← Фикх общий

Фикх общий · id 145204

جامع تراث العلامة الألباني في الفقه

ناصر الدين الألباني

Полный текст (8 195 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

ذئب وابن جريج». قلت: فإذا كان ابن أبي ذئب روى عنه قبل الاختلاط وهذا الحديث من روايته عنه فكيف إذن يكون حديثه هذا ضعيفا. ولذلك قال ابن القيم ﵀ في «الزاد» بعد أن نقل أقوال الأئمة فيه التي تدور حول ما أفاده ابن عدي: «وهذا الحديث حسن فإنه من رواية ابن أبي ذئب عنه وسماعه منه قديم قبل اختلاطه فلا يكون اختلاطه موجبا لرد ما حدث به قبل الاختلاط». قلت: وهذا هو الحق لو أن ابن أبي ذئب لم يسمع منه بعد ذلك وليس كذلك فقد «قال الترمذي عن البخاري عن أحمد ن حنبل قال: سمع ابن أبي ذئب من صالح أخيرا وروى عنه منكرا». حكاه ابن القطان عن الترمذي هكذا. قلت: وفي هذا بيان لسبب تضعيف أحمد للحديث وهو أنه روى ابن أبي ذئب عنه بعد الاختلاط أيضا ولعله عمدة ابن حبان في قوله في «كتاب الضعفاء»: «اختلط بآخره ولم يتميز حديث حديثه من قديمه فاستحق الترك». ثم ذكر له هذا الحديث وقال: «إنه باطل وكيف يقول رسول الله ﷺ وقد صلى على سهيل بن بيضاء في المسجد». فتبين بهذا علة الحديث وأنه ضعيف فلا يقاوم حديث عائشة الصحيح. فالحق أن إدخال الجنازة إلى المسجد والصلاة فيه جائز بدون كراهة لكن لم يكن ذلك من عادته ﵊ بل الغالب عليه الصلاة عليها خارج المسجد فهو أولى كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في «الجنائز». [الثمر المستطاب (٢/ ٧٦٢)].

стр. 3502

من مباحات المساجد إدخال المشرك لحاجة إلا المسجد الحرام فيستثنى من هذا الحكم ذكر الإمام من مباحات المساجد: «إدخال المشرك لحاجة» وفيه أحاديث: «أ» قال أبو هريرة: بعث رسول الله ﷺ خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال [سيد أهل اليمامة] فربطوه بسارية من سواري المسجد فخرج إليه رسول الله ﷺ فقال [له]: «ماذا عندك يا ثمامة؟ » فقال: عندي يا محمد خير: إن تقتل تقتل ذا دم وإن تنعم تنعم على شاكر وإن كنت تريد المال فسل [تعط] منه ما شئت. فتركه رسول الله ﷺ حتى كان الغد فقال: «ما عندك يا ثمامة؟ » قال: ما قلت لك: إن تنعم تنعم على شاكر وإن تقتل تقتل ذا دم وإن كنت تريد المال فسل [تعط] منه ما شئت. فتركه [رسول الله] حتى كان من «وفي لفظ: «بعد». الغد فقال: «ما عندك يا ثمامة؟ » فقال: عندي ما قلت لك [إن تنعم تنعم على شاكر وإن تقتل تقتل ذا دم وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت] فقال [رسول الله ﷺ ]: «أطلقوا ثمامة». فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله «وفي لفظ يارسول الله» يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه [كلها] إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحب الدين [كله] إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد [كلها] إلي، وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى؟ فبشره رسول الله ﷺ وأمره أن يعتمر فلما قدم مكة قال له قائل: أصبوت؟ فقال: لا ولكني أسلمت مع رسول الله ﷺ ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله ﷺ ».

