← Фикх общий

Фикх общий · id 145204

جامع تراث العلامة الألباني في الفقه

ناصر الدين الألباني

Полный текст (8 195 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

القراءة في قيام رمضان وأما القراءة في صلاة الليل في قيام رمضان أو غيره, فلم يَحُدَّ فيها النبي ﷺ حداً لا يتعداه بزيادة أو نقص, بل كانت قراءته ﷺ فيها تختلف قصراً وطولاً, فكان تارة يقرأ في كل ركعة قدر ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ , وهي عشرون آية, وتارة قدر خمسين آية, وكان يقول: «من صلى في ليلة بمئة آية لم يُكْتَبْ من الغافلين». وفي حديث آخر: « ... بمائتي آية فإنه يكتب من القانتين المخلصين». وقرأ ﷺ في ليلة وهو مريض السبع الطوال, وهي سورة «البقرة» , و «آل عمران» , و «النساء» , و «المائدة» , و «الأنعام» , و «الأعراف» , و «التوبة». وفي قصة صلاة حذيفة بن اليمان وراء النبي ﵊ أنه ﷺ قرأ في ركعة واحدة «البقرة» ثم «النساء» ثم «آل عمران» , وكان يقرؤها مترسلاً متمهلاً (١). وثبت بأصح إسناد أن عمر ﵁ لما أمر أُبّيَّ بن كعب أن يصلي للناس بإحدى عشرة ركعة في رمضان, كان أُبيٌّ ﵁ يقرأ بالمئين, حتى كان الذي خلفه يعتمدون على العِصِي من طول القيام, وما كانوا ينصرفون إلا في أوائل الفجر (٢). وصح عن عمر أيضاً أنه دعا القُرَّاءَ في رمضان, فأمر أسرعهم قراءة أن يقرأ ثلاثين آية, والوسط خمساً وعشرين آية, والبطيء عشرين آية (٣). وعلى ذلك فإن صلى القائم لنفسه فليطول ما شاء, وكذلك إذا كان معه من يوافقه, وكلما أطال فهو أفضل, إلا أنه لا يبالغ في الإطالة حتى يُحيي الليل كله إلا نادراً, اتباعاً للنبي ﷺ القائل: «وخير الهدي هدي محمد» (٤). وأما إذا صلى إماماً, فعليه أن يطيل بما لا يشق على من وراءه لقوله ﷺ : «إذا قام أحدكم للناس فليخفف الصلاة, فإن فيهم «الصغير والكبير وفيهم الضعيف, والمريض, وذا الحاجة, وإذا قام وحده فليطل صلاته ما شاء» (٥). [قيام رمضان ص ٢٣]

стр. 3047

وقت القيام ووقت صلاة الليل من بعد صلاة العشاء إلى الفجر, لقوله ﷺ : «إن الله زادكم صلاة, وهي الوتر (١) , فصلوها بين صلاة العشاء إلى صلاة الفجر» (٢). والصلاة في آخر الليل أفضل لمن تيسر له ذلك لقوله ﷺ : «من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل» (٣). وإذا دار الأمر بين الصلاة أول الليل مع الجماعة, وبين الصلاة آخر الليل منفرداً, فالصلاة مع الجماعة أفضل, لأنه يحسب له قيام ليلة تامة كما تقدم في الفقرة (٤) مرفوعاً إلى النبي ﷺ . وعلى ذلك جرى عمل الصحابة في عهد عمر ﵁, فقال عبد الرحمن بن عبد القاري: خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد, فإذا الناس أوزاع متفرقون, يصلي الرجل لنفسه, ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط, فقال: والله إني لأرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل, ثم عزم, فجمعهم على أُبَيَّ بن كعب, قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى, والناس يصلون بصلاة قارئهم, فقال عمر: نعمت البدعة هذه, والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون - يريد آخر الليل - وكان الناس يقومون أوله (٥). وقال زيد بن وهب: كان عبد الله يصلي بنا شهر رمضان, فينصرف بليل (٦). [قيام رمضان ص ٢٦]

стр. 3048

الكيفيات التي تصلى بها صلاة الليل الكيفية الأولى: ثلاث عشرة ركعة, يفتتحها بركعتين, خفيفتين, وهما على الأرجح سنة العشاء البعدية, أو ركعتان مخصوصتان يفتتح بهما صلاة الليل كما تقدم, ثم يصلي ركعتين طويلتين جداً, ثم يصلي ركعتين دونهما, ثم يصلي ركعتين دون اللتين قبلهما, ثم يصلي ركعتين دونهما, ثم يصلي ركعتين دونهما, ثم يوتر بركعة. الثانية: يصلي ثلاث عشرة ركعة, منها ثمانية يُسلم بين كل ركعتين, ثم يوتر بخمس لا يجلس ولا يسلم إلا في الخامسة. الثالثة: إحدى عشرة ركعة, يسلم بين كل ركعتين, ويوتر بواحدة. الرابعة: إحدى عشرة ركعة, يصلي منها أربعاً بتسليمة واحدة, ثم أربعاً كذلك, ثم ثلاثاً. وهل كان يجلس بين كل ركعتين من الأربع والثلاث؟ لم نجد جواباً شافياً في ذلك, لكن الجلوس في الثلاث لا يشرع الخامسة: يصلي إحدى عشرة ركعة, منها ثماني ركعات لا يقعد فيها إلا في الثامنة, يتشهد ويصلي على النبي ﷺ ثم يقوم ولا يسلم، ثم يوتر بركعة, ثم يسلم, فهذه تسع, ثم يصلي ركعتين، وهو جالس. السادسة: يصلي تسع ركعات منها ست لا يقعد إلا في السادسة منها, ثم يتشهد ويصلي على النبي ﷺ ثم ... إلخ ما ذُكر في الكيفية السابقة. هذه هي الكيفيات التي ثبتت عن النبي ﷺ نصاً عنه, ويمكن أن يزاد عليها أنواعاً أخرى, وذلك بأن ينقص من كل نوع منها ما شاء من الركعات حتى يقتصر على ركعة واحدةٍ عملاً بقوله ﷺ المتقدم: «فمن شاء فليوتر بخمس, ومن شاء فليوتر بثلاث, ومن شاء فليوتر بواحدة» (١).

стр. 3049

فهذه الخمس والثلاث, إن شاء صلاها بقعود واحد, وتسليمة واحدة كما في الصفة الثانية, وإن شاء سلم من كل ركعتين كما في الصفة الثالثة وغيرها, وهو الأفضل (١). وأما صلاة الخمس والثلاث بقعود بين كل ركعتين بدون تسليم فلم نجده ثابتاً عنه «والأصل الجواز, لكن لما كان النبي ﷺ قد نهى عن الإيتار بثلاث، وعلل ذلك بقوله: «ولا تشبهوا بصلاة المغرب» (٢)؛ فحينئذ لا بد لمن صلى الوتر ثلاثاً من الخروج عن هذه المشابهة, وذلك يكون بوجهين: أحدهما: التسليم بين الشفع والوتر, وهو الأقوى والأفضل. والآخر: أن لا يقعد بين الشفع والوتر, والله تعالى أعلم. [قيام رمضان ص ٢٩] القراءة في ثلاث الوتر ومن السنة أن يقرأ في الركعة الأولى من ثلاث الوتر: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ , وفي الثانية: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ويضيف إليها أحياناً: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. وقد صح عنه ﷺ أنه قرأ مرة في ركعة الوتر بمئة آية من النساء (٣). [قيام رمضان ص ٣٠]

стр. 3050

دعاء القنوت وموضعه وبعد الفراغ من القراءة وقبل الركوع, يقنت أحياناً بالدعاء الذي علمه النبي ﷺ سِبْطَهُ الحسن بن علي ﵄ وهو: «اللهم اهدني فيمن هديت, وعافني فيمن عافيت, وتولني فيمن توليت, وبارك لي فيما أعطيت, وقني شر ما قضيت, فإنك تقضي ولا يقضى عليك, وإنه لا يذلّ من واليتَ, ولا يعزّ من عاديت, تباركت ربنا وتعاليت، لا منجا منك إلا إليك» (١) يصلي على النبي ﷺ أحياناً، لما يأتي بعده (٢). ولا بأس من جعل القنوت بعد الركوع, ومن الزيادة عليه بلعن الكفرة, والصلاة على النبي ﷺ والدعاء للمسلمين في النصف الثاني من رمضان, لثبوت ذلك عن الأئمة في عهد عمر ﵁, فقد جاء في آخر حديث عبد الرحمن بن عبد القارى المتقدم ص ٢٦ ـ ٢٧: وكانوا يلعنون الكفرة في النصف: اللهم قاتل الكفرة الذين يصدون عن سبيلك, ويكذبون رسلك, ولا يؤمنون بوعدك, وخالف بين كلمتهم, وألق في قلوبهم الرعب, وألق عليهم رجزك وعذابك, إله الحق ثم يصلي على النبي ﷺ ، ويدعو للمسلمين بما استطاع من خير, ثم يستغفر للمؤمنين. قال: وكان يقول إذا فرغ من لعنه الكفرة وصلاته على النبي واستغفاره للمؤمنين والمؤمنين ومسألته: «اللهم إياك نعبد, ولك نصلي ونسجد, وإليك نسعى ونحفد (٣) , ونرجو رحمتك ربنا, ونخاف عذابك الجد, إن عذابك لمن عاديت مُلْحَقٌ» ثم يكبر ويهوي ساجداً (٤). [قيام رمضان ص ٣١]

стр. 3051

ما يقول في آخر الوتر ومن السنة أن يقول في آخر وتره قبل السلام أو بعده: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك, وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك, أنت كما أثنيت على نفسك» (١) وإذا سلم من الوتر, قال: سبحان الملك القدوس, سبحان الملك القدوس, سبحان الملك القدوس, «ثلاثاً» ويمد بها صوته, ويرفع الثالثة (٢) .. [قيام رمضان ص ٣٢] الركعتان بعد الوتر وله أن يصلي ركعتين, لثبوتهما عن النبي ﷺ فعلاً (٣) بل إنه أمر بهما أمته فقال: «إن هذا السفر جهد وثقل, فإذا أوتر أحدكم, فليركع ركعتين, فإن استيقظ وإلا كانتا له» (٤) والسنة أن يقرأ فيهما: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ و: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (٥). [قيام رمضان ص ٣٣] الاعتكاف مشروعيته: ١ - والاعتكاف سنة في رمضان وغيره من أيام السنة, والأصل في ذلك قوله

