← Фикх общий

Фикх общий · id 145204

جامع تراث العلامة الألباني في الفقه

ناصر الدين الألباني

Полный текст (8 195 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

إذا لم يسمع المأموم قول الإمام آمين، فهل يقولها أم لا ؟ مداخلة: إذا لم يسمع المأموم قول الإمام آمين، فهل يقولها أم لا؟ الشيخ: الجواب: نعم يقولها، ولكن كما نبهنا في الأمس القريب: لا يستعجل إذا سمع سكون النون من الإمام ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] يأخذ المقتدي كما لو كان هو القارئ .. يأخذ نفساً ثم يقول: آمين، وبهذه الحالة يكون لم يسبق الإمام خلاف ما نشاهده اليوم في كثير من البلاد «إذا أمن فأمنوا» وليس من الضروري حينذاك أن يسمع؛ لأن كثيراً من الأئمة يكون مذهبهم الإسرار بآمين في بعض البلاد وبخاصة بلاد بعض الأعاجم كالأتراك الذين يغلب عليهم التمسك بالمذهب الحنفي، فالمذهب الحنفي يرى أن الإمام لا يجهر بآمين وإنما يسر، وهذا خلاف السنة الصحيحة؛ لأن السنة صرحت بأن النبي ﷺ : «كان إذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] قال: آمين ورفع بها صوته» فإذا ابتلي المصلي بالاقتداء بإمام حنفي المذهب مثلاً لا يرى سنية الجهر بآمين، أو هو يرى ولكنه متاكسل لا يهتم بالتمسك بالسنة فلا يجهر بآمين فذلك لا يحول بين المقتدي وبين قوله: آمين، ولكن عليه أن لا يستعجل بها كما ذكرنا ذلك في الأمس القريب. (رحلة النور: ٢٤ ب/٠٠: ٢٤: ٣٢) ماذا يقول المأموم عندما يقول الإمام سمع الله لمن حمده ماذا يقول المأموم عندما يقول الإمام سمع الله لمن حمده، وما القول في الحديث فإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد؟ الشيخ: هذه مسألةٌ يجب على عامة المصلين المقتدين وراء الإمام أن يتنبهوا لها، لأن هذا الحديث: وإذا قال - يعني الإمام -: «سمع الله لمن حمده» فقولوا «ربنا ولك الحمد»، قد فهم بعض أهل العلم - فضلاً عن غيرهم - أن هذا حكم فيه

стр. 2557

تقسيم، ما ينبغي للإمام وما ينبغي للمأموم، فإذا قال الإمام: «سمع الله لمن حمده»؛ فقولوا أنتم معشر المقتدين: «ربنا ولك الحمد». ليس المقصود من هذا الحديث أن الإمام لا يقول ربنا ولك الحمد، كما أنه ليس المقصود أنَّ المقتدي لا يقول سمع الله لمن حمده، وإنما المقصود أن يأتي قول المقتدي: «ربنا ولك الحمد» بعد أن يقول الإمام: «سمع الله لمن حمده»، فهذا الحديث ينبغي تفسيره على ملاحظةِ أمرين أثنين أحدهما نص الحديث، والآخر التفقه في حديث آخر وإمعان النظر فيه، أما الحديث الأول فهو عموم قوله ﵊: «صلوا كما رأيتموني أصلي» ولاشك أن عامة صلاة النبي ﷺ على مرأى من الناس وعلى مسمع منهم إنما كانت صلاة الفريضة، فإذا قال ﵊ لعامة الناس: «صلوا كما رأيتموني اصلي» فإنما يعني أنه لا فرق بين المُخاطبين أن يكون إمامًا أو أن يكون مقتديًا، أو أن يكون منفردًا فكل هؤلاء وهؤلاء وهؤلاء عليهم أن تكون صلاتهم كصلاة النبي ﷺ ، لأن الخطاب المذكور: «صلوا كما رأيتموني اصلي» يشملهم جميعًا، فإذا كان من الثابت في السنة الصحيحة - كما في صحيح البخاري -من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه - أن النبي ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده فإذا قام أي استتم قائمًا قال: ربنا ولك الحمد وهذا هو الموضع الثاني الذي ينبغي النظر فيه والتأمل فيه، فسنته ﷺ في الجمع بين هذين الذكرين: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد؛ أن أحدهما في حالةٍ والآخر في حالةٍ آخرى، الأول وهو قوله ﷺ سمع الله لمن حمده: في أثناء اعتدال الإمام في أثناء رفع رأسه من الركوع سمع الله لمن حمده، لا يرفع رأسه ثم يقول وهو قائم سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد؛ لا، وإنما وهو يرفع رأسه من الركوع يقول سمع الله لمن حمده، فإذا ما استتم قائمًا جاء موضع الورد الثاني ربنا ولك الحمد، كذلك على كل مصلٍ - ولو كان مقتديًا - أن يفعل كفعله عليه السلام أن يقول وهو رافع رأسه من الركوع: سمع الله لمن حمده، ويكون هذا بطبيعة الحال بعد أن يكون الإمام بدأ - على الأقل - برفع رأسه وبقوله

стр. 2558

سمع الله لمن حمده، المقصود أن للاعتدال وردًا وللقيام الثاني وردًا آخر، فورد الاعتدال: سمع الله لمن حمده، وورد القيام الثاني: ربنا ولك الحمد، على هذا ينبغي على المصلي ولو كان مقتديًا أن يجمع بين الأمرين. أمّا الواقع اليوم فعلى خلاف ذلك تمامًا؛ لأن المقتدي حين يقتصر على قوله ربنا ولك الحمد إن قال ذلك وهو يرفع رأسه فسيظل قائمًا دون وردٍ ودون ذكرٍ وهذا خلاف السنة، وإن رفع رأسه حتى استتم قائمًا دون أن يذكر شيئًا ثم قال ربنا ولك الحمد، فقد جاء بالورد الثاني في حال قيامه وأضاع على نفسه الورد الأول في حال رفع رأسه من الركوع، هذا ما ينبغي أن يلاحظه المقتدي، أما الحديث وهو قوله ﵊: «فإذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد» فلا يعني لما ذكرته آنفًا أن المقتدي لا يقول سمع الله لمن حمده كما يقول الإمام. ويشبه هذا تمامًا حديث آخر وهو أيضًا في صحيح البخاري قال ﵊ في بعض الأحاديث: «إنما جعل الإمام ليأتم به فإذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين؛ فقولوا آمين» هذا الحديث إذا وقفنا عنده وحده، وذهبنا إلى ظاهره أخذنا منه أن الإمام لا يقول آمين، وبهذا يقولُ كثير من المالكية قديمًا وحديثًا جمودًا منهم على ظاهر الحديث لأنه قال: إذا قال الإمام ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ لم يقل آمين، وإنما قال إذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا أنتم آمين، ولكن لا ينبغي أن نأخذ من هذا الحديث حكم تأمين الإمام سلبًا أو إيجابًا، وإنما ينبغي أن نربط به روايةً آخرى من حديث أبي هريرة ايضًا وهو متفق عليه، ألا وهو قوله ﵊: «إذا أمّنّ الإمام فأمّنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفِر له ما تقدم من ذنبه» وحينئذٍ فالرواية الأولى وإذا قال ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ آمين»؛ يجب أن نضم إليها زيادة الرواية الآخرى فنقول في تفسيرها: وإذا قال الإمام ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ آمين فقولوا أنتم آمين، هكذا طريقة الجمع بين الأحاديث وبذلك يتبين لنا ما خلاصته: أن المقتدي يقول مع الإمام سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد

стр. 2559

وكذلك الإمام يقولُ آمين كما يقولوا المقتدين، ولكن المقتدين إنما يتابعون الإمام في كل أوراده وأذكاره وانتقالاته ولا يسابقونه في شيء من ذلك. سائل: [ ... ] الشيخ: وايش معنى السؤال الأول - هداك الله - والجواب ما سمعت، ظاهر الأمر بقوله ﵇: فقولوا آمين هو الوجوب. ثم أيُ إنسان عاقل حتى لو كان هذا الأمر للاستحباب، أي إنسان عاقلٍ حريصٍ على الحصول على مغفرة الله ﵎ بأقل جهد وأدنى نصبٍ وتعب يُعرض عن الوصول إلى مغفرة ربه ﵎ لمجرد أن يقولَ بعد قول الإمام «آمين» آمين، فالرسول ﷺ قال كما سمعتم: «إذا أمنّ الإمام فأمّنوا فإنه من وافق تأمينه تأمينَ الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» فلو أن المسلم قضى حياة طويلة حتى لو كانت حياة نوح ﵇ في سبيل الوصول إلى مغفرة الله ؛ لكان الثمن بخسًا، فكيف والإنسان منا مهما عاش فلا يجاوز المئة سنة فإذا في هذه المئة سنة جَهِدَ وَتَعِبَ لينال مغفرة الله فما يكون ثمنه إلا يسيرًا، لهذا ننصح كل مسلم أن يكون حريصًا على متابعة قراءة الإمام للفاتحة، فإذا أمّن هو تبعه في قوله آمين، هذا ما يُقال بالنسبة للسؤال الأخير. (فتاوى جدة-موقع أهل الحديث والأثر- ٢٦) هل يسلم المأموم بعد تسليمتي الإمام، أم بعد التسليمة الأولى ؟ مداخلة: شيخ ... المعلومة السابقة التي كانت عندي أن بعد ما يسلم الإمام التسليمتين المأموم يسلم، ولكن والله أعلم رأيتك ... ؟ الشيخ: هذا ليس له أصل في السنة أبدًا، بل ظاهر الأدلة توجب خلاف ذلك؛ لأن الرسول ﷺ يقول: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد» إلى آخر الحديث،

