← Фикх общий

Фикх общий · id 145204

جامع تراث العلامة الألباني في الفقه

ناصر الدين الألباني

Полный текст (8 195 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

في بلدة والأخرى في بلدة أخرى، فهو إذا خرج من زوجته الأولى إلى زوجته الأخرى، ما بينهما مسافر، ولكنه مقيم عند كلٍّ منهما. على نحو ذلك رأيت -والرأي مُعرَّض للخطأ- أنه كذلك من خرج مسافراً ثم نزل عند ابنه أو عند ابنته، واستقر به القرار، فهو في حكم المقيم، وهذا شأني أنا، فأنا نازل عند صهري همَّام فما دمت عنده وفي بلده فأنا مقيم، وإذا ما خرجت من عنده ودخلت في الحكم العام وهو السفر. لعل في ذلك جواب لما سألته. السائل: الله يكرمك. الشيخ: الله يرفعك. الحد المبيح للقصر في السفر المتصل: بالنسبة للمسافر الذي يقيم في الأردن، مثلاً أنا الحين جاي من الكويت، رايح للأردن لمدة شهر، هل أقصر وأجمع الصلاة؟ الشيخ: إذا نويت الإقامة في الأردن وعزمت على هذه الإقامة، وجمعت أمرك عليها، فتنقلب صلاتك إلى صلاة مقيم، أما إذا كنت لم تعزم على الإقامة بمعنى: أنك أنت تقول اليوم بسافر، وبكره بسافر راحت مدة أسابيع فأنت في هذه الحالة تصلي صلاة المسافر. المتصل: يعني مش متأكد أنني بكون ثابت؟ الشيخ: إذا عزمت على الإقامة، وجمعت الأمر في قلبك أنك تقيم جمعة جمعتين فأنت مقيم، إما إذا كنت تتردد في نفسك بتقول: في نفسك اليوم بكره اليوم بكرة فأنت مسافر. (الهدى والنور /٤٤٢/ ٠٧: ٢٧: ٠٠)

стр. 2942

الحد المبيح للجمع والقصر في السفر الملقي: الجمع والقصر، ما مفهوم الجمع والقصر بالذات، يعني مثلاً إذا جينا من السفر، احنا جايين من الكويت، في ناس لحتى هَلَّا بتقصر بتجمع وتقصر .. ؟ الشيخ: فهمت عليك. الملقي: جزاكم الله خيراً. الشيخ: أي شخص يخرج من بلده إلى بلد آخر ليقضي حاجة ثم ليعود إلى بلده الأول، فهذا ينظر في حاله، إذا كان نوى الإقامة مهما كانت الأيام، ولا تنظروا الأيام إطلاقاً مجرد أن ينوي الإقامة في ذلك البلد، صار حكمه حكم المقيم في بلده الأول، بخلاف ما لو جاء إلى بلد لم يَنْو الإقامة؛ لأنه جاء ليقضي حاجات ومصالح له وهو لا يدري متى تنتهي، فيقول: إن انتهت اليوم أسافر اليوم، انتهت بكرة بكرة بعد بكرة وهكذا، هذا يظل يقصر ويجمع حتى يعود إلى بلده. هذا فيما إذا كان البلد الذي نزل فيه ليس بلداً له، فمثالك أنت ما أدري أنا هكذا بدا لي، فأنت في الأصل مقيم هنا، لكن ذهبت إلى الكويت وأقمت هناك سنة سنتين .. ثم رجعت إلى بلدك، أكذلك؟ الملقي: لا لا، أصلي مولود في الكويت، وعايش في الكويت. الشيخ: إذاً: هذا مش بلدك. الملقي: لا لا، الكويت بلدي. الشيخ: على كل حال، الجواب: ما سمعت، لكن بيجوز في ناس يستفيدون من الصورة الأخرى التي أردت أن أتحدث عنها. من كان مثلاً أردنيا أو فلسطينياً وأقام في الكويت سنين عديدة، ثم رجع إلى بلده مجرد ما يطُبّ في بلده صار مقيماً؛ لأنه هذا بلده، أما إذا كان ليس بلده، فالحكم ما سمعت آنفاً.

стр. 2943

وإذا عرفنا هذه المسألة نخلص من مشاكل التردد، أنه متى يصير الإنسان يصلي صلاة الإقامة، ومتى يستمر يصلي صلاة المسافر، الجواب، الجواب يؤخذ من قوله تعالى في القرآن الكريم، وهذا من التعابير القرآنية الدقيقة والجميلة، وتفتح لنا باب فقه هذه المسألة، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، ونحن نعلم جميعاً أن الإفطار في رمضان من أعذاره السفر، فهذا المسافر الذي خرج مسافراً من بلده إلى بلد آخر وقلنا ما قلناه آنفاً بأنه يظل يقصر أو يظل يصلي صلاة المقيم على التفصيل الذي ذكرناه آنفاً، فكذلك إذا كان مسافراً وأراد أن يفطر في رمضان فله ذلك بنص الآية القرآنية، لكن هذه الآية تعطينا مبدأ فهم المسألة ولو هي متعلقة بالصيام، لكن الصيام مع الصلاة سلباً وإيجاباً، إن قصرت أفطرت، وإن أتممت صمت، فهنا يقول الله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] لاحظوا الآن كلمة: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ الشخص الذي جاء إلى البلد، وكان يتردد أنه يسافر اليوم والَّا بكرة والَّا بعد بكرة، لأنه ما يدري متى تنتهي حاجاته، هذا يصدق عليه تماماً أنه على سفر، أما من جاء واستقر به الأمر وهو له مصالح، وهو ناوي العودة، لكن نوى الإقامة ريثما تنتهي مصالحه، وهو ليس كالأول يتردد بين يسافر اليوم أو بكرة أو أو إلى آخره، هذا لغة لا نستطيع أن نقول عنه إنه على سفر، بخلاف الأول فهو على سفر. إذاً من صدق عليه أنه على سفر، وهو الذي يقصر ويجمع ويفطر رمضان إن شاء. أقول: في الإفطار إن شاء؛ لأن الإفطار في رمضان بالنسبة للمسافر يختلف عن القصر، ويلتقي مع الجمع، الجمع بالنسبة للمسافر رخصة، كذلك الإفطار في رمضان بالنسبة للمسافر رخصة، أما القصر فعزيمة، لابد من ذلك؛ فلهذا جمعنا بين الرخصتين بالنسبة لمن كان على سفر، أما من لم يكن على سفر وليس له أي رخصة من الرخصتين، فبالأَوْلى أنه ليس له القصر؛ لأن القصر عزيمة في السفر، والإتمام فريضة في السفر، هذا جواب ما سألت. (الهدى والنور / ٥٣٢/ ٠٦: ٥٩: ٠٠) (الهدى والنور / ٥٣٣/ ٤٢: ٠٠: ٠٠)

стр. 2944

المسافة التي يترخص فيها المسافر مداخلة: هل الشرع حدد تاريخاً برخص السفر للمسافر من ناحية الصوم وقصر الصلاة؟ الشيخ: تاريخ؟ مداخلة: نعم. الشيخ: ماذا تعني؟ مداخلة: مدة يعني. الشيخ: لا، لا، القضية ترجع إلى العرف، أما التحديد بمراحل قديماً وكيلومترات حديثاً، فهذا ليس له أصل في الشرع إطلاقاً، ولشيخ الإسلام ابن تيمية رسالة جيدة في هذا الموضوع في مجموعة الرسائل والمسائل، رسالة خاصة في أحكام السفر ينتهي فيها إلى القول بأن كل بروز من البلد إلى بلد آخر يتهيأ هذا البارز أو هذا الخارج لمثل هذا الخروج ويُعْرف في عُرف البلد أن هذا سفر، فهو سفر طالت المسافة أو قصرت. وهذا في الواقع مُؤَيَّد بمثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] فأطلق هنا: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ١٨٥] لم يُحدِّد، ولا جاءت السنة أيضاً، كما هي شأنها في كثير من النصوص المطلقة في الكتاب أنها تقيدها، فقال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]. ولا يجوز تقييد ما أطلقه الشارع سواء في القرآن أو في السنة، ولا يجوز تخصيص ما عَمَّه الله في نص من الكتاب والسنة بمجرد الرأي والاجتهاد. فالعام يبقى على عمومه حتى يُخَصَّص بنص من الشارع الحكيم، والمطلق يبقى على إطلاقه حتى يُقيده. وهذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] فالسفر

стр. 2945

مطلق كالمرض تماماً، ولذلك فكل من كان مريضاً جاز له الإفطار في رمضان، وكل من كان مسافراً جرت عليه أحكام المسافر من عزيمة كالقصر، أو من رخصة كالجمع. ويعجبني بهذه المناسبة ما ذكره «الإمام القرطبي» في تفسيره: «الجامع لأحكام القرآن»، ذكر عن محمد بن سيرين التابعي الجليل أنه رُؤِي يوماً في رمضان وهو مفطر ولا يبدو عليه آثار المرض، فأشار بإصبعه .. موجوع في إصبعه لافف، فهو مريض في إصبعه. مداخلة: شيخنا! لتمام البحث في هذه القضية إن أنهيتم؟ ! الشيخ: نعم، انتهيت. مداخلة: هذا الكلام الذي تفضلتم فيه أستاذي حول قضية المسافة، قضية المدة التي يمكثها المسافر، وتحديدها بالإقامة وعدمها! الشيخ: نعم. مداخلة: هنا إشكال أشكل على بعض الإخوة، من فعل بعض إخواننا الذين هاجروا هجرتهم الجديدة من الكويت عقب الأحداث والمواقف التي مَرَّت بالأمة الإسلامية، فجاؤوا هنا واستأجروا بيتاً وأثاثاً وكل شيء، لكنهم متأملون أن يرجعوا في كل لحظة إلى الكويت إلى قبل أيام يسيرة حينما اتصل بهم بعض إخوانهم في الكويت قالوا الآن: يكاد يكون مستحيل لكم الرجوع، فكانوا طيلة هذه الفترة مدة سنة ونصف يقصرون، والآن قالوا: نحن الآن اطمأننا وأصبحنا بحكم المقيمين؛ لأنه لا مجال للرجوع. الشيخ: أنا أرى أن هذا هو الصواب. مداخلة: يا سلام! الشيخ: نعم. الشيخ: أرى أن هذا هو الصواب.