стр. 3052

تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ , مع توارد الأحاديث الصحيحة في اعتكافه ﷺ , وتواتر الآثار عن السلف بذلك, وهي مذكورة في «المصنف» لابن أبي شيبة وعبد الرزاق (١). وقد ثبت أن النبي ﷺ اعتكف آخر العشر من شوال (٢) , وأن عمر قال للنبي ﷺ : كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام؟ قال: «فأوف بنذرك» , [فاعتكف ليلةً] (٣). ٢ - وآكَدُه في رمضان لحديث أبي هريرة: كان رسول الله ﷺ يعتكف في كل رمضان عشرة أيام, فلما كان العام الذي قُبِضَ فيه اعتكف عشرين يوماً (٤). ٣ - وأفضله آخر رمضان, لأن النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله (٥). [قيام رمضان ص ٣٤] شروط الاعتكاف ١ - ولا يشرع إلا في المساجد لقوله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ (٦) وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٧) وقالت السيدة عائشة: السنة في المعتكف أن لا يخرج إلا لحاجته

стр. 3053

التي لا بد له منها, ولا يعود مريضاً, ولا يمس أمراته، ولا يباشرها, ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة, والسنة فيمن اعتكف أن يصوم (١). ٢ - وينبغي أن يكون مسجداً جامعاً لكي لا يضطر للخروج منه لصلاة الجمعة, فإن الخروج لها واجب عليه, لقول عائشة في رواية عنها في حديثها: « ... ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع» (٢). ثم وقفت على حديث صحيح صريح يُخصص «المساجد» المذكورة في الآية بالمساجد الثلاثة: المسجد الحرام, والمسجد النبوي, والمسجد الأقصى, وهو قوله ﷺ : «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة» (٣) وقد قال به من السلف فيما اطلعت حذيفة بن اليمان, وسعيد بن المسيب, وعطاء, إلا أنه لم يذكر المسجد الأقصى, وقال غيرهم بالمسجد الجامع مطلقاً, وخالف آخرون فقالوا: ولو في مسجد بيته. ولا يخفى أن الأخذ بما وافق الحديث منها هو الذي ينبغي المصير إليه, والله أعلم. ٣ - والسنة فيمن اعتكف أن يصوم كما تقدم عن عائشة ﵂ (٤) .. [قيام رمضان ص ٣٥]

стр. 3054

ما يجوز للمعتكف ١ - ويجوز له الخروج منه لقضاء الحاجة, وأن يخرج رأسه من المسجد لِيُغْسَلَ ويُسَرَّح, قالت عائشة ﵂: وإن كان رسول الله ﷺ ليدخل علَيَّ رأسَه وهو [معتكف] في المسجد, [وأنا في حجرتي] فأُرَجلُهُ, [وفي رواية: فأغسله وإن بيني وبينه لعتبة الباب وأنا حائض] , وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة [الإنسان] , إذا كان معتكفاً (١) .. ٢ - ويجوز للمعتكف وغيره أن يتوضأ في المسجد لقول رجل خدم النبي ﷺ : توضأ النبي ﷺ في المسجد وضوءاً خفيفاً (٢). ٣ - وله أن يتخذ خيمة صغيرة في مؤخرة المسجد يعتكف فيها, لأن عائشة ﵂ كانت تضرب للنبي ﷺ خِبَاءً (٣) إذا اعتكف, وكان ذلك بأمره ﷺ (٤) .. واعتكف مرة في قُبَّةٍ تُركيَّة (٥) على سُدَّتِها حصير (٦). [قيام رمضان ص ٣٧]

стр. 3055

إباحة اعتكاف المرأة وزيارتها زوجها في المسجد ويجوز للمرأة أن تزور زوجها وهو في معتكفه, وأن يودعها إلى باب المسجد لقول صفية ﵂: (كان النبي ﷺ معتكفاً [في المسجد في العشر الأواخر من رمضان] فأتيته أزوره ليلاً, [وعنده أزواجه, فَرُحْنَ] , فحدثتُهُ [ساعة] , ثم قمت لأنقلبَ, [فقال: لا تعجلي حتى أنصرف معك] , فقام معي ليقلبني, وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد [حتى إذا كان عند باب المسجد الذي عند باب أم سلمة] , فمر رجلان من الأنصار, فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا, فقال النبي ﷺ : (على رسْلِكُما؛ إنها صفية بنت حيي) , فقالا: سبحان الله يا رسول الله قال: (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم, وإني خشيتُ أن يقذف في قلوبكما شراً) , أو قال: شيئاً (١). بل يجوز لها أن تعتكف مع زوجها, أو لوحدها لقول عائشة ﵂: اعتكفتْ مع رسول الله ﷺ امرأة مستحاضة (وفي رواية أنها أم سلمة) من أزواجه, فكانت ترى الحمرة والصفرة, فربما وضعنا الطَّسْت تحتها وهي تصلي (٢). وقال أيضاً: كان النبي ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده (٣). [قيام رمضان ص ٣٩] الاعتكاف يبطل بالجماع ويُبطِل الجماعُ [الاعتكافَ] لقوله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. وقال ابن عباس: إذا جامع المعتكف بطل اعتكافه, وأستأنف (٤). ولا كفارة عليه لعدم ورود ذلك عن النبي ﷺ وأصحابه. [قيام رمضان ص ٤١]

стр. 3056

صلاة التراويح وأحكامها

стр. 3057

استحباب الجماعة في التراويح لا يشك عالم اليوم بالسنة في مشروعية صلاة الليل جماعة في رمضان هذه الصلاة التي تعرف بصلاة التراويح لأمور ثلاثة: أ - إقراره ﷺ بالجماعة فيها. ب - إقامته إياها. ج - بيانه لفضلها. أما الإقرار فلحديث ثعلبة بن أبي مالك القرظي قال: خرج رسول الله ﷺ ذات ليلة في رمضان فرأى ناسا في ناحية المسجد يصلون فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قال قائل: يا رسول الله هؤلاء ناس ليس معهم قرآن وأبي بن كعب يقرأ وهم معه يصلون بصلاته فقال: «قد أحسنوا» أو «قد أصابوا» ولم يكره ذلك منهم. رواه البيهقي «٢/ ٤٩٥» وقال هذا مرسل حسن. قلت: وقد روي موصولا من طريق آخر عن أبي هريرة بسند لابأس به في المتابعات والشواهد أخرجه ابن نصر في قيام الليل «ص ٢٠» وأبو داود «١/ ٢١٧» والبيهقي. ب - وأما إقامته ﷺ إياها ففيه أحاديث: الأول: عن النعمان بن بشير قال: قمنا مع رسول الله ﷺ ليلة ثلاث وعشرين في شهر رمضان إلى ثلث الليل الأول، ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قام بنا ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح، قال: وكنا ندعو السحور الفلاح. رواه ابن أبي شيبة في المصنف «٢/ ٩٠ / ٢» وابن نصر «٨٩» والنسائي «١/ ٢٣٨» وأحمد «٤/ ٢٧٢» والفرياني، وإسناده صحيح، وصححه الحاكم ١/ ٤٤٠» وقال: وفيه الدليل الواضح أن صلاة التراويح في مساجد المسلمين سنة مسنونة، وقد كان علي بن أبي طالب يحث عمر ﵄ على إقامة هذه السنة إلى أن أقامها.

стр. 3058

الثاني: عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يصلي في رمضان فجئت فقمت إلى جنبه، ثم جاء آخر، ثم جاء آخر حتى كنا رهطا (١)، فلما أحس رسول الله ﷺ أنا خلفه تجوز (٢) في الصلاة، ثم دخل منزله، فلما دخل منزله صلى صلاة لم يصلها عندنا فلما أصبحنا قلنا: يا رسول الله أو فطنت لنا البارحة؟ فقال: نعم وذاك الذي حملني على ما صنعت رواه أحمد وابن نصر بسندين صحيحين والطبراني في الأوسط بنحوه. الثالث: عن عائشة قالت: كان الناس يصلون في مسجد رسول الله ﷺ رمضان بالليل أوزاعا (٣)، يكون مع الرجل شيء من القرآن فيكون معه النفر الخمسة والستة أو أقل من ذلك أو أكثر فيصلون بصلاته، فأمرني رسول الله ﷺ ليلة من ذلك أن أنصب (٤) له حصيرا على باب حجرتي ففعلت فخرج إليه رسول الله ﷺ بعد أن صلى العشاء الآخرة قالت: فاجتمع إليه من في المسجد فصلى بهم رسول الله ﷺ ليلا طويلا، ثم انصرف رسول الله ﷺ فدخل وترك الحصير على حاله، فلما أصبح الناس تحدثوا بصلاة رسول الله ﷺ بمن كان معه في المسجد تلك الليلة «فاجتمع أكثر» منهم وأمسى المسجد راجا بالناس (٥). «فخرج رسول الله ﷺ في الليلة الثانية فصلوا بصلاته فاصبح الناس يذكرون ذلك فكثر أهل المسجد «حتى اغتص بأهله» من الليلة الثالثة فخرج فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله» فصلى بهم رسول الله ﷺ العشاء الآخرة ثم دخل بيته وثبت الناس قالت: فقال لي رسول الله ﷺ ما شأن الناس يا عائشة؟ قالت: فقلت له: يا رسول الله سمع الناس بصلاتك البارحة بمن كان في المسجد فحشدوا لذلك لتصلي بهم، قالت فقال: إطو عنا حصيرك يا عائشة، قالت: ففعلت وبات رسول الله ﷺ غير غافل وثبت الناس مكانهم «فطفق رجال منهم يقولون:

