يخطب به في شهور السنة» لصديق حسن خان]:
وكان إذا عرضت له حاجة أو سأله سائل قطع خطبته وقضى الحاجة وأجاب السائل ثم أتمها. وكان إذا رأى في الجماعة فقيرا أو ذا حاجة أمر بالتصدق وحرض على ذلك. وكان إذا ذكر الله تعالى أشار بالسبابة.
قلت: كأنه يشير إلى حديث عمارة بن رؤيبة أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعا يديه فقال قبح الله هاتين اليدين لقد رأيت رسول الله ﷺ ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بإصبعه المسبحة.
رواه مسلم ٣/ ١٣ وغيره وله شاهد من حديث من حديث سهل بن سعد نحوه وقال: وأشار بالسبابة وعقد الوسطى بالإبهام. رواه أبو داود بإسناد حسن. وهما مخرجان في الإرواء ٣/ ٧٧. وكان إذا اجتمعت الجماعة خرج للخطبة وحده ولم يكن بين يديه حاجب ولا خادم ولم يكن من عادته لبس الطرحة ولا الطيلسان ولا الثوب الأسود المعتاد. وكان إذا دخل المسجد سلم على الحاضرين لديه وإذا صعد المنبر أدار وجهه إلى الجماعة وسلم ثانيا ثم قعد (١).
[الأجوبة النافعة ص ٥٨].
نص خطبة الحاجة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي
стр. 2697
خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ أما بعد: ثم يذكر حاجته.
قوله: «وأشهد»: يلاحظ هنا أن الفعل بصيغة المتكلم المفرد بخلاف الأفعال المتقدمة فهي بصيغة الجمع وقد أبدى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في ذلك حكمة لطيفة نقلها عنه تلميذه ابن القيم في «تهذيب السنن» ٣/ ٥٤ فقال: والأحاديث كلها متفقة على أن: «نستعينه» «نستغفره» و «نعوذ به» بالنون والشهادتين بالإفراد: «أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد عبده ورسوله». قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لما كانت كلمة الشهادة لا يتحملها أحد عن أحد ولا تقبل النيابة بحال أفرد الشهادة بها ولما كانت الاستعانة والاستعاذة والاستغفار تقبل ذلك فيستغفر الرجل لغيره ويستعين الله له ويستعيذ بالله له أتى فيها بلفظ الجمع ولهذا يقول: اللهم أعنا وأعذنا واغفر لنا قال ذلك في حديث ابن مسعود وليس فيه «نحمده» وفي حديث ابن عباس «نحمده» بالنون مع أن الحمد لا يتحمله أحد عن أحد ولا يقبل النيابة. وفيه معنى آخر وهو أن الاستعانة والاستعاذة والاستغفار طلب وإنشاء فيستحب للطالب أن يطلبه لنفسه ولإخوانه المؤمنين وأما الشهادة فهي إخبار عن شهادته لله بالوحدانية ولنبيه بالرسالة وهي خبر يطابق عقد القلب وتصديقه وهذا إنما يخبر به الإنسان عن نفسه لعلمه بحاله بخلاف إخباره عن غيره فإنه يخبر عن قوله ونطقه لا عن عقد قلبه. والله أعلم».
قلت: إن لفظة: «نحمده» قد وردت في حديث ابن مسعود من طريقين كما يأتي ووردت في حديث ابن عباس عند «مسلم» وغيره كما يأتي.
[خطبة الحاجة ص ٦ - ٨]
стр. 2698
تخريج خطبة الحاجة
يراجع تخريجها بتوسع في كتاب «خطبة الحاجة» «ص ٩ - ٣٥».
هذه الخطبة تفتح بها جميع الخطب وليست خاصة بالنكاح
[قال الإمام بعد تخريج طرق حديث خطبة الحاجة]: قد تبين لنا من مجموع الأحاديث المتقدمة أن هذه الخطبة تفتح بها جميع الخطب سواء كانت خطبة نكاح أو خطبة جمعة أو غيرها، فليست خاصة بالنكاح (١) كما قد يُظن، وفي بعض طرق حديث ابن مسعود التصريح بذلك كما تقدم، وقد أيد ذلك عمل السلف الصالح فكانوا يفتتحون كتبهم بهذه الخطبة كما صنع الإمام أبو جعفر الطحاوي ﵀ حيث قال في مقدمة كتابه «مشكل الآثار»: وأبتدئ بما أمر ﷺ بابتداء الحاجة مما قد روي عنه بأسانيد أذكرها بعد ذلك إن شاء الله: إن الحمد لله ... ».
قلت: فذكرها بتمامها. وقد جرى على هذا النهج شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ﵀ فهو يكثر من ذلك في مؤلفاته كما لا يخفى على من له عناية بها. وقد قال المحقق السندي في «حاشيته على النسائي» في شرح قوله في الحديث: «والتشهد في الحاجة»: والظاهر عموم الحاجة للنكاح وغيره ويؤيده بعض الروايات فينبغي أن يأتي الإنسان بهذا يستعين به على قضائها وتمامها ولذلك قال الشافعي: الخطبة سنة في أول العقود كلها قبل البيع والنكاح وغيرها و «الحاجة» إشارة إليها ويحتمل أن المراد ب «الحاجة» النكاح إذ هو الذي تعارف فيه الخطبة دون سائر الحاجات «وكذا في» حاشيته على ابن ماجه».
стр. 2699
قلت: هذا الاحتمال الثاني ضعيف بل باطل لثبوت ذلك عن النبي ﷺ في غير النكاح كما في قصة ضماد في حديث ابن عباس وكما في حديث جابر. فتنبه. لكن القول بمشروعية هذه الخطبة في البيع ونحوه كإجارة ونحوها فيه نظر بَيّن ذلك لأنه مبني على القول بوجوب الإيجاب والقبول فيها وهو غير مسلَّم بل هو أمر محدث لأن الناس من لدن النبي ﷺ وإلى يومنا هذا ما زالوا يتعاقدون في هذه الأشياء بلا لفظ بل بالفعل الدال على المقصود (١) فبالأحرى أن تكون الخطبة فيها بدعة وأمرا محدثا. وبيوعه ﷺ وعقوده التي وردت في كتب السنة المطهرة من الكثرة والشهرة بحيث يغني ذلك عن نقل بعضها في هذه العجالة وليس في شيء منها الإيجاب والقبول بله الخطبة فيها.
أقول هذا مع احترامي للأئمة واتباعي إياهم على هداهم بل أعتبر أن تصريحي هذا هو من الاتباع لهم لأنهم ﵀ هم الذين علمونا حرية الرأي والصراحة في القول حتى عن تقليدهم لأنهم كما قال الإمام مالك ﵀: «ما منا من أحد إلا رد أو رد عليه إلا صاحب هذا القبر» فجزاهم الله تعالى عنا خيراً.
[خطبة الحاجة ص ٣٦ - ٤٠]
أهمية نشر خطبة الحاجة وبيان سنية البدء بها في الخطب
[قال الإمام في خاتمة كتابه خطبة الحاجة]:
أقول: إن القصد من جمع هذه الرسالة هو نشر هذه السنة التي كاد الناس أن يطبقوا على تركها فألفت أنظار الخطباء والوعاظ والمدرسين وغيرهم إلى ضرورة
стр. 2700
حفظهم لها وافتتاحهم خطبهم ومقالاتهم ودروسهم بها عسى الله تعالى أن يحقق أغراضهم بسببها.
وقد قال ﷺ : «من سن في الإسلام سنة حسنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء». رواه مسلم في «صحيحه» ٨/ ٦١ من حديث جرير ابن عبد الله ﵁.
[خطبة الحاجة ص ٤٠].
إنما يقول الشيخ بمشروعية خطبة الحاجة لا وجوبها والرد على من أنكر مشروعيتها مطلقا في جميع الخطب
[قال الإمام عن خطبة الحاجة]:
وهي الخطبة التي كان النبي ﷺ يعلمها أصحابه وقد كانت أُهملت في بعض السنين فأحياها بعض الأئمة كالإمام الطحاوي وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم الجوزية ﵏ وغيرهم. ثم أهملت في القرون المتأخرة فجاء دورنا - ولله الحمد - في إحيائها فألفت فيها الرسالة المعروفة - «خطبة الحاجة» - ونفع الله بها من شاء من محبي السنة وانتشر العمل بها في صدور الكتب والرسائل وفي خطب الجمع وغيرها -فلله المنة -. فمن العجائب أن يقف في طريقها بعض الفضلاء فيكتب كلمة في كتابه النافع «تصحيح الدعاء» ص ٤٥٤, فيقول ما ملخصه: «في الخطبة محدثات منها: التزام افتتاح خطبة الجمعة بخطبة الحاجة الواردة في حديث ابن مسعود ﵁ والعجب أن حديث ابن مسعود هذا رواه أصحاب «السنن» مترجمين له في كتاب «النكاح» سوي النسائي فقد ترجم له - أيضا - في «الصلوات» ومن تتبع هدى النبي ﷺ لم ير فيه التزام افتتاح خطبه ﷺ بذلك ... ولم نر في فعله ﷺ وفي الهدي الراتب لصحابته ﵃ التزام هذه
стр. 2701
الصيغة في خطبهم وافتتاح أمورهم، وهؤلاء المؤلفون من علماء الإسلام لا تراهم كذلك ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - فإنه في كتبه وفتاويه يفتتح بها تارة وبغيرها تارة أخرى ... ». فأقول: - وبالله التوفيق -:
أولاً: هي ليست فرضا حتى لا تترك بل قد يكون العكس هو الأصوب وهو تركها أحيانا حتى لا يتوهم أحد فرضيتها كما في حديث قيام رمضان: «أني خشيت أن تكتب عليكم». ومما يدلل على أننا مدركون لذلك جيدا - ولله الحمد -: أنني لم افتتح عددا من مؤلفاتي وتحقيقاتي بهذه الخطبة مثل كتاب «الإيمان» لابن أبي شيبة و «حجاب المرأة المسلمة «الطبعة الأولى و «تمام المنة» الطبعة الثانية و «آداب الزفاف» الطبعة الثانية ومن آخر ذلك مقدمتي على الطبعة الجديدة من المجلد الأول من «السلسلة الصحيحة» وغير ذلك كثير.