стр. 2946

مداخلة: طبعاً، الصواب شيخَنا على حسب نيته. الشيخ: على حسب التفصيل الذي ذكرتُه. مداخلة: على حسب التفصيل. الشيخ: هذا هو. مداخلة: نعم، بارك الله فيك. الشيخ: نعم؛ لأنه ما دام لم ينوِ الإقامة ولو طالت المدة فهو مسافر. مداخلة: شيخنا! استئجار البيت وشراء العفش، كله داخل في الموضوع. الشيخ: كيف؟ مداخلة: شراء العفش. الشيخ: لا يهم .. لا يُغيِّر. مداخلة: حسبما كنت ذكرت لنا، عندما كنت تأتي زائراً من سوريا إلى الأردن وتمكث عند بيت صهرك كنت تتم، وقلتَ: أنا مطمئن وجالس، مع أنك تجلس أسبوع .. عشرة أيام، فهل هذا يعني: غير هذا؟ الشيخ: غير هذا، طبعاً. مداخلة: غيره. الشيخ: أنا نويت الإقامة مطمئناً وكل شيء، ليس عازم، متردد غداً سأسافر بعد غد إلى آخره. مداخلة: يعني: سفره. الشيخ: القضية هنا قضية تَرَدُّد المقيم أنه سيسافر اليوم غداً بعد غد إلى آخره، كما وقع لبعض الصحابة، ومنهم: عبد الله بن عمر حينما خرجوا غُزاةً إلى بلاد أفغانستان، الآن يعني: فيها خراسان، مكثوا ستة أشهر وهم يقصرون؛ لأنه كان

стр. 2947

نزلت الثلوج، وسدت عليهم طريق الرجعة، فيقولون: اليوم غداً سيزول الثلج وتنزل الأمطار وإلى آخره، فمكثوا يقصرون ستة أشهر، هذه رواية صحيحة، توجد رواية أخرى سنتين لكنها ضعيفة السند. مداخلة: شيخ! هذا يدفعنا للسؤال عن قضية الطلبة المسافرين. الشيخ: نعم، هؤلاء نووا الإقامة. (الهدى والنور/٥٤٤/ ٢٩: ٤٨: ٠٠) الرد على القول بأن الجمع المرخَّص به في السنة إنما هو جمع صوري لا حقيقي مداخلة: نسمع من بعض العلماء إجابة على أسئلة كثيرة توجه لهؤلاء العلماء أنه .. سؤال حول الجمع في المطر والبرد، نسمع من بعض العلماء أنه لا يوجد جمع .. الجمع الذي أنتم تجمعوه أنك تقدم الظهر للعصر ولكن هناك جمع صوري، فنريد أن نعرف هل في السنة الجمع الذي يجمعه الناس الذي تقدمه .. كيفية الجمع والرد على الناس الذي يأبون الجمع والبعض منهم يسخر إذا سألته هذا السؤال، يقول: ما في جمع، ولا سيما يا شيخنا أن الناس بحاجة للجمع خصوصاً أن البيوت قد تكون بعيدة، أو تكون قريبة والمطر شديد مثلاً ولعلنا نكون في إحياء هذه السُّنة نأخذ الأجر الذي قال عنه النبي ﷺ : «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه» فجزاكم الله خير. الشيخ: أريد أن أستوضح الذين يقولون ليس هناك جمع إلا جمع صوري .. مداخلة: في المطر. الشيخ: نعم، أما في السفر. مداخلة: في السفر يقرون ذلك شيخنا؟

стр. 2948

الشيخ: ما الدليل على ذلك. مداخلة: ما سمعت منهم دليل. الشيخ: نعم، لا دليل .. مداخلة: ولكن كنت أحب أن أؤجل السؤال. الشيخ: نعم، أولاً: الجمع الصوري لا يقول به من المذاهب الأربعة مذاهب أهل السنة والجماعة إلا الحنفية وهم لا يخصون هذا الجمع في الإقامة بل يقولون: في الجمع في السفر إنه صوري وليس حقيقياً ويصرحون بأن الجمع الحقيقي لا يوجد إلا في مكانين في عرفة جمعاً بين الظهر والعصر جمع تقديم، وفي المزدلفة جمعاً بين المغرب والعشاء أيضاً جمع تقديم، وما سوى ذلك من الجمع في السفر فهو عندهم صوري، لماذا يقولون بالجمع الصوري؟ لأنه الحقيقة جاءت هناك أحاديث كثيرة تكاد أن تكون متواترة إن لم تكن فعلاً متواترة، فيها أن الرسول جمع بين الظهر والعصر وجمع بين المغرب والعشاء فهم حاولوا الجمع بين أحاديث الجمع هذه وبين النصوص التي توجب على المسلم أن يؤدي كل صلاة في وقتها كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] فهم حاولوا التوفيق بين هذا النص وما في معناه وبين هذه الأحاديث التي تقول بالجمع، فأولوا الجمع بالجمع الصوري؛ لأنه في هذه الحالة لا يكون المسلم الذي أخر صلاة الظهر مثلاً إلى قبيل وقت العصر لا يكون قد أخرج صلاة الظهر عن وقتها. مداخلة: لكن لا يكون قد عملوا بالآية؟ الشيخ: كيف؟ مداخلة: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] .. الشيخ: يكون هذا فيها كيف؟ مداخلة: هذا أخروا عن وقتها إلى آخر الوقت. الشيخ: طيب، ما هو وقت الظهر لو سئلت ما هو مثلاً؟ أنت واهم في هذا،

стр. 2949

وقت الظهر من زوال الشمس إلى أول دخول وقت العصر. مداخلة: يبقى وقت ممتد. الشيخ: هذا طبعاً، لكن الحقيقة أن كل وقت من أوقات الصلوات الخمس ينقسم إلى وقت فضيلة ووقت جواز وربما بعض هذه المواقيت يكون فيه القسم الثالث وهو وقت الضرورة، مثلاً: وقت صلاة العصر في أولها هذا هو الوقت الأفضل فإذا أخرت نصف ساعة أو ساعة فهذا وقت الجواز، فإذا أخرت إلى ما قبل غروب الشمس فهذا وقت الضرورة، الظهر ليس فيه إلا وقتين: وقت الأفضلية ووقت الجواز، فلو أن رجلاً صلى الظهر قبل العصر بدقائق أو سلم من هنا وأذن العصر من هنا يكون قد صلى الظهر في وقتها ويكون غير مخالف للآية السابقة: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]. فهؤلاء الذين قالوا بالجمع الصوري حرصهم على أداء الصلوات في أوقاتها هو الذي حَمَلهم على تفسير الجمع الوارد في الأحاديث الصحيحة بهذا الجمع الصوري الشكلي، وأنكروا الجمع الحقيقي، كان يمكن أن يقال بأن مثل هذا التأويل للجمع إلى الجمع الصوري هم معذورون فيه لولا شيئان يقفان في طريق هذا الجمع: الشيء الأول: بالنسبة لما سموه بالجمع الصوري وهو تأخير وقت الأولى إلى قبيل وقت الأخرى .. يقضي عليه حديث في «صحيح مسلم» من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: «جمع رسول الله ﷺ في السفر بين الظهر والعصر أخر الظهر إلى أول وقت صلاة العصر» هذا أبطل الجمع الصوري، هذا جمع حقيقي؛ لأنه أخر صلاة الظهر إلى أن دخل وقت العصر لكن ما أخر كثيراً صلى الظهر في أول وقت العصر، فهذا أول ما يرد على القائلين بالجمع الصوري، فهذا التأويل يبقى حينئذٍ باطلاً لا يجوز الأخذ به؛ لأنه يخالف حديث أنس الصحيح. والشيء الآخر وهو مهم جداً يرد عليهم: أن هناك جمعاً يسمى بجمع التقديم، وهذا لا يمكن تأويله بالجمع الصوري؛ لأن هذا معناه عكس حديث أنس بمعنى: أن الرسول ﵇ صلى الظهر في وقت الظهر ثم قدم العصر إلى وقت الظهر

стр. 2950

فجمع بينهما في وقت الظهر فهذا اسمه جمع تقديم فأين يبقى القول بالجمع الصوري؟ لا شك أن من بلغته هذه النصوص لا يجوز له أن يعطل هذه النصوص من أجل قول: قيل، من قائل هو معذور وقف على الأحاديث الأولى .. جمع بين الظهر والعصر ليس فيه تفصيل الجمع .. هل هو تأخير وقت الأولى إلى وقت الأخرى كما ذكرنا في حديث أنس أو هو جمع تأخير فهم معذورون، أما بعد أن يقف عليها طالب العلم فضلاً عن العالم فلا يجوز له إلا أن يقول بالجمع الحقيقي، هذا فيما يتعلق بالجمع في السفر. وأنا أذكر جيداً بفضل الله أن السؤال الجمع في الحضر، الجمع في الحضر ثبت في السنة وفي عمل أهل المدينة الذين ورثوا السنن العملية من أصحاب الرسول ﵇ وأتباعهم أنهم كانوا يجمعون بسبب نزول المطر، والجمع بسبب نزول المطر لا يمكن أن يتصور أنه جمع صوري، لا يمكن هذا .. لا يتصور أن يكون جمع تأخير أبداً، وإنما هو جمع تقديم في السبق. كنا نتكلم عن الجمع الصوري والحقيقي والمذاهب وخلاصة ما مضى: أن الأحناف يقولون بالجمع الصوري في السفر وبالجمع الحقيقي في عرفة وفي مزدلفة، وذكرنا أن ذهابهم إلى القول بالجمع الصوري في السفر يبطله أحاديث صحيحة بعضها ينص أن النبي ﷺ لما جمع بين الظهر والعصر أخر صلاة الظهر إلى أول صلاة العصر ووصل بنا الحديث إلى أنه أيضاً يبطل قولهم بالجمع الصوري في السفر أنه ثبت أيضاً عند الحاكم وغيره أن النبي ﷺ جمع بين الظهر والعصر جمع تقديم فجمع التقديم كما قلنا آنفاً لا يمكن تأويله بالجمع الصوري. ثم وصل بنا الحديث إلى الجمع في حالة الإقامة فمعلوم أن في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عباس أنه قال: «جمع رسول الله ﷺ في المدينة بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بغير سفر ولا مطر» قالوا: ماذا أراد بذلك يا أبا العباس - أبو العباس كنية عبد الله بن عباس - قالوا: ماذا أراد رسول الله ﷺ حينما جمع بين الصلاتين في المدينة بغير عذر السفر المعروف وأيضاً عذر المطر؟ قال:

стр. 2951

أراد أن لا يحرج أمته، فهذا نص صحيح الرواية وصريح الدلالة .. صحيح الرواية مروي في صحيح مسلم وبالسند الصحيح .. صريح الدلالة؛ لأنه لرفع الحرج، فتأويل مثل هذا النص بالجمع الصوري هو الحرج، هذا يشبه تماماً قول بعض العلماء بأنه يشترط لجواز المسح على الجوربين أن يكونا بثخانة كذا .. ويكون يستطاع قطع مسافة بهما .. طول المسافة كذا وكذا، ويشترط ألا يكونا مخرقين وو إلى آخره. حينما توضع هذه الشروط وهذه القيود في رخصة جاء بها إلينا رسول الله ﷺ انقلبت الرخصة إلى عزيمة وإلى إيقاع الأمة في الحرج: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] فإذا كان حديث ابن عباس هذا أولاً يصرح أن الجمع كان في المدينة بدون عذرين معروفين أحدهما عذر السفر والآخر عذر المطر، وحينئذٍ عندنا سنتان تتعلقان في وضع يشبه وضعنا الآن الفصلي - نصف فصل الشتاء - إذا كان المسلم في بيته وأذن المؤذن مثلاً لصلاة الظهر فيقول في أذانه إن شاء كما هو السنة المطردة: حي على الصلاة .. حي على الفلاح .. ثم يلحق بهاتين الحيعلتين: الصلاة في الرحال .. الصلاة في الرحال، أو يقيم هذه الجملة بدل الحيعلتين، لا يقول في الأذان: حي على الصلاة حي على الصلاة كما هو العادة والسنة وإنما يقيم مقامهما الصلاة في الرحال الصلاة في الرحال، حينئذٍ من كان في رحله والأمطار تتنازل فلا يجب عليه الحضور إلى المسجد، أي: إن المطر شرعاً سبب لإسقاط فرض من الفرائض ألا وهي صلاة الجماعة، هذه السنة الأولى. السنة الأخرى: إذا كان المصلون في المسجد والأمطار تتهاطل من حواليهم فهنا لا يتصور أن يكون جمع تأخير أولاً ولو جمع حقيقة كما فصلنا آنفاً بل ولا يتصور أن يكون جمعاً صورياً؛ لأننا ما الذي نتصوره أن يقال لهؤلاء الذين هطل المطر وهم يصلون الظهر، هل يقال لهم انتظروا في المسجد إلى قبيل صلاة العصر، هذا غير معقول! ولذلك فالذي جرى عليه العمل هو أن الجمع من أجل المطر لا يتصور أبداً إلا أن يكون جمع تقديم، وهذا من أدلة أهل الحديث على الذين يقولون بالجمع الصوري؛ لأن هذا جمع التقديم لا يقبل الجمع الصوري.

