قراءة القرآن من المصحف في الصلاة
[قال الإمام]: منذ ساعات سُئِلت عن قراءة القرآن من المصحف في الصلاة، لا يتبادر إلى الذهن أن فيها شيء، فهو يقرأ من القرآن أكثر مما يستحضره من الذهن، وأعلم أنا في هذه الدار أو هذه الديار أنهم في رمضان يكثرون من هذا العمل، تجد الإمام ماسك المصحف لماذا؟ لأنه لا يحفظ، وأنه لو كان ممن أوتي حفظاً، لاستغني عن ترك المصحف، قَلَّ من يتذكر ويتدبر عاقبة هذا العمل.
عاقبة هذا العمل خلاف ما رمى إليه الرسول ﷺ بحديثه الصحيح المشهور: «اقرؤوا هذا القرآن وتعاهدوا به، وتغنوا به، فوالذي نفس محمد بيده إنه أشد تفلتًا من صدور الرجال من الإبل من عُقُلها».
وفي هذا الحديث أمر بتعاهد القرآن، أي: العناية بتكراره، حتى يَرْسَخ في الصدر؛ لأن الرسول ﵇ يؤكد أن هذا القرآن أشد تَفَلُّتاً من صدور الرجل من الإبل من عُقُلِها.
في الفقه الإسلامي شيء اسمه باب سد الذرائع، وهذه قاعدة أصولية هامة جداً، ينفذ منها الإنسان إلى معرفة كثير من أحكام ليس عليها نص صريح في السنة أو في القرآن، مثل هذه مثلاً، إيش فيها إذا فتح المصحف وقرأ، والرسول يقول: «من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات، لا أقول الم حرف، بل ألف وحرف ولام حرف وميم حرف».
إذاً: يستطيع يقرأ من المصحف مباشرة أكثر مما يستطيع يقرأ من حافظته، لكن أيضاً تعود لنا القاعدة السالفة الذكر: «إنما الأعمال بالخواتيم»، إلى أين يؤدي فتح باب القراءة من المصحف من أئمة المساجد، أن لا نجد حُفَّاظاً؛ لأن هؤلاء سيعتمدون على قراءة القرآن من المصحف مباشرة، هذا شيء.
والشيء الثاني: أن هؤلاء الأئمة الذين يقرؤون من المصحف في صلاتهم،
стр. 2593
سيُضَيِّعون كثيراً من السنن، إن لم نقل الواجبات فيما يتعلق بصفة الصلاة.
تجد أحدَهم بعدما انتهى من قراءة المصحف، وضعه تحت إبطاه وَشَدَّ عليه، كيف تشوفه إذا ركع، لأنه إذا مد يده وقع المصحف.
فإذاً: هو إذا عمل هكذا خالف السنة، وأكثر من هذا إذا أراد أن يسجد، كان الرسول ﵇ إذا سجد جافى بين عضده وجانبيه، حتى لو أرادت بهيمة أن تمر لمرت بسهولة، هذا ... لا بد أن يبقى عاضداً على المصحف حتى لا يسقط.
فهذا مثله -ويا ليت هذا يكون مثله- كمثل من يبني قصراً ويهدم مصراً، لكن هذا لا يبني شيئاً، بل يخالف السنة في العناية بحفظ القرآن، ويتواكل على القراءة من المصحف.
لذلك لا نرى نحن هذه القراءة من المصحف على الإنسان، خاصة من كان يأخذ راتباً في أداء وظيفة الإمامة، أن يقوم بواجب هذا الراتب، وأن يُعْنَى عنايةً خاصةً بحفظ القرآن، حتى يُحْسِن إمامة الناس خاصة في شهر القيام .. شهر رمضان المبارك.
مداخلة: إذا كان غير حافظ ومنفرد، ويضع مصحفاً صغيراً في جيبه بعد التلاوة مثلا؟
الشيخ: نفس الحكم؛ لا يختلف، هذا يقال له: إن كنت لا تحفظ.
مداخلة: يعني صلاته صحيحة؟
الشيخ: نعم، الصلاة صحيحة، ونحن ما بنحكي الصلاة صحيحة، الصلاة صحيحة، لكن هذا الأكمل وإلا سواه؟ هذا الأفضل وإلا سواه.
مداخلة: ما في شك.
الشيخ: هذا هو، لا، نحن الآن نبحث ..
مداخلة: كأنه عند الأحناف أن هذا يُبْطِل الصلاة، فمن أين جاؤوا بهذا الحكم؟
стр. 2594
الشيخ: هذا يأتي حكمه من «حركات، أن الثلاث حركات .. تبطل الصلاة ...
هذا ما أعرفه عنهم، لكن المعروف عنهم أنهم مُتَشَدِّدون جداً في الحركات في الصلاة، فيقولون ثلاث حركات متتابعة تُبْطِل الصلاة.
فالمنفرد الذي سألت عنه، يقال له: إن كان عندك استعداد، عندك حافظة، فاحفظ القرآن وتعاهده، حتى لا يتفلت منك، وإذا لم يكن عندك استعداد، فافعل كذاك الذي كان يؤم الناس في عهد الرسول ﵇، رجل من الأنصار يؤم الناس في الصلوات الخمس ليس في رمضان، فكان يقرأ في كل ركعة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، شكوه إلى الرسول ﷺ أن هذا إمام ... هكذا قصته، بعد الصلاة كان يقول لهم: يا جماعة! إن أعجبكم هذا، فسوف أؤمكم وإلا ابحثوا عن غيري، فَشَكَوْه للرسول بعد الصلاة، ذكر له ما قالوا له، قال: والله يا رسول الله إني أُحبها. قال: «حُبُّك إياها أدخلك الجنة».
فأيُّ عامي لا يتصور أنه لا يحفظ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، فيُكَرِّرها، وقد قال ﵇: «﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن».
ومرةً خرج الرسول ﵇ على الصحابة، قال لهم: «أيكم يعجز أن يقرأ القرآن في كل ليلة؟ قالوا: كلنا. قال: من قرأ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ثلاث مرات فكأنما قرأ القرآن كله».
فإذًا: الأمر مُيَسَّر، لكن هذا التيسير ضل عنه كثير من المسلمين؛ بسبب غفلتهم عن دينهم من جهة، وبسبب ركوبهم رؤوسهم واتّباعهم أهواءهم من جهةٍ أخرى. والله المستعان.
(الهدى والنور / ٩٢ / .. : .. : .. )
стр. 2595
القراءة من المصحف في الصلاة
مداخلة: هل يجوز [حمل] القرآن الكريم في الصلاة المكتوبة أم يقرأ حاضراً؟
الشيخ: أما في المكتوبة، فأمر ما أظن أن أحداً يقول بشرعيته.
وإنما الخلاف المعروف إنما هو في النافلة، بل وليس في كل نافلة، وإنما في قيام الليل، بل وليس في كل قيام من الليل، وإنما هو في قيام الليل خاصة في رمضان، الخلاف في هذا الموطن فقط، فمنهم من يرى ذلك ويجيزه وبخاصة إذا كان الإمام لا يحفظ كثيراً من القرآن، ومنهم من لا يرى شرعية ذلك، وأنا مع هؤلاء لسببين اثنين:
السبب الأول: أنه لم يكن معروفاً في عهد السلف، وأنا أعني ما أقول حينما أقول لم يكن معروفاً في عهد السلف، أي: كظاهرة دينية اجتماعية، فلا يعترضن أحد بقوله بأن هناك رواية أن عبداً لعائشة رضي الله تعالى عنها كان يَؤُمُّها من المصحف، فإن هذه الرواية مع صحتها لا تخالف ما قلته لكم آنفاً؛ لأن كون الشيء يقع في مكان محصور بين جدران أربع، وبين شيء يُعْلَن على الملأ جميعاً، ثم لا أحد ينكر ذلك، فهذا الذي نقوله وندخله في عموم قولنا آنفاً: «وكل خير في اتباع من سلف».
أي: إذا كان هناك عمل اشتهر فعله بين السلف، دون أن يكون بينهم أي خلاف، فهذا نحن نتبعه ونسَلِّم له.
أما في مثل ما نحن في صدده الآن، أن السيدة عائشة كان يؤمها عبدها من المصحف المفتوح بين يديه، فهذه قضية خاصة قد تكون لها أسبابها وملابساتها.
هذا هو السبب الأول، وخلاصته: أنه لم يكن معروفاً في عهد السلف، كما هو المعروف اليوم في عهد الخلف، ففي كثير من المساجد في كثير من البلاد تجدون الإمام قد وضع في مثل هذه الطاولة وهو يقرأ منه، هذه ظاهرة لم تكن إطلاقاً فيمن مضى من السلف الصالح، ولذلك هنا نحن نقول:
وكل خير في اتباع من سلف.
