← Фикх общий

Фикх общий · id 145204

جامع تراث العلامة الألباني في الفقه

ناصر الدين الألباني

Полный текст (8 195 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

السؤال: ما أتذكره من كلامهم لعل أبا أيوب لم يبلغه حديث ابن عمر ﵁ في إناخة راحلته، في حديث مروان الأصفر، ولعله لم يبلغه حديث ابن عمر لما رقى على بيت حفصة فوجده، وكثير من الصحابة ﵃ غابت عنهم سنة رسول الله ﷺ ، حتى أبو بكر وعمر قد غابت عنهما سنة رسول الله ﷺ . الشيخ: يعني حقيقة لا نقاش فيها أنه كما قال الإمام الشافعي: قد تخفى سنة من سنن رسول الله ﷺ على الناس، لكن المسألة الآن ما دام أحلتنا إلى فعل عمر وإلى كثير من الصحابة، هل المسالة خلافية أم اتفاقية؟ السؤال: المسألة خلافية بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم. الشيخ: إذاً: ما يفيدنا أن تُحِيلَنا إلى فعل بعض الأصحاب لأنك ستعارض بأصحاب آخرين. إذاً: نحن ينبغي أن نُحكِّم الآن الآية التي سبق أن ذكرناها في مقدمة هذا المجلس، ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، كون مسألة لبس المرأه وخروج الدم لكل قول قائل من السلف، فالآن ذكرت أثر ابن عمر هو موقوف والا مرفوع؟ السؤال: هذا اثر .. الشيخ: خير الكلام ما قل ودل، من شان تريح حالك. السؤال: هو موقوف ولكن فيه قرينة تدل على أنه لا يقال من قِبَل الرأي. الشيخ: وهو. السؤال: حين أناخ عمر الراحلة فقال: إن بيني وبينها .. ، فهذا يدل على فهم عمر. الشيخ: هذا فهمه أنا ما أناقش فيه هذا، لكن ما القرينة أنه في حكم المرفوع. السؤال: هكذا قال الإمام النووي -رحمة الله تعالى-: إن هذا القول من عمر

стр. 2207

قرينة على انه ما يقال من قبل الرأي. الشيخ: أنا ما أظنك نووياً، ولماذا تحتج عليّ بالنووي -رحمة الله- المهم هذا موقوف، لنعد إلى الحديث المرفوع، ما هو عن ابن عمر الذي أشرت إليه؟ السؤال: رقيت على سطح حفصة فوجدت رسول الله ﷺ على حاجته «مستدبر الكعبة مستقبل بيت المقدس». الشيخ: ترى هل تظن بأن هذه الحادثة وقعت من ابن عمر قصداً، أم دون قصد؟ السؤال: دون قصد، بالاتفاق. الشيخ: طيب، على أنه ما صعد وما اتفق له، ماذا يبقى حديث أبي أيوب؟ السؤال: يبقى على عمومه ... الشيخ: يبقى على عمومه، وهو حينما اكتشف الرسول مستقبلاً أو مستدبراً، هل يعلم لماذا؟ السؤال: لا. الشيخ: أنت تعلم لماذا؟ السؤال: لا. الشيخ: إذاً: رجعنا إلى القول هذا شيء. الآن ينتقل البحث منها إلى مسألة قد تظهر بادئ الرأي أنها مما لا صلة لها بما نحن فيه، ايش رأيك فيمن يبصق تجاه القبلة، يجوز؟ السؤال: لا يجوز شرعاً. الشيخ: جزاك الله خيراً، البصق شر تجاه القبلة، أم البول والغائط؟ السؤال: البول والغائط. الشيخ: فلماذا نعكس نحن منطق الإسلام الصحيح ونقول البول والغائط جائز بسبب البنيان، والبصق الذي هو طاهر وليس كالبول والغائط، نقول لا يجوز، هذا

стр. 2208

منطق متنافر تماماً، ونحن نعلم من كلام أهل العلم: أن الإسلام لا يفرِّق بين المتماثلات ولا يجمع بين المتفرقات. الآن هنا القياس الأولوي لو كان هناك نص في نهي الرسول ﵇ أو في إذن الرسول ﵇ في البول في البنيان أو التغوط، لقلنا القياس أن البصق يجوز من باب أولى. لكن هنا القضية معكوسة تماماً، البصق لا يجوز والبول والغائط يجوز، هذا يحتاج إلى عقل من نوعية أخرى ليتقبل الإنسان مثل هذا التناقض، ثم ما الحكمة من إباحة الاستقبال في البنيان، مع أنه لا فرق من حيث احترام الجهة التي نستقبلها في صلاتنا، بين الصحراء والبنيان، فحينما نحن نصلي في المساجد أو في البيوت ألسنا نستقبل الكعبة احتراماً لها لأننا أمرنا بالتوجه إليها، فكما أن هذا الاحترام لا يزال قائماً وشرطاً من شروط صحة الصلاة ولا فرق في ذلك بين الصحراء والبنيان فينبغي أن يظل هذا الاحترام قائماً خارج الصلاة من باب أولى وبخاصة، إذا كان في شيء مما تستنكف منه النفس المؤمنة أن تتوجه به إلى تلك الجهة التي يصلي إليها المسلمون تصوَّر معي الآن وهذا شاهدناه في كثير من الدور هذه غرفة، وهذه الكعبة وهناك حمام مرحاض موجه إلى الكعبة هذا يستقبل الجهة بصلاته وذاك يستقبلها ببوله وغائطه، هذا مش معقول في الإسلام أبداً، فلذلك فنحن ننصح طلاب العلم أن يدرسوا المسائل الخلافية متجردين عن المذهبية الضيقة، فأنت نشأت على المذهب الشافعي، فأنت نووي مثلاً، وقد يكون هناك رجل أخر نشا على المذهب الحنفي فيكون زيلعياً وهكذا يظل المسلمون متفرقين، فما الذي يجمعهم؟ السؤال: كتاب الله ... الشيخ: الكتاب وسنة رسول الله .. ، وبارك الله فيك. لكن هذا الجمع لا يتحقق إلا بالتجرد، أن لا يقول أنا شافعي ودراستي شافعيه وأُوجِّه النصوص الشرعية كلها إلى ما يوافق مذهبي، وانأ أقول أنا دراستي

стр. 2209

حنفية وأوجه الأدلة كلها إلى ما يوافق مذهبي الحنفي لا ينبغي أن نُسلِّم قيادة عقولنا وألبابنا وأفكارنا كلها إلا لكتاب الله ولحديث رسول الله ﷺ ، وبذلك يمكن أن يلتقي المسلمون على كلمة سواء. (الهدى والنور / ٤٠٠/ ٠٩: ٥١: ٠٠) حكم قراءة المأموم في الصلاة الجهرية مداخلة: بارك الله فيك، أنا سمعت لكن زيادة في التأكيد: القراءة خلف الإمام في الصلاة الجهرية سورة الفاتحة حكمها كما سمعنا أنه ذكرت أنت أنه غير جائز، أو أنه قراءة الإمام هي قراءة للمأموم؟ الشيخ: نعم، نحن نقول: من أجل التوضيح والبيان يطرد الشيطان: من كان يصلي خلف الإمام في الجهرية فما دام أنه يسمع قراءة الإمام فقراءة الإمام له قراءة، أما إذا كان لا يسمع لبعده عن صوت الإمام أو خَفْت في صوت الإمام، أو لا سمح الله ثِقَل في أذن المقتدي وراء الإمام فحينئذ يقرأ، لكن ما دام أنه يسمع فقراءة الإمام له قراءة. وقد أشار النبي ﷺ في الحديث الصحيح إلى أن الاستماع إلى القراءة من الغير أنفع من أن يقرأ الشخص بنفسه لنفسه، ذلك هو قوله ﵇ حينما أمر عبد الله بن مسعود أن يقرأ قال له: (اقرأ علي القرآن. قال: اقرأ عليك وعليك أنزل. قال: اقرأ فإني أحب أن أسمعه من غيري) فحينما يسمع المقتدي قراءة الإمام ليس ذلك فقط قراءة له، بل هي خير له، وبخاصة من أن يشغل نفسه بقراءة الإمام والإمام يرفع صوته بالقراءة، وهنا لا بد من حصول محظور من محظورين أولهما: أن يشوش الإمام على المقتدي؛ لأنه يرفع صوته، وهذا واقع، ولذلك تجد بعد المقتدين لدفع التشويش من قراءة الإمام الجهرية عليه هو بدوره بيرفع صوته، ولذلك فإن لم يشوش الإمام عليه فقد شوش هو على الإمام أو على من حوله، وهنا يأتي قوله عليه

стр. 2210

السلام: (مالي أنازع في القرآن خلطتم علي القراءة) فإذاً: إن كان يسمع فقراءة الإمام له قراءة، إن كان لا يسمع فيقرأ. (الهدى والنور /٣٢٥/ ٢٢: ١٧: ٠٠) القراءة خلف الإمام في الجهرية مداخلة: ذكرت في كتابك «صفة صلاة النبي ﷺ ». الشيخ: ﵊. مداخلة: بأنهم كانوا يقرؤون الفاتحة خلف النبي ﷺ ، حتى أن رسول الله ﷺ سألهم: «لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله هَذًّا» يعني بسرعة .. نعم، حتى إنهم كانوا يقرؤوا خلفه، قال: «لا يقرأ أحدكم خلف إمامه، إلا أن تكون فاتحة الكتاب» ومِن ثَمَّ قُلْتَ بأنه نُسِخت هذه القراءة والرسول ﷺ لعله في صلاة الصبح كان يؤمهم، فقال: «ما لي أُنازَع القرآن» فبعدها يقول أبو هريرة ﵁: فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر به رسول الله ﷺ ، فهل هذا دليل على النسخ؟ الشيخ: وما معنى: فانتهى الناس؟ يعني انتهوا عن شيء كانوا يفعلونه؟ مداخلة: هل كان هذا آخر أمر من رسول الله ﷺ وهل يثبت به النسخ؟ الشيخ: أنا أقول لك: بأنهم كانوا يقرؤون، فإذا قال: فانتهى الناس، أليس معناها: تركوا ما كانوا يفعلون؟ مداخلة: نعم. الشيخ: وماذا يكون النسخ غير هذا؟ أم أنت فاهم النسخ غير هذا المعنى؟

