Полный текст (8 195 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.
стр. 3466
ووجه الرد عليه أن قوله ﵊ هذا إنما قاله بخصوص المسجد حينما رأى النخامة في قبلته فنهاهم عن ذلك وعن البصق نحو اليمين ورخص لهم بالبزق فيه تحت القدم وعن اليسار وأمرهم بدفنه بقوله: «فليدفنه». فمن خالف ولم يدفن فقد أثم وإلا فلا.
وأما تعليق النووي لما ذهب بقوله: «لقوله ﷺ : «البزاق في المسجد خطيئة» فكيف يأذن فيه ﷺ ».
قلت: قد قضي الأمر وأذن فيه ﵊ وإنما جاء الإشكال من فهمه للحديث الذي ذكره والآتي بعده على خلاف ما فهم العلماء كما صرح هو نفسه وسننقل كلامه في ذلك إن شاء الله ليتبين لك الحق.
«وقال ﵊: «البصاق «وفي لفظ: التفل. وفي آخر: النخاعة» في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها».
الحديث رواه قتادة عن أنس مرفوعًا.
أخرجه البخاري ومسلم.
«البصاق». بالصاد بدل الزاي.
«التفل» - بالمثناة الفوقية -: نفخ معه أدنى بزاق وهو أكثر من النفث.
«و «النخامة» وهي «النخاعة» من الرأس أيضا ومن الصدر ويقال: تنخم وتنخع».
«وفي رواية: «التفل في المسجد سيئة ودفنه حسنة».
هي من حديث أبي أمامة ﵁ مرفوعا.
وقال: «عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن».
الحديث من رواية أبي ذر ﵁.
أخرجه مسلم.
стр. 3467
«وقال: إذا تنخم أحدكم في المسجد فليغيب نخامته أن تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فيؤذيه».
هو من حديث سعد بن أبي وقاص. [حسن].
«رواه أحمد بإسناد حسن».
وهذه الأحاديث تدل على ما دل عليه حديث أبي هريرة المتقدم وهو جواز البصق في المسجد - عند الحاجة طبعا - إذا دفنه قال الحافظ العراقي في «شرح التقريب»:
«قال أبو الوليد الباجي: فإن بصق في المسجد وستر بصاقه فلا إثم عليه وحكى القرطبي أيضا عن ابن مكي أنه إنما يكون خطيئة لمن تفل فيه ولم يدفنه. قال القرطبي: وقد دل على صحة هذا قوله في حديث أبي ذر: «ووجدت في مساوئ أعمالها النخامة تكون في المسجد لا تدفن» فلم يثبت لها حكم السيئة بمجرد إيقاعها في المسجد بل بذلك وببقائها غير مدفونة. قلت: ويدل عليه أيضا إذنه في ذلك في حديث الباب «يعني حديث أبي هريرة السابق» بقوله: «أو تحت رجليه فيدفنه». إن حملنا الحديث على إرادة كونه في المسجد كما تقدم وهو مصرح به في حديث أبي سعيد وأبي هريرة المذكور في أول الباب».
وخالف في ذلك النووي وبالغ حيث قال في «شرح مسلم»:
«واعلم أن البزاق في المسجد خطيئة مطلقا سواء احتاج إلى البزاق أو لم يحتج بل يبزق في ثوبه، فإن بزق في المسجد فقد ارتكب الخطيئة وعليه أن يكفر هذه الخطيئة بدفن البزاق. هذا هو الصواب أن البزاق خطيئة كما صرح به رسول الله ﷺ . وقال العلماء والقاضي عياض: فيه كلام باطل حاصله أن البزاق ليس بخطيئة إلا في حق من لم يدفنه وأما من أراد دفنه فليس بخطيئة واستدل له بأشياء باطلة فقوله هذا غلط مخالف لنص الحديث». قال الحافظ:
«وحاصل النزاع أن هنا عمومين تعارضا وهما قوله: «البزاق في المسجد خطيئة» وقوله: «وليبصق عن يساره أو تحت قدمه». فالنووي يجعل الأول عاما
стр. 3468
ويخص الثاني بما إذا لم يكن في المسجد، والقاضي بخلافه يجعل الثاني عاما ويخص الأول بمن لم يرد دفنها وقد وافق القاضي جماعة منهم ابن مكي في «التنقيب» والقرطبي في «المفهم» وغيرهما. ويشهد لهم، ثم ذكر حديث سعيد بن أبي وقاص ثم حديث أبي أمامة وقال: «إنه أوضح منه في المقصود». ثم حديث أبي ذر وكلام القرطبي المتقدم فيه ثم قال: «وروى سعيد بن منصور عن أبي عبيدة بن الجراح:
أنه تنخم في المسجد ليلة فنسي أن يدفنها حتى رجع إلى منزله فأخذ شعلة من نار ثم جاء فطلبها حتى دفنها ثم قال: الحمد لله الذي لم يكتب علي خطيئة الليلة.
فدل على أن الخطيئة تختص بمن تركها لا بمن دفنها وعلة النهي ترشد إليه وهي تأذي المؤمن بها، ومما يدل على أن عمومه مخصوص: جواز ذلك في الثوب ولو كان في المسجد بلا خلاف وعند أبي داود من حديث عبد الله ابن الشخير أنه صلى مع النبي ﷺ فبصق تحت قدمه اليسرى ثم دلكه بنعله. إسناده صحيح وأصله في مسلم. والظاهر أن ذلك كان في المسجد فيؤيد ما تقدم».
قلت: وتخصيص النووي للحديث الثاني الذي أشار إليه الحافظ بما إذا لم يكن في المسجد باطل لأنه ورد في خصوص المسجد كما سبق عن العراقي.
فكيف يجوز تخصيصه بغير ما ورد الحديث لأجله؟
والحق أنه لا تعارض بين الحديثين مطلقا:
فالحديث الأول - وما في معناه - أفاد أن البصق في المسجد خطيئة إذا لم يدفنها وأما إذا دفنها فليست بخطيئة لأنه - أعني الدفن - حسنة أطاحت خطيئة البصق كما في حديث أبي أمامة.
والحديث الثاني - أي حديث أبي هريرة المتقدم - إنما أجاز البصق مع الدفن كما سبق فإذا لم يدفنها فقد ارتكب الخطيئة لا محالة وحينئذ فالحديثان متفقان. والحمد لله.
ثم قال الحافظ العراقي:
«في قوله: «فيدفنه». ما يقتضي أن الترخص في البصاق في المسجد هو ما إذا كان
стр. 3469
فراش المسجد حصى أو ترابا دون ما إذا كان رخاما أو بلاطا أو بساطا أو حصيرا وقد حكاه صاحب «المفهم» عن بعضهم فقال: وقد سمعنا من بعض مشايخنا أن ذلك إنما يجوز إذا لم يكن في المسجد إلا التراب أو الرمل كما كانت مساجدهم في الصدر الأول فأما إذا كانت في المسجد بسط وما له بال من الحصير بما يفسده البصاق ويقذره فلا يجوز احتراما للملائكة. قلت: قد ورد دلكها بالنعل عوضا عن الدفن فيما رواه مسلم من حديث عبد الله بن الشخير قال: صليت مع رسول الله ﷺ فرأيته تنخع فدلكها بنعله. وهذا يحتمل أن يكون أيضا في تراب أو حصباء فيحصل بدلكها دفنها في التراب. وقال الباجي: ليس له أن يبصق في الأرض ويحكه برجله لأن ذلك يقذر الموضع لمن أراد الجلوس فيه. قلت: قد روى أبو داود من رواية أبي سعيد «كذا في الأصل والصواب: أبو سعد» قال:
رأيت واثلة بن الأسقع في مسجد دمشق يبصق على البوري ثم مسحه برجله فقيل له لم فعلت؟ قال: لأني رأيت رسول الله ﷺ يفعله.
والبوري: الحصير المعمولة من القصب قاله الهروي في «الغريبين» وعلى هذا فهي لا تفسد بذلك والحديث أيضا لا يصح».
قلت: وعلة هذا الحديث أبو سعد هذا وهو الحمصي الحميري رواه عنه الفرج بن فضالة عند أبي داود. قال الذهبي في «الميزان»:
«ما روى عنه سوى الفرج بن فضالة».
قلت: فهو مجهول وقد صرح بذلك الحافظ في «التقريب».
والفرج بن فضالة ضعيف أيضا كما قال المنذري في «مختصره» وبه أعل الحديث وكذلك قال في «التقريب».
[الثمر المستطاب (٢/ ٧٠٣)].
стр. 3470
من مناهي المساجد البول ونحوه فيه
ذكر الإمام من مناهي المساجد: «البول ونحوه لقوله ﵊ للأعرابي الذي دخل المسجد ثم بال فيه: «إنما بني هذا البيت لذكر الله والصلاة وإنه لا يبال فيه». [صحيح].
وفي الحديث دليل على وجوب تنزيه المساجد عن البول وسائر النجاسات. قال العراقي: «وهو كذلك إذا أدى ذلك إلى تلويثها بالنجاسة فإن لم تلوث كأن بال في إناء أو افتصد في إناء في المسجد فالأصح تحريم البول وكراهة الافتصاد دون تحريمه، وقد جزم النووي في «شرح مسلم» بكراهة الفصد في الإناء ولم يحك فيه خلافا. قال العراقي: وكذلك من على بدنه أو ثوبه نجاسة إذا أمن تلوث المسجد بها جاز دخوله وإن خاف ذلك لم يجز». وقال ابن حزم في «المحلى»:
«ولا يجوز البول في المسجد، فمن بال فيه صب على بوله ذنوبا من ماء، ولا يجوز البصاق فيه فمن بصق فيه فليدفن بصقته. ثم قال: أمر النبي ﷺ بتنظيف المساجد وتطييبها - كما أوردنا قبل - يقتضي كل ما وقع عليه اسم تنظيف وتطييب، والتنظيف والتطييب يوجبان إبعاد كل محرم وكل قذر وكل قمامة فلا بد من إذهاب عين البول وغيره».