стр. 3503

الحديث أخرجه البخاري ومسلم - والسياق له -. «ب» قال جبير بن مطعم: أتيت المدينة في فداء بدر «وفي رواية: فداء المشركين» قال: وهو يومئذ مشرك قال: فدخلت المسجد ورسول الله ﷺ يصلي صلاة المغرب فقرأ فيها بـ ﴿وَالطُّور﴾ فلما بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُون * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُون* أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُون * أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِين﴾ [الطور / ٣٨] [كاد قلبي أن يطير] «وفي الرواية الأولى: فكأنما صدع قلبي لقراءة القرآن». [صحيح]. - «والمساجد كلها في ذلك سواء إلا المسجد الحرام فإنه لا يجوز تمكينهم من قربانه لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة / ٢٨]». والآية دليل على تحريم دخول الكفار والمشركين إلى المسجد الحرام وهذا اللفظ يدل على جميع الحرم وهو مذهب عطاء بن أبي رباح قال: «الحرم كله قبلة ومسجد فينبغي أن يمنعوا من دخول الحرم لقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وإنما رفع من بيت أم هانئ». ذكره القرطبي ثم قال: «فإذا يحرم تمكين المشرك من دخول الحرم أجمع فإذا جاءنا رسول منهم خرج الإمام إلى الحل ليسمع ما يقول». قلت: وتخصيص المسجد الحرام بالذكر في الآية الكريمة يدل على أن غيره من المساجد ليس في حكمه فيجوز دخول المشركين إليها ويؤيد ذلك الأحاديث المتقدمة. وإلى هذا ذهب ابن حزم في «المحلى» فقال: «ودخول المشركين في جميع المساجد جائز حاشا حرم مكة كله المسجد وغيره فلا يحل البتة أن يدخله كافر. وهو قول الشافعي وأبي سليمان وقال أبو حنيفة: لا

стр. 3504

بأس أن يدخله اليهودي والنصراني ومنع منه سائر الأديان. وكره مالك دخول أحد من الكفار في شيء من المساجد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ... ﴾ الآية قال ابن حزم: فخص الله المسجد الحرام فلا يجوز تعتديه إلى غيره بغير نص». قلت: واحتج أتباع مالك لمذهبه بالتعليل المذكور في الآية فأجروه في سائر المساجد فقال القرطبي: «قال الشافعي ﵀: الآية عامة في سائر المشركين خاصة في المسجد الحرام ولا يمنعون من دخول غيره فأباح دخول اليهود والنصارى في سائر المساجد». قال ابن العربي: «وهذا جمود منه على الظاهر لأن قوله : ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة / ٢٨] تنبيه على العلة بالشرك والنجاسة». قال صديق خان في «نيل المرام»: «ويجاب عنه بأن هذا القياس مردود بربطه ﷺ لثمامة بن أثال في مسجده وإنزال وفد ثقيف فيه». قلت: أما ربط ثمامة فقد أجاب عنه ابن العربي نفسه بأنه كان قبل نزول الآية وبمثل هذا أجاب عنه ابن العربي نفسه كان قبل نزول الآية وبمثل هذا أجاب عن دخول أبي سفيان المسجد كما سبق. وأما نزول وفد ثقيف فيه فلو صح إسناده لكان حجة عليهم لا جواب لهم عنه لأنه كان بعد نزول الآية كما سبق ذكره عن أبي بكر الجصاص. قلت: وقد اختلف النقل عن أبي حنيفة في هذه المسألة فابن حزم نقل عنه - كما سبق - جواز دخول اليهودي والنصراني فقط إلى المسجد الحرام وغيره من المساجد وهو موافق لما حكاه الجصاص في «الأحكام» والعيني في «العمدة» عن أبي حنيفة. قال العيني: «واحتج بما رواه أحمد في «مسنده» بسند جيد عن جابر ﵁ قال: قال