стр. 2560

فهنا إذا سلم الإمام التسليمة الأولى لغةً فيقال: سلم الإمام أم لا؟ أظنكم وأنتم العرب ستوافقونني وأنا أعجمي على أن المعنى إذا سلم الإمام التسليمة الأولى أنه سلم الإمام، فحينئذ لماذا لا نقول: إنما جعل الإمام ليؤتم به، وعلى قياس ما سبق من ذكر الرسول لبعض أفراد الصلاة ... «إذا كبر فكبروا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده .. » إلى آخره، لماذا لا نقول: إذا سلم الإمام فسلموا؟ لا سيما أن هناك سنة معروفة عند أهل السنة مجهولًة عند غالب المتمذهبين ببعض المذاهب، أن النبي ﷺ كان يقتصر أحيانًا على تسليمة واحدة. فلو أنا أممتكم مثلًا وأردت أن أحيي معكم هذه السنة، فقلت السلام عليكم وسكت تنتظرون ماذا؟ تنتظرون التسليمة الثانية، أين الدليل على هذا؟ «إذا سلم الإمام فسلموا» هذا الانتظار إنما يصح أن يتبنى وأن يقال فيما لو كان من رأينا أن كلًا من التسليمتين هو شرط أو ركن من أركان الصلاة بمعنى قول الرسول ﵇: «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم» التسليم هنا هل نفسره بالتسليمتين أم نفسره بالتسليمة الأولى؟ لا شك أن التفسير الثاني هو الصواب على ضوء ما ذكرنا من أن النبي ﷺ كان يقتصر أحيانًا على التسليمة الواحدة، فما دام أن التسليمة الثانية ليست شرطًا وإنما هي سنة مكملة، إنما الشرط إنما هو التسليمة الأولى، فإذا سلم الإمام التسليمة الأولى هل حل بذلك خروج المصلي من الصلاة؟ الجواب: نعم، إذًا: تحليلها التسليم، أي: التسليم الأول، فإذا قال الإمام إذًا: السلام عليكم، فنحن نتابعه ولا نتخلف عنه، فإن انضم إلى ذلك أنه أتى بالتسليمة الثانية كما هو عمل عامة الأئمة نتابعه أيضًا في ذلك، لكننا إذا تبنينا أن التسليم من المقتدي يكون بعد أن يسلم الإمام التسليمة الثانية فربما بالإضافة إلى المخالفة لما ذكرنا ربما وقفنا هكذا ننتظر تسليمة الإمام التسليمة الثانية وسوف لا يفعل. لهذا وذاك نقول نحن: إذا سلم التسليمة الأولى فسلموا، وإن سلم - أقول: إن - التسليمة الثانية فسلموا، وإن لم يسلم فانتظروا إنا معكم من المنتظرين! لا، هذا ما عندي والحمد لله رب العالمين. (أسئلة وفتاوى الإمارات - ٧/ ٠٠: ٣٢: ٠٣)

стр. 2561

السترة للمأموم

стр. 2562

سترة الإمام سترة للمأموم وحكم المشي لطلبها مداخلة: يا شيخنا بالنسبة لحديث الرسول ﵊: سترة الإمام هي للمأموم. طيب. إذا انصرف الإمام من الصلاة هل تبقى قائمة السترة، أولا؟ ثانياً: إذا انصرف الإمام، هل يجوز له أن يتخذ سترة إذا كانت بعيدة عن سجوده مسافة عشرة أمتار أو ثلاثة عشر متراً، هل يسير ... ؟ الجواب: قبل ذلك لابد من التنبيه إلى أن: الجملة المأثورة باللفظ الذي جاء في سؤال السائل: «سترة الإمام سترة للمصلين» هذا جاء حديثاً نبوياً، ولكنه لا يصح من حيث إسناده، وإن كان صحيحاً متنه؛ لأن معنى المتن مما جرى عليه المسلمون الأولون، ثم مَن تلاهم. بعد هذا التوضيح وهذا التحرير لهذه الجملة، أدخل الآن في صلب الإجابة فأقول: إذا كان المقتدي مسبوقاً بركعة أو أكثر، فلما سّلَّم الإمام، وقد كان هو فعلاً سترة له، قام هو ليتم وليقضي ما سُبق به من الركعات، فهنا نقول: لا يزال هو آخذ ذلك الحكم الذي يُعَبَّر عنه بأن «سترة الإمام سترة لمن خلفه» هذا فيما يتعلق به كمقتد. ولكن لكي لا يتعرض أحد للمرور بين يديه من الغافلين، وخاصةً كما يقع في المسجد المكي ثم في المسجد المدني، فيحسن هنا اجتهاداً واستنباطاً وليس نصاً أن يتخذ السترة من جديد؛ لأن تلك السترة هي حُكْمِيَّة، وهي غير مرئية بالنسبة لمن قد يتعرضون لقطع صلاته، فمن أجل ألَّا يتعرض أحد لقطع صلاته، لابد من وضع واتخاذ سترة مادية، مشاهدة ملموسة، هنا لابد من التفصيل: إذا كانت السترة بعيدة عنه على النحو الذي ذكر السائل -آنفاً- بحيث يتطلب منه العمل الكثير هنا نقول: اكتفِ بأن تُصَلِّي حيث أنت.

стр. 2563

أما إذا كان بإمكانه أن يتخذ سترة من قريب، ولو سلك إليها بخطوات فلا بأس من ذلك، فهذا البحث كُلّه استنباط واجتهاد يقبل المناقشة، ويقبل المخالفة. لكن الذي نراه هكذا بإيجاز: إذا كانت السترة بعيدة عنه، تتطلب منه مَشْياً كثيراً، فيصلي حيث هو، وإذا كان بإمكانه أن يتخذ سترة قريبة منه، فيمشي إليها بخطوات. والفارق بين هذا وذاك، أي: بين هذا الذي نراه من الخطوات، وتلك التي نراها من الخطوات الكثيرة هو: أنه إذا واحد يمشي قيل: هذا لا يُصَلِّي، فإذا كانت خطوات كثيرة، يكون حكمه أنه لا ينبغي أن يفعل، وإذا كانت خطوات قليلة فليفعل ذلك في سبيل تحقيق تلك المصلحة، وهي دفع المفسدة التي قد يتعرض لها هذا المصلي، هذا جوابي عن هذا السؤال. مداخلة: فهل تبطل الصلوات، خطوات كثيرة إذا مشى خطوات كثيرة؟ الشيخ: أنا قلت آنفاً: الخطوات الكثيرة، لماذا نحن أوصينا بتجنبها؟ لأنه عمل كثير، وقد اختلف العلماء اختلافاً كثيراً في العمل الذي يُبْطِل الصلاة، فمن قائل: بأنه ثلاث حركات تبطل الصلاة، ومن قائل: بأن ذلك لا يمكن تحديده بحركات، وإنما التحديد بنوعية العمل، فإذا كان العمل الذي يأتي به المصلي يَشْغَل الرائي والناظر إليه؛ لأنه ليس في صلاة، فهذا العمل هو الذي يبطل الصلاة، وما دون ذلك فلا. أذكر أن بعضهم ضرب -مثلاً- طريفاً، وجميلاً ونادر الوقوع بالنسبة للمصلين، لكن المقصود فيه: تجلية مسألة العمل الكثير، قال: لو رئي أحد وهو يصلي ويخيط زر أو فتق في ثوب أو ما شابه ذلك، فالذي يراه ماذا يقول، فيه هو في صلاة؟ ما يقول في صلاة.

стр. 2564

إذاً: هذا النوع من العمل يُبْطِل الصلاة، وأنا الآن أضرب مثالاً في صلب المثال السابق، وهي: الخطوات إذا رأينا إنساناً كان في صلاة، ومسبوقاً كما جاء في السؤال والجواب، يمشي المشية العسكرية أنا هكذا أمثل الآن، من يقول إن هذا يصلي؟ لا أحد. إذاً: هذا عمل يبطل صلاته، ننزل قليلاً من هذه الصورة إلى صورة أبعد عنها، يمكن أن تكون من المتشابهات يعني: يمكن أن يقال عنها تبطل الصلاة، ويمكن أن يقال عنها لا تبطل الصلاة، يمشي هو ليس المشي عسكرياً نظامياً، لكن يمشي بسرعة، من الذي يقول إن هذا في صلاة، وهكذا تتعدد الأمثلة، وتعدد الصور حينما نأتي إلى صورة من المشي يخرج عن أن يقال فيه: إنه ليس في صلاة، فهنا يقال: بجواز هذا المشي في سبيل تحقيق تلك المصلحة التي أشرنا إليها، هذا تقريباً توضيح ما سألت عنه، لكن الآن يخطر في البال شيء، وهو: أن المسلم يجب أن يكون ليس فقط فقيهاً، وهذا لابد منه، بل يجب أن يكون أيضاً: حكيماً في دعوته، وفي فقهه اقتداءً منه بنبيه صلوات الله وسلامه عليه، حيث قال لعائشة حينما أرادت أن تدخل الكعبة وأن تصلي فيها ركعتين اقتداءً بنبيها وبزوجها محمد ﷺ فقال لها: «صَلِّي في الحجر فإنه من الكعبة، ولولا أن قومك حديثو عهد بالشرك لهدمت الكعبة، ولبنيتها على أساس إبراهيم ﵇، ولجعلت لها بابين مع الأرض» ما هو بابين عاريين كما هو اليوم باب واحد عاري، لا يدخل إلى الكعبة منه إلا من لا يليق أن يدخل فيه، اليوم أقول، قال ﵇: «ولجعلت لها بابين مع الأرض باباً يدخلون منه، وباباً يخرجون منه». مداخلة: تنظيم سير؟ الشيخ: نعم. مداخلة: تنظيم سير. الشيخ: نعم تنظيم سير -ما شاء الله- لكن الرسول ﷺ ما فعل شيئاً من ذلك لماذا؟ خشي المفسدة التي قد تترتب من وراء هذا التجديد وهذا الإصلاح.

