منجبر، وقد صح إسناده عن عبد الله بن شداد مرسلا، والمرسل إذا جاء متصلا فهو حجة عند الإمام الشافعي وغيره فاللائق بأتباعه أن يأخذوا بهذا الحديث إذا أرادوا أن لا يخالفوه في أصوله، وهو من المخصصات لحديث عبادة بن الصامت، ولكنه يخصصه بالجهرية فقط، لا في السرية، لأن قراءة الإمام فيها لا تكون قراءة لمن خلفه، إذ أنهم لا يسمعونها فلا ينتفعون بقراءته، فلابد لهم من القراءة السرية، وبذلك نكون عاملين بالحديثين ولا نرد أحدهما بالآخر. وهو مذهب مالك وأحمد وغيرهما أن القراءة فيها مشروعة دون الجهرية. وهو أعدل الأقوال كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «الفتاوى» ومن أراد التفصيل فليرجع إليها.
السلسلة الضعيفة (٢/ ٥٧ - ٥٨).
القراءة خلف الإمام
[قال الإمام]:
الذي نراه أقرب إلى الصواب في هذه المسألة مشروعية القراءة وراء الإمام في السرية دون الجهرية، إلا إن وجد سكتات الإمام، وليس هناك حديث صريح لم يدخله التخصيص يوجب القراءة في الجهرية.
السلسلة الضعيفة (٢/ ٤٢٠).
أعدل الأقوال في مسألة القراءة خلف الإمام أن يقرأ إذا أسر وينصت إذا جهر
[روي عن النبي ﷺ أنه قال]: «للإمام سكتتان، فاغتنموا القراءة فيهما بفاتحة الكتاب». لا أصل له مرفوعا.
[قال الإمام]: وإنما رواه البخاري في «جزء القراءة» «ص ٣٣» عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: فذكره موقوفا عليه. قلت: وإسناده حسن. ثم رواه
стр. 2172
عن أبي سلمة عن أبي هريرة موقوفا عليه، وسنده حسن أيضا (١). والذي دعاني إلى التنبيه على بطلان رفعه أنني رأيت ما نقله بعضهم في تعليقه على قول النووي في «الأذكار» «ص ٦٣»: «إنه يستحب للإمام في الصلاة الجهرية أن يسكت بعد التأمين سكتة طويلة بحيث يقرأ المأموم الفاتحة». فقال المعلق عليه وهو الشيخ محمد حسين أحمد: «قال الحافظ: دليل استحباب تطويل هذه السكتة حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن أن للإمام سكتتين .... أخرجه البخاري في كتاب «القراءة خلف الإمام» وأخرجه فيه أيضا عن أبي سلمة عن أبي هريرة. وعن عروة بن الزبير قال: «يا بني اقرؤوا إذا سكت الإمام، واسكتوا إذا جهر، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». فقوله: «حديث أبي سلمة .... » فيه إيهام كبير أنه حديث مرفوع إلى النبي ﷺ وأن اللفظ من قوله ﷺ كما هو المتبادر عند الإطلاق، وراجعني من أجل ذلك بعض الشافعية محتجا به! فبينت له أن الحديث ليس هو من كلامه ﷺ ، وإنما هو مقطوع موقوف على أبي سلمة، حتى ولوكان مرفوعا لكان ضعيفا لأنه مرسل تابعي.
ثم قلت: ولوصح عنه ﷺ لما كان حجة لكم بل هو عليكم، قال كيف؟ قلت: لأنه يقول: «فاغتنموا القراءة في السكتتين» وهما سكتة الافتتاح وسكتة بعد القراءة، وأنتم لا تقولون بقراءة الفاتحة أو بعضها في السكتة الأولى! نعم نقل ابن بطال عن الشافعي أن سبب سكوت الإمام السكتة الأولى ليقرأ المأموم فيها الفاتحة، لكن الحافظ تعقبه في «الفتح» «٢/ ١٨٢» بقوله: «وهذا النقل من أصله غير معروف عن الشافعي، ولا عن أصحابه، إلا أن الغزالي قال في «الإحياء»: إن المأموم يقرأ الفاتحة إذا اشتغل الإمام بدعاء الافتتاح وخولف في ذلك، بل أطلق المتولي وغيره كراهية تقديم المأموم قراءة الفاتحة على الإمام». وكذلك قول عروة المتقدم حجة على الشافعية، لأنه يأمر المؤتم بالسكوت إذا جهر الإمام. وهذا هو
стр. 2173
أعدل الأقوال في مسألة القراءة وراء الإمام، أن يقرأ إذا أسر الإمام، وينصت إذا جهر. وقد فصلت القول في هذه المسألة وجمعت الأحاديث الواردة فيها في تخريج أحاديث «صفة صلاة النبي ﷺ ».
السلسلة الضعيفة (٢/ ٢٤ - ٢٥).
لا حجة لمن استحب السكوت للإمام بقدر ما يقرأ المأموم الفاتحة
روي عن سمرة بن جندب مرفوعًا: «كان للنبي ﷺ سكتتان، سكتة حين يكبر، وسكتة حين يفرغ من قراءته». ضعيف.
[قال الإمام]: فبعد معرفة علة الحديث لا يلتفت المنصف إلى قول من حسنه. وإذا عرفت هذا فلا حجة للشافعية في هذا الحديث على استحبابهم السكوت للإمام بقدر ما يقرأ المأموم الفاتحة، وذلك لوجوه: الأول: ضعف سند الحديث. الثاني: اضطراب متنه. الثالث: أن الصواب في السكتة الثانية فيه أنها قبل الركوع بعد الفراغ من القراءة كلها لا بعد الفراغ من الفاتحة. الرابع: على افتراض أنها أعني السكتة بعد الفاتحة، فليس فيه أنها طويلة بمقدار ما يتمكن المقتدي من قراءة الفاتحة، ولهذا صرح بعض المحققين بأن هذه السكتة الطويلة بدعة فقال شيخ الإسلام ابن تيمية في «الفتاوى» «٢/ ١٤٦ - ١٤٧»: «ولم يستحب أحمد أن يسكت الإمام لقراءة المأموم، ولكن بعض أصحابه استحب ذلك، ومعلوم أن النبي ﷺ لوكان يسكت سكتة تتسع لقراءة الفاتحة لكان هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، فلما لم ينقل هذا أحد، علم أنه لم يكن، وأيضا فلوكان الصحابة كلهم يقرؤون الفاتحة خلفه ﷺ ، إما في السكتة الأولى وإما في الثانية لكان هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله فكيف ولم ينقل أحد من الصحابة أنهم كانوا في السكتة الثانية يقرءون الفاتحة، مع أن ذلك لوكان شرعا لكان الصحابة أحق الناس بعلمه، فعلم
стр. 2174
أنه بدعة». قلت: ومما يؤيد عدم سكوته ﷺ تلك السكتة الطويلة قول أبي هريرة ﵁: «كان رسول الله ﷺ إذا كبر للصلاة سكت هنية، فقلت: يا رسول الله أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ماذا تقول؟ قال أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي .... » الحديث فلو كان رسول الله ﷺ يسكت تلك السكتة بعد الفاتحة بمقدارها لسألوه عنها كما سألوه عن هذه.
السلسلة الضعيفة (٢/ ٢٦).
حال حديث: من قرأ خلف الإمام مُلئ فوه نارًا
[روي عن النبي ﷺ أنه قال]: «من قرأ خلف الإمام ملئ فوه نارا». موضوع.
أورده ابن طاهر في «التذكرة» «ص ٩٣» وقال: «فيه مأمون بن أحمد الهروي دجال يروي الموضوعات».
قلت: وقد سبقت ترجمته في الحديث الذي قبله. والحديث رواه ابن حبان في ترجمته من «الضعفاء»، وعده الذهبي من طاماته، وقد اغتر بالحديث بعض الحنفية فاحتج به على تحريم القراءة وراء الإمام مطلقا، قال أبو الحسنات اللكنوي في «التعليق الممجد على موطأ محمد» «ص ٩٩»: «ذكره صاحب «النهاية» وغيره مرفوعا بلفظ «ففي فيه جمرة» ولا أصل له». وقال قبيل ذلك: «لم يرد في حديث مرفوع صحيح النهي عن قراءة الفاتحة خلف الإمام وكل ما ذكروه مرفوعا فيه، إما لا أصل له وإما لا يصح». ثم ذكر الحديث بلفظيه مثالا على ذلك. هذا وقد اختلف العلماء قديما وحديثا في القراءة وراء الإمام على أقوال ثلاثة:
الأول: وجوب القراءة في الجهرية والسرية.
الثاني: وجوب السكوت فيهما.
الثالث: القراءة في السرية دون الجهرية. وهذا الأخير أعدل الأقوال وأقربها إلى
стр. 2175
الصواب وبه تجتمع جميع الأدلة بحيث لا يرد شيء منها وهو مذهب مالك وأحمد، وهو الذي رجحه بعض الحنفية، منهم أبو الحسنات اللكنوي في كتابه المذكور آنفا، فليرجع إليه من شاء التحقيق. هذا ومن موضوعات هذا الدجال في الطعن على الإمام الشافعي في شخصه: - «يكون في أمتي رجل يقال له محمد بن إدريس أضر على أمتي من إبليس، ويكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة هو سراج أمتي». موضوع. أورده ابن الجوزي في «الموضوعات» «١/ ٤٥٧» من طريق مأمون بن أحمد السلمي: حدثنا أحمد بن عبد الله الجويباري: أنبأنا عبد الله بن معدان الأزدي عن أنس مرفوعا وقال: «موضوع، وضعه مأمون أو الجويباري، وذكر الحاكم في «المدخل» أن مأمونا قيل له: ألا ترى إلى الشافعي ومن تبعه؟ فقال: حدثنا أحمد إلى آخره، فبان بهذا أنه الواضع له»، قلت: وزاد في «اللسان»: «ثم قال الحاكم: ومثل هذه الأحاديث يشهد من رزقه الله أدنى معرفة بأنها موضوعة على رسول الله ﷺ ».
قلت: وللحديث طرق أخرى، لا يفرح بها إلا الهلكى في التعصب لأبي حنيفة ولو برواية الكذب على رسول الله ﷺ ، فإن الطرق المشار إليها مدارها على بعض الكذابين والمجهولين. فمن الغريب جدا أن يميل العلامة العيني إلى تقوية الحديث بها، وأن ينتصر له الشيخ الكوثري، ولا عجب منه في ذلك، فإنه مشهور بإغراقه في التعصب للإمام ﵀، ولو على حساب الطعن في الأئمة الآخرين، وإنما العجب من العيني، فإنه غير مشهور بذلك، وقد رد عليهما، وتكلم على الطرق المشار إليها بما لا تراه مجموعا في كتاب العلامة المحقق المعلمي اليماني في كتابه القيم «التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل» «ج ١/ ٢٠، ٤٤٦ - ٤٤٩ - بتحقيقي».
السلسلة الضعيفة (٢/ ٤١).
стр. 2176
هل تُقرأ الفاتحة، مع الإمام في الصلاة الجهرية ؟
السائل: هل تُقرأ الفاتحة، مع الإمام في الصلاة الجهرية؟
الشيخ: لا، لا نرى ذلك.
