الرسالة في إثبات المسح على الجوربين والنعلين وأسانيد بعضها صحيحة كما سبق بيانه ولذلك تعقبه التركماني الحنفي في «الجوهر النقي» فقال «١/ ٢٨٨»:
«قلت: هذا ممنوع فقد تقدم أن الترمذي صحح المسح على الجوربين والنعلين وحسنه من حديث هزيل عن المغيرة وحسنه أيضا من حديث الضحاك عن أبي موسى. وصححه ابن حبان المسح على النعلين من حديث أوس وصحح ابن خزيمة (١) حديث ابن عمر في المسح على النعال السبتية وما ذكره البيهقي من حديث زيد بن الحباب عن الثوري «يعني بإسناده عن ابن عباس وقد مضى» في المسح على النعلين حديث جيد وصححه ابن القطان عن ابن عمر».
قلت: وإذا عرفت هذا فلا يجوز التردد في قبول هذه الرخصة بعد ثبوت الحديث بها لأنه كما قال المؤلف فيما سبق: «وقد صح الحديث فليس إلا السمع والطاعة». لا سيما بعد جريان عمل الصحابة بها وفي مقدمتهم الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁ كما تقدم وهو مما ذهب إليه بعض الأئمة من السلف الصالح ﵃ أجمعين. فقد قال ابن حزم رحمه الله تعالى في «المحلى» «٢/ ١٠٣»:
مسألة: فإن كان الخفان مقطوعين تحت الكعبين فالمسح جائز عليهما وهو قول الأوزاعي روي عنه أنه قال: يمسح المحرم على الخفين المقطوعين تحت الكعبين. . . وقال غيره: لا يمسح عليهما إلا أن يكونا فوق الكعبين.
[تمام النصح في أحكام المسح ص ٨٢ - ٨٣]
مشروعية المسح على النعال
قال الشيخ: كل شيء تعرفونه أنتم معشر العرب اسمه نعل يمسح عليه.
(الهدى والنور ٤٣١/ ٠٠: ٣٣: ٥٠)
стр. 247
حكم المسح على النعلين ؟
مداخلة: في مسألة المسح على الخفين ذكرت جواز المسح على النعلين وقد خالف في ذلك كثير من أهل العلم، نرجو التوضيح.
الشيخ: نعم لقد خالف في ذلك كثير من أهل العلم ووافق، فماذا كان؟ وهل هناك مسألة لم يختلف فيها العلماء إلا قليلة جداً، الخلاف ينبغي ألا يشكك المسلم فيما قد صح عن النبي ﷺ أو عن سلفنا الصالح دون أن يكون هناك في الكتاب ولا في السنة ما يخالف ما قد يكون ثبت عن بعض السلف الصالح.
فالمسح على النعلين قد جاء في عديد من الأحاديث عن النبي ﷺ وعن غيره من أصحابه، من أشهر هذه الأحاديث ما رواه أبو داود في سننة عن المغيرة بن شعبة ﵁: «أن النبي ﷺ كان يمسح على الجوربين وعلى النعلين» وأنا حين أذكر هذا الحديث أذكر أن بعض من يشترطون في الملبوس على القدمين أن يكون ساتراً للمكان المطلوب غسله من القدمين وهو إلى الكعبين كما في نص القرآن الكريم، لقد تأولوا حديث المغيرة هذا فقالوا: إن المسح الذي وقع على الجوربين وعلى النعلين كان المقصود به المسح على الجوربين وليس المقصود به المسح على النعلين.
نحن نقول: إن هذا الحديث يمكن تأويله بتآويل كثيرة، ولكننا إذا جمعنا الأحاديث الواردة عن المغيرة بن شعبة فيما يتعلق بالمسح فوجدناها ثلاثة أقسام أشهرها وأصحها ما جاء في الصحيحين أن النبي ﷺ لما كان في سفر وتوضأ وكان لابساً لخفيه فلما هم المغيرة بن شعبة على خلعهما قال ﵊: «دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين» فهذا نوع من أنواع المسح الذي رواه المغيرة بن شعبة عن النبي ﷺ .
النوع الثاني: ما ذكرته آنفاً أنه قال: «كان رسول الله ﷺ يمسح على الجوربين وعلى النعلين» فهنا ملبوسان كان الرسول ﵇ يمسح تارةً وتارةً على الجوربين وتارةً على النعلين، والمسح على الجوربين كما جاء عن المغيرة .. جاء عن
стр. 248
غيره أيضاً، وأبو داود رواه عن أبي موسى الأشعري وغيره.
كذلك جاء المسح على النعلين لوحدهما دون أن يذكر المسح على الجوربين معهما، جاء ذلك من رواية صحابي مشهور بأوس بن أوس الثقفي وهو أيضاً في سنن أبي داود.
المسح الرابع والأخير: جاء أيضاً عن المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ كان يمسح على العمامة، فإن قد ثبت المسح على النعلين عن النبي ﷺ فلا يجوز أن نتردد في قبوله؛ لأن كثيراً أو قليلاً من العلماء لم يذهبوا إلى جواز المسح على النعلين؛ لما ذكرته آنفاً.
وأنا أقول: لو لم يكن عندنا سوى الأثر الذي أخرجه الإمام أبو جعفر الطحاوي في كتابه شرج معاني الآثار وأبو بكر البيهقي في كتاب المعروف بالسنن الكبرى فقد أخرجا بإسنادهما الصحيح عن علي رضي الله تعالى عنه أنه توضأ ومسح على نعليه ثم أتى المسجد فخلهما وصلى بالناس إماماً، هذا علي ﵁ أحد الخلفاء الراشدين وأحد العشرة المبشرين بالجنة يفعل ما سمعتم وروده في تلك الأحاديث من المسح على النعلين، فبعد هذا كله كيف يجوز للمسلم أن يتردد في قبول هذه الرخصة، وما تردد مثل هذا في قبول هذه الرخصة إلا كما يتردد الكثيرون في قبول رخصة المسح على الجوربين، وذلك باشتراط شروط لم تأت في السنة فضلاً عن الكتاب من مثل قولهم: يجب أن يكون ثخيناً .. يجب أن يثبت على الساقين بنفسه .. يجب أن يتمكن من السير عليهما أي: على الجوربين مسافة كذا وكذا، كل هذه ظنون ما جاء شيء منها عن النبي ﷺ ولا عن السلف الصالح، بل قد روى غير ما واحد من أهل الحديث عن الحسن البصري ﵀ أنه قال: ما كان جوارب المهاجرين والأنصار إلا مخرقة، يشير بذلك إلى رد اشتراط أن لا يكون مخرقاً لأنه ينفذ الماء من هذا الخرق .. كل هذا تعطيل لرخصة رخصها رسول الله ﷺ بلا شك بوحي من ربه .. بمثل قوله : ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] فإذا صح الحديث وتأكد أيضاً بعمل بعض السلف به
стр. 249
وبخاصة إذا كان من العشرة المبشرين بالجنة بل فهم الخلفاء الراشدون فلم يبق هنا [عذر لمن] يعلن التردد في قبول هذه الرخصة، فقد جاء عن النبي ﷺ قوله: «إن الله ﵎ يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه» وفي رواية أخرى: «كما يكره أن تؤتى معاصيه» فينبغي أن يحافظ المسلم على أن يترخص فيما رخص فيه الشارع؛ لأن الله يحب ذلك من عبده ﵎.
(رحلة النور: ١٧ أ/٠٠: ٠٤: ٠٨)
هل يشرع المسح على النعلين ؟
مداخلة: المسح على النعلين هل يصح؟
الشيخ: يصح المسح على النعلين مطلقًا، كما يصح المسح على الخفين مطلقًا، كما يصح المسح على الجوربين مطلقًا، وكل من جاء بقيد يعود إلى البحث السابق، لا يجوز تقييد ما أطلق ولا إطلاق ما قيد، فحينما جاء عن الرسول ﵇ المسح على الخفين متواترًا لم يجز أن يشترط أي شرط كأن يكون مثلًا غير مخرق، وقد يغالي بعضهم كأن يقول مثلًا: من جلد الحيوان الفلاني، كل هذا تصنع وتكلف، وأنا وأمتي براء من التكلف.