стр. 3059

الصلاة» حتى خرج رسول الله ﷺ إلى الصبح «فلما قضى الفجر أقبل على الناس ثم تشهد (١) فقال أما بعد» أيها الناس أما والله ما بت والحمد لله ليلتي هذه غافلا وما خفي علي مكانكم ولكني تخوفت أن يفترض عليكم «وفي رواية ولكن خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها» فاكلفوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا. زاد في رواية أخرى: قال الزهري: فتوفي رسول الله ﷺ والناس على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر (٢). قلت وهذه الأحاديث ظاهرة الدلالة على مشروعية صلاة التراويح جماعة لاستمراره ﷺ في تلك الليالي ولا ينافيه تركه ﷺ لها في الليلة الرابعة في هذا الحديث لأنه ﷺ علله بقوله خشيت أن تفرض عليكم. ولا شك أن هذه الخشية قد زالت بوفاته ﷺ بعد أن أكمل الله الشريعة، وبذلك يزول المعلول وهو ترك الجماعة ويعود الحكم السابق وهو مشروعية الجماعة، ولهذا أحياها أحياها عمر بن الخطاب ﵁ كما سبق ويأتي وعليه جمهور العلماء. الرابع: عن حذيفة بن اليمان قال: قام رسول الله ﷺ ذات ليلة في رمضان في حجرة من جريد النخل ثم صب عليه دلوا من ماء ثم قال «الله أكبر» الله أكبر «ثلاثا» ذا الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة، «ثم قرأ البقرة قال: ثم ركع فكان ركوعه مثل قيامه فجعل يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم سبحان ربي العظيم «مثلما كان قائما»، ثم رفع رأسه من الركوع فقام مثل ركوعه فقال: لربي الحمد ثم سجد وكان في سجوده مثل قيامه (٣) وكان يقول في سجوده سبحان ربي الأعلى، ثم رفع رأسه من السجود «ثم جلس» وكان يقول بين السجدتين: رب اغفر لي «رب اغفرلي»، وجلس بقدر سجوده «ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى

стр. 3060

مثلما كان قائما» فصلى أربع ركعات يقرأ فيهن البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة (١). ج - وأما بيانه ﷺ لفضلها فهو ما رواه أبو ذر ﵁ قال: صمنا فلم يصل ﷺ بنا حتى بقي سبع من الشهر فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل ثم لم يقم بنا في السادسة وقام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل فقلنا: يا رسول الله لو نفلتنا بقية ليلتنا هذه فقال: إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة ثم لم يصل بنا حتى بقي ثلاث من الشهر فصلى بنا الثالثة ودعى أهله ونساءه فقام بنا حتى تخوفنا الفلاح قلت: وما الفلاح؟ قال السحور. رواه ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة والطحاوي في شرح معاني الآثار وابن نصر والفريابي والبيهقي، وسندهم صحيح. والشاهد من الحديث قوله: «من قام مع الإمام .. » فإنه ظاهر الدلالة على فضيلة صلاة قيام رمضان مع الإمام يؤيد هذا ما ذكره أبو داود في المسائل «ص ٦٢» قال: سمعت أحمد قيل له: يعجبك أن يصلي الرجل مع الناس في رمضان أو وحده؟ قال يصلي مع الناس. وسمعته أيضا يقول: يعجبني أن يصلي مع الإمام ويوتر معه، قال النبي ﷺ : «إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له بقية ليلته» ومثله ذكر ابن نصر «ص ٩١» عن أحمد ثم قال أبو داود: قيل لأحمد وأنا أسمع: يؤخر القيام - يعني التراويح - إلى آخر الليل؟ قال: لا، سنة المسلمين أحب إلي (٢). [صلاة التراويح ص ٣]

стр. 3061

لم يصل الرسول ﷺ التراويح أكثر من (١١) ركعة وبعد أن أثبتنا مشروعية الجماعة في صلاة التراويح بإقراره ﷺ وفعله وحضه، فلنبين كم كانت عدد ركعاته ﷺ في تلك الليالي التي أحياها مع الناس، فاعلم أن لدينا في هذ المسألة حديثين: الأول: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه سأل عائشة ﵂ كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟ فقالت: «ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعا فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثا». رواه البخاري ومسلم وأبو عوانة وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك وعنه البيهقي وأحمد. وفي رواية لابن أبي شيبة ومسلم وغيرهما: «كانت صلاته في شهر رمضان وغيره ثلاث عشر ركعة بالليل منها ركعتا الفجر». لكن جاء في رواية أخرى عند مالك وعنه البخاري وغيره عنها قالت: كان يصلي بالليل ثلاث عشر ركعة، ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين. قال الحافظ يحتمل أن تكون إضافة إلى صلاة الليل سنة العشاء لكونه كان يصليها في بيته، أو ما كان يفتتح به صلاة الليل فقد ثبت عند مسلم عنها أنه كان يفتتحها بركعتين خفيفتين. عن زيد بن خالد الجهني أنه قال: لأرمقن صلاة رسول الله ﷺ الليلة، فصلى ركعتين خفيفتين، ثم صلى ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم أوتر فذلك ثلاث عشرة ركعة رواه مالك وعنه مسلم وأبو عوانة وأبو داود وابن نصر. الثاني: عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ في شهر رمضان ثمان ركعات وأوتر، فلما كانت القابلة اجتمعنا في المسجد ورجونا أن

стр. 3062

يخرج فلم نزل فيه حتى أصبحنا ثم دخلنا فقلنا يا رسول الله اجتمعنا البارحة في المسجد ورجونا أن تصلي بنا فقال: إني خشيت أن يكتب عليكم. رواه ابن نصر والطبراني، وسنده حسن بما قبله، وأشار الحافظ في الفتح وفي التلخيص إلى تقويته، وعزاه لابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما. [صلاة التراويح ص ١٨] حديث العشرين ضعيف جدا لا يجوز العمل به ثم قال في الفتح «٤/ ٢٠٥ - ٢٠٦» تحت شرح الحديث الأول: وأما ما رواه ابن شيبة من حديث ابن عباس: «كان رسول الله ﷺ يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر» فإسناده ضعيف وقد عارضه حديث عائشة هذا الذي في الصحيحين مع كونها أعلم بحال النبي ﷺ ليلا من غيرها. وسبقه إلى هذا المعنى الحافظ الزيلعي في نصب الراية. قلت: وحديث ابن عباس هذا ضعيف جدا كما قال السيوطي في «الحاوي للفتاوي» ٢/ ٧٣ وعلته أن فيه أبا شيبة إبراهيم بن عثمان قال الحافظ في التقريب: «متروك الحديث». وأنه يروي الموضوعات كحديث ما هلكت أمة إلا في آذار ولا تقوم الساعة الا في آذار وأن حديثه هذا الذي في التراويح من جملة مناكيره. وقد صرح السبكي بأن شرط العمل بالحديث الضعيف أن لا يشتد ضعفه. قال الذهبي ومن يكذبه مثل شعبة فلا يلتفت إلى حديثه. قلت: وفيما نقله عن السبكي إشارة لطيفة من الهيتمي إلى أنه لا يرى العمل بالعشرين فتأمل. ثم قال السيوطي بعد أن ذكر حديث جابر من رواية ابن حبان: فالحاصل أن العشرين ركعة لم تثبت من فعله ﷺ ، وما في صحيح ابن حبان غاية فيما ذهبنا إليه من تمسكنا بما في البخاري عن عائشة إنه كان لا يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة، ومما

стр. 3063

يدل لذلك أيضا أنه ﷺ كان إذا عمل عملا واظب عليه كما واظب على الركعتين اللتين قضاهما بعد العصر مع كون الصلاة في ذلك الوقت منهيا عنها ولو فعل العشرين ولو مرة لم يتركها أبدا، ولو وقع لم يخف على عائشة حيث قالت ما تقدم. قلت: وفي كلامه إشارة قوية إلى اختياره الإحدى عشرة ركعة ورفضه العشرين الواردة في حديث ابن عباس لضعفها الشديد فتدبر. [صلاة التراويح ص ٢٢] اقتصاره ﷺ على الإحدى عشرة ركعة دليل على عدم جواز الزيادة عليها تبين لنا مما سبق أن عدد ركعات قيام اليل إنما هو إحدى عشرة ركعة بالنص الصحيح من فعل رسول الله ﷺ ، وإذا تأملنا فيه يظهر لنا بوضوح أنه ﷺ استمر على هذا العدد طيلة حياته لا يزيد عليه سواء ذلك في رمضان أو في غيره، فإذا استحضرنا في أذهاننا أن السنن الرواتب وغيرها كصلاة الاستسقاء والكسوف التزم النبي ﷺ أيضا فيها جميعا عددا معينا من الركعات وكان هذا الالتزام دليلا مسلَّما عند العلماء على انه لا يجوز الزيادة عليها، فكذلك صلاة التراويح لا يجوز الزيادة فيها على العدد المسنون لاشتراكها مع الصلوات المذكورات في التزامه ﷺ عددا معينا فيها لا يزيد عليه، فمن ادعى الفرق فعليه الدليل ودون ذلك خرط القتاد. وليست صلاة التراويح من النوافل المطلقة حتى يكون للمصلي الخيار في أن يصليها بأي عدد شاء، بل هي سنة مؤكدة تشبه الفرائض من حيث أنها تشرع مع الجماعة كما قالت الشافعية، فهي من هذه الحيثية أولى بأن لا يزاد عليها من السنن الرواتب، ولهذا منعوا من جمع أربع ركعات من التراويح في تسليمة واحدة ظنا منهم أنها لم ترد واحتجوا «بأن التراويح أشبهت الفرض بطلب الجماعة فلا تغير عما ورد فيها». فتأمل كيف منعوا من وصل ركعتين بركعتين كل منهما وارد لأن في

стр. 3064

الوصل - عندهم - تغييرًا لما ورد فيها من الفصل. أفلا يحق لنا حينئذ أن نمنع بهذه الحجة ذاتها من زيادة عشر ركعات لا أصل لها في السنة الصحيحة البتة؟ اللهم بلى بل هذا بالمنع أولى وأحرى، فهل من مدكر؟ على أنه لو اعتبرنا صلاة التراويح نفلا مطلقا لم يحدده الشارع بعدد معين لم يجز لنا أن نلتزم نحن فيها عددا لا نجاوزه لما ثبت في الأصول: أنه لا يسوغ التزام صفة لم ترد عنه ﷺ في عبادة من العبادات. قال الشيخ ملا أحمد رومي الحنفي صاحب «مجالس الأبرار» ما ملخصه: «لأن عدم وقوع الفعل في الصدر الأول إما لعدم الحاجة إليه أو لوجود مانع أو لعدم تنبه أو لتكاسل أو لكراهة أو لعدم مشروعيته، والأولان منفيان في العبادات البدنية المحضة لأن الحاجة في التقرب إلى الله تعالى لا تنقطع وبعد ظهور الإسلام لم يكن منها مانع ولا يظن بالنبي ﷺ عدم التنبه والتكاسل فذاك أسوأ الظن المؤدي إلى الكفر، فلم يبق إلا كونها سيئة غير مشروعة، وكذلك يقال لمن أتى في العبادات البدنية المحضة بصفة لم تكن في زمن الصحابة إذ لو كان وصف العبادة في الفعل المبتدع يقتضي كونها بدعة حسنة لما وجد في العبادات بدعة مكروهة، ولما جعل الفقهاء صلاة الرغائب والجماعة فيها وأنواع النغمات في الخطب وفي الأذان وقراءة القرآن في الركوع والجهر بالذكر أمام الجنازة ونحو ذلك من البدع المنكرة، فمن قال بحسنها قيل له: ما ثبت حسنه بالأدلة الشرعية فهو إما غير بدعة فيبقى عموم العام في حديث كل بدعة ضلالة» وحديث «كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد» على حاله، ويكون مخصوصا من هذا العام والعام المخصوص حجة فيما عدا ما خص منه، فمن ادعى الخصوص فيما أحدث أيضا احتاج إلى دليل يصلح للتخصيص من كتاب أو سنة أو إجماع مختص بأهل الاجتهاد ولا نظر للعوام ولعادة أكثر البلاد فيه، فمن أحدث شيئا يتقرب به إلى الله تعالى من قول أو فعل فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، فعلم أن كل بدعة في العبادات البدنية المحضة لا تكون إلا سيئة. [صلاة التراويح ص ٢٥]

