← Фикх общий

Фикх общий · id 145204

جامع تراث العلامة الألباني في الفقه

ناصر الدين الألباني

Полный текст (8 195 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

وله شاهد من حديث أبي حميد أو أبي أسيد ﵁ وقد سبق تخريجهما آنفا. قال النووي في «شرح مسلم»: «فيه استحباب هذا الذكر». قلت: القول: بالاستحباب فقط يحتاج إلى دليل يخرج الأمر المفيد بظاهره الوجوب إلى الاستحباب ولا دليل فيما علمنا. ولو كان هناك أي دليل لذكره النووي نفسه أو غيره ولذلك ذهب إلى وجوبه الإمام ابن حزم فقال في «المحلى» «٤/ ٦٠»: «وواجب على من دخل المسجد أن يقول: اللهم افتح لي أبواب رحمتك فإذا خرج منه فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك. وهذا إنما هو من شروط دخول المسجد متى دخله لا من شروط الصلاة فصلاة من لم يقل ذلك جائزة وقد عصى في تركه قوله ما أمر به». ثم ساق الحديث من طريق مسلم عن أبي حميد أو أبي أسيد. ولم تقع في رواية مسلم: فليسلم. كما سبقت الإشارة إليه وكأن ابن حزم لم يقف عليها في الروايات الأخرى ولا على حديث أبي هريرة الذي فيه الزيادتان وإلا لذكرهما ولقال بوجوب السلام أيضا. ثم إن ظاهر الحديث يفيد وجوب السلام على النبي ﷺ فقط دون الصلاة عليه فإنها مستحبة لثبوتها من فعله ﵊ كما سبق إلا أنه قد يقال: إن السلام فيه مجمل وقد بينه ﵊ بفعله حيث كان يجمع بين الصلاة والسلام وذلك هو مقتضى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. فكما أن الصلاة عليه ﷺ تشمل السلام عليه أيضا كما بينته الآية الكريمة وكما في التشهد فلعل السلام عليه يشمل الصلاة عليه أيضا عند الإطلاق. هذا ما عن لي في هذا الموضع ذكره فإن كان صوابا فمن الله تعالى وإن كان غير ذلك فاستغفر الله وأرجو تصحيحه ممن قدر عليه. قال السندي: «وإنما شرع «السلام» على رسول الله ﷺ عند دخول المصلي المسجد

стр. 3432

وعند خروجه لأنه السبب في دخوله المسجد ووصول الخير العظيم فينبغي أن يذكره بالخير. وتخصيص الرحمة بالدخول والفضل بالخروج لأن الدخول وضع لتحصيل الرحمة والمغفرة وخارج المسجد هو محل طلب الرزق وهو المراد بالفضل». «تنبيه»: قال شيخ الإسلام في «الرد على الإخنائي» «ص ١٥٠»: «في «سنن أبي داود» وغيره أنه يقال عند دخول المسجد: «اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج بسم الله ولجنا وبسم الله خرجنا وعلى الله توكلنا». قلت: الحديث في الأدب من «سنن أبي داود» من حديث أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا ولج الرجل في بيته فليقل: اللهم ... » إلخ. وإسناده ضعيف وهو كما ترى من أوراد دخول الدار لا المسجد، ولذلك ترجم له أبو داود بـ «باب ما جاء فيمن دخل بيته ما يقول» فالظاهر أن شيخ الإسلام قد وهم في جعله من أوراد دخول المسجد ولم أجد من ذكر ذلك غيره، نعم علق بعضه شيخ الإسلام عن ابن سيرين: كان الناس يقولون إذا دخلوا المسجد فذكر الصلاة والسلام على النبي ﷺ وبسم الله دخلنا وبسم الله خرجنا وعلى الله توكلنا وكانوا يقولون إذا خرجوا مثل ذلك. [الثمر المستطاب (٢/ ٦٠٣)]. دعاء الدخول والخروج من المسجد [قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]: قوله في دعاء الدخول إلى المسجد والخروج منه: «اللهم صل على محمد اللهم اغفر لي ذنوبي». قلت: لنا على هذا ملاحظتان: الأولى: ينبغي أن يضاف إلى الصلاة على النبي ﷺ هنا السلام عليه ﷺ لثبوت

стр. 3433

الأمر به في حديث أبي هريرة الذي منه نقل المؤلف الدعاء بالعصمة عند الخروج وكذلك ثبت الأمر المذكور من حديث أبي حميد وأبي أسيد في «صحيح أبي عوانة». الثانية: أن الدعاء بالمغفرة في الموضعين لم يرد في حديث صحيح وإنما روي من حديث فاطمة ﵂ وهو مع أنه منقطع كما بينه مخرجه الترمذي فإن الدعاء المذكور فيه تفرد بذكره في الحديث ليث بن أبي سليم وهو ضعيف وقد تابعه على رواية أصل الحديث إسماعيل بن علية وهو ثقة جليل ولكنه لم يذكر فيه هذا الدعاء فدل ذلك كله على أنه لا يصح فيه وأنه منكر. ولذلك فإني أرى أنه لا يشرع التزامه مع الأدعية الصحيحة ولا إيراده فيها ولاسيما مع القطع بأنه من السنة فتأمل، وراجع لهذا «تخريج الكلم الطيب» ٦٣ - ٦٦ و «المشكاة» ٧٠٣ و ٧٣١ و ٧٤٩ و «صحيح أبي داود» ٤٨٤. [تمام المنة ص (٢٩٠)] [تمام المنة ص (٢٩٥)] من آداب المساجد أن يُصَلَّى فيه صلاة القدوم من السفر ذكر الإمام من آداب المساجد: «أن يبدأ به فيصلي فيه صلاة القدوم من السفر فقد: «كان ﵊ إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس». الحديث من رواية كعب بن مالك ﵁. [صحيح]. وآخر من حديث أبي ثعلبة بلفظ: ««كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ثم يثني بفاطمة ثم يأتي أزواجه»». وفي لفظ: ««ثم بدأ ببيت فاطمة ثم أتى بيوت نسائه»».

стр. 3434

رواه الطبراني وغيره كما في «الفتح» وفي نسختنا بياض مكان الغير. والحديث الأول ظاهره أن الصلاة هذه كانت لأجل الجلوس في المسجد لا للقدوم من السفر لكن شاهداه صريحان - لا سيما الأخير منهما - بأنها كانت للقدوم من السفر ومثله حديث جابر الآتي في الأعلى. ولذلك قال النووي في «شرح مسلم» تعليقا عليه وعلى حديث كعب: «في هذه الأحاديث استحباب ركعتين للقادم من سفره في المسجد أول قدومه وهذه الصلاة مقصودة للقدوم من السفر لا أنها تحية المسجد والأحاديث المذكورة صريحة فيما ذكرته». وقال ابن القيم في صدد ذكره الحكم والفوائد التي اشتملت عليها قصة الثلاثة الذين خلفوا: «ومنها أن السنة للقادم من السفر أن يدخل البلد على وضوء وأن يبدأ ببيت الله قبل بيته فيصلي فيه ركعتين ثم يجلس للمسلمين عليه ثم ينصرف إلى أهله». «وقد أمر ﷺ بذلك فينبغي الاهتمام به فقال جابر بن عبد الله ﵁: «كنا في سفر مع رسول الله ﷺ فلما قدمنا المدينة قال لي: ائت المسجد فصل فيه ركعتين [قال: فدخلت فصليت ثم رجعت]». [صحيح]. وظاهر الأمر يفيد وجوب صلاة القدوم من السفر في المسجد لكني لا أعلم أحدا من العلماء ذهب إليه فإن وجد من قال به صرنا إليه. والله أعلم. [الثمر المستطاب (٢/ ٦٢٦)]. من آداب المساجد أن يبدأ الخروج منه بالرجل اليسرى ذكر الإمام من آداب المساجد. «أن يبدأ الخروج منه بالرجل اليسرى عكس الدخول فإنه من السنة». [الثمر المستطاب (٢/ ٦٢٨)].

стр. 3435

من آداب المساجد أن يقول عند الخروج: (بسم الله .. ) ذكر الإمام من آداب المساجد: «وأن يقول عند ذلك: «بسم الله اللهم صل على محمد وسلم اللهم إني أسألك من فضلك» وتارة يقول: «اللهم اعصمني «وفي لفظ: أجرني وفي آخر: أعذني» من الشيطان الرجيم» وهذا كله واجب قوله للأمر به». [الثمر المستطاب (٢/ ٦٢٨)]. من آداب المساجد أن يخرج منه وفي نيته أن يعود إليه ذكر الإمام من آداب المساجد: «أن يخرج منه وفي نيته أن يعود إليه لعله يصير من السبعة الذين قال رسول الله ﷺ فيهم: «سبعة يظلهم الله [يوم القيامة] في ظله «وفي حديث آخر: ظل عرشه» يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله [حتى توفي على ذلك]، ورجل قلبه معلق بالمسجد، «وفي لفظ: كأنما قلبه معلق في المسجد، زاد في الحديث الآخر: من حبها» إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا، ورجل ذكر الله خاليا «وفي لفظ: في خلأ» ففاضت عيناه [من خشية الله]، ورجل دعته امرأة ذات حسب «وفي لفظ: ذات منصب» وجمال [إلى نفسها] فقال: إني أخاف الله، ورجلٌ تصدَّق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه «وفي لفظ: تصدق بصدقة كأنما أخفى يمينه من شماله». [صحيح]. والمقصود من إيراد الحديث هنا هو قوله ﵊: «ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه». قال المناوي: «كنى به عن التردد إليه في جميع أوقات الصلاة فلا يصلي صلاة إلا في المسجد ولا يخرج منه إلا وهو ينتظر أخرى ليعود فيصليها فيه فهو ملازم للمسجد بقلبه