(الهدى والنور/٤٢٨/ ٣٦: ٣٢: ٠٠)
قراءة الفاتحة للمأموم خلف الإمام
مداخلة: في بعض الإخوان يقول: ما في داعي أن المأموم يقرأ الفاتحة [خلف الإمام]، وما يجعل له مجال.
الشيخ: الحديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ الفاتحة» حديث عام، فعلاً يشمل كل قراءة، سواء كانت صلاة منفرد، أو صلاة مقتد، أو صلاة إمام، لكن يقابله نصوص -أيضاً- هي نصوص عامة، وأنت أشرت آنفاً بنفسك إلى الآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، -أيضاً- يقال في هذه الآية مثلما نقلت أنت عن علماء الأزهر، وهذا طبعاً أنت المسؤول عن هذا النقل، يعني: على عُهدتك، نحن ما ندري أيش قالوا، أي نعم، أنهم قالوا: إن هذا الحديث مطلق ما هو مقيد، كذلك يقال بالنسبة للآية، بِدّك الآية كما تسمع: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤].
ما قال: لا في الصلاة ولا في خارج الصلاة، لا خارج الصلاة، ولا داخل الصلاة، هذه أول واحدة، ثاني شيء: ما قال: في السِرّية دون الجهرية، وإنما الآية مطلقة.
فهنا صار في نصين مطلقين، فأيُّ النصين يقيد الآخر ويُخَصّصه؟ هذا من دقائق علم الفقه، الذي يُسمى بعلم أصول الفقه.
ثم يضاف إلى الآية حديث صريح وصحيح، وهو أيضاً مُطْلَق غير مقيد، ألا
стр. 2177
وهو قوله ﵇: «إنما جُعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكَبِّروا، وإذا قرأ فأنصتوا»، «وإذا قرأ فأنصتوا»، ما فرَّق بين مقتدي، وبين سر وبين جهر، وإنما مطلقاً، «إنما جُعِل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا».
وواضح جداً أن كلمة: «أنصتوا»، سواء في هذا الحديث أو في الآية السابقة
تعني: «أن اسكتوا» إذا كان هناك قراءة مسموعة.
ولذلك كانت الآية مع الحديث بعمومهما وشمولهما، توجب على المقتدي ألاَّ يقرأ وراء الإمام الذي يجهر بالقراءة.
مذهب الشافعية -دون بقية المذاهب الأخرى- يوجبون على المقتدي أن يقرأ الفاتحة، ولو كان هو يجهر بالقراءة، ويقولون في الحديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، مطلق، أو عام ما هو مقيد بصلاة سرية دون جهرية.
لكن نفس الشافعية مع مرور الزمن وتحرّر العلم، وجدوا أنفسهم مضطرين إلى أن ينضمُّوا إلى مذهب الجماهير، الذين يقولون بأنه لا يُشرع أن يقرأ المقتدي والإمام يرفع صوته.
الشيخ: اسمح لي -بارك الله فيك-، قلنا لك: اصبر، وما صبرك إلا بالله، لو أنك لحظةً صبرت عليّ.
قلت لك: لذلك أوجدوا مخرجاً لأنفسهم، بأن فرضوا على الإمام أن يسكت تلك السكتة، لماذا؟
لأنهم ما أخذوا مع الجمهور، ما أخذوا أن المقتدي يقرأ والإمام يجهر، فقالوا: إذاً نحن نقول بأن على الإمام أن يسكت بعد قراءة الفاتحة، ليتفرغ المقتدي لقراءة الفاتحة بنفسه.
نحن نقول الآن: هذا المخرج لا يصح أن يكون مخرجاً، إلا لو ثبت في السنة [لأنه ﷺ أمّ] أُمته أكثر من عشرين سنة، وكان يجهر في الصلاة الجهرية، ويسُر في الصلاة السرية، فهل سكت بعد أن قرأ الفاتحة في الصلاة الجهرية، ليتمكن مَن خلفه
стр. 2178
من قراءة الفاتحة؟
الجواب: لا.
-فأيضاً- لماذا نحن نُوجِد مخارج لأنفسنا؟ كان المقتضي لإيجادها موجود في عهد الرسول ﵇.
مع ذلك ما أوجد الرسول هذا المخرج، هذا المخرج جاء من خطأ فَهْم للحديث، بأنه عام يشمل حتى المقتدي وراء الإمام في الجهرية، من أين جاء الخطأ؟
من عدم التَنَبُّه للحديث الذي أنت قلت: -لا شك في صحته- «قراءة الإمام قراءة لمن خلفه».
إذاً: الإمام حينما يقرأ جهراً، وأنت تسمع، وأنت تدبر ما يقرأ، حصل لك المقصود من قراءتك لنفسك لو قرأت والإمام ساكت، بل أنا أُلاحظ شيئاً، المستمع للتلاوة باستطاعته أن يتدبر أكثر من القارئ نَفسِه، صحيح، أو لا؟
مداخلة: صحيح.
الشيخ: إذا كان الأمر كذلك، فحينما يقرأ الإمام وأنت تصغي لقراءته، فقد حصل لك القراءة وزيادة.
ولذلك جاء في صحيح البخاري: أن النَّبي ﷺ قال لأحد أصحابه، هما روايتان، مَرَّة لابن مسعود، ومَرَّة لأُبَيّ بن كعب، قال: «اقرأ عليّ القرآن، قال: أقرأ عليك القرآن وعليك أُنزل؟ ! قال: اقرأ، فإني أحب أن أسمعه من غيري».
فإذاً: رَبُّنا حينما أوجب الإنصات على المقتدين السامعين لتلاوة القرآن، إنما أوجب ذلك لأمر مرغوب به عند الله، وهو أن يستمع هذا السامع لقراءة الإمام، ويتدبر فيما يقرأ، أما لو أنت قرأت والإمام يقرأ، ما تستطع أن تَدَّبّر ما تقرأ أبداً؛ لأنك أنت مشغول للإصغاء، ومشغول بالقراءة، والله يقول: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤]، فأنت واحدة من الاثنتين: إما أن تَنْتَبِه
стр. 2179
لقراءة الإمام وتَدَّبّر فيها، وإما أن تنتبه لما تقرأ أنت في نفسك.
لهذا كانت المذاهب الثلاثة: أن المقتدي يقرأ في السرية، ويُنْصِت في الجهرية؛ وبذلك تجتمع النصوص الشرعية.
وهنا مسألة فيها شيء من الدِّقة، من الناحية الفقهية: الحديث الأول: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، حينما تنقل أنت عن علماء الأزهر، بأنهم قالوا: إن الحديث مطلق، نحن نقول: هذا الحديث ليس على إطلاقه، فقد دخله تخصيص باتفاق جماهير علماء المسلمين، ومنهم الشافعية أنفسهم.
أنت الآن إذا دخلت المسجد، ووجدت الإمام راكعاً واقتديت به وركعت معه، أدركتَ الركعة أم لا؟ أدركت الركعة، ماذا نفعل في قوله: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»؟
لم يبقَ الحديث على عمومه، دخله التقيِّيد والتخصيص، فصار معنى الحديث: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، إلا لمن لم يستطع أن يقرأ الفاتحة في صورة من الصور منها: أن يأتي المسجد، فيجد الإمام راكعاً، فلا يستطيع أن يقرأ الفاتحة، ومحسوبة له الركعة، بما أنه ما قرأ الفاتحة، إذاً: فالحديث هذا ليس على إطلاقه.
مداخلة: إذا تَكَرّمت، بالنسبة لما دار بين الشافعية: إذا الأحاديث تعارضت يعني: أليس الأفضل التوفيق بينها، وهو حال الشافعية على من يقول: يقرأ الفاتحة بعد الإمام في سكتته، أنهم وفّقوا بين الأحاديث المتعارضة.
الشيخ: عفواً، الظاهر أننا نسينا ما قلنا، التوفيق بين الأحاديث ما يكون بمخالفة السنة، فقد ذكرت آنفاً، ذكرنا -آنفاً-: أن الرسول ﵇ طيلة حياته المباركة، حينما كان يصلي بالناس في الصلاة الجهرية، ما كان يسكت.
فما يكون الجمع بين الأحاديث بأن نحن نعطي حَلاًّ يخالف سنة الرسول ﵇ طيلة حياته المباركة، نحن نأتي بحل من نفس الأحاديث، وهذا الذي كنت أنا في صدد -إتمام- بيان الحل، لأني قلت: - لأمر ما- ذكرت أن حديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ» ليس مطلقاً، كما نقلت عن العلماء، وإنما هو مُقَيّد في بعض الصور،
стр. 2180
ذكرت صورة متفق عليها بين العلماء وهي: إذا دخل المسجد، ووجد الإمام راكعاً اقتدى فيه وركع معه، فصلاته صحيحة مع أنه لم يقرأ الفاتحة.
إذاً: هذا الحديث لم يبق على عمومه وشموله وإطلاقه.
هنا بقى الآن يأتي جواب سؤالك الأخير، وهو كان سيأتيك -عفواً- بدون طلب منك: إذا تعارض حديثان عامان، كل منهما عام، فأيُّهما يُسَلَّط على الآخر ويخصصه؟
قال العلماء: إذا كان أحد النَصَّين العامين، دخله تقييد أو تخصيص، بحيث ضَعُف عمومُه وإطلاقه، فهو الذي يُسَلَّط عليه النص العام، الذي بقي على عمومه وشموله ولم يدخله تخصيص ولا تَقيّيد، هذه قاعدة مهمة جداً جداً من الناحية الفقهية، .... الآن وَضَحت: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، هل هناك حالة من الحالات لا يسمع الإنسان، ويجوز أن يلهو والقرآن يتلى؟ أبداً.
كذلك قوله ﵇، في الحديث السابق: «إنما جُعِلَ الإمامُ ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا»، ما دخله تقييد؛ لأنه ماشي مع الآية تماماً.
إذاً: هنا عمومان تعارضا، عموم: «لا صلاة»، وعموم: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، فيُقَيّد العام المقيد، بالعام غير المُقَيّد.
(الهدى والنور / ٥٣/ ٤٤: ٢٤: .. )
قراءة الفاتحة خلف الإمام
مداخلة: حديث: [فلا تفعلوا إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب]؟
الشيخ: متنه لا يدل على وجوب قراءة الفاتحة بالنسبة للمقتدين؛ ذلك لأن الأمر بالشيء بعد النهي عنه لا يستلزم وجوبه وإنما الأمر بالشيء بعد النهي عنه يفيد
стр. 2181
فقط جوازه وليس وجوبه والأمثلة على ذلك في القرآن معروفة ومذكورة في علوم الأصول .. علم الأصول على اختلاف المذاهب.
مثلاً قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] فأمره بالصيد هنا هو رفع للمحظور السابق بالنسبة للمحرم أنه لا يصطاد، كذلك قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] فهذا الأمر بالانتشار بعد انقضاء الصلاة لا يعني وجوبه وإنما يعني جوازه؛ لأنه مسبوق بقوله : ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] فهذا الأمر الذي يفيد ترك العمل جاء رفعه بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] فإذا استخدمنا هذه القاعدة الأصولية ورجعنا إلى الحديث على فرض صحته بذاك اللفظ فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، فلا تفعلوا نهي إلا بفاتحة الكتاب استثناء من النهي يفيد الإباحة ولا يفيد الوجوب.