стр. 3065

شبهات حول عدم جواز الزيادة على (١١) ركعة في التراويح وجوابها إذا عرفنا إفادة هذا النص أنه لا يجوز الزيادة عليه، فإن من تمام الفائدة أن نسوق بعض الشبهات التي قد يوردها البعض حول هذه المسألة مع الجواب عليها حتى يكون القارئ على بينة من أمره فأقول: الشبهة الأولى: «اختلاف العلماء دليل على عدم ثبوت النص المعين للعدد». من المعلوم أن العلماء اختلفوا في عدد ركعات التراويح على أقوال كثيرة كما سيأتي بيانها فقد يقول قائل: إن هذا الاختلاف يدل على عدم وجود نص في العدد إذ لو ثبت لم يقع الاختلاف في عددها ولو ثبت ذلك من فعل النبي ﷺ لم يختلف فيه كعدد الوتر والرواتب. الجواب: نحن نسلم بأن من الاختلافات ما يكون سببه عدم وجود النص، ولكن من العجيب أن يقرر السيوطي هذا القول فإنه يفهم منه أن الاختلاف ليس له إلا سبب واحد وهو عدم ثبوت النص، مع أنه من المعلوم أن هناك اختلافات كثيرة لم يكن سببها عدم وجود النص بل كان عدم وصوله إلى الإمام الذي قال بخلافه، أو أنه بلغه ولكن من طريق لا تقوم الحجة به، أو بلغه صحيحا ولكن فهمه على وجه غير الوجه الذي فهمه الإمام الآخر، وغير ذلك من أسباب الاختلاف التي ذكرها العلماء فالاختلاف ليس له سبب واحد، بل له - كما ترى - أسباب كثيرة، ألا ترى أن هناك مسائل كثيرة اختلفوا فيها مع أن فيها نصوصا ثابتا عنه ﷺ كما هو معلوم عند العلماء بالفقه والأخبار، ولنضرب على ذلك مثالا واضحا ألا وهو «رفع اليدين في الصلاة عند الركوع والرفع منه» فقد اتفق العلماء كلهم من مختلف المذاهب على مشروعيته ما عدا الحنفية مع أنه ورد فيه نحو عشرين حديثا صحيحا وفي بعضها أن أبا حميد الساعدي ﵁ وصف صلاة النبي ﷺ بحضور عشرة من الصحابة وذكر فيه الرفع فلما فرغ من وصفها قالوا له: «صدقت

стр. 3066

هكذا كانت صلاة رسول الله ﷺ ». رواه البخاري. وقد أجاب أبو حنيفة ﵁ حين سئل عن عدم أخذه بالرفع بقوله: «لأنه لم يصح فيه حديث عن رسول الله ﷺ » في حكاية معروفة جرت بينه وبين أحد المحدثين ذكرها الحنفية في كتبهم، فهذا القول من قبل الإمام أبي حنيفة ﵀ لا يمكن أن يقوله لو أنه وقف على هذه الطرق التي أشرنا إليها، فهذا أكبر دليل على أن الخلاف في هذه المسألة ليس سببه عدم وجود أو ثبوت النص، بل السبب هو عدم وصوله إلى الإمام من طريق صحيح كما عبر عن ذلك الإمام أبو حنيفة نفسه رحمه الله تعالى. وهذا مثال واحد من أمثلة كثيرة معروفة عند المشتغلين بالسنة. أقول: فكما أن الاختلاف في هذه المسألة وحدها لا يدل على عدم ورود نص ثابت فيها، فكذلك الاختلاف في عدد ركعات التراويح لا يدل على عدم ورود نص ثابت فيه، لأن الواقع أن النص وارد ثابت فيه فلا يجوز أن يرد النص بسبب الخلاف بل الواجب أن يزال الخلاف بالرجوع إلى النص عملا بقول الله تبارك تعالى: «فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما» وقوله: «فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا». الشبهة الثانية: «لا مانع من الزيادة على النص ما لم ينه عنها». وقد يقول قائل آخر: سلمنا أنه ثبت النص أن النبي ﷺ صلى التراويح إحدى عشرة ركعة فقط وأنه ثبت ضعف الخبر الذي فيه أن صلاها عشرين ولكن لا نرى مانعا من الزيادة عليه لأن رسول الله ﷺ لم ينه عنها. قلت: الأصل في العبادات أنها لا تثبت إلا بتوقيف من رسول الله ﷺ وهذا الأصل متفق عليه بين العلماء ولا نتصور مسلما عالما يخالف فيه، ولولا هذا الأصل لجاز لأي مسلم أن يزيد في عدد ركعات السنن بل والفرائض الثابت عددها بفعله ﷺ واستمراره عليه بزعم أنه ﷺ لم ينه عن الزيادة عليها وهذا بين ظاهر البطلان فلا ضرورة لأن نطيل

стр. 3067

فيه الكلام خاصة، وقد سبق أن بينا مفصلا «ص ٢٢ - ٢٤» أن الزيادة على صلاة التراويح أخرى بالمنع من الزيادة على السنن والرواتب فتذكره. الشبهة الثالثة: «التمسك بالنصوص المطلقة والعامة» تمسك بعضهم بالنصوص المطلقة والعامة في الحض على الإكثار من الصلاة بدون تحديد عدد معين. كقوله ﷺ لربيعة بن كعب وقد سأله مرافقته في الجنة: «فأعني على نفسك بكثرة السجود» رواه مسلم في صحيحه وأبو عوانة. وكحديث أبي هريرة ﵁ «كان يرغب في قيام رمضان.» ونحو ذلك من الأحاديث التي تفيد بإطلاقها وعمومها مشروعية الصلاة بأي عدد شاء المصلي. والجواب: أن هذا تمسك واه جدا بل هي شبهة لا تساوي حكايتها كالتي قبلها؟ فإن العمل بالمطلقات على إطلاقها إنما يسوغ فيما لم يقيده الشارع من المطلقات، أما إذا قيد الشارع حكما مطلقا بقيد فإنما يجب التقيد به وعدم الاكتفاء بالمطلق، ولما كانت مسألتنا «صلاة التراويح» ليست من النوافل المطلقة لأنها صلاة مقيدة بنص عن رسول الله ﷺ كما سبق بيانه في أول هذا الفصل فلا يجوز تعطيل هذا القيد تمسكا بالمطلقات وما مثل من يفعل ذلك إلا كمن يصلي صلاة يخالف بها صلاة النبي ﷺ المنقولة عنه بالأسانيد الصحيحة يخالفها كما وكيفا متناسيا قوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» محتجا بمثل تلك المطلقات كمن يصلي مثلا الظهر خمسا وسنة الفجر أربعا وكمن يصلي بركوعين أو سجدات. وفساد هذا لا يخفى على عاقل، ولهذا قال العلامة الشيخ علي محفوظ في «الإبداع» «ص ٢٥» بعد أن نقل من نصوص علماء المذاهب الأربعة أن ما تركه النبي ﷺ مع قيام المقتضي على فعله فتركه هو السنة وفعله بدعة مذمومة قال: وعلمت أن التمسك بالعمومات مع الغفلة عن بيان الرسول وتركه هو اتباع المتشابه الذي نهى الله عنه، ولو عولنا على العمومات وصرفنا النظر عن البيان لا نفتح باب كبير من أبواب البدعة لا يمكن سده ولا يقف الاختراع في الدين عند حد وإليك أمثلة في ذلك على ما تقدم: الأول: جاء في حديث الطبراني: الصلاة خير موضوع. لو تمسكنا بعموم هذا

стр. 3068

كيف تكون صلاة الرغائب بدعة مذمومة؟ وكيف تكون صلاة شعبان بدعة مذمومة مع دخولهما في عموم الحديث؟ وقد نص العلماء على أنهما بدعتان قبيحتان مذمومتان كما يأتي. الثاني: قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى الله وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ وقال : ﴿اذْكُرُوا الله ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ إذا استحب لنا إنسان الأذان للعيدين والكسوفين والتراويح وقلنا كيف والنبي ﷺ لم يفعلها ولم يأمر بها وتركها طول حياته؟ فقال لنا: إن المؤذن داع إلى الله وإن المؤذن ذاكر لله كيف تقوم عليه الحجة وكيف تبطل بدعته؟ الثالث: قال تعالى: ﴿إِنَّ الله وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية. لو صح الأخذ بالعمومات لصح أن يتقرب إلى الله تعالى بالصلاة والسلام [عليه ﷺ ] في قيام الليل وركوعها واعتدالها وسجودها إلى غير ذلك من الأمكنة التي لم يضعها الرسول ﷺ فيها ومن الذي يجيز التقرب إلى الله تعالى بمثل ذلك، وتكون الصلاة بهذه الصفة عبادة معتبرة؟ وكيف هذا مع حديث «صلوا كما رأيتموني أصلي» رواه البخاري؟ الرابع: ورد في صحيح الحديث «فيما سقت السماء والعيون والبعل العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر» لو أخذ بعموم هذا لوجبت الزكاة فيها ولا مستند لهم في عدم وجوب الزكاة سوى هذا الأصل وهو أن ما تركه مع قيام المقتضي على فعله فتركه هو السنة وفعله هو البدعة. [صلاة التراويح ص ٢٨] السبب الحقيقي في اختلاف العلماء في عدد ركعات التراويح فإن قيل: سلمنا بفساد هذه الشبهات كلها وسلامة النص من أي معارض فما هو السبب الذي جعل العلماء يختلفون في عدد ركعات التراويح؟ فنقول: الذي يبدو لنا في ذلك أمران لا ثالث لهما:

стр. 3069

الأول: وهو الأقوى والأكثر: عدم الاطلاع على هذا النص الوارد في العدد، فمن لم يبلغه ذلك فهو معذور في عدم العمل به لقوله تعالى عن لسان رسول الله ﷺ في حق القرآن: «لأنذركم به ومن بلغ» بل هو مأجور لقوله ﷺ : «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد» رواه البخاري وغيره. الثاني: أنهم فهموا النص فهمًا لا يلزمهم الوقوف عنده وعدم الزيادة عليه لوجه من وجوه التأويل التي قد تعرض لبعض العلماء بغض النظر عن كونه خطأ أو صوابا كقول الشافعية: وأما قول عائشة: «ما كان ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة» فمحمول على الوتر. ونحو ذلك من الوجوه التي لا تلزم غيرهم الأخذ بها لثبوت ضعفها لديهم فانظر مثلا إلى هذا الوجه الذي نقلته عن الشافعية فإنه ظاهر الضعف إذا تذكرت أن قول عائشة هذا إنما كان جوابا لمن سألها: «كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان»؟ كما سبق، فالصلاة المسؤول عنها شاملة لكل صلاة الليل فكيف يصح أن يحمل على الوتر فقط دون صلاة الليل كلها، مع أن هذا الحمل يفيد أنه ﷺ كان له صلاتان: إحداهما صلاة الليل - وما أدري كم تكون ركعاتها - والأخرى صلاة الوتر بأكثر ركعاته: إحدى عشرة ركعة، وهذا مما لا يقوله عالم بالسنة، فالأحاديث متضافرة على أن صلاته ﷺ في الليل لم تزد على الإحدى عشرة ركعة على التفصيل المتقدم فهذا من نتائج تأويل النصوص لتأييد المذهب. [صلاة التراويح ص ٤٠] موقفنا من المخالفين لنا في هذه المسألة وغيرها إذا عرفت ذلك فلا يتوهمن أحد أننا حين اخترنا الاقتصار على السنة في عدد ركعات التراويح وعدم جواز الزيادة عليها أننا نضلل أو نبدع من لا يرى ذلك من العلماء السابقين واللاحقين، كما قد ظن ذلك بعض الناس واتخذوه حجة للطعن علينا توهما منهم أنه يلزم من قولنا: بأن الأمر الفلاني لا يجوز أو أنه بدعة أن كل من

стр. 3070

قال بجوازه واستحبابه فهو ضال مبتدع، كلا فإنه وهم باطل وجهل بالغ، لأن البدعة التي يذم صاحبها وتحمل عليه الأحاديث الزاجرة عن البدعة إنما هي «طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه» فمن ابتدع بدعة يقصد بها المبالغة في التعبد وهو يعلم أنها ليست من الشرع فهو الذي تنصب عليه تلك الأحاديث، وأما من وقع فيها دون أن يعلم بها ولم يقصد بها المبالغة في التعبد فلا تشمله تلك الأحاديث مطلقا ولا تعنيه البتة، وإنما تعني أولئك المبتدعة الذي يقفون في طريق انتشار السنة ويستحسنون كل بدعة بدون علم ولا هدى ولا كتاب منير، بل ولا تقليدا لأهل العلم والذكر، بل اتباعا للهوى وإرضاء للعوام، وحاشا أن يكون من هؤلاء أحد من العلماء المعروفين بعلمهم وصدقهم وصلاحهم وإخلاصهم ولا سيما الأئمة الأربعة المجتهدين ﵃ أجمعين، فإننا نقطع بتنزههم أن يستحسنوا بدعة مبالغة منهم في التعبد، كيف وهم قد نهوا عن ذلك كما سنذكر نصوصهم في ذلك في الرسالة الخاصة بالبدعة إن شاء الله تعالى. نعم قد يقع أحدهم فيما هو خطأ شرعا ولكنه لا يؤاخذ على ذلك بل هو مغفور له ومأجور عليه كما سبق مرارا، وقد يتبين للباحث أن هذا الخطأ من نوع البدعة فلا يختلف الحكم في كونه مغفورًا له ومأجورا عليه لأنه وقع عن اجتهاد منه، ولا يشك عالم أنه لا فرق من حيث كونه خطأ بين وقوع العالم في البدعة ظنا منه أنها سنة وبين وقوعه في المحرم وهو يظن أنه حلال، فهذا كله خطأ ومغفور كما علمت، ولهذا نرى العلماء مع اختلافهم الشديد في بعض المسائل لا يضلل بعضهم بعضا ولا يبدع بعضهم بعضا. ولنضرب على ذلك مثالا واحدا لقد اختلفوا منذ عهد الصحابة في إتمام الفريضة في السفر فمنهم من أجازه ومنهم من منعه ورآه بدعة مخالفة للسنة ومع ذلك فلم يبدعوا مخالفيهم فهذا ابن عمر ﵁ يقول: «صلاة المسافر ركعتان من خالف السنة كفر». رواه السراج في مسنده بإسنادين صحيحين عنه.

стр. 3071

مع هذا فلم يكفر ولم يضلل من خالف هذه السنة اجتهادا بل لما صلى وراء من يرى الإتمام أتم معه. فروى السراج بسند صحيح عنه أن النبي ﷺ صلى بمنى ركعتين وأبو بكر وعمر وعثمان صدرا من أمارته ركعتين، ثم أن عثمان صلى بمنى أربعا، فكان ابن عمر اذا صلى معهم صلى أربعا، واذا صلى وحده صلى ركعتين. وروى البخاري نحوه عن ابن مسعود وفيه أنه لما بلغه إتمام عثمان استرجع. فتأمل كيف أن ابن عمر لم يحمله اعتقاده بخطأ من يخالف السنة الثابتة بالإتمام في السفر على أن يضلله أو يبدعه بل إنه صلى وراءه لأنه يعلم أن عثمان ﵁ لم يتم اتباعا للهوى - معاذ الله - بل ذلك يجب عن اجتهاد منه، وهذا هو السبيل الوسط الذي نرى من الواجب على المسلمين أن يتخذوه لهم طريقا لحل الخلافات القائمة بينهم أن يجهر كل منهم بما يراه هو الصواب الموافق للكتاب والسنة شريطة أن لا يضلل ولا يبدع من لم ير ذلك لشبهة عرضت له، لأنه هو الطريق الوحيد الذي به تتحقق وحدة المسلمين وتتوحد كلمتهم ويبقى الحق فيه ظاهرا جليا غير منطمس المعالم، ولهذا نرى أيضا أن تفرق المسلمين في صلاتهم وراء أئمة متعددين: هذا حنفي وهذا شافعي .... مما يخالف ما كان عليه سلفنا الصالح من الاجتماع في الصلاة وراء إمام واحد وعدم التفرق وراء أئمة متعددين. هذا هو موقفنا في المسائل الخلافية بين المسلمين الجهر بالحق بالتي هي أحسن وعدم تضليل من يخالفنا لشبهة لا لهوى. وهذا هو الذي جرينا عليه منذ أن هدانا الله لاتباع السنة وذلك من نحو عشرين سنة، ونتمنى مثل هذا الموقف لأولئك المتسرعين في تضليل المسلمين الذين من مذهبهم قولهم: «إذا سئل عن مذهبنا؟ قلنا: صواب يحتمل الخطأ، وإذا سئلنا عن مذهب غيرنا؟ قلنا خطأ يحتمل الصواب» ومن مذهبهم القول بكراهة الصلاة وراء المخالف في المذهب أو بطلانها، ولذلك تفرقوا في المسجد الواحد كما سبق، وخاصة في جماعة الوتر في رمضان لظن بعضهم أن الوتر لا يصح إذا فصل الإمام بين شفعه ووتره مع أنه هو الأفضل الثابت عن رسول الله ﷺ كما سيأتي في الفصل السابع. وذلك هو موقفنا وما أظن عاقلا ينازعنا فيه، فمن نسب إلينا غير ذلك فقد

стр. 3072

بغى وتعدى وظلم والله حسيبه. وغرضنا من نشر السنة في هذه المسألة وغيرها بَيِّن ظاهر وهو تبليغها للناس لقوله ﷺ : «بلغوا عني ولو آية.» الحديث رواه البخاري ومسلم لعلها إذا بلغتهم اقتنعوا بصحتها فالتزموها وفي ذلك فلاحهم وسعادتهم في الدارين، وفيه تضعيف الأجر لنا إن شاء الله تعالى، لقوله ﷺ : «من سن سنة في الإسلام حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة». فمن لم يقتنع بها لشبهة لا لهوى ولا اتباعا للآباء والأجداد فليس لأحد عليه من سبيل، لا سيما إذا كان لم يلتزمها بعض كبار العلماء كما في هذه المسألة. والتوفيق من الله سبحانه. [صلاة التراويح ص ٤١] الأحوط اتباع السنة الأحوط اتباع السنة: على أنه مهما قيل في جواز الزيادة أو عدمها فما أظن أن مسلما يتوقف - بعد ما سلف بيانه - عن القول بأن العدد الذي ورد عنه ﷺ أفضل من الزيادة عليه لصريح قوله ﷺ : «وخير الهدي هدي محمد ﷺ ». رواه مسلم. فما الذي يمنع المسلمين اليوم أن يأخذوا بهذا الهدي المحمدي ويدعوا ما زاد عليه ولو من باب «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، لا سيما وأن كثيرا منهم يسيئون أداة صلاة التراويح بعشرين ركعة للسرعة الزائدة التي يؤدونها بها حتى ليمكن القول إنها لا تصح مطلقا لإخلالهم بالاطمئنان الذي هو ركن من أركان الصلاة التي لا تصح صلاة إلا بها لما سيأتي بيانه. فلو أنهم صلوها بالعدد الوارد في السنة في مثل المدة التي يصلون فيها العشرين لكانت صلاتهم صحيحة مقبولة باتفاق العلماء، ويؤيد ذلك حديث جابر قال: سئل ﷺ أي الصلاة أفضل؟ قال: «طول القيام». فعليكم أيها المسلمون بسنته ﷺ تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ فإن خير الهدى هدي محمد ﷺ . [صلاة التراويح ص ٤٦]