стр. 2211

مداخلة: لا، هذا المعنى، هل يثبت النسخ فيما ذكرته في صفة صلاة النبي ﷺ . الشيخ: أنا يا أخي تسألني عن شيء حاطَّه في كتاب، لا أدري لو كان لا يثبت النسخ بهذا، فلماذا ادعينا أنه نُسِخَ؟ لكن أنت عندك شبهة ممكن أنت تبيّنها، حتى هي التي تدفعك إلى التساؤل عن شيء. مداخلة: ما سمعت بأن هذا دليل في النسخ أو كذا، ربما يكون عندك إجابة أو مثلاً .. الشيخ: لا ما عندي إجابة غير هكذا، ماذا تتصور؟ أنه يكون هناك احتمال آخر مثلاً؟ مداخلة: أقصد: هل هناك من الفقهاء أو العلماء يعني سبقك في هذا القول وقال بأنها نُسِخَت، هل هناك قول بأنها نسخت، وكان هذا الدليل أو كذا؟ الشيخ: أنت يا أستاذ أتصور أنك على علم بأن هناك ثلاثة مذاهب في مسألة القراءة وراء الإمام، فالذين يقولون كالحنفية -مثلاً- إن المقتدي لا يقرأ وراء الإمام مطلقاً. الشيخ: هؤلاء كيف يجاوبون على الأحاديث التي فيها «إلا أن تقرأوا بفاتحة الكتاب؟ أليسوا يرون أن هذا كان يوماً ما، وإلا كيف جاز لهم أن يقولوا بأنه لا قراءة وراء الإمام مطلقاً، لا في السرية ولا في الجهرية، كذلك ننتقل مرتبة إلى الذين يُفَرِّقون بين القراءة السرية والقراءة الجهرية، كمالك وأحمد وهو الصواب، أنه يقرأ في السرية دون الجهرية، ماذا يقولون عن قراءة الصحابة وراء الرسول ﵇، وعن قول الرسول: «إلا أن تقرأوا بفاتحة الكتاب» إذا كان هذا غير منسوخ لماذا يخالفونه؟ ليس هناك حيلة، إلا أن يقال إن الحديث غير صحيح، ولا أحد يقول بهذا. إذاً: الحديث صحيح، لماذا؟ لا تعملون به؟ لأن هذا كان برهة من الزمن ثم تُرك، بدليل حديث أبي هريرة: «فانتهى الناس عن القراءة وراء الرسول ﷺ فيما كان يجهر به رسول الله ﷺ ». فهذا نص صريح بالنسخ، هذا يشبه تماماً حديث علي: «كان رسول الله ﷺ إذا مرت به جنازة قام، ثم ترك بعد» هذا ألا يدل على النسخ؟ مداخلة: نعم.

стр. 2212

الشيخ: فذلك يدل على النسخ من باب أولى؛ لأنه انتهى الناس عن القراءة وراء الرسول ﷺ . تفضل. مداخلة: يمكن أن يقال كما هي القاعدة المُقَرَّرة: أنه ما دام هناك إمكان للجمع فلا يُصار إلى النسخ، فانتهى الناس عن القراءة، باستثناء فاتحة الكتاب بنص آخر. الشيخ: ممكن نجرب بإمكاننا أو لا، حظنا ونصيبنا نشوف، ممكن؟ مداخلة: والله يا أستاذ، أنا أسألك. مداخلة: قصده يا شيخنا، طالما أن هناك إمكانية للجمع بين النصين، فلماذا نقول بالنسخ، والإمكانية موجودة؟ ... الشيخ: خَلِّيه يبين الأول ما هي الإمكانية؟ مداخلة: أن نقول: فانتهى الناس عن القراءة إلا فاتحة الكتاب؟ الشيخ: من أين أتى الاستثناء؟ مداخلة: من النص الذي قبله. الشيخ: وهو. مداخلة: ما لي أنازع ... الحديث الصحيح. الشيخ: «ما لي أنازع القرآن». مداخلة: قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب. الشيخ: هذا هو. هذا النص ماذا يعطي؟ مداخلة: يعطي الصمت عن كل قراءة ..

стр. 2213

الشيخ: لا، لا تقرؤوا إلا بفاتحة الكتاب، هل يعني أن قراءة فاتحة الكتاب واجبة حتى نستثنيها من الانتهاء؟ مداخلة: الظاهر يا أستاذي أنه للوجوب، «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب». الشيخ: لا، هذا لا يفيد الوجوب؛ بدليل أن النهي بعد الأمر لا يفيد الوجوب. صحيح، أو لا؟ لو قال لك قائل عربي فصيح مثل حكايتك -إن شاء الله- لو قال لك: لا تنم في النهار، إلا في القيلولة. ماذا تفهم، هل تفهم أن النوم في القيلولة واجب؟ مداخلة: أفهم الإباحة. الشيخ: وماذا الفرق بين هذا وهذا؟ مداخلة: نفس الشيء. الشيخ: وأهم من هذا النص المشهور: «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب» في الدلالة على عدم الوجوب، «لا تفعلوا إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب»، يعني لا بأس إذا قرأ. فإذا كان معناه هذا، أين قوة الاستثناء الذي أنت كنت مندفع إليها؛ حتى تساعدك على دعوى الاستثناء المُدَّعى من قول أبي هريرة: «فانتهى الناس عن القراءة» وبخاصة أن هذا الانتهاء هو نتيجة صرف التشويش في القراءة عليه، والتشويش حاصل سواء كان بالفاتحة أو بغير الفاتحة. ليس عندنا في الشريعة ما يشبه القول بوجوب فاتحة الكتاب مع سماع المقتدي لقراءة الإمام، يعني غريبة عن مبادئ الشريعة العامة: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. فليس من المعقول -أبداً- في وقت قراءة الإمام بعد فراغه من قراءة الفاتحة؛ حيث ينبغي أن يكون الناس متفرغين للإصغاء لما يقرأه الإمام بعد الفاتحة لعله يحفظ في هذا الوقت يقال له: انصرف عن الإصغاء، وانصرف عن الاستماع،

стр. 2214

واشتغل بنفسك في قراءة الفاتحة. ليت شعري كيف عرف الصحابة، إذا كانوا يقرؤون دائماً وأبداً بعد انتهاء الرسول ﵇ من قراءتها، كيف كانوا يفهمون أنه قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] .. ونحو ذلك من السور القصيرة والأطول منها، وهم مشغولون بتلاوة الفاتحة، ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤]. الآن يقال للمقتدي: إذا انتهى الإمام من قراءة الفاتحة فابدأ أنت بقراءتها، ولا تصغ إلى الآية أو الآيتين أو الثلاثة، خاصة في آخر الزمان الآن بحيث أنه إذا قيل لك ما الذي قرأه الإمام بعد الفاتحة في الركعة الأولى والثانية، تجيب: والله لا أدري، أنا كنت مشغول بقراءة الفاتحة. أو يقرأ الفاتحة، وقراءته وتركه لها سواء، لأنه هذّ كهذّ الشعر كما جاء في بعض الروايات. لا يوجد في الشرع مثل هذه الأوامر المتنابذة المتنافرة، اقرأ واصغ، كيف يجتمعان، لذلك جاء في القرآن أمران في الآية السابقة. ولذلك يخطئ كثير من الجالسين في خطبة الجمعة من الذين يحملون السبحة ... ويسبح وهو يستمع لخطبة الخطيب، ما يفهم شيئاً أو ما يذكر شيئاً، واحدة من الاثنتين: إن كان عقله في فكره وتسبيحه، فإذاً: عقله ليس مع خطبة الخطيب، وإن كان العكس عقله مع خطبة الخطيب، فعقله ليس مع الذكر الذي يتظاهر به أمام الناس، ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤]، فكيف يأتي في الشرع بأنه في وقت وجوب الإصغاء والإنصات وتَعَلُّم ما يُقرأ من القرآن بعد الفاتحة وهو أحوج ما يكون أن يتعلم مثل هذا الذي يُقْرأ، في هذه الحالة يقال له: اقرأ الفاتحة. لا يلتقي هذا أبداً مع مبادئ الشريعة وقواعدها. (الهدى والنور /٢٧٤/ ٤٣: ٠٤: ٠٠)

стр. 2215

قراءة المأموم للفاتحة مداخلة: السؤال الحديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» هذا للإمام يطلق أو للمقتدين، وإن كان للمقتدين فما المراد بالآية الكريمة: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]؟ الشيخ: جوابًا عن سؤال الأخ الذي سأل حول: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» نقول: هذا الحديث فيه خلاف بين الفقهاء .. خلاف مديد طويل، والذي يهمنا الآن ما يتعلق بالجواب عن السؤال، هذا الحديث خلاصة الجواب: أنه عام مخصوص، وذلك يعني أنه يوجب على الإمام وعلى المنفرد وعلى المقتدي للإمام الذي لا يسمع قراءة الإمام لسبب، وأنتم فسروا الأسباب من عندكم، يجب على كل هؤلاء أن يقرؤوا الفاتحة، فإذا لم يفعلوا كانت صلاتهم باطلة، أما من كان مقتديًا بالإمام ويسمع قراءة الإمام فلا يجوز له والحالة هذه أن يقرأ وراء الإمام حين يكون الإمام قارئًا، أما إذا كان للإمام سكتة طويلة كهذه السكتة التي يفعلها بعض الناس المتمذهبين بحيث يسكت الإمام بعد فراغه من الفاتحة ليقرأ المقتدون من خلفه الفاتحة، إذا وجد المقتدي هذه السكتة استغلها وقرأ الفاتحة فيها، أو كان يقرأ على السنة، يقطع الفاتحة آية آية: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] يأخذ نفس .. ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] يأخذ نفس .. في هذه السكتات إن كان هو يستطيع أن يقرأ الفاتحة قرأها وإلا فقراءة الإمام له قراءة، هذا جوابنا عن ذاك السؤال. فإن كان قد أحطت بالإجابة عن السؤال فبها، وإلا إن فاتني شيء فذكرني. مداخلة: إذا دخل في صلاته بعد قراءة الفاتحة للإمام. الشيخ: بعد قراءة الإمام للفاتحة. مداخلة: وبعد السكتة .. الشيخ: انتهى مضى ..