أما الجملة التي بعد ذلك وهي قوله ﵊: «فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» هي جملة تعليلية لهذا الحكم فإن كان الحكم واجباً فهو تعليل لهذا الحكم الواجب، وإن كان الحكم مستحباً فهو تعليل لهذا الحكم المستحب، وإن كان الحكم الجواز فهو أيضاً تعليل لهذا الحكم الجائز، فإذا عرف هذا كان واضحاً جداً أن الحديث لا يدل على وجوب القراءة للمقتدي وراء الإمام في الصلاة الجهرية.
فإن مما يؤكد هذا أمور أوضحها أن هذا الحديث الذي فيه ما سبق من العلة قد جاء في مسند الإمام أحمد بلفظ يؤكد أن هذا الأمر لا يعني الوجوب بل الجواز المرجوح، حيث كان لفظه: «فلا تفعلوا إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب» فقوله: إلا أن يقرأ، يعني: إن ولا بد واحد منكم يريد يقرأ فليقرأ بفاتحة الكتاب؛ لأن الأصل فيها أن لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب.
لهذا كان الراجح ما ذهب إليه الإمام أحمد ﵀ في هذه المسألة وتبعه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية من أن المقتدي يجب عليه أن يقرأ في السرية وأن
стр. 2182
يصمت في الجهرية ولا يقرأ ما دام أنه يسمع تلاوة القرآن من الإمام، وبذلك تتجمع الأدلة التي يبدو التعارض بينها وتسلم من التعارض حينما نضع كل دليل في مكانه المناسب مع ملاحظة ما قد يعارضه فينبغي حينذاك التوفيق بين النصوص كما هو معلوم من قواعد علم الأصول .. أصول الفقه وأصول الحديث أيضاً.
فقد ذكر الحافظ العراقي ﵀ في شرحه على مقدمة ابن الصلاح في قسم الحديث المختلف أنه إذا جاء حديثان مختلفان متعارضان في الظاهر وجب التوفيق بينهما بوجه من وجوه التوثيق الكثيرة التي جاوزت مائة وجه وأكثر، وهذا أمر هام جداً وإلا وقع طالب العلم في حيص بيص.
فنحن مثلاً نقرأ قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] فإذا وقفنا عند هذه الآية ولم نأخذ بما جاءت به الأحاديث من إباحة ميتة البحر والجراد حرمنا أكلهما؛ لأن النص القرآني يشملهما: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] إذاً: هذه قاعدة من قواعد التوفيق بين النصوص، وهي التي يعبر عنا بالعام والخاص، فإذا جاء نص خاص يعارض النص العام خصص النص العام بالنص الخاص.
ولا يشترط هاهنا ما يقوله بعض المذاهب من أنه لا يجوز تخصيص النص العام القاطع أو المتواتر بالنص الخاص الآحاد، هذا ليس شرطاً وإن كان يذكره بعضهم في كتبهم الأصولية ولكننا نراهم مع ذلك يخالفون أصولهم في بعض التفريعات وفي بعض الفروع التي منها ما نحن فيه الآن.
القاعدة التي قالوها: لا يجوز تخصيص العام المقطوع ثبوته والقرآن من ذلك بالحديث الآحاد الظني الثبوت، مع ذلك وافقوا جمهور المسلمين على إباحة ميتة السمك والجراد مع أن الحديث في ذلك أقل ما يقال فيه: أنه ليس متواتراً، وقد خصصوا المقطوع ثبوته بالمضمون ثبوته.
على هذا يجب التوفيق بين النصوص المتعارضة، فعندنا الآية الكريمة: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] نص عام يعارضه
стр. 2183
النص العام الآخر: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» فهنا عمومان تعارضا فأين العامين يسلط على العام الآخر، العام القرآن أم العام الحديثي؟ لا فرق عندنا بين القرآن وبين الحديث من حيث وجوب العمل بكل منهما، والفلسفة التي تقال مما ذكرناه آنفاً هذه لا يعتد بها عند جماهير العلماء بل حتى عند الواضعين تلك القاعدة وحيث خالفوها في كثير من الأمور الأخرى التي تفرعت من مخالفتهم لتطبيق هذه القاعدة، فلا فرق عندنا بين الآية وبين الحديث من حيث وجوب العلم بكل منهما، ولكن هنا عمومان تعارضا فأيهما يخصص الآخر ... دقة في الأمر؟
إذا نظرنا إلى المذاهب قلنا: الحنفية خصصوا الحديث بالقرآن .. وعكس الآخرون فقالوا: نحن نخصص القرآن بالحديث وتكون الحصيلة مختلفة تماماً: من يخصص الآية بالحديث فمعناها كالتالي: فاستمعوا له إلا في قراءة الفاتحة وراء الإمام، فمن عكس ذلك نقول: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» إلا من كان يسمع قراءة الفاتحة من الإمام فعليه الصمت والسكوت: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] وإنما لقضية إذاً الأمر الدقيق في ترجيح أحد المذهبين على الآخر.
والذي رأيناه [أن النص الذي] يطرأ عليه تخصيص ما حينئذٍ يخصص به النص العام المخصص لغيره ولا يزول التخصيص العام الذي لم يخصص مطلقاً النص العام الذي خصص لغيره.
هذا كلام دقيق جداً لكن قد يحتاج إلى توضح بمثال: هو المثال الآن بين أيدينا لكن قبل ذلك نأتي إلى الأحاديث التي تنهى عن الصلاة في الأوقات الثلاثة: قبيل طلوع الشمس، وعند استوائها في وسط السماء، وعند الغروب، هذه النصوص عامة ولا شك قد تعارضها صورة أخرى فيها بيان لجواز بعض الصلوات في هذه الأوقات.
مثلاً الحديث الذي جاء في سنن الترمذي وغيره أن النبي ﷺ لما سلم ذات يوم من صلاة الفجر قام رجل يصلي، فقال له: «أصلاتان معاً؟ لما سلم الرجل قال: يا
стр. 2184
رسول الله، دخلت المسجد وقد أقيمت الصلاة ولم أكن قد صليت ركعتي الفجر فهما هاتان» فأقره ﵊ فصار من السنة أن من دخل المسجد ولم يكن قد صلى السنة فمعلوم أنه لا يشرع له أن يستأنف صلاة السنة وقد أقيمت الصلاة لقوله ﵇: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» فهل يجوز له أن يصلي بعد الفريضة؟ هذا الحديث دل على الجواز.
إذاً: قوله ﵊: «لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس» طرأ عليه هذا التخصيص.
كذلك مثلاً قوله ﵇: «من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها حين يذكرها لا كفارة لها إلا ذلك» أيضاً هذا الحديث يخصص أحاديث النهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة.
والأحاديث في هذا الصدد كثيرة كان أحد علماء الحديث في الهند قد جمعها في كتاب فهو كتاب قيم أنصح بقراءته والتفقه به ألا وهو: إعلام أهل العصر بأحكام ركعتي سنة الفجر، هناك تتبع النصوص التي جاءت تخصص أحاديث النهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة، اسمه شمس الدين العظيم آبادي، نعم.
فابن تيمية الآن يعارض بهذه القاعدة مسألة تحية المسجد، كثيراً ما يتفق أن أحدنا يدخل المسجد في وقت من هذه الأوقات المنهي الصلاة عنها، أفيصليها في ذلك [الوقت] بصورة عامة، أم لا يصليها؟ ويظهر أن ما ذهب إليه الإمام الشوكاني ﵀ الذي قال بأنه لا يصلي ولا يجلس، كيف يصلي ولو كان في وقت الكراهة لماذا؟ لأن قوله ﵇: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» وفي الرواية الأخرى: «فليصل ركعتين ثم ليجلس» يقول: هذا نص عام، قد عارضه النص العام بآخر وهو النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة لكن هذا النص من النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة قد دخله تخصيص من جوانب كثيرة فضعف عمومه بينما الأمر بتحية المسجد لم يدخله تخصيص إطلاقاً فيصرف
стр. 2185
على النص العام فيزداد النص العام ضعفاً فيظل النص الآخر على عمومه وشموله.
ونؤكد ذلك باستنباط آخر: لعلكم جميعاً تعلمون ما جاء في صحيح مسلم أن النبي ﷺ كان يخطب يوم جمعة ثم دخل سليك الغطفاني فجلس فقال ﵊، قطع خطبته بطبيعة الحال: «يا فلان، أصليت؟ قال: لا، قال: قم فصل ركعتين» إلى هنا نقف قليلاً لبلال لما يأتي، نجد أن النبي ﷺ قد اهتم بتحية المسجد اهتماماً بالغاً حيث قطع خطبته وأمر ذلك الجالس بأن ينهض بعد جلوسه ويصلي ركعتين.
قال ﵊ موجهاً خطابه للجالسين فقال: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليصل ركعتين وليتجوز فيهما» هذا خطاب لكل داخل يوم الجمعة ألا يجلس ولو كان الخطيب يخطب، هذا يدلنا على شيء وهو يؤكد ما ذهب إليه ابن تيمية من تخصيص النص العام المخصص بالنص العام غير المخصص.
أن النبي ﷺ أكد الأمر بصلاة ركعتين والخطيب يخطب بينما نهى عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والخطيب يخطب كما تعلمون بالحديث الصحيح: «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة والإمام يخطب أنصت فقد لغوت» فقول القائل: أنصت والإمام يخطب هو أمر بالمعروف، نهى الرسول ﵊ عن ذلك بينما أمر بالتحية فهذا يؤكد بأن التحية واجبة على الراجح عندنا وهي على الأقل مؤكدة سنة مؤكدة ولو في وقت كراهة الصلاة هنا الشاهد في الكلام؛ ذلك لأنه لا يجوز لأحد إذا قام الخطيب يخطب فليتنفل يعني: يتابع الخطيب حتى ولو تحية المسجد إذا كان جلس عامداً ثم قام يريد أن يصلي فحينئذٍ لا تصح هذه الصلاة؛ لأنه ﵊ نهى عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فما دونه للنافل أولى بالنهي، فإن أمر بتحية المسجد في هذا الوقت الذي لا يكره التنفل فله ذلك، أما تحية المسجد تكره في الأوقات المكروهة خلافاً للنواحي الأخرى.
من هنا جاء علماء الشافعية بعبارة تجمعها القول في هذه المسألة حيث قالوا: النوافل قسمان:
стр. 2186
ذوات أسباب، ونوافل مطلقة ليس لها أسباب، فما كان من القسم الأول [فتجوز الصلاة] ولو في الأوقات المكروهة؛ لأن تركها يفوت بفوات مناسبتها، وأما ما كان من النافلة المطلقة فالإنسان يستطيع أن يتنفل في غير هذه الأوقات المنهي عنها.
نعود إلى بحثنا السابق وهو: من الصعب أن نعرف هذا الجواب .. ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] نص عام .. «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» نص عام، وجدنا النص الأول لم يدخله تخصيص .. وجدنا النص الآخر قد دخله التخصيص شيء من هذا التخصيص يكاد يكون إجماعاً إلينا من جاء بعد الصحابة وهو أقوى إجماعاً في عهد الصحابة، أعني بذلك أن من جاء والإمام راكع فاقتدى به أدرك الإمام راكعاً مع أنه لم يقرأ فاتحة الكتاب، إذاً ماذا فعلنا بالحديث لا صلاة؟ أيضاً أدخلنا عليه التخصيص فقلنا: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» حتى في الصلاة السرية التي يجوز قراءة الفاتحة فيها فضلاً عن الصلاة الجهرية وفيها ما نحن بصدده، إذا أدرك الإمام راكعاً فقد أدرك الركعة كلها فلا يجب عليه إعادتها فيكون الحديث مخصصاً بمثل هذه الحالة: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» إلا في حالة عدم تمكنه من قراءة الفاتحة بمثل إدراك الإمام راكعاً فيركع فتحسب له الركعة.
