خلف الإمام، ويكون فاسقاً - كما نقله في «الدر» «١/ ٥٠٨ - بحاشية ابن عابدين» -.
وقد ذكر هذه الأقوال أبو الحسنات اللكنوي في «الإمام» «ص ٢١ - ٢٩» معزوة إلى مصادرها المشهورة من كتب الحنفية، ثم قال: «فهذه خمسة أقوال لأصحابنا، أضعفها وأوهنها؛ بل أوهن جميع الأقوال الواقعة في هذه المسألة: القول الخامس. وهو نظير رواية مكحول الدمشقي الشاذة المروية عن أبي حنيفة: أن رفع اليدين عند الركوع وغيره مفسد للصلاة، وبناءُ بعض مشايخنا عليها عَدَمَ جواز الاقتداء بالشافعية، وكلاهما من الأقوال المردودة التي لا يحل ذكرها إلا للقدح فيها؛ وإن ذُكرا في كثير من الكتب الفقهية لأصحابنا الحنفية، وقد أوضحت ذلك في رسالتي «الفوائد البهية في تراجم الحنفية»؛ فلتطالع، وليت شعري هل يقول عاقل بفساد الصلاة بما ثبت فعله عن النبي ﷺ وجماعة من أكابر أصحابه؟ ! ولو فرضنا
стр. 2164
أنه لم يثبت؛ لا من النبي ﷺ ولا من أصحابه، أو ثبت وصار منسوخاً؛ فغايته أن يكون خلاف السنة، أو مكروهاً تنزيهاً، أو تحريماً، وهو لا يستلزم فساد الصلاة به، بل لو فرضنا أنه حرام حرمة قطعية؛ لا يلزم منه فساد الصلاة أيضاً؛ فليس ارتكاب كل حرام في الصلاة مفسداً لها، ما لم يكن منافياً للصلاة، ومن المعلوم أن قراءة القرآن في نفسها ليست بمنافية للصلاة؛ بل الصلاة ليست إلا الذكر والتسبيح والقراءة».
قال: «فكيف يصح الحكم بفساد الصلاة بها، وكون ذلك مكروهاً أو حراماً بما لاح من الدلائل لا يستلزم ذلك؟ ! وإني - والله - لفي تعجب شديد من صنيع الذين نقلوا هذا القول في كتبهم ساكتين عليه، ولم يحكموا بكونه غلطاً مردوداً، وغاية ما قالوا: إن عدم الفساد أصح.
ولم يحكموا بكونه صحيحاً، وكون ما يخالفه غلطاً صريحاً، وغاية ما استدل أصحاب هذا القول الواهي بعض آثار الصحابة؛ كأثر: «من قرأ خلف الإمام؛ فلا صلاة له» (١).
وستعرف أنه مما لاُ يحتج به، ولا يستقيم الاستدلال به. وما ذكره السَّرَخْسِي ومن تبعه: أن فساد الصلاة مذهبُ عدة من الصحابة (٢).
يقال له: أي صحابي قال
стр. 2165
بهذا؟ ! «فإذن؛ ظهر حقَّ الظهور أن أقوى المسالك اتي سلك عليها أصحابنا هو مسلك استحسان القراءة في السرية، كما هو رواية عن محمد بن الحسن، واختارها جمع من فقهاء الزمن».
قال: «وهذا هو مذهب جماعة من المحدثين - جزاهم الله يوم الدين -، ومن نظر بنظر الإنصاف، وغاص في بحار الفقه والأصول، متجنباً الاعتساف؛ يُسلِّم تسليماً يقينياً أن أكثر المسائل الفرعية والأصلية التي اختلف العلماء فيها، فمذهب
стр. 2166
المحدثين فيها أقوى من مذاهب غيرهم. وإني كلما أسير في شعب الاختلاف؛ أجد قول المحدثين فيه قريباً من الإنصاف، فلله درهم وعليه شكرهم كيف لا، وهم ورثة النبي ﷺ حقاً، ونُوَّابُ شرعه صدقاً، حشرنا الله في زمرتهم، وأماتنا على حبهم وسيرتهم». اهـ.