قلنا: إن الأحاديث التي جاء في المسح على الخفين، وفي المسح على الجوربين، وفي المسح على النعلين، أحاديث مطلقة فلا يجوز تقييدها بقيد بمجرد الرأي، لولا أنه قد صح التوقيت المذكور آنفًا لم يجز لنا إلا أن نتبنى مذهب مالك الذي يجيز المسح بدون توقيت، أما وقد صح الحديث من غير ما وجه كما سمعتم آنفًا: «وقت رسول الله ﷺ المسح على الخفين للمقيم يومًا وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها» وجب الوقوف عن هذا القيد.
أما ما سوى ذلك من القيود التي تأتي في بعض كتب الفقه على ما بينهما من اختلاف بعيد شاسع فلا يصح شيء منها مأثورًا عن النبي ﷺ ، فربما قرأتم في بعض الكتب الفقهية بجواز المسح على الخفين بشرط ألا يكونا مخروقين، فجاء عن
стр. 250
الحسن البصري أنه قال: وهل كانت جوارب الأنصار إلا مخرقة، وهذا هو الذي يتفق مع يسر الإسلام؛ لأن الإنسان إذا أراد أن يتقيد بمثل هذه الأمور لربما طلق السنة بالثلاث، فتعود الرخصة إلى عزيمة فيستغني الناس عنها بسبب القيود والشروط التي أضيفت إلى هذه الرخصة، ولا شك أن الرخصة تستلزم بطبيعة كونها رخصة أن تكون مجردًة عن كل قيد أو شرط أو وصف إلا ما جاء في الشرع، فنحن كما قال تعالى: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
وأبعد شيء عن رأي الجمهور هو المسح على النعلين؛ لأنه غير ساتر لمكان فرض غسل القدمين، ولكن ما دام أن ذلك ثبت أولًا عن النبي ﷺ ، ثم ثبت عن بعض الخلفاء الراشدين ثانيًا وأعني به إذاك عليًا ﵁، فقد ثبت عنه مسحه على النعلين، ولما أتى المسجد خلعهما وصلى بالناس إمامًا، ففهمنا من هنا أيضًا حكمًا آخر ميسر، وهو أنه خلع الممسوح لا ينقض الطهارة، بل ولا يعلقها بإعادة غسل ما كان مسح عليه أي: غسل الرجلين.
فهكذا يجب أن نقف مع النصوص سواء كانت لنا أو كانت علينا .. كان فيها يسر أو كان فيها تشديد، فالله يتعبدنا بما يشاء ولا نستعمل عقولنا أبدًا تجاه هذه النصوص سواء كانت مطلقة أو كانت مقيدة.
(فتاوى جدة (٥) /٠٠: ٢٠: ٢٩)
حكم المسح على الجزمة
مداخلة: حكم المسح على الجزمة، وهل الإنسان يصلي بها ثم إذا مسحها هل لا بد أن يمسح على الجورب أم يكتفي بالمسح الذي على الجزمة؟
الشيخ: أولًا يجب أن يكون قائمًا في البال أن المسح على كل ملبوس على القدمين يجوز بشرطه، وهو أن يكون ملبوسًا على طهارة، سواء أكان هذا الملبوس جزمة أو خفًا أو جوربًا أو نعلًا، أي شيء ملبوس على الرجل يجوز المسح عليه بالشرط المذكور آنفًا.
стр. 251
فإذا ما لبسه اللابس أي شيء كان مما ذكرنا على طهارة ثم مسح عليه، ثم خلع هذا الممسوح فيبقى وضوؤه كما هو، ولا يحتاج إلى إعادة الوضوء ولا إلى غسل الرجلين على الأقل، ثم إذا بقي مثلًا في جوربيه والمفروض كما قلنا أنه كما لبس الجزمة على طهارة كذلك يكون قد لبس الجوربين على طهارة، فإذا خلع الجزمة قلنا أن وضوءه كما كان ما دام لم ينتقض بناقض من نواقض الوضوء، فإذا بقي قد خلع الجزمة ولا يزال لابسًا للجوربين ثم انتقض وضوءه لما توضأ من جديد يمسح أيضًا على جوربيه ما دام أنه قد لبسهما على طهارة، ولكن إذا عاد إلى لبس الجزمة لا يجوز المسح عليهما؛ لأن شرط المسح قد يكون قد لبسهما على طهارة كاملة، أي: على وضوء بغسل الرجلين، فهنا وصلنا إلى أنه مسح على الجوربين ثاني مرة، ثم انتقض وضوءه فتوضأ فمسح على الجوربين ولبس الجزمة في هذه الحالة لم يلبس الجزمة وهو على طهارة كاملة؛ لأنه كان قد مسح على الجوربين، فلبس الجزمة على الجوربين فلا يجوز أن يمسح على الجزمة وإنما لا بد له فيما بعد أن يخلعهما ويمسح على الجوربين حتى تمضي مدة المسح وهي بالنسبة للمقيم يوم وليلة، وبالنسبة للمسافر ثلاثة أيام بلياليها، هذا هو جواب ما سألت.
(رحلة النور: ٣٩ أ/٠٠: ٢٠: ٤١)
رد قول من قال: إنما يجوز المسح على النعلين لمن كان على وضوء ثم أراد تجديده
عن علي: أنه دعا بكوز من ماء، ثمّ قال: أين هؤلاء الذين يزعمون أنهم يكرهون الشرب قائماً؟ قال: فأخذه فشرب وهو قائم، ثم توضأ وضوءا خفيفاً، ومسح على نعليه، ثمّ قال: هكذا وضوء رسول الله ﷺ للطاهر؛ ما لم يُحْدِثْ.
وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات.
[قال الإمام]:
واعلم أن بعض العلماء فهموا من قوله في هذه الرواية: للطاهر ما لم يحدث؛
стр. 252
أي: حدثاً أصغر، وبناءً على ذلك قالوا: «إنما يجوز المسح على النعلين لمن كان على وضوء، ثم أراد تجديده».
وليس يظهر لنا هذا المعنى؛ بل المراد ما لم يحدث حدثاً أكبر؛ أي: ما لم يُجْنِب؛ فهو بمعنى حديث صفوآن بن عسال بلفظ: «إلا من جنابة، ولكن من غائط أو بول أو نوم».
وقد سبق ذكره عند الحديث «رقم ١٤٥». والدليل على ما ذهبنا إليه أمور: الأول: أن راوي الحديث نفسه- أعتي: عليّاً رضما الله عنه- قد مسح على نعليه بعد أن بال؛ ثمّ صلّى إماماً، وهو أدرى بمعنى كلامه، وأعلم بحديثه ﵇.
فروى الطحاوي «١/ ٥٨» من طريقين عن شعبة عن سلمة بن كُهَيْل عن أبي ظَبْيَانَ: أنه رأى عليّاً بال قائماً، ثمّ دعا بماء فتوضأ، ومسح على نعليه، ثم دخل المسجد، فخلع نعليه ثمّ صلّى.
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
وأبو ظبيان هذا: هو حصين بن جندب.
وأخرجه البيهقي «١/ ٢٨٧» من طريق سفيان عن سلمة بن كهيل ... به نحوه؛ وفيه: أنه صلّى الظهر.
ثمّ أخرجه البيهقي من طريق الأعمش عن أبي ظبيان قال: رأيت علي بن أبي طالب بالرَّحْبَة بال قائماً، حتى أرغى، فأتي بكوز من ماء، فغسل يديه، واستنشق وتمضمض، وغسل وجهه، وذراعيه، ومسح برأسه، ثمّ أخذ كفاً من ماء فوضعه على رأسه، حتى رأيت الماء ينحدر على لحيته، ثمّ مسح على نعليه، ثمّ أقيمت الصلاة، فخلع نعليه؛ ثمّ تقدّم فأم الناس.
قال ابن نمير: قال الأعمش: فحدثت إبراهيم، قال: إذا رأيت أبا ظبيان فأخبرني، فرأيت أبا ظبيان قائماً في الكناسه، فقلت: هذا أبو طبيان، فأتاه فسأله عن الحديث.
стр. 253
وإسناده صحيح أيضا.