стр. 2952

فهذا الحديث هو الذي اعتمدنا عليه لما ذكرناه آنفاً أن الجمع الصوري أولاً فيه حرج، وثانياً: يتنافى مع النصوص الواردة أولاً: في السفر المصرِّحة بالجمع الحقيقي تأخير الأولى إلى وقت الأخرى وبجمع التقديم كذلك، هذا الحديث حديث ابن عباس وكما قلت أيضاً آنفاً جرى عليه عمل أهل المدينة أنهم كانوا يجمعون بسبب نزول المطر، وهذا الجمع لا يمكن أن يكون إلا مُقَدَّماً وليس مؤخراً، هذا ما عندي جواباً على ذاك السؤال. مداخلة: جزاكم الله خيراً، تتمة للملاحظة: هل يكون الحرج شرط في نزول المطر أو يكون مطراً متوقعاً أو أن هناك غيوم كثيفة أو أن هناك برد شديد، هل للإمام أن يرى الجمع أو هناك شرط في الجمع في السنة؟ الشيخ: نعم؟ مداخلة: قلت: الحديث يذكر الحرج: «حتى لا يحرج أمته» هل للإمام الحق أن يجمع في المطر .. هل يكون الشرط أن يكون المطر نازل، أو له أن يجمع في مطر نازل أو مطر متوقع أو البرد الشديد أو كثافة الغيوم؟ الشيخ: الجواب: هناك أسباب في الشرع منصوص عليها ولا تحتاج إلى كثير من الرأي والنظر، كما قلنا آنفاً سفر سفر، مطر مطر، أما هناك ضباب .. هناك غيم! هذه لم يأت فيها نص إطلاقاً، حينذاك نقف عند لفظة «الحرج»، فأنت ذكرت فيما ذكرت آنفاً البرد الشديد، أنا شخصياً أرى أن البرد الشديد وإن كان ليس عندنا نص كما قلت آنفاً معنا نص إلا السفر والمطر، لكن «أراد ألا يحرج أمته» يوسع هذه الدائرة، لكن هذه الدائرة تحتاج لإحسان تطبيقها إلى أمرين اثنين: أولا: إلى العلم النافع، وثانياً: إلى العمل الصالح الذي هو أثر لتقوى الله والابتعاد عن الهوى. وخلاصة هذه القيود: أن الجمع إن كان في المسجد لمثل البرد الشديد هذا يتبناه الإمام وليس أي فرد من الأفراد المقتدين بالإمام فإذا جمع الإمام .. جمع المقتدون معه إذا لم يجمع فلا يجوز للآخرين أن يجمعوا، هذا إذا كان في المسجد وله إمام لكن

стр. 2953

هناك ظروف تتعلق بالأفراد، فرد من الأفراد له ظرف معين فهو يتقي الله وينظر صحيح أهناك عليه حرج فيما إذا أدى كل صلاة في وقتها؟ فيه حرج ما استفتاء قلبه المؤمن؟ حيث وُجد الحرج وُجد الجمع. ومن الخطأ الفاحش أمران اثنان: الأول: أن يفهم حديث ابن عباس دون السؤال والجواب .. ماذا أراد بذلك؟ قال: «أراد أن لا يحرج أمته» من الخطأ أن يفهم الجمع المذكور في الحديث دون النظر إلى السؤال أو الجواب الذي يتلخص منه: أن الجمع الذي جمعه الرسول ﵇ إنما كان لرفع الحرج. فالمسلم إذا وقع في الحرج، إذا ما أدى كل صلاة في وقتها جمع بينهما، وحسبما يقتضيه الحرج الذي يريد أن يفر منه، إما جمع تقديم أو جمع تأخير، وهذا نحن .. نستفيد من هذا الحديث لحل بعض المشاكل التي تعرض لبعض الموظفين الجند مثلاً أو الشرطي أو نحو ذلك فإنهم قد لا يستطيعون أن يصلوا كل صلاة في وقتها حينئذٍ يقال لهم: إذا وجدتم حرجاً في أداء الصلاة في وقتها فاجمعوا بينهما إما جمع تقديم أو جمع تأخير. هذا الشيء الأول. الشيء الآخر: فيما يتعلق في الجمع في المسجد: لا ينبغي أن يصير فوضى في المسجد أناس يريدون أن يجمعوا وأناس لا يريدون أن يجمعوا فلماذا وضع هذا الإمام؟ ليُقتدَى به، صحيح مع الأسف الشديد أن كثيراً من الأئمة خاصة في هذا الزمان ليسوا أهلاً ليكونوا أئمة؛ لأنهم ليس عندهم من الفقه والعلم ما يؤهلهم ليكونوا إمام مسجد، فقد يجمع لأتفه الأسباب، وقد لا يجمع مع وجود السبب؛ ذلك لأنه لا علم عندهم. مع ذلك فينبغي أن يقتدى به سلباً أو إيجاباً لدفع هذه الفوضى، هذا الذي أيضاً أحببت أن أذكر به. مداخلة: شيخنا، لكن بالنسبة للجمع في الحضر، أيضاً الأحناف طردوا هذا الأمر كما طرَّدوه في السفر، يعني: ابن عباس عندما صلى في المدينة أو في العراق جمع

стр. 2954

أخر الظهر وقدم العصر فأيضاً طردوه من هذا المنطق أيضاً في الحضر .. الشيخ: أين هذا؟ مداخلة: الأحناف .. الشيخ: أين هذا الحديث الذي تقول ابن عباس فعل كذا .. ؟ مداخلة: الحديث ذكر ابن عباس صلى في المدينة فأخَّر الظهر وقدَّم العصر، فقام رجل قال: الصلاة الصلاة، فقال: لا أمَّ لك أتعلمني السنة؟ ! الشيخ: أنا أسأل: أنت تعني أن في هذا الحديث الجمع الصوري؟ مداخلة: أقول لك: هم .. الشيخ: الشيخ: قل لي، قل لي: الجمع الصوري؟ مداخلة: نعم، نعم. الشيخ: هذا لا يعطي الصوري. مداخلة: أنا قلت: هم تَصوروا .. أيضاً أبو مالك .. الأستاذ أبو مالك يعني: كأنه متبني هذا الرأي، واليوم كان تقريره لهذا الشيء .. الشيخ: تقريره لماذا، أنا ما سمعته يتكلم في الموضوع؟ مداخلة: في «إرشاد الساري» ذاكر شيئا من هذا الكلام. الشيخ: المهم: حديث ابن عباس ليس فيه تصريح بالجمع الصوري. والحقيقة أن الجمع الصوري أنا أقولها الآن صراحةً ما قلتها من قبل: هو من بدع الحنفية؛ لأنه لا يوجد في الشرع في أي حديث التصريح بالجمع الصوري إطلاقاً. لكن أنا قلت آنفاً والشريط موجود عندكم وأرجو أن تحفظوا هذا البيان الذي قدَّمته بين يدي الإجابة .. الحنفية ما قالوا بالجمع الصوري إلا محاولةً منهم للتوفيق

стр. 2955

بين أحاديث الجمع التي لم تُصرِّح بالجمع الحقيقي والتي لم تصرح بأن الجمع كان جمع تقديم، وإنما جمع رسول الله ﷺ بين الظهر والعصر. فمحاولةً منهم للتوفيق بين آية: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] وبين أحاديث الجمع، جاؤوا بهذا التأويل ونحن معهم بأن العالم يضطر أحياناً للتأويل للتوفيق بين نصين ظاهرهما التعارض والتناقض. ولكن إذا لم يكن هناك ما يكفيه مؤنة التأويل، كما قلت لكم آنفاً: جاء الحديث عن أنس أن الرسول ﵇ لما جمع أخر صلاة الظهر إلى أول صلاة العصر، هذا يبطل إذاً الجمع الصوري، ولا يوجد أي حديث في الدنيا يقول: أَخّر صلاة الظهر إلى قبل وقت العصر .. إلى قبل، أما أنه جمعها إلى أول وقت العصر فهذا موجود في صحيح مسلم كما ذكرنا. فحديث ابن عباس هذا يقول بالجمع، لكن لا يُصرِّح عن نوعية الجمع، حديث ابن عباس الذي أنت ذكرتَه أولاً هو حديث غير حديثنا نحن، الحديث الذي ذكرتَه أنت هو في «صحيح البخاري» وليس في الظهر والعصر بل في المغرب والعشاء، رأيت! فهو كان يخطب حتى بدت النجوم وذكره من قلت إنه قال له الصلاة الصلاة ونهره بتلك الكلمة «أتعملني الصلاة» لقد جمع رسول الله ﷺ .. وذكر الحديث بدون الزيادة التي هي في صحيح مسلم قيل له: ماذا أراد بذلك؟ قال: «أراد ألا يحرج أمته» هناك في حديثك وليس في حديثه أحد الرواة هو أبو الشعثاء قال له أحدهم: أرى أن هذا الجمع هو كما نقلت أنت، قال له: وأنا أرى ذلك، فليس هنا نص من ابن عباس أن الجمع جمع صوري هذا خلاصة ما يقال، ثم هذا الجمع إن وقع فيقع لملابسة ليس مفروضاً هذا الجمع، بمعنى: أذن لصلاة المغرب وابن عباس يخطب، ووجد أن الجمع الآن محتشد ويستمع، فهو لا يريد أن يقطع هذا البحث، وهذا العلم من أجل التعليل بأداء صلاة المغرب في أول وقتها وقبل أن تتشابك النجوم كما هو المعروف في السنة، يريد أن ينتهي من المحاضرة أو الموعظة التي كان يلقيها فإن انتهت الموعظة منه قبيل صلاة العشاء صلى المغرب، وإن انتهت

стр. 2956

الموعظة بعد العشاء صلى المغرب، أريد من هذا الكلام بأنه لا يفرض عليه أنه إذا أردت أن تجمع أنك تتقصد أن تؤخر الأولى إلى قُبيل دخول وقت الأخرى، هذا كما قلنا فيه حرج. فإذاً: الجمع هو لحل مشكلة، هذا الجمع إذا اقتضى التقديم قدمنا .. إذا اقتضى التأخير حقيقةً أخَّرنا .. إذا اقتضى التأخير إلى قبيل وقت الأخرى ما في مانع، أما أن يفرض ذلك فرضاً على المسلم، فهذا لا يوجد فيما علمنا في السنة ما يلزمنا بذلك. (الهدى والنور/٥٤٦/ ٤٤: ٠٠: ٠٠) (الهدى والنور/٥٤٦/ ٥٢: ١٨: ٠٠) (الهدى والنور/٥٤٦/ ١٥: ٢٢: ٠٠) (الهدى والنور/٥٤٦/ ١٧: ٢٨: ٠٠) مدة الجمع والقصر بالنسبة للمسافر الملقي: أقول: مدة الجمع والقصر بالنسبة للمسافر، كأن يأتي المسافر كأن يأتي مسافر زائراً إلى عمان، وينوي الإقامة شهراً إلى شهر ونصف، هل له الجمع؟ الشيخ: نقول جواباً عن هذا السؤال: أولاً الجمع يا أخي إنما هو رخصة بالنسبة للمسافر سواءٌ كان بحاجة إليها أو لم يكن بحاجة إليها، والعمل بها هو أمر يحبه الله ، كما جاء في الحديث الصحيح: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه» فإذا كان الرجل مسافر فعلاً، فله أن يجمع، سواءً كان في حاجة إلى الجمع أو لم يكن في حاجة إلى الجمع، لكن الجمع ليس خاصاً بالمسافر فقط، وإنما هي تجوز -أيضاً- للمقيم، لكن ليس من باب الترخص وإنما من باب الحاجة الملحة؛ لقول ابن عباس -رضي الله تعالى عنه- كما في صحيح مسلم: «جمع رسول الله ﷺ في المدينة بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بدون سفر ولا مطر، قالوا: ماذا أراد بذلك يا أبا العباس؟ قال: أراد ألَّا يحرج أمته» فهنا أنا أقف قليلاً، لأن هذه المسألة [دقيقة] جداً، ألا وهي الجمع بالنسبة للمقيم، ثم نعود