[أصل صفة الصلاة (١/ ٣٤٩)]
وُجُوبُ قراءةِ الفاتحة في السِّرِّيَّةِ بدون تشويش على الإمام
وأما في السرية؛ فقد أقرهم على القراءة فيها، فقال جابر: «كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين بـ: «فاتحة الكتاب» وسورة، وفي الأخريين بـ: «فاتحة الكتاب».
وإنما أنكر التشويش عليه بها، وذلك حين صلى الظهر بأصحابه؛ فقال: «أيُّكم قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾؟ ».
فقال رجل: أنا، [ولم أُرِدْ بها إلا الخير]. فقال ﷺ : «قد عرفت أن رجلاً خَالَجَنِيْها».
وفي حديث آخر: «كانوا يقرؤون خلف النبي ﷺ ، [فيجهرون به]، فقال: «خلطتم عليَّ القرآن»».
قوله - في حديث عمران -: «خالجنيها»؛ أي: نازَعَنِيها. وأصل «الخَلْج»: الجذب والنزع - كما في «النهاية» -.
وقال الخطابي: «وإنما أنكر عليه محاذاته في قراءة السورة، حتى تداخلت القراءتان وتجاذَبَتا».
وقال النووي في «شرح مسلم»: «ومعنى هذا الكلام: الإنكار عليه في جهره، أو رفع صوته، بحيث أسمع غيره، لا عن أصل القراءة؛ بل فيه أنهم كانوا يقرؤون
стр. 2167
بالسورة في الصلاة السرية، وفيه إثبات قراءة السورة في الظهر للإمام والمأموم.
وهكذا الحكم عندنا، ولنا وجه شاذ ضعيف: أنه لا يقرأ المأموم السورة في السرية، كما لا يقرؤها في الجهرية، وهذا غلط؛ لأنه في الجهرية يؤمر بالإنصات، وهنا لا يسمع؛ فلا معنى لسكوته من غير استماع، ولو كان في الجهرية بعيداً عن الإمام لا يسمع قراءته؛ فالأصح أنه يقرأ السورة؛ لما ذكرناه». اهـ.
فثبت من ذلك أنه ﷺ أقرهم على القراءة في هذه الصلاة، وهي سرية؛ فدلَّ على استحباب القراءة في السرية وراء الإمام. وفيها من الفضل قوله ﷺ : «من قرأ حرفاً من كتاب الله؛ فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: «الم» حرف، ولكن «ألف» حرف، و «لام» حرف، و «ميم» حرف».
أخرجه الترمذي «٢/ ١٤٩ - ١٥٠» من طريق أيوب بن موسى قال: سمعت محمد بن كعب القُرَظي قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: ... فذكره مرفوعاً. وقال: «حسن صحيح».
قلت: وهو على شرط مسلم. ثم قال: «ويروى من غير هذا الوجه عن ابن مسعود. ورواه أبو الأحوص عن ابن مسعود؛ رفعه بعضهم، ووقفه بعضهم».
قلت: رواه من هذا الوجه الدارمي «٢/ ٤٢٩» من طريق سفيان عن عطاء بن السائب عن أبي الأحوص به موقوفاً.
وإسناده صحيح أيضاً، ولا يضر كونه موقوفاً؛ لأنه من طريق غير الطريق الأول، بل
هو قوة له - كما لا يخفى -. «وهو مخرج في «الصحيحة» «٦٦٠»».
وهو نص عام يشمل القراءة في الصلاة وخارجها، وشموله لها من باب أولى.
فليس من المعقول إذن أن تتسنى للمصلي فرصة ينال فيها هذا الفضل العظيم، ثم
يضيعها، ويشغل باله بالتفكير بأمور لا تليق بالصلاة وجلالها.
«وأما حديث: «من قرأ خلف الإمام؛ مُلئَ فوه ناراً» فموضوع، وبيانه في
стр. 2168
«سلسلة الأحاديث الضعيفة» «٥٦٩»».
ومما يدل على استحباب القراءة في السرية للمقتدي: قول جابر بن عبد الله ﵁: كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين بـ: «فاتحة الكتاب» وسورة، وفي الأخريين بـ: «فاتحة الكتاب».
أخرجه ابن ماجه «١/ ٢٧٨». قال السندي: «في «الزوائد»: قال المزي: موقوف. ثم قال: هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات.