هذا فيه بعض الأحاديث التي رويت منها في سنن أبي داود بسند فيه ضعف وروي بإسناد آخر فيه قوة قد ذكرت ذلك في بعض الكتب، ثم تأكد ذلك بمجيء ما تضمنه الحديث من أن مدرك الركوع وراء الإمام مدرك للركعة أنه ثبت ذلك عن جماعة من الصحابة دون أن يعرف لهم مخالف على رأسهم أبو بكر الصديق ثم عبد الله بن مسعود، ثم زيد بن ثابت، ثم عبد الله بن عمر، وقد يكون موافقون آخرون لا أستحضر غيرهم الآن، وهؤلاء أكثرهم من أسانيد بذلك إليهم صحيحة كما كنت ذكرت ذلك في بعض المؤلفات ومنها فيما أذكر: إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل.
فإذاً: قوله ﵊: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» مخصَّص
стр. 2187
حتى عند الذين يقولون بأن هذا الحديث يخصص الآية فكان تخصيصهم للحديث بها خلاف هذه [الصورة] التي أشرت إليها آنفاً فيكون القول الراجح كما قلت في أول هذا الكلام ما ذهب إمام السنة وابن تيمية ومن وافقهما على ذلك هو الأصل والأولى بالحفظ والتفقه فيه.
وبذلك ننجو من مشاكل كثيرة وكثيرة جداً إذا تأملها المسلم لا يجد له مخرجاً إلا بتبني هذا الرأي وهو السكوت وراء الإمام إذا كان يقرأ جهراً وإذا لم يدرك قراءة الفاتحة وإنما أدرك الإمام راكعاً يكون مدركاً للركوع.
ولما كان كثير من أولئك العلماء الذي تبنوا إيجاب قراءة الفاتحة في الجهرية كانوا يجدون في أنفسهم ولا شك تردداً في هذا الحكم؛ لأنهم [يواجهون] الآية: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] فضلاً عن مثل قوله ﵇: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا» ثم كانوا يجدون في أنفسهم شيئاً من التردد لهذا الحكم أوجدوا لهم مخرجاً بأن أوجدوا شيئاً لا نجد له أثراً في السنة وهو أنهم طلبوا من كل إمام أن يسكت سكتة طويلة بعد فراغه من قراءته الفاتحة لكي يتمكن المقتدي من القيام بفرضه ألا وهو قراءة الفاتحة؛ وذلك لأنه كما نشعر جميعاً الحقيقة [أنهم وقعوا في هذا بسبب الرأي الذي تبنوه] كما أعتقد وإلا ما كان ينبغي لهم أن يوجدوا لأنفسهم هذا المخرج وليس وارداً في السنة، متى يقرأ المقتدي الفاتحة؟ إن قيل: بأنه يقرأ الفاتحة مع قراءة الإمام للفاتحة فلم الجهر بها، وما [الفائدة] من ذلك؟ هذا لا وجود له في الإسلام أن يقول الشارع الحكيم للإمام: ارفع صوتك بقراءة الفاتحة في بعض الصلوات واسكت أو اقرأ سراً بعدها، ما الفرق حينئذٍ بين رفعه لصوته وبين إسراره بصوته، والمقتدي على كل حال يجب أن يقرأ الفاتحة حين قراءة الإمام للفاتحة.
وإن قيل: إنما يقرأ الفاتحة بعد أن يفرغ الإمام من قراءتها ويبدأ بقراءة آيات أو سورة، حينئذٍ يقابل القائلون بهذه الآيات جهراً، بالنسبة لهؤلاء المقتدين به لكن هم مشغولون عنه، لا يستطيعون أن يجمعوا بين أن يقرؤوا الفاتحة لأنفسهم وبين أن يتدبروا القرآن الذي يتلى عليهم من قبل إمامهم، لما وجدوا هذه المشاكل لم يجدوا جواباً تطمئن النفس المؤمنة عليه فأوجدوا لهم ذلك المخرج .. اسكت أيها الإمام
стр. 2188
حتى يتمكن المقتدون من قراءة الفاتحة.
مما ذكروا بعد ذلك سكتوا وما سكتوا؛ لأنك لن تجد إماماً يسكت بحيث يستطيع المقتدي أن يقرأ الفاتحة، ما وجد بمثل هذا في الإسلام السمح السهل الميسر لكل الناس؛ لذلك كان أعجب المذاهب كما يقول ابن تيمية ﵀ وأوسطها في هذه المسألة ما ذهب إليه إمام السنة الإمام أحمد: لا يقرأ في الجهرية ويقرأ في السرية، وهذا الذي [نراه] إن شاء الله ﵎.
باختصار لرداءة التسجيل ويراجع باقي النقاش في الأصل.
(رحلة النور: ٠٥ ب/٠٠: ٣٤: ١١)
قراءة الفاتحة خلف الإمام
السائل: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله, سبق أن تحدثت عن هذا الذي أطرحه الآن كيف نوفق بين قول الله : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ وحديث رسول الله ﷺ : «لا صلاة»
الشيخ: لمن لم يقرأ.
السائل: «لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» أو كما قال ﷺ في حال عدم سكوت الإمام وأين موضعها حيث رأى, وإذا لم تتم قراءتها فما حكم صلاته.
الشيخ: قبل الإجابة على هذا السؤال أرى لزاما علي أن أنبه على خطأ شائع من كثير من طلاب العلم وغيرهم ألا وهو أنهم إذا كانوا في مجلس علم وأراد أحدهم
أن ينزع بآية وأن يستدل بها أو أراد أن يسأل عن دلالتها أو عما ينبغي التوفيق بينها وبين حديث ما يقول السائل: قال الله : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ -مثلا -.
стр. 2189
أو قال: قال الله تعالى: بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
ونحو ذلك من الأقوال هذا خطأ محض فيه نسبة شيء إلى الله لا يقصده القائل ولكنه يُدان بلفظه فيقع في مخالفة قول النبي ﷺ : «إياك وما يُعتذر منه» فنحن حينما نستدرك على بعض الناس فنقول لهم: «أين قال الله أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فإذا قُرئ القرآن فاستمعوا له» لا يوجد شيء من هذا إطلاقا، لكني أدري كما يدري كل فرد منكم إن هذا القارئ أو هذا المستدل أو هذا السائل إنما يقول هذه الكلمة ويذكر هذه الاستعاذة بين يدي الآية إعمالا منه أو تطبيقا منه لقوله وتعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِالله﴾ هكذا يقولون حينما نعترض عليهم مُذكِّرا لهم بأن هذا لا ينبغي أن يكون كذلك, لأن قولك: قال الله بعد كذا يعني أن الله قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا﴾ وبخاصة إذا قيل: قال الله بعد كذا، هذه البعدية إنما تتعلق به ولا تتعلق بالله ﵎، وعلى ذلك فينبغي لكل من ساق آية يريد الإستدلال بها أو يريد السؤال عنها أن يتلوها مباشرة ولا يقول: قال الله تعالى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾، ولا يقول قال الله بعد أعوذ بالله، وإنما رأسا يذكرها فيقول: ما التوفيق بين قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِالله﴾ وبين حديث كذا, هكذا يجب أن تنتبهوا حتى لا تقعوا في مؤاخذة مخالفة قول الرسول ﵇ «إياك وما يُعتذر منه لا تكلمن بكلام تعتذر به عند الناس».
دائما الناس يقولون: والله أنا قصدت كذا, يا أخي قصد في قلبك لا يعرفها إلا ربك لكن أحسِن التعبير عن قصدك بلفظك، ألم تسمعوا إن كان الرسول ﵇ الشديد على ذلك الصحابي الذي سمع موعظة من النبي ﷺ فقال ليُظهر خضوعه واتباعه وإطاعته للنبي بقوله «ما شاء الله وشئت يا رسول الله» فماذا كان موقفه ﵇؟ قال: «أجعلتني لله نِدا؟ قل ما شاء الله وحده».
أترون بأن هذا الصحابي قصد بقوله مخاطبا لنبيه ما شاء الله وشئت أن يجعله شريكا مع الله؟ ما آمن برسول الله يقينا إلا فرارا من الشرك, إذن لماذا بالغ
стр. 2190
الرسول ﵇ في الإنكار عليه بهذه العبارة الشديدة: «أجعلتني لله ندا؟ قل ما شاء الله وحده».
إذن لا ينبغي أن تُسَوِّغوا أخطاءكم اللفظية بصوابكم القلبي هذا لا يصوب ذاك فعلينا إذا تكلمنا بكلام أن يكون كلامنا مُطابقا لحسن قصدنا وأن لا يكون كلامنا سيئا وقصدنا حسنا بل يجب أن يُطابق اللفظ ما في القلب.
هذه تذكرة وهذه تنفع المؤمنين إن شاء الله.
والبحث الذي سأل عنه السائل طويل الذيل مُتشعب الجوانب فلا مجال الآن للإفاضة في مثل هذا السؤال جوابا عليه, ولكني أقول: قوله ﵇ «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» عام يشمل كل صلاة ويشمل كل مُصلٍ, سواء كان إماما أو مأموما أو منفردا, سواء كان أدرك الركوع أو لم يُدرك الركوع ولم يقرأ الفاتحة فلا صلاة له.
فهل هذا العموم لا يزال باقيا على عمومه كمثل عموم الآية التي سأل عنها السائل ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
لا شك ولا ريب أن الآية لا تزال على عمومها فلا يجوز لمسلم في أي حالة كان إلا أن يُنصت أن يسكت وأن يُنصت لتلاوة القرآن الكريم.
أما الحديث فقد دخله تخصيص لا بد منه عند جماهير العلماء وبالحديث الصحيح حيث أن جماهير العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين ومن بعدهم قالوا: إذا دخل المسلم إلى المسجد فوجد الإمام راكعا, فشاركه في الركوع فقد أدرك هذه الركعة مع أنه لم يقرأ فاتحة الكتاب, وهذا له أدلته ولستُ الآن في صددها لما أشرت أنني ذكرت ذلك في مجلس آخر, فماذا يكون حكم هذا الحديث بالنسبة لعمومه؟ هل عمومه لا يزال قائما أم قد دخله التخصيص؟
الجواب: بالإيجاز صار معنى الحديث «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»
стр. 2191
إلا لمن أدرك الإمام راكعا ولم يتمكن من قراءة الفاتحة فسقط وجوب قراءة الفاتحة عنه وأدرك الركعة بإدراكه للركوع وراء الإمام, هذا العموم لا صلاة أصبح مقيدا بمن أدرك الركوع فلم يبق هذا العموم شاملا.
إذا لاحظنا هذه النقطة فقط حينئذ ننصب الخلاف بين الآية وبين الحديث على السور التالي: لا خلاف بين الآية والحديث لأنهما ينبعان من مشكاة واحدة وإنما الخلاف بين العمومين عموم الآية وعموم الحديث، فالآن إذا تعارض عمومان فكيف التوفيق بينهما.