وقال عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام الكبرى» «ق ١٨/ ١»: «وقال عبد الرزاق في» مصنفه: «أخبرنا معمر عن يزيد بن أبي زياد عن أبي زياد عن أبي طبيان الحنَيْتِيِّ قال: رأيت علياً بال قائماً حتى أرغى، ثمّ توضأ ومسح على نعليه، ثمّ دخل المسجد، فخلع نعليه، ثمّ جعلهما في كمه ثم صلّى.
وقال معمر: وأخبرني زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس عن النبيّ
ﷺ ... بمثل صنيع علي هذا».
قلت: وسكت عبد الحق عليه؛ مشيراً لصحة الإسناد، كما نص عليه في مقدمة الكتاب.
الثاني: أنه ثبت المسح على النعلين مرفوعاً في غيرما حديث؛ كما صح المسح على الخفين، فهما في الحكم سواءٌ؛ والتفريق بينهما بدون دليل لا يجوز.
الثالث: أننا لا نعلم وضوءاً تصح به النافلة دون الفريضة؛ فتأمل!
صحيح سنن أبي داود (١/ ٢٩١ - ٢٩٣)
ما جاء في مسح أسفل النعلين لا يصح
عن عطاء بن يسارقال: قال لنا ابن عباس:
أتحبُون أن أُرَيكم كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ فدعا بإناء فيه ماء، فاغترف غرفة بيده اليمنى، فتمضمض واستنشق، ثمّ اخذ أخرى، فجمع بها يديه، ثم غسل وجهه، ثمّ أخذ أخرى، فغسل بها يده اليمنى، ثمّ أخذ أخرى فغسل بها يده اليسرى، ثمّ قبض قبضة من الماء، ثمّ نفض يده، ثمّ مسح رأسه وأذنيه، ثمّ قبض قبضة أخرى من الماء، فرشّ على رجله اليمنى وفيها النعل؛ ثمّ مسحها بيديه: يد فوق القدم ويد تحت النعل، ثمّ صنع باليسرى مثل ذلك.
«قلت: إسناده حسن. وقال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم»، يوافقه
стр. 254
الذهبي. لكن ذكر مسح النعلين من قوقهما ومن تحتهما شاذ في هذه الرواية.
وقد أخرجه ابن حبان في «صحيحه» بدون المسح على النعلين، وصححه ابن خزيمة، وابن منده، وري ى الترمذي منه- مسح الرأس والأذنين- وصححه أيضا، ورواه البخاري في «صحيحه» دون مسح الأذنين».
ثم إنني أرى أن ذكر المسح على النعلين- من فوقهما ومن تحتهما- لا معنى له مع رش الرجلين الذي هو كناية عن غسلهما، بل ذلك من أوهام هشام بن سعد؛ فقد تابعه على هذا الحديث جمع من الثقات، فلم يذكر أحد منهم المسح على النعلين.
لا أقول هذا إنكاراً لثبوت المسح على النعلين؛ كلأ؛ فذلك ثابت عن النّبي ﷺ ؛ لكن في غير هذا الحديث.
صحيح سنن أبي داود (١/ ٢٣٤)
стр. 255
خطأ اشتراط الثخانة للجوربين
стр. 256
خطأ نقل الإجماع على عدم جواز المسح على الجوارب الرقيقة الشفافة
[قال الإمام معلقا على نقل الكاساني في البدائع الإجماع على عدم جواز المسح على الجوارب الرقيقة الشفافة]:
إن كان أراد إجماع أئمة السلف والخلف فباطل فقد نقل الإمام النووي في شرح المذهب جواز المسح على الجوربين وإن كانا رقيقين عن أميري المؤمنين عمر وعلي ﵄ وإسحاق وداود بل نقل حكايته أيضا عن أبي يوسف ومحمد كما رأيت قبل، ثم هو مذهب الإمام ابن حزم كما سيأتي، فكيف يصح دعوى الإجماع؟ وإن كان أراد إجماع الحنفية فقد يسلم لكن حكاية النووي عن الصاحبين يدفعه أيضا فقد اتضح أن لا إجماع في الباب فاحتفظ بهذا.
[تحقيق المسح على الجوربين ص ٦٧ في الحاشية]
اشتراط الثخانة في الجوربين للمسح عليهما ليس عليه دليل
[قال الإمام]:
لم يرد شيء يدل على اعتبار اشتراط الثخانة في الجوربين لجواز المسح عليهما، بل قال النووي في «المجموع» «١/ ٥٠٠»:
«وحكى أصحابنا عن عمر وعلي ﵄ جواز المسح على الجورب وإن كان رقيقاً، وحكوه عن أبي يوسف ومحمد وإسحاق وداود».
قلت: وهو مذهب ابن حزم.
صحيح سنن أبي داود (١/ ٢٨١).
مشروعية المسح على الخف أو الجورب المخرق
وأما المسح على الخف أو الجورب المخرق فقد اختلفوا فيه اختلافا كثيرا
стр. 257
فأكثرهم يمنع منه على خلاف طويل بينهم تراه في مبسوطات الكتب الفقهية و «المحلى»، وذهب غيرهم إلى الجواز وهو الذي نختاره، وحجتنا في ذلك أن الأصل الإباحة فمن منع واشترط السلامة من الخرق أو وضع له حدا فهو مردود لقوله ﷺ : «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» متفق عليه.
وأيضا فقد صح عن الثوري أنه قال: «امسح عليهما ما تعلقت به رجلك وهل كانت خفاف المهاجرين والأنصار إلا مخرقة مشققة مرقعة».
أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» «٧٥٣» ومن طريقه البيهقي «١/ ٢٨٣».
وقال ابن حزم «٢/ ١٠٠»: «فإن كان في الخفين أو فيما لبس على الرجلين خرق صغير أو كبير طولا أو عرضا فظهر منه شيء من القدم أقل القدم أو أكثرها أو كلاهما فكل ذلك سواء والمسح على كل ذلك جائز ما دام يتعلق بالرجلين منهما شيء وهو قول سفيان الثوري وداود وأبي ثور وإسحاق بن راهويه ويزيد بن هارون».
ثم حكى أقوال العلماء المانعين منه على ما بينها من اختلاف وتعارض ثم رد عليها وبين أنها مما لا دليل عليها سوى الرأي وختم ذلك بقوله: «لكن الحق في ذلك ما جاءت به السنة المبينة للقرآن من أن حكم القدمين اللتين ليس عليهما شيء ملبوس يمسح عليه أن يغسلا وحكمهما إذا كان عليهما شيء ملبوس أن يمسح على ذلك الشيء، بهذا جاءت السنة ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّا﴾ وقد علم رسول الله ﷺ إذ أمر بالمسح على الخفين وما يلبس في الرجلين ومسح على الجوربين - أن من الخفاف والجوارب وغير ذلك مما يلبس على الرجلين المخرق خرقا فاحشا أو غير فاحش وغير المخرق والأحمر والأسود والأبيض والجديد والبالي فما خص ﵇ بعض ذلك دون بعض ولو كان حكم ذلك في الدين يختلف لما أغفله الله تعالى أن يوحى به ولا أهمله رسول الله ﷺ المفترض عليه البيان حاشا له من ذلك، فصح أن حكم ذلك المسح على كل حال والمسح لا يقتضي الاستيعاب في اللغة التي بها خوطبنا».
стр. 258
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في «اختياراته» «ص ١٣»: «ويجوز المسح على اللفائف في أحد الوجهين حكاه ابن تميم وغيره وعلى الخف المخرق ما دام اسمه باقيا والمشي فيه ممكنا وهو قديم قولي الشافعي واختيار أبي البركات وغيره من العلماء».
قلت: ونسبه الرافعي في «شرح الوجيز» «٢/ ٣٧٠» للأكثرية واحتج له بأن القول بامتناع المسح يضيق باب الرخصة فوجب أن يمسح. ولقد أصاب ﵀.
[تمام النصح في أحكام المسح ص ٨٤ - ٨٦]
جواز المسح على الشُّرَّاب المخروق
مداخلة: بالنسبة للمسح على الشراب، يمكن أن يمسح على الشراب؟
الشيخ: نعم، ممكن.