стр. 3436

فليس المراد دوام الجلوس فيه». [الثمر المستطاب (٢/ ٦٢٩)]. الأفضل لمن كان فارغًا لا عملَ له أو كان غنيًّا عن الكسب أن يبقى في المسجد انتظارًا للصلاة الأخرى «والأفضل لمن كان فارغا لا عمل له أو كان غنيا عن الكسب أن يبقى فيه انتظارا للصلاة الأخرى فإن فيه فضلا عظيما لقوله ﷺ : «من جلس في المسجد ينتظر الصلاة فهو في الصلاة». [إسناده جيد]. «وقوله: «منتظر الصلاة من بعد الصلاة كفارس اشتد به فرسه في سبيل الله على كشحه» «أي: عدوه» تصلي عليه ملائكة الله ما لم يحدث أو يقوم وهو في الرباط الأكبر». [إسناده صحيح]. «وقوله: «لا يزال أحدكم في صلاة ما دام ينتظرها [لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة] ولا تزال الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في المسجد: اللهم اغفر له اللهم ارحمه [اللهم تب عليه ما لم يؤذ فيه] ما لم يحدث». فقال رجل [أعجمي] من حضرموت: وما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: [إن الله لا يستحيي من الحق] فساء أو ضراط]». [صحيح]. وقد احتج النسائي لعدم الوجوب بما لم يتعرض لذكره الشوكاني لذلك رأيت من الفائدة إيراد ما احتج به للتنبيه عليه. وهو ما أخرجه من طريق عبد الله بن كعب قال: سمعت كعب ابن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك قال: وصبح رسول الله ﷺ قادما وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس ... الحديث. وفيه: فلما سلمت تبسم تبسم المغضب ثم

стр. 3437

قال: «تعال» فجئت حتى جلست بين يديه فقال لي: «ما خلفك؟ ألم تكن ابتعت ظهرك؟ ». فقلت: يا رسول الله إني - والله - لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه لقد أوتيت جدلا ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب لترضى به عني ليوشك أن الله يسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عفو الله والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك فقال رسول الله ﷺ : «أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله فيك» فقمت فمضيت. وترجم له بـ: «الرخصة في الجلوس في المسجد والخروج منه بغير صلاة». ولكن الحديث كالذي قبله ليس صريحا في أنه جلس بدون صلاة أو أنه كان بعد أمره ﵊ بالتحية بل هو يحتمل خلاف ذلك وليس فيه ما يدفع هذا الاحتمال وإذ قد طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال والله أعلم. ولذلك قال الشوكاني بعد أن فند كل ما احتجوا به: «فإذا عرفت هذا لاح لك أن الظاهر ما قاله أهل الظاهر من الوجوب». وسبقه إلى اختيار الوجوب الأمير الصنعاني في «سبل السلام» قال: «لكثرة الأوامر الواردة به». قلت: ويؤيد ذلك ما يأتي من أمره ﵊ وهو على المنبر يخطب يوم الجمعة سليكا الغطفاني بهذه الصلاة ثم أمر بذلك كل من يدخل المسجد ولو كان الإمام يخطب فهذا من أقوى الأدلة على وجوبها لأمور: الأول قطعه ﵊ الخطبة. الثاني: أمره بها بعد أن جلس سليك. الثالث - وهو أقواها -: انه أمر بها في أثناء الخطبة فإنه من المعلوم أنه في هذه

стр. 3438

الحال لا يجوز لأحد أن يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر لقوله ﵊: «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت والإمام يخطب فقد لغوت». رواه الشيخان وغيرهما. فإذا أمر ﵊ بالتحية في هذه الحالة دل ذلك على أنها أعظم عنده من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الواجبين في الأصل. وهذا واضح لا يخفى والحمد لله. وبالجملة فالحديث متواتر عن أبي هريرة ﵁. وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. أخرجه أحمد من طريق حماد بن سلمة عن علي بن يزيد عن سعيد بن المسيب عنه. وهذا إسناد حسن في الشواهد. قوله: «ما لم يحدث» قد فسره الراوي بخروج صوت أو ريح فلا يلتفت إلى خلافه قال الحافظ: «لكن يؤخذ منه أن اجتناب حدث اليد واللسان من باب أولى لأن الأذى منهما يكون أشد. أشار إلى ذلك ابن بطال». وقد أطال الكلام في شرح الحديث وذكر فوائده العراقي في «شرح التقريب» فمن شاء فليرجع إليه. «وقوله: «لا يوطن رجل مسلم المساجد للصلاة والذكر إلا تبشبش الله به [من حين يخرج] كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم». هو من حديث أبي هريرة أيضا. [صحيح]. قوله: «تبشبش»: أصله فرح الصديق بمجيء الصديق واللطف في المسألة والإقبال والمراد هنا: تلقيه ببره وتقريبه وإكرامه. وفي الباب أحاديث أخرى في انتظار الصلاة بعد الصلاة ولزوم المساجد وفيما ذكرنا منها غنية وكفاية ومن رام الزيادة فعليه ب «الترغيب».

стр. 3439

وفيها على اختلاف ألفاظها ومعانيها الترغيب على انتظار الصلاة واستيطان المساجد من أجل الذكر والصلاة وأقل ما تفيده الاستحباب وقد ذهب إليه ابن حزم ﵀ فقال: «ويستحب ملازمة المسجد لمن هو في غنى عن الكسب والتصرف». وإنما قيده بهذا القيد وتبعناه على ذلك لما ثبت في الشريعة من وجوب السعي وراء الرزق وأن لا يكون المسلم عالة على الناس كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ﴾ [الجمعة: ١٠] فإذا كان غنيا عن ذلك أو بلغ من العمر عتيا بحيث لا يستطيع العمل أو غير ذلك كان معقولا أن يجعل وطنه بيت الله تعالى وأن يرابط فيه لذكر الله والصلاة. [الثمر المستطاب (٢/ ٦٣٣)]. لا يحل الخروج من المسجد بعد الأذان قبل الصلاة ذكر الإمام من المناهي المتعلقة بالصلاة: «الخروج من المسجد بعد الأذان قبل الصلاة لا يحل فقد «خرج رجل من المسجد بعدما أذن فيه [بالعصر] فقال أبو هريرة ﵁: أما هذا فقد عصى أبا القاسم ﷺ ». [صحيح ثم ساق الإمام بعض شواهده ثم قال]: قال الشوكاني: «والحديثان يدلان على تحريم الخروج من المسجد بعد سماع الأذان لغير الوضوء وقضاء الحاجة وما تدعو الضرورة إليه حتى يصلي فيه تلك الصلاة لأن ذلك المسجد قد تعين لتلك الصلاة قال الترمذي بعد أن ذكر الحديث: وعلى هذا العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم: أن لا يخرج أحد من المسجد [بعد الأذان] إلا من عذر: أن يكون على غير وضوء أو أمر لا بد منه. ويروى عن إبراهيم النخعي أنه قال: يخرج ما لم يأخذ المؤذن في الإقامة وهذا عندنا لمن له عذر في الخروج منه. انتهى. قال ابن رسلان في «شرح السنن»: إن الخروج مكروه عند عامة أهل العلم إذا

стр. 3440

كان لغير عذر من طهارة أو نحوها وإلا جاز بلا كراهة قال القرطبي: هذا محمول على أنه حديث مرفوع إلى رسول الله ﷺ بدليل نسبته إليه وكأنه سمع ما يقتضي تحريم الخروج من المسجد بعد الأذان فأطلق لفظ المعصية عليه». قلت: ولذلك فالحديث دليل على التحريم كما قال الشوكاني وسبقه إلى ذلك ابن حزم حيث قال: «ومن كان في المسجد فاندفع الأذان لم يحل له الخروج من المسجد إلا أن يكون على غير وضوء أو لضرورة». والقول بالكراهة فقط خلاف ظاهر الحديث. «وهذا إذا كان لغير عذر وأما به فيجوز كما سيأتي في المباحات». [الثمر المستطاب (٢/ ٦٤١)].

стр. 3441

مناهي المساجد

стр. 3442

النهي عن تشبيك الأصابع في المسجد ذكر الإمام من مناهي المساجد: «تشبيك الأصابع ما دام فيه لقوله ﵊: «إذا توضأ أحدكم في بيته ثم أتى المسجد كان في صلاة حتى يرجع فلا يقل هكذا: وشبك بين أصابعه». [صحيح ثم ساق شواهده]. وقد عارضه حديث أبي هريرة ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي فصلى بنا ركعتين ثم سلم فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه ... الحديث. أخرجه البخاري وترجم له ب «باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره». وفيه دلالة على جواز التشبيك في المسجد فإما أن يقال: إن هذا خاص به ﵊ لما تقرر في الأصول أن قوله ﵊ مقدم على فعله عند التعارض وإما أن يكون فعله مبينا لنهيه أنه ليس للتحريم بل للكراهة ولعله الأقرب والله أعلم. وانظر «نيل الأوطار». [الثمر المستطاب (٢/ ٦٤٦)]. حكم تشبيك الأصابع في المسجد [قال الإمام]: «فائدة فقهية»: اختلف العلماء في تشبيك الأصابع في المسجد، والذي يقتضيه الجمع بين الأحاديث الصحيحة جوازه إلا في حالة انتظاره للصلاة؛ لقوله ﷺ : «إذا توضأ أحدكم في بيته، ثم أتى المسجد؛ كان في صلاة حتى يرجع، فلا يفعل هكذا، وشبك بين أصابعه». وهو صحيح الإسناد مخرج في الإرواء» «٢/ ١٠١». السلسلة الضعيفة (١٤/ ٢/ ٧٢١).

