← Фикх общий

Фикх общий · id 145204

جامع تراث العلامة الألباني في الفقه

ناصر الدين الألباني

Полный текст (8 195 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

بمعاذ في صلاة العشاء، وإذا به يفتتح سورة البقرة، فقطع الصلاة وانتحى ناحية من المسجد وصلى أربع ركعات وانصرف. ولما انتهى معاذ من الصلاة وبلغه الخبر أخذ يَسُبُّه ويقول فيه إنه منافق، لماذا؟ لأنه ترك صلاة الجماعة. الصورة الآن: حُقّ لمعاذ أن يقول إنه منافق، لماذا؟ لأنه ترك صلاة الجماعة. لكن سَيَتَبَيّن لنا فيما بعد أن معاذاً كان مخطئاً، وأن ما فعله ذلك الأنصاري كان صواباً، كما يفعله أَحَدُنا اليوم ليس أشد مخالفة للإمام من ذلك الأنصاري. الأنصاري بلغه نقمة معاذ عليه وما يشتمه به من الكلام، فشكاه إلى الرسول ﵊، فأرسل إليه ﵇، الآن صار يحتج قال: يا رسول الله! «إنا أصحاب نواضح نعمل طيلة النهار، وهو يُطيل بنا الصلاة» فلما جاء معاذ قال له ﵇: «أَفَتَّان أنت يا معاذ؟ أَفَتَّان أنت يا معاذ؟ أَفَتَّان أنت يا معاذ؟ بحسبك إذا أَمَّ أحدُكم فليُخَفِّف، فإن وراءه الصغير والكبير وذا الحاجة والمريض، بحسبك أن تقرأ: والشمس وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى ونحوها من السور» انتهت القصة. الآن نجد الرسول لم يُنْكِر على الذي انصرف، وإنما أنكر على الذي أطال. فنحن نعتبر الذين يُصَلُّون عشرين ركعة يطيلون، علماً بأن الإطالة أصلها مشروع، بمعنى: أصلها مشروع لو صلى وحده وأطال وأطال، ما فيه عليه بأس إطلاقاً، لكن لما صلى جماعة وأطال وخالف السنة، فالذي قطع الصلاة، وقطعها لا يجوز في الأصل بطبيعة الحال، لكن لما وجد له عذر شرعي وهو إطالة القراءة في الفريضة، أكثر من السنة المشروعة، ما نقم الرسول ﵇ على ذلك الأنصاري قطعه لصلاته. فإذاً: لماذا ينقم علينا بعض المشايخ هناك أننا نقطع الصلاة، ولا نقطعها، بل نحن نخرج معهم بالسلام، والحديث: «تَحْرِيمُها التكبير، وتحليلها التسليم» فنحن

стр. 3152

ما نقطعها كما فعل ذلك الأنصاري، فلماذا ينقمون؟ ظني والله أعلم، يعود إلى أمرين اثنين: وهو غلبة الظن عندهم أن العشرين جائزة، أو سنة عمر. والأمر الثاني: أنهم لا يتعمقون في دراسة عذر هؤلاء الذين ينقمون عليهم؛ لأنهم إذا لم يتعمقوا في دراسة ذلك الأنصاري، لاشتركوا مع معاذ في النقمة عليه. لكن لما جرت المحاكمة بينهما بين يدي الرسول ﵇ كان الفوز وكان الظفر لذلك الأنصاري على ذلك الإمام، وهو معاذ بن جبل، وما أدراك من معاذ؟ ! فإذاً: ما ينبغي هذا التَحَمُّس في الرد على أنصار السنة، حينما يُسَلِّمون مع الإمام في العشر الركعات. لأننا نقول: لو أن أيَّ رجل صلى وراء الإمام من صلاة القيام ركعتين، لم يكن لأحد من سبيل أن ينقم عليه؛ لأن هذه نافلة، فله أن يصلى ما شاء منها، في حدود الشرع كما نقول نحن، لكن ما ينقمون على أحد إذا صلى ركعتين، أما إذا صلى عشرة اتباعاً للسنة فهؤلاء فَرّقوا الجمع. مداخلة: هم يقولون الأجر، ما يحصل على الأجر حق قيام الليل. الشيخ: هذا صحيح، لكن هذا ليس هو الإمام، يعني: إطالة القراءة على خلاف السنة، لا يُعطى لها الأجر المفروض في السنة. فنحن نقول: الإمام المذكور حتى ينصرف الإمام، قلت أنا هذا الكلام في الأول، لكن الحقيقة كان عليَّ أن أُؤَكِّد، أن الإمام المذكور في الحديث هو الإمام المُتَّبع للسنة، وليس المخالف. مداخلة: «صلوا كما رأيتموني أُصَلِّي». الشيخ: هذا هو. (الهدى والنور /٢٥٤/ ٣٨: ٠٨: ٠٠)

стр. 3153

من أحكام صلاة التراويح

стр. 3154

حكم صلاة التراويح السائل: هل صلاة التراويح فرض أوْ لَا، على الرجل أم على النساء؟ الشيخ: ليس بفرض لا على الرجال ولا على النساء، وإنما هو سنة مستحبة، عليها أجر كبير جداً؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ : «أن من صلى مع الإمام صلاة العشاء في رمضان، ثم قام معه حتى انصرف كُتب له قيام ليلة» لأنه صلى فرض العشاء زايد ... صلاة التراويح في تلك الليلة، من أول صلاة التراويح إلى آخرها طبعاً. المقصود هي صلاة السنة التي هي إحدى عشرة ركعة، فيُكتب له حينذاك كأنه قام الليل كُلَّه، فهي سنة مؤكدة وليست فريضة، لا على النساء ولا على الرجال، لكنها من السنن التي يختلف شأنها عن سائر السنن، بل عن سائر الفرائض؛ لأن المرأة أفضل صلاتها في بيتها. أما صلاة التراويح فلها خصوصية: أن النساء يحضرن أيضاً صلاة التراويح، وهذا أشبه ما يكون بصلاة العيدين، مع اختلاف حكم صلاة العيدين عن حكم صلاة التراويح بالنسبة للنساء. فحكم صلاة العيد واجب على كل امرأة بالغة راشدة، أما صلاة التراويح فكما علمتم ليست بواجبة، لكن يستحب للنساء أن يحضرن مساجد المسلمين في قيام رمضان، خلافاً للفرائض فضلاً عن النوافل، فبيوتهن خير لهن. (الهدى والنور /٩٧/ ٧.: ٣٨: .. ) الرد على من يقول أن التجميع في التراويح بدعة قال الألباني: قلت: هذا الكلام ليس دقيقاً؛ لأن النبي ﷺ قد صلى التراويح جماعة كما يأتي من المؤلف، بل وحض عليها بقوله: «إنه من قام مع الإمام حتى

стр. 3155

ينصرف كتب له قيام ليلة» أخرجه أصحاب السنن وغيرهم بسند صحيح، وقد خرجته في رسالتي «صلاة التراويح» «ص ١٤» فكيف توصف صلاة التراويح جماعة بأنها محدثة لم تكن، فاللهم غفراً. [إصلاح المساجد ص ١٦] مقصود عمر بقوله (نعمت البدعة هذه) على التراويح والحق أن عمر ﵁ لم يعن بقوله: «نعمت البدعة هذه» البدعة الشرعية فإنها كلها ضلالة. وإنما أراد البدعة اللغوية، وهو الأمر الجديد الذي لم يكن، ولا شك أن الجماعة في صلاة التراويح وراء إمام واحد لم يكن معروفاً في عهد عمر ولا في عهد أبي بكر ﵄، فبهذا الاعتبار سماه بدعة، ووصفها بالحسن لقيام الدليل الشرعي على حسنها، هذه كلمة عاجلة، والمسألة تتطلب الإفاضة، والمجال ضيق، فمن شاء البسط فليراجع رسالتنا الآنفة الذكر، أو «الاعتصام» للإمام الشاطبي. «إصلاح المساجد ص ١٦» حكم إلقاء موعظة وتذكير بين ركعات التراويح مداخلة: هل يجوز لإمام المسجد أو الداعي، وهو يؤم الناس في المسجد لصلاة التراويح بين الركعات، في هناك استراحة يُذَكَّرهم في بعض الأمور، مثلاً في حسن الصلاة واتباع النبي ﵇، والتنبيه على بعض البدع والشركيات نعم، تنبيهات يعني؟ الشيخ: الجواب: يجوز ولا يجوز، إذا كان التنبيه والتحذير والأمر والنهي لأمر عارض، فهذا أمر واجب. أما إذا كان يُتَّخَذ نظاماً وعادةً، بين كل أربع ركعات مثلاً أو أكثر من ذلك

стр. 3156

أو أقل من ذلك يُلقي الإمام درساً، فهذا خلاف السنة. إذا كان أمر عرض فهذا واجب التنبيه عليه، أما أن يُتَّخذ نظاماً، فقيام التراويح أو صلاة التراويح هي عبادة محضة، يتوجه المسلم إلى الله بكل جوارحه وَلُبِّه وعقله وقلبه، هذا هو الغاية من صلاة القيام صلاة رمضان. أما أن يُتَّخذ هناك مجالس بين ركعتين أو أربع كنظام، هذا لم يكن عليه الرسول ﵊. (الهدى والنور/٦٥٦/ ٣٤: ٤٤: ٠٠) هل يلزم الإمام إطالة القراءة في صلاة التراويح مداخلة: هل يلزم الإمام الإطالة في القراءة في صلاة التراويح؟ الشيخ: إذا كنت تعني بقولك: يلزم، بمعنى الوجوب، فالجواب واضح، أنه لا يلزم. أما إن كنت تعني: هل يُشْرع له ذلك، فالجواب: يُشْرَع، فأيُّهما تعني؟ مداخلة: الناس هنا عندنا يزعلوا ويتضايقوا من الإمام الذي يُطِيل القراءة في صلاة التراويح. الشيخ: نعم. مداخلة: وبعضهم يدور على الشيخ الذي يسرع، ويقرأ له آية أو آيتين، ويُنهي صلاته في كل ركعة ... الشيخ: أنا جوابي كان واضحاً يا أخانا. إطالة القراءة في صلاة التراويح سُنَّة، لكن ليس بالأمر الواجب، بمعنى: لو أن الإمام قرأ في كل ركعة الفاتحة فقط، ولا أضاف إليها ولو آية واحدة صلاته صحيحة، لكن المسلم لماذا يصلي صلاة التراويح؟ أهي فرض عليه؟ ما هي فرض عليه. مداخلة: تقرُّب إلى الله.