стр. 2596
هذا هو الأمر الأول.
الأمر الآخر: أن القول بجواز هذا العمل فضلاً عن القول بشرعيته يلزم منه معاكَسَة أو على الأقل مخالفة توجيهات نبوية كريمة، وهي تدور كلها حول الحض للمسلم الذي يعتني بإمامة الناس.
والإمامة تستلزم أن يكون متميزاً في حفظه للقرآن؛ لأن ذلك هو السبب الأول الذي يجعل للحافظ حق الأولوية في إمامة الناس كما جاء في صحيح مسلم: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأقدَمُهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأكبرهم سناً».
إذاً: المرتبة الأولى التي بها يستحق المتصف بها الإمامية هو حفظ القرآن.
فهذا الحفظ لكي لا يفلت ولا يذهب من الحافظ ما تعب على حفظه برهة من الزمان، قال ﵊: «تعاهدوا هذا القرآن وتَغَنَّوا به، فوالذي نفس محمد بيده، إنه أشد تفلتاً من صدور الرجال من الإبل من عقلها».
ففتح باب تجويز القراءة من الإمام من المصحف يصرفه كما يقال اليوم أوتوماتيكياً عن تنفيذ الأمر النبوي تعاهدوا، لماذا يتعاهد القرآن، وهاهم العلماء يجيزون له أن يقرأ من القرآن المفتوح بين يديه، هذا أمر لا بد منه، أي: أتى باب القول بجواز القراءة من المصحف من الإمام، من آثاره السيئة عدم الاهتمام بحفظ القرآن، لكن قد يكون له آثار أو مخلفات أخرى سيئة، وذلك يختلف من إمام إلى آخر.
وأنا أذكر ما رأيته بعيني هاتين في بعض المساجد حينما كُتِب لي أن أصلي وراء إمام وبحضرة إمام من أئمة المسلمين العلماء الفقهاء، كان يقرأ في صلاة التراويح من المصحف، فإذا ركع وضع المصحف تحت إبطه، فالآن أنا رأيته وأظنكم تتصورون معي أنه شبه مُغَلَّل، ذلك لأنه لا يستطيع أن يرفع يديه هكذا؛ لأن المصحف سيقع منه، فإذاً: هو سَيُدَاري ما تأبطه من المصحف فلا يرفع يده كما ينبغي، وهل يقف المحظور والأثر المحظور إلى هذا الوضع فقط؟
стр. 2597
لا الوضع أشكل، حينما يسجد وهو إمام، ويستطيع أن يجافي عضديه عن إبطيه، لا يستطيع أن يجافي، إلا كالمريض يجافي بإحدى يديه ولا يجافي بالأخرى؛ لأنه تأبط المصحف الذي كان يقرأ منه.
من يقول بأن هذا أمر جائز؟
لذلك ابتدع بعضهم هذه البدعة، نصبوا أَمامهم نُصُباً قاعدة، فيضعون المصحف ولا يكون هناك حركات ولا مضايقات.
كل هذا تكلف في الدين، ولذلك نحن في الأصل ينبغي علينا أن نأمر الأئمة بأمر نبينا: «تعاهدوا هذا القرآن» ثم إذا لم يتيسر فنقول: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» ثم إن كان هناك إمام راتب، أي موظف مسؤول، فلا ينبغي أن يتقدم أحد بين يديه إلا إذا هو آثره، وليس مؤاثرة من باب الرياء والسمعة، وإنما من باب الأحق بالإمامة إذا كان يعلم أنه أحفظ منه فيقدِّمه، «لا يُؤَم الرجل في سلطانه» كما تعلمون في بعض الأحاديث الصحيحة «إلا بإذنه» فإذا أذن هو جاز للآخر أن يؤم، لكن يُسْتَحب في هذا الذي يؤم في سلطانه أن يُراعي منازل الناس، فإذا وجد هناك رجلاً أقرأ منه وأعلم منه، فعليه أن يُقدِّمه، فإن سُدَّت الأبواب كلها حينئذ قلنا لهذا الإمام الذي لا يحفظ إلا شيئاً قليلاً من القرآن: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وانتهى الأمر.
ليس هناك داع لمثل هذا التكلف وهذا التصنع.
كلامي هذا كله يدندن حول النافلة، والنافلة الخاصة في قيام الليل، وبصورة أخص قيام الليل في رمضان، أما في الفريضة فلا أحد يقول بذلك إن شاء الله.
(الهدى والنور /٦١٨/ ٤٥: ١٦: ٠٠)
стр. 2598
جامع تراث العلامة الألباني في الفقه
صَنَعَهُ
د. شادي بن محمد بن سالم آل نعمان
المجلد السادس
الجمعة-العيدين-الجمع والقصر
стр. 2599
كتاب الجمعة
стр. 2600
حكم صلاة الجمعة
стр. 2601
حكم صلاة الجمعة
[قال الإمام في تلخيص المسائل المتعلقة بالجمعة من رسالة «الموعظة الحسنة بما يخطب به في شهور السنة» لصديق حسن خان]:
حكم صلاة الجمعة (١): الجمعة حق على كل مكلف واجبة على كل محتلم بالأدلة المصرحة بأن الجمعة حق على كل مكلف وبالوعيد الشديد على تاركها وبهمه ﷺ بإحراق المتخلفين عنها (٢).
وليس بعد الأمر القرآني المتناول لكل فرد في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة ٩] حجة بينة واضحة. وقد أخرج أبو داود من حديث طارق بن شهاب أن النبي ﷺ قال: «الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة (٣) إلا أربعة عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض». وقد صححه غير واحد من الأئمة.
[الأجوبة النافعة ص ٤٣].
معنى حديث: «الجمعة على من آواه الليل إلى أهله»
وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «الجمعة على من آواه الليل إلى أهله». رواه الترمذي، وقال: هذا حديث إسناده ضعيف.
стр. 2602
قال الألباني: أي الجمعة واجبة على كل من كان بمحل لو أتى إليها أمكنه الرجوع بعدها إلى وطنه قبل دخول الليل.
(مشكاة المصابيح ١/ ٤٣٤)
стр. 2603
غسل الجمعة
стр. 2604
غسل الجمعة واجب وتساهل الناس فيه
[روي عن النبي ﷺ أنه قال]: «اغتسلوا يوم الجمعة ولو كأسا بدينار». موضوع.
[قال الإمام]: ويغني عنه الأحاديث الصحيحة في الأمر بالغسل يوم الجمعة كقوله ﷺ : «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» رواه الشيخان وغيرهما وهو مخرج في «الإرواء» «رقم ١٤٣» وقد تساهل أكثر الناس بهذا الواجب يوم الجمعة فقل من يغتسل منهم لهذا اليوم، ومن اغتسل فيه فإنما هو للنظافة، لا لأنه من حق الجمعة، فالله المستعان.
السلسلة الضعيفة (١: ٢٩٢).
غسل الجمعة واجب
عن سَفرَةَ قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ توضأ؛ فبها ونِعْمَتْ، ومَنِ اغتسل؛ فهو أفضل». «قلت: حديث حسن».
[بوب له أبو داود بقوله: الرخصة في ترك الغسل يوم الجمعة].
قال الإمام: لكن الحديث ليس نصّاً فيما بوب له المصنف؛ لأن غاية ما فيه: أن الوضوء نِعْمَ العملُ، وأن الغسل أفضل، وهذا مما لاشكَّ فيه، وقد قال الله تعالى: «ولو آمن أهلُ الكتاب لكان خيرا لهم».
قال ابن حزم ﵀ «٢/ ١٤»: «فهل دل هذا اللفظ على أن الإيمان والتقوى ليس فرضاً؟ ! حاشا لله من هذا! ».
قال: «ثم لو كان في جميع هذه الأحاديث نصٌّ على أن غسل الجمعة ليس فرضاً؛ لما كان في ذلك حجة؛ لأن ذلك كان يكون موافقاً لما كان الأمر عليه قبل قوله ﵇ غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم». و «على كل مسلم». وهذا القول
стр. 2605
منه ﵇ شرع وارد، وحكم زائد ناسخ للحالة الأولى بيقين لا شك فيه، ولا يحل ترك الناسخ بيقين والأخذ بالمنسوخ». قلت: والحق أن غسل الجمعة واجب؛ لأن الأحاديث الواردة في الباب قبله صريحة في ذلك لا تقبل التأويل إلا بتكلف واضح؛ لكنها لا تفيد الشرطية، فمن اغتسل يوم الجمعة؛ فقد أدى الواجب الذي عليه، ومن تركه فقد أثم؛ لكن صلاة الجمعة صحيحة. والله تعالى أعلم.