стр. 3443

يحرم قربان المساجد لمن أكل ثوما ونحوه من البقول والنباتات المنتنة ذكر الإمام من مناهي المساجد: «قربانه ممن أكل ثوما ونحوه من البقول والنباتات المنتنة فإن ذلك يحرم ما دامت الرائحة الكريهة فيه لقوله ﵊ في غزوة خيبر: «من أكل من هذه الشجرة المنتنة [قال أول يوم: الثوم ثم قال: الثوم والبصل والكراث] فلا يقربن مسجدنا «وفي لفظ: مساجدنا وفي حديث ثاني: فلا يقربنا ولا يصلين معنا زاد في ثالث: ثلاثا [وليقعد في بيته]، وفي رابع: حتى يذهب ريحه منه، وفي خامس: ولا يؤذينا بريح الثوم» فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس وفي سادس: وقال: إن كنتم لا بد أكليهما فأميتوهما طبخا يعني: البصل والثوم». [ثم ساق الإمام شواهده ثم قال]: وفي هذه الأحاديث النهي الأكيد بنهي من أكل الثوم ونحوه عن دخول كل مسجد، وهو مذهب كافة العلماء إلا ما حكي عن بعضهم أن النهي خاص بمسجده ﵊ لقوله في اللفظ الأول: «مسجدنا» وهذا لا حجة فيه لأن الحديث الثالث دل على أن القول المذكور صدر منه ﵇ عقب غزوة خيبر وفتحها فقوله: «مسجدنا» يريد به المكان الذي أعد ليصلى فيه مدة إقامته هناك، أو يكون المراد بالمسجد الجنس والإضافة على المسلمين أي: فلا يقربن مسجد المسلمين ويؤيده اللفظ الثاني: مساجدنا. قلت: ويقوي ذلك التعليل بإيذاء المسلمين والملائكة وهذا متحقق في كل مسجد كما لا يخفى. ثم إن هذه العلة تقتضي أمرين لم ينص عليهما في الحديث: الأول: إلحاق مجامع العبادة بالمساجد كمصلى العيد والجنائز ونحوها ويدل لذلك

стр. 3444

أيضا عموم قوله ﵊: «فلا يقربنا ولا يصلين معنا». قال الحافظ: «وقد ألحقها بعضهم بالقياس والتمسك بهذا العموم أولى ونظيره قوله: «وليقعد في بيته». الثاني: إلحاق كل ما له رائحة كريهة من المأكولات وغيرها بالثوم وقد نقله النووي عن العلماء وقال: «قال القاضي: ويلحق به من أكل فجلا وكان يتجشأ قال: وقال ابن المرابط: ويلحق به من به بخر في فيه أو به جرح له رائحة». قلت: وفيما قاله ابن المرابط نظر بين لأن المذكورين ليست الرائحة منهم بكسبهم ولا باختيارهم فلا يصح إلحاقهم بالأولين فإنهم مختارون في ذلك في طوقهم الابتعاد عنها إذا شاؤا ولذلك قال ابن المنير في «الحاشية»: «ألحق بعض أصحابنا المجذوم وغيره بأكل الثوم في المنع من دخول المسجد». قال: «وفيه نظر لأن آكل الثوم أدخل على نفسه باختياره هذا المانع والمجذوم علته سماوية». قلت: فهو بذلك معذور فلا يمنع من الدخول ويؤيده أن المغيرة بن شعبة حين وجد ﵊ منه رائحة الثوم أنكر عليه فلما أبدى له عذره - وهو أنه إنما أكله من الجوع - عذره كما سبق في الحديث السابع فالمجذوم ونحوه يعذر من باب أولى (١). وقال الحافظ: «وألحق بعضهم بذلك من بفيه بخر أو به جرح له رائحة وزاد بعضهم فألحق أصحاب الصنائع كالسماك والعاهات كالمجذوم ومن يؤذي الناس بلسانه. وأشار

стр. 3445

ابن دقيق العيد إلى أن ذلك كله توسع غير مرضي». وبالجملة فالذي لا شك فيه ويكاد يكون متفقا عليه بن العلماء: أن علة الإيذاء تقتضي المنع من دخول كل من يتعاطى شيئا ذا رائحة كريهة سواء كان مأكولا أو مشروبا أو غير ذلك بشرط أن يكون مختارا في ذلك غير مضطر كمداواة أو كصنعة كالجزارة ونحوها. قلت: يكاد يكون متفقا لأنه قد خالف فيه ابن حزم ﵀ حيث قال: «ومن أكل ثوما أو بصلا أو كراثا ففرض عليه أن لا يصلي في المسجد حتى تذهب الرائحة وفرض إخراجه من المسجد إن دخله قبل انقطاع الرائحة فإن صلى في المسجد كذلك فلا صلاة له ولا يمنع أحد من المسجد غير من ذكرنا ولا أبخر ولا مجذوم ولا ذو عاهة». ثم ساق حديث عمر الآتي وحديث جابر ثم قال: «قال علي: لم يمنع ﵇ من حضور المساجد أحدا غير من ذكرنا ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾. قلت: وهذا منه جمود على اللفظ دون النظر في المعنى فإن التعليل في حديث جابر بالإيذاء يدل دلالة واضحة على المنع من كل ما رائحته تؤذي على التفصيل الذي ذكرنا آنفا ولذلك نقول جازمين: إن أول تلك الملحقات بالثوم: النبات الخبيث المعروف ب «التتن» لأن نتن ريحه أشد إيذاء للمسلمين من الثوم وغيره مما نص عليه في الحديث كما يشهد بذلك كل من عافاه الله من هذه البلية التي لا يكاد ينجو منها إلا القليل بل يشهد بذلك المبتلون أنفسهم عافاهم الله منه ولن يعافيهم الله إلا إذا سلكوا سبيلها: ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ تلك هي سنة الله في عباده ولن تجد لسنة الله تبديلا. وإنها لعقوبة شديدة أن يمنع هؤلاء وأمثالهم من دخول المساجد التي يجتمع

стр. 3446

فيها المؤمنون ويحضرها الملائكة المقربون فيحرموا بذلك شهود الخير الكثير الذي فيه تضعيف الصلاة بسبع وعشرين درجة وأشد من ذلك أن يخرجوا منها - إذا دخلوا - قهرا وبالقوة كما كان يفعل ذلك النبي ﷺ كما يأتي وإن في ذلك لعبرة ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَار﴾ [الحشر: ٢]. قال في «الفتح»: «فائدة»: حكم رحبة المسجد وما قرب منها حكمه ولذلك كان ﷺ إذا وجد ريحها في المسجد أمر بإخراج من وجدت منه إلى البقيع كما ثبت في مسلم». قلت: ولعل التعبير بقوله: «فلا يقربن» لإفادة هذا المعنى بخلاف ما لو قال: فلا يدخلن فتأمل. ثم قال: «تنبيه»: وقع في حديث حذيفة عند ابن خزيمة: «من أكل من هذه البقلة الخبيثة فلا يقربن مسجدنا ثلاثا». وبوب عليه بوقت النهي على إتيان الجماعة لأكل الثوم. وفيه نظر لاحتمال أن يكون قوله: «ثلاثا» يتعلق بالقول أي: قال ذلك ثلاثا بل هذا هو الظاهر لأن علة المنع وجود الرائحة وهي لا تستمر هذه المدة». ثم إن النهي في الأحاديث المتقدمة للتحريم وقد ذهب إلى ذلك الظاهرية ومنهم ابن حزم وقد سبق نص كلامه في ذلك قريبا وهو الحق إن شاء الله تعالى وذلك لأمور: أولا: أن الأصل في النهي التحريم فلا يجوز الخروج منه إلا لدليل أو قرينة ولا شيء من هذا هنا. الثاني: أنه اقترن بنون التأكيد المشددة وذلك يؤكد النهي والتحريم. الثالث: أنه مسقط لصلاة الجماعة وهي فرض في أصح الأقوال كما سيأتي بيانه في محله فتركها حرام فلو لم يكن دخول المسجد من المذكورين في الحديث أشد تحريما لما عاقبهم الشارع الحكيم بالمنع منه ولما أضاع عليهم التضعيف المذكور آنفا والله يقول: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ

стр. 3447

أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] وهو أعلم. ومما ذكرنا تعلم أن الاحتجاج بالحديث على أن الجماعة ليست فرض عين غير صواب لأن الشارع إنما حرمهم منها عقوبة لهم على إتيانها بما هو أعظم جرما من تركها بدون عذر. ومن الدليل على أن النهي للتحريم أن النبي ﷺ كان يأمر بإخراج من وجد منه رائحة الثوم أو البصل من المسجد وليس هذا من شأن من ارتكب مكروها كما لا يخفى ولذلك قلنا: «ويجب على المستطيع إخراجهم من المسجد لحديث عمر بن الخطاب ﵁ قال: «إنكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين هذا البصل والثوم ولقد رأيت رسول الله ﷺ إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع فمن أكلهما فليمتهما طبخا». الحديث أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه والطيالسي وأحمد من طريق قتادة عن سالم بن أبي الجعد الغطفاني عن معدان بن أبي طلحة اليعمري أن عمر بن الخطاب قال ... فذكره. قال النووي: «فيه إخراج من وجد منه ريح الثوم والبصل ونحوهما من المسجد وإزالة المنكر باليد لمن أمكنه». قال السندي ﵀: «ولعل في الإخراج إلى البقيع تنبيها على أنه لا ينبغي له صحبة الأحياء بل ينبغي له صحبة الأموات الذين لا يتأذون بمثله أو هو للإشارة على أنه التحق بالأموات الذين لا يذكرون الله ولا يصلون حيث تسبب لمنع نفسه من المساجد ويحتمل أنهم وضعوا [في] تلك الجهة للتعزير». قلت: وظاهر الأمر يفيد وجوب الإخراج وقد صرح بذلك ابن حزم كما سبق فهو دليل آخر على تحريم دخول المسجد على هؤلاء لأنه المقابل للوجوب. «إلا من أكلها لعذر كجوع أو مداواة فإنه يدخل ولا يخرج لحديث المغيرة بن