стр. 2216

مداخلة: متى يقرأ الفاتحة؟ الشيخ: هذا السؤال أصعب منه بالنسبة لبعض الناس لعلكم سمعتم سؤاله الأخير، أنا قلت له: إن كنت أجبت عن سؤالك فبها، وإن فاتني شيء فذكرني، ما أدري إن كان سؤالًا آخر أو يذكرني بما فاتني المهم: أنه يقول الآن: أنه إذا جاء المسبوق والإمام يقرأ من السورة، وقد قرأ الفاتحة وإن كان يدخل سكت وقرأ فيها من قرأ، لكن هو جاء والإمام يقرأ بعض الآيات، فماذا يفعل؟ أصعب من هذا السؤال الذي يأتي المسجد ويجد الإمام راكعًا، هذا ما أدرك شيئًا من القراءة مطلقًا لا الفاتحة ولا ما بعد الفاتحة، فجوابنا: هو أن من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة، وقلت ابتداء: بأن هذا الحديث الأول: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» هو من العام المخصوص، مخصص بقضيتين اثنتين: ظهر لكم الآن ما هما؟ القضية الأولى: أنه إذا كان يسمع قراءة الإمام فقراءته له قراءة فلا يقرأ الفاتحة والفاتحة سقطت ركنيتها عنه. والحالة الثانية التي تستثنى من عموم الحديث الأول: «لا صلاة .. »: إذا جاء ووجد الإمام راكعًا بحيث لا يمكنه أن يقرأ الفاتحة ولو في الصلاة السرية التي يجب عليه أن يقرأ الفاتحة، فقد جاء في الحديث الصحيح وهو من نوادر الأحاديث الصحيحة التي وفقنا الله لاكتشاف بعض أسانيده المفقودة من عشرات بل مئات الكتب المطبوعة والمخطوطة وجدناها في مخطوطة لمسائل الإمام إسحاق بن منصور المروزي للإمام أحمد والإمام إسحاق بن راهويه، جاء هناك الحديث في هذه المسائل بالسند الصحيح عن النبي ﷺ : أن من جاء والإمام راكع فليركع وليعتد بالركعة، ومن جاء والإمام ساجد فليسجد ولا يعتد بالركعة، فإذًا: الذي جاء وقد انتهى الإمام من قراءة الفاتحة وشرع في قراءة بعض الآيات فقد سقطت عنه ركنية الفاتحة؛ لأن قراءة الإمام قراءة لمن خلفه. مداخلة: شيخ! ما قولك في حديث الرسول ﷺ أنه عندما كانوا ينازعونه

стр. 2217

القراءة، فقال في آخر الحديث: «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب». الشيخ: أقول إيجازًا للسائل ومن قد يكون في نفسه أثر لهذا السؤال: هذا الحديث يظن كثير من الناس أنه يفيد وجوب قراءة الفاتحة على المؤتم، هنا مسألة فيها دقة لها علاقة بعلم أصول الفقه: «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب» لا تفعلوا، أي: لا تقرؤوا شيئًا من القرآن، هنا نهي، ثم جاء الاستثناء إلا بفاتحة الكتاب، هذا الاستثناء يفيد جواز قراءة الفاتحة وليس وجوب قراءة الفاتحة؛ لأن المستثنى من النهي يفيد الإباحة ولا يفيد الوجوب، محرم على المحرم بالحج أو العمرة يصطاد، فلما قال الله : ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] هذا الأمر لا يفيد الوجوب وإنما يرفع الحضر السابق، وهو تحريم الصيد على المحرم، مثله قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة: ٩ - ١٠] فقوله: ﴿فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] لا يعني أنه فرض عليهم الانتشار وإنما يعني: جاز لكم الانتشار بعد أن حرمت عليكم الانتشار بقوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] فإذًا: لا يعني هذا الاستثناء وجوب الفاتحة؛ لأن هذا الاستثناء من النهي، فالاستثناء من النهي لا يعني الوجوب وإنما يعني الإباحة. والذي يؤكد هذا المعنى الدقيق لفظ الحديث في مسند الإمام أحمد: «فلا تفعلوا إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب» انظر التعبير يختلف .. فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب .. الرواية الثانية: إلا أن تقرؤوا فلا يفيد الوجوب فإذا جاء الحديث أو أحاديث تدل على عدم وجوب قراءة الفاتحة وراء الإمام في الجهرية فلا منافاة بينها .. بين ما دلت عليه هذه الأحاديث وبين الحديث الذي ذكره الشاهد: «فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب» لا سيما على رواية الإمام أحمد: «إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب». (لقاءات المدينة لعام ١٤٠٨ هـ (٢) /٠٠: ٤٨: ٠٥)

стр. 2218

قراءة المأموم وراء الإمام الشيخ: [الإمام مالك] والإمام أحمد إمام السنة يقولان بالتفصيل التالي، ألا وهو: القراءة وراء الإمام في السِرّية، دون القراءة وراء الإمام في الجهرية، فوظيفة المقتدي وراء الإمام حينما يجهر بالقراءة في الركعتين الأوليين من الصلوات الجهرية كصلاة العشاء وصلاة المغرب وصلاة الفجر، فالمقتدي وهو يسمع قراءة الإمام، فلا يجوز له أن يُشْغِل نفسه بالقراءة لنفسه عن الإصغاء لقراءة الإمام؛ لأن من تمام الاقتداء بالإمام في هذه الحالة، أعني: -في حالة جهر الإمام بالقراءة، وفي حالة استماع المقتدي لهذه القراءة- السكوت والإنصات؛ وذلك من تمام قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، وأكد النبي ﷺ عموم هذه الآية في هذه الحالة، بقوله: «إنما جعل الإمام ليُؤْتَمّ به، فإذا كَبَّر فكبِّروا، وإذا قرأ فأنصتوا»، معنى الإنصات: يستلزم أنك تسمع شيئاً، إذا كنتُ صامتاً فلا يجوز لي أن أقول: أنصتوا، فيقول القائل: لماذا ننصت قد نذكر الله، قد نصلي على رسول الله؟ لكن إذا سمعتم القراءة فهنا يأتي الأمر الإلهي: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] أمران اثنان: الأمر الأول: الاستماع؛ وهو الانتباه لما يُتْلى عليكم من القرآن. الأمر الثاني: الصمت، السكوت. فلا ينبغي على هذا المذهب الثالث وهو مذهب مالك وأحمد، لا ينبغي للمقتدي أن يقرأ شيئاً؛ والسر في ذلك في نهاية المطاف يتضمنه قوله ﵇: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة»، فقراءة الإمام في الجهرية حينما تسمعون قراءته فهي قراءة عنكم. إذا عرفتم هذه الأقوال الثلاثة، وعرفتم وِجْهَة نظر الأئمة الاثنين مالك وأحمد -رحمهما الله جميعاً-، يكون هذا المذهب هو المذهب الوسط، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، لا تسمع قراءة الإمام وذلك في الصلاة الجهرية، أو في حالة أخرى قد يكون صوت الإمام خافتاً، وقد يكون سَمْع المقتدي

стр. 2219

خفيفاً، يكون في النهاية هو ما يسمع قراءة الإمام، ولو أنه يجهر في هذه الحالة يقرأ، أما وأنت تسمع قراءة الإمام فسماعك يغنيك عن قراءتك أنت، سماعك للإمام يغنيك عن قراءتك أنت، لماذا؟ لأنك في إنصاتك لقراءة الإمام أنفع لك من قراءتك لنفسك؛ ولذلك جاء في صحيح البخاري: أن النبي ﷺ قال ذات يوم، -هما حديثان وقصتان، إحداهما تتعلق بأُبَيّ بن كعب، والأخرى تتعلق بعبد الله بن مسعود، -فرضي الله عنهما-. قال له ﵇: «اقرأ عليّ القرآن، قال: يا رسول الله! أقرأ عليك القرآن وعليك أُنزل؟ ! قال: نعم، إني أُحِبُّ أن أسمعه من غيري»، هذا رسول الله، الذي أُنْزل عليه القرآن، يقول لأحد الصحابة: «اقرأ عليّ القرآن، قال: اقرأ عليك وعليك أنزل! قال: نعم؛ إني أحبّ أن أسمعه من غيري». فإذاً: سماعك أيها المقتدي لقراءة الإمام أنفع لك من قراءتك لنفسك. هذا خلاصة ما يمكن أن يقال في خصوص هذه المسألة، ثلاثة مذاهب أوسطها أعدلها وأصوبها، وهو: تقرأ في السرية، تُنْصت وتستمع في الجهرية، وبهذا القدر كفاية. (الهدى والنور / ٦٩٦/ ٣٤: ٤٤: ٠٠) حكم قراءة الفاتحة خلف الإمام عن عبادة بن الصامت، قال: كنا خلف النبي ﷺ في صلاة الفجر، فقرأ، فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ، قال: «لعلكم تقرؤون خلف إمامكم»؟ قلنا: نعم يا رسول الله. قال: «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها». رواه أبو داود، والترمذي، وللنسائي معناه، وفي رواية لأبي داود، قال: «وأنا أقول مالي ينازعني القرآن؟ فلا تقرؤوا بشيء من القرآن إذا جهرت إلا بأم القرآن».

стр. 2220

قال الألباني: هذا لا يدل على وجوب الفاتحة وراء الإمام، كما يظن، بل على الجواز؛ لأن الاستثناء جاء بعد النهي، وذلك لا يفيد إلا الجواز، وله أمثلة في الاستعمال القرآني، وتفصيل ذلك لا يتسع لها المقام، فمن شاء التحقيق فليرجع إلى كتاب «فيض القدير» للشيخ أنور الكشميري، ويشهد لذلك ما في رواية ثابتة في الحديث بلفظ: لا تفعلوا إلا ان يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب، فهذا كالنص على عدم الوجوب، فتأمل. (مشكاة المصابيح ١/ ٢٧٠) حكم السكته بعد قراءة الفاتحة وما يترتب عليها السائل: قرأت في مشكاة المصابيح أن الإمام ما في سكته، وأن الحديث الوارد فيها ضعيف، فبعض الأئمة يسكت يقل لك: أريد أسكت -مثلاً- فترة بسيطةً حتى أتيح للمأمومين أن يقرؤوا الفاتحة، فهل يأثم، بما أنه ما فيش دليل على السكتة ... ؟ الشيخ: هذا الجواب عليه -بارك الله فيك- يأثم أو لا يأثم يعود إلى قناعته الشخصية، إذا سلك طريق أهل العلم في معرفة الحق مما اختلف فيه الناس، أو سلك طريق أهل العلم بسؤال أهل العلم فأفتوه فتبنى فتواهم فلا إثم عليه، أما أن يَرْكب رأسه وأن يتَّبع هواه فهو آثم، وهذا كلامي: أنه إما أن يكون مجتهداً، أو وصل به اجتهاده إلى هذه السكتة الطويلة التي يتمكن فيها المقتدون من قراءة الفاتحة، وهو ليس بآثم فهو مأجور بكل حال، وإما أن يكون ليس من أهل العلم والاجتهاد، وإنما هو سأل بعض من يظن فيهم العلم فأفتوه بأن هذه السكتة وردت، فهو بناء على ذلك يسكت، فأيضاً: لا إثم عليه. الإثم إنما يترتب على المكلف فيما إذا اتَّبع هواه وأفتى نفسَه أو غيرَه بغير علم. (الهدى والنور / ١٩١/ ١٩: ٣٧: ٠٠)