стр. 2957

إلى الجمع بالنسبة للمسافر؛ لأن أكثر الناس كما قال رب العالمين كقاعدة: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، ومن جملة ما لا يعلمون هذا الجمع بالنسبة للمقيم، بعضهم يعلم أن الجمع للمقيم يجوز، لكنه لا يشترط له أي شرط أي: فيجعل الجمع للمقيم كالجمع للمسافر «لا يستويان مثلاً». يختلف الجمع للمقيم عن الجمع للمسافر، الجمع للمسافر كما قلت آنفاً رخصة، ما هو يعني مضطر، ولا في حاجة ملحة إلى هذه الرخصة، ولا يستطيع أحد أن ينكره؛ لأنه ثبت الجمع بين الصلاتين في الأحاديث الصحيحة، خلافاً لمن يصور هذا الجمع في السفر، ويسميه بـ «الجمع الصُّوْري»، وأنتم تقولون: الجمع الصُّوَري، هذا لا حاجة إليه لغة، إنما هو الجمع الصُّوْري، الجمع الحقيقة هو إما تأخير الصلاة الأولى كالظهر مثلاً إلى الصلاة الأخرى كالعصر، فتصليهما معاً في وقت العصر، ويسمى جمع تأخير، وإما أن تقدم الصلاة الأخرى فتضمها إلى الصلاة الأولى، وتصليهما في وقت الأولى، فيسمى جمع التقديم، هذا جمع حقيقي مش جمع صوري، كذلك الجمع في حالة الإقامة، جمع حقيقي ولكن يُشترط هنا شرط لا يُشترط في الجمع للمسافر ألا وهو الحاجة التي تعترض سبيل المصلي، فيجد حرجاً يوماً ما في وقت ما أن يصلي الظهر في وقتها والعصر في وقتها، فيجمع بينهما جمع تقديم أو جمع تأخير دفعاً للحرج، في السفر مش دفعاً للحرج، وإنما تمسكاً بالرخصة، إذا عرفنا هذه الحقيقة في الجمع في السفر والجمع في الحضر وأنهما من حيث صورة الجمع فهو جمع حقيقي، أما من حيث جواز الجمع ففي السفر للرخصة وفي الحضر لدفع الحرج، إذا عرفنا هذا نعود للإجابة: هذا الذي نوى الإقامة في بلد سفره شهراً أو شهرين أو أقل من ذلك أو أكثر من ذلك، هذه الإقامة ليست لها في الشرع أيام معدودات، وإنما هي تتعلق بحالة المقيم، فإن كان أقام تلك الأيام أو أقل منها أو أكثر، وهو نوى الإقامة فعلاً، واطمأن في نزوله في ذلك المكان، فهذا أصبح مقيماً، ولو أنه ليس بلده، أصبح مقيماً، فلا يجوز له القصر حيث يجب القصر على المسافر فضلاً عن أنه لا يجوز له الجمع إلا كما ذكرت آنفاً لدفع الحرج. أي: هذا الذي نوى الإقامة أو أقل أو أكثر أصبح مقيماً، فتجري عليه أحكام

стр. 2958

المقيم، أما من نزل في بلد غير بلده، ولم ينو الإقامة، إنما له في هذا البلد مصالح، يريد أن يقضيها، لكنه لا يدري متى تنقضي، بحيث أنها إذا انقضت عاد أدراجه إلى بلده، فما دام أنه لم ينو الإقامة وإنما قال في نفسه: متى أنتهي من قضاء حاجتي رجعت إلى بلدي فهذا غير مقيم، وصورة هذا الذي يقول: والله خلصنا هالشغلة هي سافرنا، يومين ثلاثة أربعة خمسة، وبيعلل نفسه هاه اليوم تنتهي ما انتهت، بكرة بتنتهي ما انتهت، لو راحت أيام طويلة مهما كانت بل وشهور، فهو مسافر. فإذاً: القضية لها علاقة بوضع الإنسان في حالة الإقامة المؤقتة ونيته، إذا نوى الإقامة والاستقرار أياماً معدودات فهو مقيم، إذا ما نوى الإقامة، وإنما هو مقيم إقامة مؤقتة لقضاء تلك المصالح، ومتابعة تلك الأعمال، فإذا انتهى منها يعود إلى بلده، فهذا مسافر مهما طالت الأيام، هذا هو جواب السؤال. (الهدى والنور/٦٧٨/ ٤٥: ٠٠: ٠٠) (الهدى والنور/٦٧٨/ ١٣: ٠٣: ٠٠) لم يحدد الشارع المسافة التي تتيح الترخص برخص السفر الشيخ: ينبغي أن نفهم المرض الذي أذن الله لمن أصيب به أن يُفطر، وأن يقضي يوماً آخر، فما هو المرض؟ لا يمكن تحديد المرض بأمور مادية كما تُحَدَّد المسافات الأرضية بالكيلومترات، ممكن مثلاً تقولوا: مثلما عرفنا في خمسين كيلو متر بينها وبين العقبة، لكن كم وكم من أمراض تصيب الشخص الواحد فضلاً عن الناس كلهم، لا يمكن أن يوضع لهم خارطة جريدة، يمكن أن تصنف الأمراض فيقال رقم ٣، ٢، ١، .. ، ٥ .. ، ١٠ إلى آخره، هذه أمراض تُسَوِّغ لمن أُصِيب بشيء منها أن يُفْطر؛ لأنه يكون مريضاً، والأمراض الأخرى ولو أنها أمراض فمن أصيب بشيء منها لا يسوغ له ولا يجوز أن يفطر في رمضان، لا شيء من هذا أبداً، وكما تعلمون بنفس السياق ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] في الأخير يقول ربنا عز

стр. 2959

وجل ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾. فلو أن الله حَدَّد مسافة السفر لوقع الناس في حرج، وبخاصة في الأزمنة الأولى؛ حيث لم تكن هناك الأراضي مخططة من مدينة كذا إلى مدينة كذا في كذا كيلومتر، لم يكن هناك شيء إطلاقاً. فلو أن الله حَدَّد مسافة السفر لوقع الناس في حرج ولأصابهم العنت والله تفضّل على عباده حيث كان يستطيع أن يحقق مشيئة من مشيآته كما قال ﴿وَلَوْ شَاءَ الله لأَعْنَتَكُمْ﴾ لكن هل شاء الله أن يعنتنا؟ لا قال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. إذاً: لأن هذا الدين الذي اصطفاه الله للعالمين، واصطفى لتبليغه سيد المرسلين، بُنِي على قاعدة «وما جعل عليكم في الدين من حرج» أي ما جعل علينا من عنت. فلو أنه كلفنا لو أراد خاصة العرب الأولين وبصورة أخص منهم البدو الذين يعيشون في الصحارى وأرض الله واسعة يريد أن ينتقل من مخيم إلى مخيم ومن قبيلة إلى قبيلة، كيف يريد أن يعرف ما هي المسافة بين هذا المكان وهذا المكان؟ لا، لذلك يرجع إلى العرف .. عرف الأقوام الذين يعيشون في الصحراء، عرف هؤلاء الأقوام الذين يعيشون في المدن والقرى، فما حَكَم العرف أن هذه المسافة التي يقطعها هو سفر فهو سفر وما لا فلا، كذلك المرض تماماً؛ من أجل هذا ربطت أنا المسألة مسألة السفر بالمرض؛ لأن الله جمع بينهما في الآية السابقة. وكما قلت آنفاً: إن المرض لا يمكن حَصْرُه بخمسين نوع ولا بمائة نوع هذا من جهة، ومن جهة أخرى: ليس من الممكن أن نحصر قوة النوع الواحد من المرض .. مثلاً واحد عنده سخونة وارتفاع حرارة فهذه درجات، فمن الذي يحكم، وكلما أصاب شخصاً ما مرض ما لازم يجيب الطبيب ويعين وزن هذا المرض، حتى يُسمح له بالإفطار في رمضان؟ هذا تكليف لِعَنَتٍ آخر يتبرأ ديننا وإسلامُنا منه.

стр. 2960

إذاً: السفر ما عُرف أنه سفر فهو سفر وإلا فليس بسفر، فالآن كما يقال: أهل مكة أدرى بشعابها وأصحاب الدار أدرى بما فيها، حينما يأتي أحدكم من العقبة إلى هنا، هل تقولون إنه مسافر؟ أنا لا أعرف، لكن إذا كان عُرفكم يقول لمن كان في العقبة أنا مسافر إلى الكويرة، فهو سفر طالت المسافة أو لا، وإذا قال لا أنا رايح على الكويرة لا يستعمل لفظة السفر، فهو ليس سفراً، هذا هو الضابط في الموضوع وإلا وقعتم في إشكالات ما تستطيعون .. ليس أنتم ولا مؤاخذة، ما تستطيعون الجواب عليها، أكبر عالم في الدنيا ما يستطيع أن يُعْطيكم جوابًا إذا ما ربطنا السفر بمسافات كيلومترات؛ لأن بعض البلاد كالصحارى مثلاً صحيح الطرقات العامة الآن مخططة وفي حجارة أو لافتات وما شابه ذلك من مثلاً القرية أو البلدة الفلانية في كذا كيلومتر، لكن لما الإنسان يخرج في الصحراء ويخرج في البادية ما في هذه القياسات إطلاقاً، ماذا يفعل هؤلاء المسلمون الذين يعيشون في مثل هذه الصحارى؟ بل ماذا يفعل المسلمون الذين يعيشون في مجاهيل أفريقيا ماذا يفعلون؟ إذا عرفوا يسر الله في دين الله ظهرت لهم حكمة الله في قوله: «فمن كان منكم مريضاً أو على سفر» أي مطلق السفر مطلق ما يُعرف سفر فهو سفر، مطلق ما يُعرف مرض فهو مرض. ويعجبني بهذا الصدد أن الإمام القرطبي صاحب التفسير «الجامع لأحكام القرآن» ذكر في تفسير هذه الآية «فمن كان منكم مريضاً أو على سفر» ذكر هنا في لفظة المرض أنه على إطلاقه، وذكر رواية عن محمد بن سيرين ﵀، بأنه رُئي يوماً في رمضان وهو مفطر ولا يبدو عليه لا أنه مسافر ولا أنه مريض، فلما أحدهم سأل: ما بالك أنت مفطر؟ فأراه إصبعه .. إصبعه مجروحة ورابطها فهو إذاً مريض. فإذاً: هو ترخّص برخصة الله التي نص عليها في هذه الآية الكريمة، إذاً: محمد بن سيرين وهو من كبار التابعين كما هو معروف، ومن علمائهم وفضلائهم، ومن المكثرين من الرواية عن مُحَدِّث الصحابة أبي هريرة ﵁ يُكثر عنه جداً من الرواية.