ثانياً: إذا كان الالتزام بدعة فما الحكم في إهمالها مطلقا؟ ! فإني لم أره افتتح كتابا له بهذه الخطبة المباركة مستفيضا عنها بخطب ينشئها هو نفسه! أليس هذا من باب: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾؟ !
ثالثاً: عزا الفاضل المشار إليه في هذا الموضع من حاشية كتابه إلى فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٨/ ٢٨٦ - ٢٨٧ مشيرا إليه بقوله: «مهم» فأقول نعم مهم ومن أهمه قوله ﵀ فإن حديث ابن مسعود لم يخص النكاح وإنما هي خطبة لكل حاجة في مخاطبة العباد بعضهم بعضا فما قيمة تعجب الفاضل المذكور من كون أصحاب السنن رووا خطبة الحاجة في كتاب النكاح؟ ! وكذلك الأمر في قوله في آخر بحثه: «بهذا التقرير تعلم فقه أصحاب «السنن» - رحمهم الله تعالى - في ترجمة خطبة الحاجة في كتاب النكاح وتقرير العلماء بمشروعيتها بين عقد الزواج! ! ومن عظيم تقدير المولى سبحانه أن ترد خطبة الحاجة في مجلد الفتاوى الذي عزا إليه الفاضل المذكور في مقدمة رسالتين لشيخ الإسلام ﵀ ١٨/ ٧٦, ٢١٠ بخلاف ذاك الموضع الذي أشار هو إليه حاثا عليه والذي تكلم فيه تفضيلا عن هذه الخطبة النبوية المباركة هذا فضلا عن المجلدان منه أو كتبه الأخرى ومثله الإمام ابن
стр. 2702
قيم الجوزية ﵀. فهلا كان هذان الإمامان قدوة لهذا الفاضل فيتأسى بهما - ولو مرة - فيفتتح كتابا له ب خطبة الحاجة .
رابعا: مما يؤكد عموم مشروعيتها بين يدي كل عمل صالح حديث ابن عباس الذي رواه مسلم في قصة قدوم ضماد مكة وفيه ذكر النبي ﷺ له هذه الخطبة المباركة وأن ضمادا أسلم بعد سماعها فلم يكن ثمة نكاح ولا عقد زواج.
خامسا: وكأن شيخ الإسلام ﵀ يشير في بعض كلام إلى وقوع إهمال في هذه الخطبة كما أشرت إليه فقال ﵀: «ولهذه استحيت وفعلت في مخاطبة الناس بالعلم عموما وخصوصا من تعليم الكتاب والسنة والفقه في ذلك وموعظة الناس ومجادلتهم أن يفتتح بهذه الخطبة الشرعية النبوية. وكان الذي عليه شيوخ زماننا الذين أدركناهم وأخذنا عنهم وغيرهم يفتتحون مجالس التفسير أو الفقه في الجوامع والمدارس وغيرها بخطبة أخرى ... ». إلى أن قال ﵀: «كما رأيت قوما يخطبون للنكاح بغير الخطبة المشروعة وكل قوم لهم نزع غير الآخرين .... ».
أقول: فتأمل مقابلته ﵀ بين افتتاح الشيوخ مجالسهم بغير خطبة الحاجة الشرعية وكذا ما يفعله القوم الذين يخطبون للنكاح بغير الخطبة المشروعة يظهر لك الحق وينكشف أمامك الصواب بلا ارتياب .... والحمد لله رب العالمين.
[خطبة الحاجة ص ٤٠ - ٤٤ في الهامش].
خطبة الحاجة
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:
قوله: «وفي رواية: «الخطبة التي ليس فيها شهادة كاليد الجذماء». رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: تشهد بدل شهادة».
قلت: رواية أبي داود ٤٨٤١ مثل رواية الترمذي وهي أصح وقال: «حديث حسن صحيح غريب».
стр. 2703
وسنده صحيح وهو في «مسند أحمد» ٢/ ٣٠٢ و ٣٤٣.
هذا وكنت أود أن لا يخلي المؤلف كتابه من خطبة الحاجة التي كان رسول الله ﷺ يعلمها أصحابه ولا سيما وفيها نص التشهد المشار إليه في هذا الحديث وغيره كحديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: «كانت خطبة النبي ﷺ يوم الجمعة يحمد الله ويثني عليه ثم يقول على إثر ذلك ... ». رواه مسلم ٣/ ١١.
ونص الخطبة كما جاء في عدة أحاديث كنت جمعتها في رسالة خاصة فيها يأتي الإشارة إليها إن شاء الله: «إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً, يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾.
أما بعد ..
وكان أحيانا لا يذكر هذه الآيات الثلاث.
وينبغي أن يقول أحيانا بعد قوله: «أما بعد»: «فإن خير الحديث كتاب الله وخير الهدي هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار».
رواه مسلم وغيره وهو مخرج في «الإرواء» ٦٠٨.
[تمام المنة ص (٣٣٤)]
стр. 2704
كلمة حول خطبة الحاجة
الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١].
أما بعد:
فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
هذه الخطبة مما كان رسول الله ﷺ يفتتح بها خطبه كلها وبخاصة يوم الجمعة ويذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، أن تكرار النبي ﷺ لهذه الافتتاحية لخطبه كلها والتي تسمى بخطبة الحاجة، كان من الحكمة في تكرارها أن النبي ﷺ رمى بهذا التكرار لها أن يمكن من قلوب أصحابه قاعدة من قواعد الشريعة الإسلامية الهامة الكلية التي لا استثناء فيها ألا وهي قوله ﵊: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» يؤكد ابن تيمية ﵀ أن مثل هذه العبارة التي كان رسول الله ﷺ يكررها على مسامع أصحابه دون أن يدخل فيها تخصيصاً ما، وبحديث آخر فذلك
стр. 2705
مما يؤكد أن هذا العموم هو على إطلاقه وشموله فلا يجوز لمؤمن يشهد لله بالوحدانية ولنبيه بالرسالة أن يعارض هذه الكلية فيقول: ليس كل بدعة ضلالة، وليس كل ضلالة في النار، أولاً: لأن مثل هذه العبارة العامة لا بد لها من تخصيص وليس لها تخصيص، وثانياً: لأن النبي ﷺ كما ذكرنا آنفاً كان يكررها في كل جمعة فلا يعقل أبداً أن يكرر النبي ﷺ هذه الكلية على مسامع أصحابه ثم لا يتبع بها يوماً تخصيصاً ما، هذا قرينة ما بعدها قرينة على بقاء هذه القاعدة على كليتها وشمولها وعمومها، وبخاصة أن النبي ﷺ قد كررها في بعض كتبه الأخرى كما روى أصحاب السنن أن خطبة الحاجة هذه التي ذكرناها فهي من حديث جابر ﵁ وفي صحيح مسلم إلا أن زيادة: «وكل ضلالة في النار» هي من رواية الإمام النسائي في سننه الصغرى وإسنادها صحيح والحمد لله.
ثم إن النبي ﷺ قد كرر هذه الكلية في غير ما مناسبة أخرى منها ما أخرجه أصحاب السنن وفي مقدمتهم أبو داود والترمذي وصححه من حديث العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه قال: «وعظنا رسول الله ﷺ موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون فقلنا: أوصنا يا رسول الله، قال: أوصيكم بالسمع والطاعة وإن ولي عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة».
فها أنتم ترون وتسمعون أن النبي ﷺ قد كرر هذه القاعدة الكلية في قصة أخرى وموعظة ألقاها على أصحابه ﷺ حتى جاء في رواية أن العرباض قال: «قلنا: يا رسول الله كأنها وصية مودع فأوصنا وصيةً لا نحتاج إلى أحد بعدك أبداً، فقال ﵊: أوصيكم بتقوى الله» إلى أن قال: «وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة».
إذا كان الأمر كذلك وأن الأمر في كل بدعة إنما هي ضلالة مهما كان أمرها ويظن بعض الناس الحسن فيها فذلك خطأ واضح من خالف في ذلك التحسين
стр. 2706
لقوله ﵇ كل بدعة ضلالة، ولقد أكد هذه الكلية بعض أصحاب النبي ﷺ بعضهم تصريحاً وبعضهم تلميحاً أو إشارة، فقد صح عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة.