стр. 3448

شعبة قال: «أكلت ثوما فأتيت مصلى النبي ﷺ وقد سبقت بركعة فلما دخلت المسجد وجد النبي ﷺ ريح الثوم فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال: «من أكل من هذه الشجرة فلا يقربنا حتى يذهب ريحها أو ريحه» فلما قضيت الصلاة جئت إلى رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله لتعطيني يدك قال: فأدخلت يده في كم قميصي إلى صدري فإذا أنا معصوب الصدر قال: «إن لك لعذرا». الحديث أخرجه أبو داود بإسناد حسن كما سبق في تخريج أحاديث الباب وأخرجه أيضا البيهقي في «سننه الكبرى». وأما الحديث الذي أورده البخاري تعليقا فقال: «وقول النبي ﷺ : من أكل الثوم والبصل من الجوع أو غيره فلا يقربن مسجدنا» فقال الحافظ: «ولم أر التقييد بالجوع وغيره صريحا لكنه مأخوذ من كلام الصحابي في بعض طرق حديث جابر وغيره فعند مسلم من رواية أبي الزبير عن جابر قال: نهى النبي ﷺ عن أكل البصل والكراث فغلبتنا الحاجة ... الحديث. وله من رواية أبي نضرة عن أبي سعيد: لم نعد أن فتحت خيبر فوقعنا في هذه البقلة والناس جياع ... الحديث. قال ابن المنير في «الحاشية»: ألحق بعض أصحابنا المجذوم وغيره بأكل الثوم في المنع من المسجد قال: وفيه نظر لأن آكل الثوم أدخل على نفسه باختياره هذا المانع والمجذوم علته سماوية قال: لكن قوله ﷺ : من جوع أو غيره. يدل على التسوية بينهما. انتهى. وكأنه رأى قول البخاري في الترجمة وقول النبي ﷺ إلى آخر فظنه لفظ حديث وليس كذلك بل هو من تفقه البخاري وتجويزه لذكر الحديث بالمعنى». فالحديث لا يدل على المعنى الذي ذهب إليه البخاري لاحتمال أنه ﵊ لم يعلم أن الحاجة والجوع هو الذي دفعهم إلى الأكل بل هذا هو الظاهر لأنه ﵊ لو علم ذلك لعذرهم كما في حديث المغيرة هذا وعليه

стр. 3449

فالحديث يدل على الفرق بين المحتاج وغيره لا على التسوية بينهما كما توهم ابن المنير بسبب رواية البخاري للحديث بالمعنى. فتأمل. [الثمر المستطاب (٢/ ٦٥٢)]. أهمية التفريق بين من كانت رائحة فمه كريهة بكسبه ومن ليس كذلك في حكم دخول المساجد [قال الإمام في تعقباته على الشيخ سيد سابق ﵀ في فقه السنة]: قوله في التعليق: «يتحتم على من أكلها يعني الثوم ونحوه البعد عن المسجد ومجتمعات الناس حتى تذهب رائحتها ويلحق بها الروائح الكريهة كالدخان والتجشؤ والبخر». قلت: هذا الإلحاق فيه نظر لأن البخر ونحوه علة سماوية لا إرادة ولا كسب للمرء فيها ولا هو يملك إزالتها فكيف يلحق بالروائح الكريهة التي هي بإرادته وكسبه وبإمكانه الامتناع من تعاطي أسبابها أو القضاء عليها؟ والشارع الحكيم إنما منع آكل الثوم وغيره من حضور المساجد والحصول على فضيلة الجماعة: عقوبة له على عدم مبالاته بإيذاء المؤمنين والملائكة المقربين، فلا يجوز أن يُحرم من هذه الفضيلة الأبخر ونحوه لما ذكرناه من الفارق. [تمام المنة ص (٢٩٥)] لا يجوز للمصلي اتخاذ مكان معين من المسجد للصلاة فيه لا يجاوزه ذكر الإمام من مناهي المساجد: «اتخاذ مكان معين منه للصلاة فيه لا يجاوزه إلى غيره لحديث:

стр. 3450

«نهى ﷺ عن نقرة الغراب وافتراش السبع وأن يوطن الرجل المكان في المسجد «وفي لفظ: المقام الواحد وفي آخر: المكان الذي يصلي فيه» كما يوطن البعير». [صحيح لغيره]. قوله: «وأن يوطن الرجل المكان في المسجد كما يوطن البعير» قال الخطابي في «المعالم» وتبعه ابن الأثير في «النهاية»: «فيه وجهان: أحدهما: أن يألف الرجل مكانا معلوما من المسجد لا يصلي إلا فيه كالبعير لا يأوي من عطنه إلا مبرك دمث قد أوطنه واتخذه مناخا لا يبرك إلا فيه. والوجه الآخر: أن يبرك على ركبتيه قبل يديه إذا أراد السجود بروك البعير على المكان الذي أوطنه. وأن لا يهوي في سجوده فيثني ركبتيه حتى يضعهما بالأرض على سكون ومهل». قلت: ولم يذكر ابن الأثير قوله: «وأن لا يهوي ... » إلخ. ولعل السبب في ذلك كونه مباينا لما قبله حيث قال: «أن يبرك على ركبتيه ... بروك البعير». وفي هذا يقول: «فيثني ركبتيه ... » إلخ. والظاهر أن الخطابي ﵀ يرى أن الاعتبار ليس هو وضع الركبتين قبل اليدين بل ما يحصل من وضعهما كذلك من هدة على الارض كما يسمع ذلك من البعير فإذا وضعهما كذلك على سكون ومهل بدون صوت فقد خرج عن التشبه بالحيوان فلم يشملهما النهي على القول الثاني لكن هذا لا يمكن عادة أعني وضعهما قبل اليدين بدون هدة كما هو الشاهد ولذلك ثبت النهي عنه من قوله ﵊ كما ثبت أن هديه خلاف ذلك وهو أن السنة في السجود قولا منه ﷺ وفعلا وضع اليدين قبل الركبتين خروجا من التشبه بالبعير الذي يبرك على ركبتيه اللتين في يديه خلافا لمن زعم خلاف ذلك وقد بينته في «التعليقات الجياد على زاد المعاد» وسيأتي بيانه أيضا في المكان المناسب من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. غير أن هذا الوجه الثاني بعيد جدا عن الحديث لا سيما بمجموع ألفاظه المذكورة أعلاه فهي تعين أن المراد منه الوجه الأول وبه جزم جمع من الشراح فمنهم من اقتصر عليه فلم يتعرض لذكر الوجه الثاني إشارة إلى أنه لا اعتداد به كالمناوي

стр. 3451

وغيره. ومنهم من صرح باستبعاد الوجه المذكور كالسندي ﵀ في «حاشيته» على النسائي والشيخ علي القاري في «المرقاة» ونص كلامه في ذلك قال: «والمعنى الثاني لا يصح هنا لأنه لا يمكن أن يكون مشبها به. وأيضا لو كان أريد هذا المعنى لما اختص النهي بالمكان في المسجد فلما ذكر دل على أن المراد هو الأول. قال ابن حجر: وحكمته أن ذلك يؤدي إلى الشهرة والرياء والسمعة والتقيد بالعادات والحظوظ والشهوات وكل هذه آفات وآفات فيتعين البعد عما أدى إليها ما أمكن». وظاهر النهي يفيد تحريم هذه الثلاث المذكورات في الحديث وفي النهي عن الأوليين أحاديث أخرى يأتي ذكرها في مواطنها إن شاء الله تعالى. وقد قال ابن الهمام: «في «النهاية» عن الحلواني أنه ذكر في الصوم عن أصحابنا: يكره أن يتخذ في المسجد مكانا معينا فيه لأن العبادة تصير له طبعا فيه وتثقل في غيره والعبادة إذا صارت طبعا فسبيلها الترك وكذا كره صوم الأبد ا. هـ. فكيف من اتخذه لغرض آخر فاسد». والكراهة إذا أطلقت عند علمائنا فهي للتحريم وهذا هو الحق في هذه المسألة إن شاء الله تعالى. قال الشيخ جمال الدين القاسمي ﵀ في «إصلاح المساجد»: «يهوى بعض ملازمي الجماعات مكانا مخصوصا أو ناحية من المسجد إما وراء الإمام أو جانب المنبر أو أمامه أو طرف حائطه اليمين أو الشمال أو الصفة المرتفعة في آخره بحيث لا يلذ له التعبد ولا الإقامة إلا بها وإذا أبصر من سبقه إليها فربما اضطره إلى أن يتنحى له عنها لأنها محتكرة أو يذهب عنها مغضبا أو متحوقلا أو مسترجعا وقد يفاجئ الماكث بها بأنها مقامه من كذا وكذا سنة، وقد يستعين بأشكاله من جهلة المتنسكين على أن يقام منها إلى غير ذلك من ضروب الجهالات التي ابتليت بها أكثر المساجد ولا يخفى أن محبة مكان من المسجد على حدة تنشأ عن