стр. 2961

هذا التابعي العالم الراوي المحدث الجليل فهم الآية «فمن كان منكم مريضاً» على الإطلاق، فكل من كان مريضاً فيجوز له أن يترخص وأن يفطر في رمضان. وعلى ذلك نفس الكلام يقال بالنسبة للسفر. مداخلة: نعم بارك الله فيك. الشيخ: وفيك بارك. (الهدى والنور/٧٠١/ ١٦: ٠٤: ٠٠) هل أقل مدة القصر أربعة أيام ؟ مداخلة: ما هي أقل مدة لأيام القصر، هل هي أربع أيام؟ الشيخ: ما في أيام، إنما هو العزم على الإقامة أو عدمه. (لقاءات المدينة لعام ١٤٠٨ هـ (١) /٠٠: ٣٢: ٤٢) هل أقام النبي ﷺ في مكة ١٩ يوما يقصر أم ١٧ يوماً ؟ حديث: «أنه ﷺ لما فتح مكة أقام بها تسعة عشر يوما يصلى ركعتين». صحيح. أخرجه البخارى «١/ ٢٧٦» من طريق أبى عوانة عن عاصم وحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: «أقام رسول الله ﷺ تسعة عشر يوما يقصر, فنحن إذا سافرنا فأقمنا تسعة عشر قصرنا, وإن زدنا أتممنا». ومن هذا الوجه أخرجه البيهقى «٣/ ١٥٠» به. ثم أخرجه هو والدارقطنى «١٤٩» من طرق عن أبى عوانة به إلا أنه لم يذكر حصينا وقال: «سبعة عشر يوما» ... [قال الإمام]: وقد جمع بينهما البيهقى وغيره بأن من روى الأولى عدد يوم الدخول ويوم الخروج, ومن روى الأخرى لم يعدهما, وقال الحافظ: وهو جمع متين. والله أعلم. [إرواء الغليل تحت حديث رقم (٥٧٥)]

стр. 2962

هل للقصر في السفر مدة محددة وما هي ضوابط الإقامة السائل: فضيلة الشيخ القصر في السفر، يعني هل له مُدَّة مُعَيَّنة، وإذا لم يكن يعني سؤالي: ما هو ضابط الإقامة في بلد ما؟ الشيخ: ضابطها القصد والنية، وقد يقترن معه العمل في كثير من الأحيان، لكن الأساس هو النية، وواقع الناس في الواقع هو الذي يُحَدِّد عليهم، إذا كانوا مسافرين أو مقيمين في حالة نزولهم في بلد هو غير بلدهم. الفقهاء جزاهم الله خيراً كانوا يُلاحظون هذه الأمور بشيء من الدقة التي يغفل عنها الجماهير، فمعلوم في الفقه: أن الرجل إذا كان له زوجتان كل واحدة منهما في بلد فهو إذا خرج مسافراً من بلده إلى بلد الزوجة الأخرى، فهو ما بين البلدتين مسافر، لكنه في كل من البلدين هو مقيم؛ ذلك لأن المسافر عادة إنما يغادر بلده إلى بلد آخر، أو مكان آخر لقضاء حاجات له، لا يدري هل هذه الحاجة تُقْضى له في ساعة أو في يوم أو أيام. لذلك يقولون: إن المسافر إذا نزل بلداً لقضاء بعض الحاجات فهو مسافر، بشرط ألا يَعْرف ولا ينوي الإقامة، فيقول: أنا غداً أنهي مصالحي وأعمالي وأسافر فلا تقضى، يقول: إذاً: بعد غد وهكذا وقد يقيم ما شاء الله أسابيع بل وشهوراً، وهو في هذا التردد لَمَّا ينوي الإقامة بعد؛ لأنه يريد أن يعود إلى بلده. وقد تأملت في بعض النصوص الشرعية، فوجدت أَدَقُّها تعبيراً قول الله في سورة البقرة، حينما يقول: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] إلى آخر الآيات، إلى أن يقول: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] قصدي هنا لم يقل: أو كان مسافرًا، إنما «أو على سفر» ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. فقد يكون من الواضح جداً في المثال السابق حينما ضربنا لرجل بالزوجتين، قلنا هو ما بين البلدين مسافر، لكن حينما يطب في البلد الآخر عند الزوجة

стр. 2963

الأخرى، هو لا يكون على سفر، وبالتالي: لا يكون مسافراً من باب أولى، وليس كذلك من خرج مثلاً مجاهداً أو خرج متاجراً؛ يجاهد الكفار لا يدري متى تكون العودة إلى بلده، فهو في ذاك البلد لا يزال مقيماً، إلا هنا يخرج حكم المرابط مثلاً الذي يوضع كحارس على الحدود فهو مقيم هناك ناو الإقامة، فقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] كلمة «على سفر» هي التي يجب أن يراقبها من نزل في بلد، فهل هو على سفر أم هو على إقامة. فإن كان على سفر، مهما طالت المدة فهو في حكم المسافر، وإذا لم يكن على سفر ونوى الإقامة، ولا حَدَّ لهذه الأيام مادام أنه نوى الإقامة. وكمثال للأمر الأول: ما صَحَّ عن بعض السلف، ومنهم عبد الله بن عمر أنه كان في نحو هذه البلاد في أذربيجان وأمثالها كانوا مجاهدين غُزَاةً في سبيل الله، فغلبتهم الثلوج، فبقوا ستة أشهر وهم يقصرون؛ لأنهم كانوا بانتظار زوال الثلوج وانفتاح الطرق؛ حتى يعودوا إلى بلدهم. لكن هل هذا يصح أن يُقَاس عليه ما نسمعه من بعض أهل العلم اليوم، أنهم يقولون: بالنسبة لبعض الطلاب الذين يسافرون من بلد إلى آخر، سواء كان هذا البلد إسلامياً أو شركياً في سبيل طلب العلم، يخرج الرجل مثلاً من بعض البلاد العربية إلى أوروبا أو أمريكا، يقيم فيها السنين الطوال أربع سنوات أو أكثر، يقول هذا البعض بأن هذا مسافر! كيف هذا مسافر؟ هنا نقول: هل يَصْدُق عليه قوله تعالى: ﴿عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]؟ البتة لا، هذا مقيم، هذا كله إذا غضضنا الطرف أنه لما نزل في ذلك البلد ما نوى الإقامة، بينما حقيقةً هو نوى الإقامة على الأقل السنة الدراسية كلها، ثم أُتيح له زيارة بلده في العطلة زار وإلا فلا. إذاً: المسألة فيها دِقَّة، لكن فيها أيضاً معنى إذا ما تأمله طالب العلم وجده إن شاء الله بَيّناً واضحاً. وأحفظ من كلام شيخ الإسلام، لبيان أن السفر له علاقة بالنية، فهو ضرب

стр. 2964

مثلاً، وهو من سكان دمشق في زمانه، بأن رجلاً خرج للصيد من دمشق إلى بعض ضواحيها أو بعض قراها، إلى قرية مثلاً تعرف هناك اسمها دومة، وتبعد عن دمشق نحو خمسة عشر كيلو متر، قال: فلم يجد الصيد الذي يبتغيه، فانطلق يمشي، وهكذا لم يزل يتنقل من قرية إلى أخرى في سبيل طلب الصيد، وما وجد نفسه إلا وقد وصل إلى حلب، وبين دمشق وحلب مراحل، بالقياس العصري اليوم أربعمائة كيلو متر، قال هذا، ولو أنه قطع مسافة هي بالاتفاق مسافة سفر، لكنه ليس مسافرًا؛ لأنه ما نوى السفر. إذاً: سواء في حالة السفر أو حالة الإقامة، يعود الأمر إلى الحديث الذي يقول عنه بعض العلماء: إنه ثلث الإسلام، ألا وهو قوله ﵊: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، ونكتفي بهذا المقدار إن شاء الله، ونرجو أن نلقاكم وأنتم بخير. مداخلة: حفظكم الله، نفس السؤال أجبت يا شيخ أن ابن عمر ﵄ قصر، ما ذكرت جمع، لم يجمع؟ الشيخ: لا، ما ذكرت؛ لأن الرواية فيها القصر، والجمع حُكْمُه ليس كالقصر، القصر واجب، الجمع رخصة، ثم القصر خاص بالسفر، والجمع ليس خاصاً بالسفر. (الهدى والنور /٨٠٩/ ٣٨: ٣٣: ٠٠) (الهدى والنور /٨٠٩/ ٠٠: ٤٠: ٠٠) المُدَّة التي تسمح للمسافر بالقصر والجمع مداخلة: يا شيخ الآن أسئلة في أحكام السفر، يقول: ما هي المُدَّة التي تسمح للمسافر بالقصر والجمع، إذا نزل؟ هذا السؤال ربما .... ينقل عنك الآن يا شيخ أنك ترى رأيًا ثانيًا، ترى رأي الجمهور، كنا سمعنا من قبل أنك ..

стр. 2965

الشيخ: ما عرفت من نفسي هذا التَغَيُّر في هذه المسألة .. أما أنا تَغَيَّرت طبعاً؛ لأن الإنسان لا ينبغي أن يَجْمُد على الخطأ، إذا ما تبين له. أما في هذه المسألة ما في عند شيء جديد «لكن الناس يُكثرون القول والتقول، وكم قول يُنقل ولا أقله» فمهما كان مغرقاً في البعد عن الصواب وعن الواقع، فهو أهون بكثير من القول الذي تكرر نقله، بأن القائل مات ودُفن وصُوّر قبره ضخمًا وعاليًا وهو يحارب ذلك في قيد حياته. المهم: أنا ليس عندي رأي جديد في الموضوع، وأحكام السفر سواءً من حيث تحديد المسافة التي إذا قطعها يصبح مسافراً أو لا، أو هذا المسافر الذي طَب أو حَل في بلد ثم أقام فيها أياماً معدودات، فما هي الأيام التي يصبح بها مقيماً، كل هذا وذاك أنا ليس عندي رأي في تحديد الأمرين، سواء إذا خرج فهل هو بمجرد خروجه وقَطْعِه لمسافة مُعَيَّنة يُصْبح مسافراً أم لا، أو إذا أقام في بلد السفر متى يصبح مقيماً .. مداخلة: يعود هذا إلى .. الشيخ: إلى العرف .. وهذه المسألة لم أجد من تكلم فيها بشيء مطمئنًا كما فعل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في رسالة خاصة له في أحكام السفر، وهي مطبوعة في مجلد تحت عنوان: «مجموعة الرسائل والمسائل» قديماً هي كانت عندي ومن طبعة السيد رشيد رضا ﵀. المهم: هذا رأيي قديماً إلى اليوم ولا جديد عندي، ولعل الجواب مفهوم لديكم. مداخلة: لكن يا شيخ العرف .. عرف البلد .. الشيخ: التي هو فيها .. مداخلة: الذي هو فيها .. كيف يعرف العرف .. الشيخ: هذا أولاً، ومن إقامته في البلد الجديد يعود إلى نيته وقصده.