стр. 3073

إحياء عمر لسنة الجماعة في التراويح وأمره بال (١١) ركعة سبق أن ذكرنا أن الناس بعد وفاته ﷺ استمروا على أداء التراويح في المسجد أوزاعا وراء أئمة متعددين وذلك في خلافة أبي بكر وصدرا من خلفة عمر ﵄، ثم إن عمر ﵁ جمعهم وراء إمام واحد فقال عبد الرحمن بن عبدٍ القاري: «خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط «عدد يجمع من ثلا ثة إلى عشرة» فقال: [والله] إني لأرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، [قال]: ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم [ف] قال عمر: نعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله». رواه مالك في الموطأ وعنه البخاري والفريابي ورواه ابن أبي شيبة نحوه دون قوله: «نعمت البدعة هذه»، وله عند ابن سعد والفريابي طريق آخر بلفظ: «إن كانت هذه لنعمت البدعة» ورجاله ثقات غير نوفل بن إياس فقال الحافظ في «التقريب»: «مقبول» عند المتابعة والا فلين الحديث. واعلم أنه قد شاع بين المتأخرين الاستدلال بقول عمر «نعمت البدعة هذه» على أمرين اثنين: الأول: إن الاجتماع في صلاة التراويح بدعة لم تكن في عهد النبي ﷺ ، وهذا خطأ فاحش لا نطيل الكلام عليه لظهوره وحسبنا دليلا على إبطاله الأحاديث المتقدمة في جمعه ﷺ الناس في ثلاث ليال من رمضان وإن ترك الجماعة لم يكن إلا خشية الافتراض. الثاني: أن في البدعة ما يمدح وخصصوا به عموم قوله ﷺ «كل بدعة ضلالة» ونحوه من الأحاديث الأخرى وهذا باطل أيضا فالحديث على عمومه كما سيأتي بيانه في الرسالة الخاصة بالبدعة إن شاء الله تعالى، وقول عمر: «نعمت البدعة هذه»

стр. 3074

لم يقصد به البدعة بمعناها الشرعي الذي هو إحداث شيء في الدين على غير مثال سابق لما علمت إنه ﵁ لم يحدث شيئا بل أحيا أكثر من سنة نبوية كريمة، وإنما قصد البدعة بمعنى من معانيها اللغوية وهو الأمر الحديث الجديد الذي لم يكن معروفا قبيل إيجاده، ومما لا شك فيه أن صلاة التراويح جماعة وراء إمام واحد لم يكن معهودا ولا معمولا زمن خلافة أبي بكر وشطرا من خلافة عمر - كما تقدم - فهي بهذا الاعتبار حاديثة ولكن بالنظر إلى أنها موافقة لما فعله ﷺ فهي سنة وليست بدعة وما وصفها بالحسن إلا لذلك. وعلى هذا المعنى جرى العلماء المحققون في تفسير قول عمر هذا، فقال السبكي - عبد الوهاب - في «إشراق المصابيح في صلاة التراويح» «١/ ١٦٨» من «الفتاوى»: قال ابن عبد البر: لم يسن عمر من ذلك إلا ما سنه رسول الله ﷺ ويحبه ويرضاه، ولم يمنع من المواظبة إلا خشية أن تفرض على أمته، وكان بالمؤمنين رؤوفا رحيما ﷺ ، فلما علم عمر ذلك من رسول الله ﷺ وعلم أن الفرائض لا يزاد فيها ولا ينقص منها بعد موته ﷺ أقامها لناس وأحياها وأمر بها وذلك سنة أربعة عشرة من الهجرة وذلك شيء ذخره الله له وفضله به ولم يلهمه أبا بكر وإن كان أفضل وأشد سبقا إلى كل خير بالجملة، ولكل واحد منهما فضائل خص بها ليس لصاحبه. قال السبكي: ولو لم تكن مطلوبة لكانت بدعة مذمومة كما في الرغائب «ليلة نصف شعبان وأول جمعة من رجب فكان يجب إنكارها وبطلانه «يعني بطلان إنكار جماعة التراويح» معلوم من الدين بالضرورة». وقال العلامة ابن حجر الهيتمي في فتواه ما نصه: إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب وقتال الترك لما كان مفعولا بأمره ﷺ لم يكن بدعة وإن لم يفعل في عهده. وقول عمر ﵁ في صلاة التراويح: «نعمت البدعة هي» أراد البدعة اللغوية وهو ما فعل على غير مثال كما قال تعالى: ﴿مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ وليست بدعة شرعية، فإن البدعة الشرعية ضلالة كما قال ﷺ ، ومن قسَّمَها من العلماء إلى حسن وغير حسن فإنما قسم البدعة اللغوية، ومن قال كل بدعة ضلالة

стр. 3075

فمعناه البدعة الشرعية ألا ترى أن الصحابة ﵃ والتابعين لهم بإحسان أنكروا الأذان لغير الصلوات الخمس كالعيدين وإن لم يكن فيه نهي وكرهوا استلام الركنين الشاميين والصلاة عقب السعي بين الصفا والمروة قياسا على الطواف، وكذا ما تركه ﷺ مع قيام المقتضي يكون تركه سنة وفعله بدعة مذمومة، وخرج بقولنا: «مع قيام المقتضي في حياته» إخراج اليهود وجمع المصحف، وما تركه لوجود المانع كالاجتماع للتراويح فإن المقتضي التام يدخل فيه عدم المانع. [صلاة التراويح ص ٤٨] أمْر عمر بالإحدى عشرة ركعة وأما أمر عمر ﵁ بالإحدى عشرة ركعة فهو ما رواه مالك في «الموطأ» «١/ ١٣٧» «ورقم ٢٤٨» عن محمد بن يوسف عن السائب بن ييد أنه قال: «أمر عمر بن الخطاب ﵁ أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس بإحدى عشر ركعة، قال: وقد كان القارئ يقرأ بالمئين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام وما كنا ننصرف إلا في بزوغ الفجر». سنده صحيح جدا وابن إسحاق قال: «ثلاث عشرة ركعة» وهكذا رواه ابن نصر في «قيام الليل» «٩١» وزاد: قال ابن إسحاق: وما سمعت في ذلك «يعني عدد القيام في رمضان» هو أثبت عندي، ولا أحرى من حديث السائب، وذلك أن رسول الله ﷺ كانت له من الليل ثلاث عشرة ركعة. قلت: وهذا العدد: «ثلاث عشرة» تفرد به ابن إسحاق وهو موافق للرواية الأخرى من حديث عائشة في قيامه ﷺ في رمضان، وقد بينت في رواية أن منها ركعتي الفجر، فيمكن حمل رواية ابن إسحاق هذه على ذلك حتى توافق رواية الجماعة. ومما سبق تعلم أن قول ابن عبد البر: ولا أعلم أحدا قال فيه إحدى عشرة «إلا مالكا» خطأ بين وقال المباركفوري في «تحفة الأحوذي»: «وهم باطل» ولهذه رده الزرقاني في «شرح الموطأ» بقوله: ليس كما قال فقد رواه سعيد بن منصور من

стр. 3076

وجه آخر عن محمد بن يوسف فقال: إحدى عشرة ركعة كما قال مالك. قلت: وسنده في غاية الصحة كما قال السيوطي في «المصابيح» وهذا وحده يكفي في رد قول ابن عبد البر، فكيف وقد انضم إلى ذلك تلك المتابعات الأخرى التي لم أر من سبقني إلى جمعها والحمد لله على توفيقه. [صلاة التراويح ص ٥٣] لم يثبت أن عمر صلاها عشرين وتحقيق الأخبار الواردة في ذلك وبيان ضعفها ولا يجوز أن تعارض هذه الرواية الصحيحة بما رواه عبد الرزاق من وجه آخر عن محمد بن يوسف بلفظ «إحدى وعشرين» لظهور خطأ هذا اللفظ من وجهين: الأول: مخالفته لرواية الثقة المتقدمة بلفظ «إحدى عشرة». الثاني: أن عبد الرزاق قد تفرد بروايته على هذا اللفظ، فإن سلم ممن بينه وبين محمد بن يوسف فالعلة منه أعني عبد الرزاق لأنه وإن كان ثقة حافظا ومصنفا مشهورا فقد كان عي في آخر عمره فتغير كما قال الحافظ في «التقريب» ولهذا أورده الحافظ أبو عمر ابن الصلاح في «من خلط في آخر عمره» فقال في «مقدمة علوم الحديث»: ذكر أحمد بن حنبل أنه عمي في آخر عمره فكان يلقن فيتلقن، فسماع من سمع منه بعد ما عمي لا شيء. قال النسائي: فيه نظر لمن كتب عنه بآخره. وقال في مقدمة الفصل المذكور «ص ٣٩١»: والحكم فيها «يعني المختلطين» أنه يقبل حديث من أخذ عنهم قبل الاختلاط ولا يقبل حديث من أخذ عنهم بعد الاختلاط أو أشكل أمره فلم يدر هل أخذ عنه قبل الاختلاط أو بعده. قلت: وهذا الأثر من القسم الثالث أي لا يدرى حدث به قبل الاختلاط أو بعده فلا يقبل، وهذا لو سلم من الشذوذ والمخالفة فكيف يقبل معها؟ فإن قيل: فقد روى الفريابي في «الصيام» «٧٦/ ١» والبيهقي في «السنن «٢/ ٤٩٦» من