стр. 3157

الشيخ: تَقَرُّب إلى الله. لماذا ما يتقربوا الجماعة الذي تقول عنهم يطلبوا المشايخ الذين يُخَفّفوا القراءة؟ لماذا لم يتقربوا إلى الله، بالاستماع لتلاوة القرآن، ولو مثلاً خمس آيات أو ست آيات؟ لأن هؤلاء يحضرون، أنا سأقول آسفاً: يحضرون وقلوبهم ليست في الصلاة، هذا من جهة. من جهة ثانية: لا يعرفون كيف كانت صلاة الرسول ﵇ حينما كان يصلي بالناس. لقد جاء في حديث أبي ذر في «سنن أبي داود» أن النبي ﷺ قام بهم ليلة حتى كاد أن يُدْرِكَهم الفلاح، يعني حَيَّ على الصلاة حَيَّ على الفلاح. وفي زمان عمر بن الخطاب، حينما كانوا يُصَلُّون صلاة القيام - أي صلاة التراويح - كان الإمام يُطِيل القراءة، إلى درجة أن بعض المصلين كانوا يضطرون أن يتكئوا على العِصِي، وكانوا إذا انصرف الإمام من صلاة القيام، الشاطر منهم الذي يلحق بيته ويعجل الخدم يحضروا له سحوراً قبلما يطلع الفجر، أين نحن يا جماعة من هؤلاء؟ فأنتم لازم تنعكس القضية، إذا رأيتم إمام يعجل الصلاة، يعني يستعجل فيها ويقرأ الفاتحة وبسرعة، وربما بنفس واحد، على طريقة ذلك الصوفي، ثم يأتي بعد الفاتحة آية قصيرة ولو كانت مدهامتان والله أكبر، بدل ما تقولوا لهذا الإمام يا جماعة: ما فهمنا شيئاً من الصلاة غير ركعنا وسجدنا وهضمنا، أما ما سمعنا شيئاً من تلاوة قرآن، بدل ما تقولوا للإمام الذي عامل يُعَجِّل في صلاة القيام: طَوِّل قليلاً، اقرأ لك من سورة طويلة، ولو في يعني ركعتين، حتى يعني يطمئن لكلام الله ، لكن الناس كل الناس إلا من شاء الله وقليل ما هم، هم في غفلة ساهون. فالرسول ﵊ كان يقول: «من قام رمضان إيماناً واحتساباً،

стр. 3158

غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه». اليوم الناس ما يفكروا أنه يريد يصلي القيام من شان ينال مغفرة رب العالمين، لا. كأنه حمل في رقبته، ويريد يضعه، موهيك الصلاة. الِّلي ما بده يصلي صلاة قيام باطمئنان وركوع وخشوع وتلاوة قرآن، يُصَلِّي الفرض على مذهب ذلك الأعرابي، الذي جاء للرسول ﵇ وسأله عما ما فَرَض الله عليه، قال له: «خمس صلوات في كل يوم وليلة. قال: هل عليَّ غيرهن؟ قال: لا، إلا أن تطوع. قال: والله يا رسول الله، لا أزيد عليهن ولا أنقص». الذي ما عجبه صلاة القيام طويلة، ونقول طويلة يعني شوية، وإلا نحن ما رأينا القيام الطويل لسه ما رأيناه، لكن طويلة شوية بالنسبة للأئمة الآخرين، الذي ما يريد الصلاة هذه، يتبنى مذهب ذاك الأعرابي ويصلي الصلوات الخمس ويتوكل على الله. (الهدى والنور / ٣١٨/ ٣٧: ٠٥: ٠٠) حكم دعاء ختم القرآن في التراويح مداخلة: دعاء ختم القرآن وخاصة في التراويح هل له أصل؟ الشيخ: لا، ليس له أصل. مداخلة: دعاء ختم القرآن. الشيخ: ختم القرآن إذا ختم المسلم يسن في حقه أو يستحب أن يدعو ويجمع أهله، أما ختم القرآن هكذا في الصلاة صلاة القيام، فهذا الدعاء الطويل العريض هذا لا أصل له إطلاقاً. (رحلة النور: ١٩ أ/٠٠: ٤٢: ٣٥)

стр. 3159

المأموم الذي فارق إمامه في صلاة التراويح ليقتصر على السنة هل يكتب له أجر قيام الليلة ؟ مداخلة: حديثك الذي جلس مع الإمام حتى ينصرف في التراويح تكتب له قيام ليلة، هنا يكون .. يعني: تكتب له قيام ليلة أم لا؟ الشيخ: أين هنا؟ مداخلة: إذا خرج قبل أن ينصرف الإمام من التراويح. الشيخ: الجواب: ماذا يعني الرسول بالإمام؟ الإمام المتسنن أم غيره؟ ما تظن؟ مداخلة: المتسنن. الشيخ: طيب! فإذًا لا يتابعه إذا كان غير متسنن. (رحلة النور: ٣٠ أ/٠٠: ٢٠: ٠٠) حكم إلقاء موعظة بعد الجمعة وبعد أربع ركعات في التراويح [أحيانا بعد صلاة الجمعة يقوم الإمام أو غيره يلقي موعظة] وكذلك هذه المسألة تكون في صلاة التراويح عند الانتهاء من كل أربع ركعات يقوم الإمام ويذكّر الناس بأيام الله ، فهل هذا جائز أم لا؟ الشيخ: المسألة الأولى تختلف عن الأخرى، والأخرى عن الأولى. المسألة الأولى: لا تنافي ولا تعارض بين قيام رجلٍ عقِب صلاة الجمعة يذكّر ويعظ وربما يُعلّم وبين قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ ذلك لأن الآيه وإن كانت صريحة في الأمرِ فإن هذا الأمرَ ليس للوجوب باتفاق العلماء، فهو أمرُ إباحةٍ ورفعٍ لحظرِ سابقٍ في نفس الآية في نفس السورة حيث قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ

стр. 3160

فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] فلمّا أراد الله أن يُعيد الحكم السابق قبل أن يأمرهم بقوله: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ قال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ بالبيع والشراء ونحو ذلك، وهذه الآية من أدلّة علماء الأصول على أن الأمر لا يستلزم أن يكون للوجوب دائمًا وإن كانوا اختلفوا في الأصل، هل الأصل في الأمر الوجوب وهذا هو الراجح عند جمهور علماء الأصول، أما الأصل في الأمر أنه لا للوجوب ولا للاستحباب وإنما ذلك يُتطلب من الأدلة الأخرى الخارجة عن الأمر، وهذا كما ترون أو كما تشعرون معي مذهبٌ مرجوح؛ لأنّه يتطلب في كل أمرٍ بحثًا وتفرّدًا، لا يستطيع المخاطبون بكل هذه الأوامر، ولذلك كان قول الجُمهور بأن الأصل في الأمر إنما هو الوجوب هو الصواب في المائة مائة، لأن الأسلوب في التكلم في اللغة العربية يقضي ذلك أولاً، وثانيًا؛ لأن جعل الأمر مهلهلاً لا يفيد وجوبًا ولا استحبابًا إلا على ضوء الأدلّة التي يجب على كل سامعٍ للأمرِ مباشرةً فمعنى ذلك تعطيل الأوامر الشرعية وتعطيل تنفيذ ما أُمِرَ المسلمون به، وهذا يذكّرني بقصة ويبدو أن الوقت انتهى فلنجعلها آخر هذه الجلسة لأن فيها أولاً فائدة وفيها نكتة وظرافة. جاءني مرةً أحدُ إخواننا السلفيين في دمشق وأنا في المكتبة الظاهرية، فشكا إليَّ رئيسَه في المكتب الذي هو يعمل فيه، وأنّه اختلف مع رئيسه في هذه المسألة الأصولية، هل الأمر للوجوب أم ليس للوجوب، رئيسه يتبنى الأمر الثاني أنه ليس للوجوب، وصاحبنا يتبنّى أنه للوجوب كما نشرح ذلك في كل مجالسنا، وصاحبنا ليس في قوة رئيسه في الثقافة الشّرعية، وفي العلم في الأصول والفروع، فبحكم هذا التفاوت يتغلب الرئيس على المرؤوس أولاً، وثانيًا هو رئيس، فقلت له لأني لا أستطيع مثل هذا الأخ السلفي أن ألقّنه الأدلة في جلسةٍ واحدة وبخاصة وهو يأتيني وأنا منكبّ على البحث والتحقيق في المكتبة الظاهرية وليست المكتبة مجالاً للوعظ والتعليم وَوَإلى آخره، فأعطيته كلمات يمكن بها أن يُفهِم صاحبَه ورئيسَه، قلت له: ما دام الأمر كذلك كلما أمرك الرئيس بشيء فأنت لا تطعه، بيقولك مثلاً: عطِني الكتاب الفلاني، عطِني قلم، عطِني ورق، عطني كذا، بالتعبير السوري؛ قلتُ له:

стр. 3161

طنِّش، طنِّش يعني اعمل حالك ما سمعت، حتى يضجر الآمِر. فسوف يقول لكَ: يا أخي مالَك إنتَ؟ لماذا لا تسمع؟ لماذا لا تنفِّذ الأمر؟ بتقوله: يا أستاذ أنت تعلمنا منك أن الأمر لا يفيد الوجوب، فأنا لستُ مسؤولاً، وهكذا فعل فتخلص منه. الحقيقة أن هذه معطّلة، إذا قيل بأن الأمر لا يفيد الوجوب فمتى يستطيع المأمور إذا قال السيد للخادم: روح جب ميّ، لا هو يركز في مكانه ولا يستجيب لأمره، لماذا؟ لأن الأمر لا يفيد الوجوب، حتى إيه؟ يكون فيه قرينه، من أين تأتي القرينة من مثل هذا المأمور أو ذاك؟ الأمر يفيد الوجوب، فلما جاءت الآية: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ فمعنى ذلك رفع الأمر السابق «ذروا البيع» اتركوا البيع، الآن جاء الأمر بالسعي وراء الرزق فرفع ذلك الحظر، فالأمر بالشيء بعد النهي عنه إنما يفيد الإباحة ولا يفيد الوجوب، إذ الأمر كذلك فالواعظ الذي يعظ الناس يوم الجمعة بعد الصلاة ليس مخالفًا لهذا الحديث؛ لأن الحديث لا يوجب الانصراف فورًا، كما يوجب الانصراف من الصلاة بالسلام: «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم» شتان ما بين هذا وذاك، هذا بالنسبة للواعظ يوم الجمعة. أمّا بالنسبة للواعظ بعد أربع ركعات التراويح فيختلف الأمر عندي تمامًا، ومع أنّه لا أمر هنا يُفيد الإباحة كما هو الأمر في الآية السابقة، فأنا أرى أن صلاة القيام هو وضع خاص المقصود به ليس العلم والتعليم، وإنما المقصود به تزكية النفوس بالإقبالِ إلى الله ﵎ بالصلاة والقيام والركوع والسجود وذكر الله بعد الصلاة فهذا [الجوء] لا يجوز إشغاله بشيء آخر، ولو كان هذا الشيء الآخر عبادة بل وهو أفضل من العبادة كما قال ﵊: «فضل العلم خيرٌ من فضل العبادة، وخير دينكم الورع» أي نافلة العلم خير عند الله من نافلة العبادة، وخير الدين الورع. فطلب العلم والسير فيه أفضل من النافلة، ولكن قد يكون المفضولُ في بعض الأحيان خير من الفاضل في أحيان أخرى. مثلاً أنتم تعلمون قوله ﵇ أو نهيه ﵇ عن قراءة القرآن في الركوع وفي السجود، نحن نقول:

стр. 3162

سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى في الركوع والسجود وغير ذلك من الأدعية المعروفة، فهل ذلك أفضل من القرآن؟ الجواب: لا، لكن نقول: بلى هنا في هذا المكان هذا الوِرد أفضل من القرآن. ليس كأصل وإنما كفرع يتعلق بهذا المكان، إذا جلسنا للتشهد في الصلاة ما نقرأ الفاتحة وإنما نقرأ التحيات لله، آلتحيات لله أفضل من القرآن من الفاتحة فاتحة الكتاب؟ الجواب: لا، لكننا إذا قرأنا الفاتحة في التشهد عصينا، وإذا قرأنا التشهد اتبعنا. فإذن الحكمة وضع كل شيء في محلّه، فلما شرع النبي ﷺ أو سنَّ النبي ﷺ عن ربه صلاة القيام في رمضان هل كان يُذكِّر؟ هل كان يُعلِّم؟ الجواب: لا، إنما هو العبادة المحضة، فلذلك يختلف الأمر عندي في التذكير في أثناء التراويح فهذا لا يُشرع، اللهم إلا في حالة واحدة إذا جاءت مناسبة كأن يرى مثلاً الإمام رجلٌ لا يحسن الصلاة صلاة القيام فيعلّمه، أما أن يتخذ وِردًا من جملة الأوراد في صلاة القيام في رمضان التذكير فهذا هو من الابتداع في الدين و ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]، والحمد لله ربّ العالمين. ولعلكم تعلمتم إن شاء الله في جملة ما تعلمتم القناعة، فلا سؤال بعد هذا، فانصرفوا راشدين. (فتاوى جدة-موقع أهل الحديث والأثر- ٣٢) تقسيم صلاة القيام في رمضان بين أول الليل وآخرة مداخلة: ما يحدث الآن يا شيخ في رمضان في العشر الأواخر، يُقَسِّمون الصلاة صلاة القيام في أول الليل وفي آخره، وأصبح هذا يعني نظام دائم؟ الشيخ: بدعة. مداخلة: طيب، كيف .. كيف يكون .. يعني: وَدِدْنا أن نقيم السنة ونُخَفِّف على الناس، فكيف نفعل؟

стр. 3163

الشيخ: تُبَكِّرون، كما قال عمر «والتي يؤخرونها أفضل» يعني: هو أمر أُبَّي بن كعب، أن يقيم صلاة القيام بالناس بعد صلاة العشاء، ففعل، ولما خرج يتحسس قال: [نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل]. مداخلة: يعني: يبقى الحال على ما هو قبل العشر؟ الشيخ: أي نعم. مداخلة: جزاك الله خيراً. (الهدى والنور/٧١٩/ ٥١: ٣٩: ٠٠) هل تشرع الجماعة في قيام الليل في غير رمضان السائل: صلاة القيام هل تُشْرَع جماعة في غير رمضان؟ الشيخ: تشرع عفوًا لا قصدًا, يعني: لا يجوز التداعي على صلاة قيام في غير رمضان، يعني، تعالوا يا جماعة نصلي صلاة الجماعة في البيت، أما إذا كانوا مجتمعين عفو الخاطر عنَّ لهم أن يصلوا فلأحدهم أن يؤمهم. السائل: في غير رمضان، يصلي مع زوجته جماعة؟ الشيخ: هذا لا، إلا صدفة. (الهدى والنور /١٨٤/ ٤٩: ٢٦: ٠٠)

стр. 3164

القراءة من مصحف في التراويح

стр. 3165

حكم قراءة الإمام في صلاة التراويح من المصحف السائل: هل يجوز لرجل أن يَؤُم الناس في صلاة التراويح وهو يقرأ من المصحف؟ الشيخ: هذه مسألة اختلف فيها العلماء منذ القديم, منهم من أجاز ذلك, ومنهم من كَرهه. أنا بَصُفُّ نفسي مع الذين كرهوه، لسببين اثنين: السبب الأول: أنه لم يكن من عمل السلف, السلف الصالح ما كانوا يقرؤون في صلاة التراويح يَؤُمون الناس والمصاحف بأيديهم، وهذا أمر طبيعي جداً، لماذا؟ شوفوا النتائج كيف تختلف؛ لأن أئمتهم ما كانوا مثل أئمتنا. أئمتهم كانوا علماء, كانوا حفاظاً لكتاب الله , اليوم أكثر أئمتنا مُحَوِّشين -ولا مؤاخذة- تحويش؛ لأنه صارت الإمامة وظيفة، كأي وظيفة من الوظائف في الدولة, المفروض في الإمام أن يحفظ قسماً كبيراً، إذا ما قلنا يحفظ القرآن كله من أوله إلى آخره, فأن يحفظ قسماً كبيراً من كلام الله ، حتى يؤم الناس وما يملوا قراءته. لأن الإنسان طبيعتُه الملل, ولو كان يسمع كلام الله فهو يمل، لكن لَمَّا يُنَوّع الإمام كل كم يوم يسمع له آية جديدة، خاصة لما يضع ذهنه فيما يتلو الإمام، بتصير الفائدة مزدوجة, الأمر الأول إذاً: هو لأن السلف الصالح ما كانوا يَؤُمون الناس والمصاحف بأيديهم. والسبب الثاني: فُهم ضمناً، أننا إذا فتحنا باب تجويز إمامة الأئمة للناس بالمصحف، صرفنا الأئمة عن العناية بحفظ القرآن. علماً أن القرآن حِفْظُه ليس بالأمر السهل، وقد أشار الرسول ﵇ إلى هذا الأمر بقوله «اقرؤوا هذا القرآن وتغنوا به, فوالذي نفس محمد بيده إنه أشد