стр. 3452

الجهل أو الرياء والسمعة وأن يقال: إنه لا يصلي إلا في المكان الفلاني أو إنه من أهل الصف الأول مما يحبط العمل ملاحظته ومحبته نعوذ بالله. وهب أن هذا المتوطن لم يقصد ذلك فلا أقل أنه يفقد لذة العبادة بكثرة الإلف والحرص على هذا المكان بحيث لا يدعوه إلى المسجد إلا موضعه وقد ورد النهي عن ذلك». قلت: ثم ذكر الحديث ثم قال: «وفي «شرح الإقناع»: يكره لغير الإمام مداومة موضع منه لا يصلي إلا فيه». ثم قال: «في أغلب المساجد الكبيرة جماعة يلازمون منها ما وراء الإمام من قبالة المحراب فيأتون المسجد قبل الصلاة ويأخذون مصافهم وأمكنتهم المعينة لأن كل واحد منهم له مكان من تلك البقعة معين لا يحيد عنه غالبا فقد يتفق أن يأتي من الناس من يظن وجود فرجة هناك أو يأمل أن يفسح له فإن كان الآتي من ذوي الوجاهة في علم أومنصب اغتفروا له وإن كان من طبقة غيرهما فمنهم من يلصق في مكانه ولا يتفسح وإن كان المكان قابلا المتفسح، ومنهم من إذا أحس بقدومه يتربع ليأخذ قدر الفراغ المظنون ويضيق عليه فإذا أقيمت الصلاة ودخل أحد فإن كان في المكان فيه اتساع بعد الإقامة تسامحوا في هجومه، وإن لم يكن فيه اتساع كاف إلا أنه يمكن لهم أن يتسفحوا فهناك لا تسل عن غرائبهم، فمنهم من يترك مكانه ويذهب للصف الثاني حردا وقد ملئ غيظا وغضبا، ومنهم من يشير له بالرجوع ويقول: ما ثم مكان ومنهم من يلغط ويتأفف ويحوقل ويخاصم همسا وقد يكمل لغطه بعد الصلاة إذ يكون قدر في نفسه وهو في الصلاة ما يقرعه به ويوبخه على فعله، وقد يتفق أن يأتي أحد يلازم معهم جديدا فقد يسبق أحدهم إلى مكانه ويجلس فيه فإذا قدم هذا الملازم القديم ورأى مكانه أخذ فتارة يحرد إلى آخر الصف ويلحظ مكانه بطرف خفي متأسفا ومتغيظا على هذا الذي اغتصب مكانه وقد لا يسعه الصبر فتراه يجاهر ويقول له: «يا أخي لسنا أولاد البارحة واليوم في هذا الجامع نحن من أربعين سنة نصلي في هذا المكان فأين الذوق؟ » فتأمل ما يأتي به هؤلا الجهلة وتأمل

стр. 3453

عبادتهم المحشوة رياء وعجبا وكبرا وهل مثل هؤلاء للخشية في قلوبهم أثر أو لثمرة الصلاة فيهم وجود؟ كلا فما أحوجهم إلى مرب ومؤدب والله المستعان». قلت: وقد شاهدت واحدا من هؤلاء - وهو من العوام - لا يصلي إلا وراء الإمام لا يحيد يمنة أو يسرة قيد شعرة ومن زاحمه على ذلك ولو كان من أهل العلم فإنه ينظر إليه نظرة تكون كافية لإرجاعه عن مزاحمه وهذا مع وقوعه في النهي المذكور فقد خالف أيضا قوله ﵊: «ليلني منكم أولوا الأحلام والنهى». رواه مسلم وغيره وسيأتي وهذا من مساوئ مخالفته ﵇. ومثل هذا الرجل أحق بما فعله أبي بن كعب ﵁ بقيس بن عباد قال: بينا أنا في المسجد بالمدينة في الصف المقدم فجبذني رجل من خلفي جبذة فنحاني وقام مقامي فوالله ما عقلت صلاتي فلما انصرف فإذا هو أبي بن كعب فقال: يا فتى لا يسؤك الله إن هذا عهد من النبي ﷺ إلينا أن نليه ... الحديث أخرجه النسائي وسنده صحيح رجاله رجال البخاري غير محمد بن عمر بن علي بن مقدم شيخ النسائي فيه وقد وثقه ويوسف بن يعقوب فيه هو ابن أبي القاسم الضبعي وله في «المسند» طريق أخرى عن قيس وإسناده صحيح أيضا رجاله كلهم ثقات رجال مسلم غير إياس بن قتادة وقد وثقه ابن سعد وابن حبان. وأبو حمزة فيه هو عبد الرحمن بن عبد الله أو ابن أبي عبد الله المازني جار شعبة. [الثمر المستطاب (٢/ ٦٦٩)]. من مناهي المساجد جلوس الناس على هيئة الحلقة قبل صلاة الجمعة ولو للعلم والمذاكرة ذكر الإمام من مناهي المساجد: «جلوس الناس على هيئة الحلقة قبل صلاة الجمعة ولو للعلم والمذاكرة لحديث: «نهى رسول الله ﷺ عن الشراء والبيع في المسجد وأن تنشد فيه الأشعار

стр. 3454

[وأن تنشد فيه الضالة] [وعن الحلق «وفي لفظ: وأن يتحلق الناس» يوم الجمعة قبل الصلاة]». [صحيح]. قال الخطابي في «المعالم»: «الحلق»: مكسورة الحاء مفتوحة اللام: جماعة الحلقة وكان بعض مشايخنا يرويه أنه «نهى عن الحلق» بسكون اللام وأخبرني أنه بقي أربعين سنة لا يحلق رأسه قبل الصلاة يوم الجمعة فقلت له: إنما هو «الحلق» جمع الحلقة وإنما كره الاجتماع قبل الصلاة للعلم والمذاكرة وأمر أن يشتغل بالصلاة وينصت للخطبة والذكر فإذا فرغ منها كان الاجتماع والتحلق بعد ذلك فقال: قد فرجت عني وجزاني خيرا وكان من الصالحين ﵀». وفي «المرقاة»: «وعلة النهي أن القوم إذا تحلقوا في الغالب عليهم التكلم ورفع الصوت وإذا كانوا كذلك لا يستمعون الخطبة وهم مأمورون باستماعها. كذا قاله بعضهم وقال النوربشتي: النهي يحتمل معنيين: أحدهما: أن تلك الهيئة تخالف اجتماع المصلين والثاني: أن الاجتماع للجمعة خطب جليل لا يسع من حضرها أن يهتم بما سواها حتى يفرغ وتحلق الناس قبل الصلاة موهم للغفلة عن الأمر الذي ندبوا إليه. وفي «شرح السنة»: في الحديث كراهة التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة لمذاكرة العلم بل يشتغل بالذكر والصلاة والإنصات للخطبة ولا بأس بعد ذلك. وفي «الإحياء»: يكره الجلوس للحلق قبل الصلاة». وفي «نيل الأوطار»: «حمل الجمهور النهي على الكراهة وذلك لأنه ربما قطع الصفوف مع كونهم مأمورين بالتبكير يوم الجمعة والتراص في الصفوف الأول فالأول. وقال الطحاوي: التحلق المنهي عنه قبل الصلاة إذا عم المسجد وغلبه فهو مكروه وغير ذلك لا بأس به. والتقييد بقبل الصلاة يدل على جوازه بعدها للعلم والذكر. والتقييد بيوم الجمعة يدل على جوازه في غيرها كما في الحديث المتفق عليه من حديث أبي واقد الليثي قال: بينما رسول الله ﷺ في المسجد فأقبل ثلاثة نفر فأقبل

стр. 3455

اثنان إلى رسول الله ﷺ وذهب واحد فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها وأما الآخر فجلس خلفهم ... الحديث. وأما التحلق في المسجد في أمور الدنيا فغير جائز وفي حديث ابن مسعود: سيكون في آخر الزمان قوم يجلسون في المساجد حلقا حلقا أمانيهم الدنيا فلا تجالسوهم فإنه ليس لله فيهم حاجة. ذكره العراقي في «شرح الترمذي». قال: وإسناده ضعيف فيه بزيع أبو الخليل وهو ضعيف جدا». [ثم فصل الإمام الكلام على الحديث]. «فائدة»: وأما الحديث المشهور على الألسنة: «الكلام في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» فلا أصل له وقد أورده الغزالي في «الإحياء» بلفظ: «الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهائم الحشيش». فقال مخرجه الحافظ العراقي: «لم أقف له على أصل». ثم إن الحديث قد رأيت اختلاف العلماء في علة النهي فيه عن التحلق ولا يمكن البت في شيء من ذلك لعدم وجود النص عن المعصوم ولكنه بإطلاقه يشمل كل تحلق ولو كان للعلم والمذاكرة وهو ما أفاده كلام البغوي في «شرح السنة» والخطابي في «المعالم» والله أعلم. [الثمر المستطاب (٢/ ٦٧٦)]. من مناهي المساجد تناشد الأشعار ذكر الإمام من مناهي المساجد: «تناشد الأشعار - وهو المفاخرة بالشعر والإكثار منه حتى يغلب على غيره وحتى يخشى منه كثرة اللغط والشغب مما ينافي حرمة المساجد. للحديث السابق: «و «نهى» أن تنشد فيه الأشعار» وفي لفظ: «وعن تناشد الأشعار». [صحيح].