وقد يقال: الموقوف في هذا الباب حكمه الرفع، إلا أن يقال: يمكن أنهم أخذوا ذلك
من العمومات الواردة في الباب؛ فلا تدل قراءتهم على الرفع. اهـ.
[أصل صفة الصلاة (١/ ٣٦٥)]
حكم القراءة خلف الإمام في الجهرية
- «قال ابن مسعود: «وددت أن الذى يقرأ خلف الإمام ملئ فوه تراباً». موقوف.
وروى البخارى تعليقاً في جزئه «ص ٥» والدارقطنى في سننه «١٢٦» من طريق على بن صالح عن ابن الأصبهانى عن المختار بن عبد الله بن أبى ليلى عن أبيه قال: قال على رضى الله عنه, «من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة». وهذا القول من على رضى الله عنه ينبغى حمله على القراءة خلف الإمام في الجهرية دون السرية, وذلك لأمرين:
الأول: أن القراءة في الجهرية خلفه هو الذى يتنافى مع الفطرة لأنه لا يعقل البتة أن يجهر الإمام, وينشغل المأموم بالقراءة عن الإصغاء والاستماع إليه, وقد تنبه لهذا الشافعية وغيرهم فقالوا بالقراءة في سكتات الإمام, ولما وجدوا أن ذلك لا يمكن ولا يحصل الغرض من التدبر في القراءة, قالوا بالسكتة الطويلة عقب الفاتحة بقدر
стр. 2169
ما يقرؤها المؤتم, وهذا مع أنه لا أصل له في الشرع لأن حديث السكتة ضعيف ومضطرب كما سيأتى فليس فيه هذه السكتة الطويلة!
الثاني: أنه قد صح عن على رضى الله عنه أنه كان يقرأ في السرية, فقد روى ابن أبى شيبة «١/ ١٤٨/٢» والدارقطنى «ص ١٢٢» وكذا البيهقى «٢/ ١٦٨» واللفظ له عن الزهرى عن عبيد الله بن أبى رافع عن على أنه: «كان يأمر أو يحث أن يقرأ خلف الإمام في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة, وفى الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب». وقال الدارقطنى: «وهذا إسناد صحيح».
قلت: وزاد بعض الرواة فيه: «عن أبيه عن على». وكذلك علقه البخارى كما تقدم. لكن قال البيهقى: «الأصح الرواية الأولى, وسماع عبيد الله بن أبى رافع عن على رضى الله عنه ثابت, وكان كاتباً له».
قلت: فإذا ثبت هذا الأمر عن على رضى الله عنه, فلا يجوز أن ينسب إليه القول بنفى مشروعية القراءة وراء الإمام مطلقاً في السرية أو الجهرية, بناء على قوله المتقدم «من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة» كما صنع ابن عبد البر في «التمهيد» على ما نقله ابن التركمانى عنه «٢/ ١٦٩» وأقره طبعاً تبعاً لمذهبه، كما لا يجوز أن يتخذ هذا الأمر الثابت عنه دليلاً على ضعف قوله المذكور, كما فعل البيهقى, لأن الجمع ممكن بحمله على الجهرية كما سبق, والأمر المتقدم صريح في مشروعية القراءة في السرية دون الجهرية, فاتفقا ولم يختلفا. والله الموفق.
[إرواء الغليل تحت حديث رقم (٥٠٣)]
ضعف حديث (من لم يقرأ خلف الإمام فصلاته خداج)
«مَنْ لَمْ يَقْرَأْ خَلْفَ الإمامِ؛ فَصَلاتُهُ خِدَاجٌ». موضوع بذكر «الإمام».
وإنما صح مختصراً بلفظ: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». أخرجه الشيخان وغيرهما، وهو مخرج في «صحيح أبي داود» «٧٨٠»، ولو صح باللفظ
стр. 2170
الأول؛ فهو لا يدل على وجوب قراءة المؤتم للفاتحة، وإنما الجواز كما بينه العلامة اللكنوي في «إمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة بالفاتحة خلف الإمام» «ص ٢٠٩».