стр. 2565

نحن الآن كدعاة لاتباع السلف الصالح الذين كانوا على الكتاب والسنة، نحن دعاة إصلاح، فينبغي أن نجمع في دعوتنا بين العلم والأسلوب الحسن في الدعوة، ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]. هذه توطئة لأقول: إذا كان المسبوق في مسجد طرق أسماع أهله البدعة والسنة وقال ﵇ وإلى آخره، وليسوا مذهبيين لا يعرفون هذه الحقائق النبوية، فتقدم ومشى مشياً طويلاً، لكن ليس ذاك المشي الأول أو الثاني أو الثالث الذي يُوهم الناس أن هذا لا يصلي، فليفعل، أما إذا كان في مسجد لا يعرفون شيئاً من السنة، يعرفون ثلاث خطوات تبطل الصلاة، بلا شك هو إذا مشى ثلاث خطوات سيثور الناس عليه، وستقع مشكلة كان هو في غنى عن إثارتها، فحينئذ لا يثيرها بهذا الإصلاح لصلاته اقتداءً بنبيه ﷺ في تركه للكعبة على بنيان الجاهلية، خشية أن يقع هناك مفسدة في قومه، «يا عائشة، لولا أن قومك حديثوا عهد بالشرك لهدمت الكعبة، ولبنيتها على أساس إبراهيم ﵇». مداخلة: قال: هذا مَثَل يا شيخ، إنه إذا مشى المصلي لا تبطل صلاته، ولكن يبطل؟ الشيخ: لا نطرق هذا الكلام. مداخلة: لا، مع تفسيرات .... الشيخ: ما عليك أيّ يقيدها، إذاً: لا نطلق هذا الكلام بالقيد السابق نعم لا يفسد الصلاة. (الهدى والنور /٢٠٨/ ٣٠: ٣٠: ٠٠) (الهدى والنور /٢٠٨/ ٠١: ٣١: ٠٠)

стр. 2566

البحث عن السترة للمسبوق بعد سلام الإمام مداخلة: نعم، السؤال الذي بعده: ما حكم المشي في الصلاة بعد تسليم الإمام باحثاً عن السترة؟ الشيخ: كأنك تريد أن تقول: إن هذا السؤال بالنسبة للمسبوق، يعني؟ مداخلة: نعم، نعم. الشيخ: ولم تذكر المسبوق؟ مداخلة: نعم. الشيخ: اكتفيت بفهم السامع، إذا كان هذا البحث يَشْغَله عما هو في صدده من الإقبال على صلاته فليصل مكانه، وإذا كان هذا البحث لا يُكَلِّفه شيئاً كثيراً، كأن يأخذ يمينه أو يساره، أو يتقدم خطوة أو خطوتين، فلا بأس في ذلك؛ لأن هذا المسبوق لا يزال في حكم المقتدي، وسترة الإمام سترة لمن خلفه، ولكن لا شك أنه إذا تستر بسترة في إتمامه لصلاته فذلك أكمل له لدفع من قد يمر بين يديه، لكن لا نريد أن نحقق هذه السترة على حساب انصرافنا وانشغالنا عن صلاتنا. (الهدى والنور /٢٣٢/ ٣٤: ٥٧: ٠٠) طلب المسبوق للسترة مداخلة: المصلي الذي جاء خلف الإمام، وأنهى الإمام الصلاة، له أن يتقدم بالنسبة لاتخاذ السترة، ما المسموح له حتى لا تبطل به الصلاة؟ الشيخ: ما المسموح له أن يتقدم؟ مداخلة: نعم.

стр. 2567

الشيخ: كأنك تقصد ما هي المسافة؟ مداخلة: نعم. الشيخ: ليس هناك مسافة مذكورة في هذه القضية؛ لأن هذه القضية اجتهادية واستنباطية، وليس عليها نص، بمعنى أن المسبوق إذا سَلَّم الإمام فماذا يفعل، هل يظل مكانه بدون سترة والسترة بعيدة عنه، أم يحاول أن يتخذ له سترة من جديد، هذه ليس عليها نص، وإنما كما قلت -آنفاً- هذه قضية استنباطية، بمعنى لو أن رجلاً جادلنا، وعارضنا، وقال لنا: يا أخي أنا مسبوق وأريد أن أصلي في مكاني، وأنتم تتقدموا وتتأخروا يميناً ويساراً .. وإلى آخره، وهذا شيء ليس له أصل في السنة. نقول له: صدقت، ليس له أصل في السنة، ولكن ليس كل شيء ليس له أصل في السنة، ليس له حكم في الشرع، لأن الأحكام الشرعية منها ما هو منصوص عليه، فأنت حينما تقول هذا لا أصل له في السنة، يعني تقول: ليس منصوص عليه، لذلك وافقنا معك على هذا الكلام، ولكن ممكن الإنسان أن يجتهد في بعض الأمور الطارئة ليُوجد لها حكماً يكون أقرب ما يكون إلى الصواب. ومن هنا نحن ننطلق لنقول: إن المسبوق إذا سَلَّم الإمام وقام يأتي بما سُبق به، إن كان قريباً من السترة تَقَدَّم إليها، لا لكونه ليس يصلي إلى سترة، بل هو لا يزال في حكم المتستر، باعتباره كان مأموماً بالإمام، لكن بالنسبة لغيره ممن قد يمر بين يديه، فهنا في حكم شرعي يأمرنا الرسول ﵇ أن نقاتل من يريد أن يمر بين يدينا ونحن نصلي، وأمرنا بأن نمنعه باليد هكذا، فإن أبى قال ﵇: «فقاتله فإنما هو شيطان». لتطبيق هذا الحكم، نحن الآن نقول: لا بد من السترة، عندما كانت المسألة هذه هي تؤخذ بطريقة الاستنباط كما أُبَيِّن الآن، فليس من الممكن أن نقول المسافة خمسة أمتار، أو عشرة أمتار، أو أقل من ذلك أو أكثر، وإنما هذه قضية تعود إلى هذا المسبوق وإلى تقديره، فإذا قدَّر بأنه إذا مشى خطوات حَصَّل السترة، ولا يُعَرِّض

стр. 2568

نفسه ليقال إنه لا يصلي؛ لأنه مشى كثيراً، والمشي الكثير هو الذي يُبْطل الصلاة، ففي هذه الحالة يمشي هذه الخطوات وينتهي الأمر. أما إذا كانت المسافة بعيدة وبعيدة جداً، بحيث أنه يغلب على الظن أن هذا إذا مشى لا يقول أحد بأنه يصلي، فحينئذ عرض صلاته للبطلان. باختصار: لا يطمعن أحد أن يأخذ تحديدات دقيقة في مسائل اجتهادية كهذه، وإنما كما قال ﵇، كمبدأ عام: «سددوا وقاربوا»، فالإنسان إذا كان يصلي هنا والجدار هنا، لكن هنا سترة، يأخذ يميناً أو يأخذ يساراً، أو يمشي خطوتين يتستر بهما المصلي، أو جالس يذكر الله أو ما شابه ذلك، وإذا أراد أن يمشي إلى هناك لا بد أن يمشي خطوتين أو ثلاثاً، ووقف قليلاً وهو يقرأ، ثم خطوتين ثلاثة، وهكذا بحيث أنه لا يقع في المحذور الذي صَوَّرناه -آنفاً- أنه يظل ماشياً حتى إذا رآه أحد يقول: إنه لا يصلي، هذا المشي هو الذي يبطل الصلاة. مداخلة: هناك حل آخر، لو معه قلنسوة مثلاً ممكن أن يضعها أمامه؟ الشيخ: طبعاً أنا أقول لك جواباً على سؤالك ممكن، لكن لا يفيد شيئاً؛ لأن السترة يجب أن تكون بارتفاع مُؤخِّرة الرحل، مُؤَخِّرة الرحل تكون شبراً شبراً ونصف شبرين، إلا إذا كانت قلنسوة دراويش يعني. (الهدى والنور/٢٧٣/ ٣٢: ٥٣: ٠٠) مقدار المشي لطلب السترة للمسبوق السؤال: [ما هو مقدار المشي الجائز لطلب السترة للمسبوق]؟ الشيخ: يمشي خطوات بحيث أنه إذا رُئي لا أحد يقول: هذا لا يصلي .. لأن العمل الكثير هو الذي يبطل الصلاة. (الهدى والنور/٢٩٠/ ٣٢: ٠١: ٠١)

стр. 2569

طلب المسبوق للسترة السائل: بالنسبة للمسبوق في الصلاة إذا سّلَّم الإمام، هل يدنو من السترة أم يبقى في مكانه؟ الشيخ: إذا كان قريباً من السترة، بحيث أن اقترابه منها لا يُكَلِّفه عملاً كثيراً، سواء كان في التقدُّم إلى الأَمام أو يميناً أو يساراً فعل، وإلا فيظل حيث هو، لأنه لا يزال في حكم المقتدي بالإمام. مداخلة: وإلى الخلف .. التقهقر إلى الخلف؟ الشيخ: نفس العملية، بمعنى: أن التَقَهْقُر عمل ينافي الصلاة أكثر من التقدم، فإذا كان لا يتطلب تَقَهْقُره عملاً كثيراً فنفس الجواب، تقهقر قليلاً بحيث أنه يكون وراء السترة، وإلا ظل مكانه. يعني: الضابط في الموضوع: العمل الكثير أو القليل، فإن كان قليلاً تَسَتَّر، وإلا ظل حيث هو. مداخلة: ذكرتم أنه في حكم المقتدي، ما هو الدليل؟ الشيخ: لأنه اقتدى بالإمام .. مداخلة: حتى بعد سلام الإمام؟ الشيخ: نعم. مداخلة: إذاً: إذا مَرّ أحد الناس من أمامه فلا يقطع عليه الصلاة. الشيخ: لا يقطع عليه الصلاة، إلا في حالة [إن كان] بإمكانه أن يتستر بالشرط السابق. مداخلة: إذا جاء رجل، وجلس أمامه كي يكون له سترة، فهل يعتبر هذا مرور من أمام المصلي؟

стр. 2570

الشيخ: هذا الذي جلس ليكون له سترة لا يعتبر أنه مر، فهذا أمر طيب من باب التعاون على الخير. (الهدى والنور/٧٧٦/ ١٧: ١٩: ٠٠) (الهدى والنور/٧٧٦/ ٠١: ٢٠: ٠٠) (الهدى والنور/٧٧٦/ ٤٢: ٢٠: ٠٠) (الهدى والنور/٧٧٦/ ٠٦: ٢١: ٠٠) هل المستور تظل سترته باقية، أم تنتهي بتسليم الإمام مداخلة: هل المستور تظل سترته باقية أم تنتهي بتسليم الإمام؟ الشيخ: تظل باقية، إذا لم يتيسر له إتخاذ سترة من جديد. (الهدى والنور/٣٢٢/ ٤٣: ٠٥: ٠٠)