وجاء ما يشير إلى هذا كما ألمحت آنفاً: قول عبد الله بن مسعود ﵁ موقوفاً أيضاً: اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة، والسبب في هذا واضح جداً عن أهل العلم؛ لأن المقتصد في السنة بالإمكان في بعضها مأجور إذا كان في ذلك مخلصاً عند الله ﵎ لا شك ولا ريب وليس كذلك في الابتداع في الدين فذلك مردود على صاحبه كما قال ﵊: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».
لذلك كان قول ابن مسعود في منتهى الحكمة وفي منتهى الموعظة الحسنة حيث قال: اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة، وهذا يعني أن المسلم منهي عن أن يشغل عقله وفكره بأن يحدث في الدين ما لم يكن منه ثم يجتهد هل هو حسن فيعمل فيه، لا ما أحد [يتجه] إلى ذلك لأن ما جاء به النبي ﷺ من العبادات، هذه العبادات أفضل الناس ولو كان داود ﵊ الذي روى الإمام البخاري في صحيحه عن النبي ﷺ : «كان داود أعبد البشر» فلو كان داود ﵊ من أمة النبي ﷺ لم يستطع أن ينهض بكل العبادات التي جاء بها ﵊ تأكيداً لما جاء في حديثين اثنين:
الحديث الأول: ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ أنه قال: «ما بعث الله من نبي إلا كان حقاً عليه أن يأمر أمته بخير ما يعلمه لهم».
والحديث الثاني يتعلق بشخص النبي ﷺ ذاته حيث قال ﵊ فيما رواه الإمام الشافعي لسننه وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: «ما تركت شيئاً يقربكم إلى الله إلا وأمرتكم به، وما تركت شيئاً يبعدكم عن الله ويقربكم إلى النار إلا ونهيتكم عنه» لذلك صح عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم عليكم بالأمر العتيق .. اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم،
стр. 2707
أي: قد شرع لكم من العبادات ما يكفيكم ويزيد عليكم، فما عليكم إلا الاتباع .. اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم عليكم بالأمر العتيق.
ولذلك جاء عن ابن مسعود أيضاً قصة رائعة جداً فيها تطبيق منه ابن مسعود أعني .. فيه تطبيق لما سبق من الأحاديث والآثار الموقوفة ذلك ما أخرجه الإمام الدارمي في سننه بسنده الصحيح أن أبا موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه جاء صباح يوم إلى ابن مسعود في داره فوجد الناس [متحلقين] فقال لهم متسائلاً: أخرج أبو عبد الرحمن .. كنية عبد الله بن مسعود أبو عبد الرحمن .. أخرج أبو عبد الرحمن؟ قالوا: لا، فجلس ينتظره إلى أن خرج فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن، لقد رأيت في المسجد آنفاً شيئاً أنكرته والحمد لله لم أر إلا خيراً .. أرجوا الانتباه إلى الجمع بين قوله والحمد لله لم أر إلا خيراً، لكن قال: أنكرته، كيف ينكر الخير؟ لأنه [محدَث] كما سيأتيكم البيان في تمام القصة إن شاء الله تعالى.
قال ابن مسعود: وماذا رأيت؟ قال: إن عشت فستراه، رأيت في المسجد حلقاً حلقاً وفي وسط كل حلقة منها رجل يقول لمن حوله: سبحوا كذا أي: عدد، واحمدوا كذا وكبروا كذا، وأمام كل رجل منهم حصى يعد به التسبيح والتكبير والتحميد، قال ابن مسعود: أفلا أنكرت عليهم، قال: لا انتظار أمرك أو انتظار رأيك، فعاد ابن مسعود إلى داره وخرج متقنعاً لا يعرف حتى وقف على الحلقات التي وصفت له، فلما رآهم كما قيل له كشف عن وجهه اللثام والقناع وقال: ويحكم ما هذا الذي تصنعون؟ أنا صحابي رسول الله ﷺ ، قالوا: يا أبا عبد الرحمن حصى نعد به التسبيح والتكبير والتحميد، قال: عدوا سيئاتكم وأنا الضامن ألا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم ما أسرع هلكتكم هذه ثيابه ﷺ لم تبل وهذه آنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده فإنكم لأهدى من أمة محمد ﷺ أو إنكم متمسكون بزمن ضلالة.
لا شك أن القضية الأولى مستحيلة أن يكون أهدى من الرسول ﵇ فلم يبق إلا أنهم متمسكون بزمام ضلالة، قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن! ما أردنا إلا
стр. 2708
الخير، وهذا لسان المبتدعة جميعهم ما يريدون إلا الخير ولكن شأنهم كما ستسمعون من كلام ابن مسعود الذي هو في منتهى الحكمة:
قال: وكم من مريد للخير لا يصيبه، كما قال الشاعر:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها إن السفينة لا تجري على اليبس
وكم من مريد للخير لا يصيبه، إن محمداً ﷺ حدثنا: «إن أقواماً يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم» أي: لا يصل إلى قلوبهم «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية».
قال راوي هذه القصة وهنا منتهى العبرة: فلقد رأينا أولئك الأقوام، أي: أصحاب حلقات الذكر، يقاتلوننا يوم النهروان، أي: أصبحوا من الخوارج الذين خرجوا على الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ﵁ وعن بقية الصحابة.
فاستنبطت من هنا فائدة قياساً على قول العلماء: الصغائر بريد الكبائر، استنبطت من هذه القصة نحو قولهم فقلت: صغائر البدع بريد الكبائر من البدع، ولذلك فالعبرة من هذه الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة وفي هذه القصة .. أو من هذه القصة بصورة خاصة هو أن لا يحتقرن المسلم بدعة ما يقول: ما فيها؟ هكذا يقول المبتدعة حينما نناقشهم ونقول لهم: اتقوا الله ولا تحدثوا في دين الله ما لم يكن ونذكر لهم بعض الأحاديث، فيقولون مثلاً: ما فيها؟ يستصغرون البدع .. ينظرون إليها بعقولهم .. يستحسنوها فلا يشعرون أبداً أنهم يقعون في [شعبة] من الاعتزال؛ ذلك لأن المعتزلة مما خالفوا فيه أهل السنة والجماعة حقاً هو قولهم بالتحسين والتقبيح العقليين، هذا [ينسبه] العلماء [إلى] المعتزلة، ويعنون بهذه الجملة، أي: إن المعتزلة يقولون بالتحسين والتقبيح العقليين، يعنون: أن المعتزلة يقولون: ما حكم العقل بحسنه فهو حسن، وما حكم العقل بقبحه فهو قبيح، أما أهل السنة كلهم دون اختلاف بينهم فيقولون: الحسن ما حسنه الشارع الحكيم والقبيح ما قبحه الشارع الحكيم، فلا مجال لإدخال العقل في [الشرع].
(رحلة النور: ١٩ ب/٠٠: ٢٢: ٤٥)
стр. 2709
إذا اشترك في الندوة أكثر من متحدث هل يبدؤون جميعا بخطبة الحاجة ؟
السؤال: فضيلة الشيخ مجلس علمٍ أو ندوة تتكون من ثلاثة مشاركين هل يُشرع لكل واحد منهم أن يبدأ في حديثه أو في مشاركته بخطبة الحاجة؟
الشيخ: الذي يبدو لي والله أعلم ولأول مرة يُطرح عليَّ مثل هذا السؤال, أنه لابد لكل واحد من الثلاثة أن يبتدئ حديثه بخطبة الحاجة, لأنها خطبة مباركة ووسيلة شرعية ليُوفِّق الله ﵎ المتكلم وقد افتتح كلامه بهذه الخطبة وكل متكلم له حاجة, وهذه الحاجة لا تكون بطبيعة الحال في المجالس العلمية إلا أن يصل كلام المتكلم فيها إلى قلوب الناس وأن ينتفع الناس بذلك العلم الذي سيُلقيه, فلا أشك بأن الشرعية هذه تشمل الثلاثة.
(فتاوى جدة-موقع أهل الحديث والأثر- ٢١)
زيادة (ونستهديه) في خطبة الحاجة لا أصل لها
قال الإمام:
سمعتُ غير ما واحد من الخطباء يزيد هنا قوله: «ونستهديه»، ونحن في الوقت الذي نشكرهم على إحيائهم لهذه الخطبة في خطبهم ودروسهم، نرى لزامًا علينا أن نذكرهم بأن هذه الزيادة لا أصل لها في شيء من طرق هذه الخطبة؛ خطبة الحاجة، التي كنتُ جمعتها في رسالة خاصة معروفة، و ﴿الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
السلسلة الصحيحة (٥/ ١).
стр. 2710
وجوب الخطبة يوم الجمعة
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:
قوله في آخر بحث حكم الخطبة نقلا عن الشوكاني: «فالظاهر ما ذهب إليه الحسن البصري وداود الظاهري والجويني من أن الخطبة مندوبة فقط».