стр. 3166

تَفَلُّتاً من صدور الرجال من الإبل من عُقُلها». أنتم معشر العرب تعرفون هذا الكلام الذي بيقوله الرسول ﵇ «أشد تَفَلُّتاً من الإبل من عُقُلها» هكذا القرآن يتفلت من صدر الحافظ، إلا ما دام عليه قائماً بالحفظ. الناس اليوم بيطلبوا الراحة, وأنت لما بتقول للناس أقرؤوا بالمصحف، أرحتهم، وليس هذا من مقاصد الشريعة. مقاصد الشريعة أنك تَحُضُّهم على العناية كما قال ﵇ «اقرؤوا هذا القرآن - مفهوم - وتغنوا به - ما معناه - فسره العلماء على وجهين: الوجه الأول: تَغَنَّوا به، أي استغنوا به عن أن تطلبوا به أجر الدنيا دون الآخرة، كما يفعل بعض القُرَّاء اليوم مع الأسف، حيث يُدعون لمناسبة وفيات ومآتم، يُدعى القارئ المشهور أو المقرئ المشهور فاتفق معه على أجر مسمى من شان يقرأ له، مثلاً على روح الميت سورة ﴿يس﴾ وعلى قدر طول القراءة يكون طول الأجر، لأنه صارت تجارة. هذا الذي أشار الرسول ﵇ إلى الانصراف عنه، بقوله «وتغنوا به» أي استغنوا بتلاوة القرآن عن تحصيل أجر الدنيا. المعنى الثاني: هو معنى معقول ووجيه جداً تغنوا به يعني كما قال ﵇ في الحديث الآخر «حسنوا أو زينوا القرآن بأصواتكم» لَيِّنوا القرآن بأصواتكم وأصرح منه قوله ﵇: «من لم يتغنَ بالقرآن فليس منا» وحديث آخر «لله أشد أَذَناً لنبيٍّ يقرأ القرآن، يتغنى به يجهر به». أي أن الله أشد ما يكون استماعاً لصوتٍ، ليس هناك شيء أكثر من صوت نبي يقرأ القرآن يتغنى به يرفع صوته به. فالتغني بالقرآن أمر مرغوب فيه جداً، لكن ليس المقصود بهذا التغني بالمعنى الثاني، هو أن نقرأ القرآن على التقاسيم الموسيقية، ولا القوانين الغربية, هذا ينبغي

стр. 3167

أن نُرَفِّع القرآن عن مثل ذلك؛ لأنه كلام الله ، وإنما ينبغي أن يُقرأ القرآن كما قال ﵊: «خيركم قراءةً، من إذا رُئي يقرأ القرآن رُئي أنه يخشى الله» هذا خير الناس قراءةً، من إذا سمعته يقرأ القرآن تظن فيه أنه يخشى الله. أما هذا التطريب وهذا الصعود وهذا النزول، وذاك التنغيم الذي يطلع بعض القراء: «الله، زادك الله كذا، اللهم صل على النبي» من الصياح والزُّعَاق، هذا ليس من الأدب في تلاوة القرآن الكريم أبداً, وإنما واجب المستمعين الإصغاء لما يُتلى عليهم من كتاب الله والتدبر فيه, أما هذا الصياح والزعاق هذا يصرفهم عن الإصغاء لما يُتلى عليهم من كلام الله ﵎ الشاهد: أن قوله ﵊ «اقرؤوا هذا القرآن، وتغنوا به» يُفسَّر بمعنيين فوالذي نفس محمد بيده، إنه أشد تَفَلُّتاً من صدور الرجال، من الإبل من عُقُلها. من هذا وذاك: لا نرى شرعية القراءة في صلاة التراويح، خاصة من المصحف. يُضاف إلى ذلك شيءٌ لاحظناه في السعودية، أن الذي يقرأ في القرآن أنه يضطر أن يأتي بالحركات, الذي يقرأ من المصحف يضطر أن يجلب حركات لا تتناسب مع الهدوء والخشوع في الصلاة، فقد جاء في الحديث الصحيح قوله ﵇ «اسكنوا في الصلاة» يعني نصلي حينما نقف في الصلاة ينبغي أن يكون مثل الخشبة الجامدة، خاشعاً بين يدي الله، حتى لو صلى في البرية الطير بيظنه خشبة يقف عليه, أما الحركات هذه المُنَافية للصلاة، فذلك خلاف هذا الأمر النبوي الكريم «اسكنوا في الصلاة». رأينا بعض الذين يقرؤون من المصحف، منهم من يضع المصحف تحت إبطه، ثم تراه كأنه مُغَلّل في يده لا يستطيع أن يرفع يديه كما شرع الله على لسان نبيه وفعله وعمله, ثم لا يستطيع أن يسجد سجود الرسول ﵇ حيث كان إذا سجد جافي عن إبطيه، ولعلكم إن شاء الله تعرفوا هذه السنة، يمكن تعرفوها لكن ما تفعلوها أو إذا فعلتوها فقليل منكم يفعلها، وقليل من عبادي الشكور. فهذا الذي يُلقي المصحف تحت إبطه، لو أراد أن يأتي بهذه السنة وقع المصحف من يده.

стр. 3168

السائل: يحطه على الطاولة يا شيخ. الشيخ: ما أقول لك شو شفنا بعيونا, كمان لما بيحطه على الطاولة ما بده يمد يده, هذا هو, حده بعيد عنه, كلها حركات هذه, ناس منهم بيكون المصحف من الحجم الصغير بيعمل إيه؟ بيحطه في جيبه, الله أغناهم عن هذه الحركات كلها، لولا أنهم استحسنوا القراءة من المصحف، واستغنوا بذلك عن الإستغناء بالقرآن, وهذا خطأ كبير, أظن أخذت الجواب كفاية. (الهدى والنور / ١٣٠/ ٥٠: ٥٧: ٠٠) (الهدى والنور / ١٣١/ ٢٨: ٠٠: ٠٠) قراءة الإمام من المصحف في صلاة التراويح الشيخ: نحن نقول بالنسبة للذين يَؤُمُون الناس في التراويح ويقرؤون لهم من المصحف، هذا أمر غير مشروع وإن كان فيه اختلاف بين العلماء قديماً وحديثاً، لكنه غير مشروع، لأن ذلك يُؤَدِّي إلى عدم الاهتمام بأقل ما يقال بالعناية بالقرآن وبحفظه، كما ذكرنا في بعض المناسبات قوله ﵇ «اقرؤوا هذا القرآن، وتعاهدوه، وتَغَنَّوا به، فوالذي نفس محمد بيده، إنه أَشَدُّ تَفَلُّتاً من صدور الرجال من الإبل من عقلها» فإذا قلنا للناس عموماً، ولأئمة المساجد خصوصاً: إنه اقرؤوا من القرآن من المصحف في صلاة القيام، سواء تراويح في رمضان أو في غير رمضان، معناها ركنوا إلى القراءة من المصحف مباشرةً، وتَعَطَّلت الهِمَّة التي كانت تُحَفِّزهم وتدفعهم للعناية بإيش؟ بحفظ القرآن. فلو كان هذا التفسير ماشي هنا، حينئذٍ نحن نرجع عن رأينا السابق اللي بيقول: إنه مكروه أن يقرأ الإمام من المصحف، ولكان هذا منتشراً في زمن السلف الصالح، الذي نقول مُؤَكّدين مِراراً وتكرراً بأنهم خير الناس. السائل: طيب، إذا كررت الآية الواحدة؟

стр. 3169

الشيخ: لا، هذا أخو ذاك؛ لأنه هذا معناها أنك أنت إذا ركنت إلى التكرار وما اعتنيت بالحفظ، نحن نقول: ما قلنا هو لدفع الناس للعناية بحفظ القرآن، لكن هذا أخيراً لا نستطيع أن نجعل الناس كل الناس في مثابة واحدة، من حيث الحرص والعناية للأمور المستحبة الناس طبقات، أنتم تعرفون الأعرابي اللي قال «والله يا رسول الله لا أزيد عليهن ولا أنقص». فالناس نكتفي منهم بأن يُحافظوا على الفرائض ناس أحسن منهم، يَضُمُّون إليها المحافظة على السنن الرواتب، ناس يُضِيفون إلى ذلك المحافظة على النوافل، ناس يحفظوا العشر الآيات، ناس مائة آية، وفي ناس مائتين إلى أخره. الناس طبقات، فمن شاء أن يكون من خير الناس فعليه أن يُطَبِّق قول أحدهم. فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم ... إن التشبه بالكرام فلاحُ أما أن نأتي بصورة نحن بِدْنا نقول: مثل فلان، وبنعمل عمل غيره، هذا ما يكون واضح. (الهدى والنور/٢٦٥/ ٢٨: ٠٧: ٠٠) حكم القراءة من المصحف في صلاة التراويح وحكم حمل المصحف من أحد المقتدين بالإمام لتذكيره الشيخ: هناك مسألة تقع كثيراً اليوم في كل شهر رمضان، وهي: أن كثيراً من أئمة المساجد حين يقومون بالناس صلاة القيام، يقرؤون من المصحف مباشرةً، لا بد هذا واقع في أرضكم كما هو واقع في أرضنا؟ ! طيب! فهنا نقول: هل هذا مشروع؟ أما أنا فجوابي: لا، وهناك بعض العلماء الأفاضل يُجِيزون ذلك، فيقولون: بلى، وحجتهم في ذلك رواية صحيحة من حيث السند أن عائشة رضي الله تعالى عنها كان لها غلام يَؤُمها في رمضان فيقرأ من