стр. 2221

قراءة الفاتحة خلف الإمام وقت السكتة السؤال: النهي الوارد عن القراءة للفاتحة للمأموم .. لا يقرأ المأموم حتى وإن سكت الإمام، هل لا يقرأ المأموم حتى وإن سكت الإمام للفاتحة، أم النهي عن القراءة أثناء قراءة الإمام؟ الشيخ: إذا أردنا أن نُجيب عن السؤال، دون أن نفكر في صِحَّة السؤال. فالجواب: إذا كان هناك سكتات للإمام يسكت فيها فيقرأ، لكن هل هناك سكتات بإمكان المقتدي أن يقرأ فيها، على الأقل الفاتحة، التي الأصل فيها أنها ركن من أركان الصلاة؟ هذا ما أشرت إليه في قولي: إذا أردنا أن نجيب عن السؤال فالجواب نعم، ما دام هناك سكتات فيقرأ، لكن أين هذه السكتات المشروعة؟ لكني أنا أقول، وهذا ما أفعله بنفسي: بأننا لا نستطيع أن نُصَحّح مفاهيم الناس -كل الناس- وبخاصة الذين لم يسمعوا الصواب من الرأي، فيما اختلف فيه الناس. فنصلي وراء إمام، وإذا به يسكت، لماذا؟ لأن مذهبه شافعي، فأنا أهتبل فرصة سكوته وأقرأ، ذلك خير من أن أتم صامتاً؛ لأنه، أولاً: أشغلت نفسي بطاعة ليس هناك ما يُنْهى عنها. وثانياً: أخذت بالأحوط، حينما وجد السبب الذي يفتح بابًا للاحتياط في الدين. أما إذا لم يكن مثل هذه السكتة، من إمام يتبع السنة، وهو يعلم أن النبي ﷺ لم يكن يسكت كما شرح ذلك ابن القيم ﵀ في زاد المعاد، لم يكن يسكت بعد قراءته الفاتحة سكتة طويلة، بحيث أنها تتسع لقراءة الفاتحة من المقتدين خلفه. لأن النبي ﷺ لو كان يسكت هذه السكتة الطويلة، لقيل له كما قيل له في السكتة الأولى، بعد تكبيرة الإحرام، كما جاء في صحيح البخاري من حديث أبي

стр. 2222

هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: كان رسول الله ﷺ : «إذا كَبَّر للصلاة سكت هنيهة، فقلنا: يا رسول الله! ماذا تقول؟ قال: «أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب»، وذكر الدعاء بتمامه. إذاً: السكتة الطويلة تُلفت الأنظار، وتُحَفِّز الهمم لتعرف ما وراء هذه السكتة، ولذلك تَوَجَّهوا بالسؤال إلى الرسول ﵇ فأجاب بأني أقرأ دعاء الاستفتاح. فلو كان الرسول يسكت -أيضاً- أخت هذه السكتة، بعد قراءته الفاتحة والتأمين عليها، كانوا أيضاً يقولون له: أرأيت سكوتك بعد الفراغ من القراءة، أو قبل الركوع، ماذا تقول؟ لكن لا يوجد شيء من هذا إطلاقاً. فعلى الرغم من أنه الأصل: أنه لو وقعت سكتة طويلة تُلفت الأنظار، أن الدواعي تتوفر لنقل هذه السكتة، مع أنها لم تُنْقل. فقياساً على سكتته ﵇ بعد تكبيرة الإحرام. نقول: إن هذا دليل أنه ﵇ ما كان يسكت هذه السكتة الطويلة. الخلاصة: أن السؤال نظري ما هو عملي، إلا في حالة: إذا ابتُلينا بإمام يرى أن هذه السكتة مشروعة، حينئذٍ: نحن نهتبلها فرصة، ونقرأ الفاتحة، وليتهم إذ سكتوا، سكتوا سكتة طويلة بحيث يتمكن المقتدي من قراءة الفاتحة بتمامها، لكن ما أذكر أبداً أنني تمكنت من قراءة الفاتحة بتمامها، فإذاً: هم يسكتون، ولا يسكتون. (الهدى والنور /٤٨٥/ ٠٩: ٣٠: ٠٠). حكم السكتة بعد الانتهاء من الفاتحة مداخلة: هل يجب على الإمام بعد قراءة الفاتحة أن ينصت حتى الذي خلفه يقرأ، وبعد ذلك يبتدئ القراءة؟

стр. 2223

الشيخ: لا يجوز للإمام السكوت بعد قراءة الفاتحة لسببين اثنين: السبب الأول: أن هذا لا أصل له في السنة. السبب الثاني: أنه قلب لمبدأ القدوة؛ لأن الإمام يصبح هنا مؤتماً والمؤتمون هم الإمام، هو يسكت ليقرأ المقتدون، يسكت من أجل من خلفه. هو الإمام، ومعنى الإمام أي: يقتدى به، ويكون من خلفه يمشون معه، بينما هنا هو يراعيهم، ويسكت من أجلهم. ففيه خطآن على الأقل: الأول: أنه يُحْدِث في الصلاة ما لم يكن في عهد الرسول ﵇ القائل: «صلوا كما رأيتموني أصلي». والشيء الآخر أنه يقلب نظام القدوة، فيجعل الإمام الذي هو قدوة الناس، يجعل نفسه مقتدياً بالناس، وهذا لا يجوز، وهذا الفعل إنما يفعله أحد رجلين، إما أنه متمذهب بالمذهب الشافعي الذي يقول بوجوب قراءة الفاتحة مطلقاً سواء كان في الجهرية أو السرية، أو أنه رجل يتوهم -وهو من أهل السنة- أن حديث سمرة بن جندب وأُبَيّ بن كعب، أنه: «كان لرسول الله ﷺ سكتتان يسكتهما، سكتة إذا كَبَّر للصلاة، وسكتة عند الفراغ من القراءة» وهذا الحديث ضعيف الإسناد لا يصح؛ لأنه من رواية الحسن البصري، وهو مدلس معروف بذلك، وكل الطرق التي جاءت إلى الراوي عن الحسن وهو يونس بن عُبَيْد كل الطرق تذكرها بالعنعنة ولا يوجد في طريق ما ولو كان واهياً ضعيفاً أنه قال: سمعت جندب بن سمرة وأُبي، لا يوجد رواية تُصَرّح بالسماع. ثانياً: مما يؤكد ضعف الحديث وعدم صلاحية الاحتجاج به في هذه المسألة أن الروايات اختلفت اختلافاً عجيباً، ففي بعضها السكتة الثانية بعد قراءة الفاتحة، وفي بعضها بعد الفراغ من القراءة، وفي قراءة وهو الأصح من حيث أكثر الروايات عليها، بعد الفراغ من القراءة كلها، أي: قبل الركوع.

стр. 2224

وحينئذٍ لو صح الحديث فليس له علاقة بالسكتة المبتدعة التي وجدت لتسليك القول بوجوب قراءة الفاتحة على المقتدين في الصلاة الجهرية. والحقيقة هنا عِبْرة: إن الذين ذهبوا إلى القول بوجوب قراءة الفاتحة للمقتدي في الجهرية، كأنهم شعروا في ذوات نفوسهم، أنه غير معقول في الفقه أن يقال: انصت واقرأ. وجدوه غريباً جداً، ولذلك حَلّوا المشكلة، وقالوا للإمام اسكت أنت، بدل ما المقتدين يسكتوا إصغاء لقراءة الإمام، قيل للإمام اسكت أنت عن قراءة شيء بعد الفاتحة، حتى يتفرغ المقتدون لقراءتها، هذا قلب لنظام القدوة. فالحديث ضعيف لا يجوز الأخذ به، ولذلك قال ابن القيم الجوزية ﵀: إنه لو كان هناك سكتة بعد قراءة الإمام للفاتحة، تتسع هذه السكتة لقراءة الفاتحة من المقتدين، لكان هناك فجوة تدفع الناس الذين يُصَلّون وراء الرسول إلى أن يسألوه أن هذه السكتة ماذا تفعل فيها؟ كما فعلوا بالنسبة للسكتة الأولى، حديث سمرة سكت سكتتين، وحديث أبي هريرة ذكر أيضاً سكتتين، لكن حديث سمرة ضعيف بسبب عنعنة الحسن، حديث أبي هريرة صحيح في البخاري ومسلم، نصه، قال: «كان رسول الله ﷺ إذا كبر للصلاة سكت هُنَيّة، فقلنا: يا رسول الله، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة، ماذا تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب .. » إلى آخر الدعاء المعروف، وهو أصح أدعية الاستفتاح. إذاً: هناك وُجِدَ من الرسول ﵇ بعد تكبيرة الإحرام سكتة غير معهودة عنه، فكان هذا السكوت من الدواعي ومن الدوافع، تدفع الصحابة إلى أن يقولوا له: ما معنى هذه السكتة، قال: أقول كذا وكذا، فلو كان الرسول ﷺ يسكت أخت السكتة هذه بعد قراءة الفاتحة، كان هو أيضاً سأله هو أو غيره، كما سأل هو بالنسبة للسكتة الأولى، قال: ماذا تقول؟ قال: أقول: «اللهم باعد بيني وبين خطاياي .. ». وهنا لم يسأله أحد: لماذا تسكت يا رسول الله في هذه السكتة الطويلة بعد الفاتحة.

стр. 2225

إذاً: لم يكن هناك سكوت، ولذلك ما جاء السؤال. تفضل. مداخلة: هب أن الإمام يعلم أن هذا السكوت ليس مشروعاً، يعرف الحكم جيداً، ولكنه أتى قوماً أُشْرِبوا في قلوبهم حب المذهبية والبدع وكذا، وأراد بحكمة الدعوة أن يتدرج حتى يعينه الله على القضاء على مثل هذه البدع، فأعانه الله على القضاء على كثير من أمثالها، وبقيت هذه، وينوي في نيته أنه في القريب أو متى ما يسر الله تنتهي كما أنهى الله على يديه مثل هذه البدع الكثيرة، فماذا يعمل، والحال ما ذكرت، علماً بأنه جَرَّب وحاول وسَبَّب هذا فتنة أو كادت. الشيخ: هذا لا يمكن الجواب عليه، ونقول حينذاك: ﴿بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤]. لكن أعتقد أن التدرج في الواقع يتطلب أموراً، وبخاصة أن بعضها يقع من غير المتدرج. نحن نجد بعض أئمة الشافعية الذين من مذهبهم هذه السكتة، ونتعجب منهم، لا هم ساكتين ولا هم قارئين، هذه السكتة يقولوها من أجل أن يقرأ المقتدي، ولا يكاد يقرأ نص الفاتحة، إلا يكون هو بدأ بقراءة السورة الأخرى بعد الفاتحة أو بعض آيات. إذاً: يا سكوت مثل الناس، أو قراءة مثل الناس. أنا أقول الآن لهذا الذي أشرت إليه من المتسنن المتدرج: لا يطوِّلها. مداخلة: يعني لا يطولها ... الشيخ: ذلك ما نبغ، هذه كخطوة، ما زال عندي شيء. أنه ما يطولها، حتى يأتي وقت يصبح معتاداً عند الناس أنه بمقدار ما تأخذ نفساً كاملاً، وإذا بك شرعت في قراءة السورة التي تليها، ويمشي الحال. الشيء الثاني: يجب الدندنة أن هذه السكتة ليس لها أصل يا إخواننا، هذه لا يقول بها إلا مذهب واحد من المذاهب الأربعة، وأنتم أنا أراكم جماعة جمهوريين