стр. 3456

وتفسير التناشد بما ذكر هو أحسن ما قيل في تفسيره وقد نقلته من تعليق العلامة أحمد محمد شاكر على الترمذي وبه يجمع بين الحديث والأحاديث المفيدة لجواز إنشاد الشعر في المساجد كما سيأتي ذكره في «المباحات». رقم «١١». وقد اختلف العلماء في ذلك فمن مانع مطلقا ومن مجيز مطلقا. قال القرطبي في «تفسيره»: «والأولى التفصيل وهو أن ينظر إلى الشعر فإن كان مما يقتضي الثناء على الله أو على رسول الله ﷺ أو الذب عنهما كما كان شعر حسان أو يتضمن الحض على الخير والوعظ والزهد في الدنيا والتقلل منها فهو حسن في المساجد وغيرها». قال: «وما لم يكن كذلك لم يجز لأن الشعر في الغالب لا يخلو عن الفواحش والكذب والتزين بالباطل ولو سلم من ذلك فأقل ما فيه اللغو والهذر والمساجد منزهة عن ذلك لقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦] وقد يجوز إنشاده في المسجد كقول القائل: إذا سقط السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا فهذا النوع وإن لم يكن فيه حمد ولا ثناء يجوز لأنه خال عن الفواحش والكذب». «وللحديث الآتي: «إنما بنيت المساجد لما بنيت له». هو من حديث بريدة عند مسلم وغيره كما يأتي. قال النووي: «معناه لذكر الله والصلاة والعلم والمذاكرة في الخير ونحوها». فلم تبن لتناشد الأشعار فيه فكان منهيا عنه. [الثمر المستطاب (٢/ ٦٨٣)].

стр. 3457

من مناهي المساجد نشدان الضالة وطلبها والسؤال عنها برفع الصوت ذكر الإمام من مناهي المساجد: «نشدان الضالة وطلبها والسؤال عنها برفع الصوت للحديث السابق أيضا: «و «نهى» أن تنشد فيه الضالة». [صحيح] (١). قال في «النهاية»: «يقال: نشدت الضالة فأنا ناشد: إذا طلبتها وأنشدتها: إذا عرفتها وهو من النشيد: رفع الصوت». وفي الحديث دليل على تحريم السؤال عن ضالة الحيوان في المسجد بشرط أن يكون برفع الصوت وقد ذهب إلى ذلك ابن حزم والصنعاني في «سبل السلام» وهو الحق إن شاء الله تعالى لأنه الظاهر من النهي ولأن النبي ﷺ أمر أن يقال للمنشد ما يأتي عقوبة له: «وللحديث الآخر: «جاء أعرابي بعدما صلى النبي ﷺ صلاة الفجر فأدخل رأسه من باب المسجد] فقال: من دعا «أي: من وجد فدعاني» إلى الجمل الأحمر؟ فقال النبي ﷺ : لا وجدته [لا وجدته لا وجدته] إنما بنيت [هذه] المساجد لما بنيت له». [صحيح]. «ويجب على من سمع ذلك أن يقول للمنشد: «لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا» فقد أمر بذلك ﵊ في قوله: «من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل ... فذكره. وفي لفظ: «لا أداها الله إليك». [صحيح]. قال الصنعاني: «والحديث دليل على تحريم السؤال عن ضالة الحيوان في المسجد

стр. 3458

وهل يلحق به السؤال عن غيرها من المتاع ولو ذهب في المسجد؟ قيل: يلحق للعلة وهي قوله: «فإن المساجد لم تبن لهذا» وإن من ذهب عليه متاع فيه أو في غيره قعد في باب المسجد يسأل الخارجين والداخلين له واختلف أيضا في تعليم الصبيان القرآن في المسجد وكأن المانع يمنعه لما فيه من رفع الأصوات المنهي عنه في حديث واثلة: «جنبوا مساجدكم مجانينكم وصبيانكم ورفع أصواتكم» أخرجه عبد الرزاق والطبراني في «الكبير» وابن ماجه». قلت: لكن هذا الحديث إسناده ضعيف كما سبق بيانه في الفقرة الأولى من الآداب وفي «صحيح البخاري» ما يعارضه وهو حديث كعب بن مالك: أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا له عليه في عهد رسول الله ﷺ في المسجد فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله ﷺ وهو في بيته فخرج إليهما رسول الله ﷺ حتى كشف سجف حجرته ونادى: «يا كعب بن مالك يا كعب». قال: لبيك يا رسول الله فأشار بيده أن ضع الشطر من دينك قال كعب: قد فعلت يا رسول الله. قال رسول الله: «قم فاقضه». فهذا الحديث بظاهره يدل على جواز رفع الصوت في المسجد لغرض دنيوي لأنه ﵊ ما أنكر على المتخاصمين رفع أصواتهما لكن قد روى البخاري قبله عن عمر ما يخالفه: عن السائب بن يزيد قال: «كنت قائما في المسجد فحصبني رجل فنظرت فإذا عمر بن الخطاب فقال: اذهب فأتني بهذين فجئته بهما قال: من أنتما أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله؟ ». وترجم لهما البخاري بـ: «باب رفع الصوت في المساجد». قال الحافظ: «أشار بالترجمة إلى الخلاف في ذلك فقد كرهه مالك مطلقا سواء كان في العلم أم في غيره وفرق غيره بين ما يتعلق بغرض ديني أو نفع دنيوي وبين ما لا فائدة فيه

стр. 3459

وساق البخاري في الباب حديث عمر الدال على المنع وحديث كعب الدال على عدمه إشارة منه إلى أن المنع فيما لا منفعة فيه وعدمه فيما تلجيء الضرورة إليه. وقد تقدم البحث فيه في باب التقاضي ووردت أحاديث في النهي عن رفع الصوت في المساجد لكنها ضعيفة أخرج ابن ماجه بعضها فكأن المصنف أشار إليها». وقال في الباب الذي أشار إليه: «وفي الحديث جواز رفع الصوت في المسجد وهو كذلك ما لم يتفاحش، وقد أفرد له المصنف بابا يأتي قريبا، والمنقول عن مالك منعه في المسجد مطلقا، وعنه التفرقة بين رفع الصوت بالعلم والخير وما لا بد منه فيجوز وبين رفعه باللغط ونحوه فلا، قال المهلب: لو كان رفع الصوت في المسجد لا يجوز لما تركهما النبي ﷺ ولبين لهما ذلك. قلت: ولمن منع أن يقول: لعله تقدم نهيه عن ذلك فاكتفى به واقتصر على التوصل بالطريق المؤدية إلى ترك ذلك بالصلح المقتضي لترك المخاصمة الموجبة لرفع الصوت» والله أعلم. ثم قال الصنعاني تحت قوله ﵊: فليقل: «لا ردها الله عليك»: «عقوبة له لارتكابه في المسجد ما لا يجوز وظاهره أنه يقول جهرا وأنه واجب». «أو يقول: «لا وجدته ثلاث مرات إنما بنيت هذه المسجد لما بنيت له» كما في الحديث الذي قبل هذا». [الثمر المستطاب (٢/ ٦٨٥)]. من مناهي المساجد البيع والشراء فيه ذكر الإمام من مناهي المساجد: البيع والشراء، لحديث: «نهى رسول الله ﷺ عن الشراء والبيع في المسجد». [حسن].

стр. 3460

ويجب أن يقال للبائع أو الشاري: «لا أربح الله تجارتك» بذلك أمر ﵊ في قوله: «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك. وإذا رأيتم من ينشد فيه [ال] ضالة فقولوا: لا رد [ها] الله عليك». [صحيح]. ثم الحديث قال الترمذي: «والعمل على هذا عند بعض أهل العلم كرهوا البيع والشراء في المسجد وهو قول أحمد وإسحاق، وقد رخص فيه بعض أهل العلم في البيع والشراء في المسجد». وذكر نحو هذا في الحديث الأول وقال الشوكاني: «والحديثان يدلان على تحريم البيع والشراء، فذهب الجمهور إلى أن النهي محمول على الكراهة، قال العراقي: وقد أجمع العلماء على أن ما عقد من البيع في المسجد لا يجوز نقضه، هكذا قال الماوردي. وأنت خبير بأن حمل النهي على الكراهة يحتاج إلى قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي الذي هو التحريم عند القائلين به بأن النهي حقيقة في التحريم وهو الحق، وإجماعهم على عدم جواز النقض، وصحة العقد لا منافاة بينه وبين التحريم فلا يصح جعله قرينة لحمل النهي على الكراهة، وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنه لا يكره البيع والشراء في المسجد والأحاديث ترد عليه وفرق أصحاب أبي حنيفة بين أن يغلب ذلك ويكثر فيكره أو يقل فلا كراهة وهو فرق لا دليل عليه». قلت: وممن صرح بالجواز ابن حزم في «المحلى» ونصه في ذلك: «والبيع جائز في المسجد قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة / ٢٧٥] ولم يأت نهي عن ذلك إلا من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وهي صحيفة». قلت: حديث عمرو بن شعيب فيه خلاف والأرجح أنه حسن الحديث كما سبق بيانه، على أنه يرد عليه حديث أبي هريرة هذا وإسناده صحيح عنده فقد روى الشطر الثاني منه كما سبق واحتج به على تحريم إنشاد الضوال في المسجد فينبغي أن يكون مذهبه

стр. 3461

القول بتحريم البيع والشراء في المسجد لولا أن الحديث لم يصله بتمامه بل مختصرا. وقد قال الصنعاني في «شرحه»: «فيه دليل على تحريم البيع والشراء في المساجد وأنه يجب على من رأى ذلك فيه أن يقول لكل من البائع والمشتري: لا أربح الله تجارتك، يقول جهرا زجرا للفاعل لذلك، والعلة هي قوله فيما سلف: فإن المساجد لم تبن لذلك». قال الشيخ علي القاري في «المرقاة»: «وجوز علماؤنا للمعتكف الشراء بغير إحضار المبيع، ومن البدعة الشنيعة بيع ثياب الكعبة خلف المقام، وبيع الكتب وغيرها في المسجد الحرام، وأشنع منه وضع المحفات والقرب والدبش فيه سيما أيام الموسم ووقت ازدحام الناس. والله ولي أمر دينه ولا حول ولا قوة إلا به». [الثمر المستطاب (٢/ ٦٩١)]. من مناهي المساجد إقامة الحدود والقصاص فيه ذكر الإمام من مناهي المساجد: «إقامة الحدود والقصاص لقوله ﵊: «لا تقام الحدود في المساجد ولا يستقاد فيها». [حسن لغيره]. والحديث يدل على تحريم إقامة الحدود في المساجد وتحريم الاستقادة فيها لأن النهي كما تقرر في الأصول حقيقة في التحريم ولا صارف له ههنا عن معناه الحقيقي. كذا في «النيل» ونحوه في «سبل السلام». فمن ذهب إلى أن النهي للتنزيه كالشافعية فعليه الدليل. قال المناوي في «الفيض»: «فيكره ذلك تنزيها، نعم لو التجأ إليه من عليه قود جاز استيفاؤه فيه حتى