لقد ذكر الحافظ العراقي في شرحه على «مقدمة المصطلح» بأن العلماء قد ذكروا أكثر من مائة وجه من وجوه التوفيق بين الأحاديث المختلفة أو من تلك الوجوه: إذا تعارض عامان أحدهما عام مطلق والآخر عام مُقيد صرف العام المطلق على العام المقيد.
ملاحظة هذه القاعدة تفتح لطلاب العلم بابا من العلم رائع جدا من ذلك ما طبقه شيخ الإسلام ابن تيمية وما رأيت ذلك لغيره وإن كان الحافظ العراقي قد أشار إلى ذلك ولعله اقتبسه من ابن تيمية ﵀.
الآن نعرض لكم عمومين من أحاديث الرسول متعارضان وكثيرا ما يُشكل الأمر على بعض أهل العلم فضلا عن طلاب العلم.
قال ﵊ «لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس»، هذا نص عام قال ﵇ «إذا دخل أحدكم المجلس فلا يجلس حتى يصلي ركعتين».
عمومين تعارضا ذاك يقول لا تصل وهذا يقول لا تجلس حتى تصل, كيف التوفيق؟
قال ابن تيمية: حديث لا صلاة بعد الفجر ولا صلاة بعد العصر عام مخصص بكثير من الأدلة.
стр. 2192
وأنا أقول: بأن هناك كتابا هاما جدا لأحد علماء الحديث في الهند ألا وهو «شمس الدين العظيم الأبادي» الكتاب الذي ألفه هو «إعلام أهل العصر بأحكام ركعتي سنة الفجر» لقد ذكر في هذا الكتاب المخصصات الكثيرة للحديث الأول «لا صلاة بعد الفجر ولا صلاة بعد العصر» من ذلك مثلا قوله ﵊ «من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها حين يذكرها» إنسان تذكر صلاة ما بعد أن صلى الفجر فعليه أن يصليها وقت التذكر ماذا فعلنا بقوله «لا صلاة بعد العصر» خصصناه بهذا الحديث رجل دخل المسجد فوجد الإمام داخل الصلاة وهو لم يكن قد صلى بعد سنة الفجر فإذا سلم مع الإمام قام وجاء بركعتي سنة الفجر, بعد الفجر هذا خلاف قوله ﵇ «لا صلاة بعد الفجر» رجل كان قد صلى الفجر الفرض في مسجد ثم جاء مسجدا آخر فوجدهم يُصلون فعليه أن يصلي فيه تكرار للفريضة وهو قوله ﵇ «لا صلاة في يوم مرتين» هذا عام خصص, وهكذا يجري إعمال العام على الخاص فإذا خصص عموم ما ضعف دلالته من حيث عمومه وحينئذ يتسلط عليه بالتخصيص العام الذي لم يقع عليه تخصيص.
طيب فيما يتعلق بتحية المسجد بهذا الجمع أجاب ابن تيمية ﵀ فقال: قوله ﵇: «لا صلاة بعد العصر» أو «بعد الفجر» عام قد خصص بكثير من المخصصات وأشرت إلى بعضها آنفا, فحينما يأتي حديث عام آخر يخالف هذا العام المطلق ألا وهو قوله ﵇: «إذا دخل أحدكم المجلس فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» وفي رواية أخرى: «فليصل ركعتين ثم ليجلس».
يقول ابن تيمية: هذا الحديث يخصص حديث لا صلاة بعد العصر وبعد الفجر لأن هذا لم يخصص بل بقي على عمومه وشموله من ناحيتين:
الناحية الأولى: أنه لم يجر عليه تخصيص بتسليط حديث عام عليه
والناحية الأخرى وهي هامة جدا:
стр. 2193
أن النبي ﷺ قد لفت نظر المسلمين إلى بقاء هذا العموم على عمومه حينما يكون الخطيب يخطب يوم الجمعة حيث لا يجوز والخطيب يخطب أن يأمر الجالس الذي يسمع خطبته بمعروف أو ينهى عن منكر، مع ذلك فقد جاء عن النبي ﷺ قوله «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليصل ركعتين وليتجوز فيهما» لقد أمر ﵇ بهاتين الركعتين تحية المسجد والخطيب يخطب في الوقت الذي لا يجوز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو واجب والخطيب يخطب لا يجوز, فإن أمر بتحية المسجد والإمام يخطب ونهى عن أن تقول لمن يتكلم والخطيب يخطب وقال «فقد لغوت» , فإذن هذا يؤكد أن قوله ﵇ «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين» أو في الرواية الأخرى «فليصل ركعتين ثم ليجلس» دليل على أن هذا العموم لا يزال على شموله وإطلاقه حين ذاك يسلَّط هذا العموم على العموم المخصص وهو «لا صلاة بعد الفجر لا صلاة بعد العصر».
هذه قاعدة مهمة جدا تزيل العقبات والإشكالات أمام التوفيق بين بعض الأحاديث التي يبدو منها التعارض.
على هذا المنوال يوفق بين قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ نص عام مطلق لم يدخله تخصيص وبين قوله ﵇: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» فقد دخله التخصيص بإجماع علماء الجمهور, لا أقول بإجماع علماء المسلمين قاطبة لكن مع الجمهور أدلة من السنة لو كان الجمهور مخالفا لهذه الأدلة لما التفتنا إلى مخالفتهم لأن الحديث صريح وصحيح خلافا لمن يظن ضعفه أن من جاء المسجد فوجد الإمام راكعا فوجده راكعا فقد أدرك الركعة بخلاف ما إذا لم يدرك الركوع وإنما أدرك الإمام ساجدا فلم يدرك الركعة فهذا يخصص مع آثار سلفية صحيحة بدءًا من أبي بكر ﵁ وانتهاء إلى ابن عمر أنهم قالوا: «من أدرك الركوع مع الإمام فقد أدرك الركعة» فحينئذ نخصص عموم قوله ﵇ «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»
стр. 2194
بعموم قوله تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ وتكون الحصيلة وتكون النتيجة كما يأتي:
«لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» إلا من أدرك الإمام راكعا فله صلاة لماذا؟ لأننا رأينا الأدلة المثبتة لصحة الصلاة.
وأيضا: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» إلا لمن سمعها من الإمام لماذا؟ لأنه تعالى يقول: ﴿وَأَنْصِتُوا﴾، ولأن الرسول ﵇ يقول: «إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا».
بعض العلماء يقولون نحن نعكس القضية فنقول: نخصص الآية بالحديث والحصيلة عندهم كالتالي-لكنه خطأ-:
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا﴾ إلا في قراءة الفاتحة ولابد من قراءتها ولو ولم ينصت ولو لم يستمع.
أي يخصصون الآية بالحديث على خلاف ما ذكرنا آنفا لكن هذا قلب لما ذكرنا آنفا مما تبين لعلماء الحديث والفقه أن النص العام إذا خُصص لا يجوز أن يخصص به النص العام الذي لم يخصص فلذلك فالصواب ما ذكرناه آنفا من تخصيص الحديث بالآية وليس تخصيص الآية بالحديث.
وبهذا القدر كفاية بالنسبة لهذا المسألة
(فتاوى جدة-موقع أهل الحديث والأثر- ١٤)
حكم قراءة الفاتحة للمأموم في الجهرية
مداخلة: ما حكم قراءة الفاتحة بالنسبة للمؤتم في الصلاة الجهرية؟
الشيخ: أنا شخصيًا لا أرى جواز قراءة الفاتحة وراء الإمام في الصلاة الجهرية
стр. 2195
إلا في حالة من حالتين اثنتين:
الحالة الأولى: أن تكون قراءة الإمام في الجهرية لا تسمع إما لكونه بعيدًا، أو لكون السامع في سمعه ضعف، أو لا سمح الله صمم، أو لا يسمع ما يقرأ الإمام حينذاك لا بد له من القراءة.
والحالة الأخرى التي يجوز للمقتدي أن يقرأ القرآن: إذا كان الإمام من أولئك الأئمة الذين يسكتون سكتةً طويلة بعد فراغهم من الفاتحة، فهو أي: المقتدي والحالة هذه يهتبلها فرصة ليقرأ فيها الفاتحة، وهذا لا يعني أنني أعتقد شرعية هذه السكتة، هذه سكتة أقولها بصراحة: بدعة شافعية؛ لأنهم نظروا في قول مذهبهم بركنية قراءة الفاتحة حتى من المقتدي، فاصطدموا مع النص ومع النظر:
أما النص: فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤].
أما النظر: فكيف يليق بإنسان يسمع تلاوة الإمام لآيات بعد فراغه من الفاتحة هو أحوج أعني: المقتدي، هو أحوج ما يكون إلى أن يسمع شيئًا من القرآن لا يحفظه .. على الأقل لا يحفظه كما يحفظ الفاتحة؛ لأن أكثر الناس ليسوا حفاظًا للقرآن، فالإمام يقرأ بعد الفاتحة آيات أكثر من المصلين خلفه هم بحاجة إلى أن يسمعوها وإلى أن يتدبروا فيها، في هذه الساعة يشتغل هو بنفسه ويقرأ الفاتحة، فكيف يعقل هذا؟ لا يعقل، وهم شعروا بهذه الحقيقة فلذلك أوجدوا لهم مخرجًا، فقالوا: للإمام إذا فرغت من قراءة الفاتحة فاسكت حتى يتفرغ من خلفك لقراءة الفاتحة.
ثم ليت أنهم يسكتون لتحقيق الغاية التي من أجلها وجدت هذه السكتة، نادر جدًا جدًا حتى في هذا المسجد من يسكت بمقدار الذي يقرأ المقتدي الفاتحة، أنا شخصيًا أغتنم هذه الفرصة وأبدأ بقراءة الفاتحة فلا أكاد أصل إلى النصف إلا بدأ بقراءة بعض الآيات، فإذًا: إما أن تسكت سكتة تامة تتسع لقراءة الفاتحة، وإلا لا تسكت كما هو السنة، فبعضهم يحاول الاستدلال لهذه السكتة بحديث سمرة بن
стр. 2196
جندب وأبي بن كعب: أن الرسول ﵇ كان له سكتتان: سكتة عند الصلاة .. تكبيرة الصلاة الأولى، وسكتة عند الفراغ من القراءة.
اختلف الرواة في تحديد هذه السكتة الثانية، أعني بالرواة: الذين رووا الحديث من طريق الحسن البصري عن سمرة، فمنهم من قال: إذا فرغ من قراءة الفاتحة، ومنهم من قال: إذا فرغ من القراءة كلها، وهذه الرواية الثانية من حيث كثرة الطرق هي الأصح، لكن هذه لا تناسب القائلين بالسكتة بعد الفاتحة ولذلك هم رجحوا نظريًا هذه الرواية الأخرى التي تقول: بعد الفاتحة.
لو سلمنا لهم بذلك فنعود إلى الحديث فنقول: إن الحديث المعضول بعنعنة الحسن البصري عن سمرة، فإن الحسن البصري مع جلالة قدره كان مدلسًا، كان يروي عمن سمع منه ما لم يسمع منه، ولذلك اختلفوا فيه اختلافًا كثيرًا، والراجح أن ما صرح فيه بالتحديث فهو حجة؛ لأنه عدل ثقة حافظ لا شك ولا ريب في ذلك، مع أنه إمام كبير وزاهد عظيم، لكن له هذه العادة: أنه يروي عمن لقيه ما لم يسمع منه.