[الثمر المستطاب (٢/ ٧٢٢)].
مناهي المساجد وآدابها هي من الرفع المذكور في قوله تعالى: في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه
«وليعلم أن هذه النواهي وما قبلها من الأوامر هي من الرفع المذكور في قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور / ٣٦]».
[الثمر المستطاب (٢/ ٧٢٣)].
стр. 3471
من مناهي المساجد اتخاذه طريقًا
ذكر الإمام من مناهي المساجد: «اتخاذه طريقا لقوله ﵊: «لا تتخذوا المساجد طرقا إلا لذكر أو صلاة».
الحديث من رواية عبد الله بن عمر ﵁. [حسن].
«وقد أشار ﵊ إلى هذا المعنى حين قال: «سدوا عني كل خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر».
الحديث من رواية ابن عباس ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه عاصب رأسه بخرقة فقعد على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنه ليس من الناس أحد أمن علي في نفسه وماله من أبي بكر ابن أبي قحافة ولو كنت متخذا من الناس خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن خلة الإسلام أفضل سدوا ... إلخ.
أخرجه البخاري وأحمد كما سبق في الأمر السابع من الأمور التي ينبغي أن تلاحظ في بناء المساجد.
قال القرطبي في «تفسيره»:
«فأمر ﷺ بسد الأبواب لما كان يؤدي إلى اتخاذ المسجد طريقا والعبور فيه.
واستثنى خوخة أبي بكر إكراما له وخصوصية لأنهما كانا لا يفترقان غالبا».
وفي «تفسير ابن كثير»:
«كره بعض العلماء المرور فيه إلا لحاجة إذا وجد مندوحة عنه».
قلت: وقد جاء ما يدل على جواز المرور في المسجد كما يأتي في المباحات فقرة «١» فينبغي أن يحمل على أنه لحاجة وعلى الندرة بحيث أنه لا يؤدي إلى استطراقه. هذا ما ظهر لي في الجمع ولم أر أحدا تعرض لذلك. والله أعلم.
[الثمر المستطاب (٢/ ٧٢٣)].
стр. 3472
تحريم البصاق إلى القبلة داخل المسجد أو خارجه
[قال رسول الله ﷺ ]: «يجيء صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة وهي في وجهه».
[قال الإمام]:
وفي الحديث دلالة على تحريم البصاق إلى القبلة مطلقا، سواء ذلك في المسجد أو في غيره، وعلى المصلي وغيره، كما قال الصنعاني في «سبل السلام» «١/ ٢٣٠». قال: «وقد جزم النووي بالمنع في كل حالة داخل الصلاة وخارجها وفي المسجد أو غيره». قلت: وهو الصواب، والأحاديث الواردة في النهي عن البصق في الصلاة تجاه القبلة كثيرة مشهورة في الصحيحين وغيرها، وإنما آثرت هذا دون غيره، لعزته وقلة من أحاط علمه به. ولأن فيه أدبا رفيعا مع الكعبة المشرفة، طالما غفل عنه كثير من الخاصة، فضلا عن العامة، فكم رأيت في أئمة المساجد من يبصق إلى القبلة من نافذة المسجد!
السلسلة الصحيحة (١/ ١/ ٤٣٨ - ٤٤٠).
كراهة النخاعة في المسجد
عن حميد عن أنس: أن النبي ﷺ رأى نخامة في قبلة المسجد، فغضب حتى احمر وجهه، فجاءته امرأة من الأنصار فحكتها، وجعلت مكانها خلوقاً، فقال رسول الله ﷺ : «ما أحسن هذا! ».
ترجمه الإمام بقوله: كراهةُ النُّخاعة في المسجد وتَخْلِيقُهُ.
السلسلة الصحيحة (٧/ ١/ ١٢٠).
стр. 3473
هل يوجد حديث صحيح ينهى عن الكلام في المسجد والمصلي يصلي ؟
مداخلة: وهل يوجد حديث صحيح، مثلاً ينهى عن الكلام في المسجد والمُصَلِّي يُصَلِّي؟
الشيخ: أي نعم، قال ﵇: «يا أيها الناس! كُلُكم يناجي رَبَّه، فلا يجهر بعضكم على بعض بالقراءة، فتؤذوا المؤمنين» رواه أبو داود والبغوي وغيرهما.
(الهدى والنور / ١٤١/ ٥٨: ٤٦: ٠٠)
فرقعة الأصابع في المسجد
السائل: ما حكم فرقعة الأصابع في المسجد؟
الشيخ: في الصلاة منهي عنه، أما في المسجد فما في عندنا نص، لكن ممكن هنا استعمال القياس والنظر، فقد ثبت النهي عن تشبيك الأصابع، ليس فقط في الصلاة، بل وهو منطلق للصلاة، وهو منتظر للصلاة، فيمكن إلحاق فرقعة الأصابع بالتشبيك، فإذا كان ينتظر الصلاة فلا يُفَرقع، أما إذا انتهى من الصلاة فيجوز؛ لعدم وجود النهي في ذلك.
(الهدى والنور / ١٢/ ٥٤: ١٦: .. )
تسليم الداخل إلى المسجد
مداخلة: [إذا دخل الداخل المسجد هل يسلم على من حوله فقط، أم يرفع صوته بالسلام] فيُسمع المجموعة كلها؟
стр. 3474
الشيخ: أرى الأول؛ لأن الأصل بالنسبة للداخل إلى المسجد أن لا يُشَوِّش، فإذا كان لا بد من إلقاء السلام ولا بد من إلقاء السلام، فلمن حوله.
(الهدى والنور /٢٥٠/ ١٨: ١٨: ٠٠)
التَحَدُّث بأمور دنيوية بين الأذان والإقامة في المسجد
سؤال: هل يجوز التحدث بأمور دنيوية بين الأذان والإقامة في المسجد؟
الشيخ: الجواب فيه تفصيل: يجوز ولا يجوز، إذا كان الكلام كلام عارض مثلاً: إنسان دخل المسجد، رأى صاحبه له مدة لم يره: السلام عليكم، وعليكم السلام، كيف حالك يا أخي؟ كيف عيالك؟ إلخ، هذا دنيوي طبعاً، هذا يجوز، لكن يجلسوا في المسجد ويعملوا جلسة ويتفقدوا فيها أسعار العملة أسعار البضاعة ... إلخ فهذا الأمر كما قال ﵇ في مناسبة أخرى: «إن المساجد لم تُبْنَ لهذا».
إذاً: الكلام العادي ليس فيه مانع، أما الكلام الذي يُرَاد فيه حطام الدنيا فهذا لا يجوز.
(الهدى والنور /٥٤/ ٥.: ٣١: .. )
اصطحاب الأولاد غير المميزين إلى المسجد
مداخلة: شيخَنا، -لو سمحت- أحياناً ربما الصغير غير المُمَيْز، يطلب الذهاب للمسجد للصلاة، فما الحكم؟ هل الوالد يسمح له ما دام هو غير مميز، يصلي ويذهب معه إلى المسجد؟
الشيخ: أنا ظننت راح تسأل: هل يجوز للوالد أن يأخذه بدون طلب.
مداخلة: لا، أنا هذا عندي، لا يأخذه ما دام ما بلغ السابعة.
стр. 3475
الشيخ: أنا ظننت أن تقول: هل يجوز للوالد أن يأخذ الولد إلى المسجد بدون طلب من الولد، ما رأيك، يجوز أو ما يجوز؟
مداخلة: لأجل أن يصلي، أو مجرد الذهاب إلى المسجد.
الشيخ: خذها كما تشاء.
مداخلة: ... أما أن يصلي ... شيء آخر.
الشيخ: أليس ذهابه إلى الصلاة أولى، من أي شيء آخر؟
مداخلة: دون السابعة.
الشيخ: نحن هذا بحثنا.
مداخلة: نعم.
الشيخ: أنت تعرف يا أستاذ: بأن السلف الأول، وعلى رأسهم نبينا ﷺ كانوا يَسْمَحون لأولادهم أن يدخلوا مسجده ﵊.
وما أنت ببعيد الذاكرة، عن القصة التي رواها أحد الصحابة، أنه كان يصلي وراء النبي ﷺ يوماً صلاة العصر، فأطال رسول الله ﷺ في السجود في بعض صلاته، إطالة لم تكن من عادته، فرفع هذا الصحابي رأسه ليطمئن على نبيه، خشية أن يكون قد جاءه يقينُه، وإذا به يجد مَنْظَراً غريباً، يجده ساجداً، الحسن أو الحسين، المهم: الصحابي اطمأن ورجع ساجداً، وبعد أن سَلَّم ﵊ من صلاته، قالوا له: «يا رسول الله، لقد سجدت سجدة أطلتها في صلاتك» فقال ﵊: «إن ابني هذا كان قد ارتحلني، فكرهت أن أُعْجِلَه» هذا الولد حضر المسجد من أجل الصلاة، هو كما قلت: غير مميز، وما كان من هديه ﵇ أن يُذَكّر المصلين -سواء كانوا رجالاً أو نساء- بأن لا يستصحبوا أولادهم معهم إلى المسجد، بل كان يُقِرّهم على ذلك خلافاً للحديث المشهور، والذي لا يصح إسناده: «جَنِّبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وبيعَكم وشراءَكم» وإن كان الشطر الأخير منه صحيحاً، دل على صحته أحاديث أخرى، كما لا تخفى عليكم -
стр. 3476
إن شاء الله-.