ويؤكد ذلك أنه صَحَّ بلفظ: «فلا تفعلوا؛ إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب». أخرجه عبد الرزاق في «الصنف» «٢/ ١٢٨»، وأحمد «٥/ ٤١٠»، والبخاري في «جزء القراءة»، والبيهقي في «القراءة خلف الإمام» «١٦١/ ١٢٩ - ١٣٠» وقوّاه. وإسناده صحيح. وعلى هذا اللفظ اعتمدت في كتابي «صفة الصلاة» ودلالته على الجواز؛ بل الجواز المرجوح أوضح من اللفظ الأول كما هو ظاهر؛ إذا لوحظ قوله: «إلا أن ... »، فلا يصح إذن اعتباره شاهداً لحديث الترجمة كما قد يتوهمه بعضهم ممن لا فقه عندهم، نعم؛ لو صح الحديث الآتي بعده لكان شاهداً قويا له؛ لكن فيه ما سأبينه.
السلسلة الضعيفة (١٢/ ١/ ١٧).
القراءة خلف الإمام
[روي عن النبي ﷺ أنه قال]: «من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل، إلا وراء الإمام». ضعيف.
[قال الإمام]:
قلت: والحديث صحيح بدون قوله: «إلا وراء الإمام» يشهد له قوله ﷺ : «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب «رواه الشيخان عن عبادة بن الصامت، وقوله ﷺ لـ» المسيء صلاته» بعد أن أمره بقراءة الفاتحة في الركعة الأولى: «ثم اصنع ذلك في صلاتك كلها» رواه البخاري وغيره. لكن في معنى هذه الزيادة: «إلا وراء الإمام» قوله ﷺ : «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة».
وهو حديث صحيح عندنا له طرق كثيرة جدا وقد ساقها الزيلعي «٢/ ٦ - ١١» ثم خرجتها في «الإرواء» رقم «٤٩٣»، وهي وإن كانت لا تخلومن ضعف، ولكنه ضعف
стр. 2171
منجبر، وقد صح إسناده عن عبد الله بن شداد مرسلا، والمرسل إذا جاء متصلا فهو حجة عند الإمام الشافعي وغيره فاللائق بأتباعه أن يأخذوا بهذا الحديث إذا أرادوا أن لا يخالفوه في أصوله، وهو من المخصصات لحديث عبادة بن الصامت، ولكنه يخصصه بالجهرية فقط، لا في السرية، لأن قراءة الإمام فيها لا تكون قراءة لمن خلفه، إذ أنهم لا يسمعونها فلا ينتفعون بقراءته، فلابد لهم من القراءة السرية، وبذلك نكون عاملين بالحديثين ولا نرد أحدهما بالآخر. وهو مذهب مالك وأحمد وغيرهما أن القراءة فيها مشروعة دون الجهرية. وهو أعدل الأقوال كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «الفتاوى» ومن أراد التفصيل فليرجع إليها.
السلسلة الضعيفة (٢/ ٥٧ - ٥٨).
القراءة خلف الإمام
[قال الإمام]:
الذي نراه أقرب إلى الصواب في هذه المسألة مشروعية القراءة وراء الإمام في السرية دون الجهرية، إلا إن وجد سكتات الإمام، وليس هناك حديث صريح لم يدخله التخصيص يوجب القراءة في الجهرية.
السلسلة الضعيفة (٢/ ٤٢٠).
أعدل الأقوال في مسألة القراءة خلف الإمام أن يقرأ إذا أسر وينصت إذا جهر
[روي عن النبي ﷺ أنه قال]: «للإمام سكتتان، فاغتنموا القراءة فيهما بفاتحة الكتاب». لا أصل له مرفوعا.
[قال الإمام]: وإنما رواه البخاري في «جزء القراءة» «ص ٣٣» عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: فذكره موقوفا عليه. قلت: وإسناده حسن. ثم رواه
стр. 2172
عن أبي سلمة عن أبي هريرة موقوفا عليه، وسنده حسن أيضا (١). والذي دعاني إلى التنبيه على بطلان رفعه أنني رأيت ما نقله بعضهم في تعليقه على قول النووي في «الأذكار» «ص ٦٣»: «إنه يستحب للإمام في الصلاة الجهرية أن يسكت بعد التأمين سكتة طويلة بحيث يقرأ المأموم الفاتحة». فقال المعلق عليه وهو الشيخ محمد حسين أحمد: «قال الحافظ: دليل استحباب تطويل هذه السكتة حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن أن للإمام سكتتين .... أخرجه البخاري في كتاب «القراءة خلف الإمام» وأخرجه فيه أيضا عن أبي سلمة عن أبي هريرة. وعن عروة بن الزبير قال: «يا بني اقرؤوا إذا سكت الإمام، واسكتوا إذا جهر، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». فقوله: «حديث أبي سلمة .... » فيه إيهام كبير أنه حديث مرفوع إلى النبي ﷺ وأن اللفظ من قوله ﷺ كما هو المتبادر عند الإطلاق، وراجعني من أجل ذلك بعض الشافعية محتجا به! فبينت له أن الحديث ليس هو من كلامه ﷺ ، وإنما هو مقطوع موقوف على أبي سلمة، حتى ولوكان مرفوعا لكان ضعيفا لأنه مرسل تابعي.