стр. 3462

المسجد الحرام فيبسط النطع ويستوفي فيه تعجيلا لاستيفاء الحق عند الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يقتل في الحرم بل يلجأ إلى الخروج». قلت: والظاهر ما قاله أبو حنيفة لأن الحديث أطلق ولم يفصل، وفي «المرقاة»: «لأن في ذلك نوع هتك لحرمته ولاحتمال تلوثه بجرح أو حدث وقول ابن أبي ليلى: تقام شاذ. كذا ذكره ابن حجر. قال ابن الملك: لئلا يتلوث المسجد. وفي «شرح السنة»: قال عمر ﵁ فيمن لزمه حد في المسجد: أخرجوه. وعن علي مثله. والمعروف من هديه ﵊ إقامة الحدود خارج المسجد كما في حديث أبي هريرة ﵁ في قصة ماعز فقال ﵁: أتى رجل رسول الله ﷺ وهو في المسجد فناداه فقال: يا رسول الله إني زنيت. فأعرض عنه حتى رد عليه أربع مرات فلما شهد على نفسه أربع مرات ... الحديث. وفيه: فقال النبي ﷺ : «اذهبوا به فارجموه» قال جابر ابن عبد الله: فرجمناه بالمصلى. ا. هـ مختصرا من البخاري ومسلم وأحمد. وعن ابن عباس ﵁ قال: أمر رسول الله ﷺ برجم اليهودي واليهودي عند باب المسجد ... الحديث. أخرجه أحمد والحاكم. [وإسناده حسن]. [الثمر المستطاب (٢/ ٦٩٥)]. من مناهي المساجد البصق لا سيما نحو القبلة [ذكر الإمام من مناهي المساجد]: «البصق لا سيما نحو القبلة واليمين وهو حرام فقد رأى ﷺ بصاقا في جدار القبلة فحكه ثم أقبل على الناس [فتغيظ عليهم] فقال: «إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه فإن الله قبل وجهه إذا صلى». الحديث من رواية نافع عن ابن عمر ﵁.

стр. 3463

أخرجه البخاري ومسلم. وهو يدل على تحريم البصاق في المسجد نحو القبلة من وجهين: الأول: تغيظه ﷺ عليهم حينما رأى البصاق في القبلة. والآخر: نهيه ﵊ إياهم عن ذلك والنهي الأصل فيه التحريم. قال الحافظ العراقي في «شرح التقريب»: «هذا النهي عن بصاق المصلي أمامه أو عن يمينه هل هو على التحريم أو التنزيه؟ قال القرطبي: إن إقباله ﷺ على الناس مغضبا يدل على تحريم البصاق في جدار القبلة وعلى أنه يكفر بدفنه وبحكه كما قال في جملة المسجد: البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها. قلت: ويدل على تحريم البصاق في القبلة ما رواه أبو داود بإسناد جيد من حديث السائب بن خلاد أن رجلا أمَّ قوما فبصق في القبلة. قلت: فذكر الحديث الآتي بعد هذا وفيه: أنه ﵊ قال له: إنك آذيت الله ورسوله. وأطلق جماعة من الشافعية كراهة البصاق في المسجد منهم المحاملي وسليم الرازي والروياني وأبو العباس الجرجاني وصاحب «البيان» وجزم النووي في «شرح المهذب» التحقيق بتحريمه وكأنه تمسك بقوله في الحديث الصحيح أنه خطيئة». وقال الحافظ: «وهذا التعليل «يعني قوله: «فإن الله قبل وجهه» يدل على أن البزاق في القبلة حرام سواء كان في المسجد أم لا ولا سيما من المصلي فلا يجري فيه الخلاف في أن كراهية البزاق في المسجد هل هي للتنزيه أو للتحريم؟ ». ثم ساق حديث السائب وحديث حذيفة ويأتي أيضا. «وأم رجل قوما فبصق في القبلة ورسول الله ﷺ ينظر فقال رسول الله ﷺ حين فرغ: «لا يصلي لكم» فأراد بعد ذلك أن يصلي لهم» فمنعوه وأخبروه بقول رسول الله ﷺ فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «نعم» وحسبت أنه قال: «إنك آذيت الله ورسوله». [حسن صحيح].

стр. 3464

الحديث أخرجه أبو داود والزيادة له وأحمد من طريق عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث عن بكر بن سوادة الجذامي عن صالح ابن خيوان عن أبي سهلة السائب بن خلاد أن رجلا أم قوما ... الحديث. سكت عليه المنذري في «مختصره» وكذا الحافظ في «الفتح» وقال شيخه العراقي في «شرح التقريب»: «إسناده جيد». ورواه ابن حبان أيضا في «صحيحه» كما في «الترغيب». ورجال إسناد الحديث ثقات رجال مسلم غير صالح بن خيوان - بالمعجمة ويقال: بالمهملة - وثقه العجلي وابن حبان مع أنه ما روى عنه سوى بكر هذا كما صرح به الذهبي في «الميزان» ولذلك قال عبد الحق الأزدي: «لا يحتج به». وعاب ذلك عليه ابن القطان وصحح حديثه. قلت: والقواعد العلمية تشهد لما قاله الأزدي غير أن الحديث حسن أو صحيح لأن له شاهدا من حديث عبد الله بن عمر ﵁ بمعناه أورده المنذري وقال: رواه الطبراني في «الكبير» بإسناد جيد ورجاله ثقات» كما في «المجمع». - «وقال ﵊: «من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة تفله بين عينيه». [صحيح]. وهذا الحديث يدل بظاهره على كراهة التفل في القبلة داخل الصلاة وخارجها لعدم تقييده بحال الصلاة. قال الحافظ: «وقد جزم النووي بالمنع في كل حالة داخل الصلاة وخارجها سواء كان في المسجد أم غيره وقد نقل عن مالك أنه قال: لا بأس به - يعني خارج الصلاة -

стр. 3465

ويشهد للمنع ما رواه عبد الرزاق وغيره عن ابن مسعود أنه كره [أن] يبصق عن يمينه وليس في صلاة. وعن معاذ بن جبل قال: ما بصقت عن يميني منذ أسلمت. وعن عمر بن عبد العزيز أنه نهى عنه ابنه مطلقا». قلت: وأثر ابن مسعود أخرجه الطبراني أيضا في «الكبير» ورجاله ثقات كما في «المجمع». وأما حديث عمرو بن حزم: رأيت رسول الله ﷺ بزق عن يمينه وعن يساره وبين يده. فلا يصح بل هو ضعيف جدا فيه الواقدي أخرجه الطبراني في «الكبير» أيضا. «وإن كان لا بد من البصق فليبصق عن شماله إن كان فارغا من المصلين، وإلا فتحت قدمه اليسرى بشرط أن يمكن دفنه فيه بأن يكون أرضه من رمل أو حصى لا من بلاط أو مفروشا بالبسط، وإلا فليبصق في ثوبه أو نعله لقوله ﵇: «[ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه فيتنخع أمامه؟ أيحب أحدكم أن يستقبل فيتنخع في وجهه؟ ] إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق أمامه فإنما يناجي الله ما دام في مصلاه ولا عن يمينه فإن عن يمينه ملكا وليبصق عن يساره «زاد في حديث ثان: «إن كان فارغا» أو تحت قدمه [اليسرى] فليدفنه» زاد في حديث ثالث: «فإن لم يجد مبصقا ففي ثوبه أو نعله». الحديث ورد عن جمع من الصحابة ﵃. [صحيح]. وفي هذه الأحاديث دلالة على تحريم البصاق في المسجد نحو القبلة واليمين لنهيه ﵊ وتغليظه على من خالف ذلك حتى إنه عزل الإمام الذي فعل ذلك من الإمامة وقال له: «إنك آذيت الله ورسوله» فهو أكبر دليل على التحريم وقد سبق ذكر ما قاله الأئمة في ذلك قريبا. وفيها دلالة صريحة على جواز البصق فيه نحو اليسار أو تحت القدم اليسرى بشرطه وهو الدفن ففيه رد على النووي حيث قال في «شرحه» على مسلم: «وقوله ﷺ : «وليبزق تحت قدمه وعن يساره» هذا في غير المسجد أما المصلي في المسجد فلا يبزق إلا في ثوبه».