صحيح سنن أبي داود (٢/ ١٩٢)
حكم غسل الجمعة
[قال الإمام في تلخيص المسائل المتعلقة بالجمعة من رسالة «الموعظة الحسنة بما يخطب به في شهور السنة» لصديق حسن خان]: الأحاديث الصحيحة الثابتة في «الصحيحين» وغيرهما من طريق جماعة من الصحابة قاضية بوجوب الغسل للجمعة، ولكنه ورد ما يدل على عدم الوجوب أيضا عند أصحاب «السنن» يقوي بعضه بعضا فوجب تأويله على أن المراد ب «الوجوب» تأكيد المشروعية جمعا بين الأحاديث وإن كان لفظ «واجب» لا يصرف عن معناه إلا إذا ورد ما يدل على صرفه كما نحن بصدده لكن الجمع متقدم على الترجيح ولو كان بوجه بعيد.
[قال الإمام معلقاً]: قلت لا شك أن الجمع مقدم على الترجيح، ولكن الجمع إذا كان بعيدا كهذا الذي جمع به المؤلف بين الحديثين لم تطمئن النفس إليه ونظرت لعلها تجد ما هو أقرب إلى الاطمئنان وقد كنت قرأت قديما كلاما لبعض الأئمة اطمأنت إليه نفسي وانشرح له قلبي فها أنا أنقله إلى القارئ ليتأمل فيه ثم يتبع ما اطمأنت له نفسه من الجمعين: قال ابن حزم في المحلى ٢/ ١٤ بعد أن ساق حديث: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل» وما في معناه مما أشار إليه المصنف: لو صحت لم يكن فيها نص ولا دليل على أن غسل الجمعة ليس بواجب وإنما فيها أن الوضوء نعم العمل وأن الغسل أفضل وهذا لا شك فيه وقد قال الله تعالى ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ فهل دل هذا اللفظ على أن
стр. 2606
الإيمان والتقوى ليس فرضا؟ حاشا الله من هذا ثم لو كان في جمع هذه الأحاديث نص على أن غسل الجمعة ليس فرضا لما كان في ذلك حجة لأن ذلك كان يكون موافقا لما كان عليه الأمر قبل قوله ﵇ «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم» وهذا القول منه ﵇ حكم زائد ناسخ للحالة الأولى بيقين لا شك فيه ولا يحل ترك الناسخ بيقين والأخذ بالمنسوخ.
[قال صديق خان]: واعلم أن حديث «إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل» يدل على أن الغسل لصلاة الجمعة وأن من فعله لغيرها لم يظفر بالمشروعية سواء فعله في أول اليوم أو في وسطه أو في آخره. ويؤيد هذا ما أخرجه ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما مرفوعا: «من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل» زاد ابن خزيمة: «ومن لم يأتها فليس عليه غسل». [قال الألباني معلقا]: يقول ملخصه: لكن الحديث بهذه الزيادة وذكر النساء فيه - شاذ لا يصح والمحفوظ بدونها كما رواه الشيخان وغيرهما وقد حققت ذلك في الضعيفة ٣٩٥٨.
[الأجوبة النافعة ص ٥١].
بعد أن يغتسل الإنسان للجمعة هل يجب عليه الوضوء قبل الصلاة ؟
مداخلة: هل من الضروري يوم الجمعة إذا اغتسل الإنسان أن يتوضأ حتى يصلي؟
الجواب: إذا ما انتقض غسله، لا، ليس من الضروري.
(الهدى والنور /٢/ ٣١: ٤٦: .. )
стр. 2607
حكم غُسل الجمعة
مداخلة: هل غسل الجمعة واجب أم لا؟
الشيخ: واجب.
مداخلة: حديث: «من توضأ وأحسن الوضوء فالوضوء يكفي» صحيح؟ .. «من توضأ وأحسن الوضوء، فالوضوء يكفي فبها ونعمت» .. حديث يوم الجمعة صحيح؟
الشيخ: ماذا تقصد بهذا؟
مداخلة: يعني هناك بعض مشائخنا يقولوا إن الوضوء يكفي فبها ونعمت، يوجد حديث، ما صحة هذا الحديث؟
الشيخ: وتمام الحديث ما هو؟
مداخلة: «والغسل أفضل» بعد الأفضلية.
الشيخ: طَيِّب .. «كلمة أفضل» خاصة بالنفل وإلا يدخل فيه الواجب؟
مداخلة: الواجب والنفل.
مداخلة: يدخل فيه الواجب أيضاً.
الشيخ: انظر، لو رَيَّحت نفسك، ستجاوب بأقل جواب، ما هو سؤالي؟ «أفضل» يدخل فيه النفل فقط وإلا والواجب أيضاً؟ أنت تقول يدخل الواجب والنفل، أو لا يدخل الواجب ماذا تقول، أو ماذا تفهم، أو ماذا فَهَّموك مشائخك، الله يرضى عنهم؟
مداخلة: «الأفضل» يدخل النفل والواجب أيضاً.
الشيخ: هاه؟ يدخل الواجب أيضاً أحسنت.
فإذاً: هل ينفي كون الغسل واجب، ما دام يدخل فيه الواجب؟
стр. 2608
مداخلة: لا ينفي، لكن فعل الصحابة بعض الصحابة.
الشيخ: لا، خرجت عن الحديث الآن.
مداخلة: حديث «فبها ونعمت».
الشيخ: خَلِّيك في الحديث الآن، أنت بحثك في الحديث بعدها نرجع للصحابة وهم قدوتنا وأُسوتنا، الحديث إذاً في معنى الكلام لا يدل على ما سمعت، لماذا؟ ما هي آية الجمعة؟
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ ماذا؟ ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩] ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾: هذا اسم تفضيل يعني أفضل، هل معنى ذلك أنه لا يجب إجابة المنادي يوم الجمعة للذهاب إلى المسجد؟
الجواب: لا، كذلك الحديث، لما قال «فالغسل أفضل» لا يعني أن الغسل ليس بواجب، لكن الحقيقة الذي يعنيه أفضلية مطلقة، أي قد يكون هذا الغسل واجباً وقد يكون غير واجب.
أُريد أن أقول: هذا الحديث لا يُؤْخَذ منه الوجوب، لكن إذا كان هناك دليل يدل على الوجوب فلا يُعارضه ويدخل فيه، واضح؟
مداخلة: سألتُ عن وجوب غسل الجمعة وأجبتَ عن قول النبي ﷺ : «فهو أفضل» لكن بالنسبة إلى لفظة: «فبها ونعمت» ونحن نعلم من اللغة أن لفظ نِعْم أو نعمت يفيد المدح، فكيف يمدح النبي ﷺ شيئاً وهو لا يجوز فعله؟
الشيخ: سامحك الله. من الذي قال لك لا يجوز فعله؟ من الذي قال، الله يهديك. كمان تشرح لي أنه الوضوء.
أنت مخطئ فيما تقول أشد الخطأ، لأنك تتوهم أحد شيئين: إما أنك أنت تفهم هكذا ممن سمعت منه الجواب السابق، أو أنك تعزو هذا إلى بعض الناس أنهم يقولون إن الوضوء خطأ، ولا أحد يقول هذا الكلام. سمعت مني هذا الكلام؟
стр. 2609
إذاً: من أين تقول هذا الكلام؟
مداخلة: فهمت من قوله إنه واجب، هذا يدل يعني ما دام أن الغسل واجب.
الشيخ: أنا أسألك الآن: كم واجب في الوضوء؟
مداخلة: عدة واجبات.
الشيخ: إذا قام بعِدِّة واجبات وترك واجبًا يعني يكون أخطأ؟
مداخلة: أخطأ.
الشيخ: أخطأ في إتيانه الواجبات، أعني؟ .
مداخلة: لا
الشيخ: هذا مثلك أنت، فهمتني؟
مداخلة: لم أفهم بالشكل الجَيّد.
الشيخ: الوضوء فيه واجبات يجب الإتيان بها كلها، فجاء بها كلها إلا واحدة منها، هل أخطأ في إتيانها كلها أم أخطأ في تركه أحدها؟
مداخلة: في تركه.
الشيخ: هذا مثلك. فالذي جاء بالوضوء يوم الجمعة أخطأ؟
مداخلة: لا.