وهنا لا بد لي من أن أعرج إلى نقطة مهمة جدًا قل من ينبه أحد عليها، وقل من يتنبه لها، بل إن عامة الناس إذا سمعوا أو قرؤوا إن فلانًا كالحسن البصري مدلس اشمأزت قلوبهم من هذا الوصف وألقي فيها أنه رجل مطعون فيه، فيجب أن نعلم أن التدليس أنواع كثيرة، لكن هذا النوع الذي نحن الآن في صدده ليس فيه مطعن فيمن كان يتعاطى هذا النوع من التدليس، ما معنى هذا التدليس؟
مثلًا: أنا التقيت مع بعض العلماء الأفاضل مرارًا وتكرارًا وبخاصة ابن باز حفظه الله لما كنا في الجامعة، فسمعت منه كلمات، فإذا بلغتني كلمة أو موعظة أو حكمة أو ما شابه ذلك عنه بواسطة إنسان ما ولم أسمعها منه من قبل فقلت في هذا الكلمة التي سمعتها عنه بالواسطة، قال ابن باز فأنا مدلس، أنا مدلس اصطلاحًا، ولماذا استعمل هذا اللفظ العربي؟ لأنه يوهم السامعين أنني سمعت منه هذا الكلام، لكني أنا لم أقل: سمعت ابن باز .. لو أني
стр. 2197
قلت كذلك حشرت في زمرة الكذابين وسقط الاحتجاج بنقلي وبكلامي، لكن لما لم أقل: سمعت، وقلت: قال ابن باز فهذا صحيح، قال ابن باز، لكن ما هي الواسطة بيني وبينه؟ يتوهم السامع أن هذا من جملة ما سمعته منه، فيتبين مع البحث والتحقيق أن هذا الكلام أنا ما سمعته منه، كان على الشيخ أن يقول: بلغني عن ابن باز، أو حدثت عن ابن باز، أحسن ما يقول: قال ابن باز يوهم الناس أن هذا مما تلقيته منه، هذا هو معنى التدليس.
ثم شيء آخر ينبغي أن يضم إلى هذا: لماذا يدلس المدلس هذا النوع من التدليس؟ لأن هناك أنواع أخرى قد يطعن بالمدلس وتسقط عدالته بخلاف ما نحن الآن بصدده من هذا النوع من التدليس، لماذا يدلس هذا التدليس؟ كانت هناك ظروف سياسية، كان بعض الولاة ينقم على بعض الرواة حتى من الصحابة، فيتحفظ التابعي في الرواية عن ذاك الصحابي الذي ينظر إليه الحاكم أو الملك أو الخليفة أو الوالي نظرة عداء، فلا يريد هذا الراوي أن يشهر نفسه بأن له صلة ما بذلك الصحابي ... عند ذاك الوالي، فلا يقول: حدثني فلان ويكون قد سمع منه، وإنما يقول: قال فلان؛ لأنه إذا قال: قال فلان، لم يثبت اتصاله به، أما إذا قال: حدثني فلان، فقد أثبت اتصاله به، ففي هذه الحالة هو يتحاشى ألا يقع في هذا التفريق من أجل دفع الضر الذي قد يصيبه فيما لو صرح بالتحديث.
إذًا: التدليس من هذا النوع لأسباب وظروف شخصية بعضها سياسية تضطر الراوي أن يروي بالعنعنة ولا يصرح بالتحديث، فمثل هذا يتوقف علماء الحديث عن الاحتجاج بحديثه حتى يتبين لهم، إما أن يكون سمعه منه مباشرة، وهنا يقولون: قد صرح بالتحديث في رواية أخرى فأمنا تدليسه، وصار حديثه صحيحًا، وأحيانًا يظهر أنه يوجد واسطة بينه وبين ذلك المروي عنه الصحابي ... فيظهر حينئذ بالوساطة إن كان ثقة صح حديثه؛ لأنه يروى ثقة عن ثقة عن الصحابي، فإذًا: لا يتبادرن إلى ذهن أحد حين يسمع في محاضرة ما: إن فلانًا يدلس، لا يتسابق إلى ذهنه أن هذا طعن فيه .. في عدالته، لا وإنما هذا اصطلاح عند علماء الحديث لدقتهم في الرواية أن لا يؤخذ عمن عرف بهذا النوع من التدليس إلا إذا صرح بالتحديث.
стр. 2198
إذا عرفنا هذا ورجعنا إلى حديث السكتتين: فرواية الحسن البصري عن سمرة بالعنعنة، ولا ندري إذا كان سمع الحديث عنه مباشرة أو تلقاه عنه بواسطة هي هذه الواسطة عندنا مجهولة فيبقى الحديث في زمرة الأحاديث الضعيفة، وهذا كله قائم على أساس ترجيح رواية أن السكتة الثانية كانت بعد فراغه ﵇ من الفاتحة، وأكثر الروايات التي جاءت عن الراوي عن الحسن البصري، وهو يونس بن عبيد أكثر الروايات جاءت عن يونس عن الحسن عن سمرة بسكتة بعد الفراغ من القراءة كلها، حينئذ يسقط الاحتجاج بهذا الحديث حتى ولو ثبت أن الحسن البصري سمعه من سمرة بن جندب، وهذا مما لا وجود له.
أخيرًا: أذكر هنا ما قاله الإمام ابن قيم الجوزية ﵀ في كتابه زاد المعاد في هدي خير العباد، قال وهو يبحث في هذه المسألة وبين عدم ثبوتها في السنة، يقول: لو كان هناك للنبي ﷺ سكتة بعد فراغه من قراءته الفاتحة جهرًا لتوفرت الدواعي لنقل هذه السكتة لطولها، كما توفرت الدواعي لنقل السكتة الأولى، فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: «قالوا: يا رسول الله، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ماذا تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب» إلى آخر الدعاء المعروف في أدعية الاستفتاح.
يقول ابن القيم: هذا السكوت في هذا المكان قبل قراءة الفاتحة يشبه تمامًا ذاك السكوت المدعى بعد قراءة الفاتحة، فكما أنهم سألوا الرسول ﵇ عن سكتته الأولى: ماذا تقول في هذه السكتة الطويلة: الله أكبر .. هذا شيء يلفت النظر، ولذلك سألوه، تبين لهم أنه يقرأ دعاء الاستفتاح، إذًا: لو كان هناك سكتة ثانية في طولها تشبه هذه السكتة الأولى بعد الفراغ من الفاتحة أيضًا لسألوه: لماذا .. أو ماذا تقول يا رسول الله؟ سيقول كما هو شأن كثير من القراء اليوم: لا أقول شيئًا، لكني أسكت لقراءة من خلفي الفاتحة، أو كما يفعل أيضًا بعض القراء: أنا لا أسكت، لكن أقرأ من السورة التي أريد أن أقرأها بعد الفاتحة أقرأ أولها سرًا بمقدار الفاتحة التي يقرؤها من خلفي ثم أبدأ بالجهر، كل هذا لم يقع، فعدم الوقوع لهذا الشيء دليل
стр. 2199
أن السكتة الطويلة هذه المدعاة بعد الفاتحة لا أصل لها.
(فتاوى جدة (٦) /٠١: ٠٨: ٠٨)
قراءة المأموم للفاتحة وراء إمامه
السائل: أقول بأن كثيرا من الناس يرون قراءة الفاتحة خلف الإمام سواء كانت صلاته سرية أم كانت جهرية أنها واجبة على المأموم، ويستدلون على ذلك بحديث الرسول ﷺ «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». و «من لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصلاته خداج خداج» .... ونحن نعرف ولعل في تذكيرك لنا بالحديث ما أفاد ما فائدة كان بعض إخواننا ربما يجهلونها وهو قوله ﷺ : «وإذا قرأ الإمام فأنصتوا». ولكن حجة هؤلاء قولهم بأن على الإمام أن ينصت حتى يتمكن المأموم من قراءة الفاتحة من وراء الإمام بعد أن ينصت الإنصات الذي يمكن المأموم من قراءة الفاتحة؛ فنريد توضيحا لهذه المسألة بالذات لأن الإخوان هنا وفي غير هذا المكان من الإخوان الحاضرين ربما يعترض على أحدهم أو يحتج على أحدهم بمثل هذه الأحاديث وهي صحيحة ولاشك؛ ولكن ربما يكون تأويلها أو تفسيرها ليس على صواب؛ فنزيد بارك الله فيكم توضيحا لهذه المسألة الفقهية وهي من المسائل الدقيقة التي قل من يعرفها على وجهها الصحيح، بارك الله فيكم.
الشيخ: أحسنت جزاك الله خير، الحقيقة إن هذه المسألة من المسائل الدقيقة التي ظهر فيها الخلاف منذ قديم وهناك من المذاهب والأئمة من يقول بوجوب القراءة بالفاتحة وراء الإمام في كل صلاة سواء كانت جهرية أو سرية؛ ويقابل هذا المذهب وهذا القول قول آخر على عكسه تماما، يقول بوجوب السكوت وراء الإمام في كل صلاة سواء كانت هذه الصلاة سرية أو جهرية؛ وبين هذين القولين قول ثالث وهو كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية أعدلها وأصوبها وهو أن يقرأ المقتدي وراء الإمام في السرية وأن ينصت في الجهرية ولا يقرأ شيئا مطلقا؛ ولاشك أن ذكر أدلة الأقوال الثلاثة هذه إن المسألة تأخذ وقتا طويلا وربما يكون فيه شيء
стр. 2200
من الدقة ويحتاج أن يكون هناك من درس شيئا من علم أصول الفقه؛ ولذلك نرى أن نأتي المسألة من أقرب طريق فنقول إنما كان القول الثالث أعدل الأقوال وأقربها للصواب وهو أن يقرأ في السرية ويسكت في الجهرية؛ لأنه في ذلك تجتمع الأدلة التي تنازعها العلماء المختلفون في هذه المسألة؛ أول ذلك نجد أمامنا قول ربنا ﵎: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. نعم.
الطالب: وإذا.
الشيخ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. نعم فهذه الآية نص صريح من حيث دلالة عمومها أن على كل من يسمع القرآن يتلى أن عليه الاستماع والإنصات ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾. استمعوا له لا يغني عن الإنصات لأننا نجد من جهر من بعض الناس اليوم؛ أما الاحتجاج بالحديث السابق «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». فهو احتجاج بالعموم؛ وهنا الدقة في المسألة ولابد من التعرض لها في الحقيقة، الآية بعمومها تشمل الصلاة وتشمل الفاتحة؛ لأنها قرآن بل هي أم القرآن، الحديث بعمومه يشمل كل صلاة «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». فأي العمومين يسلط على الآخر ويخصصه؛ هنا يقول بعض العلماء العام الذي بقي على عمومه وشموله ولم يدخله تخصيص هو أقوى في عمومه وشموله من العام الذي دخله تخصيص؛ وحينذاك يسلط العام الأعم على العام المخصص؛ وقد ذكرنا في حديثنا السابق بأن حديث «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». قد خصص واستثني منه بعض الفروع، ذكرنا من ذلك المسبوق الذي أدرك الإمام راكعا فقلنا إنه يعتبر قد أدرك الركعة مع أنه ما قرأ الفاتحة؛ فماذا فعل العلماء بحديث «لا صلاة».