стр. 3077

طريق يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد قال: «كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب ﵁ في شهر رمضان بعشرين ركعة قال: وكانوا يقرؤون بالمئين وكانوا يتوكؤون على عصيهم في عهد عثمان ﵁ من شدة القيام». قلت: هذه الطريق بلفظ العشرين هي عمدة من ذهب إلى مشروعية العشرين في صلاة التراويح وظاهر إسناده الصحة ولهذا صححه بعضهم ولكن له علة بل علل تمنع القول بصحته وتجعله ضعيفا منكرا وبيان ذلك من وجوه: الأول: أن ابن خصيفة هذا وإن كان ثقة فقد قال فيه الإمام أحمد في رواية عنه «منكر الحديث» ولهذا أورده الذهبي في «الميزان» ففي قول أحمد هذا إشارة إلى أن ابن خصيفة قد ينفرد بما لم يروه الثقات، فمثله يرد حديثه إذا خالف من هو أحفظ منه يكون شاذا كما تقرر في «مصطلح الحديث»، وهذا الأثر من هذا القبيل فإن مداره على السائب بن يزيد كما رأيت وقد رواه عنه محمد بن يوسف وابن خصيفة واختلفا عليه في العدد فالأول قال عنه: «١١»، والآخر قال: «٢٠»، والراجح قول الأول لأنه أوثق منه فقد وصفه الحافظ ابن حجر بأنه «ثقة ثبت» واقتصر في الثاني على قوله: «ثقة» فهذا التفاوت من المرجحات عند التعارض كما لا يخفى على الخبير بهذا العلم الشريف. الثاني: أن ابن خصيفة اضطرب في روايته العدد فقال إسماعيل بن أمية أن محمد بن يوسف ابن أخت السائب بن يزيد أخبره «قلت: فذكر مثل رواية مالك عن ابن يوسف ثم قال ابن أمية»: قلت: أو واحد وعشرين؟ قال: «يعني محمد بن يوسف»: لقد سمع ذلك من السائب بن يزيد - ابن خصيفة؟ فسألت «السائل هو إسماعيل بن أمية» يزيد بن خصيفة؟ فقال: حسبت أن السائب قال: أحد وعشرين. قلت: وسنده صحيح. فقوله في هذه الرواية «أحد وعشرين» على خلاف الرواية السابقة: عشرين وقوله في هذه حسبت أي ظننت دليل على اضطراب ابن خصيفة في رواية هذا العدد، وإنه كان يرويه على الظن لا على القطع لأنه لم يكن قد حفظه جيدا، فهذا

стр. 3078

وحده كاف لإسقاط الاحتجاج بهذا العدد فكيف إذا اقترن به مخالفته لمن هو أحفظ منه كما في الوجه الأول؟ ويؤيده الوجه الآتي: الثالث: أن محمد بن يوسف هو ابن أخت السائب بن يزيد - كما سبق آنفا - فهو لقرابته للسائب أعرف بروايته من غيره وأحفظ، فما رواه من العدد أولى مما رواه مخالفه ابن خصيفة، ويؤيده أنه موافق لما روته عائشة في حديثها المتقدم أن النبي ﷺ كان لا يزيد على إحدى عشرة ركعة، وحمل فعل عمر ﵁ على موافقة سنته ﷺ خير وأولى من حمله على مخالفتها وهذا بَيِّن لا يخفى إن شاء الله تعالى. ومثل هذه الرواية في الضعف ما ذكره ابن عبد البر قال: وروى الحارث بن عبد الرحمن ابن أبي ذباب عن السائب بن يزيد قال: كان القيام على عهد عمر بثلاث وعشرين ركعة. قلت: وهذا سند ضعيف لأن ابن أبي ذباب هذا فيه ضعف من قبل حفظه قال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» «١/ ٢ / ٨٠»: «قال أبي: يروي عنه الدراوردي أحاديث منكرة، وليس بذلك القوي يكتب حديث. وقال أبو زرعة: لا بأس به» قلت: ولذلك كان مالك لا يعتمد عليه كما في «التهذيب» للحافظ ابن حجر وقال في «التقريب»: «صدوق يهم». قلت: فمثله لا يحتج بروايته لما يخشى من وهمه لا سيما عند مخالفته للثقة الثبت ألا وهو محمد بن يوسف ابن أخت السائب فإنه قال: «إحدى عشرة ركعة» كما سبق. على أننا لا ندري إذا كان السند بذلك إليه صحيحا فليس كتاب ابن عبد البر في متناول يدنا لنرجع إليه فننظر في سائر سنده إن كان ساقه. ومثل هذه الرواية في الضعف رواية يزيد بن رومان قال: «كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب في رمضان بثلاث وعشرين ركعة» رواه مالك وعنه الفريابي وكذا البيهقي في السنن. وفيه ضعفه بقوله: يزيد بن رومان لم يدرك عمر.

стр. 3079

وكذا ضعفه النووي في «المجموع» فقال: «٤/ ٣٣»: رواه البيهقي ولكنه مرسل فإن يزيد بن رومان لم يدرك عمر. وكذلك ضعفه العيني بقوله: في «عمدة القارئ شرح صحيح البخاري» «٥/ ٣٥٧»: «سنده منقطع». فهذه الرواية ضعيفة لانقطاعها بين ابن رومان وعمر فلا حجة فيها لا سيما وهي مخالفة للرواية الصحيحة عن عمر في أمره بالإحدى عشرة ركعة. وهذا منقطع أيضًا قال العلامة المباركفوري في «التحفة» «٢/ ٨٥»: قال النيموي في «آثار السنن»: «رجاله ثقات لكن يحيى ابن سعيد الأنصاري لم يدرك عمر» انتهى. قلت: الأمر كما قالك النيموي فهذا الأثر منقطع لا يصلح للاحتجاج ومع هذا فهو مخالف لما ثبت بسند صحيح عن عمر ﵁ أنه أمر أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة. أخرجه مالك في «الموطأ» وقد تقدم، وأيضا هو مخالف لما ثبت عن رسول الله ﷺ بالحديث الصحيح». [صلاة التراويح ص ٥٦] تضعيف الإمام الشافعي والترمذي لعدد العشرين عن عمر هذا: وقد أشار الترمذي في سننه «٢/ ٧٤» إلى عدم ثبوت عدد العشرين عن عمر ويره من الصحابة فقال: روي عن علي وعمر وغيرهما من أصحاب النبي ﷺ وكذلك قال الشافعي: في العشرين عن عمر كما نقله صاحبه المزني عنه في مختصره «١/ ١٠٧»، فقولهما: «روي» تضعيف منهما للمروي كما هو معروف عند المحدثين فإن من المروض أن الإمام الشافعي والترمذي من أولئك العلماء المحققين الذين عناهم النووي ﵀ بقوله في «المجموع» «١/ ٦٣»: قال العلماء المحققون من أهل الحديث وغيرهم: إذا كان الحديث ضعيفا لا يقال فيه: قال رسول الله ﷺ أو فعل أو أمر أو نهى أو حكم وما أشبه ذلك من صيغ الجزم. وكذا لا يقال فيه: روى أبو هريرة أو قال أو ذكر أو أخبر أو حدث أو

стр. 3080

نقل أو أفتى وما أشبهه، وكذا لا يقال ذلك في التابعين ومن بعدهم فيما كان ضعيفا فلا يقال في شيء من ذلك بصيغة الجزم، وإنما يقال في هذا كله: روي عنه أو نقل عنه أو حكي عنه أو بلغنا عنه أو يقال أو يذكر أو يحكى أو يروى أو يرفع أو يعزى وما أشبه ذلك من صيغ التمريض وليست من صيغ الجزم، قالوا: فصيغ الجزم موضوعة للصحيح أو الحسن وصيغ التمريض لما سواهما، وذلك أن صيغة الجزم تقتضي صحته عن المضاف إليه فلا ينبغي أن يطلق إلا فيما صح وإلا فيكون الإنسان في معنى الكاذب عليه، وهذا الأدب أخل به المصنف وجماهير الفقهاء من أصحابنا وغيرهم بل جماهير أصحاب العلوم مطلقا ما عدا حذاق المحدثين وذلك تساهل قبيح فإنهم يقولون كثيرا في الصحيح: روي عنه وفي الضعيف «قال» و «روى فلان» وهذا حيد عن الصواب. [صلاة التراويح ص ٦٤] هذه الروايات لا يقوي بعضها بعضا قد يقول البعض: سلمنا بضعف مفردات هذه الروايات ولكن ألا يقوي بعضها بعضا لكثرتها؟ فأقول: كلا وذلك لوجهين: الأول: أن هذه الكثرة يحتمل أن تكون شكلية غير حقيقية فإنه ليس لدينا إلا رواية السائب بن يزيد المتصلة ورواية يزيد بن رومان ويحيى بن سعيد الانصاري المنقطعة، ومن الجائز أن يكون مدار هذه الرواية على بعض من روى الرواية الأولى وجائز غير ذلك كما يأتي ومع الاحتمال يسقط الاستدلال. الثاني: أننا أثبتنا فيما تقدم أن رواية مالك عن محمد بن يوسف الثقة الثبت عن السائب بالإحدى عشرة ركعة هي الصحيحة، وأن من خالف مالكا فقد أخطأ، وكذلك من خالف محمد بن يوسف وهما ابن خصيفة وابن أبي ذباب فروايتهما شاذة، ومن المقرر في علم المصطلح أن الشاذ منكر مردود لأنه خطأ والخطأ لا يتقوى به، قال ابن الصلاح في «المقدمة» «ص ٨٦»: «إذا انفرد الراوي بشيء نظر

стр. 3081

فيه فإن كان ما انفرد به مخالفا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط كان ما انفرد به شاذا مردودا، وإن لم تكن فيه مخالفة لما رواه غيره وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره ... فإن كان عدلا حافظا موثوقا بإتقانه وضبطه قُبل ما انفرد به». ولا شك أن هذه الرواية من النوع الأول لأن راويها مخالف لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط فهي مردودة، ومن الواضح أن سبب رد العلماء للشاذ إنما هو ظهور خطأها بسبب المخالفة المذكورة وما ثبت خطأه فلا يعقل أن يقوى به رواية أخرى في معناها فثبت أن الشاذ والمنكر مما لا يعتد به ولا يستشهد به بل إن وجوده وعدمه سواء. ثم إن رواية يزيد بن رومان ويحيى بن سعيد الأنصاري المنقطعتين لا يجوز أن يقال: عن إحداها تقوي الأخرى لأن الشرط في ذلك أن يكون شيوخ كل من الذين أرسلاها غير شيوخ الآخر وهذ لم يثبت هنا لأن كلا من الراويين يزيد وابن سعيد مدني، فالذي يغلب على الظن في هذه الحالة أنهما اشتركا في الرواية عن بعض الشيوخ، وعليه فمن الجائز أن يكون شيخهما الذي تلقيا عنه هذه الرواية إنما هو شيخ واحد، وهذا قد يكون مجهولا أو ضعيفا لا يحتج به، ومن لجائز أنهما تلقياها عن شيخين متغايرين ولكنهما ضعيفان لا يعتبر بهما، وجائز أيضا أن يكون هذان الشيخان هما ابن خصيفة وابن أبي ذباب فإنهما مدنيان أيضا وقد أخطأ في هذه الرواية كما تقدم، وعليه تكون رواية يزيد وابن سعيد خطأ أيضا كل هذا جائز محتمل ومع الاحتمال يسقط الاستدلال. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «والمراسيل قد تنازع الناس في قبولها وردها وأصح الأقوال أن منها المقبول ومنها المردود ومنها الموقوف ... وما كان من المراسيل مخالفا لما رواه الثقات كان مردودا وإن جاء المرسل من وجهين كل من الراويين أخذ العلم من غير شيوخ الآخر فهذا مما يدل على صدقه، فإن مثل ذلك لا يتصور في العادة تماثل الخطأ فيه.» والغفلة عن هذا الشرط أوقع بعض كبار العلماء في تصحيح بعض القصص الظاهرة البطلان مثل قصة الغرانيق المشهورة كما بينته في كتابي السابق «نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق» فليتنبه لهذا فإنه مهم جدا.