стр. 3170

المصحف، هذه الرواية صحيحة. أما أنا جوابي عن هذه الرواية: أن هذه الرواية لا تُمَثِّل منهج السلف بعامة، هي تمثل رأي أم المؤمنين أولاً السيدة عائشة، وهي التي لا يجب عليها أن تخرج إلى المسجد وتصلي مع جماعة المسلمين الفرائض، فضلاً عن صلاة القيام الذي هو من النوافل. ثم ليس فقط لا يجب ذلك عليها، بل يُستحب بها أن تصلي في عقر دارها. فإذاً: هذه كما قلت أولاً: لا تُمثل الوعي السلفي في هذه القضية كسلف جامع للرجال .. للعلماء .. لطلاب العلم إلى آخره. وثانياً: هذه قضية خاصة بأم المؤمنين وغلامها العبد. فلو قال قائل: إن مثل هذه الصورة تجوز؟ نقول: تجوز اتِّباعاً لأم المؤمنين. أما أن تُجعل سنة عامة لأئمة المساجد الذين يَؤُمون الرجال في المساجد، هذا خلاف ما كان عليه السلف. رجعنا إلى أننا نحن سلفيون، فإذا جاءت جزئية كهذه الجزئية، تخالف المنهج العام، فإما أن نخرجها من القاعدة مطلقاً، أو نستثنيها ونعطيها صورة مُعَيّنة ولا تخالف القاعدة. فالقاعدة: أن أئمة المساجد يؤمون الناس من حفظهم ومن ذاكرتهم، هذه تشبه تلك القضية، مع أنه لم يَرِد عن أحد من السلف الأُوَل أنه استعمل تعويذة من القرآن، هذا لم يرد عن الصحابة، هذا ورد عن السيدة عائشة، لكن هذه قضية خاصة، ثم أنا أقول: نعم، ثم أَزيد فأقول: إن فتح باب تجويز قراءة أئمة المساجد من المصحف في قيام رمضان، يُعَطِّل شريعةً ثابتةً عن النبي ﵊، ألا وهي: قوله ﷺ : «تعاهدوا هذا القرآن وتَغَنَّوا به، فوالذي نفس محمد بيده إنه أشد تَفَلُّتاً من صدور الرجال من عقلها». تعاهدوا هذا القرآن معناه: اعتنوا بحفظه ودراسته؛ لأنه إن لم يُدْرَس ضاع وذهب. فإذا قيل لأئمة المساجد: لا توجد ضرورة أن تحفظ القرآن .. افتح المصحف

стр. 3171

وضعه على طاولة عالية، تقرأ منها تقلب الصفحات وأنت تصلي. هذا معناه: صرف عملي لهؤلاء الأئمة، عن أن يتعاهدوا القرآن الذي أُمروا به من الرسول ﵊. إذاً: هذه تكون من البدع المخالفة للسنة، ليس فقط بدعة، بل بدعة مخالفة للسنة، والبدعة المخالفة للسنة متفق على محاربتها لو كانوا يعلمون. ولهذا فنحن لا نُجِيز هذه [الصورة] التي انتشرت الآن خاصة في المسجد الحرام وفي غيره من المساجد التي حوله، أن يقرأ من القرآن مباشرةً .. من المصحف الكريم. لأنه أولاً: لم يكن من عمل السلف الصالح بعامة، ثم فيه تعطيل للسنة الصحيحة التي تأمر بتعاهد القرآن الكريم، فهذا كذاك تماماً. مداخلة: أحياناً يقف وراءهم قارئ معه المصحف، حتى إذا أخطأ، فهل هذا الحكم نفسه بصفة أخرى؟ الشيخ: نفسه طبعاً، بل هذا من الآثار السيئة لتلك. نعم، أنا صليت مرة أظن في الطائف والله أعلم، وراء إمام يقرأ من المصحف، انظر سبحان الله! دائماً أنا بمناسبة التَحَدُّث عن البدع أتذكر الأثر: ما أُحدثت بدعة إلا وأميتت سنة، ماذا كان يفعل هذا الإمام؟ ينتهي يريد أن يركع يضع المصحف تحت إبطه، تصور هذا كيف يكون ركوعه .. كيف يكون سجوده؟ كسجود المرأة في بعض المذاهب، ما الذي جَرَّه لمخالفة هذه السنة بل السنن؟ هو إحداثه البدعة هذه، ما أُحدثت بدعة إلا أُميتت سنن. (الهدى والنور/٥٤٤/ ١٤: ٢٣: ٠٠) (الهدى والنور/٥٤٤/ ١٦: ٢٧: ٠٠)

стр. 3172

حمل المأموم في التراويح مصحفاً لمتابعة الإمام الملقي: هل يجوز للمأموم -خاصة في صلاة التراويح- أن يقوم يصف طبعاً وراء الإمام، فيحمل مصحفاً وراء الإمام، لينظر فيه؟ الشيخ: لا، لا، هذا ليس من السنة. الملقي: وإن فعل فصلاته جائزة؟ الشيخ: صلاته جائزة. الملقي: لكن نقول: خلاف السنة. الشيخ: أي نعم. (الهدى والنور / ٦٧٩/ ١٥: ٢١: ٠٠) قراءة القرآن في صلاة القيام بالمصحف مداخلة: هل يجوز قراءة القرآن في صلاة القيام بالمصحف؟ الشيخ: وكل خير في اتباع من سلف ... وكل شَرّ في ابتداع من خلف تصوروا أنفسكم الآن تُصَلّون في عهد عمر صلاة القيام، من كان يَؤُمُّهم؟ أُبي بن كعب. مداخلة: ما فيش عندنا أُبي. الشيخ: ولذلك لازم نوجد أُبيًّا. مداخلة: طب، حتى نُوجده يعني نعمل إيش؟ الشيخ: وهذه طريقة لا توجد أُبياً ولا نصف أُبي. ولذلك: أُذَكِّر بالحديث المعروف، ألا وهو قوله ﵇: «تعاهدوا هذا

стр. 3173

القرآن، وتغنوا به، فوالذي نفس محمد بيده إنه أَشَدُّ تَفَلُّتاً من صدور الرجال من الإبل بعقلها» .. تعاهدوا هذا القرآن. الذين يؤمون الناس في المساجد من المصحف، ولا مؤاخذة مع احترامي لأي إمام يؤم الناس من المصحف، هؤلاء ما أقول إنهم كسالى، أقول على الأقل إنهم: ما نَفَّذُوا هذا الأمر النبوي «تعاهدوا هذا القرآن» .. ما معنى تعاهدوا؟ تبين في تمام الحديث. إذا لم يُظْهِر الحافظ مُكَرِّراً لما يحفظه من القرآن ليلاً نهاراً، فسينفلت منه كما تنفلت الإبل الشاردة من عقلها من مرابطها. معروفة الإبل عند أصحاب الإبل، بأن طبعها يُضرب بها المثل، فيقال: أحقد من جمل، فهو شديد الحقد، وشديد الشرود؛ حتى إنه ليقطع الحبل مهما كان متيناً. ولذلك قال ﵇، وهو يُخاطب العرب أصحاب الإبل: «إنه أَشَدُّ تَفَلُّتاً من صدور الرجال من الإبل من عقلها». فإذا لم يُعْنَ أفراد من المسلمين، وهذا واجب كفائي إذا قام به البعض سقط عن الباقين، يضطرون إلى أن يلجؤون للقراءة من المصحف، هل كان هكذا السلف الصالح؟ طبعاً لم يكونوا كذلك. إذاً: لا بد من أن نُوجد طلبة يحفظون القرآن، ويُحْسِنون تلاوة القرآن، وبالتالي يَؤُمُّون الناس ولو كانوا أطفالاً، والمقتدون من ورائهم كانوا شيوخاً؛ لأن العبرة بالحافظ وليس بالعالم. ولذلك: أنا كثيراً وترونني قد أشرفت على الثمانين أُصلي وراء الشباب؛ لأنهم أحفظ مني للقرآن تطبيقاً لقوله ﵊: «يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله» «فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأكبرهم سناً» .. أين كنت أنا؟ في المرتبة الثالثة، «فإن كانوا في السِّن سواء فأقدمهم هجرة». إذاً: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله. فيجب أن يؤم القوم في صلاة التراويح أقرؤهم لكتاب الله.

стр. 3174

وأنا حين أقول هذا، أعلم أنه قد يكون هناك صبيان صغار يحفظون أكثر من رجالات كبار، ولكن قد لا يُحسنون الصلاة، ويكون سلوك هذا الخط في تطبيق هذا الحديث، وسيلة شرعية لتعليم بعض هؤلاء الأطفال الحُفَّاظ كيفية الصلاة، حتى يُصَلُّوها مع الجماعة ويؤمون الناس، وبصلاة يحسنونها كما أمر بها رسول الله ﷺ . وختاماً: أُذَكِّر بحديث رجل من صغار الصحابة اسمه عمر بن أبي سلمة، أبوه أبو سلمة كان من أوائل الأنصار الذين آمنوا برسول الله ﷺ قبل هجرته ﵇ إلى المدينة. وكان هؤلاء الأنصار يُهاجرون بل يذهبون إلى مكة معتمرين، للقاء الرسول ﷺ ، وليتلقوا منه ما قد يكون قد نزل من أحكام شرعية جديدة. فسافر أبوه مرة، ورجع هو وجماعة من كبار الأنصار، معهم حكم جديد علمهم الرسول إياه، وهي أن يصلوا جماعة. كانوا من قبل يُصَلُّون فرادى، فجاؤوا وهم يحملون حُكْماً جديداً وهو الصلاة مع الجماعة، وعلمهم الرسول هذا الحديث: «يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله .. إلى آخر الحديث». قال عمر هذا: فنظروا في المدينة، فلم يجدوا أقرأ مني، ولم يجدوا أحفظ مني، وعمره بين السابعة والتاسعة، هكذا جاءت الرواية، يعني بالكثير عمره تسع سنوات قال: «فَقَدَّموني أُصَلِّي بهم إماماً». رِجَالات كبار بلحىً يُصَلُّوا وراء طفل صغير ابن تسع سنين بالكثير. ومن طفولته أنه كان عليه كما جاء في الحديث شملة، يعني إزاراً من قماش ثقيل خميل. فلما كان يسجد كان يرتفع هذا القماش من فوقه، والنساء يُصَلُّون خلف الرجال كما هي السنة فينكشف شيء من عورته. فما كاد يُسَلِّم هذا الغلام من الصلاة، وإذ بامرأة تصيح من وراء الرجال: «استروا عنا إست إمامكم» ..