стр. 2571

إدراك الركعة

стр. 2572

من أدرك الركوع مع الإمام فقد أدرك الركعة [قال رسول الله ﷺ ]: «إذا دخل أحدكم المسجد والناس ركوع، فليركع، حين يدخل ثم يدب راكعا حتى يدخل في الصف، فإن ذلك السنة». [قال الإمام]: ومما يشهد لصحته عمل الصحابة به من بعد النبي ﷺ ، منهم أبو بكر الصديق، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود. ١ - روى البيهقي «٢/ ٩٠» عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن أبا بكر الصديق وزيد بن ثابت دخلا المسجد والإمام راكع، فركعا، ثم دنيا وهما راكعان حتى لحقا بالصف. قلت: ورجاله ثقات، ولولا أن مكحولا قد عنعنه عن أبي بكر بن الحارث لحسنته، ولكنه عن زيد بن ثابت صحيح كما يأتي. ٢ - عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنه رأى زيد بن ثابت دخل المسجد والإمام راكع فمشى حتى أمكنه أن يصل الصف وهو راكع كبر فركع ثم دب وهو راكع حتى وصل الصف. رواه البيهقي «٢/ ٩٠، ٣/ ١٠٦» وسنده صحيح. ٣ - عن زيد بن وهب قال: «خرجت مع عبد الله، يعني ابن مسعود - من داره إلى المسجد، فلما توسطنا المسجد ركع الإمام، فكبر عبد الله وركع، وركعت معه، ثم مشينا راكعين حتى انتهينا إلى الصف حين رفع القوم رؤوسهم، فلما قضى الإمام الصلاة قمت وأنا أرى أني لم أدرك، فأخذ عبد الله بيدي وأجلسني ثم قال: إنك قد أدركت». أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» «١/ ٩٩ / ١ - ٢» والطحاوي في «شرح المعانى» «١/ ٢٣١ - ٢٣٢» والطبراني في «المعجم الكبير» «٣/ ٣٢ / ١» والبيهقي في «سننه» «٢/ ٩٠ - ٩١» بسند صحيح. وله عند الطبراني طرق أخرى. وهذه الآثار تدل على شيء آخر غير ما دل الحديث عليه. وهو أن من أدرك الركوع مع الإمام فقد أدرك الركعة، وقد ثبت ذلك من قول ابن مسعود وابن عمر بإسنادين صحيحين عنهما، وقد خرجتهما في «إرواء الغليل» «رقم ١١٩» وفيه حديث حسن مرفوع عن أبي هريرة خرجته هناك. وأما ما رواه البخاري في «جزء

стр. 2573

القراءة» «ص ٢٤» عن معقل بن مالك قال: حدثنا أبو عوانة عن محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة قال: «إذا أدركت القوم ركوعا لم تعتد بتلك الركعة». فإنه مع مخالفته لتلك الآثار ضعيف الإسناد، من أجل معقل هذا، فإنه لم يوثقه غير ابن حبان: وقال الأزدي: متروك، ثم إن فيه عنعنة ابن إسحاق وهو مدلس: فسكوت الحافظ عليه في «التلخيص» «١٢٧» غير جيد. نعم رواه البخاري من طريق أخرى عن ابن إسحاق قال: حدثني الأعرج به لكنه بلفظ: «لا يجزئك إلا أن تدرك الإمام قائما». وهذا إسناد حسن، وهذا لا يخالف الآثار المتقدمة بل يوافقها في الظاهر إلا أنه يشترط إدراك الإمام قائما، وهذا من عند أبي هريرة، ولا نرى له وجها، والذين خالفوه أفقه منه وأكثر، ورضي الله عنهم جميعا. فإن قيل: هناك حديث آخر صحيح يخالف بظاهره هذا الحديث وهو: «زادك الله حرصا، ولا تعد». رواه أبو داود والطحاوي وأحمد والبيهقي وابن حزم من حديث أبي بكرة أنه جاء ورسول الله ﷺ راكع، فركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف، فلما قضى النبي ﷺ صلاته، قال: أيكم الذي ركع دون الصف ثم مشى إلى الصف؟ فقال أبو بكرة: أنا فقال النبي ﷺ : فذكره. قلت: وإسناده صحيح على شرط مسلم، وأصله في «صحيح البخاري» وقد خرجته في «إرواء الغليل» «رقم ٦٨٤، ٦٨٥». والقصد من ذكره هنا أن ظاهره يدل على أنه لا يجوز الركوع دون الصف ثم المشي إليه، على خلاف ما دل عليه الحديث السابق، فكيف التوفيق بينهما؟ فأقول: إن هذا الحديث لا يدل على ما ذكر، إلا بطريق الاستنباط لا النص، فإن قوله ﷺ : «لا تعد» يحتمل أنه نهاه عن كل ما ثبت أنه في هذه الحادثة، وقد تبين لنا بعد التتبع أنها تتضمن ثلاثة أمور: الأول: اعتداده بالركعة التي إنما أدرك منها ركوعها فقط. الثاني: إسراعه في المشي، كما في رواية لأحمد «٥/ ٤٢» من طريق أخرى عن أبي بكرة أنه جاء والنبي ﷺ راكع، فسمع النبي ﷺ صوت نعل أبي بكرة وهو يحضر «أي يعدو» يريد أن يدرك الركعة، فلما انصرف النبي ﷺ قال: من الساعي؟ قال أبو بكرة: أنا. قال: فذكره وإسناده حسن في المتابعات، وقد رواه ابن السكن في

стр. 2574

«صحيحه» نحوه وفيه قوله: «انطلقت أسعى ... » وأن النبي ﷺ قال: «من الساعي ... » ويشهد لهذه الرواية رواية الطحاوي من الطريق الأولى بلفظ. «جئت ورسول الله ﷺ راكع، وقد حفزني النفس فركعت دون الصف .. » الحديث. وإسناده صحيح، فإن قوله «حفزني النفس» معناه اشتد، من الحفز وهو الحث والإعجال، وذلك كناية عن العدو. الثالث: ركوعه دون الصف ثم مشيه إليه. وإذا تبين لنا ما سبق، فهل قوله ﷺ : «لا تعد» نهي عن هذه الأمور الثلاثة جميعها أم عن بعضها. ذلك ما أريد البحث فيه وتحقيق الكلام عليه فأقول: أما الأمر الأول، فالظاهر أنه لا يدخل في النهي، لأنه لو كان نهاه عنه لأمره بإعادة الصلاة لكونها خداجا ناقصة الركعة، فإذ لم يأمره بذلك دل على صحتها، وعلى عدم شمول النهي الاعتداد بالركعة بإدراك ركوعها، وقول الصنعاني في «سبل السلام» «٢/ ٢٣»: «لعله ﷺ لم يأمره لأنه كان جاهلا للحكم، والجهل عذر». فبعيد جدا، إذ قد ثبت في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة أمره ﷺ للمسيء صلاته بإعادتها ثلاث مرات مع أنه كان جاهلا أيضا فكيف يأمره بالإعادة وهو لم يفوت ركعة من صلاته وإنما الاطمئنان فيها، ولا يأمر أبا بكرة بإعادة الصلاة وقد فوت على نفسه ركعة، لو كانت لا تدرك بالركوع، ثم كيف يعقل أن يكون ذلك منهيا وقد فعله كبار الصحابة، كما تقدم في الحديث الذي قبله، فلذلك فإننا نقطع أن هذا الأمر الأول لا يدخل في قوله ﷺ «لا تعد». وأما الأمر الثاني، فلا نشك في دخوله في النهي لما سبق ذكره من الروايات ولأنه لا معارض له، بل هناك ما يشهد له، وهو حديث أبي هريرة مرفوعا: «إذا أتيم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة والوقار» الحديث متفق عليه. وأما الأمر الثالث، فهو موضع نظر وتأمل، وذلك لأن ظاهر رواية أبي داود هذه: «أيكم الذي ركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف، مع قوله له: «لا تعد»، يدل بإطلاقه على أنه قد يشمل هذا الأمر، وإن كان ليس نصا في ذلك لاحتمال أنه يعني شيئا آخر غير هذا مما فعل، وليس يعني نهيه عن كل ما فعل، بدليل أنه لم يعن الأمر الأول كما سبق تقريره. فكذلك يحتمل أنه لم يعن هذا

стр. 2575

الأمر الثالث أيضا. وهذا وإن كان خلاف الظاهر، فإن العلماء كثيرا ما يضطرون لترك ما دل عليه ظاهر النص لمخالفته لنص آخر هو في دلالته نص قاطع، مثل ترك مفهوم النص لمنطوق نص آخر، وترك العام للخاص، ونحو ذلك، وأنا أرى أن ما نحن فيه الآن من هذا القبيل، فإن ظاهر هذا الحديث من حيث شموله للركوع دون الصف مخالف لخصوص ما دل عليه حديث عبد الله بن الزبير دلالة صريحة قاطعة، وإذا كان الأمر كذلك فلابد حينئذ من ترجيح أحد الدليلين على الآخر، ولا يشك عالم أن النص الصريح أرجح عند التعارض من دلالة ظاهر نص ما، لأن هذا دلالته على وجه الاحتمال بخلاف الذي قبله، وقد ذكروا في وجوه الترجيح بين الأحاديث أن يكون الحكم الذي تضمنه أحد الحديثين منطوقا به وما تضمنه الحديث الآخر يكون محتملا. ومما لا شك فيه أيضا أن دلالة هذا الحديث في هذه المسألة ليست قاطعة بل محتملة، بخلاف دلالة حديث ابن الزبير المتقدم فإن دلالته عليها قاطعة، فكان ذلك من أسباب ترجيحه على هذا الحديث. وثمة أسباب أخرى تؤكد الترجيح المذكور: أولا: خطبة ابن الزبير بحديثه على المنبر في أكبر جمع يخطب عليهم في المسجد الحرام وإعلانه عليه أن ذلك من السنة دون أن يعارضه أحد. ثانيا: عمل كبار الصحابة به كأبي بكر وابن مسعود وزيد بن ثابت كما تقدم وغيرهم. فذلك من المرجحات المعروفة في علم الأصول. بخلاف هذا الحديث فإننا لا نعلم أن أحدا من الصحابة قال بما دل عليه ظاهره في هذه المسألة، فكان ذلك كله دليلا قويا على أن دلالته فيها مرجوحة، وأن حديث ابن الزبير هو الراجح في الدلالة عليها. والله أعلم. وقد قال الصنعاني بعد قول ابن جريج في عقب هذا الحديث: «وقد رأيت عطاء يصنع ذلك». قال الصنعاني «٢/ ٢٤»: «قلت. وكأنه مبني على أن لفظ» ولا تعد «بضم المثناة الفوقية، من الإعادة أي زادك الله حرصا على طلب الخير ولا تعد صلاتك فإنها صحيحة وروي بسكون العين المهملة من العدو، وتؤيده رواية ابن السكن من حديث أبي بكرة «ثم ساقها، وقد سبق نحوها من رواية أحمد مع الإشارة إلى رواية ابن السكن هذه، ثم قال» والأقرب أن رواية «لا تعد» من العود أي لا تعد ساعيا إلى الدخول قبل وصولك الصف، فإنه ليس