الشاهد: ما كان ينهاهم، بل كان يُقِرُّ هذا الواضع، بل كان يرتب له حكماً خاصاً، مراعاة لشعور الأمهات اللاتي يكن وراءه ﵇ في الصلاة، ويكون ولدها يبكي، فينتبه الرسول ﵇ وهو ينادي لربه، إلى أن هناك امرأةً تصلي وولدُها معها، فيدخل كما قال: «إني لأدخل في الصلاة أريد إطالتها، فأسمع بكاء صبي فأوجز فيها، لكي أُفَرِّغ له أمه».
إذاً: القراءة الطويلة، التي من عادته ﵇ أن يقرأها يخففها لكي يُفَرِّغ الأم لابنها، كان باستطاعته أن يفعل، كما يفعل الكثير من جهلة الأئمة، لماذا تجيبوا أولادكم إلى المسجد وتشوشون علينا .. إلى آخره؟ ما فعل شيئاً من ذلك.
وعلى هذا فأولى أن الولد إذا كان ناشئًا منْشَئاً إسلامياً، فيتوق أن يحضر إلى المسجد، حتى ولو للعب، إذا طلب من أبيه أن يذهب به معه إلى المسجد.
فعلى ذلك جاز للوالد أن يلبي دعوة الولد، لأن في ذلك تمريناً له على أن يرتاد خير البقاع التي سُئل الرسول ﵇ عنها من سائل قال: «ما هي خير البقاع، وما هي شر البقاع»؟ فأجاب ﵇: «خير البقاع المساجد، وشر البقاع الأسواق».
стр. 3477
فإذا كان الولد نشأ هذه النشأة، يرغب أن يذهب إلى المسجد، وأن لا يخرج إلى الأزقة، فهذه نعمة وبشرى كبيرة جداً، فعلى الوالد بل والوالدة أن تستغل هذه الظاهرة، وأن يفسحوا له المجال في الذهاب إلى المسجد، ثم إذا ظهر منه -وهذا لا بد أن يظهر منه- شيء لا يليق بالمساجد، من العبث واللهو، وأيُّ عبث تريدون أكثر من أن سيد البشر يُتَّخذ دابة ويُركب عليه، ومع ذلك، ما أنكر ذلك بل أجرى حكماً خاصاً -أيضاً- كما فعل هناك أطال السجدة, لو فُعِل هذا اليوم، لقامت الصياحات من جوانب المسجد، أي طَوَّلت علينا يا شيخ، طَوّلوا بالكم: الولد ... ، ليه تجيب الولد؟ ما يعرفون هدي الرسول ﵇، ما يعرفون لُطْفَه ورأفته بأمته، وصدق الله حين يقول: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
(الهدى والنور /٦٦٨/ ٥٢: ٦١: .. )
من دخل المسجد وعليه ثياب فيها تصاوير ؟
مداخلة: ماذا يترتب عند دخول أحد المسجد وفي ثياب فيها صورة؟
الشيخ: ثياب ماذا؟
مداخلة: يعني: ثياب فيها صور أو صورة إذا دخل المسجد للصلاة.
الشيخ: صلاته طبعاً مكروهة .. لكن صحيحة مع الكراهة ..
مداخلة: يعني: صلاته فقط هو مكروهة ويتحمل وزر البقية أو يعني: عدم حضور الملائكة يقلل من الأجر مثلاً؟
الشيخ: هو عندنا الكراهة، أما هل لا تدخل الملائكة المسجد فيه صورة فيحكم عليه كبيت من بيوت الناس فهذا ليس من السهل [الكلام] عنه؛ لأن هنا يوجد مسوغات لحضور الملائكة ومنفرات، فيا ترى! أي الأمرين [يترجح] واضح؟
مداخلة: نعم.
стр. 3478
مداخلة: لو كان الصور ممتهنة؟
الشيخ: ما في فرق عندي ممتهنة أو غير ممتهنة، يجب أن يقضى عليها.
(رحلة النور: ٠١ ب/٠٠: ٠٠: ١٠)
حكم الخروج من المسجد بعد سماع الأذان
الشيخ: بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، يقول الحافظ المنذري في كتاب الترغيب والترهيب، وفي الفصل الرابع من كتاب الصلاة من صحيح الترغيب والترهيب: الترهيب من الخروج من المسجد بعد الأذان لغير عذر:
أورد المؤلف ﵀ في هذا الباب بعض الأحاديث المترجمة للباب، وفي بعضها ما هو ضعيف، [ولما] كان كتابنا هذا خاصاً بما صح وثبت فقد قلنا: ورواه - يعني: حديث أبي هريرة الذي في الكتاب الآخر برقم كذا - مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه دون قوله: «وأمرنا رسول الله ﷺ » إلى آخره.
هنا تعبير قلت: في صحيح مسلم في الباب عشرين: الترهيب من ترك أمور الجماعة، هناك اللفظ الصحيح عن أبي الشعثاء المحاربي قال: «كنا قعوداً في المسجد فأذن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد وقال أبو هريرة: أما هذا فقد عصى أبا القاسم» ورواه مسلم وغيره، وتقدم في الضعيف رقم كذا برواية أحمد، هذه الرواية التي هي من حصة الضعيف من الترغيب فيها: «أمرنا رسول الله ﷺ بعدم الخروج بعد الأذان من المسجد» فالفرق بين الرواية الصحيحة التي رواها مسلم وبين الرواية الضعيفة التي رواها أحمد هي: أن رواية مسلم عن أبي هريرة أنه لما رأى الرجل خرج من المسجد بعد الأذان قال أبو هريرة: قد عصى هذا أبا القاسم، أما رواية أحمد الضعيفة: ففيها أن أبا هريرة قال: أمرنا رسول الله ﷺ بعد الخروج من المسجد، فالفرق في اللفظ وليس في المعنى.
стр. 3479
هذا الحديث الأول وهو من حديث أبي هريرة واللفظ الصحيح قول أبي هريرة: «فقد عصا أبا القاسم» ثم ذكر أحاديث أخرى تؤيد هذا المعنى، وفيه شيء من الترهيب المناسب للباب، قال: وعنه - يعني: أبا هريرة - قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يسمع النداء في مسجدي هذا، ثم يخرج منه إلا لحاجة، ثم لا يرجع إليه إلا منافق» رواه الطبراني في الأوسط ورواته محتج به في الصحيح، وفي الكلام على هذا التخريج ليس هذا الآن محل ذكره وإنما الشاهد أن في هذا الحديث بيان أن الذي يخرج من المسجد بعد أن يسمع الأذان دون حاجة يضطر بسببها للخروج فهو منافق، ولو أنه خرج بحاجة ناوياً الرجوع إلى المسجد فينتفي عنه هذا الوصف وهو أنه منافق؛ لأنه إنما خرج من المسجد لحاجة ألحت عليه بالخروج، فما دام أنه خرج ينوي الرجوع وفعلاً رجع فلا يصح أن يقال فيه: إنه منافق.
كذلك الأحاديث الأخرى التي ساقها من بعد حديث أبي هريرة، قال: وروي عن عثمان بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أدركه الأذان في المسجد ثم خرج لم يخرج لحاجة وهو لا يريد الرجعة فهو منافق» فهذا بمعنى الحديث الأول؛ ولذلك كان الحديث الأول يشهد لهذا الحديث وبهذا الاعتبار صحح.
ونحوه أيضاً حديث الأخير في الباب، وهو قوله عن سعيد بن المسيب ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يخرج من المسجد أحد بعد النداء إلا منافق، إلا أحد أخرجته حاجة وهو يريد الرجوع» الشاهد: بين هذا الحديث الذي جاء من عدة طرق وفيه: حكم النبي ﷺ لمن خرج من المسجد في غير حاجة فهو منافق، وبين حديث أبي هريرة حيث قال: «فقد عصى أبا القاسم» ولا شك أن كل من أطلق عليه منافق فهو عاص، وليس كل من كان عاصياً يصح أن يطلق عليه أنه منافق، ولذلك فهناك فرق بين حديث أبي هريرة وبين روايته الثانية وهي من الروايات الأخرى التي جاءت عن غيره ﵁، فهي تلتقي كلها في أن من خرج من المسجد بعد الأذان لغير حاجة فهو منافق إلا أن يكون خرج لحاجة وهو ينوي الرجوع إلى المسجد.
ولا شك أن هذا الحكم الذي صدر من النبي ﷺ على هذا الذي يخرج من
стр. 3480
المسجد بعد الأذان هو الذي تقتضيه عمومات الشريعة؛ لأنه قد ثبت في صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: «كنا نشهد لمن يسمع النداء ولا يخرج إلى الصلاة أنه منافق» ولا فرق بين هذا الذي لم يأت المسجد لصلاة الجماعة فلا عذر له، وبين هذا الذي حضر المسجد ثم سمع النداء وخرج لا ينوي على شيء ما أخرجه أيضاً حاجة ولا هو ينوي الرجوع إلى المسجد لإدراك صلاة الجماعة، وقد عرفتم إن شاء الله أن حكمها بالفرضية، وأن فضيلتها بسبع وعشرين درجة، فالذي يخرج من المسجد معرضًا عن هذا الأجر وعن إطاعة الله ورسوله في تنفيذ مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣].