стр. 2966

مداخلة: طيب يا شيخ! سؤال توضيحي: أحد الإخوة أمه مثلاً من بلد عربي، وهو يسافر مع أهله إلى بلد أمه، وأمه قد استقرت في هذا البلد الذي هو فيه، فيذهب إلى بلد أمه، أخواله يكون لهم بيت هناك لأمه فيقول: إذا وصل يستنكر أهل البلد كيف أنا أقصر الصلاة فيقول: أنا نيتي السفر؛ لأني أعتبر نفسي مسافرًا فيقولون: والدتك عندها بيت، فما رأيك يا شيخ؟ الشيخ: لا، هذا .. نحن نقول في كثير من الأشرطة، وهي في ظني موجودة عند الأخ أبو ليلى، أضرب مثلاً لرجلين خرجا من بلد واحد ونزلا في بلد آخر، وكلاهما مسافر من كل الاعتبارات، لكن أحد اللذين نزلا في البلد الآخر له زوجة هناك، هذا ليس مسافراً، وكذلك نزل ببيت أبيه أو في بيت أمه .. مداخلة: من حين الوصول يعتبر مقيمًا يا شيخ. الشيخ: نعم، من حين وصوله إلى بلد أبيه أو بلد أمه أو .. مداخلة: أو أخواته .. الشيخ: لا، العطف مني ليس منك، من حين وصوله إلى بلده، ونزوله في بيت أبيه أو أمه أو زوجته الأخرى فهو مقيم، أما إذا نزل في بيت أخ له فليس الأمر كذلك؛ لأنه يُلاحظ في هذا التفصيل فقه، وهذا هو الفقه الذي أشار إليه الرسول ﵇ في الحديث المعروف الصحيح: «من يُرِد الله به خيراً يفقه في الدين» يُلاحظ في حكمة تشريع القصر والجمع في السفر، هو أن هذا المسافر يكون في الغالب ملهوجاً ملاحقاً بأعماله، بقضاء حاجاته ونحو ذلك، لكن هذا الذي ينزل في بيت زوجته أو في بيت أبيه أو في بيت أمه هذا لا فرق بين بيته الذي خرج منه وبيته الذي نزل فيه في البلد الآخر، لكن ليس كذلك فيما إذا نزل في بيت أخيه، فزوجته ليست مَحْرَماً له .. مداخلة: أحسن الله إليك شيخ، عثمان .. الشيخ: نعم؟

стр. 2967

مداخلة: عثمان لما اعتذر بهذا فقال: «إن تأهلت» فرد عليه فقال: «وكذلك رسول الله تأهل» .. الشيخ: نحن لو جاز لنا أن نحتج لاحتججنا بهذا، لكن هذا حديث لا يصح، وقد صَحّ أن عثمان ﵁ كان يُتِم في منى، لكن لم يصح تعليل سبب إتمامه، وقد جاء في هذه التعليل روايتان كلتاهما لا يصح، إحداهما: أنه تزوج هناك، وهذا كان يكون دليلاً منقولاً؛ لأنه يقول إن الرسول يقول: إذا تزوج الرجل في بلد فهو مقيم، أو كما قيل في الحديث، ولا أقول: كما قال الرسول؛ لأنه ضعيف لا يصح. والتعليل الآخر، وربما يكون هذا مقبولاً منطقياً أكثر، أنه لما أُنكر عليه، وقيل له: بأن الرسول أقام في منى في حجة الوداع وما قصر، فأجاب بجواب: أنه يحضر في هذا المشعر في هذا المكان ناس من الأعراب، يعني: الذين لا فقه عندهم ويقتدون بإمامهم بخليفتهم، فإذا رأوا الخليفة يصلي قصراً، يتوهمون أن الصلاة فُرِضت هكذا؛ ولذلك فهو كان يُتِم، هذه رواية لا تصح أيضاً من حيث الإسناد. ولذلك فنحن في الواقع نقول: الله أعلم بسبب إتمام عثمان في منى، وهو يعلم أن الرسول ﵇ ما أتم، فليس عندنا جواب إلا ما سبق ذكره. (الهدى والنور /٨٣٥/ .. : ٤١: .. ) هل يبدأ المسافر بالترخُّص برخص السفر من المطار ؟ مداخلة: [المرء] إذا جد به السير جمع وقصر، هل يا شيخ! المطار بعد الانتهاء من عمل الجواز ودخول ساحة الطائرة، هل يُعْتَبر هذا جَدّ به السير، وبالتالي يجوز له أن يجمع ويقصر في المطار، في الواقع داخل البلد؟ الشيخ: لا، هو السفر كما تعلمون من الناحية العربية، هو الخروج من البلدة ومن البنيان، فيختلف الآن مثلاً هنا في عمان عندنا مطار .. دارنا تطل عليه كان في وسط البلد، فهذا لا يجوز له أن يشرع في أحكام السفر إلا إذا انطلقت الطائرة

стр. 2968

وجاوزت حدود عمان، بينما مطار عمان الآن الذي يُسمونه مطار عمان الدولي، فهو خارج البلد، فإذا ركب سيارته أو استأجر سيارة ما ليذهب إلى الطائرة ويركبها وخرج عن بنيان عمان، تبدأ حينذاك أحكام السفر؛ لأن المطار خارج البلد، فيختلف الأمر بين مطار وآخر. إذا كان المطار داخل البلد فلا يبدأ القصر والجمع، وإذا كان خارج البلد فيجوز. (الهدى والنور /٨٣٥/ ٢٥: ٤٩: .. ) متى يرخص في قصر وجمع الصلاة؟ وحكم صلاة السنن في السفر مداخلة: هنا يسأل سائل فيقول: -تقريبًا بالنسبة للنقطة التي سبقت- قصر وجمع الصلاة متى يكون وكيف؟ الشيخ: قصر وجمع الصلاة متى وكيف؟ أما متى فذلك إذا أصبح مسافرًا، فالمسافر هو الذي يجب عليه القصر ويجوز له الجمع، ولكن الجمع قد يجوز أحيانًا لغير المسافر، كالمرأة المستحاضة مثلًا، فقد جاء في السنة أن النبي ﷺ ترخص لها أن تجمع بين الصلاتين لأنها معذورة بدم الاستحاضة، كما أنه يجوز لغيرها من النساء والرجال الجمع في حالة الإقامة بشرط أن يوجد الحرج فيما إذا أراد المسلم أن يحافظ على أداء الصلاتين كل في وقتها، إذا وجد الحرج هناك يجوز الجمع ولو كان مقيمًا، وعلى هذا يحمل حديث الإمام مسلم في صحيحه من رواية ابن عباس ﵁ قال: جمع رسول الله ﷺ في المدينة بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء بغير خوف ولا مطر، قالوا: يا أبا العباس! - كنية عبد الله بن عباس - ماذا أراد رسول الله ﷺ بذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته، فهذا معناه: حيث كان الحرج جاز الجمع بالنسبة للمقيم، وبهذا يختلف المقيم عن المسافر، فالمقيم لا يجوز له

стр. 2969

الجمع بين الصلاتين على الوصف المذكور في حديث ابن عباس إلا إذا وجد الحرج، أما المسافر فلا عليه وجد الحرج أم لا فإنه رخصة أو رخص له أن يجمع دون أن يشترط في حقه الحرج الذي اشترط في حق المقيم. على هذا الوجه يجب تفسير حديث ابن عباس وليس كما يفهمه البعض أن الجمع بالنسبة للمقيم هو كالجمع بالنسبة للمسافر، يعني: يجمع متى شاء، هذا لا يجوز؛ لأن الأدلة القاطعة بوجوب المحافظة على أداء الصلاة في أوقاتها وأنه لا يجوز أن يقدمها أو أن يؤخرها إلا فيما جاء الاستثناء، أيضًا هذا من باب إعمال النص العام في حدود عمومه إلا ما استثني فله حكمه. بقي من السؤال وهو: وكيف يجمع؟ لعل السائل يعني بهذا الطرف من السؤال: كيف يجمع؟ الذي يبدو لي هل يجمع المسافر وهو مجد ومنطلق فهو يجمع في مسيره، أما إذا نزل منزلًا وأقام فيه وحضرته الصلاة الأولى والثانية وربما أكثر من ذلك فلا يجمع؛ لأنه نازل كما يذهب إلى ذلك ابن قيم الجوزية ﵀ في كتابه الزاد، الجواب: هذا تفصيل لا دليل عليه يلزم المسلم المسافر بألا يجمع بين الصلاتين إلا إذا كان مسافرًا، أما إذا كان نازلًا فلا يجمع، هذا مما لا دليل عليه. وحديث ابن عمر الذي يحتج به ابن قيم الجوزية أنه كان إذا جد به السير جمع، هذا لا ينفي أنه إذا كان نازلًا أن يجمع، وإنما حديث ابن عمر يتحدث عن حالة من أحوال الرسول ﵇ التي هو اطلع عليها، وهي: أن النبي ﷺ كان يجمع إذا جد به السير، لكن هذا دليل صالح لما قلنا آنفًا: أن المفهوم يحتج به إلا إذا خالفه منطوق، فالآن: لنعمل هذه القاعدة على حديث ابن عمر هذا، حديث ابن عمر منطوق صريح، مفهومه: أنه إذا كان غير جاد في السفر ومنطلق فكان لا يجمع، هذا المفهوم كان ينبغي أن يؤخذ به كما فعل ابن القيم وغيره لولا أنه قد جاء في حديث معاذ بن جبل ﵁ الذي أخرج مالك في الموطأ وغيره في غيره: أن النبي ﷺ كان نازلًا في سفره إلى تبوك، أو في رجوعه من تبوك - فالشك مني- فحضرت صلاة الظهر، فخرج رسول الله ﷺ أي: من خيمته وأمر بالأذان فأذن، وبالصلاة

стр. 2970

فأقيمت فصلى الظهر والعصر جمع تقديم ثم دخل، ثم لما صار وقت المغرب خرج أيضًا وأمر الأذان والإقامة فصلى المغرب والعشاء جمع تقديم. فهذا الحديث صريح في الجمع وهو نازل، فيضم هذا إلى حديث ابن عمر ونخرج بنتيجة أن الجمع بالنسبة للمسافر يجوز سواء كان نازلًا أو كان سائرًا. هذا ما يبدو لي من أن السائل يريد الجواب عليه. مداخلة: مثلًا في عطلة الصيف نخرج إلى دول أوروبية أو البلاد الباردة، هناك مثلًا أنا محدد أنني سأجلس فيه شهرين، أيضًا طول الشهرين أستطيع أن أقصر وأجمع؟ الشيخ: هذه مسألة أخرى الجواب عليها كما يأتي: إذا كان النازل في بلد الغربة نوى الإقامة إقامة محددة بمثل ما قلت من شهرين فهذه النية فقط ليست هي التي تجعله مقيمًا وتخرجه عن كونه مسافرًا، وإنما ينبغي أن ينظر من زاوية أخرى إلى هذه النية المؤقتة، وهي هو حينما نوى الإقامة هل صارت إقامته بمجرد النية من وعثاء السفر ومن مشاكل الإقامة والعمل ونحو ذلك، إن كان الأمر كذلك فهذا مقيم ويصلي صلاة مقيم، أما إذا كان الأمر على خلاف ذلك .. هو صحيح نوى الإقامة شهرين لماذا؟ لأن أعماله التجارية أو غيرها يقدر أنها لا تنتهي إلا بهذه المدة لكنه ملاحق بكثرة الأعمال فحينئذ هو لا يزال مسافرًا ولو كان نوى الإقامة هذه المحددة. كنت ذكرت أيضًا في مناسبة مضت الرواية التي ثبتت عن بعض الصحابة الذين خرجوا مجاهدين في سبيل الله، وجاؤوا إلى نحو خراسان في بلاد باردة ولا يعرفها العرب في الحجاز وفي تلك البلاد، فحصلت الثلوج بكثرة وسدت عليهم الطريق الرجوع إلى بلادهم، لا شك أن هذه الثلوج يقدر الإنسان أنها سوف لا تزول ما بين عشية وضحاها فهم يقدرون أنهم لا بد أن يقيموا هناك مدة طويلة وطويلة جدًا، لكنهم هم مسجونين كالمحصورين، يودون أن يعودوا إلى بلادهم في أسرع وقت ممكن، ولذلك فهم ظلوا يقصرون من الصلاة ستة أشهر، وهم يعلمون

