هذا وذاك هو إثارة وتحريك الشهوة، فهذا هو الذي ينقض، وليس مجرد كما يتوهم بعض النسوة حينما يكثرن السؤال «أنا أغسل ابني الرضيع، مسست عضوه» سبحان الله، وأيُّ شيء في هذا، لا شيء في هذا ولا في شيء مما هو أعلى وأكثر من هذا ما دام أنه لم يقترن بذاك المَسّ إرادة إثارة الشهوة، وبهذا القدر كفاية لعله يكفي.
السائل: الدليل على الشهوة الآن عندنا حديثين حديث بُسْرَة وحديث طلق.
الشيخ: سبق -بارك الله فيك-، رجل يُصَلِّي ويومئذ كانوا يصلون بالإزار ليس هناك سراويل، فمس مد يده يحك جسده وإذا به يقع اللمس الغير مقصود بذَكَرِه فسأل الرسول، قال له: «هل هو إلا بضعة منك»، أي هل كان هناك شهوة، الجواب: «بضعة منك»، فأوردت أثر ابن مسعود «سواء مسسته أو مسست أنفي» هذا هو الدليل.
لأننا إن وقفنا عند الحديث الأول: «من مَسّ ذَكره فليتوضأ» لا شك أن إطلاق المس يعني كل مس سواء كان بشهوة أو بغير شهوة، لكن ماذا نفعل في الحديث الآخر: «هل هو إلا بَضْعَةً منك»، هل هذا القول يتمشى مع القواعد العلمية الأصولية، هل الأصل الجمع بين الحديثين المتعارضين، أم نسخ أحدهما بالآخر، ما هو الأصل؟ الأصل الجمع، وقد أمكن، وخاصة بفهم أحد السلف الصالح وهو عبد الله ابن مسعود الذي رأيتُ من الحِكْمَة أن أذكر قول الرسول في مَدْحه: «من أحب أن يقرأ القران غَضَّا طَرِيَّا كما أُنْزِل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد»، وهناك بعض الأحاديث الأخرى التي تأمر بالتمسك بهدي ابن أم عبد.
مداخلة: الرد على قول الأحناف الذين قالوا بأن حديث «إن هو إلا بضعة منك» رفع ذلك الحديث من الإيجاب إلى الاستحباب.
الشيخ: هذا يُحَوّل إلى الدكتور، نضرب كلامه الذي نقله عن بعضهم بهذا الكلام الذي نقله بعضهم، يعني لماذا يَصِلون إلى النَّسْخ للعجز، أم الجمع هو الأصل؟
مداخلة: في أدلة على النسخ، وأن حديث «هل هو إلا بضعة منك» حديث
стр. 212
طلق بن علي، ثم نفس طلق يروي «من مس ذكره فليتوضأ» لما -يعني- أكثر الصحابة، أكثر من عشرة من الصحابة يروون حديث «من مس ذكره فليتوضأ» ثم يرون أنه تحقق «انقطاع» طرق بحديث بسرة.
الشيخ: طيب، أنت يا دكتور لاحظت على كلامك ثلاث مرات ثم ثم ثم كل ثم هذا تحتاج إلى بحث على حده فهل أنت تعيد قولك ثم الأولى حتى نقف عندها وننظر أصحيح ما قلت أم لا، ما هي ثم الأولى فإذا أنت نسيت هذا ..
مداخلة: يعني حقيقة أنا أريد الحق.
الشيخ: أنا لا أشك فيما تريد، لكن لأني لا أشك فيما تريد أريد أن تتأني في إلقاء الإشكالات على ما سمعت.
مداخلة: أولا: حديث طلق بن علي قيل أنه منسوخ.
الشيخ: قيل.
مداخلة: ويوجد وجوه على النسخ.
الشيخ: لا، أنا أخشى من ثم الثانية، أن تأتي قبل أوانها، ما دام تقول قيل ما قيمة هذا القيل.
مداخلة: يعني، ليس ثابتا صحيح.
الشيخ: رَيِّح حالك منه، وعيد إطاحة «ثم» الأولى.
مداخلة: ويدل على النسخ ما يلي:
أولا: أن أكثر الصحابة يروون حديث يوافق حديث بسرة بن صفوان، حوالي سبعة أو ثمانية من الصحابة.
الشيخ: أين في علم أصول الفقه: أن الحديث الذي تواتر، الذي تواتر ما أقول سبعة رووه من الصحابة تواتر عن رسول الله ﷺ أنه لا يجوز التوفيق بينه وبين حديثٍ حَسَنٍ، ما أقول أيضاً حديث صحيح، أقول حديث حسن؟
стр. 213
لا يوجد شيء من هذا في الأصول إطلاقاً، بل الموجود نقيض ذلك تماماً، كما أذكر جَيِّدا في «شرح النخبة للحافظ ابن حجر العسقلاني»، حينما يتكلم عن التوفيق بين الأحاديث فيقول: إذا كان الحديث من قسم المقبول فعارضه حديث مثله، حينئذٍ وَجَب التوفيق بين الحديثين، بوجه من وجوه التوفيق، هكذا هو يقول بإيجاز لأن رسالته مختصرة كما هو معلوم، أنا ما أنهيت كلامي، لك ملاحظة فيما مضى؟ لا ما انتهينا.
قلت آخر ما قلت: بأن الحافظ ابن حجر العسقلاني هكذا يقول باختصار، يُوَفَّق بين الحديث إذا كان من قسم المقبول يدخل في قسم المقبول الحسن فصاعداً، حتى المتواتر يُوَفَّق بوجه من وجوه التوفيق، ما هي وجوه التوفيق؟ أكثر من مائة وجه، فإذا عجز الفقيه العالم عن التوفيق بين حديثين متعارضين، وكل منهما من قسم المقبول، حينئذٍ صار إلى تَطَلُّب النسخ، معرفة الناسخ من المنسوخ، فإن لم يتمكن من ذلك صار إلى الترجيح.
هنا الآن يُفِيد هذا حديث حسن وذاك حديث صحيح، أو هذا حديث صحيح وذاك حديث مستفيض أو مشهور، أو هذا حديث صحيح مستفيض أو مشهور وذاك حديث متواتر، هنا يُصَار إلى الترجيح، فيقال: الحديث المتواتر أقوى من الحديث الصحيح المستفيض أو المشهور أو الحديث المستفيض المشهور، أو المشهور أقوى وأصح من الحديث الصحيح الفرد، أو الحديث الصحيح الفرد أقوى من الحديث الحسن لذاته والحديث الحسن لذاته أقوى من الحديث الحسن لغيره، متى يصار إلى هذا؟ حينما سُدَّت أمامنا طرق التوفيق، وهي أكثر من مائة طريق، ثم سُدَّ أمامنا طريق معرفة الناسخ من المنسوخ، حينئذٍ يُصَار إلى رَدّ أحد الحديثين بالآخر بقاعدة الأصح الأصح.
فنحن الآن نقول: حديث «من مس ذكره فليتوضأ»، حديث متواتر وليس فقط رواه سبعة رواه عشرة وعشرين فرضا وهو كذلك، طيب، عارضه حديث طلق ابن علي، ماذا نفعل؟ نَرُدَّه بدعوى النسخ، أم نحاول التوفيق؟ نحاول التوفيق،
стр. 214
الآن نحن في صدد التوفيق، فلماذا لا نُوَفِّق بين الحديثين قبل أن نقول هذا ناسخ وهذا منسوخ؟ علما أن كُلاًّ من المذهبين المتعارضين يَدَّعي نقيض ما يَدَّعيه الآخر، الأحناف يَدَّعون أن حديث بُسْرة هو المنسوخ بحديث طلق، والشوافع يعكسون ذلك.
وكما قيل:
وكُل يَدّعي وصلا بليلى وليلى لا تُقرُّ لهم بذاك
الحقيقة: أنه لا سبيل إلى معرفة المُتَقدِّم من المتأخر بمجرد دعاوى.
ثم هل يُشْترط لمجرد معرفة المتقدم من المتأخر لو استطعنا إلى ذلك سبيلا ألاّ نلجأ إلى التوفيق، معرفة المتقدم والمتأخر الأصل هو التوفيق، لو عرفنا المتقدم والمتأخر.
فليس علمنا بمعرفة المتقدم ومعرفة المتأخر أن نَدَّعي أن المتأخر ناسخ للمتقدم ما دام أنه يمكن التوفيق بينهما.
مداخلة: شيخنا مجرد تأخير الإسلام أو تَقَدُّمه ليس دليل على النسخ، بدليل أن الصحابة يروون مراسيل بعضهم عن بعض، فهذا ليس بحجة في ادِّعاء النسخ.
الشيخ: هذا لو ثبت.
مداخلة: لو ثبت، نعم صحيح.
الشيخ: أحسنت.
(الهدى والنور/٧٦٨/ ١٨: ٢٣: ٠٠)
مس أحد الزوجين لفرج الآخر هل ينقض الوضوء ؟
السؤال: إذا مس رجل فرج امرأة هل ينتقض وضوؤه وبالعكس؟
الجواب: إذا كان بغير شهوة لا، إذا كان اللمس أو المس بغير شهوة لا ينتقض
стр. 215
وضوءه.
السائل: طيب شو حد الشهوة؟
الشيخ: الرجل الصاحي يعرف ذلك.