وحينئذٍ فيرد هنا عادةً سؤال: هل يجوز لأحد أن يخرج من المسجد بعد الأذان ليس له حاجة ملحة، كل ما في الأمر أنه يريد أن يصلي في مسجد آخر، فقد تحدثت آنفاً مع بعض الإخوان ونحن قادمون إلى هذا المكان: بأن الأصل أنه لا يجوز، ولكن أحياناً تأتي عارضة توجب شيئاً من الاستثناء في مثل هذا الحديث، وضربت على ذلك مثلاً: من خرج من مسجد بعد الأذان بغير حاجة لكن يريد أن يصلي في مسجد آخر، فهذا وحده فقط لا يعتبر عذراً، بخلاف ما لو كان حضر في مسجد لحضور درس أو علم يستفيده، وما كاد أن يسمع الأذان إلا خرج إلى مسجد الصلاة فيه أفضل من الصلاة في المسجد الذي حضر الدرس فيه، وضربت على ذلك مثلاً: الخروج من مسجد من المساجد العامة إلى المسجد النبوي، في ذاك المسجد من المساجد العامة حضر درساً استفاده، فلما أذن للصلاة خرج ليكسب فضيلة الصلاة في المسجد النبوي ففي هذه الحالة وما يشابهها ممكن أن يقال بجواز الخروج، ويكون ذلك من الحاجة التي أشار إليها الرسول ﵊.
وقد أضاف إلى الحاجة: أنه ينوي الرجوع إليه، والمقصود بهذه النية أن لا يفوت عليه صلاة الجماعة، فإذا نوى الصلاة في مسجد هو أفضل من الصلاة في المسجد الذي حضر الدرس فيه، فما يشمله هذا الوعيد الشديد وهو وصفه بأنه منافق.
стр. 3481
هذا الذي نراه بالنسبة لهذا الموضوع، والله أعلم.
(رحلة النور: ٢٥ ب/٠٠: ٢١: ٠٢)
حكم حجز المكان في المسجد
السائل: الرجل يصلي الصلاة المفروضة في مسجد ثم يذهب إلى حلقة من حلقات العلم فيحجز مكان في المسجد فيأتي في الفرض الآخر فيصلي في نفس مكانه الأول هل يصح له هذا الفعل أم لا؟
الشيخ الألباني: لا مايجوز، تحصيل الفضيلة يكون بأن يحجز المكان فعلاً ليس أن يحجزه بثوب يضعه هناك ثم ينصرف إلى بعض المطارح الأخرى.
(فتاوى جدة-موقع أهل الحديث والأثر- ٢٠)
حكم تقصُّد الذهاب للمسجد الأبعد لتكثير الخُطا
الشيخ: .. كما يتوهم بعض الناس، وكما جاء في بعض الأحاديث التي لا تصح بأن النبي ﷺ حج ماشياً، لكن الواقع أن النبي ﷺ حج راكباً وعلى ذلك: من لم يتيسر له الحج راكباً أن يحج ماشياً يجب عليه الحج ويكون أجره أكثر من أجر الراكب، ولكن العكس ليس كذلك كما ذكرنا آنفاً، من استطاع أن يحج راكباً ثم تكلف الحج ماشياً حرصاً منه على زيادة الأجر لا زيادة له؛ لأنه متكلف، أما الذي لا يجد مركوباً يركبه فحج على قدميه فحجه والحالة هذه أفضل من حج الراكب؛ لأن الثواب على قدر المشقة كما قال ﵊ للسيدة عائشة رضي الله تعالى عنها في قصة حجها وهي مع النبي ﷺ في حجة الوداع حيث كان قد نوت التمتع بالعمرة إلى الحج، فلما نزل النبي ﷺ قريباً من مكة في مكان يعرف بسرف دخل عليها ووجدها تبكي، قال لها: «ما لك أنفست؟ قالت: نعم يا رسول الله، قال: إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاصنعي ما يصنع الحاج غير ألا تطوفي ولا
стр. 3482
تصلي» فجاءت المناسك كلها ولم تدخل الكعبة المسجد الحرام لتطوف بالكعبة؛ لأن الرسول نهاها، قال: «اصنعي ما يصنع الحآج غير ألا تطوفي ولا تصلي» فأتت بالمناسك كلها وطهرت ثم أتمت المناسك وطافت طواف الإفاظة، ولما أعلن النبي ﷺ الرجوع بأصحابه إلى المدينة دخل عليها وهي في خيمتها فوجدها أيضاً تبكي، قال: «ما لك؟ ! قالت: ما لي يعود الناس بحج وعمرة وأعود بحج دون عمرة، فقال لها ﵊: اذهبي إلى التنعيم، وأمر أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق أن يجلسه خلفه على الناقة وقال لها: إنما أجرك - هنا الشاهد - على قدر نصبك».
هنا الآن بينما كانت ما بينها في المنزل ودخول مكة إلا مسافة قريبة تؤدي طواف القدوم وتتحلل فهذا هو العمرة، لكن حال بينها وبين إتمام العمرة بين يدي الحج الآخر، علمها الرسول ﵇ بما سمعتم أن أمرها أن تخرج إلى التنعيم، وقال لها في هذه الحالة: «إنما أجرك على قدر نصبك» فإذا فرض على الإنسان قدراً لا يملك التصرف فيه مشقة ما فيؤجر على ذلك، أما أن يتكلف الإنسان المشقة بحجة أن الثواب على قدر المشقة فهذا خطأ في فهم الشريعة؛ لذلك من كان بجوار مسجد فلا يتقصد الذهاب إلى المسجد البعيد بحجة أن الخطا أكثر والأجر أكبر، صحيح إذا كان المسجد بعيداً عنه، أما إذا كان المسجد قريباً فلا ينبغي له أن يتكلف ذلك التكلف.
كثير من الناس لا يفرقون بين هذا وهذا التفريق هو الفقه، بمثل ما جاء في صحيح مسلم أن بعض الأنصار كانوا في منازل بعيدة عن المسجد النبوي فأرادوا الاقتراب من المسجد ليكونوا قريبين منه، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ قال لهم: «دياركم تكتب آثاركم» دياركم، أي: الزموا دياركم، تكتب آثاركم، كما جاء في بعض الأحاديث الصحيحة أن في كل خطوة كتب حسنة ورفع درجة ومحو سيئة، لكن هذا ... مقيد بعدم التكلف، فمن كان بعيداً عن المسجد فجزاؤه هذا الأجر الكبير، أما من كان قريباً من المسجد فلا يجوز له أن يتكلف، هذا هو العدل في هذه المسألة.
стр. 3483
مداخلة: قد يخطر سؤال على بعضهم: إذا تتبع المساجد بحجة صوت الإمام أو حسن صوت الإمام.
الشيخ: إذا كان صوت الإمام تقريباً مخالفاً للشريعة فهذا عذر أقبح من ذنب، أما إذا كان يقصد إماماً في مسجد بعيد عنه يتقن الصلاة ويحسنها ويحافظ على سننها وآدابها، وقد يلقي موعظة يستفيدها الناس بعد تمام الصلاة فهذا لا يكون قصد المسجد من أجل كثرة الخطا وإنما لتحصيل العلم، وقد قال ﵊: «من سلك طريقاً يلتمس به علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة» هذه الملاحظة السابقة وهي حول تكلف الخطا من أجل كسب الثواب بهذه الخطا؛ لأن المسجد بعيد، هذا هو الذي يقصد بالنهي عن تتبع المساجد.
(رحلة النور: ٢٥ أ/٠٠: ٠٠: ٠٠)
стр. 3484
مباحات المساجد
стр. 3485
من مباحات المساجد المرور فيه أحيانا لحاجة
ذكر الإمام من مباحات المساجد: «المرور فيه أحيانا لحاجة لقوله ﵊: «من مر في شيء من مساجدانا أو أسواقنا «وفي لفظ: إذا مر أحدكم في مسجدنا أو في سوقنا. وفي لفظ: بسوق أو مجلس أو مسجد» ومعه نبل فليمسك على نصالها. أو قال: «فليقبض على نصالها ثلاثا» أن يصيب أحدا من المسلمين [بشيء]. «وفي لفظ: لا يعقر بها أحدا».
الحديث أخرجه البخاري ومسلم.
والحديث دليل على جواز المرور في المسجد حتى ولو كان حاملا للسلاح وقد ترجم له البخاري بما ذكرنا فقال:
«باب المرور في المسجد». قال الحافظ: «أي: جوازه وهو مستنبط من حديث الباب من جهة الأولوية».
قلت: لكن ينبغي أن يحمل على الحاجة والندرة بحيث لا يؤدي إلى استطراق المسجد المنهي عنه كما سبق. والله أعلم.
[الثمر المستطاب (٢/ ٧٢٦)].
من مباحات المساجد إتيانه من النساء بشروط
ذكر الإمام من مباحات المساجد:
إتيانه من النساء بشرطين:
الأول: أن يخرجن غير متطيبات ولا متبرجات بزينة لقوله ﵊:
«إذا شهدت إحداكن المسجد «وفي لفظ: «العشاء» فلا تمس طيبا».
الحديث من رواية زينب الثقفية امرأة عبد الله بن مسعود ﵁.