مداخلة: حتى لو كان مقطوعاً؟
الشيخ: ولو كان مقطوعاً، وماذا تعني بالمقطوع.
مداخلة: يعني، مثلاً مخروق.
الشيخ: ولو كان مخروقاً.
(الهدى والنور / ٢٢٤/ ١٤: ٠٦: ٠٠)
جواز المسح على الجوارب المخرقة والممزقة والشفافة ونحوها
مداخلة: نعم، هناك حديث آخر عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال ﷺ : « .. توضأ ومسح على الجوربين والغلين» هل هناك شروط للجوربين؟
الشيخ: يذكرون كثيراً من الشروط، ولا أصل لشيء منها في السنة، فيجوز المسح على كل جورب سواء كان مُخَرَّقاً أو كان ممزقاً، أو كان سليماً، أو شفافاً وأرق
стр. 259
من ...
مداخلة: جزاك الله خيراً.
(الهدى والنور/٣٢٢/ ١٥: ٠٦: ٠٠)
هل للمسح على الجوارب شروط ؟
مداخلة: المسح على الجورب، هل للجورب شروط؟
الشيخ: لا. إلا المدة فقط.
(الهدى والنور/٣٢٧/ ١٧: ٠٠: ٠١)
هل يجوز للنساء المسح على الجوارب الرقيقة الشفافة ؟
الملقي: بالنسبة للمسح على الجورب، النساء يلبسن كما تعلم جوارب رقيقة جداً شفافة، فهل -أيضاً- نعطيهن الرخصة في أن يمسحن على هذا الجورب الرقيق الشفاف، الذي لُبْسه حرام طبعاً، هل يجوز ذلك وهو شَفَّاف ويتسرب منه الماء؟
الشيخ: إذاً يجب أن نسأل، المسح على الجوربين الرقيقين كما قلنا، ولو كانوا بِرِقَّةِ دين اليهود، هل يجوز المسح عليهما أو لا يجوز؟ مع فصل القول أن هذه الجوارب لبستها المرأة بطريقة جائزة كما قلت، أو بطريقة غير جائزة كما قلت. آه، لا بد من التفصيل.
فنقول: أما المرأة التي لبست الجوارب الرقيقة لباساً جائزاً شرعاً، ولا شك في جواز المسح عليها، ماشي إلى هنا؟
الملقي: [لكن] الماء كله هو يصل إلى الرجل، فما فائدة المسح هنا.
الشيخ: هذا القول نسمعه كثيراً، أنا أقول جواباً عليه: لو كان الدِّين بالرأي لعكست الموضوع تماماً، ولقلت: إن الجورب الذي يُوصِل الماء إلى البشرة، المسح
стр. 260
عليه أولى من المسح على الجورب الثقيل الذي يمنع وصول الماء إلى البشرة، شو رأيك، فلسفة تقابل أخرى.
هذا شأن الفلسفات والآراء الدخيلة في الإسلام، الله يرحم الإمام مالك كان يقول: كلما جاءكم رجل أجدل من آخر، تركتم الرأي إلى رأي الآخر، الهَيْشة هذي ما بتنتهي، كلام فقيه، فالمقصود: ليس عندنا نص كما قلت في الجواب السابق، في وضع شرط في المسح على الجوربين من تخانة من متانة من شكل من لون من من ... إلى آخره.
وكما نعلم جميعاً من قوله ﵇: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، ولو كان مائة شرط»، فنقول لمن ادَّعى شرطاً من الشروط هذه المذكورة في كتب الفقه على الخلاف الذي بينها كما قلت سابقاً، نقول لهم: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١]، فإذاً هذا هو الجواب بالنسبة للمرأة التي لبست الجوارب الرقيقة الشفافة على وفق الشرع، يعني مع زوجها مع محارمها.
يبقى الجواب عما إذا لبستها عاصيةً لرَبِّها، هناك تأتي مسألة ليس لها علاقة بها، ولكن يمكن إلحاقها بها، وهي اختلف العلماء بالنسبة للمسافر سَفَر معصية هل له الرخصة المعروفة بالنسبة للمسافر أم لا؟ في المسألة قولان.
لكننا نحن نقول أنه لا فرق، ما دام هذا المسافر هو سفره سفر معصية، لكن نحن عندنا سفران، سبحان الله، لنا سفر قصير وسفر طويل يشمل حياتَنا كلها، فكما يوجد في هذا السفر الطويل كل واحد منا عاصي، لكن التفاوت في نِسْبة المعصية، فهل هذا الذي يعصي الله في سفره الطويل، لا تُشْرَع له تلك الأحكام التي جاءت في السفر القصير، من يقول هذا!
فإذاً هذا الذي يريد أن يسافر سفراً قصيراً ما دام يريد أن يصلي فهو في صلاته ليس عاصياً، لكن هو والله خرج من بلده إلى أوربا للفُرْجة، وللاطلاع على الغانيات الجميلات، ودخول البارات والسيناميات، لا شك أن هذه معصية.
لكن هو مع ذلك يطيع الله، فهو يصلي، وهو يصوم، فهل له إذا صلى أن يصلي
стр. 261
ركعتين وهو مسافر، هل له أن يجمع وهو مسافر، يقول ذلك القول، لا، هذه سفرة معصية، ما الدليل؟ لا دليل هناك سوى الرأي والاجتهاد.
نحن نقول: لو كان خيراً لسبقونا إليه، لو كان هذا التفصيل أراده الشارع الحكيم، الذي قال -مثلاً- في القرآن الكريم: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١]، ثم جاء سؤال من أحد الأصحاب: يا رسول الله، ما بالنا نقصر وقد أمِنَّا، قال: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته».
إذاً؛ فلان خرج عاصياً لله في سفره، لكنه دخل طاعة لله في صلاته، فلماذا لا يَقْبَل رخصة ربه.
إذاً؛ الصواب أنه لا فرق بين سفر طاعة وبين سفر معصية، في جواز التمتع بالرخص التي جُعِلت للسفر.
كذلك نقول: رخص رسول الله ﷺ في المسح على الخفين، والمسح على الجوربين، والمسح على النعلين، فسواءً كان الممسوح عليه حلالاً فِعْلُه أم حراماً، فهذا شيء آخر، كلامنا على المسح فهو جائز.
إذاً؛ لا فرق من حيث المسح بين طائعة وعاصية، لكن بلا شك هي عاصية، لأنها تخرج كما لو خرجت حافية، لم تلبس جورباً، فقد أبدت بشرتها، وَرَبُّنا يقول في كتابه: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، والغالب في تلك الأيام أن النساء ما كُنَّ يلبسن الجوارب، ولذلك كانت تبدوا أقدامهن في مناسبة حركة أو ريح عاصف أو ما شابه ذلك، لذلك جاء الشرع كما تعلمون بإطالة الذيل من المرأة شبراً أو شبرين، وهذا أكثر حد، حتى ما تنكشف قدمها، لأنه لم يكن هناك من عادتهم لبس الجوارب، فإذا خرجت امرأة ما هي لابسة جواربها، لكن ما هي متجلببة الجلباب الشرعي فهي عاصية، هي عاصية، لكنها إذا توضأت
стр. 262
وغسلت رجليها فهي طائعة، كذلك نقول إذا خرجت بجوربين شفافين فهي عاصية، لكنها إذا صَلَّت ومسحت فهي مطيعة.
(الهدى والنور /٥٣١/ ٠٤: ١٢: ٠٠) [مع اختصار وتصرف]
стр. 263
المسح على العمامة والقلنسوة
стр. 264
حكم المسح على القلنسوة
السؤال: يقول السائل: هل صح عن عمر بن الخطاب وأنس بن مالك وأبي موسى الأشعري مسحهم على القلنسوة كما نقله ابن قدامة، وإذا صح فهل يجوز المسح عليها؟
الجواب: لا أعلم إذا صح ذلك عنهم، ورأيي: أن السنة أثبتت المسح على العمامة، أما المسح على القلنسوة فليس فيها نص عن الرسول ﵇ من جهة، ومن جهة أخرى: ليس هناك حرج في أن يمسح الإنسان هكذا، ويزيل العمامة من رأسه، لكن إن وضع هذه العمامة فربما يكون فيها شيء من الحرج، ويجوز أنه يمسح عليها، أولاً: اتباعاً للرسول ﵇ وثانياً: ملاحظة لهذا التعليل، أما القلنسوة فلا سنة فيها، ولا تعليل راجح، هذا رأيي.