قالوا لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب إلا لمن أدرك الإمام راكعا عام مخصوص أي ضعف عمومه؛ كذلك مثلا حديث الذي أسلم حديثا لا يحسن قراءة الفاتحة لكن يسبح كما ذكرنا أيضا هذا بشيء من التفصيل فتكون صلاته صحيحة أيضا على الرغم من أنه لم يقرأ بفاتحة الكتاب؛ فماذا يقال «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب إلا الأعجمي الذي لا يحسن قراءة الفاتحة» أما الآية
стр. 2201
فلم يدخلها أي تخصيص إطلاقا؛ حينئذ يستثنى من الحديث من كان يسمع التلاوة إعمالا للآية وتخصيصا للحديث؛ ومن العجيب أن هذا المذهب قد وضح للفريق الأول الذي قال بوجوب القراءة حتى في الجهرية وتبين له أنه ليس من المقبول أن يقرأ المقتدي وهو يسمع قراءة الإمام؛ ولذلك وجدوا لأنفسهم أو أوجدوا لأنفسهم متنفسا ومخرجا فقالوا يسكت الإمام ليتفرغ لقراءة المقتدي؛ فهذا في الحقيقة كما يقال «كان تحت المطر وصار تحت الميزراب» لماذا؟ هو استعمل عقله وحكمته، وجد غير مهضوم أن يقرأ المقتدي وهو يسمع قراءة الإمام فماذا فعلوا؟ قالوا للإمام انقلب مقتديا وقلد المقتدي، أنصت ليقرأ المقتدي، هذا قلب لوظيفة الإمام؛ ثم هذه السكتة هي من عجائب ما يصدر من بعض الأئمة، هم يسكتون ولا سكوت في الشرع في الصلاة؛ لأن النبي ﷺ كما جاء في صحيح البخاري ومسلم «كان لرسول الله ﷺ سكتتان يسكتهما سكتة عند استفتاح الصلاة وسكتة عند الفراغ من قراءة القرآن». ولم يكن هناك سكتة طويلة بين السكتتين إلا السكتة الأولى؛ ولذلك جاء في صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال: «كان رسول الله ﷺ إذا كبر للصلاة سكت هنية فقلنا يا رسول الله أرأيت سكوتك بين التكبيرة والقراءة ماذا تقول؟ قال أقول «اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب .... »
إلى آخر الدعاء؛ لو كانت هناك سكتة أخرى طويلة تتسع لقراءة الفاتحة لسألوا الرسول ﵇ كما سألوه في السكتة الأولى، قالوا له نراك تسكت بين تكبيرة الإحرام وبين القراءة ماذا تقول؟ أجابهم؛ فلو كان الرسول ﷺ يسكت سكتة أخرى طويلة بمقدار تلك وأيضا تسكت قبل بعد الفاتحة فلماذا؟ فيقول مثلا ليقرأ المقتدي؛ لم يكن شيء من هذا إطلاقا؛ فهم كما قلنا آنفا أوجدوا لهم مخرجا من هذا النقاش القلبي الداخلي، مش معقول مش مهضوم أن الله شرع للإمام أن يقرأ في بعض الصلوات جهرا لماذا؟ ليسمع المقتدي؛ فما معنى أن يقال للمقتدي انصرف عن الاستماع إلى أن تقرأ بنفسك، مش مقبول هذا؛ إذا ماذا نفعل؟ نوجد سكتة طويلة؛ مع ذلك هذه السكتة الطويلة ما التزموها، كثير من هؤلاء الذين يسكتون بسكتوا نصف سكتة لا يكاد الواحد يقرأ نصف الفاتحة وإذا
стр. 2202
به بدأ بالقراءة، يا اسكت بالمرة حتى يقرأ الفاتحة بكاملها يا امشي بالقراءة؛ وهذا طبيعة الأحداث في الدين ما بتكمل مع الإنسان، فهذا الأحداث يكفي لإقناع جماهير الناس أن المذهب الصواب هو مذهب الإمام مالك والإمام أحمد الذين قالوا أنصت في الجهرية واقرأ في السرية، هذا هو الصواب الذي تجتمع به الأدلة تماما، ليس عندهم حجة إلا حديث «لا صلاة» وقد عرفنا أنه دخله تخصيص من عدة نواحي وهنا أيضا يقال «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» إذا كان لا يسمع قراءة الإمام؛ أما إذا سمع قراءة الإمام «فقراءة الإمام له قراءة» وهذا مقبول بالنظر السليم أن الإنسان لما بسمع من غيره كأنه قرأ لنفسه بل قد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال لأحد أصحابه مرة لابن مسعود وأخرى لأبي بن كعب قال: «اقرأ علي القرآن، قال قرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟ قال اقرأ فإني أحب أن أسمعه من غيري».
فإذا هو المقتدي الذي يسمع القرآن من الإمام؛ فهذا قد يكون أنفع له من أن ينشغل هو بقراءة القرآن بنفسه، وذاك الذي يرفع صوته يسمع غيره؛ فهذا هو الصواب إن شاء الله أن المقتدي إذا كان يسمع قراءة الإمام فلا يقرأ شيئا من القرآن ولا الفاتحة؛ أما إذا كانت الصلاة سرية أو كان بعيد مثلا عن الإمام لا تبلغه قراءة الإمام ففي هذه الحالة لابد أن يقرأ؛ ونسأل الله عزوجل أن يهدينا جميعا لما اختلف فيه من الحق بإذنه ...
(الهدى والنور / ٧٥/ ٢٩: .. : ١.)
حكم قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية خلف الإمام
السؤال: حكم قراءة الفاتحة في الصلاة الجهريه خلف الإمام ذكرت بأن الحديث ناسخ ومنسوخ فأريد توضيحاً؟
الشيخ: نعم، نحن قلنا بأنه كان جائزاً القراءة خلف الإمام الذي يجهر، ثم تَدَرَّج النبي ﷺ فنهى عن القراءة خلفه بالجهرية نهياً مطلقاً، لحديث أبي هريرة
стр. 2203
حينما قال: «قد خالجنيها قال أبو هريرة فانتهى الناس عن القراءة خلف النبي ﷺ فيما كان يجهر فيه النبي ﷺ »، أنا أدري بأن هذه الزيادة اختُلف في وصلها وفي إرسالها، وأجبنا عن ذلك بما يطول الكلام فيه.
ولكن حسبنا أن معنى هذا الحديث بهذه الزيادة تجاوب مع الأصل القرآني والأصل النبوي وهو ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، نص مطلق، ثم جاء الحديث صحيحاً صححه مسلم برواية «إنما جُعِل الإمام ليؤتم به فإذا كبر كبروا، وإذا قرأ فأنصتوا»، وتأيد ذلك بالقول الراجح عند جمهور العلماء أن من أدرك الإمام راكعاً فهو مدرك للركعة رغم كونه لم يقرأ الفاتحة.
السؤال: سوف نرجع للقاعدة التي قلتها في الأول ثم نعود لقضية قراءة الفاتحة.
الشيخ: ولعل العود أَحْمدُ.
السؤال: القاعدة حضرتك قلت: إن الفعل يكون قرينة صارفة للقول إذا عُرِف التاريخ، ومعرفة التاريخ -كما يقول أهل الأصول- تكون في النسخ، أما عند الجمع فلا يشترط كثير من أهل الأصول -فيما أعلم- معرفة التاريخ بل يقولون: هناك قاعدة عندهم يضعونها: العمل بالحديثين أولى من طرح أحد الحديثين، والجمع أولى، فهل اشتراط التاريخ في جعل القرينة صارفه للإيجاب إلى الندب أو التحريم إلى التنزيه، هل هذا يعتبر من باب النسخ؟
الشيخ: طبعاً أنا أُذَكِّرك بما قد تكون نسيت، النص الخاص عند السلف، ماذا يسمى؟
السؤال: يسمى منسوخ.
الشيخ: الخاص.
السؤال: يسمى ناسخ.
الشيخ: فإذاً الخاص ناسخ.
السؤال: عند السلف، ولكن النسخ عند المتأخرين من علماء الأصول.
стр. 2204
الشيخ: ما ذَكَّرتني شيئاً كما أنا ذَكَّرتُك لأنك أول ما ذكرت، ذكرت ما هو معروف عند المتأخرين، فأحببت أن أُذَكِّرك ما هو معروف عند المتقدمين، والآن الغرض من هذا لأُذكِّرك أن التخصيص هو نوع من النسخ.
السؤال: ويشترط في التخصيص معرفة التاريخ؟
الشيخ: اصبر شوي، التخصيص نوع من النسخ، لأنه يرفع جزءاً من النص العام، بينما الناسخ يرفع النص من أصله، صح والا لا؟
السؤال: نعم.
الشيخ: في سبيل التوفيق بين الحاظر والمبيح في هذه الحالة حتى لا نُعطِّل القول، لأنّا نحن حين اشترطنا هذا، لماذا نقول القول مُقدَّم على الفعل؟ ولماذا نقول الحاظر مُقدَّم عن المُبيح لوجوه عديدة جداً، فلكي لا نُعطِّل قول الرسول وحاظره، بفعل وقع منه يحتمل أن يكون على الأصل، وهو الدواعي الأصلية، ويحتمل أن يكون لعذر، ويحتمل أخيراً أن يكون لخصوصية، والدليل إذا طرأه الاحتمال سقط به الاستدلال كما يقول أصحابك العلماء والفقهاء، أليس كذلك؟
ما دام يحتمل الفعل واحداً من هذه الاحتمالات الثلاث، لا نريد أن نُنْزل قوله ﵇، الذي هو تشريع عام عن دلالته الظاهرة إلا بفرضية قوية، ولذلك في هذه الحالة لا بد أن نقول: إن هذا الفعل متأخر عن القول ... منه ﵇ بأن قوله محمولٌ على التنزيه، فإذاً الحاظر جاء على خلاف الأصل، والفعل جاء مع الأصل، وهذا ماشي كلٌ إلى حاله.
القول شريعة عامة، الفعل قد وقد، والذي ليس فيه قد أقوى من الذي فيه قد، أليس كذلك؟ ، يبقى قوله ﵇، ينبغي أن نحتفظ به، وهذه القاعدة مهمة جداً، ولها علاقة في كثير من الفروع الفقهية.
مثلاً: تعرف -إن شاء الله- جيداً قوله ﵇ «لا تستقبلوا القبلة ببولٍ أو
стр. 2205
غائط، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا»، أنت على منطقك السابق تُعطِّل عموم هذا الحديث، فهل ظني ظن المسلم أو لا؟
السؤال: نعم, يقولون ..
الشيخ: لا ما تقول يقولون، قلي أنت تقول.
السؤال: أنا من باب القراءة لأهل الفقه أعتقد أن ... العلماء الذين يقولون بأن الاستقبال والاستدبار جائز في البنايات وغير جائز في الصحراء.