(الهدى والنور / ٨/ ١٨: ٣٣: .. )
هل مس الأم عورة طفلها أثناء تنظيفه، ومسحها لما يخرج منه من نجاسات ينقض الوضوء
مداخلة: هل مس الأم عورة طفلها أثناء تنظيفه، ومسحها لما يخرج منه من نجاسات، هل يعد ناقضًا للوضوء؟
الشيخ: لا.
(رحلة النور: ٣٠ أ/٠٠: ١٤: ٤٦)
المداعبة التي لا تنقض الوضوء
مداخلة: سائل يقول: إلى أيِّ مدىً يستطيع الرجل أن يعاشر زوجته دون الجماع، ويستطيع أن يبقى على وضوئه؟
الشيخ: ما لم يَنْزِل منه شيء.
(الهدى والنور /٢٢٩/ ٥٧: ٢٠: ٠٠)
هل تقبيل الزوجة ينقض الوضوء ؟
مداخلة: أسأل يا شيخ حول لمس المرأة والحكم الذي يخص الزوج؟
الشيخ: نعم، اليوم سئلت هذا السؤال، ومن عروس ولا أقول عريس، رجل، عروس جديد متزوج من أسبوع أو أسبوعين، سألني مثل هذا السؤال: هل تقبيل
стр. 216
الرجل لزوجته ينقض الوضوء؟
فأجبته بأنه لا ينقض الوضوء، التقبيل لا ينقض الوضوء، إذا كان مجرد تقبيل، أي: لم يشعر المقبل ..
مداخلة: بالشهوة.
الشيخ: لا، ليس بشهوة، حتى قلت أنا للرجل من باب التوضيح، فأنت بتذكرني بكلمة شهوة، قلت له: معلوم أن الرجل حين يُقَبِّل بنته هو غير حين يُقَبِّل زوجته، فتقبيله لبنته تقبيل رحمة، وتقبيله لزوجته تقبيل شهوة، فلا بد من الشهوة.
هنا عندما نتكلم عن تقبيل الرجل لزوجته، مش بدون شهوة، فالتقبيل بشهوة، لكن بشرط ألا يشعر أنه نزل منه شيء من مذي مثلاً ..
مداخلة: أو مني.
الشيخ: المني لا بد له من معركة طويلة ...
حتى قلت للرجل ليفهم علي جَيِّداً تأكيداً؛ لأن التقبيل هو بشهوة، وأنه لا ينقض الوضوء، إلا إذا شعر أنه خرج منه ذاك الماء، الماء هو المذي وكما قال بعض القُدَامى: وكل فحل يمذي.
هذا أمر طبيعي، فإذا قَبَّلَ, بل قلت له، هكذا أقول تأكيداً للموضوع، ولو عَضَّها مش قَبَّلها فقط، وما أنزل شيئاً فوضوؤه صحيح؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ ، أنه كان يُقِّبل عائشة ﵂ ثم يخرج إلى المسجد ولا يتوضأ.
في رواية عنها قالت، وهذا من لطفها وحُسْن أسلوبها في روايتها لحديثها، قالت: كان رسول الله ﷺ يُقَبِّل بعض نسائه ثم يُصَلي ولا يتوضأ.
«كان رسول الله ﷺ يُقَبِّل بعض نسائه ثم يصلي ولا يتوضأ» فقال لها عروة بن الزبير ..
أنتم تعرفون أن الزبير متزوج أسماء أخت السيدة عائشة، فعروة تكون هي
стр. 217
خالته، فيكون له دالَّة عليها، فلما قالت السيدة عائشة: كان يُقَبِّل بعض نسائه .. إلى آخر الحديث. قال لها: ما تكون هذه إلا أنت؟ لماذا يقول هكذا؟ لأنه شعر بأنها تكني كناية لطيفة؛ ولأنه يعلم مسبقاً أن النبي ﷺ سئل: «أيُّ الناس أحب إليك يا رسول الله؟ قال: عائشة» رأساً: أجاب بعائشة.
«قالوا: ومن الرجال؟ قال: أبوها».
فإذاً: أحب الناس عائشة، فحينما تقول عائشة: «كان يُقَبِّل بعض نسائه» فذهن عروة سيذهب إليها.
فقال: من تكون هذه إلا أنت يا خالتي، كأنه يقول.
ولا يقال هنا كما يقول بعض المتعصبة لبعض المذاهب التي توجب الوضوء لمجرد اللمس، ليس لمجرد التقبيل، الذي قيل -آنفاً- بدون شهوة، وهذا لا يُتصَوّر، لكن يُتَصَوّر أنه يمسها بدون شهوة.
فمثلاً يقول لها: أعطني ذلك الشيء، فلما أعطته مست يده بيدها. فانتقض الوضوء.
لا يقال إن هذا الحكم، أي هذا الحديث أن الرسول كان يقبل ثم ينهض إلى الصلاة ولا يتوضأ، هذا من خصوصياته ﵇، من خصائصه التي خَصّ الله بها دون الناس أجمعين. لا يقال هذا، لماذا؟
هنا نقول: يجب دائماً الرجوع إلى القواعد العامة، ثم يُسْتَثْنى منها كما قلنا بالغيبة -آنفاً- بعض المستثنيات، فالآن هل الأصل فيما فعله الرسول ﷺ ، أن نفعله نحن أم نترفع ونتنزه عنه، ونقول: هذا خاص بالرسول ﵇. أم العكس هو الصواب؟
العكس هو الصواب؛ لأنه يوجد عندنا نص قرآني عام، قاعدة: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
فإذاً: هو أُسْوَتنا، وعلى العكس من ذلك لا يوجد عندنا قاعدة تُقَابِلها، تقول:
стр. 218
لا تقتدوا برسول الله ﷺ إلا في كذا وكذا.
إذاً: نحن نتمسك بالقاعدة ونَطْرُدُها، لكن إذا أتانا نصوص خاصة مثلما ذكرنا بالنسبة للغيبة، نقول هذا مستثنى.
مثلاً: ربنا يقول: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، لكن الرسول تزوج أكثر من عشر من النساء، ومات وفي عصمته تسعة، فهل نقتدي به إعمالاً للقاعدة؟
الجواب: لا؛ للآية أولاً، وللحديث المُفَسِّر لها ثانياً، وهو: «جاء رجل إلى النبي ﷺ وتحته تسع نسوة وأسلم، فقال ﵇ له: أمسك أربعاً منهن وطلق سائِرَهن».
إذاً: تزوج الرسول بأكثر من أربع، هذه خصوصية له، لم نقل هذا بكيفنا وهوانا وتشددنا في الدين، لا، وإنما للآية وللحديث المُوَضِّح للآية: «أمسك أربعاً منهم وطَلِّق سائِرَهن».
كذلك -مثلاً- الرسول ﷺ كان له بعض المزايا: من أشهرها أنه كان إذا صام واصل الليل بالنهار، اليوم والليلة وبكرة وبعده وبعد بكرة .. وهكذا، ليالي .. أسبوع ربما يصوم على طعام واحد، فنهاهم ﵊ قال: «لا تُوَاصِلوا في الصيام، قالوا: يا رسول الله! إنك لتواصل»، رأيناك أنت ما شاء الله تأخذ الليل والنهار والليل والنهار وأنت صائم.
«قال: إني أَبِيْتُ عند ربي يُطْعِمُنِي ويَسْقِيني».
هذه خصوصية للرسول ﵇، الخصوصية جاءت من ناحيتين: حكم شرعي؛ لأنه بإمكان الإنسان أن يواصل أياماً طويلة.
ونحن نعرف رجالاً من السلف كان يصوم الدهر، يواصل الليل والنهار مثل عبد الله بن الزبير، فهناك بعض الناس عندهم طاقات للإمساك عن الطعام أياماً معدودات وكثيرة.
стр. 219
فالرسول ﵇ كانت له هذه الخصوصية، من جهة الجواز له وغيره لا يجوز، ولو كان يستطيع.
تعرفوا: أظن سمعتم يوماً ما قصة عبد الله بن عمرو بن العاص، زَوَّجه والدُه بفتاةٍ من قريش وهو غلام مراهق، كان بينه وبين أبيه فقط خمسة عشر سنة، فرق السن بين الولد والوالد خمسة عشر سنة، فالظاهر أنه زوجه أيضاً كما تزوج هو مبكراً، وكان من شباب الصحابة الناشئين الزاهدين الراغبين في العبادة، صائم الدهر، قائم الليل، قائم النهار، لما تزوج سأل عمرو بن العاص ... زوجة ابنه: كيف حالك مع زوجك؟ قالت: إنه لم يطأ لنا بَعْدُ فراشاً.
مداخلة: لا حول ولا قوة إلا بالله.
الشيخ: كلام جميل، بطبيعة الحال يَغْتَمْ الوالد لهذا الخبر: نحن زوجناه لكي تشكو زوجته منه، لم يطأ لنا بعد فراشاً، كأننا ما زوجناه.