стр. 2226

تحبوا أن تمشوا مع الكثرة، والكثرة هنا ليس هناك سكتة. مداخلة: بعض الأحيان -مثلاً- يحاول أن يطبق السنة، يجد ناساً يثورون عليه، فما هو العمل في هذا الأمر، هل يترك الأمر والمجال، هو غير قادر على تطبيق السنة، يترك هذا المسجد ... الشيخ: «سددوا وقاربوا». مداخلة: بعض الإخوة المشاهدين عندما يرى حكم بَدّه بالحديد والنار، يعني بين غمضة عين وانتباهتها، يغير الحال من بدعة إلى سنة ومن سيء إلى أحسن. الشيخ: ليس بهذه السهولة الحقيقة. مداخلة: يا ليتهم ... مداخلة: في القراءة يوجد سكتة واحدة فقط. الشيخ: أي قراءة تعني. مداخلة: بداية الصلاة، حديث أبي هريرة؛ لأني سمعتك أو كأني ما أصبت السماع، أنك ذكرت سكتتين قلت، حديث أبي هريرة فيه سكتتين، وشرحت السكتة الأولى، ولم تذكر السكتة الثانية .. الشيخ: طبعاً؛ لأننا لا نتكلم بالنسبة لحديث أبي هريرة إلا السكتة الأولى، السكتة الثانية هي عند الركوع. مداخلة: قبل الركوع. الشيخ: نعم. مداخلة: سكتة رَد النَّفَس. الشيخ: سكتتان، حديث سمرة متفق مع حديث أبي هريرة من حيث السكتتين، لكن حديث سمرة الأصح أنه بعد الفراغ من القراءة كُلِّها. (الهدى والنور /٢٧٤/ ١٤: ٢٨: ٠٠)

стр. 2227

حكم سكوت الإمام بعد قراءة الفاتحة في الجهرية مداخلة: أثابكم الله، يقول السائل: متى تتم قراءة الفاتحة للمأموم خلف الإمام في الصلاة الجهرية إذا لم ينصت الإمام يقصد السكتة بعد الفاتحة، وهل سكوت الإمام سنة أم واجب؟ الشيخ: سكوت بعض الأئمة بعد فراغهم من قراءة الفاتحة ليس له أصل في السنة إطلاقاً، ونعني سكوتاً طويلاً يأخذ من الوقت ما أخذ الإمام حينما قرأ الفاتحة من الوقت أي: قراءة الإمام للفاتحة تحتوي مثلاً دقيقتين فلا يوجد في السنة أن هذا الإمام يسكت بعد فراغه من الفاتحة بمقدار دقيتين .. لقراءة المؤتمين للفاتحة، كل ما جاء في السنة على الاختلاف في ثبوته إنما هو أن النبي ﷺ كان له سكتتان: سكتة عند الإحرام للصلاة وسكتة عند الفراغ من القراءة، وذلك هو حديث الحسن البصري عن سمرة بن جندب وأبي بن كعب، هذه السكتة الثانية مع اختلاف الرواة في ضبطها حيث منهم من أطلق فقال: - وهذا مثال ثالث لما ذكرنا آنفاً - بعضهم أطلق: إذا فرغ من القراءة، يعني: القراءة كلها، يعني: قبل الركوع، ومنهم من قال: إذا فرغ من قراءة الفاتحة، فهنا لا يستطيع أن نقول هاتين صورتين واحدة مطلقة وواحدة مقيدة؛ لأن الرواية واحدة، وإنما هنا يتدخل علم الحديث في ترجيح رواية على أخرى، وقد فعل ذلك ابن القيم الجوزية ﵀ في كتابه: زاد المعاد، فذكر أن الرواة الذين قالوا: إذا فرغ من القراءة كلها أوثق وأكثر من الذين قالوا: إذا فرغ من قراءة الفاتحة، فإذاً: السكتة هذه بعد الفاتحة لم ترد إنما وردت عن طريق الحسن كما قلنا عن سمرة وأبي قبل الركوع، ويقول ابن القيم: هذه السكتة سكتة طبيعية ليسترجع نفسه وروحه بحيث أنه يريد أن يركع وأن يسجد إلى آخر ما هناك من أعمال الصلاة. ثم لو ثبت أن الأرجح عكس ما ذكرنا، أي: أن الإمام والذي كان هو الرسول ﵇ كان يسكت بعد الفراغ من قراءة الفاتحة، أيضاً ليس في هذه السكتة ذلك الطول

стр. 2228

الذي يتسع لقراءة المؤتم للفاتحة، ويؤكد الإمام ابن القيم ﵀ بقوله: لو كان النبي ﷺ يسكت سكتة طويلة بعد فراغه من قراءة الفاتحة لتوفرت الدواعي لنقل هذه السكتة وللتوجه إلى النبي ﷺ عن سؤاله عن هذه السكتة، كما جاء في السكتة الأولى، فقد أخرج الشيخان البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ إذا كبر للصلاة سكت هنيئة، فقلنا: يا رسول الله! أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ماذا تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب» إلى آخر الدعاء المذكور في الصحيحين، ومذكور في صفة الصلاة وغيره من كتب الأذكار. فهذه السكتة الطويلة التي اتسعت لهذا الدعاء استرعى انتباه الصحابة فتوجهوا بسؤاله ﵇: ماذا تقول؟ فأجابهم، فلو كان الرسول ﷺ يسكت أخذت هذه السكتة بعد فراغه من الفاتحة لسألوه أيضاً ولأجابهم: أسكت ليقرأ المقتدي الفاتحة؛ لأنه لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، لكن شيئاً من ذلك لم يقع فدل على أن هذه السكتة كانت سكتة طبيعية؛ لأن الإمام عندما يريد أن يطيل من قراءة الفاتحة يريد أن يأخذ نفس ليقرأ القراءة التي تليها، فهذه سكتة عادية تماماً ليست سكتةً تعبدية طويلة لإيجاد الوقت للمقتدي أن يقرأ فاتحة الكتاب. وبهذه المناسبة أقول: إن على أولئك الناس وبخاصة منهم الأئمة الذي يرون شرعية هذه السكتة بعد فراغ الإمام من قراءة الفاتحة إذا كانوا يرون ذلك وهو غير ثابت كما شرحنا، لكن نحن لا نستطيع أن نفرض على الناس رأياً تبنوا هم رأياً لأنفسهم لكن علينا أن نبين للناس ما عندنا من العلم ثم من شاء تبناه ومن ظل على ما كان تبناه، لكن إذا تبنى شيئاً فعليه أن يثبته كما تبناه، فأنت أيها الإمام ترى شرعية سكوتك بعد الفاتحة من أجل أن يتمكن المقتدي من قراءتها، لكنك لا تسكت هذه السكتة الطويلة، لا يكاد القارئ خلف هذا الإمام أو ذاك يقرأ أقل من نصف الفاتحة إلا يكون هو كبر للركوع فإذاً: إما أن تتابع القراءة بعد فراغك من الفاتحة دون السكتة المقصودة الطويلة، وإما أن تطيلها بمقدار يقرأ المقتدون من خلفك هذه السورة المباركة سورة الفاتحة، نعم. (رحلة النور: ٢٣ أ/٠٠: ٣٢: ٣٥)

стр. 2229

قراءة الفاتحة خلف الإمام في السرية واجب أم ركن السؤال: ما حكم الفاتحة في السرية هل هي واجبة أم ركن؟ الشيخ: في السِرّية واجبة. (الهدى والنور / ٥٢/ ٢٧: ٥٥: .. ) إذا لم يكن المأموم قد انتهى من الفاتحة في السرية وقد هوى الإمام للركوع السائل: جزاك الله خير, بالنسبة للإمام خصوصا في الركعتين الأخريتين -يعني في السرية- تجد بعض الأئمة يسرع في قراءة الفاتحة، المأموم ما يتمكن من قراءة الفاتحة، وهنا يعني يتوجب على المأموم أن يقرأ سورة الفاتحة فأنت في أصل الفاتحة والإمام هاوي إلى الركوع ماذا يفعل المأموم في هذا الحال هل يتم أو ماذا يفعل؟ الشيخ: مفهوم، لواقع أن كثيرًا من الأمة لا يراعون ما ينبغي مراعاته ويراعون ما لا ينبغي مراعاته، إن بعضهم يحاول أن يسكت بعد قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية ليتمكن المقتدي من قراءتها في سكوته، ومع أن هذه السكتة لا أصل لها في السنة الصحيحة، فكثير من الأئمة اتباعًا لآراء بعض المتأخرين يرون أن يسكت الإمام بعد فراغه من قراءة الفاتحة ليتمكن المقتدي من قراءتها في سكتات - أو في سكتة- الإمام, وهذه مسألة أيضًا طرحناها أكثر من مرة، فلا أطيل الكلام فيها أيضًا ولكني جعلتها بيانًا أو مقدمة للإجابة عن السؤال الذي سمعتموه أنفا ألا وهو: الإمام يقرأ في السرية الفاتحة بسرعة ولعله يقرؤها بنفس واحد، فإذا أراد الإنسان المقتدي أن يقرأ الفاتحة هنا لأنها واجبة عليه باعتبار أن الإمام يقرأ سرًا، فلا يتمكن من الإتيان على قراءة الفاتحة كلها في كثير من الأحيان لا يكاد المقتدي يقرأ نصف الفاتحة إلا ويكون الإمام قد ركع. فالسؤال كان: ماذا يفعل هذا المقتدي؟