стр. 3175

يقول الطفل قال: «فاشتروا لي ثوباً، فما فرحت بشيء فرحي بمثل فرحي بهذا الثوب. طفل مع ذلك أَمَّ الرجالات الكبار. فإذاً: [علينا] أن نُعنى بحفظ القرآن، وأن نتشبه بسلفنا الصالح. (الهدى والنور / ٦٩٤/ ٤٠: ٣٥: ٠٠) قراءة الإمام في التراويح من مصحف خوف الوقوع في الخطأ مداخلة: هل للإمام في صلاة التراويح، خوف أن يقع في الخطأ، يقرأ في مصحف فيضعه أمامه؟ الشيخ: ليس له ذلك، من ذا الذي لا يخشى أن يقع في خطأ حينما يقرأ القرآن. إذا كان الذي أُنزل عليه القرآن كان يقع أحياناً في الخطأ. هناك يحضرني الآن مثالان لهذا، أحدهما يتعلق بخارج الصلاة، والآخر: يتعلق في داخل الصلاة. أما الأول: فقد جاء في صحيح البخاري: «أن النبي ﷺ دخل يوماً المسجد، فسمع قارئاً يقرأ القرآن، فقال: رحم الله فلاناً لقد ذَكَّرَني آية كنت أُنسيتها». أما الحديث الثاني، المتعلق بالصلاة: فقد صلى النبي ﷺ صلاة جهرية فارتج عليه. ما هو معنى: «ارتج عليه»؟ ماذا تقولوا أنتم؟ مداخلة: أغلق عليه. الشيخ: أغلق عليه، صار يُتَأتِئ، صار يأخذ ويُعْطِي كما يقع مع الناس؛ لأنه بشر بنص القرآن الكريم. بعدما صلى قال: «أليس فيكم أُبي؟ قال: نعم يا رسول الله! قال: فما منعك أن تفتح عَلَيَّ؟ ».

стр. 3176

من هنا جاء شرعية وسنية الفتح على الإمام، ممن هو خلف الإمام. إذاً: كل إنسان يخطئ وكل إنسان ينسى؛ ولذلك قال تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى﴾ [الأعلى: ٦] ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٧]. فإذاً: ليس في الوسيلة أنه خشية أن يخطئ الإمام، يضع المصحف مُفَتِّحاً أوراقه أمام الإمام، لا؛ لسببين اثنين: السبب الأول: أن هذا الفتح أو هذه الوسيلة، هي وسيلة غير شرعية، بل هي وسيلة بدعية، لا يعرفها سلفنا الصالح، هذا هو السبب الأول. السبب الآخر: أن هذه الوسيلة تعارض أسلوباً وتوجيهاً نبوياً كريماً. وإذا وسيلة تعارضت مع توجيه نبوي أو أسلوب نبوي، فهي بلا شك تكون من باب قوله ﵇: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». إذا عرفنا أن النبي ﷺ كان يخطئ أحياناً، وأنه حض أُبياً أن يكون قد فتح عليه لما ارتج عليه. فمعنى ذلك: أن خير الهدى هدى محمد ﷺ ، «وشَرَّ الأمور مُحْدَثَاتُها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار». السبب الثاني: أن اتّخاذنا هذه الوسيلة يصادم توجيهاً نبوياً كريماً، ألا وهو قوله ﷺ : «تعاهدوا هذا القرآن، وتَغَنُّوا به، فوالذي نفس محمد بيده إنه أَشَدُّ تَفَلُّتاً من صدور الرجال، من الإبل من عقلها». معنى: «تعاهدوا هذا القرآن» أي: اعتنوا بحفظه وتابعوا مدارسته، فإنكم إن لم تفعلوا ذلك، انفلت وخرج من صدوركم، كما تنفلت الإبل من عقلها، من مرابطها. ومعلوم عند أهل الإبل أن الإبل هي عندها شراسة في طباعتها؛ ولذلك يضرب المثل بها، فتقول العرب قديماً: فلان أحقد من جمل. فهو من حقده وضيق صدره يقطع قَيْدَه ويَشْرُد شراد البعير، ويضرب فيه المثل.

стр. 3177

فالرسول ﷺ يأمر حَفَظة القرآن، بأن يَظَلُّوا يتعاهدون القرآن مدارسةً وحفظاً ومذاكرةً، وإن لم يفعلوا تَفَلَّت القرآن من صدورهم، كما تتفلت الإبل من عقلها. ونحن نشاهد اليوم ظاهرة في كثير من المساجد، حتى في المسجد الحرام وفي المسجد النبوي، بالنسبة لبعض الأئمة، وليس بالنسبة إلى كلهم، أنهم يَضَعُون مصحفاً على منصة طاولة عالية، أو أحدهم، -وهذا شاهدته بنفسي في الطائف- يأخذ مصحفاً مش من القياس الصغير أكبر قليلاً، يضعه تحت إبطه، الله أكبر يركع لا يستطيع أن يجانح. هو في أثناء القراءة قرأ، انتهى من القراءة يُريد أن يركع يحط تحت إبطه، يركع ويسجد كما يقول بعض الفقهاء كالمرأة مضمومة لبعضها؛ لأنه إن جافى سقط المصحف الكريم. قام إلى الركعة الثانية فتح المصحف وقرأ منه، هذا رأيته ورآه غيري. وسُئلت أكثر من مرة: ما حكم أن يأخذ أحد المقتدين المصحف بيده؛ لنفس الخشية التي جاء السؤال السابق: حتى يفتح على الإمام، فيما إذا أخطأ في قراءته؟ نقول نفس الجواب، أولاً: أمر مُحْدَث لم يكن في عهد السلف الصالح. ثانياً: إنه يحمل هذا الذي يعتمد على المصحف، سواء كان إماماً أو مأموماً، على ألا يَعْتَنِي بِمُدَارسة القرآن وتعاهده ومتابعة مذاكرته. مداخلة: هناك بعض المشايخ يأتون براوية. الشيخ: سبقتني. مداخلة: الصبر. الشيخ: فاصبر. هذا هو الحكم. أما ما أردت أن أقوله وسبقني الأخ هنا، بعرض السؤال، وهو آت بطبيعة

стр. 3178

الحال؛ لأنه كما يقال: يطرح نفسه. هناك رواية تقول: بأن السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها كان لها عبد، فكان يَؤُمُّها وكان يقرأ من المصحف. هذه رواية لا يسعنا إلا أن نقول الحق، من حيث ثبوتها فهي ثابتة، صحيحة الإسناد، لا مجال لعالم أن يُنْكِرها. ولكن هذا من حيث الرواية، فما حكمها من حيث الدراية، من الناحية الفقهية؟ أولاً: نحن نقول: إن هذه الحادثة لا عموم لها؛ لأنها وقعت في البيت وقعت في الدار، نحن نتكلم عن أئمة المساجد المُكَلَّفين بأن يؤموا الناس، وأن يَؤُمّهم بعلم وليس بجهل. ثانياً: هذا عبد ولم يكن حراً، وأحكام العبيد تختلف كل الاختلاف عن أحكام الأحرار؛ ولذلك فلا يجوز للحر أن يُنْزِل نفسه منزلة العبد، وأن يُعْطِي لنفسه حكم العبد، فالعبد عبد للعبد الذي هو عبد لله ﵎؛ ولذلك فله أحكام في الشرع. مثلاً: لعلكم تعلمون مثلاً عامياً: العبد وما ملكت يداه لسيده، هذه عبارة عامية لكنها حكم شرعي، فالعبد لا يملك مالاً، كلما يأتيه من مال فهو لسيده. فهل نُنَزِّل نحن أنفسنا في هذا الحكم الخاص؛ لأنه وجد هوىً في أنفسنا؟ الجواب: لا. لاحظوا إذاً القضيتين: القضية الأولى: هذه وقعت بين جدران أربعة، ليس على ملأ من الناس، ومن أئمة مساجد يأخذون رواتب ليؤدوا حَقّ هذه الوظائف. لا، ليس الأمر كذلك، هذا عبد، أَمَّ السيدة عائشة فكان يقرأ من المصحف، أما لو تَصَوَّرنا صورة الآن تتكرر هذه الظاهرة، ونسأل الله أن يُعِيدها إلينا؛ لأنه مع الأسف أصبح المسلمون عبيداً، كما تسمعون عن المآسي التي تقع في ليس فقط في

стр. 3179

البوسنة والهرسك، وإنما في بلاد أخرى، أيضاً بلاد إسلامية، فهناك الأسرى من المسلمين والسبايا من المسلمات، حيث تهتك منهن الأعراض .. إلى آخره. أما حينما يقوم الجهاد الحق في سبيل الله ، ويستعد المسلمون له معنوياً أولاً ثم مادياً ثانياً، ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الروم: ٤]. ويومئذ يُعيد التاريخ نفسه، فَيُصْبح الأمر مُحَقَّقاً كما قال الله في القرآن الكريم: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾. فيومئذ يوجد أحرار مسلمون، وعبيد قد يكونون مسلمين، وقد يظلون على ضلالهم القديم. هذا هو جواب هذه المسألة، ولعل بهذا القدر الكفاية. (الهدى والنور / ٦٩٦/ ٠٥: ٢١: ٠٠) (الهدى والنور / ٦٩٦/ ٤٨: ٢٨: ٠٠)