قلت: بل الصواب وجوبها وما أجاب به الشوكاني مردود وقد نحا نحوه صديق خان في «الروضة الندية» وفي «الموعظة الحسنة» فرددت عليه في رسالتي «الأجوبة النافعة» بما لا يدع إشكالا على القول بوجوبها
فراجعه فإنه مهم جدا.
[تمام المنة ص (٣٣٢)]
الخطبة الجذماء
[قال رسول الله ﷺ ]: «كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء».
[ترجمه الإمام بقوله: الخطبة الجذماء، ثم قال]:
فائدة: قال المناوي في «فيض القدير»: «وأراد بالتشهد هنا الشهادتين، من إطلاق الجزء على الكل، كما في التحيات. قال القاضي: أصل التشهد الإتيان بكلمة الشهادة، وسمي التشهد تشهدا لتضمنه إياهما، ثم اتسع فيه، فاستعمل في الثناء على الله تعالى والحمد له». قلت: وأنا أظن أن المراد بالتشهد في هذا الحديث إنما هو خطبة الحاجة التي كان رسول الله ﷺ يعلمها أصحابه: «إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله». ودليلي على ذلك حديث جابر بلفظ: «كان رسول الله ﷺ يقوم فيخطب فيحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ويقول: من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، إن خير الحديث كتاب الله .... »
стр. 2711
الحديث. وفي رواية عنه بلفظ: «كان يقول في خطبته بعد التشهد: إن أحسن الحديث كتاب الله .. » الحديث رواه أحمد وغيره. فقد أشار في هذا اللفظ إلى أن ما في اللفظ الأول قبيل «إن خير الحديث ... » هو التشهد، وهو وإن لم يذكر فيه صراحة فقد أشار إليه بقوله فيه: «فيحمد الله ويثني عليه» وقد تبين في أحاديث أخرى في خطبة الحاجة أن الثناء عليه تعالى كان يتضمن الشهادتين، ولذلك قلنا: إن التشهد في هذا الحديث إشارة إلى التشهد المذكور في خطبة الحاجة، فهو يتفق مع اللفظ الثاني في حديث جابر في الإشارة إلى ذلك. وقد تكلمت عليه في «خطبة الحاجة» «ص ٣٢ طبع المكتب الإسلامي»، فليراجعه من شاء. وقوله: «كاليد الجذماء» أي المقطوعة، والجذم سرعة القطع، يعني أن كل خطبة لم يؤت فيها بالحمد والثناء على الله فهي كاليد المقطوعة التي لا فائدة بها مناوي.
قلت: ولعل هذا هو السبب أو على الأقل من أسباب عدم حصول الفائدة من كثير من الدروس والمحاضرات التي تلقى على الطلاب أنها لا تفتتح بالتشهد المذكور، مع حرص النبي ﷺ البالغ على تعليمه أصحابه إياه، كما شرحته في الرسالة المشار إليها. فلعل هذا الحديث يذكر الخطباء بتدارك ما فاتهم من إهمالهم لهذه السنة التي طالما نبهنا عليها في مقدمة هذه السلسلة وغيرها.
السلسلة الصحيحة (١/ ١/ ٣٢٥ - ٣٢٧).
حكم جعل الخطبة الثانية في الجمعة للدعاء
مداخلة: كثير من الخطباء [يخصص] الخطبة الثانية [للدعاء]؟
الشيخ: لا فرق في السنة بين الخطبة الثانية والأولى كلها للتذكير كما قال: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] فكلها للتذكير والتعليم، وجعل الخطبة الثانية غير الأولى مكان للدعاء والصلاة على الرسول ﵇ هذا بلا شك من محدثات الأمور.
(رحلة النور: ١٩ أ/٠٠: ٤٣: ٠٧)
стр. 2712
الدعاء على المنبر يوم الجمعة
مداخلة: بالنسبة للدعاء على المنبر يوم الجمعة، معروف أنه بدعة، ولكن ورد في المسند عند أبي داود أيضاً وغيرهما بسند صحيح أن النبي ﷺ كان يشير بأصبعه إذا دعا، لفظة إذا دعا ألا يُفْهَم منها الدعاء على المنبر، أم ماذا يُفْهَم منها؟
الشيخ: ما لفظ الحديث؟
مداخلة: كان يشير بأصبعه إذا دعا.
الشيخ: هذا لفظ الحديث؟
مداخلة: إيه نعم، هو الحديث لصحابي اسمه عمارة [بن رؤيبة]، هكذا اسمه يقول: لما رأى أحد الناس يدعو رافعًا يديه، قال: قبح الله تلك اليدين فإن النبي ﷺ لن يقول إذا دعا إلا يُشير بإصبعه.
الشيخ: نعم، هذا أولاً: كما ترى ليس صريحاً بأن الرسول ﵇ كان يدعو في الخطبة، وإنما يتكلم كلاماً عاماً ... في الخطبة، هذا أولاً.
وثانياً: إذا قلنا بأن هذا ظاهر الحديث أن الرسول ﵇ كان يدعو بالخطبة، فنحن لا ننكر مشروعية الدعاء في الخطبة، وإنما ننكر شيئين اثنين:
أولا: التزام الدعاء في الخطبة يوم الجمعة.
والشيء الآخر: أن يجعل الدعاء في الخطبة الثانية التي يسموها خطبة الناس.
مداخلة: نعم.
الشيخ: وضح لك هذا؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: بمعنى أن ذلك ... حديث عمارة هذا الذي تُشير به، لا يأتي جواز هذه الأمور التي نفتيها وعدم شرعيتها.
стр. 2713
مداخلة: جزاك الله خيرًا.
الشيخ: وإياكم.
مداخلة: إذاً: لو دعا الخطيب أثناء الخطبة يعني ما خصص لها وقتًا يجوز له ذلك؟
الشيخ: يجوز له ذلك ... دعا الرسول ﵇ حينما طلب ذاك الرجل ... ورفع يديه حتى بان إبطاه، وقال: اللهم اسقنا، اللهم اسقنا، فيدعو ويرفع يديه ويرفع أيضاً الناس تحته، أما اتخاذ ذلك جزءًا من الخطبة فهذا الذي ننكره.
(الهدى والنور / ٢٩/ ٢.: ٤٦: .. )
حكم الدعاء في خطبة الجمعة والكلام على بدعية الدعاء للملوك على المنابر
مداخلة: [حكم الدعاء في خطبة الجمعة].
الشيخ: الدعاء قلنا مراراً وتكراراً: خطبة الجمعة شُرِعَت للذكر والتذكير، وليس للدعاء.
ولا فرق عندي بين خطيب يدعو في خطبة الجمعة وهذا معروف وكثير، وبين ما ليس معروفاً وقد يصبح معروفاً بين هذا الخطيب والخطيب الآخر، بدل أن يدعو في الخطبة الثانية يذكر الله ويصلي على رسوله ويسبح ويحمد ... إلخ، يأتي على خطبة ذكر.
ليس لهذا شُرِعَت خطبة الجمعة، ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩].
يعني: ما يُذَكِّركم بالله ، وهو هذا الخطيب الذي يخطبكم، فالتزام الدعاء في الخطبة كالتزام أي وِرْد من الأوراد المعروفة خارج الصلاة أم داخل الصلاة.
стр. 2714
وقلت مِرَاراً: إنما يُشْرَع الدعاء لأمر عارض، كما جاء في صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك أن النبي ﷺ بينما هو يخطب يوم الجمعة إذ دخل رجل من باب من أبواب المسجد، فقال: يا رسول الله: هلكت الأموال والعيال من قلة الأمطار، فادع الله لنا، فرفع ﵇ يديه حتى بان إبطاه، وقال: «اللهم اسقنا اللهم اسقنا اللهم اسقنا» فما أتم ﵇ دعاءه حتى جاشت السماء بالأمطار كأفواه القرب، قال أنس: «فمُطِرْنا سبتاً» أي: جمعة أي أسبوعاً كاملاً.
في الجمعة الثانية والرسول يخطب، جاء الرجل هو أو غيره يقول: يا رسول الله! هلكت الأموال من كثرة الأمطار، فادع الله لنا، فقال ﵇: «اللهم حَوَالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظرَاب ومنابت الشجر» فانكشفت السماء فكانت كالجونة، يعني: ترس، تُمْطر حول المدينة لا يصيب المدينة شيء، فهذا لأمر عارض دعا الرسول ﵇، ثم دعا كلمات موجزات: «اللهم اسقنا اللهم اسقنا، اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب».
فيه شبهة هذا، فيه بعض العلماء، تسمعوا أنتم بصلاة الاستسقاء، صلاة الاستسقاء فيها خلاف بين العلماء في شرعيتها، فبعض الأئمة ينكر شرعيتها، ويقولوا: ما فيه في الاستسقاء إلا الدعاء، ويستدلوا بهذا الحديث، وفعلاً هذا الحديث استسقاء، يعني: طلب السُقْيِة.
أما العلماء الذين لا يتعصبون للرأي، وإنما يتتبعون ما جاء عن الرسول ﵇ فيقولوا: الاستسقاء يكون بصلاة ويكون بدعاء بغير صلاة، لأن كل هذا ثبت عن الرسول ﵇.