стр. 2230

أيقطع القراءة ويقف عندما وصل من الفاتحة ليتابع الإمام في الركوع؟ أم لا يباليه ولا يتابعه حتى يفرغ من قراءة الفاتحة؟ الجواب: لابد للمقتدي من شيء من التحري أو من شيء من الاجتهاد أن يُقدّر، لنفترض أنه دار في ذهنه أنه إذا أتم قراءته للفاتحة فاته الركوع مع الإمام، ففي هذه الحالة ينبغي له أن يقرأ ما يتمكن من بقية الفاتحة لكي يتمكن أيضًا من مشاركة الإمام في الركوع، فالمقدار الذي لا يُفوّت عليه مشاركة الإمام في الركوع يقرأ من الفاتحة، فإن كان يغلب عليه على ظنه أنه يتمكن من قراءة الفاتحة كلها قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع أتمها، وإلا انتهى عندما قرأ حينما يركع الإمام فيتابعه حتى لا يفوت ركنًا على نفسه بركن مختلف في ركنيته، فالركوع ركن باتفاق علماء المسلمين، وإذا لم يركع لم تصح صلاته أما قراءة الفاتحة ففيها خلاف كثير ومن هذا الخلاف أن الفاتحة لا تجب على المقتدي قراءتها حتى في الصلاة السرية، فالمذهب الحنفي مثلاً يقول: المقتدي يصمت يسكت وراء الإمام ولا يقرأ شيئًا من القرآن لا الفاتحة ولا غير الفاتحة، وهذا المذهب وإن كنا نراه مذهبًا مرجوحًا, وأنا أقول كما قال ﵊: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» ولكننا مع ذلك نقول: بأن هذا الحديث ليس على إطلاقه وشموله لأنه قد ثبت مرفوعًا وموقوفًا عن جماعة من الصحابة أن من أدرك الإمام راكعًا, أن المسبوق إذا أدرك الإمام راكعًا تعتبر له هذه الركعة وتحسب من صلاته ولو أنه لم يقرأ فاتحة الكتاب, فيبقى هذا الحديث من العام المخصوص فيمكن الاستفادة من هذا التخصيص في مسألتنا التي نحن في صدد البحث فيها, فإذا كان الإمام ركع قبل أن ينتهي المقتدي من قراءة الفاتحة فهو يتحرى إن كان بإمكانه أن يكملها أكملها مادام أنه يغلب على ظنه أنه سيدرك الإمام راكعًا، وإن غلب على ظنه أنه تفوته ركعة من ركوع الإمام فتفوته الركعة ففي هذه الحاله يشارك الإمام في الركوع ولو أنه لم يأت على تمام الفاتحة. هذا هو جواب السؤال السابق ولكني لابد من التنبيه على شيء يتوجه هذا التنبيه إلى أئمة المساجد أو إلى بعضهم على الأقل، نسمع بعضهم-بعض الأئمة- حينما يكون يقرأ جهرًا في الركعتين الأولين مثلاً من صلاة

стр. 2231

المغرب أو صلاة العشاء يقرأ القرآن كما أنزل وكما قال رب العالمين: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]. ويُسر المصلي بمثل هذه القراءة لأنها تجلب الخشوع إليه، بحيث لو كان من خلفه يريد أن يقرأ الفاتحة يتمكن من قراءة الفاتحة مرتين بدل المرة الواحدة لماذا؟ لأنه يتأنى في تلاوته ويرتلها ترتيلا، فإذا ما انتهى من الجهر وجاءت ركعة السر فهناك تراه قرأ الفاتحة بصورة سريعة جدًا، فتأتي هذه المشكلة حيث أن الذين يريدون أن يقرأوا الفاتحة خلفه لا يمكنهم أن يأتوا عليها بتمامها لأن هذا الإمام قد سارع في قراءة الفاتحة مسارعة غريبة وغريبة جدًا، ولذلك فأنا أنبه على هذا الخطأ لما ينتج منه من خطأ آخر سمعتم آنفا الكلام فيه، وأخشى ما أخشى أن من يفعل ذلك كأنه يضطر السامعين إلى اتهامه بشيء من الرياء، فهو إذا قرأ جهرًا يقرأ كما قال ﵇ «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» فهو إذا جهر بالقراءة تغنى بالقرآن في حدود قواعد علم التجويد, أما إذا قرأ القرآن سرًا فهو كما جاء في بعض الآثار يهذه هذًّا كهذ الشعر ويسارع فيه فتقع المشكلة السابقة، فأنا أُذكّر الأئمة بأن يراعوا هذه القضية فكما يقرأ هو القرآن في الجهرية ترتيلاً فعليه أيضًا أن يقرأ القرآن في السر ترتيلاً، كما أنه يقطع الفاتحة آية آية في الجهرية فكذلك عليه أن يقطعها آية آية في السرية، ولا يخالف بين قراءته في الجهرية وفي السرية وهذه ذكرى والذكرى تنفع المؤمنين. (فتاوى جدة-موقع أهل الحديث والأثر- ١٦) من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة مداخلة: هناك حديث: «من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة» ما مدى صحة هذا الحديث؟ الشيخ: أي نعم، هذا الحديث -بارك الله فيك- في نقدنا أولاً، وفي تعبير علماء الحديث ثانياً، صحيح لغيره.

стр. 2232

ومعنى صحيح لغيره، أي: ليس له سند صحيح لذاته، ولكن له أسانيد كثيرة، هذه الأسانيد الكثيرة أعطت للحديث قوة. وبشيء من التفصيل، الحديث مروي بسند صحيح عن عبد الله بن شداد -وهو تابعي-، قال: قال رسول الله ﷺ : «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» هذا صحيح مرسل، يعني لم يذكر الصحابي. لكن في بعض الروايات ذكر بعضهم عن عبد الله بن شداد عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ ... لكن هذا البعض فيه ضعف، فهو جاء موصولاً بسند ضعيف، وجاء مرسلاً بسند صحيح، ثم جاءت له طرق أخرى موصولة أيضاً، صحيح أنه فيها ضَعف، لكن هذه المجموعة من الأسانيد الضعيفة الموصولة تُعْطِي للإسناد المُرْسَل قوة، فيصبح الحديث صحيحاً لغيره، أي: صحيحاً بمجموع طرقه. ولذلك فالحديث من جملة الأدلة التي تُسْقِط فرضية قراءة المقتدي وراء الإمام في الصلاة الجهرية؛ لأن «قراءة الإمام له قراءة». والاستنباط الفقهي والعلمي يساعد على تصحيح معنى هذا الحديث، لأنه يقول: «فقراءة الإمام له قراءة». معروف بالتجربة، أن المستمع للقرآن يتمكن من تدبره ومن الاستفادة من تلاوته، أكثر من التالي لنفسه بنفسه، ويدل على ذلك حديث البخاري أن النبي ﷺ قال يوماً لعبد الله بن مسعود: «اقرأ عليّ قال: أأقرأ عليك القرآن وعليك أنزل؟ قال: اقرأ فإني أحب أن أسمعه من غيري». لأن الإنسان يتفرغ للاستماع وللتدبر أكثر مما لو تولَّى القراءة بنفسه، لأنه أقل ما يقال: إنه يهتم بأداء الآية، أولاً: على الوجه الصحيح، بمقتضى أصول التلاوة الشرعية، وعندها تفوت آية أو يخطئ في تلاوتها، بينما هذا المستمع مستريح من هذا الجانب، ومُوَجِّه جهدَه كله أن يتدبر ما يسمع من التلاوة، فإذا كان الإمام يجهر بالقراءة وأنت تسمع، فقراءته لك قراءة، بل أحسن من قراءتك أنت لنفسك.

стр. 2233

هذا الحديث: «من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة» مع كونه كما قلنا: قُوّته جاءت بمجموع الأسانيد، لكن حديث: «إني أُحِبُّ أن أسمعه من غيري» يأخذ بعضُد هذا المعنى ويقويه؛ ولذلك فهو دليل على أن الذي يسمع تلاوة القرآن الفاتحة ساقطة عنه؛ لأنه قراءة الإمام له قراءة. (الهدى والنور / ١٦٢/ ٤٨: ٤٧: ٠٠) هل يقال أنه لا يُقرأ خلف الإمام إلا الفاتحة جمعاً بين الأدلة ؟ السائل: بالنسبة للذكر الخاص والعام في قراءة الفاتحة، أليس لقائل أن يقول: قوله ﷺ : «ما لي أُنازع القران» وقول أبي هريرة ﵁ في نفس الحديث: «فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر به الإمام» ثم الحديث الآخر «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب» هل له أن يقول: «انتهى الناس عن القراءة فيما ما جهر فيه الإمام إلا الفاتحة»؟ الشيخ: ليس له ذلك، لأنه لا دليل على وجوب قراءة الفاتحة بالنسبة للمؤتم الذي يسمع قراءة الإمام. لا دليل على وجوب قراءة الفاتحة على المقتدي الذي يسمع القراءة من الإمام في الصلاة الجهرية. مداخلة: منها حديث «إذا قرأ فأنصتوا». الشيخ: آه، منها -نعم- الآية الكريمة: «وإذا قرئ القران فاستمعوا له وأنصتوا» المهم، يعني الجواب عن سؤالك هو هذا. ولسنا الآن في صدد ذكر الأدلة التي توجب الإنصات في الصلاة الجهرية مطلقًا، سواء في الفاتحة وفي غيرها. (الهدى والنور /١٨١/ ٢٠: ٤٧: ٠٠)

стр. 2234

حكم قراءة الفاتحة لمن أدرك الإمام قبيل الركوع، والكلام على مسألة الصلاة خلف الإمام الجالس السائل: دخلنا المسجد في صلاة سِرّية -الظهر أو العصر- أدركنا الإمام قائماً، ولكننا لم ننته من قراءة الفاتحة بعد الإمام، هل يجوز لنا أن نتم الفاتحة؟ الشيخ: إذا ركع الإمام وَلَمّا يكن المقتدي قد انتهى من قراءة الفاتحة، يقرأ منها ما غلب على ظنه أن الإمام سوف لا يرفع رأسه من الركوع، وإنما هو سيشاركه. فلو غلب على ظن المقتدي بأنه باستطاعته أن يقرأ الفاتحة كُلَّها، ثم يشارك الإمام في الركوع أتمم، وإلا فيقرأ بالمقدار الذي لا يُفَرِّط به على نفسه إدراك الإمام راكعا. وهذا -طبعا- ليس فيه نص، لكن فيه تَفَقُّه، لأنه -بلا شك- أن الذي أدرك شيئا من الفاتحة، هو خير من ذاك الذي أدرك الإمام راكعاً فكبر تكبيرة الإحرام ثم تكبيرة الركوع، هذا دون ذاك، فإذا كان ثبت -وهو ثابت في السنة- أن مدرك الركوع مدركٌ للركعة، فمن باب أولى أن من أدرك قسماً من الفاتحة مع الركوع مدرك للركعة من باب أولى. فكنت قد خَرَّجْتُ الحديث الصريح بأن مدرك الركوع مدرك للركعة في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» في ظني أنه في المجلد الثالث، والحديث يعرفه المشتغلون بعلم الحديث من «سنن أبي داوود» وإسناده في «سنن أبي داود» ليِّن ضعيف، لكنه في «سنن البيهقي الكبرى» بإسنادٍ ليس فيه ذلك الضَّعف، ويُمْكِن أن يُصَحَّح -يُمكن-، لكن هذا مع الاحتمال. ذلك بأن الإمام البيهقي روى الحديث بإسناد صحيح عن عبد العزيز ابن رُفيع، عن رجل من الأنصار، أن النبي ﷺ قال: «إذا أتيتم الإمام وهو راكع فاركعوا، واعتَدّوا بالركعة، وإذا أتيتم الإمام وهو ساجد فاسجدوا ولا تعتدوا