стр. 3486
أخرجه مسلم.
والثاني: أن يستأذن أزواجهن وعليهم الإذن لقوله ﷺ : «لا تمنعوا نساءكم المساجد [بالليل] إذا استأذنكم إليها [ولكن ليخرجن تفلات] [وبيوتهن خير لهن]». [صحيح].
وفي الحديث دليل على جواز حضور النساء المساجد للصلاة بالشروط المذكورة ومع ذلك فصلاتهن في بيوتهن خير لهن كما قال ﵊ في الزيادة الأخيرة وفي معناها أحاديث أخرى لعلها تأتي إن شاء الله تعالى في «صلاة الجماعة».
وفي «الفتح»: «قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث عام في النساء إلا أن الفقهاء خصوه بشروط: منها أن لا تتطيب وهو في بعض الروايات: «وليخرجن تفلات». قلت: هو بفتح المثناة وكسر الفاء أي: غير متطيبات ويقال: امرأة تفلة إذا كانت متغيرة الريح. قال: ويلحق بالطيب ما في معناه لأن سبب المنع منه ما فيه من تحريك داعية الشهوة كحسن الملبس والحلي الذي يظهر والزينة الفاخرة وكذا الاختلاط بالرجال. وفرق كثير من الفقهاء المالكية وغيرهم بين الشابة وغيرها، وفيه نظر، لأنها إذا عريت مما ذكر وكانت مستترة حصل الأمن عليها ولا سيما إذا كان ذلك بالليل، وقد ورد في بعض طرق الحديث وغيره ما يدل على أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد».
قلت: فذكر الزيادة الأخيرة وما في معناها مما أشرنا إليه ثم قال:
«ووجه كون صلاتها في الإخفاء أفضل تحقق الأمن فيه من الفتنة، ويتأكد ذلك بعد وجود ما أحدث النساء من التبرج والزينة ومن ثم قالت عائشة ما قالت، وتمسك بعضهم بقول عائشة في منع النساء مطلقا، وفيه نظر، إذ لا يترتب على ذلك تغير الحكم لأنها علقت على شرط لم يوجد بناء على ظن ظنته فقالت: لو رأى لمنع. فيقال عليه: لم ير ولم يمنع. فاستمر الحكم حتى إن عائشة لم تصرح بالمنع وإن كان كلامها يشعر بأنها كانت ترى المنع، وأيضا فقد علم الله سبحانه ما سيحدثن فما
стр. 3487
أوحى إلى نبيه بمنعهن ولو كان ما أحدثن يستلزم منعهن من المساجد لكان منعهن من غيرها كالأسواق أولى، وأيضا فالإحداث إنما وقع من بعض النساء لا من جميعهن فإن تعين المنع فليكن لمن أحدثن والأولى أن ينظر إلى ما يخشى منه الفساد فيجتنب لإشارته ﷺ إلى ذلك بمنع التطيب والزينة وكذلك التقييد بالليل كما سبق».
قلت: وهذا التقييد يدل على أن الإذن إنما يؤمر به الرجال الأزواج إذا كان طلب الخروج منهن إلى المسجد ليلا وأما إن كان نهارا فلا يؤمرون به فإن شاؤوا أذنوا وإن شاؤا منعوا. قال الحافظ في «شرح التقريب»:
«قال ابن بطال: وفي هذه الرواية دليل على أن النهار بخلاف ذلك لنصه على الليل قال: وهذا الحديث يقضي على المطلق ألا ترى إلى قول عائشة: ما يعرفهن أحد من الغلس».
«وشرط ثالث: وهو أن ينصرفن إلى بيوتهن فور سلامهن مع الإمام الذي يمكث في مكانه ومن وراءه من الرجال حتى يخرجن منه ف «إن النساء في عهد رسول الله ﷺ كن إذا سلمن من المكتوبة قمن وثبت رسول الله ﷺ ومن صلى من الرجال ما شاء الله [وكانوا يرون أن ذلك كيما ينفذ النساء قبل [أن يدركهن] الرجال] [فيدخلن بيوتهن من قبل أن ينصرف رسول الله ﷺ ] فإذا قام رسول الله ﷺ قام الرجال».
الحديث من رواية أم سلمة.
أخرجه البخاري.
«وفي الحديث مراعاة الإمام أحوال المأمومين، والاحتياط في اجتناب ما قد يفضي إلى المحذور، وفيه اجتناب مواضع التهم، وكراهة مخالطة الرجال للنساء في الطرقات فضلا عن البيوت، ومقتضى التعليل المذكور أن المأمومين إذا كانوا رجالا فقط أن لا يستحب هذا المكث، وعليه حمل ابن قادمة حديث عائشة أنه ﷺ كان إذا
стр. 3488
سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام. أخرجه مسلم وفيه أن النساء كن يحضرن الجماعة في المسجد».
[الثمر المستطاب (٢/ ٧٢٨)].
من مباحات المساجد دخول الحائض والجنب لا سيما لحاجة
ذكر الإمام من مباحات المساجد:
دخول الحائض لا سيما لحاجة لحديث عائشة ﵁ قالت: قال لي رسول الله:
«ناوليني الخمرة من المسجد» فقلت: إني حائض فقال:
«إن حيضتك ليست في يدك» [فناولتها إياه]».
الحديث أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه والدارمي والطيالسي وأحمد من طريق الأعمش عن ثابت بن عبيد عن القاسم بن محمد عنها. والزيادة للطيالسي وليس عنده: «من المسجد»
وقد تابعه عبد الملك بن حميد بن أبي غنية عن ثابت بن عبيد به.
أخرجه أحمد.
وهذه متابعة قوية عبد الملك هذا ثقة احتج به الستة. وقد أخرجه مسلم عنه وعن حجاج معا عن ثابت، وله طريق أخرى:
أخرجه ابن ماجه عن أبي الأحوص والطيالسي عن سلام كلاهما عن أبي إسحاق عن عبد الله البهي عنها به.
стр. 3489
وهذا إسناد صحيح.
وخالفهما إسرائيل فقال: عن أبي إسحاق عن البهي عن عبد الله بن عمر عنها.
أخرجه أحمد.
وكذلك رواه شريك عن أبي إسحاق.
رواه أحمد أيضا.
وخالفهم جميعا زهير فقال: عن أبي إسحاق عن البهي عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال لعائشة. . . الحديث.
أخرجه أحمد.
فجعله من مسند ابن عمر لا من روايته عن عائشة وأغلب الظن أن هذا الاختلاف إنما هو من أبي إسحاق نفسه لا من الرواة عنهم فإنه كان قد اختلط في آخر عمره.
ويترجح عندي أن الصواب رواية من قال عنه عن البهي عنها. فقد تابعه إسماعيل السدي أخرجه الدارمي وأحمد والعباس بن ذريح عند أحمد كلاهما عن البهي عنها به.
وفي رواية السدي: أنه ﵊ كان في المسجد حين قال ذلك. لكن السدي هذا - وهو الكبير إسماعيل بن عبد الرحمن - وإن كان ثقة ففيه كلام وفي «التقريب»:
«صدوق يهم».
стр. 3490
فمثله إذا تفرد بزيادة دون جميع الرواة لا تطمئن النفس لثبوتها. أقول هذا وإن كانت هذه الزيادة قد صحت عن صحابي آخر وهو أبو هريرة كما يأتي إلا أنه يحتمل أن تكون هذه قصة أخرى بل هذا هو الأقرب إلى ظاهر الرواية ولفظها:
عن أبي هريرة قال:
بينما رسول الله ﷺ في المسجد فقال:
«يا عائشة ناوليني الثوب» فقالت: إني حائض فقال:
«إن حيضتك ليست في يدك». فناولته
أخرجه مسلم والنسائي وأحمد عن يحيى بن سعيد عن يزيد ابن كيسان عن أبي حازم عنه.
ويدلك أن الواقعة متعددة أن المطلوب في هذه هو: «الثوب» وفي تلك: «الخمرة» - وهي حصير أو نسيج خوص ونحوه من النباتات كما سبق - والقول بأنها واقعة واحدة يحتاج إلى كثير من التكلف كما بينه السندي في حاشيته على مسلم:
أولا أن المطلوب في الأصل هو الخمرة والثوب معا لكن بعض الرواة اقتصر على ذكر أحدهما أو نسي. وهذا فيه توهيم الراوي ونسبته إلى القصور بدون أي دليل ولا يخفى ما فيه.
ثانيا: أن قوله: «من المسجد» ليس من صلب الحديث ولا من كلامه ﵊ وإنما هو من قول عائشة فهو متعلق بقولها: قال. أفاده النووي في «شرح مسلم» نقلا عن القاضي. فأصل الحديث عندهم هكذا: قال لي رسول الله ﷺ من المسجد: «ناوليني الخمرة» وهذا خلاف ظاهر الحديث ويبعد جدا أن يكون أصل الحديث ما ذكروا ثم يتفق جميع الرواة على روايته بصورة لا يتبادر إلى الذهن إلا أن قوله: «من المسجد» هو من قوله ﵊ وأنه متعلق
стр. 3491
بقوله: «من المسجد» هو من قوله ﵊ وأنه متعلق «ناوليني» يؤيد ما ذكرنا أن أصحاب السنن الأربعة إلا النسائي ترجموا للحديث بما يدل عليه ظاهره فقالوا:
«باب الحائض تتناول الشيء من المسجد». وقال الترمذي:
«حديث عائشة حسن صحيح وهو قول عامة أهل العلم لا نعلم بينهم اختلافا في ذلك: بأن لا بأس أن تتناول الحائض شيئا من المسجد». وقال الخطاب في «المعالم»:
«وفي الحديث من الفقه أن للحائض أن تتناول الشيء بيدها من المسجد، وأن من حلف لا يدخل دارا أو مسجدا فإنه لا يحنث بإدخال يده أو بعض جسده فيه ما لم يدخله جميع بدنه».