الشاهد من حديث أنس السابق: أنه دليل على أنه يُشْرَع للخطيب يوم الجمعة أن يدعو لأمر عارض، أما أن يلتزم ذلك ويجعلها جزءاً من خطبة الجمعة، فهذا بلا شك من مُحْدَثات الأمور.
والمُؤْسف أن الدعاء للملوك ما هو بالأمر الجديد كما قد يتوهم بعض الناس، فهو قديم جداً من قرون؛ لأن الملوك هذه عادتهم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا
стр. 2715
دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٣٤] فهذه قضية الملوك إلا القليلين جداً منهم الذين يخشون الله ويلتزمون شريعة الله.
فالدعاء على المنابر للملوك هذه بدعة قديمة سبقنا نحن والحمد لله بالتنصيص على بدعيتها، فكان لنا سلف في قولنا ببدعيتها، فالحمد لله، ولذلك نحن سلفيون ولسنا كسلفيين.
(الهدى والنور /١٤٤/ ١٠: ٤٤: ٠٠)
بماذا تُخْتم الخطبة الأولى يوم الجمعة
مداخلة: بماذا تُخْتم الخطبة الأولى يوم الجمعة؟ وهل يجوز إنهاؤها بأمر الناس بالاستغفار؟
الشيخ: الخطبة يوم الجمعة سواءً في الأولى أو الأخرى منها، ليس لها يعني نظام خاص. نعم.
والتزام خَتْم الخطبة بالاستغفار ليس هناك سنة صحيحة، جاء في ذلك حديث ضعيف لا يجوز العمل به كَسُنَّة، ولكن إن فعل ذلك أحياناً لا بأس، لورود ذلك في الأدلة العامة. أما في التزام ذلك كسنة لازمة، فليس لها أصل في السنة.
(الهدى والنور /٢٢٨/ ٣٤: ٥٥: ٠٠)
حكم التزام الدعاء في خطبة الجمعة وحكم رفع اليدين في الدعاء يوم الجمعة مع التأمين
مداخلة: رفع اليدين في الدعاء يوم الجمعة مع التأمين هل هو جائز؟
الشيخ: في يوم الجمعة مع التأمين، ليس من السنة ذلك، لا من الإمام ولا من المؤتمين، وإنما من السنة أحياناً أن يدعو الإمام لأمر عارض يوم الجمعة.
стр. 2716
الدعاء يوم الجمعة وبخاصةٍ التزام هذا الدعاء في الخطبة الثانية، ليس له أصل في السنة إطلاقاً، الخطبة الثانية كالأولى تماماً، ما يقصد من الأولى يقصد من الأخرى.
يقصد من الأولى التذكير والتنبيه، كذلك نفس الخطبة الثانية، لا فرق بين الأولى والأخرى، ولا فرق بين إذا لزم الأمر لأمر عارض طارئ، أن يدعو الخطيب على المنبر، في الخطبة الأولى أو الأخرى، ما في فرق؛ لأن القضية أنه ليس هناك سنة، أن يدعو الإنسان مثلاً يدعو أَحَدُنا بالتشهد، كما قال ﵊: «ثم لِيَتَخَيَّر من الدعاء ما شاء».
ويدعو حينما يرفع رأسه من الركوع «سمع الله لمن حمد ربنا لك الحمد، ملء السموات وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد» إلى آخره.
لكن لم يرد في السنة إطلاقاً أن النبي ﷺ كان يخص الخطبة الثانية يوم الجمعة بشيء من الدعاء، كما يفعل خطباء الجمعة في هذا الزمان.
لا نستثني منهم أحداً، لكن نفرق بين السلفي والخلفي، بين السُّنِّي والبدعي، من أي ناحية؟
السني مثلاً لا يجعل دعاءه، ولا يستحق أن يكون ذا دعاء عريض، بخلاف الخطباء الآخرين، الخطبة الثانية تكاد لا تسمع منهم فائدة إلا دعاء ودعاء ودعاء، ويضج المسجد بالتأمين، كل هذا خلاف السنة.
الأصل أن لا يكون هناك دعاءٌ إطلاقاً إلاَّ لأمر عارض، كالقنوت تماماً في الصلوات الخمس، لا يُشْرَع القنوت في أيِّ صلاة من الصلوات الخمس، ولو ندر.
لكن إذا نزلت في المسلمين نازلة، وأصابتهم مصيبة، دعا أئمة المساجد في آخر ركعة من الصلوات الخمس بما يناسب النازلة، وليس بدعاء القنوت الذي هو من دعاء الوتر، «اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت» لا، يدعوا بما يناسب النازلة.
стр. 2717
كذلك الخطبة يوم الجمعة، لا يُشْرَع فيها دعاءً يلتزمه الخطيب، ويلتزم السامعون لدعائه التأمين خلفه، كل هذا لا أصل له في السنة.
مداخلة: طول عمرنا النازلة ما فارقتنا يا شيخ.
الشيخ: هذا يمكن نقول أصبت، أو أتحفظ في هذه الكلمة؛ لأن النازلة هي التي لا عهد للمسلمين بها، وليس من شأنهم أن يحيوا فيها، فاليوم أنت تقول ما فارقتهم، صحيح ما فارقتهم لكن ليس هذا هو المقصود بالنازلة.
الآن نضرب مثلاً واضحاً جداً، ما رأيك لو أن إمام من أئمة المساجد، وأرجوا أن لا نرى، إذا قنت لمصيبة المسلمين بالأندلس، بأسبانيا، ما رأيك إذا قنت؟
مداخلة: في غير محله.
الشيخ: إيه، لكن هذه مصيبة ملازمة؟ ولذلك.
مداخلة: لزمت عهدًا بغير عهدنا، هم أولى فيها منا.
الشيخ: لذلك: بارك الله فيك، المقصود بالمصيبة التي نزلت والمسلمون يَسْعَون لإزالتها، إن كان مثلاً هوجمت ديار المسلمين، بالباغين المعتدين، يقنتون ويخرجون لطرد هذا الباغي، مش بس يقتصرون على ماذا؟ على الدعاء، ما في مانع في مثلاً مصيبة ليس لهم فيها وسيلة إلا اللجوء إلى الله ، فيلجؤون إليها، لكن إذا صار جزءًا من حياتهم، صارت هناك طامة ثانية، صارت أندلس ثانية، والعهد بقي ليس ببعيد عنا مع الأسف الشديد.
يعني ...... أنا ما سمعت عهداً، يُقْنَت ضد اليهود، رضينا نحن ببقاء اليهود، ما رضينا طبعاً، لكن صارت ماذا؟ جزءًا من حياتنا، اعتدنا عليها.
ولذلك: المقصود بالنازلة يعني النازلة الطازة، الجديدة، هذا هو المقصود فيه.
(الهدى والنور /٢٢٩/ ٥٤: ٣٩: ٠٠)
(الهدى والنور /٢٢٩/ ١٨: ٤٣: ٠٠)
стр. 2718
حكم الدعاء يوم الجمعة من الخطيب في نهاية الخطبة وبدعية الدعاء للملوك في آخر الخطبة
مداخلة: يا شيخ بارك الله فيك، ما حكم الدعاء يوم الجمعة من الخطيب في نهاية الخطبة؟
الشيخ: التزام ذلك بدعة. وأشد ما تكون هذه البدعة الدعاء للملوك.
ولكن للضرورة أحكام، والضرورة تُقَدَّر بِقَدَرِها أولاً، والضرورة يُقَدِّرها المبتلى، والذي يأكل العِصِيّ ليس كالذي يَعُدُّها.
(الهدى والنور/٢٤٧/ ٤٠: ١٦: ٠٠)
هل يشرع الدعاء في خطبة الجمعة الثانية ؟
مداخلة: رفع اليدين في الدعاء يوم الجمعة مع التأمين هل هو جائز؟
الشيخ: في يوم الجمعة مع التأمين، ليس من السنة ذلك، لا من الإمام ولا من المؤتمين.
وإنما من السنة أحياناً أن يدعو الإمام لأمر عارض يوم الجمعة، الدعاء يوم الجمعة وبخاصة التزام هذا الدعاء في الخطبة الثانية، ليس له أصل في السنة إطلاقاً، الخطبة الثانية كالأولى تماماً، ما يُقْصَد من الأولى يُقْصَد من الأخرى.
يُقْصَد من الأولى التذكير والتنبيه، كذلك نفس الخطبة الثانية، لا فرق بين الأولى والأخرى.
ولا فرق بين إذا لزم الأمر لأمر عارض طارئ، أن يدعو الخطيب على المنبر، في الخطبة الأولى أو الأخرى، ما في فرق.
لأن القضية أنه ليس هناك سنة، أن يدعو الإنسان مثلاً يدعو أحدنا بالتشهد،
стр. 2719
كما قال ﵊: «ثم لِيَتَخَيَّر من الدعاء ما شاء».
ويدعو حينما يرفع رأسه من الركوع: سمع الله لمن حمد رَبَّنا لك الحمد، ملء السموات وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد .. إلى أخره.
لكن لا لم يَرِد في السنة إطلاقاً أن النبي ﷺ كان يخص الخطبة الثانية يوم الجمعة بشيء من الدعاء، كما يفعل خطباء الجمعة في هذا الزمان.
لا نستثني منهم أحداً، لكن نُفَرِّق بين السلفي والخَلَفِي، بين السني والبدعي، من أيِّ ناحية؟
السُنِّي مثلاً لا يجعل دعاءه، ولا يستحق أن يكون ذا دعاء عريض، بخلاف الخطباء الآخرين، الخطبة الثانية تكاد لا تسمع منهم فائدة إلا دعاء ودعاء ودعاء، ويضج المسجد بالتأمين، كل هذا خلاف السنة.
الأصل أن لا يكون هناك دعاء إطلاقاً إلا لأمر عارض، كالقنوت تماماً في الصلوات الخمس، لا يُشْرَع القنوت في أيَّ صلاة من الصلوات الخمس، ولو ندر.
لكن إذا نزلت في المسلمين نازلة، وأصابتهم مصيبة، دعا أئمة المساجد في آخر ركعة من الصلوات الخمس بما يُنَاسب النازلة، وليس بدعاء القنوت الذي هو من دعاء الوتر، «اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت»، لا يدعوا بما يناسب النازلة.
كذلك الخطبة يوم الجمعة، لا يُشْرَع فيها دعاء يلتزمه الخطيب، ويلتزم السامعون لدعائه التأمين خلفه، كل هذا لا أصل له في السنة.
(الهدى والنور /٢٢٩/ ٥٤: ٣٩: ٠٠)
стр. 2720
ما رأيكم فيما انتشر بين الخطباء في آخر الخطبة من قولهم: إن الله يأمر بالعدل والإحسان ..
مداخلة: فضيلة الشيخ! ما رأيكم فيما انتشر بين الخطباء في آخر الخطبة: إن الله يأمر بالعدل والإحسان ..
الشيخ: معروف هذا، الذي أعتقده أجزم به، وأدين الله به أن التزام شيء فيما يتعلق بعبادة من العبادات التي جاء بها رسول الله ﷺ هو من باب التزام ما لا يجوز؛ ذلك لأن النبي ﷺ كان من عادته الشريفة أنه يفتتح خطبه كلها بقوله: «أما بعد: فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» فلا يعقل أن تأتي خطب الرسول ﵇ كلها خالية من مثل تلاوة هذه الآية في آخر خطبة الجمعة التي نسمعها اليوم من كثير من الخطباء، فهذه زيادة كنت قرأت قديماً جداً في بعض كتب الفقه أو التاريخ بأنه إنما جاء بها الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ﵁ جاء بها بديل ما كان ابتدعه بعض حكام بني أمية من النيل والسب لعلي ﵁ فجاء هو بهذه الجملة كمحو لتلك العادة السيئة.
وأنا في اعتقادي أقول: إذا صح هذا عن عمر ﵁ فهي ككثير من الأمور الأخرى التي تدخل في باب المصلحة المرسلة، فهي مصلحة زمنية إذا ذهب الأمر الذي اقتضاها ذهبت هي بذهابه ولا أعتقد أنه ينبغي الاستمرار على هذه الزيادة لمنافاتها للسنة العملية التي كان عليها النبي ﷺ ، وهذا باب واسع من الاتباع في الدين وهو إلحاق ما لم يكن في القرون الأولى ..
أنا لا أرى مانعاً أن يختم الإنسان خطبته بأي آية، أما أن يلتزم آية معينة أو حديثاً معيناً [بصورة] رتيبة في خطبه فهذا هو عين الإحداث في الدين، وهذا لا يجوز .. يعني لا فرق عندي بين ابتداء الاختطاب وبين الاختتام، فكل التزام لم يلتزمه الرسول ﷺ فهو أيضاً من باب الإحداث، وهذا يذكرني بأن أكثر الخطباء .. [يفتتح
стр. 2721
الخطبة بما] يتناسب مع علمه أو ثقافته باللغة العربية، وأعرضوا عن خطبة الحاجة التي هي قوله ﵊: «إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره .. » إلى آخرها، فإذا التزم الإنسان ما كان النبي ﷺ يلتزمه فهذه هي السنة، وهذا هو الذي [يدخل] تحت عموم قوله ﷺ : «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة دون أن ينقص من أجورهم شيء» أما إذا التزم افتتاحية اخترعها من عنده فهذا كختم الخطبة بتلك الآية أو بغيرها، المهم الالتزام بشيء بغض النظر عن مكانه هو في وسط الخطبة .. في آخرها .. في أولها، هذا الالتزام وفي [أي باب] من أبواب الشريعة لا يجوز ولو كان له أصل في السنة، فإذا كان له أصل في السنة أو في الشريعة فيعمل به على ما تقتضيه الشريعة، أما أن يلتزم ونحن نعلم أن النبي ﷺ لم يلتزمه فهذا داخل في عموم قوله ﵇: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار».
فنحن مثلاً حينما ننكر ما نراه في بعض البلاد الإسلامية عادتهم أن المسلم إذا مر بأخيه المسلم وقد رآه يتوضأ أو صلى قال له مثلاً: تقبل الله، لا شك أن هذا داخل في عموم الدعاء للأخ المسلم، فمن هذه الحيثية الدعاء جائز ولكن من الحيثية الأخرى وهي التزام ما لم يكن ملتزماً في عهد الرسول ﷺ أو في عهد السلف الصالح يدخل حينذاك في العموم المشار إليه كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، فإذا فعل المسلم أحياناً قال لأخيه: تقبل الله أو قال له: زمزم أو كوثر أو نحو ذلك من الأدعية لا مانع من ذلك، لكن هذا الالتزام هو المشكل؛ لأنه إحداث في دين الله.
ومع ذلك [العادات] تختلف من بلاد إلى أخرى، فيجب على المسلم من أن يكون حذراً من أن يدخل في عموم ذاك الحديث وغيره لقوله ﷺ : «وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار».
فللإمام الشاطبي ﵀ ذاك الكتاب العظيم المعروف بالاعتصام، وقد قسم البدعة إلى قسمين:
стр. 2722
القسم الأول: البدعة الحقيقية، والقسم الآخر: البدعة الإضافية.
البدعة الحقيقية في اصطلاحه هي التي لا أصل لها مطلقاً في [السنة] أو القرآن الكريم، كالعقائد المنحرفة عن الكتاب والسنة كالاعتزال والجبر ونحو ذلك.
أما القسم الثاني وهي البدعة الإضافية فهي التي إذا نظرت إليها من جانب وجدتها مشروعة، وإذا نظرت إليها من جانب آخر وجدتها غير مشروعة، ويضرب على ذلك بعض الأمثلة الموضحة لهذه المسألة الهامة؛ لأننا نعلم في الواقع أن أكثر البدع المنتشرة اليوم وقبل اليوم في العالم الإسلامي هي من هذا القسم؛ ولذلك يغتر بها ضعفاء العلم وهي البدعة الإضافية .. [ثم ضرب الشيخ أمثلة على البدع الإضافية].
(رحلة النور: ١٣ ب/٠٠: ٤٠: ٣٢)
أصل قول الخطباء: وأستغفر الله لي ولكم
عن ابن عمر قال: طاف رسول الله ﷺ على راحلته القصواء يوم الفتح واستلم الركن بمحجنه وما وجد لها مناخا في المسجد حتى أخرجت إلى بطن الوادي فأنيخت، ثم حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أما بعد أيها الناس، فإن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية، الناس رجلان: بر تقي كريم على ربه، وفاجر شقي هين على ربه، ثم تلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ حتى قرأ الآية، ثم قال: أقول هذا وأستغفر الله لي ولكم».
[ترجمه الإمام بقوله]: أصل قول الخطباء: وأستغفر الله لي ولكم.
السلسلة الصحيحة (٦/ ٢/ ٧١٩).
الصلاة على النبي ﷺ في آخر خطبة الجمعة
السائل: مسألة أمر الخطيب في آخر الخطبة الناس بالصلاة على النبي ﷺ ، وهذه لا يكاد مسجد من مساجدنا يخلو منها.
стр. 2723
الشيخ: وكذلك مساجد في سوريا والأردن يضح المسجد بالصلاة على النبي ﷺ حينما يأمرهم الخطيب، هذا بلا شك كما يقول الإمام الشاطبي من البدع الإضافية؛ لأن الصلاة على النبي ﷺ من أولى الأعمال، كما جاء في الحديث الصحيح: «من صلى علي مرة واحدة صلى الله عليه بها عشراً» لكن جعل ذلك من تمام الخطبة والتزامها، وهم لم يلتزموا خطبة الحاجة التي نحن ندندن دائماً حولها، مع التزام الرسول ﷺ إياها في كل خطبه ليس في الجمعة فقط بل وفي غيرها، وهذا قلب للحقائق الشرعية، إهدار العمل بالسنة والإصرار على العمل بالبدعة.
وما أدري والله لماذا ولا يزال الدولة والصولة بيد علمائكم في هذه البلاد وهذه فضيلة ما أظن يشاركهم فيها أو يشارككم فيها بلاد أخرى، لماذا لا يستعملون سلطتهم ولا يجبون فتواهم بأن هذا لا ينبغي أن يفعل؟ فالخطبة المقصود منها الموعظة والتذكير والتعليم بما قد يعرض للمسلمين ويجب عليهم أن يتعلموه.
وهو كالذي ما سبق من الأمثلة الأخرى وإلا ستكون هناك حجة للمبتدعة أن يقولوا هذه البدعة الفلانية .. أنا مثلاً يقال لي: أنت تقول أن كذا هو ليس بالسنة، هذه المسألة مبينة هذا قبل الرسول في مسجده إلى آخره، بيمنا كان هذا من الممكن كذا كنت اقترحت أنا قديماً في كتابي: تحذير الساجد من اتخاذ القبور المساجد أن يفصل القبر عن المسجد ويعود إلى ما كان حينما يعني: قبل تجديد المسجد النبوي، حجرة عائشة مفصولة عن المسجد وانتهى الأمر، ويتخذون هذا حجة علينا: هذا مسجد الرسول قبره فيه، فهات وأقنعهم أن فيه أن الرسول دفن في بيته وفيما بعد عندما وسعوا المسجد كان عليهم أن يوسعوه إلى الجهة [الأخرى] ووسعوه إلى نحو البقيع ودخلوا القبر في المسجد، هات حتى نقنع الناس؛ لأن الحقيقة عامة الناس يتأثرون بالواقع بالقائم أكثر مما يتأثرون بالقول.
فما أدري يعني: العلماء عندكم لا يزالون عندهم صولة ودولة ويشملهم الآية: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] فهؤلاء لماذا لا يستغلون منصبهم العلمي وما أظن هناك ما أعرف أن هناك مسائل مثلاً قد
стр. 2724
تتعارض مع سياسة الدولة العامة لكن هذه قضايا دينية محضة ما لها علاقة بالسياسية، فلذلك أنا أعتبر أن هذا تقصير [منهم].
(رحلة النور: ٢٣ أ/٠٠: ٠٨: ٠٧)
قراءة سورة (ق) في خطبة الجمعة
السؤال: يا شيخ، أنا في خطبة الجمعة أقرأ من سورة «ق» لكن ليس دوماً، مع أن الحديث يُشْعِر بالديمومة، أظن حديث ميمونة في صحيح مسلم.
الشيخ: لكن الحديث ما يدل على ما تقوله.
السائل: قال: كان يقرؤها في كل جمعة. فما تعليقكم على هذا؟
الشيخ: كان يقرؤها في كل جمعة، هكذا النص؟
السائل: أي نعم.
الشيخ: وإلا من خطبة الرسول ﵇.
مداخلة: هي التي حفظتها يا شيخ.
الشيخ: ليس بحثنا هنا، المهم أنت تحفظ هذا النص الذي ذكرته.
السائل: نعم.
الشيخ: أنه كان يقرؤها في كل خطبة جمعة.
السائل: نعم.
الشيخ: أنا ليس الذي قام في ذهني هذا، الذي قام في ذهني أنها حُفِظت من مجموع ما سُمِع من الرسول ﵇ في خُطَب الجمعة، لكن أنا أتمسك بقاعدة: من حفظ حجة على من لم يحفظ.
فأقول: إذا كان الحديث هكذا، فذلك لا يعني أن نتناسى أثر علي رضي الله عنه
стр. 2725
الذي يأمرنا بأن نُكَلِّم الناس على قدر عقولهم، أتريدون أن يُكَذِّب اللهُ ورسولُه، يعني: مثلاً: رجل عالم في بلد أعجمي فهذا ما يصح أن يتكلم باللغة العربية، وإنما يخطبهم بلغة قومه، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤].
فالرسول ﷺ ، أولاً: لما كان يخطب بسورة «ق» هو كان بين قومه العرب، وهؤلاء العرب كانوا ولا يزالون مضرب المثل في قُوَّة الحافظة، عندهم حافظة كالمغناطيس، الآن ما تجد هذه الخصوصية في العرب لأنهم استُعْجِمُوا، بينما آخرون استُعْرِبوا ولكن أيضاً ما صاروا عرباً، يعني: ما تَلَبَّسوا بأخلاقهم، لكن تَعَلَّموا هذه اللغة فتعارفوا.
فالشاهد: هل عندك الآن امرأة -عفواً أخطأت- أردت أن أقول: رجلاً، هل عندك رجل يحفظ من الخطيب لو ألقى سورة «ق» يحفظ هذه السورة كما حفظت تلك المرأة الفاضلة؟
هذا نادر جداً جداً، وهدفي من هذه الكلمة كلها، هو أن الخطيب يجب أن يراعي وضع الجمهور الذين يَخْطُبهم، فإن كان عندهم استعداد نفسي وثقافي من قراءة السورة كلها فيقرؤها، أنت تعرف أن من السُّنَّة أن يقرأ في فجر الجمعة مثلاً سورة السجدة والدهر، لكن أكثر الجماعات اليوم ما في عندهم هذه الروح التعبدية الصابرة على القيام في طول هاتين السورتين.
فإذاً: الأمر كما قال ﵇ في بعض الأحاديث الصحيحة: «سَدِّدوا وقاربوا».
فعلى هذا: أنا أستحسن، وعلى كل حال لا يفوتني أن أقول: الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، أنا أستحسن وأنا غائب أنك تأتي من السورة ما يتعلق بمواقف القيامة وما فيها من ترغيب وترهيب ونحو ذلك.
ولا مانع أن تقرأ هذه السورة أحياناً، لكن مع لَفْتِ النظر إلى بعض الآيات وتفسيرها، لأني أنا الحقيقة بسبب الاتصالات التي صارت بيننا وبين إخواننا الجزائريين، أشعر بأن العجمة بدأت تتسرب إلى الكثير منهم، يعني: لا هم يفهمون
стр. 2726
مني ولا أنا أفهم منهم في كثير من الأحيان، فأشعر بأنهم بحاجة إلى شيء من البيان في بعض ما يُتْلى من آيات القرآن الكريم.
طيب! فماذا أردت بالنسبة لقولك أنك تقرأ سورة ق في خطبة الجمعة؟
السائل: أردت فقط تعليقكم على هذا من حيث التصويب والتخطيء.
الشيخ: أي نعم، جزاك الله خيرًا.
السائل: جزاكم الله خيرًا وبارك فيكم.
الشيخ: وفيكم بارك. أهلاً وسهلاً.
(الهدى والنور/٥١٤/ ٤٠: ١٨: ٠٠)
стр. 2727
من أحكام خطيب الجمعة
стр. 2728
حكم كون خطيب الجمعة من مدينة الأخرى
مداخلة: طيب يا شيخ! هنا لدينا في المسجد لا يوجد الخطيب في نفس المدينة يأتينا خطيب الجمعة من مدينة أخرى، تَبْعُد عنا تقريباً خمسة وعشرين كيلو مترًا أو أكثر، فما حكم ذلك؟
الشيخ: لا بأس من ذلك؛ إذا لم يكن لديكم خطيب منكم وفيكم يعرف حوائجكم ومصالحكم، ما فيه مانع أن يأتيكم رجل مسلم يخطبكم ويصلي بكم إذا كان أهلاً لذلك لا بأس.
مداخلة: لا بأس، ولكن في المدينة التي نسكن فيها يوجد هناك بعض الناس يمكن أن يخطبوا؟
الشيخ: سامحك الله، أنا بقول لك: إذا كان لا يوجد عندكم من يخطبكم ويصلي بكم وهو أعلم بشؤونكم، قلت لك سلفاً هذا، فإذا كان يوجد فلماذا تدعون الرجل البعيد، تكلفونه أن يقطع هذه المسافة؟ أما إن كان مفروضاً عليكم لسبب أو آخر فهذا شيء آخر، فإذا كان هناك شيء يعني: تشعر أنك بحاجة إلى توضيحه فلكل سؤال جواب.
(الهدى والنور/٣٢٢/ ٣٦: ١٦: ٠٠)
الخطيب إذا دخل المسجد هل يصلي تحية المسجد
مداخلة: الخطيب إذا دخل المسجد هل يصلي تحية المسجد؟
الشيخ: المفروض في الخطيب أن يدخل المسجد ويصعد المنبر فوراً وفي هذه الحالة ليس عليه صلاة تحية، أما إن دخل المسجد وجلس في المسجد ولم يصعد المنبر فلا بد له من التحية.
(الهدى والنور /٣٣٨/ ٤٥: ١٦: ٠٠)
стр. 2729
إذا غاب الخطيب في مسجد، فهل يصلي المسلمون دون خطبة، أم يَصْعَد من لا يستطيع ذلك وربما وقع في الحرج الشديد
السؤال: يقول السائل: إذا غاب الخطيب في مسجد فهل يصلي المسلمون دون خطبة، أم يصعد من لا يستطيع ذلك وربما وقع في الحرج الشديد؟
الجواب: أظن أن السؤال قائم على فهم خطأ، وهو: أن الخطبة لها شروط، وأن الخطبة لا يستطيعها إلا رجل عالم مثقف.
الخطبة عبارة عن موعظة وتذكير كما قال رب العالمين: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ... ﴾ [الجمعة: ٩] إلى آخر الآية.
المقصود بالخطبة هو: تذكير الحاضرين بشيء، فإذا افترضنا أن الخطيب خطيب مسجدٍ ما لم يحضر لسبب ما، وافترضنا أنه لا يوجد في هؤلاء الحاضرين وهذه مصيبة كبرى: من يصعد على المنبر ويُذَكِّرهم بآية من آيات الله في القرآن الكريم أو بحديث من أحاديث الرسول ﵇، أو يُنَبّهون على خطأ من الأخطاء التي يقع فيها الناس؟
إذا لم يوجد فيهم واحد يقوم بهذا الواجب فقد سقط الواجب عن هؤلاء ألا وهو: الخطبة، لكن الصلاة ما سقطت عنهم، فهم يصلون جمعة ركعتين.
لكني أنا أتصور أن مشكلتنا هو ما أشرت إليه آنفاً: البعد عن الهدي النبوي، واتباعنا للتقاليد والمراسيم التي أصبحت جزءًا من الدين، وهي ليست من الدين في شيء.
فالخطبة هي موعظة، وليس من الضروري أن الإنسان يحفظ عشرات الآيات وعشرات الأحاديث، وليس من الضروري أن تكون الخطبة أطول من الصلاة،
الصلاة خمس دقائق والخطبة ربع ساعة وثلث ساعة وربع وربما أكثر من ذلك، لا إذا خطب دقيقتين وثلاثة وصلى الصلاة خمس دقائق جزاه الله خيراً وهو فقيه، فهل
стр. 2730
لا يوجد في هذا المجتمع الذي جاء السؤال عليه، لا يوجد إنسان يعظ الناس بموعظة في دقيقة أو دقيقتين ثم ينزل ويصلي بالناس؟
إن لم يوجد ذلك فهذه - مع الأسف- يعني: بشرى سوء، ولكن الصلاة صلاة الجمعة لا تسقط عنهم، فعليهم أن يصلوها وراء هذا الإمام، وهذا الإمام يا تُرَى يحسن أن يصلي إماماً بالناس أم لا؟
أفترض أنه لابد أن يوجد، هذا الإمام هو يخطب الخطبة يجيب له آية أو آيتين من سورة من سورتين، وكفى الله المؤمنين القتال.
فالأمر سهل ولا حرج ولا صعوبة فيه، نعم.
مداخلة: بالنسبة لهذه الصورة حصلت في مسجدنا هنا في مخيم الزرقاء؟
الشيخ: جميل كيف؟
مداخلة: أنا جئت متأخراً.
الشيخ: نعم.
مداخلة: فالإمام يُحسن القراءة وهو يعني: يحفظ شيئاً كثيراً من القرآن، ولكنه لا يعرف أن يعظ الناس أو أن يشرح حديثاً أو أن يفسر آية؟
الشيخ: طيب.
مداخلة: والذي يعرف صعد المنبر، ولكنه وقع في حرج شديد حتى أنني يعني انزعجت من أجله من شدة حرجه؟
الشيخ: يعني: أشفقت عليه؟
مداخلة: أي نعم، أشفقت عليه.
فالسؤال: أنه في مثل هذه الحالة وهو يعني: ربما يستطيع ولكنه يوقع نفسه في حرج شديد جداً، في هذه الحالة هل يصعد المنبر، ويتوكل على الله، ويطلب من الله العون، أو لا يصعد ويصلي بهم الجمعة؟
стр. 2731
الشيخ: جوابي قال ﵇: «إنما الأعمال بالخواتيم» ما كانت خاتمته هذا الإنسان خطب وإلا ما خطب؟
مداخلة: خطب.
الشيخ: خلاص، نعم.
السؤال: هل نفهم من ذلك أن الخطبة واجبة أو ركن؟
الجواب: لا، واجبة، واجبة طبعاً، لو كانت ركناً بطلت الصلاة.
(الهدى والنور / ١٩٠/ ٥٥: ٥٦: ٠٠)
دور خطيب الجمعة الاجتماعي والسياسي
الملقي: بالنسبة للأحداث التي التي تمر الآن، وما نَشُمّه من رائحة المعاهدات الاستسلامية وكذا، ما هو دور إمام مسجد مثلي، الخطيب، من ناحية الموضوعات التي يتناولها؟
الشيخ: الله يكون بعونه، هو أنه يجب يعني أن يكون حكيماً، إن كان لا يستطيع أن يَصْدَع بالحق فلا أقل ألاَّ ينافق، وليتكلم في مسائل يعلم أن الحاضرين بحاجة إليها، وناحية السياسة لا تقرب على حد قول من قال: «ناحية جيبي لا تقرب» هذا بيكون مخرج يعني واضح.
(الهدى والنور / ٤٩٥/ ١٥: ٣٤: ٠٠)
تسليم الخطيب على الحضور يكون من على المنبر
«كان إذا دنا من منبره يوم الجمعة سلم على من عنده من الجلوس، فإذا صعد المنبر استقبل الناس بوجهه، ثم سلم». ضعيف.
[قال الإمام]:
стр. 2732
ومما تقدم تعلم خطأ العلامة صديق حسن خان في كتابه «الموعظة الحسنة»؛ فإنه جزم بنسبة ما تضمنه الحديث من شرعية تسليم الخطيب على الحاضرين لديه، ثم إذا صعد المنبر سلم أيضاً، وإنما صح عنه ﷺ تسليمه عند جلوسه على المنبر، وذلك بمجموع طرقه وعمل الخلفاء به من بعده؛ كما بينته في «الصحيحة» «٢٠٧٦» وانظر تعليقي على هذا الخطأ في رسالتي «الأجوبة النافعة» «ص ٥٠ - الطبعة الأولى».
السلسلة الضعيفة (٩/ ٢٠٦ - ٢٠٧).
حكم تقديم الخطيب لغيره ليؤم الناس في صلاة الجمعة
السائل: هل من محظور من أن يُقَدِّم الخطيب رجلاً آخر يصلي في المصلين؟
الشيخ: كثيرًا ما كنا نرى وفي عاصمة سورية، نرى رجلا يَصْلُح أن يكون خطيبا يأخذ بمجامع قلوب الآخرين، لكنه لا يُحْسِن القراءة.
فنرى أن يخطب هذا ويؤم القارئ كما قال ﵇: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله».
لكن إذا كان الخطيب قد جمع إلى خطابته حُسْن تلاوته، فلا ينبغي أن يُقَدِّم غيره؛ لأن هذا التقديم في الغالب يكون رياءً وسمعةً، ولا يكون لوجه الله ﵎.
أما إن كان لتحقيق المصلحتين: مصلحة خطبة الخطيب؛ لأنه خطيب المسجد ومصلحة تلاوة الموكل بالنيابة عنه أن يصلي؛ لأنه أحق الناس بأن يؤم الناس، فإذا كان لهذا السبب دون ذاك فهو جائز.
(الهدى والنور/٧٦٧/ ٠٣: ٤٣: ٠٠)
стр. 2733
حكم ما يفعله بعض خطباء الجمعة من إمامة الناس بسورة أو آيات تتحدث عن موضوع الخطبة ؟
مداخلة: هناك بعض خطباء المساجد إذا خطب حول موضوع معين تكون قراءته في صلاة الجمعة حول هذا الموضوع الذي خطب حوله، فما حكم ذلك؟
الشيخ: التزام هذا أيضًا إحداث في الدين، أما إذا أحيانًا فعل ذلك من باب التذكير ما في مانع.
(رحلة النور: ٣٠ ب/٠٠: ٠٠: ٥١)
стр. 2734
من أحكام من حضر الجمعة (المستمعين)
стр. 2735
النهي عن الكلام أثناء الخطبة هل هو خاص بمن في المسجد أم عام ؟
السؤال: هل يجوز الكلام للناس يوم الجمعة والخطيب يخطب، أم أنه فقط على من كان في المسجد؟
الشيخ: النهي فقط لمن كان في المسجد، أما الذاهب إلى المسجد فلا يشمله النهي.
(الهدى والنور / ٥٧/ ٢٧: ٤٧: .. )
وجوب الاستماع والإنصات للخطبة وعدم الانشغال عنها
الشيخ: يوم الجمعة لما بيخطب الخطيب بتلاقي بعض المتدروشين ماسك السبحة يعبث بها بزعمه أنه يُسَبِّح، وهو يسمع، فهو مستمع لكنه غير منصت.
ولذلك: جاءت الآية بالأمرين، حتى يتفرغ المستمع لما يسمع من التلاوة بكليته، فلا يُلْزِم نفسه بالذكر الخاص به، ومن ناحية أخرى يقول أنا أسمع؛ لأن هذا السمع لا يفيده، لقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: ٤]، فقال تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ بسبب تَفَهُّمكم وتَدَبُّركم للقرآن الكريم.
(الهدى والنور /٢٥٢/ ٢٥: ٢٣: ٠٠)
(الهدى والنور /٢٥٢/ ٣٧: ٢٤: ٠٠)
سنة الجمعة القبلية ليس لها أصل
سؤال: بالنسبة للسنة التي قبل الجمعة.
الشيخ: هذه ليس لها أصل.
(الهدى والنور/٢٥٣/ ٢١: ٢٣: ٠٠)