стр. 3082

وما ذكرته هنا في هذه الروايات عن عمر يقال مثله أو نحوه في الروايات الآتية عن علي وغيره في الفصل الخامس، يزاد عليه أن بعضها ضعيف جدا كالطريق الثاني عن علي فلا يصلح أن يقوى به الطريق الأول. فتذكر هذا فإنه ينفعك إن شاء الله تعالى. [صلاة التراويح ص ٦٥] الجمع الصحيح بين الروايتين عن عمر وإذا تبين للقاريء ضعف هذه الرواية عن عمر فلا ضرورة حينئذ إلى الجمع بينها وبين الرواية الصحيحة عنه كما فعل بعضهم فقال: «إنهم كانوا يقومون أول الأمر بإحدى عشرة ركعة ثم كانوا يقومون بعشرين ويوترون بثلاث» لأننا نقول أن الجمع فرع التصحيح، وهذه الروايات غير صحيحة، فلا داعي للجمع المذكور، على أنه يمكن معارضة هذا الجمع فقال المباركفوري ﵀ «٢/ ٧٦» عقب الجمع المذكور: «قلت: فيه أنه لقائل أن يقول: بأنهم كانوا يقومون أولا بعشرين ركعة ثم كانوا يقومون بإحدى عشرة ركعة، وهذا هو الظاهر لأن هذا كان موافقا لما هو الثابت عن رسول الله ﷺ وذاك كان مخالفا له فتفكر». [صلاة التراويح ص ٦٩] العشرون -لو صح- إنما كان لعلة وقد زالت على أنه لو فرضنا أن أحدا لم يقتنع من البيان السابق بضعف عدد العشرين عن عمر - فإنا نقول إنه لا يلزم من ذلك التزام العمل بهذا العدد بحيث يهجر العمل بما ثبت في السنة عنه ﷺ من الإحدى عشرة ركعة، فضلا عن أن يعتبر العامل بهذه السنة خارجا عن الجماعة، ذلك لأن الالتزام شيء زائد على الفعل في مثل ما نحن فيه إذ أن فعل عمر للعشرين إنما يدل على مشروعيته فقط ولا يفيد أكثر من ذلك لأنه مقابل بفعل النبي ﷺ المخالف له من حيث العدد، فلا يجوز والحالة هذه إهدار فعله ﷺ والإعراض عنه بالتزام ما فعله عمر ﵁ فقط، بل غاية ما

стр. 3083

يستفاد منه جواز الاقتداء به في ذلك مع الجزم والقطع بأن الاقتداء بفعله ﷺ أفضل. وهذا مما ينبغي أن لا يرتاب فيه عاقل. وهذا كله يقال لو فرضنا أن عمر زاد على العدد المسنون بحجة أن الزيادة لا مانع منها مطلقا - كما يزعم البعض وسبق الرد عليه - أما وعمر لم يأت بها من هذا الباب بل بعلة التخفيف على الناس من طول القيام الذي كان ﷺ يقوم بالناس في صلاة التراويح كما وقف عليه القارئ الكريم في الأحاديث التي أوردناها في الفصل الأول - فقد ذكر غير واحد من العلماء أن مضاعفة العدد كانت عوضا عن طول القيام، أقول فهذه المضاعفة مع تخفيف القراءة في القيام - لو فعلها عمر ﵁ لكان له ما قد يبرره في ذلك العصر لأنه مع ذلك كانوا لا يفرغون من صلاة التراويح في عهد عمر إلا مع الفجر كما سبق، وكانوا مع هذا التخفيف المزعوم يقرأ إمامهم في الركعة الواحدة ما بين العشرين والثلاثين آية، يضاف إلى ذلك أنهم كانوا يسوون بين الأركان من القيام والركوع والسجود وما بين ذلك فيطيلونها حتى تكون بعضها قريبا من بعض، ويكثرون فيها من التسبيح والتحميد والدعاء والذكر كما هو السنة في كل ذلك، وأما اليوم فليس هناك شيء من هذه القراءة الطويلة حتى تخفف ويعوض عنها بزيادة الركعات، فإن أكثر أئمة المساجد ليخففون القراءة في هذه الصلاة - كما هو مشاهد - إلى درجة أن لو قيل لهم خففوا القراءة لما وجدوا سبيلا إلى ذلك إلا أن يتركوا القراءة مطلقا بعد الفاتحة أو لاقتصروا - في أحسن الأحوال - على مثل آية ﴿مُدْهَامَّتَان﴾ وقد بلغني أن بعضهم فعل ذلك وهذه الفاتحة التي يقرؤونها فإنهم قد ذهبوا بطلاوتها وحلاوتها لشدة السرعة التي يقرؤونها بها، حتى أن الكثيرين منهم ليأتون عليها بنفس واحد خلافا للسنة التي تنص أنه ﷺ كان يقرؤها آية آية، ولئن وجد في أولئك الأئمة من يطيل القراءة بعض الإطالة فإنهم قد اتفقوا جميعا على الإعراض عن تسوية الأركان والمقاربة بينها مع أن سنية ذلك ثابتة في أحاديث كثيرة منها حديث حذيفة بن اليمان المتقدم. أقول: فهذا الواقع الذي عليه غالب المسلين اليوم - فيما أعلم - يجعل العلة التي من أجلها زيدت ركعات التراويح زائلة، وبزوالها يزول المعلول وهو عدد

стр. 3084

العشرين فوجب إذن - من هذه الجهة أيضا - الرجوع إلى العدد الوارد في السنة الصحيحة والتزامه وعدم الزيادة عليه مع حض الناس على إطالة القراءة وأذكار الأركان فيها قدر الطاقة اقتداء بالنبي ﷺ والسلف الصالح ﵃. وأعتقد أن هذا الواقع سيحمل من شاء الله من الفكرين المصلحين على أن يتبنوا رأينا بضرورة الرجوع في صلاة التراويح إلى سنته ﷺ كما وكيفا، فقد فعلوا مثله في مسألة أخرى هي أهم من هذه من حيث نتائجها وأثرها في المجتمع وفي ظهور مخالفتها لعمر ﵁ ألا وهي اعتبار الطلاق الواقع من الرجل بلفظ ثلاث طلاقا واحدا وقد كانوا إلى زمن قريب يعتبرونه ثلاثا «لا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره» وعمدتهم في ذلك إطباق كتب المذاهب الأربعة عليه تبعا لرأي عمر ﵁ فيه مع علمه بأن النبي ﷺ كان يجعله طلقة واحدة، فإذا بهم اليوم يدعون رأي عمر هذا مع ثبوته عنه لما رأوا أن هذا الرأي قد عاد على الناس في هذا العصر بخلاف ما رمى إليه عمر ﵁ من الإصلاح فرجعوا إلى السنة لأنه تبين لهم - بعد لأي - أن الإصلاح المنشود لا يتحقق إلا بها، ومن العجائب أن الكثيرين منهم كانوا إلى عهد قريب يعادون ابن تيمية ﵀ أشد العداء ويطعنون فيه أشد الطعن لإفتائه بهذه السنة وتركه لرأي عمر واجتهاده المخالف لها وينسبونه بسبب ذلك إلى الخروج عن الجماعة، فإذا بهم اليوم يقضون بما كانوا بالأمس به يكفرون، ذلك لأنهم لا يعرفون الرجوع إلى السنة والعمل بها لأنه هو الواجب شرعا، بل إنما يرجعون إليها تحت تأثير الحوادث والتجارب ومراعاة للمصالح، فعسى أن يتبنوا الرجوع إلى سنته ﷺ في صلاة التراويح للنص القرآني، فإن الله ﵎ يقول في نبيه ﷺ وسننه: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ويقول: ﴿قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِين * يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم﴾. [صلاة التراويح ص ٦٩]

стр. 3085

لم يثبت أن أحدا من الصحابة صلى التراويح عشرين تحقيق الآثار الواردة عنهم في ذلك وبيان ضعفها: وهناك روايات أخرى عن غير عمر من الصحابة ﵁ فيها أنهم كانوا يصلون العشرين، ولما كانت جميعها مما لا يثبت أمام النقد العلمي الصحيح وقد اغتر بها كثيرون كان لا بد من بيان ضعفها حتى يكون المؤمن على بينة من أمرها فأقول: ١ - عن علي ﵁ وله عنه طريقان: الأول: عن أبي الحسناء أن عليا أمر رجلا يصلي بهم في رمضان عشرين ركعة. [ثم بين الإمام ضعفه]. الثاني: عن حماد بن شعيب عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي ﵁ قال: دعا «أي علي ﵁» القراء في رمضان فأمر منهم رجلا يصلي بالناس عشرين ركعة قال: وكان علي ﵁ يوتر بهم. [ثم بين الإمام ضعفه]. ٢ - عن أبي بن كعب وله عنه طريقان أيضا: الأول: «كان أبي بن كعب يصلي بالناس في رمضان بالمدينة عشرين ركعة ويوتر بثلاث» [ثم بين الإمام ضعفه]. ٣ - عن عبد الله بن مسعود: روى ابن نصر في قيام الليل عن زيد بن وهب: «كان عبد الله بن مسعود ﵁ يصلي بنا في شهر رمضان فينصرف وعليه ليل». قال الأعمش: كان يصلي عشرين ركعة ويوتر بثلاث. [ثم بين الإمام ضعفه]. هذا كل ما وقفنا عليه ن الآثار المروية عن الصحابة ﵃ في الزيادة على ما ثبت في السنة في عدد ركعات التراويح وكلها ضعيفة لا يثبت منها شيء وقد أشار الترمذي إلى تضعيفها كما سبق، وظني أن القارئ الكريم لا يراها مجموعة في كتاب بهذا التتبع للطرق والتحقيق العلمي الدقيق فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. [صلاة التراويح ص ٧٦]
следующие страницы →