الشيخ: أتعبت نفسك سداً، أنا قلت أظنك أنت تعطل الحديث العام بحديث الفعل، كان ينبغي تقول لتريح نفسك، صدقت ظنك ظن المؤمن، صح والا لا، ولكن أتعبت نفسك ونحن نريد أن نريحك، الآن انظر أهمية هذه القاعدة، راوي الحديث «لا تستقبلوا القبلة ببول أو غائط لكن شرقوا أو غربوا» أبو أيوب الأنصاري.
وهناك قاعدة لعلك تذكرها معي وهي التي تقول: إن راوي الحديث أدرى بمرويه من غيره، صح؟
السؤال: صح.
الشيخ: جميل، أبو أيوب الأنصاري راوي هذا الحديث قال: فلما ذهبنا إلى الشام فوجدنا الكُنُف قد استُقْبل بها الكعبة، فننحرف ونستغفر الله، طيب، يستغفر الله من ماذا؟ من الأمر الجائز؟
السؤال: من مخالفة النبي ﷺ .
الشيخ: من الأمر الجائز، أيش جوابك عن هذا؟
السؤال: الجواب الذي يقوله العلماء.
الشيخ: لا، لا قل لي أنت، لأني أحتاج أن أشتبك مع العلماء من شان اتناقش معهم ولستُ بطائلهم، فهاتِ أنت أيش تقول؟
стр. 2206
السؤال: ما أتذكره من كلامهم لعل أبا أيوب لم يبلغه حديث ابن عمر ﵁ في إناخة راحلته، في حديث مروان الأصفر، ولعله لم يبلغه حديث ابن عمر لما رقى على بيت حفصة فوجده، وكثير من الصحابة ﵃ غابت عنهم سنة رسول الله ﷺ ، حتى أبو بكر وعمر قد غابت عنهما سنة رسول الله ﷺ .
الشيخ: يعني حقيقة لا نقاش فيها أنه كما قال الإمام الشافعي: قد تخفى سنة من سنن رسول الله ﷺ على الناس، لكن المسألة الآن ما دام أحلتنا إلى فعل عمر وإلى كثير من الصحابة، هل المسالة خلافية أم اتفاقية؟
السؤال: المسألة خلافية بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
الشيخ: إذاً: ما يفيدنا أن تُحِيلَنا إلى فعل بعض الأصحاب لأنك ستعارض بأصحاب آخرين.
إذاً: نحن ينبغي أن نُحكِّم الآن الآية التي سبق أن ذكرناها في مقدمة هذا المجلس، ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، كون مسألة لبس المرأه وخروج الدم لكل قول قائل من السلف، فالآن ذكرت أثر ابن عمر هو موقوف والا مرفوع؟
السؤال: هذا اثر ..
الشيخ: خير الكلام ما قل ودل، من شان تريح حالك.
السؤال: هو موقوف ولكن فيه قرينة تدل على أنه لا يقال من قِبَل الرأي.
الشيخ: وهو.
السؤال: حين أناخ عمر الراحلة فقال: إن بيني وبينها .. ، فهذا يدل على فهم عمر.
الشيخ: هذا فهمه أنا ما أناقش فيه هذا، لكن ما القرينة أنه في حكم المرفوع.
السؤال: هكذا قال الإمام النووي -رحمة الله تعالى-: إن هذا القول من عمر
стр. 2207
قرينة على انه ما يقال من قبل الرأي.
الشيخ: أنا ما أظنك نووياً، ولماذا تحتج عليّ بالنووي -رحمة الله- المهم هذا موقوف، لنعد إلى الحديث المرفوع، ما هو عن ابن عمر الذي أشرت إليه؟
السؤال: رقيت على سطح حفصة فوجدت رسول الله ﷺ على حاجته «مستدبر الكعبة مستقبل بيت المقدس».
الشيخ: ترى هل تظن بأن هذه الحادثة وقعت من ابن عمر قصداً، أم دون قصد؟
السؤال: دون قصد، بالاتفاق.
الشيخ: طيب، على أنه ما صعد وما اتفق له، ماذا يبقى حديث أبي أيوب؟
السؤال: يبقى على عمومه ...
الشيخ: يبقى على عمومه، وهو حينما اكتشف الرسول مستقبلاً أو مستدبراً، هل يعلم لماذا؟
السؤال: لا.
الشيخ: أنت تعلم لماذا؟
السؤال: لا.
الشيخ: إذاً: رجعنا إلى القول هذا شيء. الآن ينتقل البحث منها إلى مسألة قد تظهر بادئ الرأي أنها مما لا صلة لها بما نحن فيه، ايش رأيك فيمن يبصق تجاه القبلة، يجوز؟
السؤال: لا يجوز شرعاً.
الشيخ: جزاك الله خيراً، البصق شر تجاه القبلة، أم البول والغائط؟
السؤال: البول والغائط.
الشيخ: فلماذا نعكس نحن منطق الإسلام الصحيح ونقول البول والغائط جائز بسبب البنيان، والبصق الذي هو طاهر وليس كالبول والغائط، نقول لا يجوز، هذا
стр. 2208
منطق متنافر تماماً، ونحن نعلم من كلام أهل العلم: أن الإسلام لا يفرِّق بين المتماثلات ولا يجمع بين المتفرقات.
الآن هنا القياس الأولوي لو كان هناك نص في نهي الرسول ﵇ أو في إذن الرسول ﵇ في البول في البنيان أو التغوط، لقلنا القياس أن البصق يجوز من باب أولى.
لكن هنا القضية معكوسة تماماً، البصق لا يجوز والبول والغائط يجوز، هذا يحتاج إلى عقل من نوعية أخرى ليتقبل الإنسان مثل هذا التناقض، ثم ما الحكمة من إباحة الاستقبال في البنيان، مع أنه لا فرق من حيث احترام الجهة التي نستقبلها في صلاتنا، بين الصحراء والبنيان، فحينما نحن نصلي في المساجد أو في البيوت ألسنا نستقبل الكعبة احتراماً لها لأننا أمرنا بالتوجه إليها، فكما أن هذا الاحترام لا يزال قائماً وشرطاً من شروط صحة الصلاة ولا فرق في ذلك بين الصحراء والبنيان فينبغي أن يظل هذا الاحترام قائماً خارج الصلاة من باب أولى وبخاصة، إذا كان في شيء مما تستنكف منه النفس المؤمنة أن تتوجه به إلى تلك الجهة التي يصلي إليها المسلمون تصوَّر معي الآن وهذا شاهدناه في كثير من الدور هذه غرفة، وهذه الكعبة وهناك حمام مرحاض موجه إلى الكعبة هذا يستقبل الجهة بصلاته وذاك يستقبلها ببوله وغائطه، هذا مش معقول في الإسلام أبداً، فلذلك فنحن ننصح طلاب العلم أن يدرسوا المسائل الخلافية متجردين عن المذهبية الضيقة، فأنت نشأت على المذهب الشافعي، فأنت نووي مثلاً، وقد يكون هناك رجل أخر نشا على المذهب الحنفي فيكون زيلعياً وهكذا يظل المسلمون متفرقين، فما الذي يجمعهم؟
السؤال: كتاب الله ...
الشيخ: الكتاب وسنة رسول الله .. ، وبارك الله فيك.
لكن هذا الجمع لا يتحقق إلا بالتجرد، أن لا يقول أنا شافعي ودراستي شافعيه وأُوجِّه النصوص الشرعية كلها إلى ما يوافق مذهبي، وانأ أقول أنا دراستي
стр. 2209
حنفية وأوجه الأدلة كلها إلى ما يوافق مذهبي الحنفي لا ينبغي أن نُسلِّم قيادة عقولنا وألبابنا وأفكارنا كلها إلا لكتاب الله ولحديث رسول الله ﷺ ، وبذلك يمكن أن يلتقي المسلمون على كلمة سواء.
(الهدى والنور / ٤٠٠/ ٠٩: ٥١: ٠٠)
حكم قراءة المأموم في الصلاة الجهرية
مداخلة: بارك الله فيك، أنا سمعت لكن زيادة في التأكيد: القراءة خلف الإمام في الصلاة الجهرية سورة الفاتحة حكمها كما سمعنا أنه ذكرت أنت أنه غير جائز، أو أنه قراءة الإمام هي قراءة للمأموم؟
الشيخ: نعم، نحن نقول: من أجل التوضيح والبيان يطرد الشيطان: من كان يصلي خلف الإمام في الجهرية فما دام أنه يسمع قراءة الإمام فقراءة الإمام له قراءة، أما إذا كان لا يسمع لبعده عن صوت الإمام أو خَفْت في صوت الإمام، أو لا سمح الله ثِقَل في أذن المقتدي وراء الإمام فحينئذ يقرأ، لكن ما دام أنه يسمع فقراءة الإمام له قراءة.
وقد أشار النبي ﷺ في الحديث الصحيح إلى أن الاستماع إلى القراءة من الغير أنفع من أن يقرأ الشخص بنفسه لنفسه، ذلك هو قوله ﵇ حينما أمر عبد الله بن مسعود أن يقرأ قال له: (اقرأ علي القرآن. قال: اقرأ عليك وعليك أنزل. قال: اقرأ فإني أحب أن أسمعه من غيري) فحينما يسمع المقتدي قراءة الإمام ليس ذلك فقط قراءة له، بل هي خير له، وبخاصة من أن يشغل نفسه بقراءة الإمام والإمام يرفع صوته بالقراءة، وهنا لا بد من حصول محظور من محظورين أولهما: أن يشوش الإمام على المقتدي؛ لأنه يرفع صوته، وهذا واقع، ولذلك تجد بعد المقتدين لدفع التشويش من قراءة الإمام الجهرية عليه هو بدوره بيرفع صوته، ولذلك فإن لم يشوش الإمام عليه فقد شوش هو على الإمام أو على من حوله، وهنا يأتي قوله عليه
стр. 2210
السلام: (مالي أنازع في القرآن خلطتم علي القراءة) فإذاً: إن كان يسمع فقراءة الإمام له قراءة، إن كان لا يسمع فيقرأ.
(الهدى والنور /٣٢٥/ ٢٢: ١٧: ٠٠)
القراءة خلف الإمام في الجهرية
مداخلة: ذكرت في كتابك «صفة صلاة النبي ﷺ ».
الشيخ: ﵊.
مداخلة: بأنهم كانوا يقرؤون الفاتحة خلف النبي ﷺ ، حتى أن رسول الله ﷺ سألهم: «لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله هَذًّا» يعني بسرعة ..
نعم، حتى إنهم كانوا يقرؤوا خلفه، قال: «لا يقرأ أحدكم خلف إمامه، إلا أن تكون فاتحة الكتاب» ومِن ثَمَّ قُلْتَ بأنه نُسِخت هذه القراءة والرسول ﷺ لعله في صلاة الصبح كان يؤمهم، فقال: «ما لي أُنازَع القرآن» فبعدها يقول أبو هريرة ﵁: فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر به رسول الله ﷺ ، فهل هذا دليل على النسخ؟
الشيخ: وما معنى: فانتهى الناس؟
يعني انتهوا عن شيء كانوا يفعلونه؟
مداخلة: هل كان هذا آخر أمر من رسول الله ﷺ وهل يثبت به النسخ؟
الشيخ: أنا أقول لك: بأنهم كانوا يقرؤون، فإذا قال: فانتهى الناس، أليس معناها: تركوا ما كانوا يفعلون؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: وماذا يكون النسخ غير هذا؟ أم أنت فاهم النسخ غير هذا المعنى؟