стр. 2576

في الكلام ما يشير بفساد صلاته حتى يفتيه ﷺ بأن لا يعيدها، بل قوله «زادك الله حرصا» يشعر بأجزائها، أو «لا تعد» من «العدو». قلت: لو صح هذا اللفظ لكانت دلالة الحديث حينئذ خاصة في النهي عن الإسراع ولما دخل فيه الركوع خارج الصف، ولم يوجد بالتالي أي تعارض بينه وبين حديث ابن الزبير، ولكن الظاهر أن هذا اللفظ لم يثبت، فقد وقع في «صحيح البخاري «وغيره باللفظ المشهور: «لا تعد». قال الحافظ في «الفتح» «٢/ ٢١٤»: «ضبطناه في جميع الروايات بفتح أوله وضم العين من العود». ثم ذكر هذا اللفظ، ولكنه رجح ما في البخاري فراجعه إن شئت. ويتلخص مما تقدم أن هذا النهي لا يشمل الاعتداد بالركعة ولا الركوع دون الصف وإنما هو خاص بالإسراع لمنافاته للسكينة والوقار كما تقدم التصريح بذلك من حديث أبي هريرة، وبهذا فسره الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: «قوله: لا تعد. يشبه قوله: لا تأتوا الصلاة تسعون». ذكره البيهقي في «سننه» «٢/ ٩٠». فإن قيل: قد ورد ما يؤيد شمول الحديث للإسراع ويخالف حديث ابن الزبير صراحة وهو حديث أبي هريرة مرفوعا. «إذا أتى أحدكم الصلاة فلا يركع دون الصف حتى يأخذ مكانه من الصف». قلنا: لكنه حديث معلول بعلة خفية، وليس هذا مكان بيانها، فراجع «سلسلة الأحاديث الضعيفة» «رقم ٩٨١». ثم إن الحديث ترجم له ابن خزيمة بقوله: «باب الرخصة في ركوع المأموم قبل اتصاله بالصف، ودبيبه راكعًا حتى يتصل بالصف في ركوعه». [ثم قال الإمام في الملحق]: ثمَّ وجدتُ ما يؤيدُ هذه الترجمةَ من قولِ راوي الحديث نفسه؛ أَبي بكرة الثقفيّ رضى الله عنه، كما يؤكّدُ أَنّ النهي فيه: «لا تعد» لا يعني الركوع دون الصفِّ، والمشي إِليه، ولا يشملُ الاعتدادَ بالركعةِ؛ فقد روى علي بن حجر في «حديثه» «١/ ١٧/١»: حدّثنا إِسماعيلُ بن جعفر المدني: حدثنا حميدٌ،

стр. 2577

عن القاسمِ بن ربيعةَ، عن أَبي بكرةَ -رجل كانت له صحبةٌ- أنّه كانَ يخرجُ من بيتِه فيجدُ الناسَ قد ركعوا، فيركعُ معهم، ثمَّ يدرجُ راكعًا حتّى يدخلَ في الصفِّ، ثمَّ يعتدُّ بها. قلت: وهذا إِسنادٌ صحيح، رجاله كلُّهم ثقات، وفيه حجّةٌ قويّةٌ أَنَّ المقصودَ بالنهي إِنّما هو الإِسراعُ في المشي؛ لأنّ راوي الحديثِ أَدرى بمرويِّه من غيرِه، ولا سيما إِذا كانَ هو المخاطبَ بالنهي، فخذها؛ فإِنّها عزيزةٌ قد لا تجدها في المطولاتِ من كتبِ الحديثِ والتخريج، وبالله التوفيق. السلسلة الصحيحة (١/ ١/ ٤٥٣ - ٤٦١) و (١/ ٢/ ٩٢٦). إدراك الركعة بإدراك الركوع [قال رسول الله ﷺ ]: «إذا وجدتم الإمام ساجدا فاسجدوا أو راكعا فاركعوا أو قائما فقوموا ولا تعدوا بالسجود إذا لم تدركوا الركعة». [ترجم له الإمام بقوله: إدراك الركعة بإدراك الركوع] السلسلة الصحيحة (٣/ ١٨٥) هل تدرك الركعة بالركوع أم بالفاتحة ؟ مداخلة: متى يدرك المصلي الركعة، أبالتكبيرة أم بقراءة الفاتحة؟ الشيخ: بالتكبيرة أم بقراءة الفاتحة يعني: تكبيرة الركوع؟ مداخلة: نعم. الشيخ: المسألة كان فيها خلاف قديم بين بعض العلماء من المحدثين وغيرهم، وقد اتفق الأئمة الأربعة على أن من أدرك الركوع مع الإمام فقد أدرك الركعة، وذهب آخرون من المخالفين في هذه المسألة من الجمهور ذهب بعض المخالفين

стр. 2578

للجمهور في هذه المسألة إلى أن مدرك الركوع لا يدرك الركعة إلا إذا قرأ فاتحة الكتاب للحديث المروي عند الأئمة الستة عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» وهذا الذي أدرك الإمام راكعًا لم يقرأ فاتحة الكتاب وإذًا عند هذا المخالف لمذهب الجمهور لم يدرك الركعة، لكن الصواب في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الجمهور وذلك لبعض الأحاديث والآثار الصحيحة عن بعض الصحابة الكبار. قد جاء حديث في سنن أبي داود في سنده ضعف ولين، وهو من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إذا أدركتم الإمام راكعًا فاركعوا واعتدوا بالركعة، وإذا أدركتم الإمام ساجدًا فاسجدوا ولا تعتدوا بالركعة» هذا الحديث كما قلنا من حيث رواية أبي داود له فإسناده ضعيف لا يحتج به لوحده، ولكن قد جاء الحديث عن غير هذا الطريق في سنن البيهقي الكبرى، ثم وجدته من طريق أخرى صحيحة في بعض الكتب المخطوطة والموجودة في المكتبة الظاهرية، وقد تكلمت عن هذا الحديث بصورة خاصة في بعض مؤلفاتي المطبوعة، ثم تأيد هذا الحديث ببعض الآثار الصحيحة في مصنف ابن أبي شيبة والسنن الكبرى للبيهقي وغيرهما عن أبي بكر الصديق وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمر أنهم كانوا يقولون: أن من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة، هذه الأدلة ترجح عندي مذهب جماهير العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة على ما ذهب إليه البخاري وتبعه بعض أئمة الحديث والسنة كالإمام الشوكاني، والحق أحق أن يتبع والله نسأله أن يرينا الحق حقًا .. (رحلة النور: ٣٣ ب/٠٠: ٤٠: ٠٤) إدراك الركعة بالركوع السائل: متى يكون المدرك منّا للركوع مدركًا للركعة، الإمام راكع الذي

стр. 2579

أدركناه من الركوع هل نكون مدركين للركعة؟ الشيخ: هذه مسألة خلافية بين جمهور الأئمة وبعض الأئمة، جمهور الأئمة وفي مقدمتهم الأئمة الأربعة على أن مُدرِك الركوع مدرِكٌ للركعة، بعض الأئمة كالإمام البخاري من السّلف والإمام الشوكاني من الخلف الصالح يرون - وما بينهما كثير- يرون أنَّ مُدرِك الركوع لا يعتدُّ بتلك الركعة؛ لأنه قد فاته قراءة الركن ألا وهو الفاتحة، وأرى أن المذهب الأول مذهب الجمهور هو الصواب في هذه المسألة، وإن كنتُ كما تعلمون إن شاء الله لست جمهوريًّا وإنما أنا أتّبع الحق حيث ما كان مع الكثير أو القليل، وذلك لأسباب منها وهو أهمّها أنّه قد ثبت لدي الحديث الذي رواه أبو داوود في سننه: «أن من أتى الإمام وهو راكع فليركع وليعتدّ بالرَّكعة، وإذا وَجد الإمام ساجدًا فليسجد ولا يعتد بالركعة»، فأُخذ من هذا أن مدرك الركوع مدركٌ للركعة، لكن حديث أبي داود بلا شك فيه ضعفٌ ظاهر وإن كان هذا الضعف ليس شديدًا، بل ولو كان شديدًا لاستغنينا عنه بإسنادين آخرَين مدارهما على رجلٍ من الأنصار، وأعني بإسنادَيْن باعتبار من أخرجهما، ولا أعني بإسنادَين كل من المخرجين رواه بإسناد أولاً ثم رواه آخر بإسناد ثاني، لا، وإنما أعني أن الإمام البيهقي ﵀ روى لهذا الحديث الذي في سنن أبي داود [ ... ] بإسناد قويّ عن رجل من الأنصار من طريق عبد العزيز بن رفيع عن رجلٍ من الأنصار أن النبي ﷺ قال: فذكر معنى الحديث الذي ذكرته لكم آنفا، علة هذا الإسناد في رواية البيهقي أنّنا لم نعلم أنّ هذا الرجل الأنصاري أهو تابعي أم صحابي، وإن كان يتبادر إلى الذهن أنه صحابي لأنَّ الراويَ عنه تابعي معروف وهو عبد العزيز بن رفيع، ولكن الإنصاف يقتضينا أنَّ هذا التلازم ليس ضروريًّا في الأسانيد أي لا يلزم من رواية تابعيٍّ عن رجل من الأنصار أو رجل من المهاجرين أن يكون هذا الرجل أو ذاك صحابيًّا، لاحتمال أن يكون ابن صحابي من جهة، ولأنَّه قد وقفنا مرارًا وتكرارًا على بعض الأسانيد يرويه التّابعي عن تابعي عن صحابي، وذكر الحافظ ابن حجر أنه بالاستقراء تبيّن أن في بعض الأحاديث بين التابعي الأول والصحابي أربعة من التابعين آخرين، أي خمسة تابعين على التسلسل ثم يأتي بعد ذلك الصحابي تابعي