(الهدى والنور / ١٩٠/ ٤٤: ٥٥: ٠٠)
القلنسوة هل لها حكم العمامة في المسح ؟
السؤال: القلنسوة هل لها حكم العمامة في المسح؟
الجواب: في المسح؟
السؤال: نعم.
الجواب: نعم، لا شك إذا كانت القَلَنْسُوة فيها شيء مما يَتَحَرّج صاحبها من المسح تحتها، فحينئذٍ حكمها حكم العمامة، أما إذا كانت كهذه، فمن السهل أن يعمل هكذا وانتهى الأمر.
(الهدى والنور /٢٠٩/ ١٧: ١٠: ٠٠)
стр. 265
المسح على الجبيرة
стр. 266
حكم المسح على الجبيرة
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:
ومن المسح على الجبيرة ونحوها.
قوله: «يشرع المسح على الجبيرة ونحوها مما يربط به العضو المريض لأحاديث وردت في ذلك وهي وإن كانت ضعيفة إلا أن لها طرقا يشد بعضها بعضا تجعلها صالحة للاستدلال بها على المشروعية من هذه الأحاديث حديث جابر أن رجلا أصابه حجر فشجه في رأسه ... ».
قلت: تبع المؤلف في تقوية الحديث الصنعاني والشوكاني وغيرهما وهو ذهول منهم جميعا عن القاعدة التي أوردتها في «المقدمة: القاعدة ١٠» والتي خلاصتها أن الحديث لا يقوى بكثرة الطرق إذا كان الضعف فيها شديداً وهذه الأحاديث من هذا القبيل وهي أربعة ولا بأس من أن نبين عللها بشيء من الاختصار:
الأول: حديث جابر المذكور في الكتاب وموضع الشاهد منه قوله: «ويعصب أو يعصر على جرحه ... » وقد بينا فيما تقدم أن هذه الجملة منكرة فأغنى عن الإعادة.
الثاني: عن علي قال: انكسرت إحدى زندي فسألت رسول الله ﷺ فأمرني أن أمسح على الجبائر. قال الحافظ ابن حجر في «بلوغ المرام»:
«رواه ابن ماجه بسند واه جداً». وقال شارحه الصنعاني:
«والحديث أنكره يحيى بن معين وأحمد وغيرهما قالوا: وذلك أنه من رواية عمرو بن خالد الواسطي وهو كذاب ورواه الدارقطني والبيهقي من طريقين أوهى منه قال النووي: اتفق الحفاظ على ضعف هذا الحديث: وقال الشافعي: لو عرفت إسناده بالصحة لقلت به وهذا مما أستخير الله فيه».
وقال ابن أبي حاتم في «العلل» عن أبيه:
стр. 267
«هذا حديث باطل لا أصل له».
الثالث: عن أبي أمامة رواه الطبراني في «المعجم الكبير ٨/ ١٥٤ / ٧٥٩٧» بإسناده وقد ساقه في «نصب الراية ١/ ١٨٦» وفيه اسحاق بن داود الصواف شيخ الطبراني ولم أجد له ترجمة وحفص بن عمر - وهو العدني - قال النسائي: «ليس ثقة».
الرابع: عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان يمسح على الجبائر.
أخرجه الدارقطني وقال:
«أبو عمارة يعني محمد بن أحمد بن المهدي أحد رواته ضعيف جدا ولا يصح هذا الحديث مرفوعاً».
وقد رواه البيهقي ١/ ٢٢٨ عن ابن عمر موقوفا عليه بسند صحيح ثم قال:
«هو عن ابن عمر صحيح».
وقال البيهقي بعد أن ساق الحديث الثاني من طريق الأول وأشار إلى طرقه الأخرى وضعفها كلها:
«ولا يثبت في هذا الباب شيء وأصح ما روي فيه حديث عطاء بن أبي رباح الذي تقدم - يعني حديث جابر - وليس بالقوي وإنما فيه قول الفقهاء من التابعين فمن بعدهم مع ما روينا عن ابن عمر في المسح على العصابة».
قلت: فأنت ترى البيهقي قد اعتمد في الباب على أقوال الفقهاء وأثر ابن عمر المشار إليه آنفا فلو كان الحديث قويا بهذه الطرق لاحتج البيهقي بذلك لأنه من القائلين بتقوية الحديث بكثرة الطرق ولكنه لم يفعل مع احتياجه للحديث وذلك لشدة ضعف طرقه كما بينا.
ولذلك ذهب ابن حزم إلى أنه لا يشرع المسح على الجبيرة قال ٢/ ٧٤ - ٧٥:
«برهان ذلك قول الله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وقول رسول
стр. 268
الله ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» فسقط بالقرآن والسنة كل ما عجز عنه المرء وكان التعويض منه شرعا والشرع لا يلزم إلا بقرآن أو سنة ولم يأت قرآن ولا سنة بتعويض المسح على الجبائر والدواء من غسل ما لا يقدر على غسله فسقط القول بذلك».
ثم ذكر عن الشعبي ما يوافق قوله ومثله عن داود وأصحابه وهو الحق إن شاء الله.
وأجاب عن أثر ابن عمر المتقدم بأنه فعل منه ﵁ وليس إيجابا للمسح عليها وقد صح عنه أنه كان يدخل الماء في باطن عينيه في الوضوء والغسل ولا يشرع ذلك فضلا عن أن يكون فرضا!
[تمام المنة ص (١٣٣)]
стр. 269
اشتراط لبس الممسوح على طهارة
стр. 270
تفسير كلمة «طاهرتين» الواردة في حديث المسح على الخفين
مداخلة: ما هو المقصود بقول الرسول ﷺ في المسح على الخفين: «أدخلتهما طاهرتين»؟ فقد سمعنا من بعض الإخوة السلفيين يُعَلِّقون .. هم عَلَّقوا على فقههم لهذا الحديث من باب التوضيح «أدخلتهما طاهرتين» هل يعني توضأ غسل الأولى ثم لبس الحذاء ثم غسل الثانية ولبس الحذاء؟
الشيخ: المقصود «طاهرتين» ليس لغةً وإنما شرعاً، «طاهرتين» ممكن تفسيرهما يعني: غير نجستين، ويمكن تفسيرهما -وهذا الواجب- بأن طاهرتين يعني: موضأتين، وحينما يكون الرجل قد غسل قدمه اليمنى فما يقال: «توضأ» لأن وضوءه لا يتم إلا بغسل الرِّجل اليسرى «فأدخلتهما طاهرتين» يعني: بطهارة كاملة .. بوضوء كامل؛ فالذين يفسِّرون خلاف هذا التفسير يفسرون باللغة فقط، وعندنا كما لا يخفى على الجميع لغتان: لغة عرفية عربية، ولغة شرعية، والأصل في تفسير العبارات الشرعية هو اللغة الشرعية، وليس اللغة العرفية.
(الهدى والنور / ١٠/ ٤.: ٥٧: .. )
هل يشترط طهارة القدم عند إدخالها في الخف الممسوح عليه ؟
السائل: هل يشترط طهارة القدم عند إدخالها في الخف الممسوح عليه؟
الشيخ الألباني: أحسنت، ذكّرني الأخ أبو معاذ جزاه الله خيراً بأن هناك شرطاً آخر ألا وهو ما جاء في صحيح البخاري ومسلم من حديث المغيرة بن شعبة ﵁ أن النبي ﷺ كان في سفر فلما حضرت صلاة الفجر خرج ﵇ لقضاء الحاجة وكان من أدبه ﵇ أنه إذا خرج لقضاء الحاجة أبعد ثم جاء يتوضأ فصب المغيرة بن شعبة وضوءه عليه ﷺ فلما جاء إلى المسح على الخفين هَمَّ المغيرة بن شعبة بأن يخلعهما ليصب الماء على قدميه ﷺ فقال ﷺ : «دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين».