الشيخ: فإذاً: ما إشكالك؟ هو جاء بواجب.
(الهدى والنور /٢١٣/ ٣٤: ٠١: ٠٠)
(الهدى والنور / ٢١٦/ ٥٤: ١٩: ٠٠) بتصرف واختصار وللنقاش تتمة في الأصل المسموع.
стр. 2610
سنة الجمعة
стр. 2611
جواز الصلاة قبل الزوال يوم الجمعة
حديث سلمان عند البخاري:
«لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر ويدهن من دهن أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى». وأخرجه النسائي والدارمي. [قال الإمام]: قلت: فهذا الحديث يبين بجلاء وظيفة الداخل إلى المسجد يوم الجمعة في أي وقت كان هي أن يصلي ما قدر له وفي حديث آخر: ما بدا له حتى يخرج الإمام فينصت له فهو دليل صريح أو كالصريح على جواز الصلاة قبل الزوال يوم الجمعة وذلك من خصوصيات هذا اليوم كما بينه المحقق ابن القيم في الزاد «١/ ١٤٣» واحتج له بهذا الحديث فقال عقبه: «فندبه إلى صلاة ما كتب له ولم يمنعه عنها إلا في وقت خروج الإمام لانتصاف النهار». ثم ذكر مذاهب العلماء في الصلاة قبل الزوال:
وهي ثلاثة: مباح مطلقا يوم الجمعة وغيره، ومكروه مطلقا، والثالث أنه وقت كراهة إلا يوم الجمعة وهو مذهب الشافعي وهو الحق الذي اختاره جماعة من الحنفيين وغيرهم وهو قول الإمام أبي يوسف ﵀ وهو المعتمد المصحح في المذهب كما في الأشباه والنظائر وعليه الفتوى كما في الطحطاوي على مراقي الفلاح (١). وعلى هذا جرى عمل الصحابة ﵃ فروى ابن سعد في الطبقات «٨/ ٣٦٠» بإسناد صحيح على شرط مسلم عن صافية قالت: «رأيت صفية بنت حيي وهي من أزواج النبي ﷺ ماتت في ولاية معاوية «صلت أربعا قبل خروج الإمام وصلت الجمعة مع الإمام ركعتين». وفي «الزاد» قال ابن المنذر: روينا عن ابن عمر أنه كان يصلي قبل الجمعة اثنتي عشرة ركعة وعن ابن عباس أنه
стр. 2612
كان يصلي ثمان ركعات، وهذا دليل على أن ذلك كان منهم من باب التطوع المطلق ولذلك اختلف العدد المروي عنهم في ذلك وقال الترمذي في الجامع: «وروي عن ابن مسعود أنه كان يصلي قبل الجمعة أربعا وبعدها أربعا وإليه ذهب ابن المبارك والثوري».
وقال أبو شامة «ص ٧٠» بعد أن نقل المذكور: «ولذلك اختلف العدد المروي عنهم وباب التطوع مفتوح ولعل ذلك كان يقع منهم أو معظمه قبل الأذان ودخول وقت الجمعة لأنهم كانوا يبكرون ويصلون حتى يخرج الإمام، وقد فعلوا مثل ذلك في صلاة العيد وقد علم قطعا أن صلاة العيد لا سنة، لها وكانوا يصلون بعد ارتفاع الشمس في المصلى وفي البيوت ثم يصلون العيد، روى ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين وبوب له الحافظ البيهقي بابا في سننه، ثم الدليل على صحة ذلك أن النبي ﷺ كان يخرج من بيته يوم الجمعة فيصعد منبره ثم يؤذن المؤذن فإذا فرغ أخذ النبي ﷺ في خطبته ولو كان للجمعة سنة قبلها لأمرهم بعد الأذان بصلاة السنة وفعلها هو ﷺ ولم يكن في زمن النبي ﷺ غير هذا الأذان وعلى ذلك مذهب المالكية إلى الآن». وقد يشير إلى أنه لا سنة للجمعة قبلها قوله ﷺ : «إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعا» (١).
فإنه لو كان قبلها سنة لذكرها في هذا الحديث مع السنة
стр. 2613
البعدية فهو أليق مكان لذكرها.
والخلاصة: أن المستحب لمن دخل المسجد يوم الجمعة في أي وقت أن يجلس ما شاء نفلا مطلقا غير مقيد بعدد ولا موقت بوقت حتى يخرج الإمام أما أن يجلس عند الدخول بعد صلاة التحية أو قبلها فإذا أذن المؤذن بالأذان الأول قام الناس يصلون أربع ركعات فمما لا أصل له في السنة بل هو أمر محدث وحكمه معروف. وقد يتوهم متوهم أن هذا القيام والصلاة كان معروفا على عهد عثمان وأن من أسباب أمره بالأذان الأول هو إيجاد فسحة من الوقت بينه وبين الأذان الثاني ليتمكنوا من السنة القبلية، وهذا مع أنه مما لا دليل عليه وإنما هو مجرد ظن والظن لا يغني من الحق شيئا، ومع أنه لم ينقل، فإن في حديث السائب السابق ما يبعد وقوعه ففيه أن الأذان الأول كان في السوق والسنة القبلية لا تكون في السوق عادة بل في المسجد ومن كان فيه لا يسمعه حتى يصلي حينئذ، ثم إنه لم ينقل أيضا أن هشاما لما نقل الأذان العثماني من الزوراء إلى باب المسجد ونقل الأذان النبوي إلى داخل المسجد كما تقدم لم ينقل أنهم كانوا يصلون بين الأذانين ولو فعلوا لما كان في ذلك حجة لأنه بعد انقراض عهد الصحابة وما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها كما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى.
ولذلك قال ابن الحاج في المدخل «٢/ ٢٣٩»: «وينهي الناس عما أحدثوه من الركوع بعد الأذان الأول للجمعة لأنه مخالف لما كان عليه السلف رضوان الله عليهم لأنهم كانوا على قسمين: فمنهم من كان يركع حين دخوله المسجد ولا يزال كذلك حتى يصعد الإمام المنبر فإذا جلس عليه قطعوا تنفلهم، ومنهم من كان يركع ويجلس حتى يصلي الجمعة، ولم يحدثوا ركوعا بعد الأذان الأول ولا غيره فلا المتنفل يعيب على الجالس ولا الجالس يعيب على المتنفل، وهذا بخلاف ما هم اليوم
стр. 2614
يفعلونه فإنهم يجلسون حتى إذا أذن المؤذن قاموا للركوع (١) فإن قال قائل: هذا وقت يجوز فيه الركوع فقد روى البخاري عن عبد الله بن المغفل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بين كل أذانين صلاة» قالها ثلاثا وقال في الثالثة: «لمن شاء» فالجواب أن السلف رضوان الله عليهم أفقه بالحال وأعرف بالمقال فما يسعنا إلا أتباعهم فيما فعلوه». قلت: وهذا الجواب غير كاف ولا شاف لأنه أوهم التسليم بأن الحديث يدل على مشروعية قصد الصلاة بين أذان عثمان والأذان النبوي وليس كذلك. فلا بد من توضيح ذلك فأقول: إن الحديث لا يدل على ذلك البتة لأن معنى قوله فيه: «أذانين» أي أذان وإقامة قال الحافظ: وقد جرى الشراح على أن هذا من باب التغليب كقولهم «القمرين» للشمس والقمر ويحتمل أن يكون أطلق على الإقامة أذان لأنها إعلان بحضور فعل الصلاة كما أن الأذان إعلام بدخول الوقت.
قلت: وسواء كان هذا أو ذاك فالمراد بالأذان الثاني فيه الإقامة قولا واحدا فإذا كان الأمر كذلك فلا يصلح لما ذهب إليه القائل المذكور. ثم إننا فرضنا أن الحديث على ظاهره وإنه يشمل أذان عثمان مع أنه لم يكن في عهده ﷺ اتفاقا - لما دل إلا على استحباب صلاة مطلقة غير مقيدة بعدد وليس البحث في ذلك وإنما هو في كونها سنة راتبة مؤكدة وفي كونها أربع ركعات فهذا مما لا يقوم بصحته دليل لا هذا الحديث ولا غيره كما تقدم بيانه مفصلا.