стр. 2235

بالركعة. عبد العزيز ابن رُفيع تابعي، وهو ثقة من رجال الشيخين، لكن لا خلاف في ذلك بينهم، يقول: «عن رجل من الأنصار» هذا الرجل من الأنصار إن كان صحابي صَحَّ السند لأنه من رواية تابعي عن صحابي، لكن ليس في السند التصريح بأنه صحابي، لذلك قلت: يُحتمل أن يكون صحيحاً، وهذا الاحتمال يأتي من هذا الذي بيَّنته، هذا الرجل من الأنصار: إن كان صحابي كان السند صحيحاً، وإن كان تابعيا كان مرسلاً. لكن مثل هذا المرسل له قدر وله وزن عند الأئمة، لِمَا؟ لأنه يُفْتَرض أن يكون تابعياً كبيراً، هذا إن لم يكن صحابي، هكذا عالجنا هذا الإسناد، وهو غير إسناد الحديث في «سنن أبي داوود» ثم زال الإشكال وطاح الاحتمال، وثبت لدينا أن الرجل هو صحابي؛ لأنني وجدتُ الحديث بسند صحيح في «مسائل المروزي» عن الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه -مخطوطة قديمة جدًّا ربما يعود تاريخها إلى القرن الثالث- محفوظة في «المكتبة الظاهرية» يروي المروزي بالسند الصحيح من طريق عبد العزيز بن رُفَيْع، قال: حدثني رجل من الأنصار قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول، فطاح الإشكال والتردُّد الذي كنا نتردد في تصحيح الحديث واتصل الإسناد. ذلك: بأن الصحابة -عند أهل السنة- كلهم عدول ولا يضُرُّ جهل اسم الصحابي، فكان هذا السند الصحيح كافياً لإثبات أن من أدرك الإمام راكعاً فقد أدرك الركعة، ويعتبر بالتوفيق بين الأحاديث، يُعتبر مخصِّصًا لعموم قوله ﵇: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» «فصلاته خِداج، فصلاته خداج، فصلاته خداج» فإذا انضم إلى ذلك طريق الإمام أبي داود في «سننه» وهو من روايته عن أبي هريرة صحابي آخر، إندعم أحدُهما بالآخر -لا سيما- إسناد أبي داود الذي فيه ذاك اللين، يتقوَّى بلا شك بإسناد المروزي الذي هو صحيح بذاته، هذا جواب ما سألت، أن من أدرك وراء الإمام شيئاً من الفاتحة، ثم أدرك الإمام راكعاً فقد صَحَّت صلاتُه.

стр. 2236

السائل: قالوا إنهم ممكن يتأخروا عن الإمام في عدة أركان؟ الشيخ: هذا فيه مخالفة لنصوص عديدة كثيرة منها: قوله ﵇ «إنما جُعِلَ الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه» ومنها: قوله ﵇ في حديث أنس ابن مالك: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى قائماً فصلُّوا قياماً، وإذا صلَّى جالساً فصلُّوا جلوساً أجمعين». لا يجوز للمقتدي أن يخالف الإمام، حتى لو صلَّى الإمام جالساً لمرضٍ ألمَّ به علماً بأن القيام بالنسبة للصحيح السليم ركن من أركان الصلاة لا تصحُّ الصلاة إلا به. فنحن نرى في هذا الحديث رسول الله ﷺ قد أسقط هذا الركنَ عن جميع المصلين السليمين من خلفه، لكي يشاركوه في هيئته ولا يخالفوه في صورة صلاته، فكيف يتعلَّل الإنسان الذي يصلي خلف الإمام بأنه لم يستطع أن يقرأ الفاتحة، نقول هذا ركن والقيام ركن، وأسقطه ﵇ لتحقيق المتابعة، كذلك هنا. في المسألة التي كنا فيها -آنفا- يقرأ من الفاتحة ما يستطيع ولا [يقطع] متابعة الإمام، لأنه يقع في مخالفة أخرى، وهنا حينما يقرأ ما يستطيع ويشارك الإمام في في الركوع ولا يخالف شيئاً على النحو الذي سبق ذِكْرُه من أن «مدرك الركوع مدرك للركعة، ومن الحديث الذي ذكرته آنفا «إنما جعل الإمام ليؤتم به» إلى قوله «فإذا صلى قائما فصلوا قياما، وإذا صلى جالساً أو قاعداً فصلوا جلوسا أو قعوداً أجمعين». السائل: يا شيخ، يقولون: إنه كان منسوخا بفعله في آخر حياته، حين مرض صلى جالساً وهم قياماً؟ الشيخ: هذا فعلاً يقوله بعض العلماء، ولكنه لا ينهض الدليل على صحته، ذلك بأن القول لا يُنْسَخ بالفعل، القول دائما أقوى من الفعل، ولهذا يقول علماء الأصول:

стр. 2237

إنه إذا تعارض نَصَّان صحيحان، أحدهما من فعله ﵇، والآخر من قوله، ولم يُمْكِن التوفيق بوجه من وجوه التوفيق بينهما، صير إلى القول، واعتُمد عليه، وتُرك الفعل، لأنه يحتمل وُجُوهًا منها: أن يكون ذلك لعذر، أو أن يكون قبل تشريع ما جاء في القول، في الحديث القولي أو يكون ذلك خصوصية من خصوصيات الرسول. فأفعاله ﵇ يعتريها ويحيط بها من الاحتمالات ما لا يحيط بالقول، لأن قوله ﵇ تشريع عام للأمة. وهذا إذا ثبت أن الفعل كان متأخرا عن القول، وإذا لم يثبت ذلك فهيهات أن يُمْكِن نسخ القول بالفعل. وهناك شيء آخر: لا يمكن نسخ قول بفعل، لو تأخر فعلُه ﵇ عن قوله، ما دام ذلك القول مُعَلَّلٌ بعلةٍ لا تَقْبَل النسخ. قوله ﵇ -السابق الذكر- «وإذا صلى جالسا، فصلُّوا جلوساً أجمعين» جاء تعليلُه في «صحيح مسلم» من روايةِ جابر بن عبد الله الأنصاري أن النبيَّ ﷺ كان راكباً يوماً دابتَه فجحشت به، فأُصِيب في أكحله، فحضرت صلاة الظهر وصلى جالساً، فصلى الناس خلفه قياماً، فأشار إليهم: أن اجلسوا فجلسوا، ثم قال ﵇ بعد أن قضى صلاته «إن كدتم آنفا تفعلون فعلَ فارسَ بعظمائها، يقومون على رؤوس ملوكهم، إنما جُعِلَ الإمام ليؤتم به» وذكر الحديث إلى نهايته: «وإذا صلَّى جالسا فصلُّوا جلوساً أجمعين». في هذا الحديث فائدة هامة، وهي أن أمر النبي ﷺ إنما أمر القائمين خلفه والمؤتمين به أن يجلسوا، لإطفاء هذه الظاهرة الوثنية، التي تظهر من بعض كفرة الملوك المشركين، علماً: أن ثمة فارقاً كبيراً جداً بين تلك الظاهرة وبين هذه الهيئة التي وقعت للصحابة خلف النبي ﷺ ، وذلك أمر واضح -إن شاء الله-. لكن لا بأس من التذكير: كسرى -وأمثالُه من الجبابرة- حينما يجلس ويقوم

стр. 2238

الوزراء والعظماء من حَوْلِه قياما، فهو يجلس طَلبًا لتعظيمه، وأولئك يقومون من حوله تحقيقاً لرغبته، بينما رسول الله ﷺ جلس مضطراً، وهو الذي أنزل الله عليه : «وقوموا لله قانتين» فهو أول العالمين بفرضية القيام، لكن «لا يكلف الله نفسا إلا وسعها». فهو إذاً: جَلَس مضطراً، لم يجلس جلوس كسرى وأمثاله؛ أما الصحابة فأيضاً قاموا خلفه تحقيقاً للآية السابقة: «وقوموا لله قانتين» ما قاموا -ولا يخطر في بال أحدهم وخاصةً في الصلاة أن يقوم- تعظيماً لرسول الله ﷺ ، بينما هو قام لله ربِّ العالمين، ما كان ليخطر في بالهم أن يقوموا له ﵇ خارج الصلاة، فكيف بهم يقومون له في وَسَطِ الصلاة؟ ! وهم يعلمون كما حدثنا خادمه أنس ابن مالك ﵁ في حديثه الشهير الصحيح والمروي في «الأدب المفرد» للإمام البخاري و «سنن الترمذي» بالسند الصحيح على شرط مسلم عن أنس ابن مالك: ما كان شخص أحبّ إليه من رسول ﷺ ، وكان في رواية «ما كان شخص أَحَبّ إليه من رسول الله ﷺ رؤيةً، وكانوا لا يقومون له، لِمَا يعلمون من كراهيته لذلك». إذا دخل المجلس كان من أدبه ﵇ وخُلُقه وتواضعه المعروف أنه يجلس حيث انتهى به المجلس، ولا يقوم له أحدٌ، لماذا؟ لأنهم -لا يعظمونه- لتعزروه وتوقروه في نص القران الكريم، فهم أشد الناسِ تعظيماً لنبيهم، وأعرف الناس جميعاً بِقدِره ﵇ ولكن في حدود ما شرع الله، لأنه ﵇: رَبَّاهم وأَدَّبهم على خير تأديب يمكن أن يكون على وجه الأرض. فإذا كان هؤلاء الصحابة لا يخطر في بالهم أن يقوموا له تعظيما إذا دخل عليهم في المجلس ليس في الصلاة، فلن يخطر ولم يخطر في بال أحدهم أن يقوم خلف النبي وهو يصلي جالسا تعظيمًا له، مع هذه المفارقة بين الصورة من النبي والصحابة، وتلك الصورة من كسرى وأصحابه: «إن كدتم -آنفا- تفعلون فعل فارس