قال عبد الله -هو يقص القصة- فإما لقيني الرسول ﵇ وإما أرسل إليّ، فقال: «يا عبد الله! بلغني أنك تقوم الليل، وتصوم النهار، ولا تَقْرَب النساء! قال: قد كان ذلك يا رسول الله! قال: فإن لنفسك عليك حقاً، ولزوجك عليك حقاً، ولجسدك عليك حقاً، فَصُم من كل شهر ثلاثة أيام، والحسنة بعشر أمثالها، فكأنما صُمْتَ الدَهْرَ. قال: يا رسول الله! إني شاب، إن بي قوة، إني أستطيع أكثر من ذلك»
يعني: عكس شبابنا اليوم، هو يقول: ارحمني، أعطني رخصةً أن أتعبد لله أكثر.
اليوم يقولوا الرجالات الكبار: ما زال - حتى لو كان تارك صلاة - فيقولوا: ما زال صغيراً ..
انظر الفرق بين السلف والخلف، فلا جرم أن الله قال: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩].
قال: «فَصُم من كل شهر أسبوعاً. قال: يا رسول الله! إني شاب، إن بي قوة، إني
стр. 220
أستطيع أكثر من ذلك .. »
إلى أن تنازل معه الرسول وقال له: «فصم يوماً وأفطر يوماً، فإنه أفضل الصيام وهو صوم داود ﵇، وكان لا يفر إذا لاقى».
هنا سر، «كان لا يَفِر إذا لاقى»، بمعنى أنه جمع بهذا الأسلوب في الصيام بين القوتين، بين المحافظة على قوة البدن، والمحافظة على قوة الروح.
الحياة هذه السعيدة التي يحياها الإنسان في عبادته لله ﵎، أما إذا صام الدهر، فقُوَّته تذهب، فإذا لاقى العدو فَرَّ ولا يثبت، وحينئذٍ يكون مثله كمثل -كما يقال- من يبني قَصراً ويهدم مِصْراً.
لا، صم صوم داود ﵇؛ فإنه أفضل الصيام، وفي رواية: «أعدل الصيام».
«كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان لا يفر إذا لاقى» يعني: العدو.
«قال: يا رسول الله! إني أريد أفضل من ذلك. قال: لا أفضل من ذلك».
كيف هذا وهو كان يصوم ويواصل في الصيام، هذه خصوصية له ﵇.
قلت آنفاً: خصوصية من ناحيتين: من ناحية أن الشارع الحكيم رب العالمين أجاز له ما لم يُجِز للمسلمين.
ومن ناحية ثانية: خصوصية هذه قلت: القوة على الصيام يمكن أن يحظى بها كثير من الناس، لكن أُنه يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه، هذه خصوصية له، وليس هذا الطعام طعاماً مادياً، وإنما هو طعام إذا صح التعبير عنه روحي، معنوي، وإلا لا يكون صائماً ﵇، لا ليل ولا نهار.
ولذلك ذكر ابن القيم ﵀ بيتين يصف عشيقته، قال:
لها أحاديث من ذكراك تشغلني عن الطعام وعن كذا وكذا .. إلى آخره.
هكذا يقول يعني.
стр. 221
الشاهد: فالرسول ﷺ له خصوصيات، لكن الأصل أن الاقتداء به هي القاعدة، والخصوصيات تتبع فيها الأدلة، فإذا جاء الدليل يقول لنا: أن الرسول ﵇ قَبَّل، وما جاء أنه خاص به، حينئذٍ نحن نقتدي به، ولكن هنا تفصيل يذكره بعض العلماء، ولا بأس من ذِكْرِه بناء على حديث: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فسأله عن تقبيل الرجل لزوجته وهو صائم» هل يقبل زوجته وهو صائم، فرخص له.
«ثم جاء آخر فسأله نفس السؤال فلم يُرَخِّص له». حصل هنا تناقض في الظاهر.
قال: فنظرنا فرأينا الذي رخص له شيخاً، والذي لم يُرَخِّص له شاباً.
أنا أقول: الرسول ﵇ لما أعطى جوابين متباينين بسبب أن السائلين مختلفين، هذا منتهى الحكمة؛ لأنه يراعي طبائع الناس، الشيخ السائل أجاز له رَخَّص له، والعكس ما رخص له؛ لأن الغالب على الشيوخ أنهم شبعوا من الدنيا وضعفت الشهوة شاؤوا أم أبوا، والغالب على العكس، على الشباب أنهم في عز شهوتهم وقُوّتهم وشبابهم و .. إلى آخره.
فأقول: فإذا فرضنا هناك شاباً عليلاً مريضاً خاوي القوى منهاراً، هذا يكون حكمه حكم الشيخ، فيباح له أو يُرَخَّص له، ليس هناك خطر في أن يقال: لك أن تقبل زوجتك وأنت صائم؛ لأنه ليس عنده هذا الحيل.
كما أن ذاك نادر يقابله أيضاً نادر، فَرُبّ شيخ بلغ من الكبر عتياً، لكنه لا يزال في قوته وشبابه أحسن من ذلك الشاب يعني، فهذا يعطى حكم الشاب، ويقال: احذر، كما قالت السيدة عائشة ﵂ «كان رسول الله ﷺ يُقَبِّل زوجته وهو صائم وأيكم يملك من إربه ما كان يملك من إربه».
«أيكم يملك من إربه» أي: من عضوه، شهوته، ما كان الرسول ﷺ يملك.
خلاصة الكلام: يختلف الحكم بين الصلاة وبين الصيام من جهة أن المتوضئ
стр. 222
إذا قَبَّل زوجته ليس عليه خطر، كل ما في الأمر سيوجب عليه الوضوء .. لكن هنا المشكلة بالصيام، لا يجوز يفطر، فحينئذٍ يجب عليه كفارة مغلظة يصوم شهرين متتابعين، وإذاً: املك نفسك، ولا تدندن حول الإفطار كما قال ﵇: «ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه».
(الهدى والنور / ٢٧٨/ ٠٠: ٠٠: ٠١)
(الهدى والنور / ٢٧٩/ ٣٤: ٠٠: ٠٠)
المراد بملامسة النساء الوارد في الآية
مداخلة: شيخَنا ومن مقتضيات الوضوء: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاء﴾ ما هي نوعية الملامسة؟
الشيخ: هذا اللمس المذكور في الآية -بارك الله فيك- ليس هو هذا اللمس، وإنما هو كناية عن الجماع.
يقول تُرْجُمَان القرآن عبد الله بن عباس: «إن الله يُكَنِّي، ويعبر بتعابير لطيفة عن أمور يقبح التصريح بها» فهو يقول: أو لامستم النساء أي: أو جامعتموهن.
أما هذا اللمس فهذا لا ينقض الوضوء، وقد جاء في أحاديث عديدة جداً عن السيدة عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يُقَبِّل بعض أزواجه، ثم يقوم إلى الصلاة ولا يتوضأ.
(الهدى والنور/٣٢٢/ ٥٨: ٠٦: ٠٠)
هل لمس المرأة بشهوة ينقض الوضوء ؟
مداخلة: هل لمس المرأة بشهوة ينقض وضوءَ الإنسان؟
الشيخ: عندما يأتي في مس العضو «هل هو إلا بضعة منك»؟ «ومن مس ذكره
стр. 223
فليتوضأ»، نريد أن نحاول التوفيق بين الحديثين فنقول بهذه الفلسفة: وهو المَسّ بشهوة ينقض، بدون شهوة لا ينقض، لكن في التقبيل ما في عندنا نص في السنة فضلاً عن القرآن أنه ينقض مطلقاً كما قال: «من مس ذكره فليتوضأ» لكن ماذا نقول؟ نقول: في أثناء التقبيل قد يُمْذي أو يُمْني، هنا يعاد إلى الأمر الناقض نَصّاً سواء كان هناك تقبيل أو لم يكن هناك تقبيل.
(الهدى والنور / ٧٩٨/ ٣٤: ٢٠: ٠١)
لمس النساء لا ينقض الوضوء
[روي عن النبي ﷺ أنه قال]: «توضأ وضوءا حسنا، ثم قم فصل، قاله لمن قبل امرأة». ضعيف.
[قال الإمام]:
إذا تبين هذا فلا يحسن الاستدلال بالحديث على أن لمس النساء ينقض الوضوء، كما فعل ابن الجوزي في «التحقيق» «١/ ١١٣» وذلك لأمور:
أولا: أن الحديث ضعيف لا تنهض به حجة.
ثانيا: أنه لو صح سنده، فليس فيه أن الأمر بالوضوء إنما كان من أجل اللمس، بل ليس فيه أن الرجل كان متوضئا قبل الأمر حتى يقال: انتقض باللمس! بل يحتمل أن الأمر إنما كان من أجل المعصية تحقيقا للحديث الآخر الصحيح بلفظ:
«ما من مسلم يذنب ذنبا فيتوضأ ويصلي ركعتين إلا غفر له». أخرجه أصحاب السنن وغيرهم وصححه جمع، كما بينته في «تخريج المختارة» «رقم ٧».
ثالثا: هب أن الأمر إنما كان من أجل اللمس، فيحتمل أنه من أجل لمس خاص، لأن الحالة التي وصفها، هي مظنة خروج المذي الذي هو ناقض للوضوء، لا من أجل مطلق اللمس، ومع الاحتمال يسقط الاستدلال.
والحق أن لمس المرأة وكذا تقبيلها لا ينقض الوضوء، سواء كان بشهوة أو بغير
стр. 224
شهوة، وذلك لعدم قيام دليل صحيح على ذلك، بل ثبت أنه ﷺ كان يقبل بعض أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ. أخرجه أبو داود وغيره، وله عشرة طرق، بعضها صحيح كما بينته في «صحيح أبي داود» «رقم ١٧٠ - ١٧٣» وتقبيل المرأة إنما يكون مقروناً بالشهوة عادة، والله أعلم.