ويؤيد ما ذكرته أن أحدا من العلماء لم يستدل بالحديث المذكور على سنية صلاة معينة بركعات محدودة بين الأذانين وخاصة أذان المغرب وإقامته بل غاية ما قالوا أنه يدل على الندب فقط وعلى صلاة مطلقة غير محدودة الركعات فليكن الأمر كذلك هنا على الفرض الذي ذكرنا وهذا ظاهر لمن أنصف ولكن الحق أن الحديث لا يدل على مشروعية التنفل إطلاقا بين أذاني الجمعة كما سبق بيانه في أول البحث فهو المعتمد. هذا وأما قول السائل في هذه الفقرة: «وهل تصلى السنة عقب دخول
стр. 2615
الوقت بلا أذان؟ »
فنقول: يجب أن يتولى الإجابة عن هذا الذين يذهبون إلى مشروعية هذه السنة وأما نحن الذين لا نرى مشروعيتها فالسؤال غير وارد علينا وإنما نقول كلمة موجزة وهو كالخلاصة لهذا البحث المتقدم:
إن الثابت في السنة والذي جرى عليه الصحابة هو الصلاة قبل الأذان وقبل الوقت صلاة مطلقة غير مقيدة بوقت ولا بعدد، فمن كان مقتديا فبهداهم فليقتد، فإن خير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
[الأجوبة النافعة ص ٣٤ - ٤٠].
ضعف التفصيل القائل بأن سنة الجمعة في المسجد أربعًا وفي البيت اثنتين
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:
قوله في سنة الجمعة البعدية: «قال ابن القيم: قال شيخنا ابن تيمية: إن صلى في المسجد صلى أربعا وإن صلى في بيته صلى ركعتين».
قلت: هذا التفصيل لا أعرف له أصلا في السنة إلا ما سيذكره من حديث ابن عمر ويأتي قريبا بيان ما فيه وقوله في الحديث الصحيح المتقدم: «من كان منكم مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا». رواه. مسلم وغيره وهو في «الإرواء» ٦٢٥ لا دليل فيه على أن الأربع في المسجد والحديث الصحيح المعروف: «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» فإذا صلى بعد الجمعة ركعتين أو أربعا في المسجد جاز أو في البيت فهو أفضل لهذا الحديث الصحيح.
قوله في تمام كلام ابن القيم المتقدم: «وقد ذكر أبو داود عن ابن عمر أنه [إذا] صلى في المسجد [صلى] أربعا وإذا صلى في بيته صلى ركعتين».
стр. 2616
قلت: الجملة الأولى من هذا الأثر اختصرها ابن القيم ﵀ اختصاراً مخلا بالمعنى وانطلى أمره على المؤلف ولا غرابة في ذلك فإن من عادته عدم الرجوع إلى الأصول وإنما الغريب أن يخفى ذلك على من علق على «زاد المعاد» وزعم أنه «حقق نصوصه وخرج أحاديثه ... »! فإنه قال في تخريج هذا الحديث ١/ ٤٤٠: «رواه أبو داود ١١٣٠ في الصلاة: باب الصلاة بعد الجمعة».
فإن لفظه في المكان الذي أشار إليه: «عن عطاء عن ابن عمر قال: كان إذا كان بمكة فصلى الجمعة تقدم فصلى ركعتين ثم تقدم فصلى أربعا وإذا كان بالمدينة صلى الجمعة ثم رجع إلى بيته فصلى ركعتين ولم يصل في المسجد فقيل له؟ فقال: كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك».
وهكذا رواه البيهقي ٣/ ٢٤٠ - ٢٤١ وهو مخرج في «صحيح أبي داود» ١٠٣٥.
فأنت ترى أن رواية أبي داود تختلف عما عزاه إليه ابن القيم من وجهين:
الأول: أن فيها أنه كان يصلي ست ركعات وهو يقول: أربعا!
الثاني: فيها أن ذلك كان في مكة وهو يعني المسجد الحرام وابن القيم قال: «المسجد» أي المسجد النبوي بدليل ما بعده «وإذا صلى في بيته» يعني في المدينة لأن ابن عمر مدني كما هو معلوم.
فإذا عرفت هذا فراويه أبي داود هذه لا تدل على التفصيل الذي ادعاه ابن تيمية وزعم ابن القيم أن الحديث يدل عليه وذلك لأمور:
الأول: أن الدعوى أنه يصلى ستا.
الثاني: أنه خاص بالمسجد الحرام والدعوى عامة.
الثالث: أنه موقوف فليس بحجة ومن المحتمل أنه فعل ذلك لأمر يتعلق به أو لغير ذلك من الأسباب التي ذكرها الشوكاني في «نيل الأوطار» ٣/ ٢٣٩.
[تمام المنة ص (٣٤١)]
стр. 2617
السنة القبلية للجمعة والأذان الأول
السائل: بالنسبة لصلاة الجمعة، يؤذن المؤذن، طبعاً تجي تصلي ركعتين سنة الجمعة، هل هو جائز أم لا؟
الشيخ: «هل هو جائز؟ » ما هو؟
السائل: الركعتين ...
الشيخ: ما فيه سنة جمعة يا أخي، سنة الجمعة هاي المعروفة اليوم عند كثير من الناس لا أصل لها في السنة، ليش؟
أنا بَرْوي لك حديثًا من صحيح البخاري ـ أصح كتاب بعد كتاب الله ـ بإسناده الصحيح عن السائب بن يزيد قال: كان الأذان في عهد النبي ﷺ الأذان الأول فقط إذا صعد الرسول ﵇ المنبر أَذَّن المُؤَذِّن, إذا انتهى المؤذن من الأذان قام الرسول يخطب، ما فيه مكان لصلاة سنة الجمعة القبلية, والحديث له تتمة إن شاء الله نأتي عليها قريباً, السنة يوم الجمعة التي لازم المسلم يحافظ عليها:
أولا: التَبْكِير بالذهاب إلى المسجد، كلما بَكَّر كلما كان أحسن، لقوله ﷺ : «من راح في الساعة الأولى فكأنما قَرَّبَ بدنةً. بدنة يعني: جمل ـ ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قَرَّبَ بقرةً, ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قَرَّبَ كبشاً, ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قَرَّبَ دجاجة, ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قَرَّبَ بيضة ثم تُطْوَى الصحف»
فكلما بَكَّر كان أحسن، دخل المسجد مُبَكِّراً أو مُتَأخِّراً بيصلي ما تيسر له ركعتين، أربعة، ستة، ثمانية، بدون حساب، لأن هاي اسمها: نافلة، مش سنة حددها الرسول بباله ﵊، لا، ولذلك قال ﵇ في الحديث الصحيح: «من غَسَّل يوم الجمعة واغسل، وبَكَّر وابتكر، ثم صلى ما بدا له، ثم دنا من الإمام واستمع إلا غُفِرَ له ما بينه وبين الجمعة التي تليها».
стр. 2618
إذًا: هاللّي بيدخل المسجد يوم الجمعة يصلي ما بدا له هو ونشاطه، هو ووقته.
أما هذا الذي يقع اليوم، فهذا ليس له أصل في السنة إطلاقاً أبداً، هاللي وقع، كيف صار فيه أذانين؟
في زمن عثمان بن عفان اتسعت المدينة بسكانها، المدينة أول ما هاجر الرسول ﵊ كانت شبه قرية طبعاً، انتشر الإسلام بدؤوا الصحابة يأتوا، يستوطنوا، شوي، شوي، في زمن عثمان الله يرضى عنه - يعني: خلافته - صارت المدينة ما شاء الله بلدة، عاصمة الدولة الإسلامية، فهو بدا له فكرة -ونعمت الفكرة- باعتبار أنه حتى إلى اليوم - كما تعلمون - الجمعة لا تصلى إلا في المسجد النبوي، كانوا كذلك في زمن الرسول وأبو بكر وعمر وعثمان, لكن بسبب: اتساع البنيان في المدينة صار الناس اللي بَرَّات المدينة وفي سوق ـ اسمه الزوراء ـ ما يسمعوا الأذان في المسجد النبوي فهو جعل أذان هناك، هذا فلنسميه «أذان ثاني».
لكن هذا في الواقع: أذان ثاني، باعتبار: أن الأذان الأول هو اللِّي جاء به الرسول ﵇، هذا اسمه: «أذان ثاني» لأنه جاء به عثمان بعد الأول, لكن هو ما جاء به إلا لتسميع الناس اللي هم في السوق أنه حضرت صلاة الجمعة يالله حي على الصلاة، وين جعل عثمان الأذان الثاني؟ في السوق ومكان معروف في كتب الحديث: الزوراء.
استمر الأمر هكذا إلى عهد هشام بن عبد الملك الأُمَوي، فهو بدا له أنه ينقل الأذان من الزوراء إلى المسجد, من يومها اختلف الوضع.