стр. 271
فمن هنا أخذ العلماء أنه يجب على الذي يريد أن يمسح على الخفين وما شابههما مما ذكرت آنفاً أن يلبسهما على طهارة كاملة ومعنى على طهارة كاملة أي على الوضوء أي بعد أن غسل القدمين آخر الوضوء فحينذاك يجوز له أن يمسح كما قلنا أربعاً وعشرين ساعة ولا ينقض المسح على الممسوح ولو مضت مدة المسح ما دام أنه لا يزال محتفظاً بوضوئه وهذه ناحية مفيدة.
إذا تصورنا الصورة التالية:
رجل مسح على الخفين مع أذان الفجر فله أن يستمر يصلي إلى مثل ذلك الوقت مسحاً على الخفين مسحاً على الخفين فإذا جاء قبيل الفجر الثاني مَسَحَ انتهت مدة المسح بمجرد دخول وقت الفجر لكن وضوءه لم ينتقض بناقض من نواقض الوضوء بعد المسحة الأخيرة فيستطيع أن يصلي ما دام وضوؤه سالماً من النقض فيستطيع إذا فرضنا أنه يمسك نفسه من النواقض يستطيع أن يصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء بهذا الوضوء الذي صلى فيه صلاة الفجر وإن كان مضت مدة المسح لأن مدة المسح إنما تعني أنه لا يجوز له أن يجدد المسح، ولا تعني انقضاء مدة المسح أن هذا الانقضاء هو من نواقض الوضوء، لا.
فإذا استمر وضوؤه سليماً صحيحاً فيستطيع أن يصلي بذلك الوضوء ما دام وضوؤه سليماً.
هذا ما أحببت أيضاً أن أذكر به بهذه المناسبة.
(فتاوى جدة-موقع أهل الحديث والأثر- ٢٠)
стр. 272
مدة المسح
стр. 273
متى تبدأ مدة المسح ؟
للعلماء في هذه المسألة قولان معروفان:
الأول: أنها تبدأ من الحدث بعد اللبس.
والآخر: من المسح بعد الحدث.
وقد ذهب إلى الأول أبو حنيفة والشافعي وأحمد وأصحابهم ولا نعلم لهم دليلا يستحق الذكر إلا مجرد الرأي ولذلك خالفهم بعض أصحابهم كما يأتي ولا علمت لهم سلفا من الصحابة بخلاف القول الثاني فإمامهم الأحاديث الصحيحة وفتوى عمر بن الخطاب ﵁.
أما السنة فالأحاديث الصحيحة التي رواها جمع من الصحابة في صحيح مسلم والسنن الأربعة والمسانيد وغيرها ففيها أن النبي ﷺ أمر بالمسح وفي بعضها رخص في المسح وفي غيرها: جعل المسح للمقيم يوما وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن ومن الواضح جدا أن الحديث كالنص على ابتداء مدة المسح من مباشرة المسح، وهو كالنص أيضا على رد القول الأول لأن مقتضاه كما نصوا عليه في الفروع أن من صلى الفجر قبيل طلوع الشمس ثم أحدث عند الفجر من اليوم الثاني فتوضأ ومسح لأول مرة لصلاة الفجر فليس له المسح بعدها فهل يصدق على مثل هذا أنه مسح يوما وليلة؟ أما على القول الثاني الراجح فله أن يمسح إلى قبيل الفجر من اليوم الثالث بل لقد قالوا أغرب مما ذكرنا: فلو أحدث ولم يمسح حتى مضى من بعد الحدث يوم وليلة أو ثلاثة أيام إن كان مسافرا انقضت المدة ولم يجز المسح بعد ذلك حتى يستأنف لبسا على طهارة (١).
فحرموه من الانتفاع بهذه الرخصة. بناء على هذا الرأي المخالف للسنة ولذلك لم يسع الإمام النووي إلا أن يخالف مذهبه - وهو الحريص على أن لا يخالفه ما وجد
стр. 274
إلى ذلك سبيلا - لقوة الدليل فقال رحمه الله تعالى بعد أن حكى القول الأول ومن قال به «١/ ٤٨٧»:
«وقال الأوزاعي وأبو ثور: ابتداء المدة من حين يمسح بعد الحدث وهو رواية عن أحمد وداود وهو المختار الراجح دليلا واختاره ابن المنذر وحكى نحوه عن عمر بن الخطاب ﵁ وحكى الماوردي والشاشي عن الحسن البصري أن ابتدائها من اللبس واحتج القائلون من حين المسح بقوله ﷺ : «يمسح المسافر ثلاثة أيام»، وهي أحاديث صحاح كما سبق وهذا تصريح بأنه يمسح ثلاثة ولا يكون ذلك إلا إذا كانت المدة من المسح، ولأن الشافعي ﵁ قال: إذا أحدث في الحضر ومسح في السفر أتم مسح مسافر فعلق الحكم بالمسح. واحتج أصحابنا برواية رواها الحافظ القاسم بن زكريا المطرزي في حديث صفوان: «من الحدث إلى الحدث» وهي زيادة غريبة ليست ثابتة وبالقياس. . .»
قلت: إن القياس المشار إليه لو كان مسلما بصحته في نفسه فشرط قبوله والاحتجاج به إنما هو إذا لم يخالف السنة أما وهو مخالف لها كما رأيت فلا يجوز الالتفات إليه ولذلك قيل: إذا ورد الأثر بطل النظر. وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. فيكف وهو مخالف أيضا لقول الخليفة الراشد عمر بن الخطاب وعهدي بالمقلدين أن يدعوا الأخذ بالسنة الصحيحة حين تخالف قوله ﵁ كما فعلوا في الطلاق الثلاث فكيف لا يأخذون به حين وافق السنة؟ فقد روى عبد الرزاق في «المصنف» «١/ ٢٠٩ / ٨٠٧» عن أبي عثمان النهدي قال:
«صحيح الإسناد» «حضرت سعدا وابن عمر يختصمان إلى عمر في المسح على الخفين فقال عمر: يمسح عليهما مثل ساعته من يومه وليلته»
قلت: وإسناده صحيح على شرط الشيخين وهو صريح في أن المسح يبتدئ من ساعة إجرائه على الخف إلى مثلها من اليوم والليلة وهو ظاهر كل الآثار المروية عن الصحابة في مدة المسح فيما علمنا مما أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة في «المصنف» وعلى سبيل المثال أذكر ما رواه ابن أبي شيبة «١/ ١٨٠» عن عمرو بن
стр. 275
الحارث قال:
«خرجت مع عبد الله إلى المدائن فمسح على الخفين ثلاثا لا ينزعهما». وإسناده صحيح على شرط الشيخين
فقد اتفقت الآثار السلفية مع السنة المحمدية على ما ذكرنا فتمسك بها تكن بإذن الله مهديا.
[تمام النصح في أحكام المسح ص ٨٩ - ٩٢]
مدة المسح تبدأ من أول مباشرة المسح
عن شريح بن هانئ، قال سألت علي بن أبي طالب ﵁ عن المسح على الخفين، فقال: جعل رسول الله ﷺ ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم. رواه مسلم.
قال الألباني: ظاهر هذا الحديث وما في معناه من أحاديث التوقيت أن مدة المسح تبدأ من أول مباشرة المسح، لا من وقت الحدث بعد المسح، ولهذا رجح النووي القول به وإن كان خلاف مذهبه، وهذا الذي لا يجوز خلافه، لأن الأقوال الأخرى مع أنه لا دليل عليها إلا الرأي والاجتهاد، فإنها معارضة لهذه الأحاديث، فتمسك بها تكن من المفلحين.
(التعليق على مشكاة المصابيح ١/ ١٦٠)
مدة المسح تبتدئ من حين يمسح بعد الحدث
عن خزيمة بن ثابت عن النّبي ﷺ قال:
«المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام، وللمقيم يوم وليلة». «حديث صحيح».
[قال الإمام]:
стр. 276
«فائدة»: ظاهر حديث الباب- ومثله الأحاديث الأخرى-: أن مدة المسح تبتدئ من حين يمسح بعد الحدث. وبه قال الأوزاعي وأبو ثور. قال النووي في «المجموع ١/ ٤٨٧»:
«وهو رواية عن أحمد وداود وهو المختار الراجح دليلاً. واختاره ابن المنذر؛ وحكى نحوه عن عمر بن الخطاب ﵁».