ثم قلت: ولوصح عنه ﷺ لما كان حجة لكم بل هو عليكم، قال كيف؟ قلت: لأنه يقول: «فاغتنموا القراءة في السكتتين» وهما سكتة الافتتاح وسكتة بعد القراءة، وأنتم لا تقولون بقراءة الفاتحة أو بعضها في السكتة الأولى! نعم نقل ابن بطال عن الشافعي أن سبب سكوت الإمام السكتة الأولى ليقرأ المأموم فيها الفاتحة، لكن الحافظ تعقبه في «الفتح» «٢/ ١٨٢» بقوله: «وهذا النقل من أصله غير معروف عن الشافعي، ولا عن أصحابه، إلا أن الغزالي قال في «الإحياء»: إن المأموم يقرأ الفاتحة إذا اشتغل الإمام بدعاء الافتتاح وخولف في ذلك، بل أطلق المتولي وغيره كراهية تقديم المأموم قراءة الفاتحة على الإمام». وكذلك قول عروة المتقدم حجة على الشافعية، لأنه يأمر المؤتم بالسكوت إذا جهر الإمام. وهذا هو
стр. 2173
أعدل الأقوال في مسألة القراءة وراء الإمام، أن يقرأ إذا أسر الإمام، وينصت إذا جهر. وقد فصلت القول في هذه المسألة وجمعت الأحاديث الواردة فيها في تخريج أحاديث «صفة صلاة النبي ﷺ ».
السلسلة الضعيفة (٢/ ٢٤ - ٢٥).
لا حجة لمن استحب السكوت للإمام بقدر ما يقرأ المأموم الفاتحة
روي عن سمرة بن جندب مرفوعًا: «كان للنبي ﷺ سكتتان، سكتة حين يكبر، وسكتة حين يفرغ من قراءته». ضعيف.
[قال الإمام]: فبعد معرفة علة الحديث لا يلتفت المنصف إلى قول من حسنه. وإذا عرفت هذا فلا حجة للشافعية في هذا الحديث على استحبابهم السكوت للإمام بقدر ما يقرأ المأموم الفاتحة، وذلك لوجوه: الأول: ضعف سند الحديث. الثاني: اضطراب متنه. الثالث: أن الصواب في السكتة الثانية فيه أنها قبل الركوع بعد الفراغ من القراءة كلها لا بعد الفراغ من الفاتحة. الرابع: على افتراض أنها أعني السكتة بعد الفاتحة، فليس فيه أنها طويلة بمقدار ما يتمكن المقتدي من قراءة الفاتحة، ولهذا صرح بعض المحققين بأن هذه السكتة الطويلة بدعة فقال شيخ الإسلام ابن تيمية في «الفتاوى» «٢/ ١٤٦ - ١٤٧»: «ولم يستحب أحمد أن يسكت الإمام لقراءة المأموم، ولكن بعض أصحابه استحب ذلك، ومعلوم أن النبي ﷺ لوكان يسكت سكتة تتسع لقراءة الفاتحة لكان هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، فلما لم ينقل هذا أحد، علم أنه لم يكن، وأيضا فلوكان الصحابة كلهم يقرؤون الفاتحة خلفه ﷺ ، إما في السكتة الأولى وإما في الثانية لكان هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله فكيف ولم ينقل أحد من الصحابة أنهم كانوا في السكتة الثانية يقرءون الفاتحة، مع أن ذلك لوكان شرعا لكان الصحابة أحق الناس بعلمه، فعلم
стр. 2174
أنه بدعة». قلت: ومما يؤيد عدم سكوته ﷺ تلك السكتة الطويلة قول أبي هريرة ﵁: «كان رسول الله ﷺ إذا كبر للصلاة سكت هنية، فقلت: يا رسول الله أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ماذا تقول؟ قال أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي .... » الحديث فلو كان رسول الله ﷺ يسكت تلك السكتة بعد الفاتحة بمقدارها لسألوه عنها كما سألوه عن هذه.