ومع الزمن صار فيه فسحة بين الأذانين شغلوه الناس بما يسمونه بسنة الجمعة القبلية, وسنة الجمعة القبلية لا محل لها من الإعراب - كما يقول النحويون - لأن الرسول في زمانه - كما قلنا لكم - في صحيح البخاري: أنه كان يخرج من بيته يطلع المنبر يؤذن بلال ينتهي بلال من الأذان يشرع بالخطبة، فما فيه كان مكان لصلاة السنة ركعتين فضلاً عن أربع ركعات, هذا هو الطريق لمن يأتي المسجد يوم الجمعة أن يصلي ما بدا له، فإذا صعد الإمام أنصت، وبس.
(الهدى والنور/ ٣/ ٥٤: ١٠: .. )
стр. 2619
هل للجمعة سنة قبلية؟ والكلام على سنة الجمعة البعدية، وعلى غسل الجمعة
سؤال: [هل للجمعة سنة قبلية]؟
الشيخ: صلاة الجمعة إذا كنت بدي أن أكون دقيق معك في لفظك سنة، فإن السنة لها دلالة فقهية، وهي العبادة التي كان الرسول يفعلها دائماً أو في غالب الأحيان، فحينئذٍ إذا كان هذا مقصودك بلفظة السنة أقول: ليس للجمعة سنة قبلية، لكن لها سنة بعدية، هذه السنة البعدية مخير فيها المسلم بين أن يصليها ركعتين أو أربعاً، وهو مخير بين أن يصليها الركعتين أو الأربع في المسجد أو في البيت والبيت أفضل، لقوله ﵇: «فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» فقبل صلاة الجمعة ما فيه سنة بالمعنى الفقهي الذي ذكرناه آنفاً، لكن هناك أمر مرغوب فيه مندوب لكل من دخل يوم الجمعة المسجد عليه أن يصلي ما تيسر له في بعض الأحاديث ما كتب الله له. في حديث آخر: ما بدا له. يصلي ركعتين، أربعة، ستة، ثمانية، عشرة، إلى أن يصعد الخطيب على المنبر، فحنيئذٍ تنتهي الصلاة ويتهيأ للإنصات والإصغاء، هذا جواب سؤالك.
سؤال: يسمونه بالنفل المطلق؟
الشيخ: نعم.
سؤال: كثير من الناس يوم الجمعة منهم من يأتي بعد الآذان الثاني ومنهم من يأتي حتى في نهاية الخطبة، هل هذا يكتب له الجمعة كمن أتى مثلاً قبل الأذان الأول؟
الشيخ: نعم، الذي يدرك من صلاة الجمعة ركعة يكون أدرك صلاة الجمعة، والذي لا يدرك ركعة تنقلب ظهراً.
مداخلة: ...
стр. 2620
الشيخ: أنا جاوبتك؛ لأن الذي يُدْرك ركعة ما أدرك الركعة الأولى، وبالتالي ما أدرك الخطبة، قال ﵇: «من أدرك من صلاة الجمعة ركعة فقد أدرك الجمعة».
مداخلة: أنا جئت لا أريد أن أسمع الخطبة، أصلي ركعتي الجمعة وأذهب.
الشيخ: سامحك الله، قل آمين؛ لأنها دعوة هذه للجميع إن شاء الله، هذا أخي يفتح لنا باباً من الفقه، الصلاة بصورة خاصة من بين العبادات أحكامها تختلف، بعضها شرط أو ركن، وطبيعة الشرط والركن أن العبادة لا تصح تكون باطلة إلا بهما، بعض هذه العبادات أو الأجزاء من العبادة التي هي الصلاة ما تكون شرط ولا ركن، تكون شرط على طول.
الفرق بين الفرض والواجب هو أنه لا يلزم من إضاعة الفرض أو الواجب ضياع العبادة كلها، الآن نضرب نحن مثلاً بما نحن فيه، رَبُّنا قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩].
فما يجوز للإنسان مجرد ما يسمع الأذان أن يعمل شيئاً، بيع شراء يكون باطل لا ينعقد، ويذهب لذكر الله يعني: لسماع الخطبة، هذه واجب عليه، لكن لا يعني أنه إذا فاته هذا الواجب بطلت الصلاة، لأنه ما هو ركن من أركان الصلاة، عرفت كيف؟
فإذًا: نحن أخذنا بالآية نهتم بسماع الخطبة، لا سيما ونحن أحوج ما نكون في هذا الزمان، لانصراف همة الناس شباباً وشيوخاً عن العلم تَعَلُّماً وتعليماً.
أنا أدركت في بعض المساجد في دمشق ندخل في أيِّ وقت من أوقات الصلاة فنجد حلقات منعقدة في أطراف المسجد هذا الشيخ يُدَرِّس على هؤلاء الطلاب حديث، هذا يُدَرّس تفسير، هذا يُدَرّس فقه، هذا يدرس نحو لغة إلخ.
الآن أصبحت المساجد كلها خاوية على عروشها، وبتجي كمان المعالجات التي تصدر من وزارة الأوقاف هي نفسها على طريقة معالجة أبي نواس: وداوني بالتي
стр. 2621
هي كانت هي الداء، انتهت الصلاة سَكَّروا الأبواب، بدل ما نأتي نحض الناس على أن يلزموا المساجد، والرسول ﵇ جعل من الرباط أن ينتظر المسلم الصلاة من الصلاة إلى الصلاة الثانية.
الشاهد: نحن اليوم أصبحنا بعيدين عن الحياة الإسلامية كل البعد، فشو بقي عندنا؟ بقي عندنا أشياء لابد منها، منها صلاة الجمعة وخطبة الجمعة، فأنت تقول: إذا ما فيه ضرورة أن نحضر خطبة الجمعة، ما فيه ضرورة لتصحيح صلاة الجمعة فرضيتها، لكن هي ضرورة مستقلة منفردة لحالها لابد منها، تنفيذاً لأمر الله السابق: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]. فأنا أقول لكم شيئًا الآن، وأعني به تنبيه بعض الناس إلى واجب أعتقد بتجربتي في هذا العمر الطويل الذي رَبُّنا امتنّ به عليَّ: أكثر الناس لا يقومون بهذا الواجب، وهو قوله ﵇: «غُسل الجمعة واجب على كل محتلم».
إذا الرجل قضى وطره من زوجته ليلة الجمعة، لابد من بعد طلوع الفجر أنه يغتسل للجمعة، لكن إذا ما اغتسل صلاته صحيحة، لكن ترك هذا الواجب؛ لأن هذا الواجب ليس واجباً متعلقاً بالصلاة، وإنما هو متعلق بيوم الجمعة، وهذا يشعر الإنسان بأهمية هذا الحكم في بعض أيام بعض الأشهر، خاصة في هذا الزمن الذي ابتُلي به الناس بلبس الجوارب النايلون، فيأتي أحدهم إلى المسجد يوم الجمعة وقد يكون عَمَّال شَغّال فتسمع خاصة لما تسجد ويكون هو ساجد أمامك تشم رائحة منتنة جداً، أنا أحكم رأساً أن هذا ما اغتسل، والله أعلم يمكن صلاة الصبح توضأ وجاء يصلي الجمعة بهذا الوضوء وهو من شغله ومشيه والدنيا صيف وغبار إلخ تطلع هذه الرائحة الكريهة، فقال ﵇ توجيهاً للمجتمع الإسلامي كحياة تستمر على كل أيام السنة وهو أن يغتسل المسلم ليوم الجمعة، هكذا قال ﵇ بلسان عربي مبين: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» معنى محتلم: يعني: بالغ مكلف.
اليوم كثير من الناس لا يغتسلون هذا الاغتسال، يغتسل من باب النظافة،
стр. 2622
وهذا لا مانع منه، لكن يجب أن يعني غسلاً خاصاً بيوم الجمعة.
فقد جاء في «مستدرك الحاكم» أن أبا قتادة الأنصاري دخل على ابنه في بيته وهو يغتسل، فقال: ما هذا الغسل؟ قال: هذا غسل الجنابة، قال: أضف إليه غسل الجمعة، ثم ذكر هذا الحديث.
الشاهد: أنه إذا واحد إذا ما اغتسل ارتكب إثماً، لكن صلاة الجمعة صحيحة، لأن هذا ليس شرطاً من شروط صحة صلاة الجمعة، وضح لك هذا المعنى؟
مداخلة: ... الإنسان اليوم في هذا الوقت الحاضر، كانوا في تلك الأيام مَرَّة ثاني جمعة يتحمموا ويغتسلوا، اليوم كل يوم الصبح يغتسل؟
الشيخ: هذا أنت الظاهر تحكي عن نفسك.