السلسلة الضعيفة (٢/ ٤٢٨ - ٤٢٩)
السائل الذي يخرج من المرأة هل ينقض الوضوء
مداخلة: بالنسبة للمني المتواصل ينقض الوضوء؟
الشيخ: المني؟
مداخلة: المتواصل.
الشيخ: المني المتواصل، هذا بيكون مريض؟
مداخلة: لا.
الشيخ: والا أنت ما بتعرفي تسألي؟
مداخلة: لا. مش مريض.
الشيخ: ما فيه مني متواصل من صحيح البنية، وأنت بتحكي عن مني الرجل، والا مني المرأة؟
مداخلة: المرأة.
الشيخ: الله يهديك، أنت إذاً: بتسألي عن السائل، المني اللِّي أنت بتسألي عنه يخرج بشهوة، والا بدون شهوة؟
مداخلة: بدون شهوة.
الشيخ: الله يهديك، هذا ما اسمه مني.
стр. 225
مداخلة: نعم.
الشيخ: هذا سائل يخرج من المرأة، وليس منياً، ولو كان منياً وجب عليها الغسل، إذا كانت بالغة، لكن هذا سائل بعض العلماء يقولون يوجب الوضوء فقط، والصحيح أنه لا يوجب الوضوء، ثم الذين يقولون بأنه يجب الوضوء من هذا السائل الذي يخرج من المرأة، إذا كان كما تقولين يسيل منها دائماً، فهذا كسلس البول، تعرفي سلس البول؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: كويس، فمن كان معه سلس بول من رجل أو امرأة، فهذا يعتبر من أهل الأعذار، أي: كالمرأة المستحاضة التي معها سيلان دم دائماً، وليست المرأة الحائض، بتفرقي بينهما؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: فالمرأة المستحاضة اللّي معها سيلان دم، هذه من المعذورات، يجب أن تتوضأ لكل صلاة، ولا يجوز لها أن تصلي صلاةً ثانية، كذلك هذا الشخص اللِّي تتحدثي عنه معه هذا السيلان، واللي ظننت أنه مني، إذا كان صحيح السيلان مستمر معه.
مداخلة: شو المني؟
الشيخ: المني، قلت لك: بيطلع من الرجل أو من المرأة قذفاً عند الشهوة.
مداخلة: طيب، ما هو يخرج بشهوة المني أم بغير شهوة؟
الشيخ: لا. المني الذي يخرج بدون شهوة لا يوجب الغسل، المني الذي يخرج بدون قذف، بدون شهوة، لا يوجب الغسل، وخلينا هَلّا بسؤالك الأول، فإذا انتهينا منه وخطر في بالك سؤال ثاني قد نتوجه له.
عرفتِ الآن إنه هذا الماء السائل من المرأة، وكما قلتِ يعني سائل يسيل دائماً، هذا لا يوجب الغسل، وإنما يوجب الوضوء لكل صلاة، أما إذا كان أحياناً بحيث
стр. 226
أنه لا يكون صاحبه من أهل الأعذار كالمستحاضة، فحينئذٍ إذا رأت هذا السائل تتوضأ فإذا انقطع بعد الوضوء تُصَلِّي ما شاءت، فإذا رأته تتوضأ، وهكذا، لعلكِ فهمتي الموضوع؟
مداخلة: أنا قرأت في كتب الفقه: أن المرأة الحائض، تتوضأ إذا دخل وقت الصلاة.
الشيخ: نعم، بس لا تقولي الحائض، قولي المستحاضة.
مداخلة: صح المستحاضة، بس فيه بعض الأعذار -مثلاً- أنا لما بِدّي أروح المدرسة أتوضأ قبل الدوام، فقبل أذان الظهر؟
الشيخ: ما بيجوز.
مداخلة: طيب، ما فيه إمكانية إلا فصعب جداً أني أتوضأ بالمدرسة ... لأنه مدرستنا نحن مكشوفة؟
الشيخ: طيب، إيه، متى بترجعي من المدرسة؟
مداخلة: أرجع الساعة أربع إلا خمسة.
الشيخ: في هذه الحالة أحسن لك وأشرف لك، أنك بس ترجعي للبيت، بتتوضي وبتصلي الظهر والعصر جمع تأخير، فهمتي عليَّ؟
مداخلة: يعني: أصلي أربع ركعات فقط.
الشيخ: لا الله يهديك، أنت مسافرة، والا مقيمة؟
مداخلة: لا أنا مقيمة.
الشيخ: طيب، بِدّك تصلي، أقول لك: الظهر والعصر جمع تأخير يعني: بتصلي أربع ركعات فرض الظهر وبتسلمي، ثم بتصلي أربع ركعات فرض العصر، واضح؟
стр. 227
مداخلة: الساعة -مثلاً- أربعة، بيكونوا قد أَذَّنوا العصر.
الشيخ: كويس فإذاً بتصلي في بيتك، بتصلي في بيتك الظهر في وقته، أنت ليش بتتحرجي تؤخري الصلاة، أنا ظننت إنه ما بترجعي إلا بعد العصر، فما دام تجي قبل العصر، ما بيجوز لك تتوضي قبل الأذان وتروحي على البيت وأنتي متوضية ومعك العذر هذا، فأخِّري إذاً صلاتك لترجعي إلى بيتك.
(الهدى والنور/٣٢٨/ ١٨: ٣٧: ٠٠)
هل السائل الخارج من فرج المرأة بدون مداعبة ولا احتلام ينقض الوضوء؟ مع التعرض للقاعدة التي يذكرها بعض الفقهاء من أن كل ما خرج من السبيلين ناقض
مداخلة: بعض النساء يخرج منهن سائل من فروجهن فهل هذا السائل ينقض وضوءهن أم لا، أم أنه يوجب الغسل لها، علماً أن هذا يخرج في حال اليقظة وليس استحلام؟
الشيخ: هذا السائل قولاً واحداً لا يُوجِب الغسل، والقول الراجح أنه لا يُوجِب الوضوء، لأنه لا دليل في الكتاب ولا في السنة على أن هذا السائل الذي يُعْرف عند النساء يخرج منهن في أوضاع طبيعية، لا دليل على أنه ينقض الوضوء، فلو كانت متوضئة فهي تصلي، ولو كانت تصلي فهي تستمر في صلاتها، وإن رأت شيئاً من هذا السائل، واضح؟
مداخلة: واضح. ولكن هناك سؤال.
الشيخ: طيب.
مداخلة: ضمن هذا السؤال. ألا يعتبر هذا من ضمن الخارج من السبيلين؟
الشيخ: بلى، ولكن يجب أن نعلم أن ما يُذْكَر في بعض كتب الفقه من نواقض الوضوء «كل ما خرج من أحد السبيلين» هذه الكلية لا أصل لها في الإسلام
стр. 228
بالكلية، عرفت؟ ومن هنا يأتي الوهم، «كل ما خرج من السبيلين فهو ناقض»، هذا رأي لبعض العلماء، وإلا هناك إمام دار الهجرة، الإمام مالك بن أنس ﵀ يقول: لو خرج من دبر الإنسان حصاةٌ أو دود فذلك لا ينقض الوضوء، وهذا خارج من أحد السبيلين، كذلك لو خرج من القُبُل شيء من ذلك دود أو نحو ذلك فلا ينقض الوضوء، لأن الناقض إما أن يؤخذ من القرآن أو يؤخذ من السنة.
فهذا قرأ في القرآن قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] لا يعني كل شيء خرج من الدبر إنما يعني البول والغائط، ماشي؟
السنة -طبعاً- تأتينا بإيضاحات كثيرة في كثير من الأحكام الشرعية، فيجب التزامها كما يجب التزام القرآن الكريم.
ففي السنة ثبت أن المذي -مثلاً- والودي من نواقض الوضوء، وكذلك -مثلاً- أكل لحم الجزور من نواقض الوضوء، فهذه أشياء تُؤْخَذ لأنه جاء النص فيها، أما أن نتوسع بقياسات من عندنا فنقول ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] طيب، لكن إذا خرج منه دودة فهذه تكون ملوثة بالغائط ليست دودة طبيعية، نعم، لكن الله كما جاء في بعض الروايات هو سكت عن أشياء رحمةً بكم فلا تسألوا عنها، فربنا لو أراد بنا العنت ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] كما في القرآن الكريم، لكان قال: «كل ما خرج من السبيلين» .. عبارة مختصرة.
لكن لا يوجد شيء من هذا لا في الكتاب ولا في السنة، لذلك لا يُشْكِلَنَّ عليك أن ما سألت عنه هو خارج من أحد السبيلين، لأنه يقال: هذا صحيح، لكن لا دليل -كما قلنا- على هذه الكلية بالكلية.
(الهدى والنور / ٢٤٠/ ٠٢: ٠٧: ٠٠)
стр. 229
السوائل التي تنزل من فرج المرأة هل توجب الوضوء وهل هي نجسة ؟
مداخلة: هل السائل الذي ينزل من المرأة أبيض كان أو أصفر طاهرًا أم نجس؟ وهل يجب فيه الوضوء، مع العلم بأنه ينزل مستمرًا، وما الحكم إذا كان متقطعًا خاصة أن غالبية النساء يعتبرن هذا السائل رطوبةً طبيعيةً لا يلزم منها الوضوء.
الشيخ: لا نجد في السنة ما يوجب الحكم على هذا النازل بالنجاسة أو أنه يوجب الوضوء.
(رحلة النور: ٣٠ ب/٠٠: ٠٤: ١٧)
هل شرب الخمر ينقض الوضوء
مداخلة: رجل خُدِع من واحد مزح معه، ووضع في شرابه شيئاً من الخمر قليلاً، لكن كان متوضئاً، يعيد وضوءه أو لا؟
الشيخ: لا بس، يمضمض فمه وبس.
مداخلة: فقط؟
الشيخ: أي نعم.
(الهدى والنور /٣٠٧/ ٥٦: ٤٧: ٠٠)
هل الرعاف ينقض الوضوء
مداخلة: في «الموطأ» بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه أصابه رُعَاف في الصلاة، ثم خرج فتوضأ فعاد وبنى على صلاته، فهل في مثل هذا أن ابن عمر يرى بطلان الصلاة بسبب الرعاف؟
стр. 230
الشيخ: هذا يُفْهَم، لكن لا يتم الاستدلال؛ إلا إذا كان هناك دليل على أن ابن عمر يرى أن الرعاف ناقض للوضوء.
حينئذٍ: يكون هذا نص معنا في الموضوع، لكن ممكن أن يكون هذا ليس دليلاً قاطعاً إذا كان ابن عمر لا يرى أن الرعاف ينقض الوضوء. واضح؟
مداخلة: واضح.
الشيخ: إذا كان هناك نص أن ابن عمر يرى أن الرعاف ناقض، فمعناه أن هذا شاهد للحديث المذكور -آنفاً-. نعم.
(الهدى والنور /٦٢٢/ ٢٢: ٣٧: ٠٠)
الوضوء من القيء مشروع وليس واجباً
روى معدان بن أبى طلحة عن أبى الدرداء: «أن النبي ﷺ قاء فتوضأ فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت له ذلك فقال: صدق أنا صببت له وضوءه». رواه أحمد والترمذي وقال: هذا أصح شيء في هذا الباب «ص ٣٣». صحيح.
فائدة: استدل المصنف بالحديث على أن القيء ينقض الوضوء وقيده بما إذا كان فاحشا كثيرا كل أحد بحسبه! وهذا القيد مع أنه لا ذكر له في الحديث البتة, فالحديث لا يدل على النقض إطلاقا لأنه مجرد فعل منه ﷺ والأصل أن الفعل لا يدل على الوجوب, وغايته أن يدل على مشروعية التأسى به في ذلك, وأما الوجوب فلا بد له من دليل خاص, وهذا مما لا وجود له هنا.
ولذلك ذهب كثير من المحققين إلى أن القيء لا ينقض الوضوء منهم شيخ الإسلام ابن تيمية في «الفتاوى» له, وغيرها.
[إرواء الغليل تحت حديث رقم (١١١)]
стр. 231
كتاب المسح
стр. 232
المسح على الخفين
стр. 233
المسح على الخفين
ثبت ذلك عنه ﷺ بطريق التواتر.
وصح أنه مسح بعد نزول آية المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] وهي على قراءة الخفض مفسرة بالسنة فالمراد المسح على الخفين، وإليه مال ابن تيمية في «الاختيارات» «٨».
ويجوز المسح عليهما ولو كانا مخروقين ما دام الاسم عليهما باقيا، والمشي فيهما ممكن لإطلاق الشارع، وقد فصله شيخ الإسلام في «الفتاوى» «١/ ٢٥٧ - ٢٦٣».
وكان يمسح في السفر والحضر.
ووقت للمقيم يوما وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن إذا تطهر فلبس خفيه، كما في حديث أبي بكرة عند الدارقطني «٧١» بسند حسن.
وتبدأ مدة المسح من الوقت الذي مسح إلى مثله من الغد. وهو قول أحمد كما في «مسائل أبي داود» «١٠».
ولا تتوقت مدة المسح في حق المسافر الذي يشق اشتغاله بالخلع واللبس كالبريد المجهز في مصلحة المسلمين، وعليه يحمل قصة عقبة بن عامر. كذا قاله شيخ الإسلام في «اختياراته» «٩» والقصة المشار إليها هي ما أخرجه الدارقطني «٧٢» من طريق علي بن رباح عن عقبة قال: خرجت من الشام إلى المدينة يوم الجمعة فدخلت المدينة يوم الجمعة ودخلت على عمر بن الخطاب - زاد في رواية: وعلي خفان من تلك الخفاف الغلاظ - فقال: متى أولجت خفيك في رجليك؟ قلت: يوم الجمعة قال: فهل نزعتهما؟ قلت: لا قال: أصبت السنة. قال الدارقطني: وهو صحيح الإسناد. وقال شيخ الإسلام في «الفتاوى» «١/ ٢٥٩»: وهو حديث صحيح. وهو كما قالا. وانظر التفصيل في «الفتاوى» أيضا» «٢/ ١٨٨ - ١٨٩».
قلت: والحديث أخرجه في «المختارة» «١/ ٩٣» بهذا اللفظ. وفي رواية: «أصبت» بدون «السنة» قال: وهو المحفوظ.
стр. 234
- وكان يمسح ظاهر الخفين.
- ويكفي فيه مطلق المسح.
- والأفضل في حق كل أحد بحسب قدمه، فللابس الخف أن يمسح عليه ولا ينزعهما اقتداء به ﷺ وأصحابه، ولمن قدماه مكشوفتان الغسل ولا يتحرى لبسه ليمسح عليه، وكان ﷺ يغسل قدميه إذا كانا مكشوفتين ويمسح إذا كان لابس الخفين. شيخ الإسلام في «الاختيارات» «٨».
ثم قال: ولا ينتقض وضوء الماسح على الخف والعمامة بنزعهما ولا بانقضاء المدة، وبهذا قال ابن حزم «٢/ ٨٠ - ٨٤ و ٩٧».
ولا يجب عليه مسح رأسه ولا غسل قدميه وهو مذهب الحسن البصري وإبراهيم النخعي وابن أبي ليلى وداود كما في «المحلى» «٢/ ٩٤» كإزالة الشعر الممسوح على الصحيح من مذهب أحمد وقول الجمهور. وقد روى الطحاوي «١/ ٥٨» عن شعبة بن عن سلمة بن كهيل عن ظبيان: أنه رأى عليًّا توضَّأ ومسح على نعليه، ثم دخل المسجد فخلع نعليه ثم صلى. وهذا سند صحيح جدًّا.
[الثمر المستطاب (١/ ١٣)].
أحاديث المسح على الخفين متواترة
[قال الإمام]:
اعلم أن الأحاديث في المسح على الخفين متواترة، كما صرح بذلك غير ما واحد من أئمة الحديث والسنة، والآثار بعمل الصحابة والسلف بها كثيرة جدا مشهورة، وما روي عن بعضهم من الإنكار، فذلك قبل أن تصل بذلك إليهم الأخبار، كما هو شأن كثير من المسائل الفقهية، ولذلك عادوا إلى القول والعمل بها لما وصلتهم، وذلك مطابق لقراءة الجر في قوله تعالى في آية الوضوء: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. فبقاء بعض الفرق الإسلامية على إنكار هذه السنة كالرافضة والخوارج ومنهم
стр. 235
الإباضية مما يؤكد أنهم من أهل الأهواء المتوعدين بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.
السلسلة الصحيحة (٦/ ٢/ ١٠٥٩).
ثبوت مشروعية المسح على الخفين
عن عوف بن مالك: «أن النبي ﷺ أمر بالمسح علي الخفين في غزوة تبوك ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم» رواه أحمد. صحيح.
وفي معنى هذا الحديث أحاديث كثيرة صحيحة في مسلم والسنن وغيرهما وقد تكلمت على بعضها وخرجتها في «صحيح أبي داود» «رقم ١٤٥» وليس في شيء منها أن الأمر بالمسح كان في غزوة تبوك ولذلك قال أحمد: هذا من أجود حديث في المسح على الخفين لأنه في غزوة تبوك وهي آخر غزوة غزاها, نقلته عن نصب الراية, وكانت الغزوة المذكورة في شهر رجب سنة تسع, كما في كتب المغازي.
قلت: ومثله بل أجود منه حديث جرير المتقدم «٩٩» , فإن في رواياته الصحيحة أنه رأى النبي ﷺ يمسح على الخفين بعد نزول سورة المائدة, وهي آخر سورة نزلت, كما قالت عائشة وعبد الله بن عمر, فيما رواه الحاكم «٢/ ٣١١» بإسنادين صحيحين عنهما, وقد قال ابن سعد: إن إسلام جرير كان في السنة التي توفي فيها النبي ﷺ , وكأنه يعني السنة العاشرة, لا سنة إحدى عشر, فقد ثبت في الصحيحين أن جريرا شهد معه ﷺ حجة الوداع.
وبالجملة فقصة جرير في المسح متأخرة عن قصة عوف هذه, فهي من هذه الوجهة أجود منها, والله أعلم.
[إرواء الغليل تحت حديث رقم (١٠٢)]
стр. 236
المسح إنما يكون على أعلى الخف
مداخلة: هنا قول - طبعاً- عن علي وهو ثابت وأوردتموه في الإرواء: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه ..
الشيخ: نعم.
مداخلة: وقد رأيت النبي ﷺ يمسح على ظاهر الخفين.
الشيخ: نعم.
مداخلة: يعني: هل هذا الكلام يفيد .. يفهم منه جواز المسح أسفل الخف أو ينفي ذلك؟
الشيخ: ينفي.
مداخلة: ينفي، يعني: لا يَرِد مسح أسفل الخف مطلقاً؟
الشيخ: أبداً.
مداخلة: نعم، يعني: كلمة «أولى» لا تعتبر فعل التفضيل هنا؟
الشيخ: لا، هذا يقال على غير بابه.
(الهدى والنور /٣٣٩/ ٤١: ٤٥: ٠٠)
ضعف حديث المسح على أسفل الخفين
«توضأ ﷺ ، فمسح أسفل الخف وأعلاه». منكر بزيادة «الأسفل».
[قال الإمام]:
فائدة: قال عبد الله بن أحمد في «مسائله» «ص ٣٣ - طبع المكتب الإسلامي»: «سمعت أبي سئل عن المسح كيف هو؟ قال: خططاً بالأصبع؛ كذا سمعنا. وأشار
стр. 237
بيده، وكان أبي لا يذهب إلى أن يمسح أسفل الخفين». قلت: وهذا مما يؤكد ضعف الحديث عند أحمد كما لا يخفى.
السلسلة الضعيفة (١٢/ ١/ ٩١).
стр. 238
المسح على الجوربين والنعلين
стр. 239
أحكام المسح على الجوربين
المسح على الجوربين:
وثبت عنه ﷺ أنه مسح على الجوربين، وهو حديث صحيح، ومن أعله فلا حجة له.
قال أبو داود بعد أن خرجه: وروي هذا أيضًا عن أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ : أنه مسح على الجوربين، وليس بالمتصل ولا بالقوي. وقد أخرجه الطحاوي «١/ ٥٨». وقال أبو داود: ومسح على الجوربين: علي بن أبي طالب، وأبو مسعود، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبو أمامة، وسهل بن سعد، وعمرو بن حريث. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وابن عباس.
والجوربان بمنزلة الخفين في المسح كما قال سعيد بن المسيب وغيرها كما في «المحلى» «٢/ ٨٦» فلهما حكمهما.
ولا يشترط فيهما التجليد في أسفلهما. ولا أن يثبتا بأنفسهما. ولذلك نص أحمد أنه يجوز المسح على الجوربين وإن لم يثبتا بأنفسهما، بل إذا ثبتا بالنعلين جاز المسح عليهما، كما نقله شيخ الإسلام في «الفتاوى» «١/ ٢٦٢»، وعليه يجوز المسح على الجوارب الرقيقة إذا كانت مشدودة بسوار من المطاط كما هو المستعمل اليوم. وصرح ابن حزم «٢/ ٨١» بجواز ذلك حتى ولو كان من الحرير للمرأة خاصة.
[الثمر المستطاب (١/ ١٥)].
ترك المسح على الجوربين إنما هو من الشيطان
[قال الإمام]:
فبعد ثبوت المسح على الجوربين عن الصحابة ﵃: أفلا يجوز لنا أن نقول فيمن رغب عنه ما قاله إبراهيم [النخعي] في مسحهم على الخفين: «فمن ترك ذلك رغبة عنه فإنما هو من الشيطان».
стр. 240
رواه ابن أبي شيبة «١/ ١٨٠» بإسناد صحيح عنه.
[تحقيق المسح على الجوربين ص ٥٤ في الحاشية]
حكم المسح على الجوربين والنعلين
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:
ومن المسح على الخفين قوله تحت رقم ٢ - : وعن المغيرة بن شعبة أن رسول الله في ﷺ توضأ ومسح على الجوربين والنعلين. رواه أحمد والطحاوي وابن ماجه والترمذي وقال: حديث حسن صحيح وضعفه أبو داود.
قلت: قال أبو داود في «سننه» بعد أن ساق الحديث:
كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث لأن المعروف عن المغيرة أن النبي ﷺ مسح على الخفين.
قلت: فأنت ترى أن أبا داود إنما ضعفه لا لعلة في سند الحديث بل لمخالفته للمعروف عن المغيرة من مسحه ﷺ على الخفين ولا يخفى على العاقل أن هذا ليس بعلة تقدح في صحة الحديث لأن ثبوت مسحه ﷺ على الخفين لا ينفي ثبوت مسحه ﷺ على الجوربين والنعلين فإذا روى هذا عن المغيرة ثقة وجب الأخذ به لعدم منافاته لما رواه غيره عن المغيرة من المسح على الخفين والواقع أن رواة هذا الحديث كلهم رواة ثقات وإسناده صحيح على شرط البخاري وقد قال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في «الإمام»:
«ومن يصححه يعتمد بعد تعديل أبي قيس راويه عن هذيل على كونه ليس مخالفا لرواية الجمهور مخالفة معارضة بل هو أمر زائد على ما رووه ولا يعارضه ولا سيما أنه طريق مستقل برواية هذيل عن المغيرة لم يشارك المشهورات في سندها».
وهذا هو تحقيق القول في الحديث حسبما تقتضيه قواعد علم الحديث فلا تغتر بما ينقل عن بعض العلماء من تضيفه فإنه مبني على علة غير قادحة كما بينا ومن شاء
стр. 241
زيادة في التحقيق فليراجع تحقيق الأستاذ أحمد محمد شاكر على «سنن الترمذي» ٢/ ١٦٧ - ١٦٨ و «الإرواء» ١٠١ و «صحيح أبي داود» ١٤٧ و ١٤٨.
قوله أيضا عقب الحديث السابق: «والمسح على الجوربين كان هو المقصود وجاء المسح على النعلين تبعاً».
قلت: قد يوهم هذا الكلام أن المسح على النعلين غير جائز ودفعا لذلك أقول:
قد صح عنه ﷺ المسح على النعلين استقلالا دون ذكر الجوربين من حديث علي بن أبي طالب وأوس بن أبي أوس الثقفي وابن عمر وصححه ابن القطان كما في «شرح علوم الحديث» للعراقي ص ١٢ وقد تكلمت على أسانيدها في «صحيح سنن أبي داود» رقم ١٥٠ و ١٥٦.
فهذه الأحاديث تدل على جواز المسح على النعلين أيضا وقد ثبت ذلك عن بعض السلف أيضا كما يأتي قريبا ففيه دليل واضح على عدم اشتراط كون الخف ساترا لمحل الفرض كما نقله المؤلف عن شيخ الإسلام ص ١٠٦.
[تمام المنة ص (١١٢)]
أحكام المسح على النعلين
وثبت أيضا أنه ﵊ كان يمسح على النعلين. رواه أبو داود من حديث المغيرة.
ثم أخرجه أحمد «٤/ ٩ و ١٠» من حديث أوس بن أبي أوس، وكذا الطبراني في «الكبير»، كلاهما من طريق حماد بن سلمة وشريك، كلاهما عن يعلى بن عطاء عن أوس بن أبي أوس قال:
رأيت أبي يوما توضأ فمسح على النعلين فقلت: أتمسح عليهما؟ فقال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يفعل. وهذا سند صحيح.
وقد رواه أبو داود من طريق هشيم عن يعلى بن عطاء عن أبيه: أخبرني أوس بن
стр. 242
أبي أوس الثقفي: أنه رأى رسول الله ﷺ أتى كظامة قوم فتوضأ ومسح على نعليه وقدميه.
وهذا مخالف للأول سندا ومتنا:
أما الأول فقد جعله من مسند أوس وأدخل بينه وبين يعلى بن عطاء عطاء أبا يعلى.
وأما المتن فقد زاد فيه: وقدميه.
وقد أخرجه أحمد «٤/ ٨» من هذا الوجه دون قوله: ومسح على نعليه وقدميه. والرواية الأولى عندي أصح لاتفاق ثقتين عليها: حماد وشريك ومخالفهما - وهو هشيم - كثير التدليس كما في التقريب وقد عنعنه.
ورواه أحمد «١/ ١٤٨» والدارمي «١/ ١٨١» من حديث علي ﵁ قال - والسياق للأول -: ثنا أبو نعيم: ثنا يونس عن أبي إسحاق عن عبد خير قال: رأيت عليا ﵁ توضأ ومسح على النعلين ثم قال: لولا أني رأيت رسول الله ﷺ فعل كما رأيتموني فعلت لرأيت أن باطن القدمين هو أحق بالمسح من ظاهرهما. وهذا إسناد صحيح.
وقد تابعه الأعمش عن أبي إسحاق بلفظ قال: كنت أرى أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما، حتى رأيت رسول الله ﷺ يمسح ظاهرهما. أخرجه أحمد «١/ ١١٤، ١٢٤».
وكأن بعض الرواة اختصر منه ذكر النعلين، فهو محمول على المسح من على النعلين بدليل الرواية الأولى.
وكذلك رواه السدي عن عبد خير بنحوه وفيه: ومسح على نعليه، ثم قال: هكذا وضوء رسول الله ﷺ للطاهر ما لم يحدث.
أخرجه أحمد «١/ ١٢٠» عن سفيان عنه.
стр. 243
لكن أخرجه أحمد أيضا «١/ ١١٦» من طريق شريك عن السدي به بلفظ: ومسح على ظهر قدميه، ثم قال: هذا وضوء من لم يحدث. ثم قال: لولا أني رأيت رسول الله ﷺ مسح على ظهر قدميه رأيت أن بطونهما أحق.
فيقال في هذه ما قلناه في الرواية عن أبي إسحاق لا سيما وأن شريكا سيء الحفظ فرواية سفيان عن السدي أصح.
ثم إنه قد تابعه أيضا ابن عبد خير عن أبيه بلفظ: فغسل ظهور قدميه، وقال: لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يغسل ظهور قدميه لظننت أن بطونهما أحق بالغسل. أخرجه أحمد أيضاً «١/ ١٢٤» من طريق إسحاق بن إسماعيل: ثنا سفيان عن أبي السوداء عن ابن عبد خير. ثم قال: ثنا إسحاق: ثنا سفيان مرة أخرى قال: رأيت عليا ﵁ توضأ فسمح على ظهورهما. وهذا سند صحيح. وأبو السوداء اسمه عمرو بن عمران وابن عبد خير اسمه المسيب وهما ثقتان. فهذه الروايات كلها تفسرها الرواية الأولى وإلا فهي بظاهرها حجة للشيعة.
وأما الرواية الأخرى عند أحمد أيضا «١/ ١٣٩ و ١٤٤ و ١٥٩» من طريق عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة أنه شهد عليا ﵁ صلى الظهر ثم جلس في الرحبة في حوائج الناس فلما حضر العصر أتى بتور فأخذ حفنة ماء فمسح يديه وذراعيه ووجهه ورأسه ورجليه ... الحديث فهو محمول على الغسل بدليل أن المسح قد استعمل في هذه الرواية في جميع الأعضاء وهذا لا يجوز باتفاق المسلمين قال في «النهاية»: والمسح يكون مسحا باليد وغسلا.
وإسناد هذه الرواية صحيح على شرط البخاري.
هذا وحديث علي ﵁ في المسح على النعلين رواه ابن خزيمة أيضا، وأحمد بن عبيد الصفار كما في «نيل الأوطار» «١/ ١٥٨». وفي الباب عن ابن عباس عند ابن حبان والبيهقي كما في «الاختيارات» لشيخ الإسلام «٨»، وعن أنس عند البيهقي.
قلت: ورواه الدولابي في «الكنى» «٢/ ٩٦» عن هميان بن ثمامة الزماني قال:
стр. 244
ثني راشد أبو محمد الحماني قال: رأيت أنس بن مالك توضأ فمسح على نعليه وصلى.
وهميان هذا لم أجد من ذكره وبقية رواته ثقات.
وثبت المسح عليهما عن ابن مسعود وعن عمرو بن حريث. أخرجهما الطبراني في «الكبير» وإسناد الأول رجاله موثقون والآخر رجاله ثقات كما في «المجمع».
وذهب إلى جواز المسح عليهما الأوزاعي، وكذا ابن حزم في «المحلى» «٢/ ١٠٣»، فقول شيخ الإسلام في «الفتاوى» «١/ ٢٦٦» أنه «لا يجوز المسح عليهما باتفاق المسلمين» مدفوع بما ذكرنا.
ومن الغريب أنه حمل المسح هنا على الرش فذكر في موضع آخر: «إن الرجل لها ثلاثة أحوال: الكشف له الغسل وهو أعلى المراتب، والستر المسح، وحالة متوسطة وهي في النعل فلا هي مما يجوز المسح ولا هي بارزة فيجب الغسل فأعطيت حالة متوسطة وهو الرش، وحيث أطلق عليها لفظ المسح في هذا الحال فالمراد به الرش، وقد ورد الرش على النعلين والمسح عليهما في «المسند» من حديث أوس بن أبي أوس. ورواه ابن حبان والبيهقي من حديث ابن عباس» كذا في «الاختيارات» «٨».
وليس في شيء من هذه الأحاديث ذكر الرش لا في المسند ولا في غيره من حديث أوس بن أبي أوس ولا من حديث غيره، اللهم إلا في حديث آخر عن علي ﵁ أنه قال: يا ابن عباس ألا أتوضأ لك وضوء رسول الله ﷺ ؟ قلت: بلى - فداك أبي وأمي -. قال: فوضع له إناء فغسل يديه ثم مضمض واستنشق واستنثر ثم أخذ بيديه فصك بهما وجهه وألقم إبهامه ما أقبل من أذنيه قال: ثم عاد في مثل ذلك ثلاثا، ثم أخذ كفا من ماء بيده اليمنى فأفرغها على ناصيته، ثم أرسلها تسيل على وجهه، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثا، ثم يده الأخرى مثل ذلك، ثم مسح برأسه وأذنيه من ظهورهما، ثم أخذ بكفيه من الماء فصك بهما على قدميه وفيهما النعل، ثم قلبها بها، ثم على الرجل الأخرى مثل ذلك. قال: فقلت: وفي
стр. 245
النعلين؟ قال: وفي النعلين. قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين. قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين.
أخرجه الإمام أحمد «١/ ٨٢ - ٨٣» عن محمد بن إسحاق: ثني محمد ابن طلحة بن يزيد بن ركانة عن عبيد الله الخولاني عن ابن عباس قال: دخل علي علي بيتي فدعا بوضوء فجئنا بقعب يأخذ المد أو قريبه حتى وضع بين يديه وقد بال فقال: يا ابن عباس ... إلخ.
وهذا سند جيد.
فهذا الحديث يكاد يكون نصًّا على ما ذهب إليه شيخ الإسلام ﵀ من الرش على القدم وهي في النعل، ولكنه لا يلزم منه إبطال السنة الأخرى وهي المسح على النعلين كالخفين والجوربين بحمل المسح عليهما على الرش كما قال الشيخ ﵀ لعدم وجود قرينة قاطعة صارفة من الحقيقة إلى المجاز، والله أعلم.
ثم وجدت نصا لشيخ الإسلام ذهب فيه إلى المسح على النعلين بشرط مشقة نزعهما فقال في «الفتاوى» «٢/ ٨٥»: ونقل عنه ﷺ المسح على القدمين في موضع الحاجة مثل أن يكون في قدميه نعلان يشق نزعهما. وقيده في «الاختيارات»: إلا بيد أو رجل.
[الثمر المستطاب (١/ ١٦)].
مشروعية المسح على النعلين
أما المسح على النعلين فقد اشتهر بين العلماء المتأخرين أنه لا يجوز المسح عليهما ولا نعلم لهم دليلا على ذلك إلا ما قاله البيهقي في «سننه» «١/ ٢٨٨»:
«والأصل وجوب غسل الرجلين خلا ما خصته سنة ثابتة أو إجماع لا يختلف فيه وليس على المسح على النعلين ولا على الجوربين واحد منهما. والله أعلم».
كذا قال ولا يخفى ما فيه - مع الأسف - من تجاهل للأحاديث المتقدمة في
стр. 246
الرسالة في إثبات المسح على الجوربين والنعلين وأسانيد بعضها صحيحة كما سبق بيانه ولذلك تعقبه التركماني الحنفي في «الجوهر النقي» فقال «١/ ٢٨٨»:
«قلت: هذا ممنوع فقد تقدم أن الترمذي صحح المسح على الجوربين والنعلين وحسنه من حديث هزيل عن المغيرة وحسنه أيضا من حديث الضحاك عن أبي موسى. وصححه ابن حبان المسح على النعلين من حديث أوس وصحح ابن خزيمة (١) حديث ابن عمر في المسح على النعال السبتية وما ذكره البيهقي من حديث زيد بن الحباب عن الثوري «يعني بإسناده عن ابن عباس وقد مضى» في المسح على النعلين حديث جيد وصححه ابن القطان عن ابن عمر».
قلت: وإذا عرفت هذا فلا يجوز التردد في قبول هذه الرخصة بعد ثبوت الحديث بها لأنه كما قال المؤلف فيما سبق: «وقد صح الحديث فليس إلا السمع والطاعة». لا سيما بعد جريان عمل الصحابة بها وفي مقدمتهم الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁ كما تقدم وهو مما ذهب إليه بعض الأئمة من السلف الصالح ﵃ أجمعين. فقد قال ابن حزم رحمه الله تعالى في «المحلى» «٢/ ١٠٣»:
مسألة: فإن كان الخفان مقطوعين تحت الكعبين فالمسح جائز عليهما وهو قول الأوزاعي روي عنه أنه قال: يمسح المحرم على الخفين المقطوعين تحت الكعبين. . . وقال غيره: لا يمسح عليهما إلا أن يكونا فوق الكعبين.
[تمام النصح في أحكام المسح ص ٨٢ - ٨٣]
مشروعية المسح على النعال
قال الشيخ: كل شيء تعرفونه أنتم معشر العرب اسمه نعل يمسح عليه.
(الهدى والنور ٤٣١/ ٠٠: ٣٣: ٥٠)
стр. 247
حكم المسح على النعلين ؟
مداخلة: في مسألة المسح على الخفين ذكرت جواز المسح على النعلين وقد خالف في ذلك كثير من أهل العلم، نرجو التوضيح.
الشيخ: نعم لقد خالف في ذلك كثير من أهل العلم ووافق، فماذا كان؟ وهل هناك مسألة لم يختلف فيها العلماء إلا قليلة جداً، الخلاف ينبغي ألا يشكك المسلم فيما قد صح عن النبي ﷺ أو عن سلفنا الصالح دون أن يكون هناك في الكتاب ولا في السنة ما يخالف ما قد يكون ثبت عن بعض السلف الصالح.
فالمسح على النعلين قد جاء في عديد من الأحاديث عن النبي ﷺ وعن غيره من أصحابه، من أشهر هذه الأحاديث ما رواه أبو داود في سننة عن المغيرة بن شعبة ﵁: «أن النبي ﷺ كان يمسح على الجوربين وعلى النعلين» وأنا حين أذكر هذا الحديث أذكر أن بعض من يشترطون في الملبوس على القدمين أن يكون ساتراً للمكان المطلوب غسله من القدمين وهو إلى الكعبين كما في نص القرآن الكريم، لقد تأولوا حديث المغيرة هذا فقالوا: إن المسح الذي وقع على الجوربين وعلى النعلين كان المقصود به المسح على الجوربين وليس المقصود به المسح على النعلين.
نحن نقول: إن هذا الحديث يمكن تأويله بتآويل كثيرة، ولكننا إذا جمعنا الأحاديث الواردة عن المغيرة بن شعبة فيما يتعلق بالمسح فوجدناها ثلاثة أقسام أشهرها وأصحها ما جاء في الصحيحين أن النبي ﷺ لما كان في سفر وتوضأ وكان لابساً لخفيه فلما هم المغيرة بن شعبة على خلعهما قال ﵊: «دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين» فهذا نوع من أنواع المسح الذي رواه المغيرة بن شعبة عن النبي ﷺ .
النوع الثاني: ما ذكرته آنفاً أنه قال: «كان رسول الله ﷺ يمسح على الجوربين وعلى النعلين» فهنا ملبوسان كان الرسول ﵇ يمسح تارةً وتارةً على الجوربين وتارةً على النعلين، والمسح على الجوربين كما جاء عن المغيرة .. جاء عن
стр. 248
غيره أيضاً، وأبو داود رواه عن أبي موسى الأشعري وغيره.
كذلك جاء المسح على النعلين لوحدهما دون أن يذكر المسح على الجوربين معهما، جاء ذلك من رواية صحابي مشهور بأوس بن أوس الثقفي وهو أيضاً في سنن أبي داود.
المسح الرابع والأخير: جاء أيضاً عن المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ كان يمسح على العمامة، فإن قد ثبت المسح على النعلين عن النبي ﷺ فلا يجوز أن نتردد في قبوله؛ لأن كثيراً أو قليلاً من العلماء لم يذهبوا إلى جواز المسح على النعلين؛ لما ذكرته آنفاً.
وأنا أقول: لو لم يكن عندنا سوى الأثر الذي أخرجه الإمام أبو جعفر الطحاوي في كتابه شرج معاني الآثار وأبو بكر البيهقي في كتاب المعروف بالسنن الكبرى فقد أخرجا بإسنادهما الصحيح عن علي رضي الله تعالى عنه أنه توضأ ومسح على نعليه ثم أتى المسجد فخلهما وصلى بالناس إماماً، هذا علي ﵁ أحد الخلفاء الراشدين وأحد العشرة المبشرين بالجنة يفعل ما سمعتم وروده في تلك الأحاديث من المسح على النعلين، فبعد هذا كله كيف يجوز للمسلم أن يتردد في قبول هذه الرخصة، وما تردد مثل هذا في قبول هذه الرخصة إلا كما يتردد الكثيرون في قبول رخصة المسح على الجوربين، وذلك باشتراط شروط لم تأت في السنة فضلاً عن الكتاب من مثل قولهم: يجب أن يكون ثخيناً .. يجب أن يثبت على الساقين بنفسه .. يجب أن يتمكن من السير عليهما أي: على الجوربين مسافة كذا وكذا، كل هذه ظنون ما جاء شيء منها عن النبي ﷺ ولا عن السلف الصالح، بل قد روى غير ما واحد من أهل الحديث عن الحسن البصري ﵀ أنه قال: ما كان جوارب المهاجرين والأنصار إلا مخرقة، يشير بذلك إلى رد اشتراط أن لا يكون مخرقاً لأنه ينفذ الماء من هذا الخرق .. كل هذا تعطيل لرخصة رخصها رسول الله ﷺ بلا شك بوحي من ربه .. بمثل قوله : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] فإذا صح الحديث وتأكد أيضاً بعمل بعض السلف به
стр. 249
وبخاصة إذا كان من العشرة المبشرين بالجنة بل فهم الخلفاء الراشدون فلم يبق هنا [عذر لمن] يعلن التردد في قبول هذه الرخصة، فقد جاء عن النبي ﷺ قوله: «إن الله ﵎ يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه» وفي رواية أخرى: «كما يكره أن تؤتى معاصيه» فينبغي أن يحافظ المسلم على أن يترخص فيما رخص فيه الشارع؛ لأن الله يحب ذلك من عبده ﵎.
(رحلة النور: ١٧ أ/٠٠: ٠٤: ٠٨)
هل يشرع المسح على النعلين ؟
مداخلة: المسح على النعلين هل يصح؟
الشيخ: يصح المسح على النعلين مطلقًا، كما يصح المسح على الخفين مطلقًا، كما يصح المسح على الجوربين مطلقًا، وكل من جاء بقيد يعود إلى البحث السابق، لا يجوز تقييد ما أطلق ولا إطلاق ما قيد، فحينما جاء عن الرسول ﵇ المسح على الخفين متواترًا لم يجز أن يشترط أي شرط كأن يكون مثلًا غير مخرق، وقد يغالي بعضهم كأن يقول مثلًا: من جلد الحيوان الفلاني، كل هذا تصنع وتكلف، وأنا وأمتي براء من التكلف.
قلنا: إن الأحاديث التي جاء في المسح على الخفين، وفي المسح على الجوربين، وفي المسح على النعلين، أحاديث مطلقة فلا يجوز تقييدها بقيد بمجرد الرأي، لولا أنه قد صح التوقيت المذكور آنفًا لم يجز لنا إلا أن نتبنى مذهب مالك الذي يجيز المسح بدون توقيت، أما وقد صح الحديث من غير ما وجه كما سمعتم آنفًا: «وقت رسول الله ﷺ المسح على الخفين للمقيم يومًا وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها» وجب الوقوف عن هذا القيد.
أما ما سوى ذلك من القيود التي تأتي في بعض كتب الفقه على ما بينهما من اختلاف بعيد شاسع فلا يصح شيء منها مأثورًا عن النبي ﷺ ، فربما قرأتم في بعض الكتب الفقهية بجواز المسح على الخفين بشرط ألا يكونا مخروقين، فجاء عن
стр. 250
الحسن البصري أنه قال: وهل كانت جوارب الأنصار إلا مخرقة، وهذا هو الذي يتفق مع يسر الإسلام؛ لأن الإنسان إذا أراد أن يتقيد بمثل هذه الأمور لربما طلق السنة بالثلاث، فتعود الرخصة إلى عزيمة فيستغني الناس عنها بسبب القيود والشروط التي أضيفت إلى هذه الرخصة، ولا شك أن الرخصة تستلزم بطبيعة كونها رخصة أن تكون مجردًة عن كل قيد أو شرط أو وصف إلا ما جاء في الشرع، فنحن كما قال تعالى: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
وأبعد شيء عن رأي الجمهور هو المسح على النعلين؛ لأنه غير ساتر لمكان فرض غسل القدمين، ولكن ما دام أن ذلك ثبت أولًا عن النبي ﷺ ، ثم ثبت عن بعض الخلفاء الراشدين ثانيًا وأعني به إذاك عليًا ﵁، فقد ثبت عنه مسحه على النعلين، ولما أتى المسجد خلعهما وصلى بالناس إمامًا، ففهمنا من هنا أيضًا حكمًا آخر ميسر، وهو أنه خلع الممسوح لا ينقض الطهارة، بل ولا يعلقها بإعادة غسل ما كان مسح عليه أي: غسل الرجلين.
فهكذا يجب أن نقف مع النصوص سواء كانت لنا أو كانت علينا .. كان فيها يسر أو كان فيها تشديد، فالله يتعبدنا بما يشاء ولا نستعمل عقولنا أبدًا تجاه هذه النصوص سواء كانت مطلقة أو كانت مقيدة.
(فتاوى جدة (٥) /٠٠: ٢٠: ٢٩)
حكم المسح على الجزمة
مداخلة: حكم المسح على الجزمة، وهل الإنسان يصلي بها ثم إذا مسحها هل لا بد أن يمسح على الجورب أم يكتفي بالمسح الذي على الجزمة؟
الشيخ: أولًا يجب أن يكون قائمًا في البال أن المسح على كل ملبوس على القدمين يجوز بشرطه، وهو أن يكون ملبوسًا على طهارة، سواء أكان هذا الملبوس جزمة أو خفًا أو جوربًا أو نعلًا، أي شيء ملبوس على الرجل يجوز المسح عليه بالشرط المذكور آنفًا.