стр. 3466

ووجه الرد عليه أن قوله ﵊ هذا إنما قاله بخصوص المسجد حينما رأى النخامة في قبلته فنهاهم عن ذلك وعن البصق نحو اليمين ورخص لهم بالبزق فيه تحت القدم وعن اليسار وأمرهم بدفنه بقوله: «فليدفنه». فمن خالف ولم يدفن فقد أثم وإلا فلا. وأما تعليق النووي لما ذهب بقوله: «لقوله ﷺ : «البزاق في المسجد خطيئة» فكيف يأذن فيه ﷺ ». قلت: قد قضي الأمر وأذن فيه ﵊ وإنما جاء الإشكال من فهمه للحديث الذي ذكره والآتي بعده على خلاف ما فهم العلماء كما صرح هو نفسه وسننقل كلامه في ذلك إن شاء الله ليتبين لك الحق. «وقال ﵊: «البصاق «وفي لفظ: التفل. وفي آخر: النخاعة» في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها». الحديث رواه قتادة عن أنس مرفوعًا. أخرجه البخاري ومسلم. «البصاق». بالصاد بدل الزاي. «التفل» - بالمثناة الفوقية -: نفخ معه أدنى بزاق وهو أكثر من النفث. «و «النخامة» وهي «النخاعة» من الرأس أيضا ومن الصدر ويقال: تنخم وتنخع». «وفي رواية: «التفل في المسجد سيئة ودفنه حسنة». هي من حديث أبي أمامة ﵁ مرفوعا. وقال: «عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن». الحديث من رواية أبي ذر ﵁. أخرجه مسلم.

стр. 3467

«وقال: إذا تنخم أحدكم في المسجد فليغيب نخامته أن تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فيؤذيه». هو من حديث سعد بن أبي وقاص. [حسن]. «رواه أحمد بإسناد حسن». وهذه الأحاديث تدل على ما دل عليه حديث أبي هريرة المتقدم وهو جواز البصق في المسجد - عند الحاجة طبعا - إذا دفنه قال الحافظ العراقي في «شرح التقريب»: «قال أبو الوليد الباجي: فإن بصق في المسجد وستر بصاقه فلا إثم عليه وحكى القرطبي أيضا عن ابن مكي أنه إنما يكون خطيئة لمن تفل فيه ولم يدفنه. قال القرطبي: وقد دل على صحة هذا قوله في حديث أبي ذر: «ووجدت في مساوئ أعمالها النخامة تكون في المسجد لا تدفن» فلم يثبت لها حكم السيئة بمجرد إيقاعها في المسجد بل بذلك وببقائها غير مدفونة. قلت: ويدل عليه أيضا إذنه في ذلك في حديث الباب «يعني حديث أبي هريرة السابق» بقوله: «أو تحت رجليه فيدفنه». إن حملنا الحديث على إرادة كونه في المسجد كما تقدم وهو مصرح به في حديث أبي سعيد وأبي هريرة المذكور في أول الباب». وخالف في ذلك النووي وبالغ حيث قال في «شرح مسلم»: «واعلم أن البزاق في المسجد خطيئة مطلقا سواء احتاج إلى البزاق أو لم يحتج بل يبزق في ثوبه، فإن بزق في المسجد فقد ارتكب الخطيئة وعليه أن يكفر هذه الخطيئة بدفن البزاق. هذا هو الصواب أن البزاق خطيئة كما صرح به رسول الله ﷺ . وقال العلماء والقاضي عياض: فيه كلام باطل حاصله أن البزاق ليس بخطيئة إلا في حق من لم يدفنه وأما من أراد دفنه فليس بخطيئة واستدل له بأشياء باطلة فقوله هذا غلط مخالف لنص الحديث». قال الحافظ: «وحاصل النزاع أن هنا عمومين تعارضا وهما قوله: «البزاق في المسجد خطيئة» وقوله: «وليبصق عن يساره أو تحت قدمه». فالنووي يجعل الأول عاما

стр. 3468

ويخص الثاني بما إذا لم يكن في المسجد، والقاضي بخلافه يجعل الثاني عاما ويخص الأول بمن لم يرد دفنها وقد وافق القاضي جماعة منهم ابن مكي في «التنقيب» والقرطبي في «المفهم» وغيرهما. ويشهد لهم، ثم ذكر حديث سعيد بن أبي وقاص ثم حديث أبي أمامة وقال: «إنه أوضح منه في المقصود». ثم حديث أبي ذر وكلام القرطبي المتقدم فيه ثم قال: «وروى سعيد بن منصور عن أبي عبيدة بن الجراح: أنه تنخم في المسجد ليلة فنسي أن يدفنها حتى رجع إلى منزله فأخذ شعلة من نار ثم جاء فطلبها حتى دفنها ثم قال: الحمد لله الذي لم يكتب علي خطيئة الليلة. فدل على أن الخطيئة تختص بمن تركها لا بمن دفنها وعلة النهي ترشد إليه وهي تأذي المؤمن بها، ومما يدل على أن عمومه مخصوص: جواز ذلك في الثوب ولو كان في المسجد بلا خلاف وعند أبي داود من حديث عبد الله ابن الشخير أنه صلى مع النبي ﷺ فبصق تحت قدمه اليسرى ثم دلكه بنعله. إسناده صحيح وأصله في مسلم. والظاهر أن ذلك كان في المسجد فيؤيد ما تقدم». قلت: وتخصيص النووي للحديث الثاني الذي أشار إليه الحافظ بما إذا لم يكن في المسجد باطل لأنه ورد في خصوص المسجد كما سبق عن العراقي. فكيف يجوز تخصيصه بغير ما ورد الحديث لأجله؟ والحق أنه لا تعارض بين الحديثين مطلقا: فالحديث الأول - وما في معناه - أفاد أن البصق في المسجد خطيئة إذا لم يدفنها وأما إذا دفنها فليست بخطيئة لأنه - أعني الدفن - حسنة أطاحت خطيئة البصق كما في حديث أبي أمامة. والحديث الثاني - أي حديث أبي هريرة المتقدم - إنما أجاز البصق مع الدفن كما سبق فإذا لم يدفنها فقد ارتكب الخطيئة لا محالة وحينئذ فالحديثان متفقان. والحمد لله. ثم قال الحافظ العراقي: «في قوله: «فيدفنه». ما يقتضي أن الترخص في البصاق في المسجد هو ما إذا كان

стр. 3469

فراش المسجد حصى أو ترابا دون ما إذا كان رخاما أو بلاطا أو بساطا أو حصيرا وقد حكاه صاحب «المفهم» عن بعضهم فقال: وقد سمعنا من بعض مشايخنا أن ذلك إنما يجوز إذا لم يكن في المسجد إلا التراب أو الرمل كما كانت مساجدهم في الصدر الأول فأما إذا كانت في المسجد بسط وما له بال من الحصير بما يفسده البصاق ويقذره فلا يجوز احتراما للملائكة. قلت: قد ورد دلكها بالنعل عوضا عن الدفن فيما رواه مسلم من حديث عبد الله بن الشخير قال: صليت مع رسول الله ﷺ فرأيته تنخع فدلكها بنعله. وهذا يحتمل أن يكون أيضا في تراب أو حصباء فيحصل بدلكها دفنها في التراب. وقال الباجي: ليس له أن يبصق في الأرض ويحكه برجله لأن ذلك يقذر الموضع لمن أراد الجلوس فيه. قلت: قد روى أبو داود من رواية أبي سعيد «كذا في الأصل والصواب: أبو سعد» قال: رأيت واثلة بن الأسقع في مسجد دمشق يبصق على البوري ثم مسحه برجله فقيل له لم فعلت؟ قال: لأني رأيت رسول الله ﷺ يفعله. والبوري: الحصير المعمولة من القصب قاله الهروي في «الغريبين» وعلى هذا فهي لا تفسد بذلك والحديث أيضا لا يصح». قلت: وعلة هذا الحديث أبو سعد هذا وهو الحمصي الحميري رواه عنه الفرج بن فضالة عند أبي داود. قال الذهبي في «الميزان»: «ما روى عنه سوى الفرج بن فضالة». قلت: فهو مجهول وقد صرح بذلك الحافظ في «التقريب». والفرج بن فضالة ضعيف أيضا كما قال المنذري في «مختصره» وبه أعل الحديث وكذلك قال في «التقريب». [الثمر المستطاب (٢/ ٧٠٣)].

стр. 3470

من مناهي المساجد البول ونحوه فيه ذكر الإمام من مناهي المساجد: «البول ونحوه لقوله ﵊ للأعرابي الذي دخل المسجد ثم بال فيه: «إنما بني هذا البيت لذكر الله والصلاة وإنه لا يبال فيه». [صحيح]. وفي الحديث دليل على وجوب تنزيه المساجد عن البول وسائر النجاسات. قال العراقي: «وهو كذلك إذا أدى ذلك إلى تلويثها بالنجاسة فإن لم تلوث كأن بال في إناء أو افتصد في إناء في المسجد فالأصح تحريم البول وكراهة الافتصاد دون تحريمه، وقد جزم النووي في «شرح مسلم» بكراهة الفصد في الإناء ولم يحك فيه خلافا. قال العراقي: وكذلك من على بدنه أو ثوبه نجاسة إذا أمن تلوث المسجد بها جاز دخوله وإن خاف ذلك لم يجز». وقال ابن حزم في «المحلى»: «ولا يجوز البول في المسجد، فمن بال فيه صب على بوله ذنوبا من ماء، ولا يجوز البصاق فيه فمن بصق فيه فليدفن بصقته. ثم قال: أمر النبي ﷺ بتنظيف المساجد وتطييبها - كما أوردنا قبل - يقتضي كل ما وقع عليه اسم تنظيف وتطييب، والتنظيف والتطييب يوجبان إبعاد كل محرم وكل قذر وكل قمامة فلا بد من إذهاب عين البول وغيره». [الثمر المستطاب (٢/ ٧٢٢)]. مناهي المساجد وآدابها هي من الرفع المذكور في قوله تعالى: في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه «وليعلم أن هذه النواهي وما قبلها من الأوامر هي من الرفع المذكور في قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور / ٣٦]». [الثمر المستطاب (٢/ ٧٢٣)].
следующие страницы →