стр. 3180

من أحكام الوتر

стр. 3181

هل يستدل بحديث: لا وتران في ليلة، على جواز صلاة ما شاء من النفل المطلق بعد الوتر الأول على ألا يوتر ثانية ؟ مداخلة: المتن المطلق شيخنا حديث الرسول: «لا وتران في ليلة» ممكن يكون دليل على كون الإطلاق أنه يصلي الإنسان بعد الوتر الأول ما يجوز يوتر مرة ثانية؟ الشيخ: ما فهمت كيف، يعني لا وتران في ليلة يدل على ماذا؟ مداخلة: على النفل المطلق، أنه يجوز في الصلاة بعدما يُكَمِّل المرة الأولى يوتر ما شاء، ولكن لا يوتر مرة ثانية. الشيخ: كيف هذا يُستدَل أنه النفل المطلق، وهو مواظب على نفل مقيد. مداخلة: يعني: هو إذا صادم مثلاً. الشيخ: يعني: باختصار هذا الدليل الذي أنت بِدّك تطرحه أو تستنبطه، أقوى من دليل: «صلاة الليل مثنى مثنى». مداخلة: أنا أقول لك: إذا كان ممكن يعني؟ الشيخ: ما عليك إذا كان ممكن، لكن يكون أقوى من ذاك؟ مداخلة: هو نفس الشيء. الشيخ: نفس الشيء، والجواب نفس الشيء، ما كان الجواب على ذاك؟ تفسيره من السنة العملية. مداخلة: أي نعم. الشيخ: وهذا كذلك. (الهدى والنور/١٩٧/ ٣٠: ٣٢: ٠١)

стр. 3182

الركعتين بعد صلاة الوتر السؤال: هل كان ﷺ يُحَافِظ على ركعتين بعد صلاة الوتر، محافظة دائمة؟ الشيخ: لا يوجد لدينا ما يدل على ذلك، سوى كان يصلي ركعتين بعد صلاة الوتر، والأصل في «كان» أنها تفيد الاستمرار إلا بدليل. لكن مع إفادتها الاستمرار لا تنفي أنه يُترك في بعض المَرَّات؛ لأن العبرة بالغالب. فإذا كان السؤال عندنا نص أنه ترك أحياناً، فالجواب: لا، ليس عندنا نص، لكن عندنا هذا النص. (الهدى والنور /٢٥٠/ ٣١: ١٧: ٠٠) حكم الركعتين بعد الوتر السؤال: موضوع الركعتين بعد الوتر، أنا أذكر أنه في إحدى المناسبات سألتك عن مدى قُوَّتهما، بمعنى وجب أداؤهما، قصدي كان ما مدى وجوبهما، الذي فهمته أنهما مثلهما مثل الوتر. الشيخ: ونحن نقول بوجوب الوتر؟ ! أنت تعرف أن الأحكام يا فرض يا واجب، على من يُفَرق بين الفرض والواجب، والصحيح أنه لا واجب، إلا بمعنى فرض. فسواء علينا قلنا فرضاً أو قلنا واجباً، فالحكم واحد، ثم يتلو الفرض أو الواجب السنة. ولا يوجد بالنسبة للصلوات في كل يوم وليلة فرض إلا الصلوات الخمس، أما الوتر فسنة مؤكدة.

стр. 3183

لكن الركعتين هاتين، قلنا نحن قديماً ولا يزال هذا مطبوعاً في صفة الصلاة، أن هذه كانت من خصوصيات الرسول ﵊، لماذا؟ لهذا الحديث: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً» لكن بعد ذلك وجدنا حديثاً يُشْعِرنا بأن النبي ﷺ أباح لعامة الناس أن يصلوا هاتين الركعتين بعد الوتر، فهي على الجواز، والوتر على السُنِّية. السائل: إذاً، مش بنفس قوة الوتر؟ الشيخ: لا. السائل: يعني: الوتر يصلى كل ليلة. الشيخ: أي، نعم. السائل: هذول، ليس شرطاً أن يصليهم. الشيخ: يصليهم كل ليلة، لكن لا مانع من صلاتهما. السائل: يعني: لو صلاهما كل ليلة فهذا أفضل. الشيخ: نعم. (الهدى والنور /٤٨٤/ ٤١: ٠١: ٠٠) تشبيه صلاة الوتر بالمغرب مداخلة: أُريد أن أسأل سؤالاً وهو حول حديث ورد على لسان ابن عباس ﵄ في فتح الباري، يقول فيه: «لا تُشَبِّهوا صلاة الوتر بصلاة المغرب». الشيخ: حديث صحيح. مداخلة: حديث صحيح. الشيخ: نعم. مداخلة: هل يُقصد بالحديث: ألَّا تكون صلاة الوتر بركعتين، وتشهد وسط، ثم الركعة الثالثة، وتشهد أخير؟

стр. 3184

أم المقصود: بأن تُصَلِّى ركعتين منفردتين، ثم ركعة واحدة؟ أم المقصود بإتيانه ثلاث ركعات بتشهد واحد؟ الشيخ: الصورة التي هي تشهد وسط دون سلام، هذا المنهي عنه. (الهدى والنور / ٣١٨/ ٠٥: ٤٢: ٠٠) بتصرف. قنوت الوتر هل يكون قبل الركوع أم بعده ؟ مداخلة: ذكرت لنا سابقاً أن دعاء القنوت .. قنوت الوتر بالذات يعني. الشيخ: نعم. مداخلة: يكون من السنة قبل الركوع، أليس كذلك؟ الشيخ: بلى. مداخلة: ولكن قنوت النوازل، فيكون كذلك أم عكسه، يعني بعد الركوع؟ الشيخ: لا، النازلة بعد الركوع، أما الوتر فالسنة قبل الركوع كما قلنا لك. ولعلي ذكرتُ لك فنسيتَ، أو ما ذكرتُ لك فنسيتُ، وهو أنه يجوز القنوت في الوتر بعد الركوع، لكن السنة قبل الركوع. مداخلة: نعم، ذكرتَ لي هذا. الشيخ: لأنك ما ذكرته لي، ولذلك احتطت فقلت: إما أنا نسيتُ وإما أنك نسيتَ. مداخلة: نعم. الشيخ: أما قنوت النازلة، فالسنة بعد الركوع. مداخلة: ويلزمه طبعاً الصلاة على رسول الله في النهاية؟ الشيخ: إي نعم. (الهدى والنور /٣٤٧/ ٢٨: ٢١: ٠٠)

стр. 3185

هل صلى النبي ﷺ الوتر حينما جمع بين المغرب والعشاء في المزدلفة ؟ الشيخ: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١]. أما بعد: فإن خيرَ الكلام كلام الله وخيرَ الهدي هدي محمد ﷺ ، وشَرَّ الأمور محدثاتُها، وكُلَّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وبعد -أيضاً-: فالسؤال الذي سمعتموه كلكم أو بعضكم من فضيلة الشيخ البنا، هو: هل أوتر رسول الله ﷺ حينما جمع بين المغرب والعشاء في المزدلفة جمع تأخير؟ الجواب: لم يُنقل عن النبي ﷺ أنه صلى أكثر من الجمع بين الفريضتين، وجمع التقصير. وقد ذكر الرُواة من أصحابه ﷺ أنه نام حتى أصبح. ففي ذلك إشعار قويّ على أن النبي ﷺ لم يزد في تلك الليلة بخاصة، على أداء الفريضتين: فريضة المغرب، وفريضة العشاء. وعلى ذلك فنستطيع أن نأخذ من هذه الرواية حُكْمَين اثنين: الحكم الأول: أنه إذا كان الله قد خَفَّف عن المسلمين الفريضة في حالة السفر بعامة وفي حالة الجمع في المزدلفة بخاصة، خَفَّف عنهم الفريضة

стр. 3186

فجعلها ركعتين «صلاة العشاء» أما المغرب فكما تعلمون فركعاتها ثابتة، فمن باب أولى أن يُخَفِّف الله عن المسلمين المسافرين من التطوع. وقد ثبت في صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: لو سَبَّحت لأتممت» لو سبحت -أي في السفر- لأتممت الفريضة. فإذا كان الله قد خَفَّف عن عباده من الفريضة، كما سمعتم ركعتين من الصلاة الرباعية، فكيف بنا ألَّا نخفف عن أنفسنا، فلا نُسَبِّح ولا نتطوع؛ لأن سنة النبي ﷺ جَرَت على عدم التطوع في السفر. ولا أعني هذا بصورة عامة، وإنما بَحْثُنا الآن بالنسبة للسنن الرواتب، وآكَدُها سنة الوتر، ثم سنة الفجر. ولا شك ولا ريب عند كل فقيه بالسنة، أن وضع الحَاج أحَسّ وأدق من أيّ وضع مسافر ما. فلا غرابة ولا عجب أن لا يتطوع النبي ﷺ بصلاة الوتر في تلك الليلة؛ تخفيفاً من الله عن عباده، هذا هو الحكم الأول الذي يُمْكِننا أن نستنبطه، وأن نفهمه من عدم ذكر أصحاب النبي ﷺ الذين نقلوا لنا صفة حجة النبي ﷺ بعامة، وما فعله في المزدلفة بخاصة. أما الحكم الثاني: فهو أن صلاة الوتر ليس فريضة، وإنما هو كما قال عليٌّ -رضي الله تعالى عنه- حينما سُئِل عن صلاة الوتر: أهو واجب كوجوب الصلوات الخمس؟ قال: «لا، وإنما هو سنة سَنَّها رسول الله ﷺ » فترك الرسول ﷺ للوتر في تلك الليلة، إشعار قوي جداً بالفرق بين الوتر من حيث حكمه، وبين الفريضة. فالفريضة لا تَسْقُط مطلقاً، أما الوتر فقد تركه الرسول ﷺ في تلك الليلة. ففيه بيان للحكم الأول أولاً، ثم للحكم الآخر ثانياً، وهو أن الوتر سُنَّة وليس بفريضة.