وكلامه هذا يشير إلى أنه فهم من الحديث أن عائشة إنما أدخلت يدها فقط إلى المسجد ولذلك استنبط منه ما ذكر من الحلف، وهو فهم خفي وتقييد للحديث بما ليس فيه مما يدل عليه، ولعل الخطابي ممن يرون أن ليس للحائض الدخول إلى المسجد لدليل قام عنده بذلك فقيد الحديث به. وهذا كان سائغا لو أن الدليل صح بذلك ولكنه لم يصح كما سيأتي فينبغي إبقاء الحديث على إطلاقه.
وقد جاء ما يؤيد الإطلاق والعموم فقال الإمام: ثنا سفيان عن منبوذ عن أمه قالت:
كنت عند ميمونة فأتاها ابن عباس فقالت: يا بني ما لك شعثا رأسك؟ قال: أم عمار مرجلتي حائض. قالت: أي بني وأين الحيضة من اليد؟ كان رسول الله ﷺ يدخل على أحدانا وهي حائض فيضع رأسه في حجرها فيقرأ القرآن وهي حائض ثم تقوم إحدنا بخمرتها فتضعها في المسجد. أي بنى وأين الحيضة من اليد؟
وأخرجه النسائي عن محمد بن منصور عن سفيان به مختصرا بلفظ:
«فتبسطها وهي حائض». قال الشوكاني:
«ومحمد بن منصور ثقة ومنبوذ وثقه ابن معين وقد أخرجه بنحو هذا اللفظ عنها عبد الرزاق وابن أبي شيبة والضياء في «المختارة».
стр. 3492
وللحديث شواهد.
قلت: لكن أم منبوذ قال في «التقريب»:
«مقبولة».
وكذلك قال في ابنها أنه:
«مقبول».
فالإسناد حسن في الشواهد.
ثم قال الشوكاني:
«فهو حجة لمن قال بجواز دخول الحائض المسجد للحاجة ومؤيد لتعليق الجار والمجرور في الحديث الأول بقوله: «ناوليني» لأن دخولها المسجد لوضع الخمرة فيه لا فرق بينه وبين دخولها لإخراجها». [ثم ساق الإمام بعض شواهده ثم قال]:
وأما الحديث الذي أخرجه أبو داود من طريق الأفلت بن خليفة قال: حدثتني جسرة بنت دجاجة قالت: سمعت عائشة ﵁ تقول:
جاء رسول الله ﷺ ووجوه بيوت أصحابه شارعة في المسجد فقال: «وجهوا هذه البيوت عن المسجد» ثم دخل النبي ﷺ ولم يصنع القوم شيئا رجاء أن ينزل فيهم رخصة فخرج إليهم بعد فقال:
«وجهوا هذه البيوت عن المسجد فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب».
فهو حديث مختلف فيه ولا يصح. [ثم بين الإمام ضعفه ثم قال]:
فتبين مما تقدم أنه لا يثبت أي حديث في تحريم دخول الحائض وكذا الجنب إلى المسجد، والأصل الجواز، فلا ينقل عنه إلا بناقل صحيح تقوم به الحجة لا سيما وقد صح ما يؤيد هذا الأصل وهو قوله ﵊ المذكور في الاصل: «ناوليني الخمرة من المسجد» وغيره مما يأتي:
стр. 3493
قال ابن حزم: «وجائز للحائض والنفساء أن يتزوجا وأن يدخلا المسجد وكذلك الجنب لأنه لم يأتي نهي عن شيء من ذلك وقد قال ﷺ : «المؤمن لا ينجس» وقد كان أهل الصفة يبيتون في المسجد بحضرة رسول الله ﷺ وهم جماعة كثيرة ولا شك في أن فيهم من يحتلم فما نهوا قط عن ذلك.
وقال قوم: لا يدخل المسجد الجنب والحائض إلا مجتازين. هذا قول الشافعي وذكروا قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء / ٤٣] فادعوا أن زيد بن أسلم أو غيره قال: معناه: لا تقربوا مواضع الصلاة.
قال ابن حزم: ولا حجة في قول زيد ولو صح أنه قاله لكان خطأ منه لأنه لا يجوز أن يظن أن الله تعالى أراد أن يقول: لا تقربوا مواضع الصلاة. فيلبس علينا قوله فيقول: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ وروي أن الآية في الصلاة نفسها عن علي بن أبي طالب وابن عباس وجماعة.
وقال مالك: لا يمر فيه أصلا.
وقال أبو حنيفة وسفيان: لا يمرا فيه فإن اضطرا إلى ذلك تيمما ثم مرا فيه واحتج من منع ذلك بحديث ... ».
قلت: فساق حديث عائشة وأم سلمة والمطلب بن عبد الله المتقدم آنفا وقال:
«وهذا كله باطل».
ثم بين عللها بنحو ما سبق ثم ما روى من طريق البخاري بسنده عن عائشة أم المؤمنين:
أن وليدة سوداء كانت لحي من العرب فأعتقوها فجاءت إلى رسول الله ﷺ فأسلمت فكان لها خباء في المسجد أو حفش. قال ابن حزم: «فهذه امرأة ساكنة في مسجد النبي ﷺ والمعهود من النساء الحيض فما منعها ﵊ من ذلك ولا نهى عنه وكل ما لم ينه ﵊ عنه فمباح». قال:
стр. 3494
«ولو كان دخول المسجد لا يجوز للحائض لأخبر بذلك ﵊ عائشة إذ حاضت فلم ينهها إلا عن الطواف بالبيت فقط، ومن الباطل المتيقن أن يكون لا يحل لها دخول المسجد فلا ينهاها ﵊ عن ذلك ويقتصر على منعها من الطواف. وهذا قول المزني وداود وغيرهما».
وفي «تفسير القرطبي»:
«ورخصت طائفة في دخول الجنب المسجد واحتج بعضهم بقول النبي ﷺ : «المؤمن ليس بنجس» قال ابن المنذر: وبه نقول».
قلت: وتوسط بعضهم فقال بجواز الدخول إذا توضأ ففي «تفسير العماد ابن كثير»:
«وذهب الإمام أحمد إلى أنه متى توضأ الجنب جاز له المكث في المسجد لما روى هو وسعيد بن منصور في «سننه» بسند صحيح: أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك. قال سعيد بن منصور: ثنا عبد العزيز بن محمد - هو الدراوردي - عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار قال: رأيت رجالا من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤوا وضوء الصلاة. وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم. والله أعلم».
قلت: ورواه الدارمي من حديث جابر بلفظ:
«كنا نمشي في المسجد ونحن جنب لا نرى بذلك بأسا».
أخرجه من طريق ابن أبي ليلى عن أبي الزبير عنه.
ورجاله ثقات. لكن ابن أبي ليلى سيء الحفظ.
وأبو الزبير مدلس وقد عنعنه.
وقد رواه عنه هشيم أيضا بنحوه.
أخرجه البيهقي.
ولعل الوضوء مستحب لعمل الصحابة. والله أعلم.
стр. 3495
وبالجملة فلا دليل على تحريم دخول الحائض وكذا الجنب المسجد والأصل الجواز وقد اقترن به ما يؤيده كما سبق. والله تعالى ولي التوفيق.
[الثمر المستطاب (٢/ ٧٣٨)].
من مباحات المساجد الدخول بالسلاح غير مسلول
ذكر الإمام من مباحات المساجد:
«الدخول بالسلاح غير مسلول فـ «إنه ﵊ أمر رجلا كان يتصدق بالنبل في المسجد أن لا يمر إلا وهو أخذ بنصولها [كي لا يخدش مسلما]». [صحيح].
قال الحافظ:
«وفي الحديث إشارة إلى تعظيم قليل الدم وكثيره وتأكيد حرمة المسلم وجواز إدخال المسجد السلاح».
ونحوه في «العمدة».
[الثمر المستطاب (٢/ ٧٥٥)].
من مباحات المساجد إدخال الصبيان فيه
ذكر الإمام من مباحات المساجد:
«إدخال الصبيان وفيه أحاديث:
«أ» قال أبو قتادة الأنصاري ﵁:
بينا نحن في المسجد جلوس [إذ] خرج علينا رسول الله ﷺ يحمل أمامة بنت أبي العاص بن الربيع - وأمها زينب بنت رسول الله ﷺ وهي صبية يحملها [على
стр. 3496
عاتقه] فصلى رسول الله ﷺ وهي على عاتقه يضعها إذا ركع ويعيدها [على عاتقه] إذا قام [فصلى رسول الله ﷺ وهي على عاتقه] حتى قضى صلاته يفعل ذلك بها» وقد مضى مختصرا في «طهارة الثوب» المسألة الرابعة». [صحيح].
والحديث ترجم له النسائي بما ترجمنا له فقال:
«إدخال الصبيان المساجد».
وقد أشار إلى ذلك الحافظ في «الفتح» فقال:
«واستدل به على جواز إدخال الصبيان المساجد». وقال بدر الدين العيني في «العمدة»:
«ومن فوائد هذا الحديث جواز إدخال الصغار المساجد».