стр. 2580

عن تابعي عن تابعي عن تابعي عن تابعي عن الصحابي، فضلاً عن تابعي عن تابعي عن تابعي عن تابعي عن صحابي، فضلاً عن تابعي عن تابعي عن تابعي عن صحابي وهكذا، فحينما نجد مثل هذه الرواية عبد العزيز بن رفيع تابعي عن رجل من الأنصار تُرى هذا صحابي أم تابعي؟ يحتمل، ثم وجدنا والحمد لله أنّ هذا الاحتمال طاحَ وراحَ إلى حيث لا رجعة، فقد جاء في كتاب المسائل لإسحاق بن منصور المروزي عن الإمام أحمد وعن إسحاق بن راهويه، روى المروزي هذا بإسناده الصحيح عن عبد العزيز بن رفيع عن رجل من الأنصار من أصحاب النبيّ ﷺ ، فهذا غطى الموضوع وجعل الإسنادَ موصولاً بعد أن كان يحتمل أن يكون مرسلاً وبذلك صحّ الحديث وقامت الحُجّة، يُضاف إلى ذلك آثار عن كبار الصحابة على رأسهم أبو بكر الصديق وآخرهم سنًّا عبد الله بن عمر بن الخطاب كلهم قالوا بأن مدرك الركوع مدركٌ للركعة، فاتفقت الآثار السلفية الصحيحة مع هذا الحديث الصحيح والحمد لله وثبتَ بذلك أرجحيّة مذهب الجمهور على المخالفين، وإن كان بعض العاملين بالحديث إلى زمننا هذا لا يزالون يفتُون بأنّ مدرك الركوع ليس مدركًا للركعة وأذكر أن أحد الغماريّين وإن كان هو من أهل الأهواء ومن الصوفية الذين لهم طرق انحرفوا بها عن السنة ألّف رسالةً يؤكد فيها أنّ الصواب أنَّ مُدرِك الركوع ليس مدركًا للركعة، والواقع أنه هو شأنه في ذلك شأن بعض أهل الحديث في الهند فاتتهم هذه الرواية الصحيحة التي لا تزال موجودةً في ذاك المخطوط النادر العزيز في المكتبة الظاهرية مخطوط من النوادر لأنه يعود تاريخ كتابته إلى العهد القريب من الإمامين أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. لو أنهم وقفوا على هذه الرواية لانقلبت وجهة نظرهم من تأييد الرأي المخالف للجمهور إلى تأييد رأي الجمهور في هذه المسألة، وهم لا يَخفى عليهم بعض تلك الآثار على الأقل ولكنّهم يطبقون القاعدة التي ينبغي على المسلم أن يلتزمها وهي أن الأثر إذا جاء مخالفًا للنصّ ولو باجتهاد فلا ينبغي الأخذ بالأثر، أعني بالأثر هنا ما أشرت إليه آنفًا من الأثر عن أبي بكر وعن ابن عمر وبينهما جماعة

стр. 2581

آخرون كزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وهم أربعة من الصحابة وهم كما ترون من أكابر الصحابة رأوا وصرحوا بأن مدرك الركوع مدرك للركعة، فهم لم يأخذوا بهذه الآثار لتوهمهم أنها مخالفة لقوله ﵇: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» ونحن نرى أن هذا العموم الشامل لهذا الجزء لا يشمله لما ذكرناه في غير هذه الجلسة أكثر من مرة ولهذا الحديث الصحيح وبذلك ينتهي الجواب عن هذا السؤال. (فتاوى جدة-موقع أهل الحديث والأثر- ٣٢) هل إدراك الإمام في التشهد يُعَدُّ إدراكًا للصلاة ؟ مداخلة: هناك مسألة، في صلاة المسبوق، إدراك الجلوس الأخير هل يعني إدراك الصلاة؟ الشيخ: لو أدرك الإمام قبل السلام فقد أدرك، لقوله ﷺ : «إذا أتيتم الصلاة فأتوها وعليكم السكينة والوقار ولا تأتوها وأنتم تسعون، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» لكن يمكن الإشكال الذي طرأ عليك أن الإدراك له مراتب، فمن أدرك الإمام في تكبيرة الإحرام لا شك ولا ريب أن هذا ليس كالذي أدركه قبل السلام، وبين هذا وهذا درجات من الصعب إحصاؤها، فلو فرضنا من أدرك الإمام لما شرع في ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] في أول ركعة، ليس مثله الذي جاء من بعده بلحظات فأدركه وهو يقول مثلًا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] فصل إذًا أنت ما شئت من الأمثلة، فقد أتيتك بأعلاها وهو أدرك تحريمة الصلاة مع الإمام، وأتيتك بأدناها وهو أنه جاء وأدرك الإمام قبل السلام، بين هذا وهذا درجات لا يعلمها إلا الله ﵎. (رحلة النور: ٤٠ أ/٠٠: ١٤: ٤٧)

стр. 2582

هل تدرَك الجماعة بالتشهد ؟ مداخلة: هل تدرك الجماعة بالتشهد؟ الشيخ: الجماعة درجات، سمعتم الحديث آنفًا: «ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا» فإذا فاتته ركعة يتمها .. ركعتين يتمها .. كل الركعات فاتت إلا أنه أدرك الإمام قبل السلام فعليه إتمامها، لكن قوله ﵇: «من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك» يعني: الإدراك الكامل يعني، وإلا هو درجات. (فتاوى رابغ (٦) /٠٠: ٣٩: ٢٣) من أدرك سجود السهو مع الإمام هل يكون مدركًا للجماعة ؟ مداخلة: هل المأموم يدرك الجماعة مع الإمام عندما سجد معه سجود السهو؟ الشيخ: تعني: هل أدرك الجماعة؟ مداخلة: نعم. الشيخ: طبعًا أدرك الجماعة، لكن كله بحسبه الذي يدرك الجماعة مع التكبيرة الأولى، والذي يدرك الجماعة قبل سلام الإمام، لا شك أن هذا وذاك لا يستويان، وبينهما درجات، فهمتني؟ نعم، فكل منهما مدرك للجماعة، لكن بين أن يكون مدركًا لأولها وبين أن يكون مدركًا لآخرها، والرسول ﵇ قد قال في الحديث الصحيح المتفق عليه: «إذا أتيتم الصلاة فأتوها وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا». (فتاوى جدة - ٦/ ٠٠: ٠٧: ٣١)

стр. 2583

حكم الركوع قبل الصف للمسبوق مداخلة: يقول السائل: هل يصح الركوع قبل الصف إذا كان الإمام راكعًا، ثم يدركه راكعًا، مع الدليل .. ؟ الشيخ: نعم، إذا دخل المصلي إلى المسجد فوجد الإمام راكعًا فركع حيث هو ثم تَمَّ رافعًا حتى ينضم إلى الصف ويكون بذلك مدركًا للركعة ما دام أنه شارك الإمام في ركوعه ولو كان خارج الصف، والدليل على ذلك ما ثبت من حديث عبد الله بن الزبير ﵁ أن السنة لمن دخل المسجد فوجد الإمام راكعًا أن يركع وينضم إلى الصف، وما ثبت مثله عن كبار الصحابة كأبي بكر وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، فقد ثبت عن هؤلاء جواز إدراك الركعة بإدراك الركوع .. (رحلة النور: ٣١ ب/٠٠: ١٢: ٣٢)

стр. 2584

حكم إعلان الصلاة بالمكبرات وحكم تبليغ صلاة الإمام

стр. 2585

هل يشرع للإمام أن تُعلن قراءته وصلاته بمكبر الصوت ؟ مداخلة: نسمعكم في بعض الأشرطة المسجلة لكم بجدة أنه لا يجوز للإمام المسلم أن يقرأ ... في الميكرفون في الصلاة الجهرية، ما الدليل؟ الشيخ: أنا لم أقل هكذا! كلامي فيه دقة، قلت شيئين اثنين: لا يجوز إعلان الإقامة بالمذياع بحيث يسمع خارج المسجد؛ لأن الإقامة إعلان لأهل المسجد، كذلك لا يجوز إذاعة قراءة الإمام بمكبر الصوت إلى خارج المسجد؛ لأنه هناك أدب ذكرناه في بعض مجالسنا اليوم مأخوذ من قوله ﵎: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] فمفاجأة الناس الذين ليسوا في صلاة .. ليسوا في المسجد وهم في أعمالهم، وهم في دورهم وبيوتهم بقراءة القرآن جهراً خارج المسجد فيه إيقاع للناس في الحرج فهم بين أحد أمرين: إما أن يعطلوا أعمالهم لأجل أن يتفرغوا لتحقيق الآية السابقة: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وإما أن يعرضوا عن تطبيق هذا الأمر الإلهي ويكون السبب في ذلك هو هذه الإذاعة التي خرجت عن حدود الواجب، فالواجب هو تسميع المصلين في المسجد أما خارج المسجد فليس مكلفاً الإمام أن يسمعهم سواء كان هذا الإسماع في الصلوات الخمس أو يوم الجمعة، أما لو كان هناك درس ووعظ وليس فيه تلاوة القرآن إلا نادراً جداً فلا بأس من ذلك. فإذاً: قول السائل أنني قلت: لا يجوز أن يستعمل مكبر الصوت في قراءة القرآن ليس على إطلاقه .. يستعمله بحسب الحاجة، وقد قلت يومئذٍ: لأنه في الأذان يستعمل مكبر الصوت وليسمع من بعد جداً جداً عن المسجد فهذا لا ضرر فيه، أما القرآن الذي يجب أن يتأدب معه وأن ينصت وأن يسكت فهذا ينبغي أن يكون في حدود الموجودين في المسجد.