стр. 2239

بعظمائها، يقومون على رؤوس ملوكهم». وهذا الحديث يدلُّنا على شيء هام، نرى كثيراً من الشباب المسلم، وفيهم بعض طلبة العلم، أنهم يتوهمون أن التشبه المحظور والممنوع في الشرع: هو الذي يتقصد المسلم التشبه بالكافر، ليس الأمر كذلك، التشبه هي ظاهرة -صورة- لا يُنْظَر فيها إلى ما في قلب هذا المتشبه، وإنما إلى عمله. وأكبر دليل على ذلك ما نحن الآن في صدده، هم في الصلاة ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ لا يخطر في بال أحدهم أن يُعَظِّم الرسول بهذا القيام، مع ذلك قال لهم: «إن كدتم آنفا تفعلون فعل فارس بعظمائها، يقومون على رؤوس ملوكهم». فهل يجوز لهم أن يقوموا بعد ذلك خلف الرسول ﵇ إذا مرض وصلى جالساً، لا يفعلون ذلك، لذلك قال: «إذا صلى قائما فصلوا قياما، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا أجمعين». الشاهد أن هذا حكم مُعَلّل بعلة، ممكن نسخ حكم لكن لا يمكن نسخ حكم مُعَلّل بعلة معلل بعلة، وهذه العلة مستمرة إلى يوم القيامة، وهذا من هذا القبيل. لذلك: إِنْ ثَبَتَ أَنَّ صلاة النبي ﷺ في مرض موته -الحقيقة في أحاديث هذه الصلاة، فرائق كثيرة جدًا يعترض فيها علماء الحديث، في بعض الروايات الصحيحة سنداً أن الإمام كان هو أبو بكر الصديق ﵁ والنبي كان يصلي خلفه هذا في آخر صلاة صلاها، وفي رواية أخرى أيضاً صحيحة، أن الإمام كان الرسول ﵇ وأن أبا بكر كان يُسْمِع تكبيره من قام خلفه ...... مع هذا الافتراض إن سُلِّم- وأن النبي ﷺ كان إماماً، وأن الناس صلوا خلفه قائمين، فهناك جوابان اثنان. الجواب الأول: مروي عن الإمام أحمد، توفيقاً بين هذه الحادثة وبين حديث «صلوا جلوسا أجمعين» وهذا التوفيق قائم على أساسِ: أن هذه الحادثة -صلاة الرسول ﵇ جالساً والناس خلفه قياماً- كانت بعد قوله: «صلوا جلوسا

стр. 2240

أجمعين» يقول الإمام أحمد -إمام السّنة- التوفيق بين الحديثين، الحديث القولي «إذا ابتدأ الإمام صلاته جالساً» فعلى الناس أن يُصَلُّوا جلوسا معه، أما إذا ابتدأ الصلاة قائما، ثم اعترض له عارض فاضطر إلى الجلوس والقعود، فلا مانع أن يَظَلَّ الناس يصلون خلفه قياما. التوفيق الثاني: واستفدته من شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه «اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم» قال: «لا يمكن نسخ الحديث بهذه الحادثة إن ثبت أنها كانت بعد الحديث، وإنما يُجْمَع بينهما بأحد الوجهين. ذكر الأول، والآخر: أن الحديث يبين أن الأمر ليس للوجوب، وإنما هو للاستحباب، وإذا كان الأمر للاستحباب جاز فعله وجاز تركه، أما [أن نقول] كما تقول بعض المذاهب: «إنه لا يجوز صلاة السليم صحيح البنية والإمام الجالس جالسا، فهذا لا سبيل إلى القول به» هذا كلام ابن تيمية. ثم وجدت في كتاب «فتح الباري» للحافظ ابن حجر العسقلاني روايةً مرسلة، ما أذكر الآن -لأن العهد بعيد- لكنه أحد رجلين: إما عطاء، وإما طاووس، بالسند الصحيح عنه بأن النبي ﷺ قال: «إذا صلى جالساً فصلوا جلوسا أجمعين» في صلاته في مرض موته. إذاً: المنسوخ هو ما يروى أن الرسول صلى جالسا والناس خلفه قياما، هذا ما عندي من التحدث حول هذه المسألة. (الهدى والنور /٩٠/ ٤٢: ٣.: ٠٠) إذا نسي الإمام الفاتحة حتى ركع السؤال: يقول السائل: إمام مسجد نسي قراءة الفاتحة في ركعة، ولم يتذكر ذلك إلا راكعاً، كيف يتصرف هذا الإمام؟

стр. 2241

الجواب: يلغي الركوع، وينهض إلى القيام ويأتي بالفاتحة، ثم يتابع الصلاة، يلغي الركوع يقطع الركوع، يقوم فوراً ويقرأ الفاتحة، ثم إن كان بعضاً منها، يعني: إن كانت الركعة الأولى والثانية يأتي بسورة أو بعض سورة، ثم يركع ويتابع الصلاة. مداخلة: المؤتمون يا شيخنا؟ الشيخ: يفعلون فعله. مداخلة: يتابعونه؟ الشيخ: «إنما جعل الإمام ليؤتم به» نعم. (الهدى والنور / ١٩٠/ ٥٨: ٠٩: ٠١)

стр. 2242

كتاب الاصطفاف وأحكامه

стр. 2243

وجوب اتصال الصفوف في الجماعة - حديث: «أن عائشة قالت لنساء كن يصلين في حجرتها: «لا تصلين بصلاة الإمام فإنكن دونه فى حجاب». [قال الإمام]: لم أجده. وقد قال البخارى في صحيحه «باب إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط أو سترة, وقال الحسن: لا بأس أن تصلى وبينك وبينه نهر, وقال أبو مجلز: يأتم الإمام وإن كان بينهما طريق أو جدار إذا سمع تكبير الإمام». قال الحافظ في شرحه للجملة الأولى من كلام البخارى «٢/ ١٧٨»: «أى هل يضر ذلك بالاقتداء أو لا؟ والظاهر من تصرفه, أنه لا يضر كما ذهب إليه المالكية, والمسألة ذات خلاف شهير, ومنهم من فرق بين المسجد وغيره». قلت: وقد روى ابن أبى شيبة في المصنف «٢/ ٢٥/١ ـ ٢» آثاراً في المنع من ذلك, وأخرى فى الرخصة فيه وهذه أكثر وأصح, ولعل ذلك لعذر كضيق المسجد أو نحوه, وإلا فالواجب الصلاة فى المسجد ووصل الصفوف, فما يفعله الناس اليوم في موسم الحج من الصلاة في الغرف التى حول المسجد الحرام مع عدم اتصال الصفوف فيه فلا أراه جائزاً بوجه من الوجوه. [إرواء الغليل تحت حديث رقم (٥٤٣)] تسوية الصفوف سنة متروكة [قال الإمام]: سنة متروكة يجب إحياؤها: استفاضت الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ في الأمر بإقامة الصفوف وتسويتها، بحيث يندر أن تخفى على أحد من طلاب العلم فضلاً عن شيوخه، ولكن ربما يخفى على

стр. 2244

كثيرين منهم أن من إقامة الصف تسويته بالأقدام، وليس فقط بالمناكب، بل لقد سمعنا مرارًا من بعض أئمة المساجد -حين يامرون بالتسوية- التنبيه على أن السنة فيها إنما هي بالمناكب دون الأقدام! ولما كان ذلك خلاف الثابت في السنة الصحيحة، رأيت أنه لا بد من ذكر ما ورد فيه من الحديث، تذكيرًا لمن أراد أن يعمل بما صح من السنة، غير مغتر بالعادات والتقاليد الفاشية في الأمة. فأقول لقد صح في ذلك حديثان: الأول: من حديث أنس. والثاني: من حديث النعمان بن بشير ﵄. أما حديث أنس فهو: «أقيموا صفوفكم وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري». وأما حديث النعمان فهو: «أقيموا صفوفكم ثلاثا، والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن بين قلوبكم». وفي هذين الحديثين فوائد هامة: الأولى: وجوب إقامة الصفوف وتسويتها والتراص فيها، للأمر بذلك، والأصل فيه الوجوب إلا لقرينة، كما هو مقرر في الأصول، والقرينة هنا تؤكد الوجوب وهو قوله ﷺ : «أو ليخالفن الله بين قلوبكم». فإن مثل هذا التهديد لا يقال فيما ليس بواجب، كما لا يخفى. الثانية: أن التسوية المذكورة إنما تكون بلصق المنكب بالمنكب، وحافة القدم بالقدم، لأن هذا هو الذي فعله الصحابة ﵃ حين أمروا بإقامة الصفوف «١/ ٧٢» ولهذا قال الحافظ في «الفتح» بعد أن ساق الزيادة التي أوردتها في الحديث الأول من قول أنس: «وأفاد هذا التصريح أن الفعل المذكور كان في زمن النبي ﷺ ، وبهذا يتم الاحتجاج به على بيان المراد بإقامة الصف وتسويته». ومن المؤسف أن هذه السنة من التسوية قد تهاون بها المسلمون، بل أضاعوها إلا القليل منهم، فإني لم أرها عند طائفة منهم إلا أهل الحديث، فإني رأيتهم في مكة سنة «١٣٦٨» حريصين على التمسك بها كغيرها من سنن المصطفى ﵊ بخلاف غيرهم من

стр. 2245

أتباع المذاهب الأربعة - لا أستثني منهم حتى الحنابلة - فقد صارت هذه السنة عندهم نسيا منسيا، بل إنهم تتابعوا على هجرها والإعراض عنها، ذلك لأن أكثر مذاهبهم نصت على أن السنة في القيام التفريج بين القدمين بقدر أربع أصابع، فإن زاد كره، كما جاء مفصلا في «الفقه على المذاهب الأربعة» «١/ ٢٠٧»، والتقدير المذكور لا أصل له في السنة، وإنما هو مجرد رأي، ولو صح لوجب تقييده بالإمام والمنفرد حتى لا يعارض به هذه السنة الصحيحة، كما تقتضيه القواعد الأصولية. وخلاصة القول: إنني أهيب بالمسلمين - وخاصة أئمة المساجد - الحريصين على اتباعه ﷺ واكتساب فضيلة إحياء سنته ﷺ أن يعملوا بهذه السنة ويحرصوا عليها، ويدعوا الناس، إليها حتى يجتمعوا عليها جميعا. وبذلك ينجون من تهديد «أو ليخالفن الله بين قلوبكم». وأزيد في هذه الطبعة فأقول: لقد بلغني عن أحد الدعاة أنه يهون من شأن هذه السنة العملية التي جرى عليها الصحابة، وأقرهم النبي ﷺ ، ويلمح إلى أنه لم يكن من تعليمه ﷺ إياهم، ولم ينتبه - والله أعلم - إلى أن ذلك فهم منهم أولا، وأنه ﷺ قد أقرهم عليه ثانيًا، وذلك كاف عند أهل السنة في إثبات شرعية ذلك، لأن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، وهم القوم لا يشقى متبع سبيلهم. [إلى أن قال]: الخامسة: أن شروع الإمام في تكبيرة الإحرام عند قول المؤذن «قد قامت الصلاة» بدعة، لمخالفتها للسنة الصحيحة كما يدل على ذلك هذان الحديثان، لاسيما الأول منهما، فإنهما يفيدان أن على الإمام بعد إقامة الصلاة واجبا ينبغي عليه القيام به، وهو أمر الناس بالتسوية مذكرا لهم بها، فإنه مسؤول عنهم: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ... ». السلسلة الصحيحة (١/ ١/٧٠ - ٧٤)
следующие страницы →