«ب»: قال أبو بكرة الثقفي:
كان ﵊ يصلي [بالناس] فإذا سجد وثب الحسن على ظهره وعلى عنقه فيرفع رسول الله ﷺ رفعا رفيقا لئلا يصرع، فعل ذلك غير مرة، فلما قضى صلاته [ضمه إليه وقبله ف] قالوا: يا رسول الله رأيناك صنعت بالحسن شيئا ما رأيناك صنعته [بأحد]؟ قال: إنه ريحانتي من الدنيا وإن ابني هذا سيد، وعسى الله ﵎ أن يصلح به بين فئتين [عظيمتين] من المسلمين». [صحيح].
وللحسن ﵁ قصتان أخريان إحداهما في ركوبه على ظهره ﵊ وهو ساجد وإطالته السجود من أجله وقوله لما سئل عن ذلك: «إن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته» ولعلها تأتي في «السجود» إن شاء الله تعالى.
والأخرى في نزوله ﵊ من المنبر حين رأى الحسن وأخاه الحسين يعثران في قميصهما. وعسى أن تأتي في الخطبة يوم الجمعة.
«ج» قال أنس:
стр. 3497
«كان رسول الله ﷺ يسمع بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة فيقرأ بالسورة الخفيفة أو بالسورة القصيرة».
أخرجه مسلم.
قال الحافظ:
«واستدل بهذا الحديث «يعني: حديث أبي قتادة» على جواز إدخال الصبيان المساجد، وفيه نظر لاحتمال أن يكون الصبي كان مخلفا في بيت يقرب من المسجد بحيث يسمع بكاؤه».
قلت: هذا الاحتمال بعيد لا سيما وفي حديث أنس الأول: «يسمع بكاء الصبي مع أمه» فإن ظاهره - بل هو نص على - أن الصبي كان يكون مع أمه في المسجد. فبطل الاحتمال المذكور.
وفي هذه الأحاديث جواز إدخال الصبيان المساجد ولو كانوا صغارا يتعثرون في سيرهم حتى ولو كان من المحتمل الصياح لأن النبي ﷺ أقر ذلك ولم ينكره بل شرع للأئمة تخفيف القراءة لصياح صبي خشية أن يشق على أهله.
ولعل من الحكمة في ذلك تعويدهم على الطاعة وحضور الجماعة منذ نعومة أظفارهم فإن لتلك المشاهد التي يرونها في المساجد وما يسمعونه - من الذكر وقراءة القرآن والتكبير والتحميد والتسبيح - أثرا قويا في نفوسهم - من حيث لا يشعرون - لا يزول أو من الصعب أن يزول حين بلوغهم الرشد ودخولهم معترك الحياة وزخارفها، ومن هذا القبيل الأذان في أذن المولود قال المحقق ابن القيم في «تحفة المولود»:
«وسر التأذين - والله أعلم - أن يكون أول ما يقرع سمع الإنسان كلماته المنتظمة لكبرياء الرب وعظمته والشهادة التي أول ما يدخل بها في الإسلام.
فكان ذلك كالتلقين له بشعائر الإسلام عند دخوله إلى الدنيا كما يلقن كلمة التوحيد عند خروجه منها وغير مستنكر وصول أثر التأذين إلى قلبه وتأثره به وإن لم
стр. 3498
يشعر ... إلخ».
ولعل علم النفس الحديث يؤيد تأثر الطفل الصغير ولو في المهد بما يسمع ويرى. ويخيل إلي أنني كنت قرأت بحثا مفيدا حول هذا الموضوع لبعض الكتاب ولكني الآن لا استذكر من هو ولا في أي كتاب هو.
وأما كبار الأطفال فتأثرهم بذلك واضح مسلم غير أنه إذا وجد فيهم من يلعب في المساجد ويركض فعلى آبائهم وأولياء أمرهم تأديبهم وتربيتهم أو على القيم والخادم أن يطردهم وعلى هذا عمل ما ذكره الحافظ ابن كثير:
«وقد كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا رأى صبيانا يلعبون في المسجد ضربهم بالمخففة - وهي الدرة - وكان يفتش المسجد بعد العشاء فلا يترك فيها أحدا».
وأما حديث: «جنبوا مساجدكم صبيانكم» فهو ضعيف عند ابن حجر وابن كثير وغيرهما فلا يقاوم الأحاديث المتقدمة وقد سبق تخريجه في الكلام عليه تحت الفقرة ألأولى من «آداب المساجد».
[الثمر المستطاب (٢/ ٧٥٦)].
من مباحات المساجد إدخال الميت للصلاة عليه
ذكر الإمام من مباحات المساجد:
«إدخال الميت للصلاة عليه لأن النبي ﷺ «[ما] صلى على سهيل ابن بيضاء «وفي لفظ: ابني بيضاء: سهيل وأخيه» [إلا] في [جوف] المسجد»]. [صحيح].
وقال الحافظ في «التلخيص»:
«وقد ثبت أن عمر صلى على أبي بكر في المسجد وصهيبا صلى على عمر في المسجد وهو في «الموطأ» وغيره».
قلت: فليس في «الموطأ» إلا الصلاة على عمر وقد أورده الشوكاني في «النيل»
стр. 3499
بلفظ «التلخيص» وقال:
«رواه ابن أبي شيبة» ثم قال الشوكاني:
«والحديث يدل على جواز إدخال الميت إلى المسجد والصلاة عليه فيه، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق والجمهور، قال ابن عبد البر: ورواه المدنيون في رواية عن مالك وبه قال ابن حبيب المالكي وكرهه ابن أبي ذئب وأبو حنيفة ومالك في المشهور عنه والهادوية وكل من قال بنجاسة، الميت وأجابوا عن حديث الباب بأنه محمول على أن الصلاة على ابني بيضاء وهما كانا خارج المسجد والمصلون داخله وذلك جائز بالاتفاق، ورد بأن عائشة استدلت بذلك لما أنكروا عليها أمرها بإدخال الجنازة المسجد، وأجابوا أيضا بأن الأمر استقر على ترك ذلك لأن الذين أنكروا على عائشة كانوا من الصحابة. ورد بأن عائشة لما أنكرت ذلك الإنكار سلموا لها فدل على أنها حفظت ما نسوه وأن الأمر استقر على الجواز. ويدل على ذلك الصلاة على أبي بكر وعمر في المسجد كما تقدم. وأيضا العلة التي لأجلها كرهوا الصلاة على الميت في المسجد هي زعمهم أنه نجس وهي باطلة لما تقدم أن المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا. وأنهض ما استدلوا به على الكراهة ما أخرجه أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له». وأخرجه ابن ماجه ولفظه: « ... فليس له شيء». وفي إسناده صالح مولى التوأمة وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة قال النووي: وأجابوا عنه - يعني الجمهور - بأجوبة:
أحدها: أنه ضعيف لا يصح الاحتجاج به قال أحمد: هذا حديث ضعيف تفرد به صالح مولى التوأمة وهو ضعيف.
والثاني: أن الذي في النسخ المشهورة المحققة المسموعة من «سنن أبي داود»: «من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء عليه» فلا حجة لهم حينئذ.
والثالث: أنه لو ثبت الحديث وثبت أنه: «لا شيء له» لوجب تأويله بأن «له» بمعنى: عليه ليجمع بين الروايتين قال: وقد جاء بمعنى عليه كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ
стр. 3500
أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء / ٧]
الرابع: أنه محمول على نقص الأجر في حق من صلى في المسجد ورجع ولم يشيعها إلى المقبرة لما فاته من تشييعه إلى المقبرة وحضور دفنه. انتهى».
قلت: والراجح عندي في حديث أبي هريرة من حيث النقل رواية من قال: «فليس له شيء» أو «فلا شيء له» لأنه كذلك عند جميع من أخرج الحديث ممن وقفنا عليه حاشا أبا داود فإنه أخرجه من طريق يحيى ابن سعيد عن ابن أبي ذئب: ثني صالح مولى التوأمة عنه بلفظ:
«فلا شيء عليه».
وخالفه وكيع عند ابن ماجه وأحمد وحجاج ويزيد بن هارون عند أحمد وأسد ومعن بن عيسى عند الطحاوي كلهم عن ابن أبي ئب بلفظ:
«فلا شيء له». إلا الأول منهم فقال:
«فليس له شيء».
والمعنى واحد.
ولا يطمئن قلبي لشيء من الأجوبة التي ذكرها النووي إلا الجواب الأول وهو أن الحديث ضعيف فلا حجة فيه. غير أن ما حكاه النووي من تضعيفه لا يكفي في الإقناع به فقد قال النووي نفسه في «شرح المهذب»:
«إنه ضعيف باتفاق الحفاظ وممن نص على ضعفه الإمام أحمد بن حنبل وابو بكر بن المنذر والبيهقي وآخرون وقال أحمد: هذا الحديث مما انفرد به صالح مولى التوأمة. وهو مختلف في عدالته لكن معظم ما عابوا عليه الاختلاط قالوا: وسماع ابن أبي ذئب ونحوه منه قبل الاختلاط وهذا الحديث من رواية ابن أبي ذئب عنه».
قلت: وفي «التقريب»:
«صدوق اختلط بآخره قال ابن عدي: لا بأس برواية القدماء عنه كابن أبي
стр. 3501
ذئب وابن جريج».