стр. 2586

مثلاً: هذا المسجد الذي صلينا فيه اليوم كان فيه صفين أو ثلاثة لا أدري، فما الداعي إلى أن ... صوت المؤذن يشمل المسجد كله ويشمل [المنطقة] المحيطة بالمسجد. مداخلة: القارئ وليس المؤذن. الشيخ: نعم، القارئ أو المقيم، لا ينبغي رفع الصوت بالقرآن في المسجد بحيث يخرج عن دائرة المسجد لما فيه من الحرج بالنسبة للسامعين للأذان، كذلك الإقامة لا ضرورة أبداً إلى تسميع من كان [خارج] المسجد؛ ولذلك نجد في حديث أصل تشريع الأذان في قصة الرؤيا التي لا بد أنكم سمعتموها أو قرأتموها أن المسلمين في أول الأمر لم يكن يومئذٍ الأذان مشروعاً وإنما كان ينبه بعضهم بعضاً لكلمة الصلاة أو حضرت الصلاة أو نحو ذلك كما يفعل بعض المسلمين حتى اليوم وبعد شرعية الأذان بهذه السنين الطويلة. فجمع الرسول ﵇ ناساً من أصحابه اختارهم ليتشاور معهم بوسيلة يتخذونها لإعلان الناس بحضور وقت الصلاة فاختلفت الآراء في ذلك فما بين قائل باتخاذ نار عظيمة تلفت أنظار الناس ينتبهون بها لحضور وقت الصلاة فأبى ذلك ﵇ وقال: «هذا شعار المجوس، وقال آخر: نضرب عليه بالبوق، قال: هذا شعار اليهود، قال ثالث: نضرب عليه بالناقوس، قال: هذا شعار النصارى» وانفض المجلس وبعد لم يتخذوا رأياً، أحدهم رأى في المنام كأنه يمشي في بعض طرق المدينة فرأى رجلاً في يده ناقوس، قال له: أتبيعني هذا الناقوس يا عبد الله؟ قال: لم؟ قال: لنضرب عليه في أوقات الصلاة، قال: ألا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقام على جذم جدر .. أي: هناك كان جدار انهدم وبقي له أصل؛ لأن ... الجدار لما ينهدم يبقى له أصل مرتفع عن الأرض بعض الشيء، فقام هذا الشخص على هذا الجذم، أي: الأصل من الجدار ووضع أصبعيه في أذنيه فأذن هذا الأذان المعروف حتى اليوم والحمد لله: الله أكبر الله أكبر، إلى أن قال: لا إله إلا الله، نزل من الجدر إلى الأرض وأقام الصلاة، فنجد هنا فرقاً بين الأذان وبين الإقامة في أصل هذا الحديث الذي فيه شرعية الأذان والإقامة لأول الأمر، فالإقامة كما هو معلوم من كتب الحديث والفقه لأعلام أهل المسجد بأن الصلاة قد أقيمت،

стр. 2587

أما الأذان لإعلام من كان خارج المسجد وأن الصلاة قد حضر وقتها فتهيئوا لها: حي على الصلاة حي على الصلاة، لا يقول المؤذن هناك: قد قامت الصلاة وإنما يقول ذلك في المسجد؛ لأن المخاطب الإقامة إنما هم أهل المسجد. فإذاً: ينبغي استعمال مكبر الصوت بحكمة وهي في الواقع نعمة خلقها الله في هذا العصر الحاضر كما خلق لنا هذه الوسائل التي تيسر تسهيل العلم ونقله بأدنى جهد ووسيلة، كذلك المذياع هذا ومكبر الصوت هو نعمة ولكن يجب أن يوضع كل شيء في محله فالأذان يذاع والإقامة لا تذاع إلا في المسجد، وقراءة القرآن أيضاً للإمام في المسجد وليس لخارج المسجد. مداخلة: يا شيخ أنت واجهت نفس المشكلة عندما صلينا العشاء جمع تقديم بعد المغرب، كان الإمام يصلي المغرب وكان صوته يلبس علينا وعليك كإمام أنت في الصلاة، تذكرون؟ الشيخ: لا ما أذكر. مداخلة: عندما صلينا العشاء .. كان الإمام يقرأ المغرب، ونحن نصلي العشاء جمع .. الشيخ: نعم، صحيح، وهذا مما يؤكد أن هذه الإذاعة تشوش أيضاً على أهل البيوت الذين هم يكونون إما من النساء الآتي لا يجب عليهن أن يحضرن المسجد أو من كان مثلنا كما يذكرنا الأخ جمال هنا من المسافرين لا يجب عليهم أن يحضروا المسجد لكن يجب عليهم أن يصلوا جماعة .. هؤلاء القوم المسافرين يجب عليهم أن يصلوا جماعة لكن ليس جماعة المسجد، فإن حضروا جماعة المسجد فكالمسافرين الذين يصلون الجمعة، أو إذا صلوا الجمعة وهي غير واجبة عليهم فقد سقطت عنهم فريضة الظهر، وإن لم يصلوها فعليهم أن يصلوها جماعةً في رحالهم .. في منزلهم .. في أي مكان آخر أدركتهم الصلاة. فإذاً: هذا مثال آخر يذكرنا به آنفاً ليكشف لكم ويؤكد لكم ضرر إذاعة قراءة الإمام في الصلاة إلى خارج المسجد، نعم. (رحلة النور: ٠٧ أ/٠٠: ٣٥: ١٠)

стр. 2588

حكم تبليغ المؤذن خلف الإمام، وحكم إذاعة الصلاة كإذاعة الأذان مداخلة: القول بالنسبة للإقامة: المساجد تتفاوت؛ فيه مساجد صغيرة يعني: قد تكفي الإقامة، بدون يعني: مُكَبِّر، لكن مثل المساجد الكبار -المسجدين مكة والمدينة- يعني: إذا أُقيم بدون الوسيلة هذه ما يسمع -يعني أكثر الناس لا يسمعون. الشيخ: ما عليش بارك الله فيك! نحن غرضنا من هذا التفصيل هو أن لا نسوي بين إذاعة الأذان وإذاعة الإقامة. إن إذاعة الإقامة اليوم يذكِّرني ببدعة قديمة؛ وهي: تبليغ المؤذن خلف الإمام. كنا ونحن في سوريا لا نعرف التبليغ إلا في المساجد الكبيرة، وهذا واضح فيه جداً، وأصله في صحيح البخاري، لكن في رمضان يكون المسجد صغيراً جداً، فيصلي الإمام بالناس التراويح، لا بد من مُبلِّغ يُبلِّغ ماذا؟ تكبيرَ صوت الإمام، وهو صوته يبلغ فراغ المسجد لصغره، فلماذا هذا التبليغ؟ لا شك هذا ما في حاجة له؛ لأن التبليغ شُرِع من أجل التسميع، وهنا التسميع حاصل بصوت الإمام لوحده، فهو كافي. الآن نعود إلى التفريق بين المساجد الكبيرة والمساجد الصغيرة التي أشار إليها الدكتور جزاه الله خيراً. أقول: لكل مسجد حكمه، لكن أترون الآن مسجداً فيه مكبر الصوت يفرقون بين مسجد كبير وصغير؟ أبداً. مداخلة: لا

стр. 2589

الشيخ: لكننا حينما نريد أن نعالج الأمر بالحكمة والمراعاة للشريعة وأحكامها نقول: المسجد الكبير يُستعمل فيه مكبر الصوت في حدود الحاجة، وليس في حدود حاجة إذاعة الأذان، فإذاعة الأذان ينبغي أن يشمل من كان أبعد ما يكون عن المسجد. أما إذاعة الإقامة في المسجد الكبير فيكون في الحاجة القائمة في هذا المسجد. هذا التفصيل لا بد منه، لكن ذلك لا يستلزم أبداً أن نجعلها قاعدة مطَّردة، فكما نُعلن الأذان نُعلن الإقامة وكما نعلن الأذان والإقامة نعلن أيضاً قراءة القرآن من الإمام. لقد ذَكَّرني بهذا الحكم وهذا في الواقع من حِكْمة قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الروم: ٤٢]. لا بد أنكم عرفتم أنني كنت هنا قبل شهور لأداء العمرة، وأتيح لي التطواف في السعودية نحو شهرين، لأول مرة في حياتي، وحصل من وراء هذا -إن شاء الله- خير كثير. كنت في الطائف لما أُذِّن لأذان المغرب، ومعي ناس من إخواننا المصاحبين لنا من بعض البلاد وهم مسافرون معي، فتَرَخَّصت ولم أنزل إلى المسجد، وصليت في الدار إماماً، وإذا بي أفاجأ بشيء لم يسبق لي مثل هذه المفاجأة، أنا أقرأ والإمام يقرأ أيضاً، الإمام يقرأ وصوته كالأذان مذاع، فهو يُشوِّش علي، إن كان لا يشوش علي فيشوش على غيري من النساء والحريم الِّلي قال عنهم الرسول ﷺ : «بيوتهن خير لهن». إذاً: ساعتها انتبهت لهذا الموضوع وقلت: هذا ينبغي أن أتنبه أنه لا يجوز إذاعة الصلاة كما نذيع ماذا؟ الأذان، وبدأت أيضاً ألاحظ وكلما فكرت ازددت إيماناً بصواب هذا التنبه والتنبيه، فقد ذهبنا إلى بعض البلاد في المنطقة الشرقية وإلى .. الإحساء، فأقاموا لنا مخيماً كبيراً، وألقينا بعض الكلمات من العصر إلى أذان المغرب. المخيم فيه ناس أكثر من أي مسجد في ذلك الوقت، وصلينا هناك إماماً، قبل