стр. 3187

وهناك أدلة أخرى تؤكد هذا الحكم الثاني، وهو سُنِّية الوتر، وليس أنه فرض أو واجب كما يقوله بعض الفقهاء المتقدمين، ومن يقلده من المتأخرين أن الوتر واجب. فلا هو فرض كفريضة الصلوات الخمس، ولا هو سنة كالسنن الرواتب، العشر ركعات المعروفة في كل يوم وليلة، هكذا يقول بعض الفقهاء المتقدمين، ومن اتبعهم. ولكن السُّنَّة أحق أن تُتَّبع، وبخاصة كما أشرت أخيراً، إلى أن هناك أدلةً أخرى على أن الوتر ليس من الفرائض. وحسبكم حديث الأعرابي الذي سأل النبي ﷺ عمّا فَرَض الله عليه في كل يوم وليلة. فكان جوابه ﵊ كما تعلمون: «خمس صلوات في كل يوم وليلة»، ولما سأل ذلك الأعرابي النبي ﷺ بقوله: هل عليّ غيرهن؟ قال: «لا إلا أن تطوع»، «إلا أن تطوع». إذاً: ما سوى الصلوات الخمس في كل يوم وليلة، وأرجوا أن تُمْعنوا النظر في قولي هذا: في كل يوم وليلة. دل قوله ﵇ له: «لا، إلا أن تطوع» أنه لا يجب في كل يوم وليلة إلا تلك الصلوات الخمس. أرجو أن تتأملوا معي في هذا القيد، بما سيأتي بيانه توضيحاً ونصيحة للأمة. فلما سمع ذلك الأعرابي أو ذاك الرجل قول النبي ﷺ له: «لا، إلا أن تطوع»، قال: والله يا رسول الله لا أزيد عليهن ولا أنقص، فقال ﵊: «أفلح الرجل إن صدق، دخل الجنة إن صدق». وقبل أن أعود إلى ذلك القيد، لا بد لي من التنبيه لأمر عَزَّ التنبيه عليه في بطون كتب الحديث فضلاً عن غيرها، فضلاً عن تنبيه الكثير من أهل العلم على ذاك الأمر المهم، ألا وهو في هذه الرواية «أفلح الرجل إن صدق»، زيادة: «وأبيه» «أفلح الرجل وأبيه إن صدق، دخل الجنة وأبيه إن صدق».

стр. 3188

فهذا الحَلْف من حيث علم الحديث هي رواية شاذة، أي: رواية ضعيفة، لا تصلح للحُجَّة، وإن كانت قد وردت في بعض طرق الحديث في الصحيح، ولكن الرواة الثقات تَنَكَّبوها، وتجنبوها، ولم يرووها؛ لأنها كانت لم تكن محفوظة عن النبي ﷺ . أعود إلى ذلك القيد، إن هذا الحديث: «إلا أن تطوع» يعني أنه لا يوجد شيء مفروض في كل يوم وليلة مع الصلوات الخمس فرضاً رتيباً مُنَظَّماً كما يُسن تلك العقيدة تلك العشر ركعات من السنن الرواتب، فلا ينافي ذلك. أنا أتعرض لهذا، لعلمي أن هناك بعض الإشكالات، وبعض الشُبُهَات يذكرها بعض الناس، إما كشبهة عارضة أو للدفاع عن مذهب لهم. ما حكم صلاة العيدين مثلاً، إن قيل بأنها فريضة أو واجبة وهما لفظان يُؤَدِّيان معنىً واحد؛ لأنه لا فرق شرعاً بين أن يقال: هذا فرض أو هذا واجب، هناك فقط فرق اصطلاحي في مذهب من المذاهب المُتَّبَعة، ولا يهمنا الاصطلاح، فإن الأمر كما قيل: إن لكل قوم أن يصطلحوا على ما شاؤوا. لكن أيّ اصطلاح لا يجوز أن يُتَّكَأ عليه وأن يُعْتَمد عليه في تأويل نصوص الشرع، سواءٌ ما كان منها في الكتاب أو في السنة. إذا عرفنا هذا فصلاة العيدين إن قيل بفرضيتهما أو بوجوبهما والمعنى واحد كما ذكرنا، فهل ينافي ذلك قول النبي ﷺ لذاك الأعرابي: «لا، إلا أن تطوع». كذلك إذا قيل بوجوب تحية المسجد، وهو الحق الذي لا يعارضه شيء من السنة؛ لقوله ﵊: «إذا دخل أحدكم المسجد، فليُصَلِّ ركعتين ثم ليجلس»، وفي الرواية الأخرى تأكيداً للرواية الأولى: «فلا يجلس، حتى يصلي ركعتين». هذا أمره ﷺ ، والأمر يقتضي الوجوب، وبخاصة إذا اقترن معه شيء من الاهتمام بهذا الأمر، زائداً على الأمر نفسه. كما جاء في هذا الحديث، وهو في الصحيحين من حديث أبي قتادة الأنصاري -

стр. 3189

رضي الله عنه- أنه دخل المسجد النبوي يوماً، ورسول الله ﷺ جالس وحوله بعض أصحابه، فانضم أبو قتادة إلى هؤلاء الصحابة وجلس بينهم، يستمع الذكر يستمع الموعظة، وعند النبي ﷺ ، فلما رآه ﵊ قال له: «يا أبا قتادة أصليت؟ » قال: لا، قال: «قم فصل ركعتين». وأذكر مسبقاً: هذا غير الحديث الثاني، حديث أبي سليك الغطفاني، فقام ليصلي، وبهذه المناسبة، قال النبي ﷺ : «إذا دخل أحدكم المسجد فليُصَلِّ ركعتين ثم ليجلس»، والرواية الأخرى كما ذكرنا: «فلا يجلس، حتى يصلي ركعتين». الشاهد: أن مع هذا الأمر الاهتمام بجلوس أبي قتادة قبل التحية، فلم يسكت ﵊ عنه؛ لعلمه بما عَلَّمنا به، ألا وهو: أن التحية تحية المسجد، أمر لا ينبغي أن يتساهل به المسلم؛ لذلك سأله: «صليت ركعتين؟ » قال: لا، قال: «قم فصل» ثم ذكر هذا الحديث. ثم يأتي تأكيد آخر، لكون هذا الأمر ليس للاستحباب، ولو كان استحباباً مؤكداً، وإنما هو للوجوب: حديث سليك الغطفاني لما جاء ورسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة فجلس، فقال له ﵊: «يا فلان، أصليت؟ »، قال: لا، قال: «قم فصل ركعتين»، ثم التفت إلى الجمهور من الجالسين المصغين لخطبة النبي ﷺ يخاطبهم جميعاً؛ دفعاً لشبهةٍ قد تقع وقد وقعت فعلاً، وذلك من تمام هذا الشرع المبارك حيث تَوَجّه ﵊ بذلك الخطاب العام فقال: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والخطيب يخطب فليصل ركعتين، وليتجوز فيهما». خاطب الجالسين بهذا الخطاب، لدفع شبهة قد ترد، وقد وردت فعلاً وقيلت في بعض الكتب: إن هذا كان لعلةٍ، ما هي هذه العلة؟ قيل، وقيل، مرجعها إلى أن هذا الأمر الذي وُجِّه إلى سُلَيك الغطفاني، هو أمر خاص به. فأبطل ﵊ هذه الشبهة سَلَفاً؛ بتوجيهه الأمر للأمة كلها جميعها: «إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والخطيب يخطب فليصل ركعتين، وليتجوز

стр. 3190

فيهما»، أي: ليخففهما، ليخفف القراءة فيهما، وليس تخفيف الأركان التي لا تصح الصلاة إلا بها، هنا أمر آخر غير ذلك الأمر الآخر الذي سبق ذكره في حديث أبي قتادة مما يدل على اهتمام الشارع الحكيم بهذه التحية. أول ذلك أننا وجدنا النبي ﷺ قطع خطبته التي كان ماشياً فيها، حينما رأى مسلماً يجلس في المسجد قبل أن يصلي التحية. لكنه ﵊ من احتياطه ورأفته بأمته لم يأمره فوراً بأن يقوم؛ لاحتمال أن يكون قد صلى، فاستفهم منه: «أصليت» قال: لا، فأمره وقال له: «قُم فصلِّ ركعتين» هذا قطعه ﵇ للخطبة اهتمام آخر، يدل على أهمية تحية المسجد. الشيء الآخر: وهو لعله أهم من السابق، أننا نعلم جميعاً أنه لا يجوز لمن كان في المسجد يوم الجمعة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهما واجبان، بدليل قوله ﵊: «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة والإمام يخطب: أنصت؛ فقد لغوت» قولك: أنصت، فيمن يتكلم، والكلام والخطيب يخطب حرام، قولك له: أنصت، أمرك إياه بهذا المعروف منكر عند النبي ﷺ بصريح هذا الحديث. فإذاً: إذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قد سقط عمن كان في المسجد؛ ليتفرغ للإصغاء والاستماع للخطيب، فبماذا نُوَجِّه أمر النبي ﷺ لمن دخل المسجد يوم الجمعة أن يصلي ركعتين؟ هل يُمْكِن توجيه هذا الأمر، بأنه أمر بأمر مستحب فقط، وهو لم يسمح لمن كان في المسجد أن ينقل نفسه عن الإنصات للإمام ولو بكلمة: أنصت. فكيف يأمر الداخل إلى المسجد بصلاة ركعتين؟ وفي ذلك انشغال بزمن أطول وأطول بكثير من قوله: لمن رآه يتكلم: أنصت. فَدَلَّ هذا وذاك وذاك، كل هذه المُلْحَقات بالأمر على أن تحية المسجد ليست سُنَّة مستحبة إن فعلها أثيب، وإن تركها لم يُعاقب، لا، وإنما تحية المسجد هو واجب من الواجبات.
следующие страницы →