مداخلة: يكفيني
الشيخ: يقيس الناس عليه.
الشيخ: الظاهر يا أبا خضر، مذهبك على مذهب الذي يقول: واحد أتى حلاله وخرج يتنزه على ساحل البحر، زلت به القدم ووقع في البحر وطلع، طلع طاهر، هذا مذهبك الظاهر ..
نحن في صدد هل اغتسل هذا غسل الجنابة، على مذهبك اغتسل، أما على مذهب القائل: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» هذا ما اغتسل، ولذلك لما أنت تقول وتفرض فرضية هي قضية نسية مثلما قلت لك، هذا أنت بتغتسل في الأسبوع مرتين ثلاثة، الله أعلم.
لكن الناس لا يتيسر لهم هذا العمل، هب أن إنساناً هو كما تقول، يغتسل مرتين ثلاثة في الأسبوع، لكن هذا ما اغتسل من أجل الائتمار بأمر الرسول.
[عودة للحديث على السنة القبلية]:
الشيخ: هذا سبق الجواب، أنه ما فيه سنة للجمعة قبلية، فما يفعله الناس اليوم
стр. 2623
هذا خلاف السنة؛ لأن السنة إذا دخل المسجد فليُصَلِّ على الأقل ركعتين، قبل أن يجلس هذه تحية مسجد، فإن شاء أن يزيد كما شرحنا آنفاً يفعل ما يشاء حتى يصعد الإمام على المنبر، أما أن يدخل يصلي التحية وبالذات لما يسمع الأذان الأول انتهى يقوم يصلي هذه هي السنة المزعومة، وهذه لم تكن هذه السنة في زمن النبوة، ولا في زمن الخلافة الراشدة، لأنه لم يكن يومئذٍ إلا أذان واحد في المسجد النبوي وغيره، لم يكن إلا أذان واحد، فلم يكن هناك أذانين فيه فراغ لصلاة سنة تسمى بسنة الجمعة القبلية.
جاء الحديث في صحيح البخاري بإسناده الصحيح عن السائب بن يزيد قال: «كان الأذان في عهد النبي ﷺ وفي عهد أبي بكر وعمر أذاناً واحداً» بالعربي يتكلم أذاناً واحد، ليس بالألباني حتى تقول أنت فيه أذان ثاني، هو يقول، السائب بن يزيد صحابي من الشبيبة الناشئة في طاعة الله، لأنه يقول: حج به أهله مع النبي ﷺ وهو ابن سبع سنين، حج ابن سبع سنين، هو يحدثنا بهذا الحديث الصحيح: «كان الأذان في عهد النبي ﷺ وفي عهد أبي بكر وعمر أذاناً واحداً، يُؤَذِّن المؤذن إذا صعد الخطيب المنبر».
سَمِّها ما شئت، أنا يهمني الحقائق، اسمه أذان وهو يسمى أذان، أنت تسميه نداء، لا معليش لا معليش.
كان الأذان أذاناً واحداً إذا صعد الخطيب على المنبر، واستمر الأمر على هذا حتى جعل عثمان بن عفان أذاناً آخر على مكان اسمه الزوراء خارج المدينة، يقول العلماء: كان هذا المكان موئلاً ومثاباً للتجار، يجتمعون هناك يوم الجمعة، واتسع البنيان في عهد عثمان فأصبح أذان المسجد النبوي لا يبلغ مسامع الناس هناك في الزوراء، فجعل الأذان الثاني، هذا اسمه أذان ثاني باعتبار زمن تشريعه، لكن هو لم يكن هناك فاصل بين الأذانين بحيث أنه نصلي ركعتين فضلاً عن أربع ركعات كما يفعلون اليوم، لا، لكن متى وجدت هذه البدعة؟
استمر المسلمون على الأذان العثماني إلى عهد دولة بني أمية، وبالضبط في زمن
стр. 2624
هشام بن عبد الملك، لما صار هو خليفة المسلمين أدخل الأذان الثاني إلى المسجد، فيتوهم الناس لجهلهم أن هذا الأذان الثاني أولاً هو أذان عثماني، ظلموه، عثمان جعل الأذان في الزوراء، بمعنى: لو كان في زمن عثمان مكبرات الصوت كان يستغني عن هذا الأذان الثاني، يسحب سلك ومُكَبِّر صوت، وانتهى.
فيتوهموا أن هذا أذان عثماني، ثانياً: يتوهموا أنه بين الأذانين في وقت فراغ، وهذا خطأ، ثالثاً: يتوهموا أنه كان في المسجد، الذي أدخله المسجد هو هشام بن عبد الملك، وإذا كان المسلمون لا يزالون والحمد لله يؤمنون بقوله ﵇ في خطبة الجمعة وفي غيرها: «وخير الهدى هدى محمد ﷺ » إذاً: يجب على المسلمين أن يعودوا إلى سنته ﵇، وكما قال أهل العلم:
وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف
فهذه السنة النبوية أذان واحد، والمؤذن يؤذن حينما يرى الخطيب على المنبر، ما فيه غير هذا الأذان، إذا دخل إنسان إلى المسجد مبكراً في الساعة الأولى يصلي ما شاء، يقرأ قرآن، يصلي على نبيه ﵇، فإذا صعد الخطيب على المنبر ما باقي صلاة إطلاقاً، لعلي أجبتك يا سيد أحمد.
(الهدى والنور /٥٤/ ١٣: ٨.: .. )
حكم سنة الجمعة القبلية
مداخلة: في الأسبوع الذي مضى يوم الجمعة، في الدرس فأثناء الحديث تَطَرَّقوا على سُنَّة الجمعة القبلية أي نعم، فكان جاب كلامًا لشيخ الإسلام ابن تيمية وبعدين آخر كلامه كان: كلها من باب الاستحباب يعني: الذي ظهر منه هي سنة مستحبة.
الشيخ: نسأل الله أن يهديه، لكن الحقيقة: ابن تيمية له قول في هذا، وهو يحتج بقوله ﵇: يستدل بعموم قوله ﵇: «بين كل أذانين صلاة».
لكن يا شيخ لو كان حياً نحن تعلمنا منك، «بين كل أذانين صلاة» طبق هذا
стр. 2625
العموم الذي أنت مستدل فيه، ما كان في أذانين يومئذٍ، ولا كان في فُرْجة بين أذان عثمان والأذان النبوي؛ حتى نأتي نُطبق ماذا؟ هذا العموم من هذا الحديث.
فسبحان الله، يعني لكل جواد كبوة، بل كبوات، وهذا الحقيقة من كبوات شيخ الإسلام ابن تيمية، ومن هنا يفتي بعض العلماء أهل السنة بهذا الحديث: أنه لا تُضَيِّقوا على الناس أنه هذا ابن تيمية قال كذا وكذا.
(الهدى والنور/١٩٧/ ١١: ٥١: ٠٠)
حكم سنة الجمعة القبلية
مداخلة: هنا في الأردن يعني نحن نلاحظ في صلاة الجمعة معظم الناس يقومون يصلون بين الأذانين، لماذا لا يكون هناك وعظ وإرشاد من العلماء يُفَهِّموهم أن هذه ليست من السنة، أو ما حكمها هذا يا شيخ؟
الشيخ: أما الجواب عن السؤال الأول فهو عند أبي عدنان، لأنه حكى عن أصحاب العمائم آنفاً وماذا يقولون.
مداخلة: ... لكن اليوم أنا صليت في مسجد في الأشرفية عند بيت أبي، ما فيه واحد ما قام إلا أنا ظَلّيت جالس، أنا بقيت جالسًا الباقي كله صلى صلاة، أنا صليت ست ركعات ... يعني الصلاة قبل الجمعة، وجلست، عندما أذن كلهم قاموا صلوا إلا أنا، يعني: تَعَجّبوا مني.
الشيخ: إن شاء الله أُلحقت بالغرباء، لكن سؤالك لماذا؟ لأن الجو يمنع كثيرًا من الناس أن يتحدثوا هكذا علناً في المساجد، وأنت ما أظنك إلا ما خرجت من هذا البلد، أنت مقيم هنا، ولابد بلغك مساعي المومى إليه -آنفاً- من أخينا أبي عدنان كيف أنه بس يبلغه خبر عن إمام من أئمة المساجد بأنه تحدث في هذا الموضوع أو بأمثاله، وبخاصة إذا كان غريباً عن البلد، يُقَرَّر إخراجه من البلد، ما بلغك هذه الأخبار؟
стр. 2626
مداخلة: وأنا أُريد أن أصل هذه النقطة.