صحيح سنن أبي داود (١/ ٢٧١)
إذا بدأت مدة المسح وهو مقيم ثم انتهى نصفها وسافر
السؤال: المسح على الخفين إذا بدأت مدة المسح وهو مقيم، ثم انتهى نصفها وسافر فهل يأخذ النصف الآخر للمسافر؟
الجواب: كيف يعني؟ انتهت مدة المسح وهو مقيم، والا بعد؟
السؤال: هو بدأ مدة المسح ابتدأه.
الجواب: وهو مقيم؟
السؤال: وهو مقيم.
الجواب: طيب.
السؤال: ثم انتهى نصفها وسافر.
الجواب: نعم، يُتَمِّم مدة المسح للإقامة، ثم يستأنف مرةً أخرى للسفر.
السؤال: طيب، إذا سافر يا شيخ فنقول إذاً: إذا انتهى يوم وليلة بالنسبة للمقيم فهو قد انتهى، فيبدأ تجديد المسح لأنه على سفر.
الجواب: نعم.
السؤال: ولا يقيس.
стр. 277
الجواب: ولا ماذا؟
السؤال: ولا يقيس إذاً: لا يقول -مثلاً- إنني آخذ لي يوم ونصف الآن، بما أنني انتهيت من نصف مدة المقيم، فآخذ نصف مدة المسافر، لا يفعل هذا إذاً؟
الجواب: لا .. لا، إذا انتهت مدة المسح، وقد كان مقيماً، انتهت وهو مسافر فهي مدة الإقامة، ثم يجدد وضوءه بالغُسْل للقدمين، ويلبس الخفين، فتُجَدّد له إقامة المسافر، أو مسح المسافر.
(الهدى والنور /٢٠٩/ ٣٢: ٠١: ٠٠)
حكم تعدي المدة المحددة في المسح
الملقي: الرسول ﵊ حدد يوماً وليلة، أو ثلاثة أيام بلياليهن للمسافر، لو تعدى المقيم هذا اليوم ومسح، ويعني وزاد عليه، هل يجوز ذلك؟
الشيخ: لا، ما يجوز، شو فائدة التحديد، إذا قلنا بالجواز شو فائدة التحديد.
(الهدى والنور/٦٧٨/ ٢٠: ٤٥: ٠٠)
التوقيت للمسح على الخفين
الملقي: ما معنى قوله ﷺ : «وقَّت لنا المسح»، هل ابتداء المسح، يعني مسحت الظهر، توضأت الصبح ومسحت الظهر، أمسح يوم وليلة، وانتقض وضوئي المغرب -مثلاً- هل تعتبر هذه مسحة مسحتان كم مسحة؟ كيف أعمل يعني.
الشيخ: أنت خلطت هلا سؤال سؤال، متى يبدأ المسح؟
الملقي: طيب، متى يبدأ المسح؟ ماشي.
الشيخ: مو هيك؟ خلينا نضرب مثال، مع أذان الفجر مسح، بيتم يمسح لقبيل أذان الفجر بلحظة، طيب مسح المسحة قُبَيل أذان الفجر، بيصلي بهذا الوضوء ما
стр. 278
شاء من الصلوات، حتى ينتقض، ماشي.
الملقي: نعم، واضح.
(الهدى والنور/٦٧٨/ ٥٠: ٤٨: ٠٠)
التوقيت في المسح
السؤال: توضأت للعشاء كالعادة في صلاة العشاء، نزلت في الجورب يعني غسلت رجلي ونمت إلى ثاني يوم، في المغرب، توضأت المغرب وبقيت على وضوء إلى العشاء، وصليت العشاء بوضوء المغرب، هل هذا جائز، والا يَبْطُل المسح بعد الخمس صلوات؟
الشيخ: الجواب: المسح يبطل بعدما يمضي على مباشرتك المسحَ يومٌ وليلةٌ، فإذا كان ما مضى فتمسح، والصورة التي ذكرتها حسب ما أنا فهمت منك أنه ما مضى عليك أربعة وعشرون ساعة مدة المسح.
(الهدى والنور / ٢٠٥/ ٥٣: ٠٠: ٠٠)
هل صح توقيت للمسح
مداخلة: هل صح التوقيت في المسح؟
الشيخ: طبعًا صح في مسلم وفي غيره.
مداخلة: عدم التوقيت.
الشيخ: لا لا، أقول: صح التوقيت، جاء في صحيح مسلم: أن سائلًا سأل عائشة ﵂ عن المسح على الخفين، فقال له: اذهب إلى علي وسله، فذهبا إليه ﵄، فقال: وقت لنا رسول الله ﷺ المسح على الخفين للمقيم يومًا وليلة، وللمسافر، ثلاثة أيام بلياليها، وهذا التوقيت له شواهد وطرق كثيرة، فلا شك ولا ريب في وجوب التزام ذلك، وفك هذا القيد وجعله مطلقًا يشبه تمامًا
стр. 279
تقييد ما أطلق في الشرع، وكل من الأمرين لا يجوز .. لا يجوز تقييد ما أطلق، ولا يجوز إطلاق ما قيد، وكل منهما منكر من الأمر، فبعد أن صح التوقيت لا يجوز عدم التوقيت.
(فتاوى جدة (٥) /٠٠: ١٨: ٥٢)
جواز المسح على الخفين في السفر أكثر من ثلاثة أيام للضرورة
عن عقبة بن عامر الجهني قال: خرجت من الشام إلى المدينة يوم الجمعة، فدخلت على عمر بن الخطاب، فقال: متى أولجت خفيك في رجليك؟ قلت: يوم الجمعة، قال: فهل نزعتهما؟ قلت: لا، قال: «أصبت السنة».
[قال الإمام في وجه الجمع بين هذا الحديث وأحاديث التوقيت بثلاثة أيام لمسح الخف في السفر]:
فأجاب عنه البيهقي عقبه بقوله: «وقد روينا عن عمر بن الخطاب ﵁ التوقيت، فإما أن يكون رجع إليه حين جاءه الثبت عن النبي ﷺ في التوقيت، وإما أن يكون قوله الذي يوافق السنة المشهورة أولى». ونقله النووي في «المجموع ١/ ٤٨٥» وارتضاه.
فلو أنهما وجدا مجالا لتضعيفه لاستغنيا بذلك عن التوفيق بينه وبين أحاديث التوقيت بما ذكراه. على أنه يمكن التوفيق بوجه آخر، وهو أن يحمل حديث عمر على الضرورة وتعذر خلعه بسبب الرفقة أو غيره، وإليه ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في بحث طويل له في المسح على الخفين. وهل يشترط أن يكونا غير مخرقين؟ فقال «٢١/ ١٧٧»: «فأحاديث التوقيت فيها الأمر بالمسح يوما وليلة، وثلاثة ولياليهن، وليس فيها النهي عن الزيادة إلا بطريق المفهوم، والمفهوم لا عموم له، فإذا كان يخلع بعد الوقت عند إمكان ذلك عمل بهذه الأحاديث، وعلى هذا يحمل حديث عقبة بن عامر لما خرج من دمشق إلى المدينة يبشر الناس بفتح دمشق، ومسح أسبوعا بلا خلع، فقال له عمر: أصبت السنة. وهو حديث
стр. 280
صحيح».
وعمل به شيخ الإسلام في بعض أسفاره، فقال «٢١/ ٢١٥»: «لما ذهبت على البريد، وجد بنا السير، وقد انقضت مدة المسح فلم يمكن النزع والوضوء إلا بالانقطاع عن الرفقة، أو حبسهم على وجه يتضررون بالوقوف، فغلب على ظني عدم التوقيت عند الحاجة كما قلنا في الجبيرة، ونزلت حديث عمر وقوله لعقبة بن عامر: «أصبت السنة» على هذا توفيقا بين الآثار، ثم رأيته مصرحا به في «مغازي ابن عائذ» أنه كان قد ذهب على البريد - كما ذهبت - لما فتحت دمشق ... فحمدت الله على الموافقة، «قال»: وهي مسألة نافعة جدا».