стр. 2971

بأنهم لا يستطيعون أن يعودوا ما بين شهر أو شهرين. الخلاصة: أن المسألة فيها دقة وباختصار: لا تتعلق فقط بأن المسافر نوى الإقامة لأكثر من أربعة أيام وإنما ينبغي أن يلاحظ هو مستريح كما لو كان في بلده أم هو لا يزال يتابع أعماله التجارية ونحوها، فإن كان الأمر الأول فهو في حكم المقيم، وإن كان الأمر الآخر فهو في حكم المسافر. وفي نهاية المطاف أقول: ﴿بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤] يعني: هو الذي ينبغي أن يقدر بعد هذا التوضيح هل هو مقيم أو مسافر وإلا فلا يمكن إعطاء حكم عام بالنسبة لكل الأفراد. ومثاله مثلًا: رجلان يخرجان من بلدة إلى أخرى فأحدهما حينما نزل في هذه البلدة الأخرى هو مسافر، والآخر لا لم؟ لأن هذا الآخر انتقل من بلدته المقيم فيها إلى البلدة الأخرى وله فيها زوجة وله فيها أولاد، فهو إذًا انتقل من بلد الإقامة إلى بلد الإقامة، ما الذي جعله مقيمًا في البلدة الأخرى؟ هو أن له هناك زوجة وأولادًا بخلاف الرجل الأول، فلا يجوز أن نسوق الرجلين مساقًا واحدًا فنقول: ما دام أنت مسافر فإذًا الذي له زوجة في البلدة الأخرى هو مسافر، فالأمر كما قال تعالى: ﴿بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤]. مداخلة: هذا يا شيخ بالنسبة لصلاة السنة للمسافر في البلدة مثلًا، احتج بعض الأئمة على ذلك أن النبي ﷺ في حديث أم هانئ في فتح مكة صلى ثمان ركعات صلاة الضحى، فهل يدل على الجواز، يعني: الأفضل أن تصلي السنة أو أفضل لك ما تصلي السنة. الشيخ: لا يجوز أخذ حكم ما من حديث واحد، مع وجود أحاديث أخرى تساعد على فهم الحكم فهمًا صحيحًا، إذا كان حديث أم هانئ هذا يعطي مشروعية صلاة الضحى بالنسبة للمسافر، فهذا نستفيده ونودعه في حافظتنا، لكن أين نذهب بحديث أنس بن مالك مثلًا الذي جاء في الصحيحين أن النبي ﷺ لما خرج من المدينة في حجة الوداع فلم يزل يصلي ركعتين ركعتين حتى رجع إليها، فهذا يشير

стр. 2972

أن النبي ﷺ لم يكن يصلي السنن الرواتب في السفر كما أن هناك أحاديث أخرى تؤكد ذلك، منها ما جاء في صحيح البخاري من حديث ابن مسعود ﵁ أنه كان ينكر صلاة السنن الرواتب في السفر ويقول: ليت لي من صلاتي ركعتان متقبلتان. فالشاهد: أن حديث أنس وأمثاله يعطينا أن النبي ﷺ كان لا يصلي الرواتب في السفر باستثناء سنة الفجر وسنة الوتر، فكما أن هذا الاستثناء لا يعني تعميم حكم صلاة الوتر وسنة الفجر على بقية السنن، كذلك لا يعني صلاة الرسول ﷺ لصلاة الضحى في فتح مكة تعميم هذا الحكم على بقية السنن؛ لأن النص الصريح دائمًا مقدم على ما يستنبط من نص آخر، فحديث أم هانئ يمكن الاستنباط منه جواز المحافظة على السنن بالنسبة للمسافر، لكن حديث أنس وغيره صريح في أن النبي ﷺ ما كان يصلي إلا الفرض ويضاف إلى ذلك مثلًا نصوص أخرى معروفة من أنه لما كان يجمع بين الصلاتين ما كان يصلي السنة التي بينهما. (أسئلة وفتاوى الإمارات - ٧/ ٠٠: ١١: ٥١) تحديد مسافة القصر في السفر السؤال: [تحديد المسافة في السفر لكي يقصر الصلاة فيه]. الشيخ: أما عن تحديد المسافة فلم يأت في الشرع تحديدٌ للسفر الذي يترتب عليه أحكام المسافر بل ظاهر النصوص الذي ذكر فيه السفر كان مطلقاً من كل قيد شأنه في ذلك شأن المرض الذي يتعلق بالصائم، فالله يقول: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، فكما أنه أطلق لفظة المرض في «مريضاً» كذلك أطلق لفظة السفر فيمن كان مسافراً ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، فهذا الإطلاق يعني أي سفر يتلبس به المسلم فقد ترتب عليه أحكام السفر من جواز الإفطار فيه في شهر رمضان ومن جواز الجمع بين الصلاتين ومن وجوب القصر فلم يحدد ربنا للسفر مدة كذلك المريض.

стр. 2973

ومن البداهة بمكان أن أي مريض في رمضان يريد أن يتمتع بالرخصة التي قدمها ربنا لعباده المؤمنين في هذه الآية ليس به من حاجة أن يأخذ «راشيته» رخصة من أي طبيب ليقول له أنت مريض فيجوز لك الإفطار، أو لست مريضاً فيحرم عليك الإفطار إذاً من الذي يفتيه من الذي يقول له يجوز لك أو لا يجوز، هو نفسه لأن المريض أدرى بنفسه، أدرى بكونه مريضاً من أي طبيب يجري عليه فحصه مهما كان دقيقاً، فإذاً حينما قال ربنا ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً﴾ هل يعني مرضاً معيناً شديداً خفيفاً, ظاهراً يبدو للعيان، باطناً لا يراه أحد، ولا يحس به إلا ذاك الإنسان، قال تعالى: «مريضاً» فكل مريض له رخصه الإفطار، وكل مسافر كذلك له هذه الرخصة، وله الأحكام الأخرى التي أشرنا إليها. هذا القول هو الذي ترجح بعد الاختلاف الكثير والكثير جداً جداً في تحديد مسافة القصر ثم أنا أضيف إلى هذ الإطلاق المستفاد، من القرآن الكريم ومن الأحاديث الواردة من الرسول ﵇، أنه كان إذا سافر قصر، وما جاء في بعض الأحاديث الصحيحة أنه قصر في مسافة كذا فراسخ مثلاً، فذلك لا يعني تقييد السفر بتلك المسافة لأنها حادثة عينٍ لا عموم لها، فلو أنه اتفق له ﵇ بأنه قصر دون تلك المسافة بربع فرسخ مثلاً، أليس يكون مسافراً، فالسفر ليس يقاس بالفراسخ والأمتار أو الكيلومترات لأنه تكليف يتنافى مع يسر الإسلام وتسهيل الإسلام في الأحكام. لو أن رجل خرج من بلدته يريد ناحية في قرية أو في باديةٍ ماذا لو قيل بأنه يجب عليه أن يعرف المسافة لأن السفر يقيد بمسافة معروفة، لكان الشرع كلف الناس ما لا طاقة لهم به - وهذا منفي والحمد لله عن عباده المؤمنين كما هو معروف من قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ .. ﴾ إلى آخر الآيات- بمعرفة كل إنسان بالمسافة بينه وبين مقصده أو منزله الذي يريد أن ينزل فيه، هذا لا يمكن أن يتحقق به الإنسان حتى لو كان له ثقافة خاصة بمعرفة مسافات الطرق إلا أن يكون درس من قبل مسافة ما بين هذه البلدة وكل البلاد التي تحيط به وهذا لا ينهض به إلا أفراد قليلون جداً جداً.

стр. 2974

هذه المسألة تشبه مسألة أخرى لكنها تختلف عن هذه اختلافا كلياً ذلك لأن العلماء قد ذكروا على اختلافهم في السفر مسافة ما بين القائل ثلاثة أيام بلياليها كالمذهب الحنفي، ما بين القائل يوم وليله كمذهب الشافعي. أما المسألة التالية والتي سأضرب لها مثلاً يقرب مسألتنا هذه، وهي الماء الكثير الذي لا يتنجس بوقوع النجاسة فيه، ما هو هذا الماء الكثير، أقوال معروفة أيضاً لكن يهمني منها قول الحنفية: «الماء الكثير ما في حوض مساحته عشرٌ في عشرٍ، عشرٌ في عشرٍ من الذي يستطيع أنه إذا وقف على بحيره على مكان فيه ماء أن يقول أن هذه عشرٌ في عشرٍ وأنها لا تنقص منها ذراع، هذا لا يستطيع إلا أقل الناس وبخاصة إذا كان ذلك المكان لا يشكل مكان مربعاً حتى يستطيع أن يقول قائل هذا مضلع عشر في عشر كأن يكون مثلاً مستديراً بحيرة، تعرفون بالمشاهدة حينما تهطل الأمطار بغزارة تتجمع هناك المستنقعات في أماكن متفرقة فهذه المستنقعات لا تكون بشكل هندسي أي كل ضلع عشرة أمتار، وإنما قد يشكل دائرة أو ما يشبه الأقواس المتقابلة المنحنية أو في داخل أو خارج إلى آخره من ذا الذي يستطيع إذا وقف أمام هذا الماء فيقول هذا عشرٌ في عشرٍ، دعك عن بعض البحيرات المصنوعة صنعاً هندسياً، إذا كانت مثمنة الأضلاع أو مسدسة الأضلاع لاشك أن هذا يحتاج إلى مهندس خريت ماهر حتى يقدِّر هل هذا عشرٌ في عشرٍ، لا يعقل أن يكلف الله عباده مثل هذه التكاليف لذلك كان المذهب الصحيح هو ما أطلق النبي ﷺ : «الماء طهور لا ينجسه شيء» فما دمت تراه ماءً فهو طاهر مطهر، وما دمت تراه على العكس من ذلك قد تغير لونه أو طعمه أو ريحه بنجاسة وقعت فيه خرج عن كونه ذلك الماء الطاهر المطهر. هكذا الإسلام دين سهل عملي يستطيع البدوي الذي لا ثقافة عنده أن يتجاوب مع أحكامه لسهولتها بينما إذا نظرنا إلى ما اجتهد بعض العلماء فجاؤوا بقيود لم تثبت في السنة كما قلنا آنفاً في الكلام على السفر فيكون ذلك من الأدلة على أن هذه القيود إنما هي قيود اجتهادية وشروط لا يلزم بها المكلف وقد قال ﵇ في الحديث الصحيح: «كل شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل ولوكان مائة

стр. 2975

شرط». فإذاً إذا قال الله : «فمن كان منكم مريضاً أو على سفرٍ»، آه خرجنا مسافرين، تلبسنا بأحكام المسافرين، وعلى أساس ذلك جاء قوله تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إذا ضربتم في الأرض هو كقوله مريضاً أو على سفر لأن الضرب في الأرض كناية عن السفر فكما أُطلق هناك على سفر أطلق هنا أيضاً الضرب في الأرض ولم يقيده بقيد من تلك القيود الطويلة أو القصيرة هذا هو الذي يُترجح من الأقوال الكثيرة التي قيلت في السفر وهو المتناسب واللائق بيسر الإسلام وسماحته بقي عليَّ أن أجيب عن الشطر الثاني من السؤال وهو هل القصر في السفر عزيمة أم رخصة . (فتاوى جدة-موقع أهل الحديث والأثر- شريط ١٠) هل القصر في السفر عزيمة أم رخصة السؤال: [هل القصر في السفر عزيمة أم رخصة]؟ الشيخ: لا شك أن هذه المسألة من المسائل الكثيرة التي اختلف فيها العلماء أيضاً فمن قائل إنه عزيمة ومن قائل إنه رخصة، ولاشك أن جميع الحاضرين إن شاء الله يعرفون يفرقون أو يعرفون ما هو الفرق بين العزيمة وبين الرخصة، العزيمة هي التي لابد للمسلم من أن يأتي بها كما شرعت والرخصة هي التي يخير المسلم في إتيانه بها فإن جاء به جاز وإن لم يأتِ بها جاز فهو مخير بين هذا وهذا مع ترجيح الإتيان بالرخصة لكن ليس على سبيل الوجوب وإنما على سبيل الاستحباب لقوله ﵊: «إن الله يحب أن تُؤتى رخصه كما يحب أن تُؤتى عزائمه»، وفي حديث آخر «كما يكره أن تؤتى معصيته» هذا حكم الرخصة، أما العزيمة فهي تساوي لفظة الفريضة، عزيمة فريضة، وزناً ومعنى.