قلت: فإذا كان ابن أبي ذئب روى عنه قبل الاختلاط وهذا الحديث من روايته عنه فكيف إذن يكون حديثه هذا ضعيفا. ولذلك قال ابن القيم ﵀ في «الزاد» بعد أن نقل أقوال الأئمة فيه التي تدور حول ما أفاده ابن عدي:
«وهذا الحديث حسن فإنه من رواية ابن أبي ذئب عنه وسماعه منه قديم قبل اختلاطه فلا يكون اختلاطه موجبا لرد ما حدث به قبل الاختلاط».
قلت: وهذا هو الحق لو أن ابن أبي ذئب لم يسمع منه بعد ذلك وليس كذلك فقد «قال الترمذي عن البخاري عن أحمد ن حنبل قال: سمع ابن أبي ذئب من صالح أخيرا وروى عنه منكرا». حكاه ابن القطان عن الترمذي هكذا.
قلت: وفي هذا بيان لسبب تضعيف أحمد للحديث وهو أنه روى ابن أبي ذئب عنه بعد الاختلاط أيضا ولعله عمدة ابن حبان في قوله في «كتاب الضعفاء»:
«اختلط بآخره ولم يتميز حديث حديثه من قديمه فاستحق الترك». ثم ذكر له هذا الحديث وقال:
«إنه باطل وكيف يقول رسول الله ﷺ وقد صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد».
فتبين بهذا علة الحديث وأنه ضعيف فلا يقاوم حديث عائشة الصحيح.
فالحق أن إدخال الجنازة إلى المسجد والصلاة فيه جائز بدون كراهة لكن لم يكن ذلك من عادته ﵊ بل الغالب عليه الصلاة عليها خارج المسجد فهو أولى كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في «الجنائز».
[الثمر المستطاب (٢/ ٧٦٢)].
стр. 3502
من مباحات المساجد إدخال المشرك لحاجة إلا المسجد الحرام فيستثنى من هذا الحكم
ذكر الإمام من مباحات المساجد: «إدخال المشرك لحاجة» وفيه أحاديث:
«أ» قال أبو هريرة:
بعث رسول الله ﷺ خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال [سيد أهل اليمامة] فربطوه بسارية من سواري المسجد فخرج إليه رسول الله ﷺ فقال [له]: «ماذا عندك يا ثمامة؟ » فقال: عندي يا محمد خير: إن تقتل تقتل ذا دم وإن تنعم تنعم على شاكر وإن كنت تريد المال فسل [تعط] منه ما شئت. فتركه رسول الله ﷺ حتى كان الغد فقال: «ما عندك يا ثمامة؟ » قال: ما قلت لك: إن تنعم تنعم على شاكر وإن تقتل تقتل ذا دم وإن كنت تريد المال فسل [تعط] منه ما شئت. فتركه [رسول الله] حتى كان من «وفي لفظ: «بعد».
الغد فقال: «ما عندك يا ثمامة؟ » فقال: عندي ما قلت لك [إن تنعم تنعم على شاكر وإن تقتل تقتل ذا دم وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت] فقال [رسول الله ﷺ ]: «أطلقوا ثمامة». فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله «وفي لفظ يارسول الله» يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه [كلها] إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحب الدين [كله] إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد [كلها] إلي، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشره رسول الله ﷺ وأمره أن يعتمر فلما قدم مكة قال له قائل: أصبوت؟ فقال: لا ولكني أسلمت مع رسول الله ﷺ ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ ».
стр. 3503
الحديث أخرجه البخاري ومسلم - والسياق له -.
«ب» قال جبير بن مطعم:
أتيت المدينة في فداء بدر «وفي رواية: فداء المشركين» قال: وهو يومئذ مشرك قال: فدخلت المسجد ورسول الله ﷺ يصلي صلاة المغرب فقرأ فيها بـ ﴿وَالطُّور﴾ فلما بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُون * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُون* أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُون * أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِين﴾ [الطور / ٣٨] [كاد قلبي أن يطير] «وفي الرواية الأولى: فكأنما صدع قلبي لقراءة القرآن». [صحيح].
- «والمساجد كلها في ذلك سواء إلا المسجد الحرام فإنه لا يجوز تمكينهم من قربانه لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة / ٢٨]».
والآية دليل على تحريم دخول الكفار والمشركين إلى المسجد الحرام وهذا اللفظ يدل على جميع الحرم وهو مذهب عطاء بن أبي رباح قال: «الحرم كله قبلة ومسجد فينبغي أن يمنعوا من دخول الحرم لقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وإنما رفع من بيت أم هانئ».
ذكره القرطبي ثم قال:
«فإذا يحرم تمكين المشرك من دخول الحرم أجمع فإذا جاءنا رسول منهم خرج الإمام إلى الحل ليسمع ما يقول».
قلت: وتخصيص المسجد الحرام بالذكر في الآية الكريمة يدل على أن غيره من المساجد ليس في حكمه فيجوز دخول المشركين إليها ويؤيد ذلك الأحاديث المتقدمة. وإلى هذا ذهب ابن حزم في «المحلى» فقال:
«ودخول المشركين في جميع المساجد جائز حاشا حرم مكة كله المسجد وغيره فلا يحل البتة أن يدخله كافر. وهو قول الشافعي وأبي سليمان وقال أبو حنيفة: لا
стр. 3504
بأس أن يدخله اليهودي والنصراني ومنع منه سائر الأديان.
وكره مالك دخول أحد من الكفار في شيء من المساجد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ... ﴾ الآية قال ابن حزم: فخص الله المسجد الحرام فلا يجوز تعتديه إلى غيره بغير نص».
قلت: واحتج أتباع مالك لمذهبه بالتعليل المذكور في الآية فأجروه في سائر المساجد فقال القرطبي:
«قال الشافعي ﵀: الآية عامة في سائر المشركين خاصة في المسجد الحرام ولا يمنعون من دخول غيره فأباح دخول اليهود والنصارى في سائر المساجد». قال ابن العربي:
«وهذا جمود منه على الظاهر لأن قوله : ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة / ٢٨] تنبيه على العلة بالشرك والنجاسة». قال صديق خان في «نيل المرام»:
«ويجاب عنه بأن هذا القياس مردود بربطه ﷺ لثمامة بن أثال في مسجده وإنزال وفد ثقيف فيه».
قلت: أما ربط ثمامة فقد أجاب عنه ابن العربي نفسه بأنه كان قبل نزول الآية وبمثل هذا أجاب عنه ابن العربي نفسه كان قبل نزول الآية وبمثل هذا أجاب عن دخول أبي سفيان المسجد كما سبق.
وأما نزول وفد ثقيف فيه فلو صح إسناده لكان حجة عليهم لا جواب لهم عنه لأنه كان بعد نزول الآية كما سبق ذكره عن أبي بكر الجصاص.
قلت: وقد اختلف النقل عن أبي حنيفة في هذه المسألة فابن حزم نقل عنه - كما سبق - جواز دخول اليهودي والنصراني فقط إلى المسجد الحرام وغيره من المساجد وهو موافق لما حكاه الجصاص في «الأحكام» والعيني في «العمدة» عن أبي حنيفة. قال العيني:
«واحتج بما رواه أحمد في «مسنده» بسند جيد عن جابر ﵁ قال: قال
стр. 3505
رسول الله ﷺ : «لا يدخل مسجدنا هذا بعد عامنا هذا مشرك إلا أهل العهد وخدمهم».».
وغير هؤلاء نسبوا إلى أبي حنيفة القول بجواز دخول المشرك أيضا ففي «فتح الباري»: «وفي دخول المشرك المسجد مذاهب فعن الحنفية الجواز مطلقا وعن المالكية والمزني المنع مطلقا وعن الشافعية التفصيل بين المسجد الحرام وغيره للآية وقيل: يؤذن للكتابي خاصة وحديث الباب يرد عليه فإن ثمامة ليس من أهل الكتاب».
ويؤيد هذا النقل ما في «فيض الباري»: «وأما الحنفية فإنهم قالوا: إن المشرك ليس بنجس وله أن يدخل المسجد الحرام وغيره كما في «الجامع الصغير» فأشكلت عليهم الآية. قلت: وفي «السير الكبير» أنه لا يدخل المسجد الحرام عندنا أيضا كما هو ظاهر النص واختاره في «الدر المختار» لأنه آخر تصانيف محمد ﵁».
ثم صرح الشيخ الكشميري صاحب «الفيض» باختياره وعلل ذلك بقوله فيما سبق من الكتاب:
«فإنه أوفق بالقرآن وأقرب إلى الأئمة».
وأما حديث جابر الذي احتج به أبو حنيفة فلا يصح. [ثم بين الإمام علته ثم قال]: «لطيفة»: قال ابن العربي: «ولقد كنت أرى بدمشق عجبا: كان لجامعها بابان: باب شرقي وهو باب جيرون وباب غربي وكان الناس يجعلونه طريقا يمشون عليها نهارهم كله في حوائجهم، وكان الذمي إذا اراد المرور وقف على الباب حتى يمر به مسلم مجتاز فيقول له الذمي: يا مسلم اتأذن لي أن أمر معك؟ فيقول: نعم فيدخل معه وعليه الغيار - علامة أهل الذمة - فإذا رآه القيم صاح به: ارجع ارجع فيقول له المسلم: أنا أذنت له. فيتركه القيم».
هذا ولابن حزم في هذا المقام بحث قيم في تحقيق أن لفظ «المشركين» في الآية السابقة يشمل اليهود والنصارى خلافا لأبي حنيفة ﵀ فلا بد من نقله لما فيه
следующие страницы →