قلت: ولقد صدق ﵀، وهي من نوادر فقهه جزاه الله عنا خير الجزاء، وقد نقل الشيخ علاء الدين المرادي في كتابه «الإنصاف ١/ ١٧٦» عن شيخ الإسلام أنه قال في «الاختيارات»: «لا تتوقف مدة المسح في المسافر الذي يشق «عليه» اشتغاله بالخلع واللبس، كالبريد المجهز في مصلحة المسلمين». وأقره. وهو في «الاختيارات ص ١٥» المفردة.
السلسلة الصحيحة (٦/ ٢٤٣ - ٢٤٤).
كيفية الجمع بين أحاديث التوقيت في المسح
مداخلة: المسح على الخفين بالنسبة للتوقيت وعدم التوقيت، كيف يتم الجمع فيها، كحديث صفوان وعلي وخزيمة في التوقيت، مع حديث عقبة بن عامر في قول عمر له: أصبت السنة.
الشيخ: لا اختلاف بين أحاديث التوقيت وبين حديث عمر حينما قال لعقبة: أصبت السنة؛ ذلك لأن عقبة كان بريدًا، وكان مرسلًا إلى عمر بن الخطاب في مهمة، فهو اجتهد ولم يتسع له الوقت للتوقيت المذكور في الأحاديث الصحيحة: أن المسافر يمسح ثلاثة أيام بلياليها، فالأصل في التوقيت هو هذا الحديث حديث على وغيره: أنه للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليها.
стр. 281
أما قصة عقبة فهي ليس لها دلالة عامة وإنما قول عمر: أصبت السنة في مثل تلك الحالة التي كان فيها عقبة، جالة الشخص المستعجل لقضاء مصلحة إسلامية هامة ليصل بأقرب وقت ممكن إلى الخليفة المسلم، فعلى هذا لا تعارض بين الأحاديث الموقتة، وبخاصة أنها أحاديث مرفوعة وبين قول عمر: أصبت السنة؛ لأنه يقول ذلك في وضع خاص، فلا تعارض بين الخاص والعام كما هو معروف دائمًا.
(فتاوى جدة (٢٦ ب) /٠٠: ٥٣: ٠٨)
انقضاء المدة ونزع الخف لا ينقضان وضوء الماسح
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق]:
قوله: «يبطل المسح على الخفين:
١. انقضاء المدة.
٢. الجنابة.
٣. نزع الخف».
قلت: الأمر الثاني دليله حديث صفوان - بن عسال المتقدم في الكتاب في بحث نواقض الوضوء / النوم المستغرق.
وأما الأمر الأول والثالث فلا دليل عليهما البتة ولذلك قال شيخ الإسلام في «الاختيارات ص ٩»:
«لا ينقض وضوء الماسح على الخف والعمامة بنزعهما ولا بانقضاء المدة ولا يجب عليه مسح رأسه ولا شمل قدميه وهو مذهب الحسن البصري كإزالة الشعر الممسوح على الصحيح من مذهب أحمد وقول الجمهور».
قلت: وما ذكره عن الحسن البصري علقه البخاري عنه في «صحيحه ١/ ٢٢٥» فقال:
стр. 282
«وقال الحسن: إن أخذ من شعره وأظفاره أو خلع خفيه فلا وضوء عليه».
قال الحافظ:
«التعليق عنه للمسألة الأولى وصله سعيد بن منصور وابن المنذر بإسناد صحيح وأما التعليق عنه للمسألة الثانية فوصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح ووافقه على ذلك إبراهيم النخعي وطاوس وقتادة وعطاء وبه كان يفتي سليمان بن حرب وداود».
قلت: وهذا مذهب علي بن أبي طالب أيضا فقد أخرج البيهقي ١/ ٢٨٨ والطحاوي في «شرح المعاني ١/ ٥٨» عن أبي ظبيان أنه رأى عليا ﵁ بال قائما ثم دعا بماء فتوضأ ومسح على نعليه ثم دخل المسجد فخلع نعليه ثم صلى زاد البيهقي: «فأم الناس». وإسنادهما صحيح على شرط الشيخين.
وفيه دليل على جواز المسح على النعلين وقد صح ذلك عن النبي ﷺ في أحاديث سبقت الإشارة إليها.
[تمام المنة ص (١١٤)]
стр. 283
انتهاء مدة المسح أو خلع الممسوح هل ينقضان الوضوء ؟
стр. 284
خلع الممسوح عليه هل ينقض الوضوء ؟
اختلف العلماء أيضا فيمن خلع الخف ونحوه بعد أن توضأ ومسح عليه على ثلاثة أقوال:
الأول: أن وضوءه صحيح ولا شيء عليه.
الثاني: أن عليه غسل رجليه فقط.
الثالث: أن عليه إعادة الوضوء.
وبكل من هذه الأقوال قد قال به طائفة من السلف وقد أخرج الآثار عنهم بذلك عبد الرزاق في «المصنف ١/ ٢١٠ / ٨٠٩ - ٨١٣» وابن أبي شيبة ١/ ١٨٧ - ١٨٨» والبيهقي ١/ ٢٨٩ - ٢٩٠».
ولا شك أن القول الأول هو الأرجح لأنه المناسب لكون المسح رخصة وتيسيرا من الله والقول بغيره ينافي ذلك كما قال الرافعي في المسألة التي قبلها كما تقدم ويترجح على القولين الآخرين بمرجح آخر بل مرجحين:
الأول: أنه موافق لعمل الخليفة الراشد علي بن أبي طالب فقد قدمنا بالسند الصحيح عنه ﵁ أنه أحدث ثم توضأ ومسح على نعليه ثم خلعهما ثم صلى.
والآخر: موافقته للنظر الصحيح فإنه لو مسح على رأسه ثم حلق لم يجب عليه أن يعيد المسح بله الوضوء وهو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية فقال في «اختياراته ص ١٥»:
«ولا ينتقض وضوء الماسح على الخف والعمامة بنزعهما ولا بانقضاء المدة ولا يجب عليه مسح رأسه ولا غسل قدميه وهو مذهب الحسن البصري. كإزالة الشعر الممسوح على الصحيح من مذهب أحمد وقول الجمهور»
وهو مذهب ابن حزم أيضا فراجع كلامه في ذلك ومناقشته لمن خالف. فإنه
стр. 285
نفيس. «المحلى ٢/ ١٠٥ - ١٠٩»:
وأما ما رواه ابن أبي شيبة «١/ ١٨٧» والبيهقي «١/ ٢٨٩» عن رجل من أصحاب النبي ﷺ في الرجل يمسح على خفيه ثم يبدوا له أن ينزع خفيه قال: يغسل قدميه. ففيه يزيد بن عبد الرحمن الدالاني قال الحافظ: صدوق يخطئ كثيرا وكان يدلس
وروى البيهقي عن أبي بكرة نحوه.
ورجاله ثقات غير علي بن محمد القرشي فلم أعرفه.
ثم روى عن المغيرة بن شعبة مرفوعا: «المسح على الخفين ثلاثة أيام ولياليها للمسافر ويوما وليلة للمقيم ما لم يخلع».
وقال: «تفرد به عمر بن رديح وليس بالقوي».
قلت: هذه الزيادة «ما لم يخلع» منكرة لتفرد هذا الضعيف وعدم وجود الشاهد لها.
[تمام النصح في أحكام المسح ص ٨٦ - ٨٨]
نزع الخفين بعد المسح لا ينقض الوضوء
[قال الإمام]:
قد صح عن علي ﵁: أنه مسح على نعليه، ثمّ خلعهما، ثم صلّى.
كما سيأتي في الكلام على الحديث «رقم ١٥٦».
وهذا يؤيد قول من قال: إنْ نَرع الخفين بعد المسح عليهما لا يضره، ولا يلزمه إعادة وضوء، ولا غسل رجليه، بل هو طاهر كما كان، ويصلي كذلك.
وبه قال الحسن وابن أبي ليلى وجماعة؛ كما في «الفتح ١/ ٢٤٨». وإليه ذهب ابن حزم «٢/ ١٠٥». وقال: