Полный текст (8 195 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.
стр. 2836
مشروعية الجهر بالتكبير في الطريق حتى يأتي المصلى في العيد
[قال رسول الله ﷺ ]: «كان ﷺ يخرج يوم الفطر فيكبر حتى يأتى المصلى، وحتى يقضي الصلاة، فإذا قضى الصلاة قطع التكبير».
[قال الإمام]: وفي الحديث دليل على مشروعية ما جرى عليه عمل المسلمين من التكبير جهرا في الطريق إلى المصلى، وإن كان كثير منهم بدأوا يتساهلون بهذه السنة حتى كادت أن تصبح في خبر كان، وذلك لضعف الوازع الديني منهم، وخجلهم من الصدع بالسنة والجهر بها، ومن المؤسف أن فيهم من يتولى إرشاد الناس وتعليمهم، فكأن الإرشاد عندهم محصور بتعليم الناس ما يعلمون! ، وأما ما هم بأمس الحاجة إلى معرفته، فذلك مما لا يلتفتون إليه، بل يعتبرون البحث فيه والتذكير به قولا وعملا من الأمور التافهة التي لا يحسن العناية بها عملا وتعليما، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
السلسلة الصحيحة (١/ ١/ ٣٢٩، ٣٣١).
الجهر بالتكبير في العيد لا يشرع فيه الاجتماع عليه بالصوت
«كان ﷺ يخرج يوم الفطر فيكبر حتى يأتي المصلى، وحتى يقضي الصلاة، فإذا قضى الصلاة قطع التكبير».
[قال الإمام]: ومما يحسن التذكير به بهذه المناسبة، أن الجهر بالتكبير هنا لا يشرع فيه الاجتماع عليه بصوت واحد كما يفعله البعض وكذلك كل ذكر يشرع فيه رفع الصوت أو لا يشرع، فلا يشرع فيه الاجتماع المذكور، ومثله الأذان من الجماعة المعروف في دمشق بـ «أذان الجوق»، وكثيرا ما يكون هذا الاجتماع سببا لقطع الكلمة أو الجملة في مكان لا يجوز الوقف عنده، مثل «لا إله» في تهليل فرض الصبح والمغرب، كما سمعنا ذلك مرارا. فنكن في حذر من ذلك ولنذكر دائما قوله ﷺ : «وخير الهدي هدي محمد».
السلسلة الصحيحة (١/ ١/ ٣٢٩، ٣٣١).
стр. 2837
السنة في التكبير في العيد
مداخلة: سؤال متعلق بيوم العيد: يقول السائل: ما هي السنة في التكبير في العيد، متى تبدأ ومتى تنتهي، وما هي صيغة التكبير، وما حكم رفع الصوت بها في المسجد، واجتماع المصلين على ذلك، وما هي السنة في حَقّ الخطيب، وهل تُفْتَتَح خطبته بالتكبير، وهل يتخطى الخطيب الرجال إلى النساء لِيَخُصّهن بموعظة، وما حكم زيارة القبور يوم العيد؟
الشيخ: ما شاء الله هذه أسئلة تحتاج إلى محاضرة، هات الآن سؤالاً قبل سؤال.
مداخلة: ما هي السنة في التكبير في العيد .. متى تبدأ ومتى تنتهي، وما هي صيغته؟
الشيخ: عيدنا هذا يبدأ من بعد صلاة الفجر، علماً أن هذا ليس له نَصّ وإنما جرى عليه العمل من قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
أي: هذا يوم إفطاركم.
ولذلك يُسَنّ للمسلم غداً إن كان عيداً أو بعد غد، أن يخرج من داره وقد أفطر على تمرات، لا بد قبل أن يذهب إلى المصلى أن يُؤَكِّد إفطاره بتمرات؛ وذلك فيه معنىً جميل: أن المسلم كما أنه أمسك عن الطعام طاعةً لله ﵎، فهو يستجيب لرخصته، فهو يُفْطِر على تمرات قبل أن ينطلق إلى المسجد بل إلى المصلى كما هي السنة.
ثم في انطلاقه من داره إلى المسجد أو إلى المصلى يُسَنّ في حقه أن يُكَبِّر، والتكبير هنا شعيرة من شعائر العيد، فيُسْتَحَبّ للمُكَبِّر أن يرفع صوته ما بين داره وما بين مصلاه، ولكن لا يُسَنّ الاجتماع على التكبير إذا كانوا جماعةً يمشون مع بعض مثلاً، أو كانوا راكبين سيارةً، فلا يُشْرَع لهم أن يتقصدوا التكبير بصوت واحد، وإنما كما
стр. 2838
هو الشأن في الحج، فكل واحد يُكَبِّر لنفسه، فإذا التقى صوتان أو أكثر من ذلك ومشوا مع بعض فلا بأس من ذلك، ولكن لا ينبغي أن يَتَقَصَّدوا أن يُكَبِّروا الله جماعةً بصوت واحد.
ثم يستمر المُنْطَلِق إلى المُصَلَّى في تكبيره حتى يجلس فيه، فإذا جلس فَيَظَلّ هناك يُكَبِّر حتى يأتي الإمام.
والإمام حينما يدخل المصلى ويفتتح خطبته فليس يُسَنّ له في خطبته شيء يختص بخطبة العيد، خلافاً لما جرى عليه كثير من الخطباء، حيث يفتتحون خطبتهم بالتكبير.
فإنّ افتتاح خطبة العيد بالتكبير ليس له أصل في السنة مطلقاً، وكل ما جاء في الموضوع إنما هو ما روى ابن ماجه في «سننه»: «أن النبي ﷺ كان يُكَبِّر في تضاعيف خُطْبَة العيد» أي: في أثناء الخطبة، يُدْخِل في خطبته التكبير، وهذا لا يعني بداهةً أنه كان يفتتح خطبته بالتكبير.
ومع ذلك: فهذا الحديث الذي نقلتُه لكم آنفاً من «سنن ابن ماجه» إسناده ضعيف لا تقوم به الحجة.
وإذا تَبَيَّنت هذه الحقيقة: فالذي يُشْرَع لخطيب العيد هو الذي يُشْرَع لخطيب الجمعة ولكل خطيب، وهو أن يفتتح خُطبته بما كان رسول الله ﷺ يفتتح خُطَبَه بقوله ﷺ : «إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره .. » إلى آخر الخطبة المعروفة، والتي أحياها والحمد لله كثير من إخواننا أهل السنة، حيث يفتتحون خطبة الجمعة بهذه الافتتاحية، هي نفسها التي تُشْرَع في صلاة العيد لا شيء سواها.
والخطبة التي يلقيها الخطيب يوم العيد ينبغي أن يُرَاعي فيها مقتضيات المجتمع الذي يعيش فيه، فينصح ويُذَكِّر فليس لخطبة العيد نظاماً مُعَيَّناً على الخطيب أن يلتزمه، فما قيل: «أهل مكة أدرى بشعابها» فهو عليه أن يُلاحظ ما أهل تلك المنطقة بحاجة أن يُذَكِّروا به أو أن يُعَلَّموا.
(الهدى والنور / ٣١٩/ ١٠: ٠٥: ٠٠)
стр. 2839
حكم التزام التكبير في عيد الأضحى بعد الصلوات فقط
السؤال: التكبير في صلاة العيد، عندي حتى بعد الصلاة ما في تكبير في المسجد، أنا منعت التكبير؛ لكي لا يقتتلوا مع بعضهم بعضاً، .. هناك في روايات أُثِر أنه يجوز التكبير في العيدين، لكن أمنع هذا التكبير حتى يُطَبِّقوا السنة ... خارج المسجد.
الشيخ: الذي أعرفه أن التكبير في العيدين يختلف أحدهما عن الآخر، التكبير في عيد الفطر ينتهي بالصلاة، أما التكبير في عيد الأضحى فأيام العيد الأربع موضع للتكبير.
ثم هذا التكبير: السنة فيه خلاف السنة الغالبة في الأذكار، حيث أن السنة الغالبة في الأذكار هو الإسرار وليس الإجهار، ولكن هناك مواطن استُثْنيت فيها هذه السنة، فجُعِل الإجهار فيها هو الشرع.
من هذا القبيل تكبيرات العيدين، مع بيان التفريق الذي ذكرته آنفاً.
المقصود التكبير في عيد الأضحى في كل أيام العيد الأربعة، وجهراً وليس سراً، ولكن ليس من السنة تخصيص دُبُر الصلوات بتكبير العيد، وإنما كل ساعة من ساعات أيام العيد الأربعة يُشْرَع فيها الجهر بالتكبير.
أما التخصيص بِدُبُر الصلاة، فهذا الذي ليس له أصل.
وحينذاك: لا ينبغي نحن أن نُعَالج الداء بالداء، أي: إذا كان النساء التزموا التكبير وجهراً دبر الصلوات، وأن هذا ليس له أصل في السنة، فنحن ما ننهاهم؛ لأنهم التزموا، وإنما ننهاهم لأنهم أعرضوا عن التكبير كل الأوقات، وخَصَّصوا هذا الوقت الذي هو دبر الصلاة بالتكبير، هذا التخصيص هو الذي ليس له أصل، فنقول لهم: كَبِّروا واجهروا بالتكبير في كل أيام العيد قبل الصلاة، بعد الصلاة، بين الصلوات، ليلاً نهاراً .. وهكذا.
стр. 2840
هذا هو الجواب عما سألت.
مداخلة: يجوز هنا حتى قبل الإقامة في الصلاة أن يُكَبِّر؟
الشيخ: كل الأوقات بدون التزام شيء معين، كل الأوقات؛ لأن هذه ظاهرة إسلامية نادرة في كل أيام السنة، فكل ذِكْر يُتَّبع فيه ما ورد سراً سراً، جهراً جهراً.
مثلاً: التلبية في الحج وبالعمرة السنة فيها هو رفع الصوت، وليس فقط رفع الصوت، بل والمبالغة في رفع الصوت.
ولذلك جاء في بعض الأحاديث الصحيحة أن الصحابة رضوان الله عليهم حينما حَجُّوا مع النبي ﷺ كما يقول أنس بن مالك، كانوا يصرخون بالتلبية صراخاً، حتى في رواية أخرى: «بُحَّت أصواتهم حينما وصلوا إلى الروحاء» هذا خلاف الأصل.
الأصل في الأذكار كلها هو الإسرار والخفض، لكن التلبية في الحج وكذلك التكبير في العيد خلاف هذا الأصل؛ ولذلك جاء فيما يتعلق بالتلبية في الحج حينما سئل النبي ﷺ عن أفضل الحج قال: «أفضل الحج الثّج والعج» الثج: هو الذبح والنحر، والعج: هو العجيج، هو رفع الصوت في التلبية.
ثم والشيء بالشيء يذكر كما يقال، أُلْفِت النظر أن التلبية لا يُقْتَصر عليها فقط في الحج أو العُمرة، بل فقد كانوا أيضاً يُهَلِّلون، فأيضاً: إذا هَلّلوا بالحج فإنما يرفعون أصواتهم، هذا خاص بالحج ومثله العمرة.
وأنه قد جاء في الصحيحين من رواية أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ كان قافلاً من سفر له، فكان أصحابه كلما علوا شرفاً رفعوا أصواتهم، وإذا هبطوا وادياً رفعوا أصواتهم، فقال لهم ﵊: «يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم، إن من تدعون ليس بأصمَّ ولا غائبٍ، إن من تدعون أقرب إلى أحدكم من عُنُق راحلته إليه، إنما تدعون سميعاً بصيراً».
فالشاهد: أنه ﵇ أنكر عليهم في هذا السفر رفعَهم أصواتهم بالتسبيح
стр. 2841
والتكبير، التسبيح إذا هبطوا وادياً، والتكبير إذا عَلوا شرفاً، يُلْفِت نظرَهم إلى أن الأصل هو عدم الرفع، ويقول: «ارفقوا بأنفسكم، اربعوا بأنفسكم، إن من تدعون ليس بأصمّ ولا غائب» .. إلى آخر الحديث، فهل يُطَبَّق هذا الأصل في ذاك الفرع، وهو التلبية جهراً والتهليل جهراً في الحج والعمرة؟
الجواب: لا، هذا هو مقتضى الاتِّباع الخالص السليم من كل شوائب الشرك في الرسالة، تماماً كما نصلي الصلوات الخمس بعضها جهرًا وبعضها سرًا وجهرًا، أو جهرًا وسرًا، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
هكذا علمنا، وهكذا وصلنا، فما علينا إلا الاتباع، ولذلك قيل:
وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف
(الهدى والنور /٦١٨/ ٠٩: ٠٨: ٠٠)
حكم التكبير المُقَيَّد بعد الصلوات، وهل يُقَدمه الإنسان على الأذكار المشروعة أم يبدأ بالأذكار أولاً ؟
السائل: حكم التكبير المُقَيَّد بعد الصلوات، وهل يُقَدمه الإنسان على الأذكار المشروعة أم يبدأ بالأذكار أولاً؟
الشيخ: ليس -فيما نعلم- التكبير المعتاد دبر الصلوات في أيام العيد ليس له وقت محدود في السنة، وإنما التكبير هو من شعار هذه الأيام «بل أعتقد أن تقييدها بدبر الصلوات أمر حادث لم يكن في عهد النبي ﷺ »، فلذلك يكون الجواب البدهي: أن تقديم الأذكار المعروفة دُبُر الصلوات هو السّنة، أما التكبير فيجوز له في كل وقت.
(الهدى والنور / ٣٩٢/ ٢٧: ٤٦: ٠٠)
стр. 2842
هل يقيد التكبير بأيام التشريق بما بعد الصلوات
مداخلة: هل يقيد التكبير بأيام التشريق بما بعد الصلوات؟
الشيخ: لا، لا يُقَيَّد بل تقييده من البدع، إنما التكبير بكل وقت من أيام التشريق.
مداخلة: وأيام العشر؟
الشيخ: وأيام العشر كذلك.
(الهدى والنور /٤١٠/ ١٢: ٣٦: ٠٠)
стр. 2843
متفرقات من أحكام العيد
стр. 2844
زيارة القبور يوم العيد
مداخلة: يقول: ما حكم زيارة القبور يوم العيد؟
الشيخ: حكم زيارة القبور يوم العيد كحكم زيارتها يوم عيد الجمعة، هل من قائل: بأنه يستحب زيارة القبور يوم الجمعة؟ الجواب: لا، كل ما في الأمر أن الناس اعتادوا عادةً وتَوَهَّموها سنةً وهي البدعة بعينها؛ ذلك لأن من القواعد الشرعية التي يستفيدها طالب العلم من عموم أدلة الكتاب والسنة، أن هذه الأدلة ما كان منها مطلقاً وجب إجراؤها على إطلاقها، ولا يجوز تخصيصها إلا بدليل مُخَصَّص، ولا يجوز تقييد ما جاء مطلقاً من النصوص إلا إذا جاء ما يُقيده، وعلى العكس من ذلك: إذا جاء نص مُقَيَّد بصفة أو بكيفية أو بعدد، فلا يجوز فك هذا القيد عنه وإطلاقه، كل هذا مخالفة للنصوص.
ولما كانت أدلة الأمر بزيارة القبور مطلقةً، كمثل الحديث المشهور من قوله ﵊: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فإنها تُذَكِّركم الآخرة» قوله ﵇: «ألا فزوروها» في هذا الحديث، وفي غيره أيضاً مطلق، فينبغي إجراؤه على إطلاقه، ولا يجوز تقييده بزمن لم يأت تقييده به في الشرع ولا بصفة ولا بكيفية.
فإذا كان الأمر كذلك: كان تخصيص العيدين بزيارة القبور يكون من باب تقييد المطلق بغير نَصّ شرعي، وهذا اعتداء على الشارع الحكيم، ويُخْشَى على من يفعل ذلك أن يدخل في إنكار رَبِّنا ﵎ على المشركين بقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١].
فإذاً: لا يجوز زيارة القبور يوم العيد خاصةً.
(الهدى والنور / ٣١٩/ ٤٧: ١٧: ٠٠)
стр. 2845
الاحتفال بالعيد
مداخلة: ... كيف يمكن نحتفل بالعيد مثلاً؟ أُذَكِّرك إن شاء الله في حديث الأحباش وحديث عائشة عندما دخل عليها الرسول ﷺ وبين يديها جاريتان، وكانتا تغنيان ...
الشيخ: نعم، الاحتفال بالعيد أولاً: تعبيرًا ليس إسلامياً، ليس هناك احتفال، أيضاً هذا أمر دخيل في الإسلام، إنما هناك عيد كما قال ﵇ لأبي بكر في القصة التي أشرت إليها: (دعهما يا أبا بكر؛ فإن لكل قوم عيداً وهذا عيدنا).
فالمسلمون قبل كل شيء يهتمون بأداء صلاة العيد في المصلى إذا تَمَكَّنوا من ذلك، وإذا لم يتمكنوا في المسجد على حسب ما تَيَسَّر لهم.
أما الأشياء المباحة فهي مباحة في كل زمان وفي كل مكان، وإنما ربنا بحكمته البالغة أباح الضرب على الدف فقط، لا شيء سواه في العرس وفي يوم العيد.
أما هذا ليس معناه أن نعمل احتفالات كما يفعل الأوروبيون أو كما شاهدناه في الساحات والمجالس العامة، يأتون بالموسيقى وبالبوق ونحو ذلك، ويرقصون ويطربون و .. و .. إلى أخره، لا شيء من ذلك بالإسلام.
هذه الإباحة التي أباحها الرسول ﵇ هي إباحة فردية، كما رأيت أو قرأت في حديث الجاريتين الرسول ما احتفل، أبو بكر ما احتفل، وعمر ما احتفل، إذا أردنا أن نستعمل هذه الكلمة كلمة الاحتفال، وإنما إذا أرادت طفلة جارية صغيرة أن تضرب على الدف، والدف فقط لا شيء سواه، لا يجوز على الكبار أن يُنْكروا ذلك، هذا الذي وقع، وهذا الذي يُقَرّ، ولا يجوز أن يُنْكر، أما أن نبني على ذلك علالي وقصورًا، واحتفالات وموسيقى ونحو ذلك، فهذا تَوَسُّع غير مشروع باتفاق العلماء.
(الهدى والنور/٣٢٢/ ١١: ٢٥: ٠٠)
стр. 2846
حول ما ورد في الآثار من قولهم: تقبل الله منا ومنك في العيد
[قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]:
وفي استحباب التهنئة بالعيد قوله: «عن جبير بن نفير قال: كان أصحاب النبي ﷺ إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض: تقبل الله منا ومنك. قال الحافظ: إسناده حسن».
قلت: المراد بـ «الحافظ» عند الإطلاق ابن حجر العسقلاني ولم أقف على هذا التحسين في شيء من كتبه وإنما وجدته للحافظ السيوطي في رسالته: «وصول الأماني في أصول التهاني» ص ١٠٩ من الجزء الأول من «الحاوي للفتاوي» وقد عزاه لزاهر بن طاهر في «كتاب تحفة عيد الفطر» وأبي أحمد الفرضي.
ورواه المحاملي في «كتاب صلاة العيدين» ٢/ ١٢٩ / ٢ بإسناد رجاله كلهم ثقات رجال «التهذيب» غير شيخه المهنى بن يحيى وهو ثقة نبيل كما قال الدارقطني وهو مترجم في «تاريخ بغداد» ١٣/ ٢٦٦ - ٢٦٨ فالإسناد صحيح لكن خالفه حاجب بن الوليد في إسناده فلم يرفعه إلى أصحاب النبي ﷺ .
فقال: حدثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي عن صفوان بن عمرو السكسكي قال: «سمعت عبد الله بن بسرو عبد الرحمن بن عائذ وجبير بن نفير وخالد بن معدان يقال لهم في أيام الأعياد: تقبل الله منا ومنكم. ويقولون ذلك لغيرهم».
أخرجه أبو القاسم الأصبهاني في كتابه «الترغيب والترهيب» ق ٤١/ ٢ - ٤٢/ ١.
فإن صح السند بهذا إلى الحاجب فإن في الطريق إليه من يحتاج إلى الكشف عن حاله فلعل مبشر بن إسماعيل حدث بهذا وهذا وبخاصة أن عبد الله بن بسر هذا - وهو المازني - صحابي صغير ولأبيه صحبة فيبعد أن يقول هو والتابعون المذكورون معه شيئا دون أن يتلقوه عن الصحابة فتكون الروايتان صحيحتين فالصحابة فعلوا ذلك فاتبعهم عليه التابعون المذكورون. والله أعلم.
стр. 2847
ويؤيد الرواية الأولى ما ذكره ابن التركماني في «الجوهر النقي» ٣/ ٣٢٠ من رواية محمد بن زياد قال: كنت مع أبي أمامة الباهلي وغيره من أصحاب النبي ﷺ فكانوا إذا رجعوا يقول بعضهم لبعض: تقبل الله منا ومنك. قال أحمد بن حنبل: إسناده جيد.
ولم يذكر من رواه وقد عزاه السيوطي لزاهر أيضا بسند حسن عن محمد بن زياد الألهاني قال: رأيت أبا أمامة الباهلي يقول في العيد لأصحابه: تقبل الله منا ومنكم.
ثم كتب بعض إخواننا الطلاب تعليقا على نفيي المتقدم فقال: بل قال الحافظ في «الفتح» ٢/ ٤٤٦: «وروينا في المحامليات بإسناد حسن عن جبير بن نفير ... ». ثم ذكره.
[تمام المنة ص (٣٥٤)]
حكم التهنئة بالعيد بقولهم: كل عام وأنتم بخير
أحد الحضور سَلَّم على الشيخ وقال: كل عام وأنتم بخير.
فقال الشيخ: هذه التتمة لا أصل لها، فحسبك «تقبل الله تعالى».
كل عام وأنتم بخير، هذه تحية الكفار، صارت إلينا نحن المسلمين في غفلة منا، ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥].
(الهدى والنور/٣٢٣/ ٣٦: ٥٩: ٠٠)
стр. 2848
كتاب الجمع بين الصلاتين
стр. 2849
الجمع بين الصلاتين حقيقي لا صوري
стр. 2850
أدلة الجمع الحقيقي بين الصلاتين
السائل: مسألة الجمع بين الصلاتين بدي أعرف الأدلة.
الشيخ: نحن تَعَرَّضنا لهذه المسألة أكثر من مرة، وأظن عنده تساجيل كثيرة وكثيرة جداً، وكما اعتدنا بالإجابة على السؤال السابق؛ نقول بإيجاز: إن الجمع إما في السفر وإما في الحضر؛ الجمع في السفر: في هناك أحاديث صريحة على وجهين اثنين، منها ما يتعلق بجمع التقديم وهذا لا يتصور فيه الجمع الصوري، جمع التقديم لا يتصور فيه الجمع الصوري.
والجمع الآخر هو: جمع التأخير، في «صحيح مسلم» من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ جمع في السفر؛ أخَّر الظهر إلى أول وقت العصر وجمع بين الظهر والعصر؛ فهذا نص صريح وصحيح في الجمع الحقيقي، هذا في السفر.
في الحضر لا يتصور الجمع جماعة إلا في حالة المطر أو ما يقوم مقام المطر، ولا أريد الآن التوسع كما أشرت آنفاً، هناك تسجيلات كثيرة، الجمع في وقت المطر لا يتصور إلا أن يكون جمع تقديم؛ لأنه إذا صلوا وقت الظهر ولم يكن هناك مطر فقد قاموا بالواجب من أداء الصلاة في وقتها، وإذا نزل المطر في وقت العصر فلا يبقى هناك مجال للجمع بين العصر والمغرب، فإذا نزل المطر في وقت الظهر هنا لا يمكن الجمع إلا جمع تقديم، وإذا نظرنا نحن إلى أمرين اثنين؛ أحدهما: ما يتعلق بحديث ابن عباس الذي هو في الصحيح، وهو قوله ﵄: «جمع رسول الله ﷺ في المدينة بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بغير سفر ولا مطر، بغير سفر ولا مطر، قالوا: ماذا أراد بذلك يا أبا العباس؟ قال: أراد ألا يحرج أمته» فلما ذكر ابن عباس في هذا الحديث أن النبي ﷺ جمع في الإقامة في المدينة دون عذر السفر ودون عذر المطر معنى ذلك أنه كان معهود عندهم الجمع بسبب المطر كما هو معهود عندهم الجمع بسبب السفر فالجمع بسبب المطر لا يمكن إلا أن يكون الجمع تقديم ولذلك على هذا الأمر الأول ولذلك تتابعت الآثار عن كثير من السلف الصالح
стр. 2851
أنهم كانوا يجمعون للمطر والجمع للمطر لا يحتمل إطلاقاً جمع صوري، وإنما هو الجمع الحقيقي، لكي يحظى الجامعون بين الصلاتين بفضيلة صلاة الجماعة الأولى والثانية التي قدمت إلى وقت الصلاة الأولى، هذا موجز ما ذكرناه أكثر من مرة.
(الهدى والنور / ٥٦٣/ ٥٧: ٣٧: ٠٠)
الرد على من يقول بالجمع الصوري دون الحقيقي
الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:
فقد كنا نتكلم قبيل أذان المغرب في جوابي عن سؤال طرح علي يتعلق بحديث الجمع بين الصلاتين في الحضر، وجرى الحديث سجالاً وانتهى إلى أنني ذَكَّرْتُ السائل بحديث ابن عباس الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عنه رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ جمع في المدينة بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء سبعاً دون سفر ولا مطر، وفي رواية بدل المطر الخوف، قالوا: يا أبا العباس! وهي كنية عبد الله بن عباس .. يا أبا العباس! ماذا أراد بذلك، أي: ماذا أراد رسول الله ﷺ بهذا الجمع الذي رويته لنا عنه؟ قال: أراد ألا يحرج أمته.
وكنت تكلمت قبل ذكري وروايتي لهذا الحديث حول الجمع الذي جاء في السنة، وذكرت ما خلاصته: أنه نوعان أحدهما: جمع مطلق ليس فيه بيان نوعية هذا الجمع، والجمع الآخر فيه بيان أنه جمع حقيقي يقابل هذا الجمع الذي هو النوع الثاني ولا ثالث لهما، نوع يذهب إليه علماء الحنفية بخاصة وبعض الزيدية بعامة إلى أنه جمع صوري، أما الحنفية فيذهبون إلى معارضة كل الأحاديث التي جاءت من النوع الثاني الذي هو الجمع الحقيقي، وهو كما جاء في صحيح مسلم من حديث
стр. 2852
أنس رضي الله تعالى عنه: «أن النبي ﷺ جمع في السفر بين الظهر والعصر، أخر الظهر إلى أول وقت العصر» هذا هو الجمع الحقيقي، أي: أنه أخر صلاة الظهر حتى دخل أول وقت العصر فصلى الظهر ثم صلى العصر، هذا الجمع الحقيقي، ثم قال أنس ﵁: «ثم صلى رسول الله ﷺ المغرب والعشاء جمعاً أخر المغرب إلى أول صلاة العشاء فجمع بينهما - جمعاً حقيقياً - لوقت الأخرى منهما» هذا حديث رواه الإمام مسلم في صحيحه كما ذكرنا.
أما الجمع الثالث الذي يسمى بالجمع الصوري وهو نستطيع أن نقول: إنه صوري لا حقيقة له ولا وجود له إلا في أذهان بعض المتأولين لبعض الأحاديث وأبعد الناس عن هذه الأحاديث هم الحنفية الذين ينكرون شرعية الجمع الحقيقي في السفر اللهم إلا في عرفة وفي مزدلفة فقط ويتأولون كل الأحاديث التي جاءت بالجمع تأويل الجمع الصوري، ويعنون بذلك: أن النبي ﷺ كان إذا جمع في السفر أخر الصلاة الأولى كالظهر مثلاً مع العصر إلى قبيل وقت العصر وإلى آخر وقت الظهر، فما يكاد يصلي الظهر إلا ويكون دخل وقت العصر، وهكذا المغرب مع العشاء.
هذا الجمع الصوري لا نجد له حقيقةً صريحة في كل الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ أنه جمع بين الصلوات، وكما قلت آنفاً: إنما هما قسمان:
أحاديث تقول جمع رسول الله وليس بيان صورة هذا الجمع.
والأحاديث الأخرى تبين حقيقة هذا الجمع بعضها جمع تأخير كما سبق ذكره في حديث أنس، وبعضها جمع تقديم كما في حديث معاذ بن جبل ﵁ الذي أخرجه الإمام مالك في موطئه وأبو داود في سننه أن النبي ﷺ نزل في غزوة تبوك فلما حضرت صلاة الظهر أمر بالأذان فأذن ثم خرج فصلى الظهر ثم صلى العصر مع الظهر فهذا جمع تقديم، قدم صلاة العصر إلى وقت صلاة الظهر وجمع بينهما في وقت صلاة الظهر، هذا جمع حقيقي وجمع تقديم، ثم كذلك فعل ﵊ في صلاة المغرب وصلاة العشاء جمعهما أيضاً وهو نازل في رجوعه من تبوك، هذا
стр. 2853
أيضاً جمع تقديم.
فإذاً: الجمع الثابت في السنة إما جمعاً مطلقاً وإما جمعاً مقيداً، وهذا قسمان: جمع تأخير وجمع تقديم، فكلما جاءنا حديث فيه أن النبي ﷺ وجب علينا أن نحمله على الجمع المعروف الثابت في الأذان، وعند أهل العلم بطبيعة الحال وإذ لم يكن هناك إلا الجمع الحقيقة على الوجهين المذكورين آنفاً تقديماً وتأخيراً فحينما يأتينا حديث فيه أن النبي ﷺ جمع وليس فيه بيان نوعية هذا الجمع كحديث ابن عباس الذي ذكرته آنفاً وجب حينذاك على كل فقيه أن يفسر هذا الجمع بالتفسير المعروف في السنة وليس في التفسير القائم في بعض الأذهان والذي لا حقيقة له في الواقع ألا وهو الجمع الصوري.
وكان قد انتهى حديثي حينما أذن لصلاة المغرب أنني لما رويت حديث ابن عباس هذا قلت: إن هذا الحديث يصرح فيه راويه بالسبب الذي جمع النبي ﷺ في المدينة مقيماً غير مسافر حيث سئل ابن عباس كما سمعتم عن سبب الجمع؛ لأن المعهود أن الجمع إنما هو في السفر، فما بال الرسول ﵇ جمع وهو مقيم في المدينة، كان جوابه: يبطل الجمع الصوري إبطالاً لا جواب عليه حيث قال: أراد ألا يحرج أمته.
فقوله هذا فيه تصريح أن الجمع لم يكن جمعاً صورياً وأن الحقيقة لو أراد الإنسان أن يجمع بين الصلاتين صلاة الظهر مع العصر .. المغرب مع العشاء إذا تربص وترقب نهاية الوقت الأول وقت الظهر فيصلي الظهر وما يكاد ينتهي من هذه الصلاة إلا يكون دخل وقت العصر هذا ليس فيه رفع للحرج بل فيه تأكيد الحرج بينما المقصود من الجمع وبخاصة إذا كان في السفر فهو تيسير على الناس؛ لأنهم يحتاجون كثيراً إلى أن يضموا صلاة إلى أخرى، فلما كان الحديث هذا يصرح؛ لأن النبي ﷺ إنما جمع لرفع الحرج فهذا التعبير إنما يؤكد أن الجمع كان جمعاً حقيقياً بين صلاتين في وقت إحداهما، فلا وجه لحمل هذا الحديث كما فعل بعض المتأخرين من العلماء المحققين أنه حمله على الجمع الصوري فهذا الجمع الصوري لا نجد له
стр. 2854
أصلاً في شيء من أحاديث الرسول ﵇ وإن كان ظن ذلك بعض الرواة كما جاء ذلك في صحيح البخاري أنه قيل لأبي الشعثاء أنا أرى أنه أخر الأولى إلى الأخرى فقال: وأنا أظن ذلك .. هذا ظني لا يسمن ولا يغني من جوع، ولكننا إذا درسنا حديث ابن عباس الذي أخرجه مسلم كما سبق بهذه الدقة والملاحظة عرفنا حينذاك أن الجمع الذي جمعه الرسول ﵇ أراد ألا يحرج أمته بهذا التسهيل وبهذا الشرع الذي جاء به من رب العالمين ليرفع الحرج عن بعض الناس سواء كانوا جماعة في مسجد، أو كانوا فرادى كل في عمله أو في داره أو ما شابه ذلك إذا وجد حرجاً حينذاك وجود الحرج ينفي الفرضية التي نعهدها من المحافظة على الصلاة التي جاء الأمر بها لقوله ﵎: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
فكما أن النبي ﷺ بين بقوله وبفعله أن هذا التوقيت الذي أشار إليه رب العالمين هي خمس صلوات كل صلاة تصلى في وقتها، كذلك أضاف إلى ذلك بياناً ثانياً فأباح الجمع في السفر سواء كان جمع تقديم أو تأخير ثم أخيراً بين للناس أنه يجوز للمقيم أن يجمع بين الصلاتين جمعاً حقيقاً وليس ترخصاً، وهذا هو الفرق بين الجمع في حالة الإقامة وبين الجمع في حالة السفر لا يتوهمن أحد أنه يجوز للمقيم على هواه .. على كيفه وعلى رأيه سواء كان هناك في المحافظة على التوقيت المشروع أصله حرج أو لم يكن في المحافظة حرج، ليس الأمر كذلك بل حديث ابن عباس يفيدنا فائدتين سبق ذكرهما آنفاً وهي أن الجمع كان حقيقياً.
والفائدة الأخرى وهذه التي أردت أن أختم الحديث الذي بدأته قبل صلاة المغرب بالتنبيه عليها؛ لأنني أعرف من تجربتي الخاصة أن كثيراً ممن يتبعون السنة ويتعصبون للحديث دون تعصب للأئمة وهذا واجب على كل مسلم يعرف السنة، أعرف من هؤلاء من يذهب إلى أن الجمع في حالة الإقامة حكمه كالجمع في حالة السفر.
الجواب: لا؛ لأن الجمع في حالة السفر رخصة لا يلاحظ فيها رفع الحرج،
стр. 2855
بمعنى: لو أن مسافراً أقام إقامة مؤقتة في منزل له سواء كان منزلاً تحت خيمة أو منزل مدر وحجر فهو لا يزال في حكم السفر فأراد أن يترخص فيجمع بين الصلاتين فله ذلك ولو لم يكن ثمة حرج ما فيما إذا حافظ على أداء كل صلاة في وقتها، هذا المسافر، أما المقيم فليس له أن يجمع إلا إذا وجد حرجاً ما إذا حافظ إلى أداء الصلاة في وقتها فحينذاك يجوز له هذا الجمع الحقيقي.
لهذا نماذج ووقائع كثيرة وكثيرة جداً وأحسن صورة يمكن عرضها من كان له وظيفة كأن يكون مثلاً شرطياً أو جندياً أو حارساً أو ما شابه ذلك فلا يستطيع أن يؤدي كل صلاة في وقتها؛ لأنه مكلف بأداء هذه الوظيفة التي لا يستطيع أن يتساهل بها أو يحيد عن القيام بها حينئذٍ ينظر أي الجمعين هو يرفع الحرج عنه يأتيه، إن كانت أدركته مثلاً صلاة الظهر وهو خارج الوظيفة ثم يعلم أن الوظيفة سيستلمها قبل صلاة العصر وهو لا يستطيع أن يصلي هذه الصلاة؛ لأنه مقيد بهذه الوظيفة فحينئذٍ يجد الحرج ماذا يفعل بهذه الصلاة؟ فإذاً: هو يخفف لنفسه فيجمع في مثل هذه الصورة جمع تقديم .. يصلي الظهر في المسجد ثم يضيف إليها صلاة العصر فإذا ذهب إلى عمله كان بريء الذمة مرتاح الفؤاد والبال، والعكس بالعكس من كان في وظيفته في وقت صلاة الظهر ولكنه يعلم أنه سيصبح طليقاً من عمله بعد الظهر بمدة فينوي أن يؤخر صلاة الظهر إلى وقت صلاة العصر فلا يصلي العصر إلى بعيد فراغه من صلاة الظهر في وقت العصر، هذا ما أردت التذكير به بمناسبة ذلك الحديث الذي بدأته قبل صلاة المغرب.
مداخلة: ينطبق على كل الوظائف أو في وظائف معينة يعني؟
الشيخ: أنا أظن أن جوابي كان واضحاً .. ليس كل الوظائف؛ لأن هناك وظائف الإنسان يخرج بلا مبالاة من وظيفته ويلتقي مع صاحبه خارج الدائرة وإلى آخره فبالأولى أن يستطيع أن يخرج لأداء الصلاة في وقتها، لكني أكدت فيما إذا كان عليه وظيفة لا يستطيع أن يحيد عنها، وكررت هذه الكلمة، في هذه الحالة يجوز له أن يجمع هذا الجمع دفعاً للحرج الذي ذكرناه آنفاً، أما سائر الموظفين فعليهم فرض
стр. 2856
لازم أن يحافظوا على أداء الصلاة .. على أداء الصلوات في أوقاتها ومع الجماعة وفي المسجد وليس في مصلى أو في أي مكان آخر.
مداخلة: هل يوجد ضرر في حالة السفر فصليت قصراً وجمعاً، ثم بعد هذه الصلاة حدث لي حادث ماذا أفعل في هذا؟
الشيخ: حدث لك حادث.
مداخلة: نعم، بعد أن قصرت وجمعت بين مغرب وعشاء.
الشيخ: طيب! ما هو السؤال؟
مداخلة: ماذا تصنع في هذه؟ فلم أسافر بعد القصر والجمع ما سافرت.
الشيخ: المهم أنك حينما جمعت كنت مسافراً.
مداخلة: نعم، موعد سفر.
الشيخ: كنت مسافراً؟ !
مداخلة: يعني نوى السفر.
الشيخ: لا، هنا واحد يعمل تشويش على الكلام، يقول: نوى السفر، فلربما تكون هذه رمية من غير رام، صحيح أنك أنت نويت السفر وما باشرت السفر؟
مداخلة: نويت السفر وصليت على هذا السفر، بعد الصلاة ..
الشيخ: اسمع يا أخي الله يهديك! افهمني وأجبني هن سؤالي: هنا صورتان: إنسان عزم على السفر جمع عفشه وأمتعته ووضعها في السيارة وقبل أن يتحرك من بلدته جمع وقصر هذا لا يجوز فإن كنت أنت فعلت هذا لا يجوز، وإن كنت مثلاً ركبت السيارة سواء كانت خاصتك أو كانت بالأجرة وانطلقت تمشي فنزلت في مكان حضرت فيه الصلاة فجمعت وقصرت ثم بعد ذلك حدث ما حدث، في هذه الصورة الثانية أنت فعلت ما هو جائز، أما في الصورة الأولى ما يجوز أن يجمع الإنسان ويقصر ولما يخرج بعد من البلدة.
стр. 2857
مداخلة: يعني: يكون القصر والجمع بعد ..
الشيخ: بعد الخروج من بلدته.
(رحلة النور: ٠٧ أ/٠٠: ٠٠: ٠٠)
جواز الجمع الحقيقي بين الصلاتين لرفع الحرج
قال: قال عبد الله بن مسعود: قال: جمع رسول الله ﷺ بين الأولى والعصر، وبين المغرب والعشاء، فقيل له، فقال: «صنعت هذا لكي لا تحرج أمتي. يعني الجمع بين الصلاتين».
[ترجمه الإمام بقوله]: رفع الحرج عن الأمة بالجمع الحقيقي لا الصوري ففيه حرج.
[ثم قال]:
واعلم أن الشوكاني ﵀ ذهب إلى أن المقصود بالحديث إنما هو الجمع الصوري، وأطال البحث في ذلك جدا، وتكلف في تأويل الحديث وصرف معناه عن الجمع الحقيقي الثابت صراحة في بعض أحاديث الجمع في السفر. واحتج لذلك بأمور يطول الكلام عليها جدا، والذي أريد أن ألفت النظر إليه إنما هو أنه لم يتنبه إلى أن قوله: «كي لا يحرج أمته» نص في الجمع الحقيقي، لأن رفع الحرج إنما يعني في الاصطلاح الشرعي رفع الإثم والحرام «راجع النهاية» كما في أحاديث أخرى، الأصل فيها المؤاخذة لولا الحرج، كمثل ترك صلاة الجمعة والجماعة من أجل المطر والبرد، كما في حديث ابن عباس لما أمر المؤذن يوم الجمعة أن يقول: «الصلاة في الرحال»، فأنكر ذلك بعضهم، فقال: «كأنكم أنكرتم هذا، إن هذا فعله من هو خير مني. يعني النبي ﷺ ، إنها عزمة، إني كرهت أن أحرجكم». رواه البخاري «٦١٦ و ٦٦٨ و ٩٠١» وابن أبي شيبة «٢/ ١٥٣» نحوه، ثم روى «٢/ ٢٣٤» الموقوف منه. وحديث نعيم بن النحام قال: «نودي بالصبح في يوم بارد وهو
стр. 2858
في مرط امرأته، فقال: ليت المنادي نادى: «ومن قعد فلا حرج»، فنادى منادي النبي ﷺ في آخر أذانه: «ومن قعد فلا حرج». رواه عبد الرزاق في «المصنف» «١/ ٥٠١ / ١٩٢٦» وأحمد «٤/ ٣٢٠» والبيهقي «١/ ٣٩٨ و ٣٢٣» وأحد إسناديه صحيح، وصحح الحافظ «٢/ ٩٨ - ٩٩» إسناد عبد الرزاق، وقد مضى تخريجه وما يستفاد منه في هذا المجلد برقم «٢٦٠٥». ومن المعلوم وجوب الحضور لصلاة الجمعة والجماعة، فإذا ثبت في الشرع أنه لا حرج على على من لم يحضر في المطر. كان ذلك حكما جديدا لولاه بقي الحكم السابق على ما كان عليه من العموم والشمول.
فكذلك نقول: لما كان من المعلوم أيضا وجوب أداء كل صلاة في وقتها المحدد شرعا بفعله ﷺ ، وإمامة جبريل ﵇ إياه، وقوله: «الوقت بين هذين»، ثم ثبت أنه ﷺ جمع بين الصلاتين، لرفع الحرج عن أمته ﷺ ، كان ذلك دليلا واضحا على أن جمعه ﷺ في ذلك الوقت، كان جمعا حقيقيا، فحمله على الجمع الصوري والحالة هذه تعطيل للحديث كما هو ظاهر للمنصف المتأمل، إذ إنه لا حرج في الجمع الصوري أصلا، ولذلك فلم يبالغ الإمام النووي ﵀ حين قال في حمل الحديث على الجمع الصوري: «إنه باطل، لأنه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل». وإن مما يؤكد ذلك أمران: الأول: إن في حديث ابن عباس أن الجمع كان في غير خوف ولا مطر، ففيه إشارة قوية إلى أن جمعه ﷺ في المطر كان معروفا لدى الحاضرين، فهل كان الجمع في المطر صوريا أيضا؟ ! اللهم لا. يخبرنا بذلك نافع مولى ابن عمر قال: كانت أمراؤنا إذا كانت ليلة مطيرة أبطأوا بالمغرب، وعجلوا بالعشاء قبل أن يغيب الشفق، فكان ابن عمر يصلي معهم لا يرى بذلك بأسا، قال عبيد الله «هو الراوي عن نافع»: ورأيت القاسم وسالما يصليان معهم في مثل تلك الليلة. أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» «٢/ ٢٣٤» بسند صحيح غاية. قلت: فقوله: «قبل أن يغيب الشفق» صريح في أن جمعهم كان جمعا حقيقيا، لأن مغيب الشفق آخر وقت المغرب كما في حديث ابن عمرو عند مسلم «٢/ ١٠٤ - ١٠٥» وغيره، وهو مخرج في «صحيح أبي داود» «٤٢٥».
والأمر الآخر: أن التعليل المتقدم برفع الحرج قد ثبت أيضا في الجمع في السفر
стр. 2859
من حديث معاذ: جمع رسول ﷺ في غزوة تبوك بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء. قال أبو الطفيل: فقلت: ما حمله على ذلك؟ قال: فقال: أراد أن لا يحرج أمته. أخرجه مسلم، وابن خزيمة «٢/ ٨١ / ٩٦٦» وغيرهما، وهو مخرج في «الإرواء» «٣/ ٣١» وفي رواية لأبي داود وغيره: أن الجمع كان تقديما تارة، وتأخيرا تارة. وهو مخرج في المصدر المذكور برقم «٥٧٨» وثبت نحوه من حديث أنس وغيره، وهو مخرج هناك «٥٧٩». قلت: وإذا عرفت ما تقدم تأكدت إن شاء الله أن الصحيح في الجمع المعلل برفع الحرج إنما هو الجمع الحقيقي، لأن الجمع الصوري في أصله لا حرج فيه مطلقا لا في السفر ولا في الحضر ولذلك كان من أدلة الجمهور على الحنفية الذين لا يجيزون الجمع الحقيقي في السفر أيضا أنه ثبت فيه جمع التقديم أيضا، وهو يبطل تأويلهم الجمع بالجمع الصوري كما ثبت في بعض الأحاديث المشار إليها آنفا جمع التأخير بلفظ صريح يبطل أيضا تأويلهم، كحديث أنس عن النبي ﷺ : إذا عجل عليه السفر يؤخر الظهر إلى أول وقت العصر، فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق. متفق عليه. وبهذه المناسبة أقول: يبدو لي من تعليل الجمع في حديث ابن عباس برفع الحرج - أنه إنما يجوز الجمع حيث كان الحرج، وإلا فلا، وهذا يختلف باختلاف الأفراد وظروفهم، ولعل القائلين بجوازه مطلقا من السلف أشاروا إلى ما ذكرته حين اشترطوا أن لا يتخذ ذلك عادة كما تفعل الشيعة. ولا أتصور ذلك إلا لمن كان حريصا على أداء الصلوات في أوقاتها الخمسة، وفي المساجد مع الجماعة. والله أعلم.
السلسلة الصحيحة (٦/ ٢/ ٨١٤ - ٨١٨).
стр. 2860
هل يشرع الجمع في الحضر بدون عذر ؟
стр. 2861
الاستدلال على جواز جمع الصلوات بدون عذر بأن أوقات الصلاة في الأصل ثلاثة
مداخلة: سؤال هنا يقول: سمعت أن أوقات الصلاة في الأصل هي الثلاثة: عند الفجر، ومن الظهر إلى قُبَيْل المغرب، ومن المغرب إلى آخر الليل، ولكن الرسول ﷺ قد فَصَّل أنه من الأفضل صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء في الأوقات المعروفة، وأنه تجوز الصلاة في ثلاث أوقات في اليوم فقط كما يفعل الشيعة: فما ردكم جزاكم الله خير؟
الشيخ: أعد علي مرة أخرى.
مداخلة: والله هو كأن السؤال ناقص .. يقول: سمعت أن أوقات الصلاة في الأصل هي ثلاثة: عند الفجر، ومن الظهر إلى قبيل المغرب، ومن المغرب إلى آخر الليل، ولكن الرسول ﷺ قد فصل أنه من الأفضل صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء في الأوقات المعروفة، وأنه تجوز الصلاة في ثلاث أوقات في اليوم فقط كما يفعل الشيعة: فما ردُّكم؟
الشيخ: قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] هذه الآية هي التي يشير إليها السائل أنها تضمنت أوقاتاً ثلاثة: دُلُوك الشمس أي: زوالها وميلانها عن وسط السماء، ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ يقول: الليل لصلاة المغرب، ﴿قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ صلاة الفجر، هذه ثلاثة أوقات.
الوقت الأول: الذي قيد بدلوك الشمس يدخل فيه صلاة الظهر والعصر، ولذلك جاز الجمع بينهما في السفر قَطْعاً في أحاديث كثيرة، وفي حالة الحضر للضرورة.
غسق الليل .. ظلام الليل: دخل فيه صلاة المغرب وصلاة العشاء، لذلك أيضاً ثبت الجمع بينهما في حالة السفر إطلاقاً، وفي الحضر لرفع الحرج.
стр. 2862
وقرآن الفجر أي: صلاة الفجر.
هذه ثلاثة مواقيت، لكن كما أشعر بذلك السائل قد ثبت عن النبي ﷺ بالسنة المتواترة أن جبريل ﵊ نزل عليه وعلمه مواقيت الصلاة في يومين اثنين: في أول يوم صلى له صلاة الفجر في الغلس، في اليوم الثاني صلى له صلاة الفجر مع الإسفار وتكاد الشمس تطلع، وصلى في اليوم الأول الظهر عند ميلان الشمس عن وسط السماء، وفي اليوم الثاني صلى له الظهر عندما صار ظل الشيء مثله ويكاد يدخل وقت العصر.
صلاة العصر صلاها في اليوم الأول بعد أن خرج وقت الظهر، في اليوم الثاني صلى العصر قبل اصفرار الشمس، في اليوم الأول صلى المغرب بعد غروب الشمس، في اليوم الثاني صلى المغرب عند قبيل غروب الشفق الأحمر، في اليوم الأول صلى العشاء بعد دخول وقت المغرب، وفي اليوم الثاني صلى العشاء في منتصف الليل، وقال له: الوقت بين هاذين، لذلك استمر الرسول صلوات الله وسلامه عليه يصلي بالمسلمين في مسجده خمس صلوات في خمسة أوقات، ولكنه قد صلى ذات يوم بالناس جميعاً صلاة الظهر والعصر في المدينة من غير خوف ولا سفر ولا مطر، صلى الظهر والعصر جمعاً، وصلى العشاء مع المغرب جمعاً، روى ذلك ابن عباس لأصحابه التابعين، قالوا له: يا أبا العباس! ماذا أراد بذلك؟ «أراد أن لا يحرج أمته» أي: لما جمع الرسول ﵇ بهم في المدينة وليس هناك مطر ولا سفر ولا خوف من الأعذار التي تبيح الجمع، إذاً قيل: لماذا فعل الرسول ﵇ ذلك؟ قال: «أراد أن لا يحرج أمته» فيجوز للمسلم دفعاً للحرج أن يجمع بين الصلاتين في حالة الحضر لكن بشرط: أن يكون عادته أن يفصل بين الصلوات ويؤدي كل صلاة من الصلوات الخمس في وقتها المعروف في السنة، هكذا ينبغي أن نفعل نفرق حيث فرق الرسول فنصلي كل صلاة في وقتها ونجمع حيث جمع الرسول ﵇ ترخيصاً أو رفعاً للحرج.
(الهدى والنور / ١٠٠/ ٥٨: ١٠: .. )
стр. 2863
حكم الجمع في الحضر دون عذر
السائل: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:
ورد في صحيح البخاري حديث عن الرسول ﷺ ترويه عائشة ﵂، إن الرسول ﷺ صلى في الحضر جمعًا الظهر والعصر، فهل يجوز للمسلم أن يصلي صلاتين دون عذر -تقول عائشة ولا سفر- هل يجوز للإنسان المقيم في بلده أن يجمع الظهر مع العصر دون عذر؟ أفيدونا ..
الشيخ: السؤال مفهوم لكن فيه خطأٌ يجب تصحيحه وهو أن السيدة عائشة ﵂ ليس لها حديثٌ في هذا المعنى إطلاقًا، وكذلك ليس في صحيح البخاري حديثٌ بهذا المعنى أيضًا ولو عن غير عائشة، وإنما أنت تشير إلى حديث ابن عباس الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: «جمع رسول الله ﷺ في المدينة بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء دون سفر ولا مطر، قالوا: ماذا أراد بذلك يا أبا العباس؟ - كنية عبد الله بن عباس- ماذا أراد بذلك؟ قال: أراد ألاّ يحرجَ أمّته» فظاهر الحديث أنه يجوز الجمع بين صلاتين في حالة الإقامة وبدون عذر المطر؛ لأن المطر عذرٌ شرعي يجيز الجمع بين صلاتين، وهنا يقول ابن عباس بأن النبي ﷺ جمع مقيمًا وجمع دون عذر المطر، وأكّد ذلك حينما وُجّه إليه السؤال السابق: لمَ فعل ذلك؟ قال: «أراد ألاّ يحرج أمته»؛ هذا هو الحديث وفي صحيح مسلم دون البخاري، يوجد في البخاري معنى هذا الحديث جمع بين الصلوات في المدينة ثمانيًا، لكن ليس فيه هذا التفصيل الذي ذكره أو رواه الإمام مسلم عن ابن عباس وفيه هذه النكتة الهامة التي كانت جوابًا لذاك السؤال ألا وهو قوله ﵁: «أراد ألاّ يحرج أمّته» فيذهب بعض العلماء قديمًا وحديثًا إلى جواز هذا الجمع في الإقامة بدون عذرٍ، ولا أرى ذلك صوابًا؛ ذلك لأن راوي الحديث يعلّل جمع الرسول ﵇ بدون عذرٍ بعذرٍ آخر من باب التشريع والبيان للنّاس، حيث قال ابن عباس: «أراد ألاّ يحرج أمته» ﵊، ومعنى ذلك قيدُ حكم الجمع في الإقامة بوجود الحرج في عدم الجمع،
стр. 2864
فحيث وُجِد الحرج في إقامة الصلوات في مواقيتها المعروفة، فدفعًا للحرج الذي نفاهُ الله في مثل قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] يجوز الجمع، أما إذا لم يكن هناك حرج حينذاك وَجَب المحافظة على أداء الصلوات
الخمس كل صلاة في وقتها؛ لأنه لا حرج، مثلاً أنا جالس هنا وأسمع الأذان هناك في المسجد القريب منّي وأنا قادر على الخروج وليس شيء من الحرج عليّ أن أخرج فلا يجوز لي الجمع، وعلى العكس من ذلك لما جئت في هذه السَّفرة وجدتُ هذا المصعد الكهربائي متعطلاً وأنا يصعب عليّ جدًا كما ترون لوجع في ركبي أن أهبط وأنزل بطريق السلم أو أن أصعد فمضى عليّ بعض الصلوات لا أخرج إلى المسجد، لكن لما صُلّحَ المصعد الكهربائي فوفّر عليّ صعوبة الطلوع والنزول، صار لزامًا عليّ أن أصلي كل صلاة في المسجد لأنّي لا أجد ذاك الحرج الذي وجدته أول ما حللتُ ها هنا.
فإذَن إنما يجوز الجمع لدفع الحرج فحيث لا حرج لا جمعَ فهما أمران متلازمان لا حرج لا جمع، فيه حرج فيه جمع؛ وهذا أحسن ما يقال في التوفيق بين هذا الحديث الصحيح وبين الأحاديث التي تأتي مصرِّحة بكل صلاة لوقتها وأنه لا يجوز الإلتهاء عنها وبخاصّة أنّ الجمع يستلزم في أكثر الأحوال الإعراض عن الصّلاة مع الجماعة، كما وصفت لكم حالي الأولى، هذا جواب عما سألته.
(فتاوى جدة-موقع أهل الحديث والأثر- ٣٢)
стр. 2865
الأعذار المبيحة للجمع في الحضر
стр. 2866
ما هو الحرج الذي يبيح الجمع بين الصلوات
مداخلة: ما هو الحرج [الذي يبيح الجمع بين الصلوات]؟
الشيخ: الحرج الذي يجده الإنسان في نفسه، لا يوجد عندي استطاعة آتيك بشيء أكثر مما جاء في القرآن: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ما هو؟ أنتم جماعة عرب ونحن ألبان، فنحن نتعلم منكم ما هو الحرج: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ما هو الحرج؟ هو: الشيء الذي إذا وقع فيه الإنسان يجد فيه حرجاً .. يجد فيه تضايقاً .. يجد فيه ثقلاً، ماذا أقول لك أكثر من هذا؟
مداخلة: [والنبي ﷺ لما جمع الصلوات لدفع الحرج هل شرح هذا الحرج]؟
الشيخ: لو كان شرح ذلك بقوله لنقله لنا الذي نقل إلينا فعله فهو عبد الله بن عباس، لكن هو لم يقل أن الرسول قال بعد الصلاة فعلت كذلك، لكن في كثير من الأحيان كما يقول العلماء: لسان الحال أنطق من لسان المقال، لسان الحال هذا من يدريه؟ هو الذي يشاهده، ولذلك يقال في الأمثلة: «الشاهد يرى ما لا يرى الغائب»، بل هذا قد جاء حديثاً صحيحاً عن الرسول ﷺ فهو من الأمثلة النبوية، فابن عباس شاهد هذا الجمع ولما سئل: ماذا أراد رسول الله؟ قال: أراد ألا يحرج أمته، فما نقل قولاً عن الرسول وإنما نقل فعله وذكر ما فهم هو من ظاهرة الرسول من هذا الفعل وهو دفع الحرج عن أمته.
(الهدى والنور / ١٠٠ / .. : .. : .. )
الجمع حال الإقامة، وضابط الحرج الذي يبيح الجمع
مداخلة: فضيلة الشيخ حفظك الله! قال شيخ الإسلام في ... ثبت عن الطحاوي حديث ابن عباس: «جمع ﷺ من غير خوف ولا علة» وعن جابر، لكن
стр. 2867
ينظر في حال الإسناد هذا أحد الرواة وهو صدوق يهم كما في التقريب، هل يكتب أن الحديث ثابت عن جابر وجزاك الله خيراً؟
الشيخ: هذا الحديث من رواية جابر خاصة لا يحضرني الآن حال إسناده ولكن يغنينا عنه ما أخرجه الإمام البخاري في صحيحه ويمكن أن يعتبر هذا شاهداً مقوى لحديث جابر حتى لو فرضنا أن إسناده ضعيف.
حديث مسلم يرويه بإسناده الصحيح عن عبد الله بن عباس ﵁ قال: «جمع رسول الله ﷺ في المدينة بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء بغير سفر ولا مطر» وفي رواية: «بغير سفر ولا خوف» قالوا: يا أبا العباس، ماذا أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته، الحديث صريح الدلالة في أن النبي ﷺ جمع في المدينة وهو مقيم وأكد ذلك بأنه بغير سفر، وزاد بغير مطر أيضاً، وفي الراوية الأخرى: الخوف، والجمع في المطر سنة معروفة ولذلك نفى أن يكون الجمع لسبب المطر الذي هو أيضاً معروف كالسفر، فإن الجمع فيه رخصة معروفة أيضاً، فعجب بعض الحاضرين من خبره هذا؛ لأن المعهود أن الجمع إنما يكون للمسافر فقط فكيف يروي ابن عباس وهو صادق فيما يروي أن النبي ﷺ جمع في المدينة بغير عذر من الأعذار المسوغة للجمع.
وهنا يلتقي مع حديث جابر الذي فيه أنه جمع بغير علة، فأجاب جواب ... ابن عباس ﵁ عن الإشكال الذي ورد في بال بعض الحاضرين حين قالوا له: ماذا أراد بذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته، أي: إنما جمع النبي ﷺ في المدينة بدون عذر المطر فضلاً عن أنه كان مقيماً غير مسافر ليسن للناس المقيمين أنه يجوز لهم أن يجمعوا بين الصلاتين في حالة الإقامة ليس على الإطلاق كما يتوهم بعض الناس من هذا الحديث الذي فيه التصريح أن النبي ﷺ جمع بغير عذر من الأعذار المعروفة؛ ولذلك جاء السؤال: لماذا ... جمع؟ قال: لكي لا يحرج أمته، هذه الجملة التعليلية الصادرة من راوي الحديث يجب ألا تهدر ويجب أن تبقى متمكناً في بالنا حتى نفهم هذا الحكم فهماً لا إفراط ولا تفريط.
стр. 2868
أما الإفراط والمبالغة فهو أن يترخص الإنسان وهو مقيم فيجمع من باب الرخصة فقط وليس من باب رفع الحرج، هذا تطبيع لواجب المحافظة على الأوقات كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣].
أما التفريط وهو إضاعة هذا الحكم فهو من الذين يقولون: أن الجمع لا يجوز إلا في حالة السفر، وهذا حديث صحيح قد جمع الرسول ﵇ في حالة الإقامة لكن هذا الجمع ليس على الإطلاق وليس رخصة كما هو الشأن بالنسبة للمسافر وإنما لعلة رفع الحرج، فكل من تعرض للوقوع في الحرج إذا ما أراد أن يحافظ على أداء صلاة الظهر مثلاً في وقتها وصلاة العصر في وقتها ... الحرج مرفوع بنص القرآن الكريم حيث قال رب العالمين: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] فحينما توجد هذه العلة فهناك جواز الجمع بين الصلاتين للمقيم، أما ليس هناك حرج وإنما هو التشهي والترخص كما هو الشأن في السفر هذا لا يجوز في حالة الإقامة.
إذاً: هذا الحديث يعطينا أن الجمع في حالة الإقامة تارة يجوز وتارة لا يجوز، الوقت الذي يجوز فيه هو لرفع الحرج والوقت الذي لا يجوز فيه هذا الجمع فهو إذا لم يكن هناك حرج في المحافظة على الصلوات في أوقاتها.
مداخلة: ... أمثلة للحرج.
الشيخ: أمثلة للحرج هذه ممكن أن نقدم بعضها ولكنها تختلف من شخص إلى آخر، مثلاً: إنسان يجب أن يسافر من بلده إلى بلد آخر في السيارة مثلاً وهو يعلم عادةً أن هذه السيارة تسافر ما بين الصلاتين الظهر والعصر، ثم لا تقف بحيث يتمكن من أن يصلي الصلاة المشروعة بوضوء وقيام وركوع وسجود فله أن يصلي الظهر في بلده قبل أن يركب السيارة وأن يجمع إلى صلاة الظهر صلاة العصر جمع تقديم وهو مقيم، هذه صورة.
وأكثر من هذه الصورة مما يتعرض لها بعض المسلمين من كان مكلفاً بأداء الوظيفة كمثلاً ... قائم على حراسة من وقت إلى وقت لا يستطيع أن يفلت الحراسة
стр. 2869
في وقت صلاة من الصلوات التي يمكن جمعها بما قبلها أو بما بعدها، فحينئذٍ هو يقدر الوضع فإما أن يجمع جمع تقديم كما ذكرنا آنفا في صورة المسافر أو جمع تأخير، وهكذا العسكري الذي لا يتيسر له أن يؤدي الصلاة في المسجد إلا أن يصلي وحده فيجوز له أن يصلي إحدى الصلاتين في المسجد مع جماعة ثم يضيف الصلاة الأخرى إما جمع تقديم أو جمع تأخير.
وجماع الأمر أن الحرج يختلف من شخص إلى آخر فمن شعر بوقوعه في شيء منه حرج جاز له الجمع وإلا فلا، أما أن يوصف لكل إنسان ما هو الحرج، أو أن يوصف لكل إنسان ما هي الاستطاعة التي ضبطت بها كثير من الأحكام الشرعية فهذا تحصيل المحال لا سبيل إلى ذلك لاختلاف الناس في تقدير هذه الأمور فكل يتقي ربه ويلاحظ الحكم الشرعي في تطبيقه تطبيقاً دقيقاً، لا يتبع هواه ولا يتنطع في دينه لقوله ﵊: «هلك المتنطعون هلك المتنطعون هلك المتنطعون» نعم.
(رحلة النور: ٢١ أ/٠٠: ٠٢: ٤٩)
مشروعية جمع المقيم بين الصلاتين للحاجة
[قال رسول الله ﷺ ]: «إذا حضر أحدكم الأمر يخشى فوته فليصل هذه الصلاة. «يعني الجمع بين الصلاتين».
[ترجم له الإمام بقوله: مشروعية جمع المقيم بين الصلاتين للحاجة].
السلسلة الصحيحة (٣/ ٣٥٧).
الجمع في الإقامة إنما يكون للحرج
[روي عن النبي ﷺ أنه قال]: «صنعت هذا «يعني الجمع بين الصلاتين» لكي لا تحرج أمتي». ضعيف.
стр. 2870
[قال الإمام]: والصحيح في هذا الباب حديث ابن عباس ﵁: «أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، بالمدينة من غير خوف، ولا مطر، قيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أمته». أخرجه مسلم والأربعة إلا ابن ماجه.
واعلم أن حديث ابن عباس يدل على جواز الجمع في الإقامة لرفع الحرج، وليس مطلقا، فتنبه لهذا فإنه هام.
السلسلة الضعيفة (٣/ ٣٥٧ - ٣٥٨).
مشروعية الجمع حال الإقامة للحاجة
قال ابن عباس: «جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر. وفي رواية من غير خوف ولا سفر». رواهما مسلم.
قال عبد الله بن شقيق: «خطبنا ابن عباس بالبصرة يوما بعد العصر حتى غربت الشمس وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون الصلاة الصلاة، قال: فجاءه رجل من بني تميم، لا يفتر ولا ينثني: الصلاة الصلاة، فقال ابن عباس: أتعلمني بالسنة لا أم لك؟ ! ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. قال عبد الله بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء، فأتيت أبا هريرة، فسألته، فصدق مقالته». أخرجه مسلم «٢/ ١٥٢ - ١٥٣» وأبو عوانة «٢/ ٣٥٤ - ٣٥٥» والطيالسي «٢٧٢٠». وفي رواية عنه قال: «قال رجل لابن عباس: الصلاة، فسكت، ثم قال: الصلاة فسكت، ثم قال: الصلاة، فسكت، ثم قال: لا أم لك تعلمنا بالصلاة؟ ! وكنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول الله ﷺ ؟ ! » أخرجه مسلم وابن أبي شيبة «٢/ ١١٣ / ١» وزاد في آخره: «يعني السفر» قلت: والظاهر أن هذه الزيادة من ابن أبي شيبة نفسه على سبيل التفسير وما أظنها صوابا، فإن الظاهر من السياق أن الجمع المرفوع إلى النبي ﷺ كان في الحضر، وإلا لم يصح احتجاج ابن عباس به على الرجل كما هو ظاهر، ويؤيده رواية بالمدينة فإنها
стр. 2871
صريحة في ذلك كما تقدم.
[إرواء الغليل تحت حديث رقم (٥٧٩)]
حكم الجمع بعذر البرد
مداخلة: يا فضيلة الشيخ هنا الجو كما تعلم بارد، فبعض الأئمة يقول: يجمع، فهل الجمع في هذا الحال جائز؟
الشيخ: إذا كان البرد شديداً ويجد الناس في الحضور للمسجد في الصلاة التالية حرجاً يجوز لرفع الحرج عن الأمة.
مداخلة: نعم، لكن عندنا إمام المسجد يخالف المصلين كلهم ولا يجمع حتى في يعني: سنوات سابقة في مطر غزير جداً يكون ولا يجمع، والمصلين يتركون المسجد ويذهب كل إنسان إلى بيته، وإنسان إلى مسجد آخر، ولكن الإمام لا يأخذ بأقوال أي إنسان كان.
الشيخ: طيب، فإذا كان واحد يريد أن يجمع يصلي في مسجد آخر.
مداخلة: يعني: نترك هذا الإمام.
الشيخ: نعم.
(الهدى والنور / ٢٥٩/ ٤٥: ١٧: ٠٠)
الجمع بعذر البرد وضابطه
الشيخ: كنا نتكلم عن الجمع من أجل البرد، فأقول: الجمع من أجل البرد ليس عليه نص في الشرع، يلزم به المسلم وإنما قال به بعض العلماء استنباطاً واجتهاداً واعتماداً على بعض الأعذار التي جاء النص بها، وبأنها تسوِّغ الجمع بين الصلاتين.
معلوم لدى الجميع الجمع في السفر، ولكن بحثنا الآن الجمع في الحضر، لم يأت
стр. 2872
نص في جواز الجمع في الحضر، إلا من أجل المطر أو الخوف.
وهذا كما جاء في حديث ابن عباس ﵁ قال: «جمع رسول الله ﷺ في المدينة بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء، بغير سفر ولا مطر، قالوا: ماذا أراد بذلك؟ قال: «أراد أن لا يحرج أمته».
هنا الحديث يفيدنا في جمعين: أحدهما: يتعلق بالجمع الجماعي، أي في المساجد، والآخر: يتعلق بالأفراد، ونادراً ما يتعلق بالجماعة.
أما الجمع الأول الذي يستفاد من الحديث جوازه فهو الجمع للمطر؛ لأنه قال: «جمع الرسول بغير مطر وغير السفر»، يشعرنا بأن هذين العذرين معروف لدى المسلمين عامة لأنهما يسوغان الجمع، لكن يريد أن يفيدنا شيئاً جديداً فيقول: جمع لغير هذين العذرين، سألوه ما هو؟ قال: «أراد أن لا يحرج أمته»، هذا النص «أراد أن لا يحرج أمته»، يمكن أن يدخل فيه أسباب أخرى غير منصوص عليها، ومنها ما كنا آنفاً في صدده وهو البرد، وكما قلت آنفاً، البرد قضية نسبية يختلف بين شخصين متساويين في العمر لكنهما ليسا متساويين في التربية وفي النشأة فأحدهما نشأ يتعاطى أعمالاً أو مهنة يتعرض بسببها للحر والقر للتعب والنصب والآخر إنما هو نُشِّئ في الحلية، رُبِّي تربية الولد المدلل الناعم، فلا يستويان مثلاً أبداً، وهما كما قلنا في سن واحد، مع ذلك الشعور بالبرد يختلف من هذا إلى ذاك، فإذا ما ضربنا مثالاً متبايناً كل التباين بين شاب وبين شيخ عجوز أيضاً سيختلف الشعور بالبرد الكثير أو الخفيف، فهنا تبقى القضية قضية نسبية فيما إذا أراد الإنسان أن يجمع لنفسه، فإذا كان متقياً لربه وكان متفقهاً في دينه ويعرف أنه يجد حرجاً في أن لا يجمع فله أن يجمع بهذه الشروط التي ذكرناها.
الدقة الآن في الإمام الذي يريد أن يَؤُمَّ الناس وفي الناس المتفاوتون في الإحساس بالبرد، فالإمام .. وهنا بيت القصيد من هذا الكلام هو الذي ينبغي أن يقدر ويضع، ولا أرى حرجاً أبداً إذا نظر إلى جماعته الذين يريدون أن يصلوا معه في مسجده، فوجد فيهم شيوخاً لا أرى حرجاً بالنسبة إليه أن يجمع من أجلهم لا من
стр. 2873
أجله، لكن هذا يحتاج إلى فقه وإلى تقوى ولذلك فأنا أرى أنه ما دام ثبت هذا النص من ابن عباس «أراد أن لا يحرج أمته» فإذا كان الإمام فقيهاً وكان تقياً لا يداري الناس بالباطل وإنما هو يسايسهم سياسة شرعية فوجد من مصلحة الجماعة أن يجمع بهم للبرد فله ذلك ما دام أنه اتقى الله وأخذ بتلك الرخصة التي جاءت في حديث ابن عباس السابق ذِكْرُه.
أقول: إذا كان الإمام فقيهاً وتقياً، وإلا عليه أن يتقي الله سلباً أو إيجاباً تَرَخُّصاً أو تمسكاً بالعزيمة، فلا يجمع حيث لا رخصة ولا يتشدد حيث الرخصة قائمة، كما وقع منذ يومين في مسجد هناك، لم يحضر الإمام الراتب فقدموا أحد المواطنين على صلاة الجماعة، وأنا لا أعلم مقدار ما عنده من علم ولو كان من العلم التقليدي المذهبي، لكن الذي وقع أن المؤذن بعد أن صلى الإمام صلاة الظهر فوراً أقام الصلاة، فشعرت بأنه جعل الإمام وبعض الحاضرين تحت الأمر الواقع، وأشعر بأن هذا الإمام من مراقبتي لصلاته أنه حنفي المذهب، والأحناف لا يجيزون الجمع في الحضر مطلقاً بل ولا في السفر إلا في عرفات وفي مزدلفة، فلما أقيمت الصلاة سمعنا شوشرة وضوضاء وغوغاء أنا شخصياً ما فهمت شيئاً لكني تأسفت كثيراً من قلة أدب الناس في بيوت الله ﵎، صار في المسجد ضوضاء لو وقعت هذه الضوضاء في قهوة لكان عاراً على أصحاب الضوضاء فكيف لهم في بيت من بيوت الله ﵎، ولأمر ما ما فهمت ما الذي حرك هذه الأصوات، ما أدري إذا كان ثامر أنت فهمت على ما كان الكلام؟
مداخلة: نعم، أحد الشباب وقف وقال إن الرسول ﵊ جمع بين الصلاتين في المطر، فالرجل صار يتكلم أنه لا تعرف الرسول ﵊ كيف كانت ..
الشيخ: المهم، شعرت أن الإمام صار تحت الأمر الواقع، وهو في اعتقادي كان يجب أن يستنكر إذا أراد أن يتقي الله حيث لا يعتقد جواز الجمع للمطر، أن يقول: أنا مذهبي لا يسمح لي بالجواز فليتقدم أحد منكم، لكن هو خضع للأمر
стр. 2874
الواقع وصلى، لكن الشوشرة التالية بعد الصلاة أفهمتني أي الحقيقة التي أنا شعرت بها من قبل، سمعت أحدهم يقول لي: يا شيخ! الرسول ﵊ قال: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه»، ولم أسمع متن الحديث لكن فهمت أن هذا المتكلم يقول: أن الجمع في مثل هذه الحالة مشروع، ما رأيت غير هذا الإمام ثار ثورةً كأنه يقاتل رجلاً كافراً، ومن صوته قام فذهب، ويقول له: أنت رأيت الرسول، أنت رأيت الرسول، الله أكبر، وقامت الشوشرة بين الناس وما فهمت عليهم.
أنا كنت بدأت بالأذكار والأوراد، حتى انتهت وانسللت انسلالاً، الهروب نصف الشجاعة، سبحان الله! هؤلاء الناس ما كان عندهم وعي، ولا عندهم ثقافة، ولا عندهم أدب، يتكلموا على جهل.
هذا الإمام يقول: أنت رأيت الرسول، مسكين، وهو يصلي هل رأى الرسول؟ لم يَرَ الرسول، الكلام الذي يوجهه لغيره يرجع له، فلو قيل له: يا ترى ماذا يفعل، سوف يقول: هكذا العلماء، هكذا العلماء عَلَّمونا، سيقول بعض الناس: إلى أين يا ترى مذهبه، أنه علماؤه قالوا: لا يوجد جمع للمطر، لكن فيه أناس آخرون يقولوا: علماؤنا قالوا: فيه جمع للمطر شافوا الرسول؟ شافوا الرسول؟ لم يروا الرسول.
إذاً: القضية قضية رواية، لماذا تنكر هذه القضية التي عليها الفقه الإسلامي كله من بعد الصحابة الأولين كل الفقهاء يقولون قائم على الرواية التي معناها، أن هؤلاء الرواة ما شافوا الرسول، جهل عميق يعني شديد جداً، يخجل الإنسان أن يحكيه عن مسلم ويتقدم ليؤم الناس.
صحيح نحن ما رأينا الرسول ﵊، لكن الرسول من تمام رأفته ورحمته بأمته أنه خاطبهم بمناسبات شتى، بالنسبة للصلاة التي تتكرر كل يوم خمس مرات، قال: «صلوا كما رأيتموني أُصَلِّي»، وقال: «فليبلغ الشاهد الغائب»، فهو يعلم أن الذين سيأتون من بعده ﵊ ما سمعوا صوته ولا شاهدوا عبادته وصلاته، لكنه يعلم أيضاً بأن أصحابه الذين شاهدوه ورأوا عباداته سينقلونها إلى من يأتون من بعده، فَحَضَّهم على ذلك، وقال: «فليبلغ
стр. 2875
الشاهد الغائب»، حتى قال ﵊: «بلِّغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار».
«بلغوا عني ولو آية»، هذه اللفظة ينبغي أن لا تُفْهم بمعنى الآية الاصطلاحي، أي: آية من آيات القرآن الكريم، ليس هذا هو المقصود، المقصود هنا جملة «بلغوا عني ولو جملة»، هذا المعنى عربي أولاً، وفقهي ثانياً؛ لأنه يشمل الجملة من القرآن ومن حديث الرسول ﵊.
فليس المقصود بهذا الحديث الحض على تبليغ آية من القرآن فقط بل ولو جملة من أحاديث الرسول ﵊، وهذا توجيه عملي للرسول ﵊ إلى الفكرة والعقيدة التي قدمها إلى أمته في أحاديث عديدة التي منها قوله ﵊: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما، كتاب الله وسنتي».
فكما ينبغي للمسلم أن يبلغ الناس كتاب الله فكذلك ينبغي للمسلم أن يبلغ الناس حديث رسول الله ﷺ ؛ لأن كلًّا منهما من الكتاب والحديث متمم للآخر، وهذا ما أشار إليه ربنا في قوله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
فالشاهد أن العالم الإسلامي منذ عهد الصحابة الذين أدركهم التابعون، وهؤلاء التابعون الذين لم يدركوا الرسول يعيشون على أساس هذا المنهج، وهو «صلوا كما رأيتموني أصلي» إن كنتم أصحاباً رأيتموني فكما شاهدتموني وإن كنتم أتباعاً من بعدهم فكما نقل إليكم من شاهدني؛ ولذلك أكد هذا ﵊ في حجة الوداع حينما قال: «خذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا» ماذا؟
مداخلة: «لا ألقاكم».
الشيخ: «لا ألقاكم بعد عامي هذا أبداً»، فإذاً هو حض أصحابه على أن يتلقوا العلم مباشرة منه من جهة ومن جهة أخرى أمرهم أن يبلغوا ما أخذوا عنه إلى
следующие страницы →