السلسلة الضعيفة (٢/ ٢٦).
حال حديث: من قرأ خلف الإمام مُلئ فوه نارًا
[روي عن النبي ﷺ أنه قال]: «من قرأ خلف الإمام ملئ فوه نارا». موضوع.
أورده ابن طاهر في «التذكرة» «ص ٩٣» وقال: «فيه مأمون بن أحمد الهروي دجال يروي الموضوعات».
قلت: وقد سبقت ترجمته في الحديث الذي قبله. والحديث رواه ابن حبان في ترجمته من «الضعفاء»، وعده الذهبي من طاماته، وقد اغتر بالحديث بعض الحنفية فاحتج به على تحريم القراءة وراء الإمام مطلقا، قال أبو الحسنات اللكنوي في «التعليق الممجد على موطأ محمد» «ص ٩٩»: «ذكره صاحب «النهاية» وغيره مرفوعا بلفظ «ففي فيه جمرة» ولا أصل له». وقال قبيل ذلك: «لم يرد في حديث مرفوع صحيح النهي عن قراءة الفاتحة خلف الإمام وكل ما ذكروه مرفوعا فيه، إما لا أصل له وإما لا يصح». ثم ذكر الحديث بلفظيه مثالا على ذلك. هذا وقد اختلف العلماء قديما وحديثا في القراءة وراء الإمام على أقوال ثلاثة:
الأول: وجوب القراءة في الجهرية والسرية.
الثاني: وجوب السكوت فيهما.
الثالث: القراءة في السرية دون الجهرية. وهذا الأخير أعدل الأقوال وأقربها إلى
стр. 2175
الصواب وبه تجتمع جميع الأدلة بحيث لا يرد شيء منها وهو مذهب مالك وأحمد، وهو الذي رجحه بعض الحنفية، منهم أبو الحسنات اللكنوي في كتابه المذكور آنفا، فليرجع إليه من شاء التحقيق. هذا ومن موضوعات هذا الدجال في الطعن على الإمام الشافعي في شخصه: - «يكون في أمتي رجل يقال له محمد بن إدريس أضر على أمتي من إبليس، ويكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة هو سراج أمتي». موضوع. أورده ابن الجوزي في «الموضوعات» «١/ ٤٥٧» من طريق مأمون بن أحمد السلمي: حدثنا أحمد بن عبد الله الجويباري: أنبأنا عبد الله بن معدان الأزدي عن أنس مرفوعا وقال: «موضوع، وضعه مأمون أو الجويباري، وذكر الحاكم في «المدخل» أن مأمونا قيل له: ألا ترى إلى الشافعي ومن تبعه؟ فقال: حدثنا أحمد إلى آخره، فبان بهذا أنه الواضع له»، قلت: وزاد في «اللسان»: «ثم قال الحاكم: ومثل هذه الأحاديث يشهد من رزقه الله أدنى معرفة بأنها موضوعة على رسول الله ﷺ ».
قلت: وللحديث طرق أخرى، لا يفرح بها إلا الهلكى في التعصب لأبي حنيفة ولو برواية الكذب على رسول الله ﷺ ، فإن الطرق المشار إليها مدارها على بعض الكذابين والمجهولين. فمن الغريب جدا أن يميل العلامة العيني إلى تقوية الحديث بها، وأن ينتصر له الشيخ الكوثري، ولا عجب منه في ذلك، فإنه مشهور بإغراقه في التعصب للإمام ﵀، ولو على حساب الطعن في الأئمة الآخرين، وإنما العجب من العيني، فإنه غير مشهور بذلك، وقد رد عليهما، وتكلم على الطرق المشار إليها بما لا تراه مجموعا في كتاب العلامة المحقق المعلمي اليماني في كتابه القيم «التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل» «ج ١/ ٢٠، ٤٤٦ - ٤٤٩ - بتحقيقي».
السلسلة الضعيفة (٢/ ٤١).