стр. 2976

القصر في السفر في أرجح قولي العلماء هو عزيمة وليس برخصة، أي يجب عليه أن يقصر فلا يجوز له الإتمام وذلك لأحاديث كثيرة جاءت بهذا الصدد، من أهمها قول السيدة عائشة ﵂ «فرضت الصلاة في السفر ركعتين، فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فأُقرت في السفر وزيدت في الحضر» فإذاً أصل المفروض من الصلوات هو ركعتان ركعتان، إلا صلاة المغرب كما في رواية في مسند الإمام أحمد ﵀، فقولها فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، تنبيه قوي جداً إلى أن الأصل في الصلاة أنها ثنائية، فإذا قالت فيما بعد فأُقرت في السفر أي هذه الفريضة أُقرت في السفر وزيدت في الحضر. كذلك يدل على تأكيد فريضة أو عزيمة القصر في السفر ما رواه الإمام مسلم في صحيحه أن رجلاً قال لعمر بن الخطاب ﵁ لو أنني أدركت رسول الله ﷺ لسألته، قال له ماكنت تسأله قال عن قوله تعالى الآية السابقة «ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا»، فقلت ما بالنا نقصر وقد أمنا، قال قد سألته ﵊ هذا السؤال فأجاب بقوله «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته»، ربنا الكريم تصدق علينا فخفف علينا صلاتنا المعتادة في حالة الإقامة الرباعية فجعلها ركعتين ركعتين، فهل يجوز للعبد أن لا يقبل صدقة سيده هذا لوكان بين بشر بعضهم مع بعض لم يكن مقبولاً فكيف يقبل أن يستنكف العبد المخلوق عن قبول صدقة الخالق ، هذا استنباط معنوي لكن قوله ﵇ «فاقبلوا صدقته» يؤكد هذا المعنى ويوجب علينا ان نقصر في الصلاة وألا نتم، هذا استدلال بالأمر الذي يقتضي الوجوب ثم النظر يؤكد ذلك أيضاً فيما إذا نظرنا إلى بعض المبادئ العامة التي فيها ما كان رسول الله ﷺ يركز معنى ما سيأتي في أذهان أصحابه. حينما يخطب على الناس فيقول «وخير الهُدى هُدى محمد ﷺ »، وهذه حقيقة لا خلاف بين المسلمين فيها، والحمد لله وإذا علمنا أن النبي ﷺ ما سافر سفراً إلا وقصر ولم يتم، وما رواه الدارقطني وغيره عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ «في السفر كان يتم ويقصر ويصوم ويفطر» فهذا الحديث بهذا اللفظ لا يصح

стр. 2977

وبخاصه أنه خالف هديه المطرد وكان إذا سافر يقصر كما في حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ «لما خرج من المدينة إلى حجة الوداع قال لم يزل يقصر حتى رجع إلى المدينة»، هكذا كان هديه ﵊ فلو قيل بجواز التربيع وجواز القصر، أيهما يكون أفضل، إذا قلنا بجواز الأمرين، آلذي يقتصر على نصف العبادة أم الذي يأتي بتمامها، لاشك ولا ريب أنه على هذه الفرضية أن الصلاة الرباعية تكون أفضل من الصلاة الثنائية بحكم اشتراكهما أولاً في الجواز ثم بحكم زيادة ركعتين على الركعتين وفيها قراءة وقيام وركوع وسجود وذكر لله رب العالمين، ترى هل كان النبي ﷺ زاهداً في العبادة لا يكثر فيها كما هو شأننا نحن أم كان يقوم الليل حتى تفطرت قدماه وقيل له ﵇ قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر كأنهم يقولون إرفق بنفسك يا رسول الله وأشفق عليها فقد حصلت مرادك من ربك وهي «إنا فتحنا لك فتحاً مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر» فماذا كان يكون جوابه ﵊: «أفلا أكون عبداً شكورا» إذا كان فعله ﵇ فيما لم يفرضه عليه، فإذا كان المفروض عليه خمس صلوات في كل يوم وليلة وكان الأفضل إتمام دون القصر فكيف يحافظ الرسول ﵇ الذي هو سيد المجتهدين في العبادة على ركعتين ولا يزيد عليهما هذا يؤكد أن الواجب هو الركعتان لأنه لو كان يجوز الزيادة لكانت الزيادة حين ذاك ليس فقط جائزة بل هي أيضاً مستحبة فإعراض الرسول ﵇ طيلة حياته في أسفاره وحده دليل كاف لنقول بأن الزيادة في الصلاة في السفر على الركعتين هي زيادة غير مقبول. من أجل ذلك روى الإمام النسائي في سننه عن عبد الرحمن بن عوف مرفوعاً وموقوفاً أن من أتم في السفر صلاته كالذي يقصر في الحضر، لكن قد ترجح عند علماء الحديث أن هذا الحديث موقوف على عبد الرحمن بن عوف ولا يصح رفعه إلى النبي ﷺ ولكن ألا يكفينا هذا استشهاداً أن أحد العشرة المبشرين بالجنة يقول بأن الذي يتم في السفر شأنه من حيث المعصية كالذي يقصر في الحضر، كلاهما لا يجوز ولذلك فنحن نقطع بأن القصر في السفر عزيمة لا يجوز للمسلم أن يتم لأن النبي

стр. 2978

- ﷺ أمر بالقصر ونفذ القصر ولم يتم أبداً مطلقاً في أي سفر سافره. (فتاوى جدة-موقع أهل الحديث والأثر- شريط ١٠) ما هو ضابط السفر المبيح للرخص السؤال: [ما الضابط في تعين المسافر]؟ الشيخ: السفر ليس له مسافة محدودة بالمراحل والكيلومترات، ومعنى ذلك أن الأمر يعود إلى عرف كل بلدةٍ فإذا خرج الإنسان، وأنا سألت بعضهم هذا السؤال، إذا خرج الإنسان من مكة إلى جدة فهل في عرفهم العام يقولون سافرنا أو خرجنا أو ذهبنا، فإذا كان الغالب في استعمالاتهم أنهم يقولون خرجنا أو ذهبنا ولا يقولون سافرنا فحينئذ لهذا العرف الحكم في المسألة، فإذا كان الآتي من مكة إلى جدة لا تعتبر سفراً أو ذاهب من هنا إلى مكة لا يعتبر مسافراً فحين ذاك لا يجوز له القصر ولا يرخص له بالجمع إلا في حدود معروفة للمقيم هذا هو أحسن ما قيل في موضوع المسافر أنه هو المعروف أنه سفر كما مثلنا ذلك آنفاً بالمريض «فمن كان منك مريضاً أو على سفراً فعدة من أيام اُخر»، وإذا افترض بعض الناس في تعيين انتقال من مكان إلى مكان هل هو سفر أو ليس سفر فذلك لا يعني أن القاعدة ليست بصحيحة، لأننا لم نجد خيراً منها ولا أسهل منها، لا بد من مراعاة العرف العام بين الناس في كثير من الأحكام، الفقهاء يذكرون في باب الأيمان بعض الأحكام لو أن رجلاً حلف يميناً أن لا يأكل اللحم فأكل السمكة فهل يحنث أم لا، لا شك أن السمك بنص القرآن هو لحم ولحمٌ طريٌ ولكن إذا كان في عرف المتكلمين في بلدةٍ ما لا يتبادر في أذهانهم إذا ذكروا اللحم أنه يدخل فيه لحم السمك أيضاً وإنما يدخل فيه لحم المواشي التي يعيشون معها فحينئذٍ إذا أكل السمك لا يحنث في يمينه وعلى العكس تماماً إذا كان الحالف أنه لا يأكل اللحم وكان يعيش في بعض السواحل التي لا تعرف من اللحم إلا لحم السمك لحم المواشي في تلك السواحل لا تُعرف، فأكل، سافر مثلاً أو تيسرت له الأكلة التي فيها لحم بعض

стр. 2979

المواشي فهل يحنث لابد أن يراعى في ذلك العرف الذي يعيشه. حينما يقولون بعضهم أن الأحكام تختلف باختلاف الزمان والمكان، فهذه الجملة لا يجوز أن نأخذها على إطلاقها وعمومها وشمولها لأنها تستلزم تعطيل الشريعة في كثير من نصوصها، وإنما المقصود بها مثل ما ذكرت لكم آنفاً أن الحكم يتغير بتغير البلد أي العرف فيما ينطق به الإنسان وليس بتغير حكم الرحمن ﵎. فإذاً معرفة العرف في البلد تترتب عليه بعض الأحكام الشرعية ومنها ما ذكرت آنفاً فيما يتعلق بالسفر والمسافر. وأذكر أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ذكر في رسالته وهي مطبوعة أحكام المسافر لو أن رجلاً وهو كما تعلمون دمشقي لو أن رجلاً خرج من دمشق إلى قرية دوما قرية دوما قرية شرقي دمشق تبعد عنها بنحو ١٥ عشر كيلومتر، لماذا خرج ليصطاد فلم يحصل بغيته من الصيد فمشى ومشى حتى وصل إلى بلدة أخرى تبعد عن دمشق ٦٠ كيلومتر فما حصل بغيته من الصيد فمشى ومشى والشاهد وبإيجاز ما رأى نفسه إلى وصل إلى حلب وحلب شما سوريا وبينها وبين دمشق ٤٠٠ كيلومتر، يقول هذا ليس مسافراً مع أنه قطع بالاتفاق مسافات للمسافر ليس مسافة واحدة، لكن هذا لم يخرج مسافراً هذا خرج مصطاداً. إذاً لا بد مراعاة هذه المعاني، وعلى ذلك يثبت بطريقة راجحة قوية جداً أن السفر ليس له حد وحدود ومسافة مقطوعة كيلو مترات وإنما ذلك راجع إلى العرف كما ذكرنا آنفاً. (فتاوى جدة-موقع أهل الحديث والأثر- شريط ١٠) ضابط المقيم الذي يقصر وعكسه مداخلة: إذا كنت مشيت من أهلي مثل هنا بالقصيم أي مكان، وأنا أريد أن

стр. 2980

آخذ العشر في الحرم، فالليالي العشرة الذي أكون في الحرم أقيمها، هل أحسبها مسافراً لا أتنفل، وإن صليت وحدي قصرت الصلاة أو أحسبها مقيماً وأصلي صلاة مقيم؟ مفهوم السؤال. الشيخ: مفهوم جيداً، فأنا أقول: إنك حينما تأتي للمسجد الحرام لتصلي العشر هناك، فأنت أدرى بوضعك، هل أنت تعتبر نفسك مقيماً أم على سفر، أنا أجيب عن نفسي، إذا كنت على سفر فكونك على سفر لا يتناسب مع قولك: ناوي أن تصلي العشر هناك، فأنت مقيم والحالة هذه، وإذا كان الأمر كذلك فتصلي صلاة المقيم، أما إذا كنت متردداً تقول: اليوم أسافر وغداً أسافر، ويستمر معك العشرة أيام والعشرين يوماً، فأنت مسافر وتقصر ولا تصلي النوافل، أما إذا أجمعت الإقامة كما كان السلف يعبرون: أجمعت الإقامة، أي: عزمت على الإقامة أياماً بدون تحديد، المهم المحدد هو في القلب، إذا أجمعت الإقامة فتصلي صلاة المقيم، وإن كنت لا تزال على سفر كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، أي: هو متهيئ للسفر، لكن لا يتيسر له اليوم السفر، فيقول: غداً، لا يتيسر له غداً، فيقول بعد غدٍ .. وهكذا .. مداخلة: أنا أخبرك. الشيخ: أنا أجبتك عما أخبرتني، أنا أقول لك: فإذا عزم وأجمع الإقامة فهذا خرج عن كونه مسافراً؛ لأنه لا يقول أنا أسافر اليوم وغداً أو يخطط سلفاً يقول: أنا سأقيم هنا العشر. مداخلة: أبداً، جازم أنه ما يُرَوِّح إلا ليلة العيد أو صبح العيد، جازم الجزم بإذن الله. الشيخ: هذا يصلي صلاة المقيم. مداخلة: ويتنفل؟ الشيخ: ويتنفل.
следующие страницы →