الشيخ: فأنا وَصَّلتُك إذاً.
(الهدى والنور/٢٥٣/ ٠٥: ٣٨: ٠٠)
السنة القَبلِيّة للجمعة
السائل: السنة القبلية [للجمعة].
الشيخ: ليس لها أصل.
(الهدى والنور/٤٢٨/ ٣٤: ٤٤: ٠٠)
سنة الجمعة المزعومة
«كان يركع قبل الجمعة أربعا، وبعدها أربعا لا يفصل بينهن». باطل.
رواه الطبراني في «المعجم الكبير» «٣/ ١٧٢/١» عن بقية بن الوليد، عن مبشر ابن عبيد عن الحجاج بن أرطاة عن عطية العوفي عن ابن عباس مرفوعا. ورواه ابن ماجه في سننه «١/ ٣٤٧» من هذا الوجه دون قوله: «وبعدها أربعا» وقال الزيلعي في «نصب الراية» «٢/ ٢٠٦»: سنده واه جدا، فمبشر بن عبيد معدود في الوضاعين، وحجاج وعطية ضعيفان. وقال البوصيري في «الزوائد» «ق ٧٢/ ١»: هذا إسناد مسلسل بالضعفاء، عطية متفق على تضعيفه، وحجاج مدلس، ومبشر بن عبيد كذاب، وبقية بن الوليد يدلس تدليس التسوية، وصلاته ﷺ بين الأذان والإقامة يوم الجمعة متعذر؛ لأنه كان بينهما الخطبة، فلا صلاة حينئذ بينهما، نعم بعد إحداث عثمان للأذان على الزوراء، يمكن أن يصلي سنة الجمعة قبل خروج الإمام للخطبة. قلت: ولكنه لم يرد إطلاقا أنه كان بين أذان عثمان والخطبة وقت لصلاة أربع ركعات سنة الجمعة المزعومة، ولا ورد أيضا أنهم كانوا يصلونها في عهده ﵁، فبطل الاحتمال المذكور، على أنه لوثبت وجود مثل هذا الوقت، لم يدل ذلك على
стр. 2627
جواز إحداث عبادة لم تكن في عهده ﷺ ، بخلاف إحداث عثمان للأذان، فإنه كان من باب المصالح المرسلة، كما حققت ذلك كله في رسالتنا الأجوبة النافعة عن أسئلة لجنة مسجد الجامعة، فليراجعها من شاء، فإن فيها تحقيقا لكثير من المسائل المتعلقة بصلاة الجمعة، وكأنه لما سبق ذكره حكم بعض الأئمة على هذا الحديث بالبطلان، فقال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» «٢/ ٣٤١»: سنده واه؛ قال النووي في الخلاصة:
إنه حديث باطل. وقال ابن القيم في «زاد المعاد» «١/ ١٧٠»: هذا الحديث فيه عدة بلايا، ثم أطال في بيان ذلك بما خلاصته ما نقلناه عن البوصيري من العلل الأربع.
السلسلة الضعيفة (٣/ ٤٥ - ٤٦).
سنة الجمعة القبلية المزعومة
«كان يصلي قبل الجمعة أربعا، وبعدها أربعا». منكر.
[قال الإمام]:
ومع ضعف الحديث فلا دليل فيه على مشروعية ما يسمونه بسنة الجمعة القبلية.
السلسلة الضعيفة (٣/ ٨٤).
لا سنة قبلية للجمعة
عن عبد الله بن السائب ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يصلي أربعاً بعد أن تزول الشمس قبل الظهر، وقال: إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء، فأُحب أن يصعد لي فيها عمل صالحٌ. رواه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن غريب. «صحيح».
стр. 2628
قال الألباني: مفهومه أنه كان لا يصليها قبل الجمعة، وهو من المفاهيم التي يجب الأخذ بها، لثبوت أنه ﷺ كان إذا خرج إلى المسجد جلس على المنبر فوراً دون فصل، ثم إذا جلس أذن بلال، فإذا انتهى منه خطب ﵊، فليس هناك وقت لصلاة ركعتين، بله أربعاً في السنة المحمدية، فهل آن للمقلدة أن يعرفوا هذه الحقيقة؟ وأن الصلاة المطلقة مشروعة قبل الأذان والزوال؟ انظر تفصيلي هذا الإجمال في رسالتي «الاجوبة النافعة».
(التعليق على الترغيب والترهيب ١/ ٢٦٦)
السنة البعدية يوم الجمعة كم ركعة وأين تكون ؟
مداخلة: السنة بعد صلاة الجمعة كم ركعة وأين تكون، هل هي في المسجد أم في البيت؟
الشيخ: المصلي بعد الجمعة له خيار إما أن يصلي ركعتين أو أربعاً، ولا شك أن الأربع أفضل من الركعتين؛ وذلك لقوله ﵊: «من كان منكم مصلياً بعد الجمعة فليصل أربعاً» هذا من حيث الكم والعدد فالأربع أفضل من الركعتين، والأربع ثبتت شرعيتها بالحديث المذكور آنفاً، أما الركعتان قد ثبتتا في حديث ابن عمر الذي أخرجه البخاري في صحيحه: «أن النبي ﷺ كان إذا صلى بعد الجمعة صلى ركعتين في بيته» فصلاة الرسول ﵇ ركعتين سنة مؤكدة، أما زيادة ركعتين أخريين بحيث يكون المجموع أربعاً فهي مستحبة ركعتان سنة وركعتان مستحبة.
هذا من حيث الكم كما ذكرنا، أما من حيث المكان فمعروف قوله ﵊ كقاعدة عامة بالنسبة للنوافل: «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» كل السنن الرواتب الأفضل أن يصليها المسلم في بيته سواء ما كان منها سنة قبلية أو سنة بعدية، لكن هذا ليس بالأمر الواجب اللازم وإنما هو الأفضل، [فإذا] تيسر الأفضل فعليه أن يتمسك به، لكن إذا صلاها في المسجد فهو جائز وحينئذٍ فسواء
стр. 2629
صلى ركعتين بعد الجمعة أو أربعاً فصلاتها في البيت وصلاتها في المسجد جائز، أما ما يقوله بعض المتأخرين من التفصيل الذي خلاصته أنه إن صلى أربعاً صلاها في المسجد وإن صلاها ركعتين صلاها في البيت .. هذا التفصيل لا مستند له إطلاقاً سوى التمسك بحديث ابن عمر أن النبي ﷺ كان إذا صلى بعد الجمعة صلى ركعتين في بيته، لكن هذا لا يعني كما ذكرنا آنفاً أنه إذا صلى هاتين الركعتين في المسجد أنه ما صلى سنة الجمعة البعدية.
نعم صلاتنا في البيت أفضل، كذلك قوله ﵊: «من صلى منكم بعد الجمعة فليصل أربعاً» لا يعني فليصليها في المسجد مباشرة، وإنما إن فعل ذلك جاز كالركعتين، وإن ذهب إلى البيت وصلاها في البيت أربعاً فصلاة هذه الأربع أفضل من صلاة الركعتين.
المهم أن الركعتين والأربع يجوز صلاتهما في المسجد والأفضل صلاتهما في البيت، أما التفصيل بين الركعتين ففي البيت والأربع في المسجد فهذا لا دليل عليه.
(رحلة النور: ١٠ ب/٠٠: ٣٨: ٠٥)
السنة بعد صلاة الجمعة
السؤال: السنة بعد الجمعة، عدد ركعاتها: أربع، أم اثنتين، وهل هناك دعاء، أو آيات معينة؟
الشيخ: السنة البّعدِيّة مخير فيها الإنسان بعد الجمعة، بين ركعتين وبين أربع، والتفصيل الذي يذكره بعضهم: أنه إذا صلى أربعاً ففي المسجد، وإذا صلى ركعتين ففي البيت.
هذا التفصيل لا أصل له، لكن عموماً: صلاة النوافل في البيت أفضل من صلاتها في المسجد، فإذا كان المُصلِّي للجمعة أراد أن يسلك السبيل الأفضل في صلاة ما بعد الجمعة ركعتين أو أربعًا ففي البيت، وإن أراد أن يُصلي على سبيل
стр. 2630
الجواز ففي المسجد.
أما هذا التفريق بين ركعتين في البيت وأربع في المسجد فهذا لا أصل له في السنة.
مداخلة: الأربع وارد والاثنتين وارد، كلاهما؟
الشيخ: أي نعم.
(الهدى والنور /٤٨٤/ ٠٢: ٠٤: ٠٠)