стр. 2590

الصلاة سمعنا أذاناً من هنا، وأذاناً من هنا، مساجد هناك -والحمد لله- كثيرة يعني، ثم يذاع الأذان بمكبر الصوت، وسرعان ما أذيعت الصلاة بمكبر الصوت، فتسمع من هاهنا قراءة إمام، وتسمع من هاهنا قراءة إمام؛ يصير فيه أيش؟ تشويش على بعضنا البعض، ثم نحن أيضاً لما صلينا أصابنا ما أصاب غيرنا من التشويش. فإذاً: ينبغي أن نلاحظ القواعد الشرعية، وأن نُحسن تطبيقها مع مراعاة دقة الأحكام الشرعية في الإسلام؛ فالتفريق المعروف بين الأذان والإقامة لا يجيز لنا التسوية في الإذاعة، وهذا ماهو اليوم -مع الأسف- واقع وليس يُلاحظ به هذا المعنى الفقهي الدقيق. (الهدى والنور/٣٦١/ ٣٦: ١١: ٠٠) ما هو ضابط سماع النداء الذي يوجب حضور الجماعة الشيخ: الرسول ﵊ يقول -في حديث معروف-: «من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر» يعني الرسول ﵇ السماع الطبيعي الذي يستطيع الإنسان، ثم يستطيع يتجاوب معه. أما الأذان بواسطة مكبر الصوت فهو يُسمع كيلوهات بعيدة وبعيدة جداً، لهذا: إذا كان المُكَلَّف بالصلاة مع الجماعة في مكان هو يسمع الأذان لو كان أذاناً طبيعاً فهو الذي يجب عليه الحضور، سواء سمع الأذان الطبيعي أو الصناعي -إذا صح التعبير- وإلا، فإذا وَسَّعنا الدائرة كلفنا الناس ما لا يطيقون. (الهدى والنور/٣٦١/ ٣٦: ١١: ٠٠)

стр. 2591

قراءة القرآن من المصحف

стр. 2592

قراءة القرآن من المصحف في الصلاة [قال الإمام]: منذ ساعات سُئِلت عن قراءة القرآن من المصحف في الصلاة، لا يتبادر إلى الذهن أن فيها شيء، فهو يقرأ من القرآن أكثر مما يستحضره من الذهن، وأعلم أنا في هذه الدار أو هذه الديار أنهم في رمضان يكثرون من هذا العمل، تجد الإمام ماسك المصحف لماذا؟ لأنه لا يحفظ، وأنه لو كان ممن أوتي حفظاً، لاستغني عن ترك المصحف، قَلَّ من يتذكر ويتدبر عاقبة هذا العمل. عاقبة هذا العمل خلاف ما رمى إليه الرسول ﷺ بحديثه الصحيح المشهور: «اقرؤوا هذا القرآن وتعاهدوا به، وتغنوا به، فوالذي نفس محمد بيده إنه أشد تفلتًا من صدور الرجال من الإبل من عُقُلها». وفي هذا الحديث أمر بتعاهد القرآن، أي: العناية بتكراره، حتى يَرْسَخ في الصدر؛ لأن الرسول ﵇ يؤكد أن هذا القرآن أشد تَفَلُّتاً من صدور الرجل من الإبل من عُقُلِها. في الفقه الإسلامي شيء اسمه باب سد الذرائع، وهذه قاعدة أصولية هامة جداً، ينفذ منها الإنسان إلى معرفة كثير من أحكام ليس عليها نص صريح في السنة أو في القرآن، مثل هذه مثلاً، إيش فيها إذا فتح المصحف وقرأ، والرسول يقول: «من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات، لا أقول الم حرف، بل ألف وحرف ولام حرف وميم حرف». إذاً: يستطيع يقرأ من المصحف مباشرة أكثر مما يستطيع يقرأ من حافظته، لكن أيضاً تعود لنا القاعدة السالفة الذكر: «إنما الأعمال بالخواتيم»، إلى أين يؤدي فتح باب القراءة من المصحف من أئمة المساجد، أن لا نجد حُفَّاظاً؛ لأن هؤلاء سيعتمدون على قراءة القرآن من المصحف مباشرة، هذا شيء. والشيء الثاني: أن هؤلاء الأئمة الذين يقرؤون من المصحف في صلاتهم،

стр. 2593

سيُضَيِّعون كثيراً من السنن، إن لم نقل الواجبات فيما يتعلق بصفة الصلاة. تجد أحدَهم بعدما انتهى من قراءة المصحف، وضعه تحت إبطاه وَشَدَّ عليه، كيف تشوفه إذا ركع، لأنه إذا مد يده وقع المصحف. فإذاً: هو إذا عمل هكذا خالف السنة، وأكثر من هذا إذا أراد أن يسجد، كان الرسول ﵇ إذا سجد جافى بين عضده وجانبيه، حتى لو أرادت بهيمة أن تمر لمرت بسهولة، هذا ... لا بد أن يبقى عاضداً على المصحف حتى لا يسقط. فهذا مثله -ويا ليت هذا يكون مثله- كمثل من يبني قصراً ويهدم مصراً، لكن هذا لا يبني شيئاً، بل يخالف السنة في العناية بحفظ القرآن، ويتواكل على القراءة من المصحف. لذلك لا نرى نحن هذه القراءة من المصحف على الإنسان، خاصة من كان يأخذ راتباً في أداء وظيفة الإمامة، أن يقوم بواجب هذا الراتب، وأن يُعْنَى عنايةً خاصةً بحفظ القرآن، حتى يُحْسِن إمامة الناس خاصة في شهر القيام .. شهر رمضان المبارك. مداخلة: إذا كان غير حافظ ومنفرد، ويضع مصحفاً صغيراً في جيبه بعد التلاوة مثلا؟ الشيخ: نفس الحكم؛ لا يختلف، هذا يقال له: إن كنت لا تحفظ. مداخلة: يعني صلاته صحيحة؟ الشيخ: نعم، الصلاة صحيحة، ونحن ما بنحكي الصلاة صحيحة، الصلاة صحيحة، لكن هذا الأكمل وإلا سواه؟ هذا الأفضل وإلا سواه. مداخلة: ما في شك. الشيخ: هذا هو، لا، نحن الآن نبحث .. مداخلة: كأنه عند الأحناف أن هذا يُبْطِل الصلاة، فمن أين جاؤوا بهذا الحكم؟

стр. 2594

الشيخ: هذا يأتي حكمه من «حركات، أن الثلاث حركات .. تبطل الصلاة ... هذا ما أعرفه عنهم، لكن المعروف عنهم أنهم مُتَشَدِّدون جداً في الحركات في الصلاة، فيقولون ثلاث حركات متتابعة تُبْطِل الصلاة. فالمنفرد الذي سألت عنه، يقال له: إن كان عندك استعداد، عندك حافظة، فاحفظ القرآن وتعاهده، حتى لا يتفلت منك، وإذا لم يكن عندك استعداد، فافعل كذاك الذي كان يؤم الناس في عهد الرسول ﵇، رجل من الأنصار يؤم الناس في الصلوات الخمس ليس في رمضان، فكان يقرأ في كل ركعة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، شكوه إلى الرسول ﷺ أن هذا إمام ... هكذا قصته، بعد الصلاة كان يقول لهم: يا جماعة! إن أعجبكم هذا، فسوف أؤمكم وإلا ابحثوا عن غيري، فَشَكَوْه للرسول بعد الصلاة، ذكر له ما قالوا له، قال: والله يا رسول الله إني أُحبها. قال: «حُبُّك إياها أدخلك الجنة». فأيُّ عامي لا يتصور أنه لا يحفظ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، فيُكَرِّرها، وقد قال ﵇: «﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن». ومرةً خرج الرسول ﵇ على الصحابة، قال لهم: «أيكم يعجز أن يقرأ القرآن في كل ليلة؟ قالوا: كلنا. قال: من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ثلاث مرات فكأنما قرأ القرآن كله». فإذًا: الأمر مُيَسَّر، لكن هذا التيسير ضل عنه كثير من المسلمين؛ بسبب غفلتهم عن دينهم من جهة، وبسبب ركوبهم رؤوسهم واتّباعهم أهواءهم من جهةٍ أخرى. والله المستعان. (الهدى والنور / ٩٢ / .. : .. : .. )

стр. 2595

القراءة من المصحف في الصلاة مداخلة: هل يجوز [حمل] القرآن الكريم في الصلاة المكتوبة أم يقرأ حاضراً؟ الشيخ: أما في المكتوبة، فأمر ما أظن أن أحداً يقول بشرعيته. وإنما الخلاف المعروف إنما هو في النافلة، بل وليس في كل نافلة، وإنما في قيام الليل، بل وليس في كل قيام من الليل، وإنما هو في قيام الليل خاصة في رمضان، الخلاف في هذا الموطن فقط، فمنهم من يرى ذلك ويجيزه وبخاصة إذا كان الإمام لا يحفظ كثيراً من القرآن، ومنهم من لا يرى شرعية ذلك، وأنا مع هؤلاء لسببين اثنين: السبب الأول: أنه لم يكن معروفاً في عهد السلف، وأنا أعني ما أقول حينما أقول لم يكن معروفاً في عهد السلف، أي: كظاهرة دينية اجتماعية، فلا يعترضن أحد بقوله بأن هناك رواية أن عبداً لعائشة رضي الله تعالى عنها كان يَؤُمُّها من المصحف، فإن هذه الرواية مع صحتها لا تخالف ما قلته لكم آنفاً؛ لأن كون الشيء يقع في مكان محصور بين جدران أربع، وبين شيء يُعْلَن على الملأ جميعاً، ثم لا أحد ينكر ذلك، فهذا الذي نقوله وندخله في عموم قولنا آنفاً: «وكل خير في اتباع من سلف». أي: إذا كان هناك عمل اشتهر فعله بين السلف، دون أن يكون بينهم أي خلاف، فهذا نحن نتبعه ونسَلِّم له. أما في مثل ما نحن في صدده الآن، أن السيدة عائشة كان يؤمها عبدها من المصحف المفتوح بين يديه، فهذه قضية خاصة قد تكون لها أسبابها وملابساتها. هذا هو السبب الأول، وخلاصته: أنه لم يكن معروفاً في عهد السلف، كما هو المعروف اليوم في عهد الخلف، ففي كثير من المساجد في كثير من البلاد تجدون الإمام قد وضع في مثل هذه الطاولة وهو يقرأ منه، هذه ظاهرة لم تكن إطلاقاً فيمن مضى من السلف الصالح، ولذلك هنا نحن نقول: وكل خير في اتباع من سلف.
следующие страницы →