стр. 3505

رسول الله ﷺ : «لا يدخل مسجدنا هذا بعد عامنا هذا مشرك إلا أهل العهد وخدمهم».». وغير هؤلاء نسبوا إلى أبي حنيفة القول بجواز دخول المشرك أيضا ففي «فتح الباري»: «وفي دخول المشرك المسجد مذاهب فعن الحنفية الجواز مطلقا وعن المالكية والمزني المنع مطلقا وعن الشافعية التفصيل بين المسجد الحرام وغيره للآية وقيل: يؤذن للكتابي خاصة وحديث الباب يرد عليه فإن ثمامة ليس من أهل الكتاب». ويؤيد هذا النقل ما في «فيض الباري»: «وأما الحنفية فإنهم قالوا: إن المشرك ليس بنجس وله أن يدخل المسجد الحرام وغيره كما في «الجامع الصغير» فأشكلت عليهم الآية. قلت: وفي «السير الكبير» أنه لا يدخل المسجد الحرام عندنا أيضا كما هو ظاهر النص واختاره في «الدر المختار» لأنه آخر تصانيف محمد ﵁». ثم صرح الشيخ الكشميري صاحب «الفيض» باختياره وعلل ذلك بقوله فيما سبق من الكتاب: «فإنه أوفق بالقرآن وأقرب إلى الأئمة». وأما حديث جابر الذي احتج به أبو حنيفة فلا يصح. [ثم بين الإمام علته ثم قال]: «لطيفة»: قال ابن العربي: «ولقد كنت أرى بدمشق عجبا: كان لجامعها بابان: باب شرقي وهو باب جيرون وباب غربي وكان الناس يجعلونه طريقا يمشون عليها نهارهم كله في حوائجهم، وكان الذمي إذا اراد المرور وقف على الباب حتى يمر به مسلم مجتاز فيقول له الذمي: يا مسلم اتأذن لي أن أمر معك؟ فيقول: نعم فيدخل معه وعليه الغيار - علامة أهل الذمة - فإذا رآه القيم صاح به: ارجع ارجع فيقول له المسلم: أنا أذنت له. فيتركه القيم». هذا ولابن حزم في هذا المقام بحث قيم في تحقيق أن لفظ «المشركين» في الآية السابقة يشمل اليهود والنصارى خلافا لأبي حنيفة ﵀ فلا بد من نقله لما فيه

стр. 3506

من الفوائد ودفع بعض الشبهات حول بعض الآيات مما قد لا يوجد في كتاب آخر فقال ﵀: «وأما قول أبي حنيفة فإنه قال: إن الله تعالى قد فرق بين المشركين وبين سائر الكفار فقال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ﴾ [البينة / ١] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ [الحج / ١٧] قال: والمشرك هو من جعل لله شريكا لا من لم يجعل له شريكا. قال ابن حزم: لا حجة له غير ما ذكرنا. فأما تعلقه بالآيتين فلا حجة له فيهما لأن الله تعالى قال: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّان﴾ [الرحمن / ٦٨] والرمان من الفاكهة وقال تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة / ٩٨] وهما من الملائكة وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب / ٧] وهؤلاء من النبيين. إلا أنه كان يكون ما احتج به أبو حنيفة حجة إن لم يأت برهان بأن اليهود والنصارى والمجوس والصابئين مشركون لأنه لا يحمل شيء معطوف على شيء إلا أنه غيره حتى يأتي برهان بأنه هو أو بعضه. فنقول وبالله التوفيق: أن أول مخالف لنص الآيتين أبو حنيفة لأن المجوس عنده مشركون وقد فرق الله تعالى في الذكر بين المجوس وبين المشركين فبطل تعلقه بعطف الله تعالى إحدى الطائفتين على الأخرى. ثم وجدنا الله تعالى قد قال: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء﴾ [النساء / ٤٨] فلو كان ههنا كفر ليس شركا لكان مغفورا لمن شاء الله تعالى بخلاف الشرك وهذا لا يقوله مسلم. ثم روى ابن حزم من طريق مسلم بإسناده إلى ابن مسعود قال: قال رجل: يا رسول الله أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: أن تدعو لله ندا وهو خلقك. قال: ثم

стр. 3507

أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك. ومن طريقه أيضا بسنده عن أبي بكرة قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثا الإشراك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور أو قول الزور». وعنه أيضا عن أبي هريرة مرفوعا: «اجتنبوا السبع الموبقات». قيل: يا رسول الله وما هن؟ قال: «الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات». قال علي بن حزم: فلو كان ههنا كفر ليس شركا لكان ذلك الكفر خارجا عن الكبائر ولكان عقوق الوالدين وشهادة الزور أعظم منه وهذا لا يقوله مسلم فصح أن كل كفر شرك وكل شرك كفر وأنهما اسمان شرعيان أوقعهما الله تعالى على معنى واحد. وأما حجته بأن المشرك هو من جعل لله شريكا فقط فهي منتقضة عليه من وجهين: أحدهما: أن النصارى يجعلون لله شريكا يخلق كخلقه وهو يقول: إنهم ليسوا مشركين. وهذا تناقض ظاهر. والثاني: أن البراهمة والقائلين بأن العالم لم يزل وأن له خالقا واحدا لم يزل والقائلين بنبوة علي بن أبي طالب والمغيرة وبزيغ - كلهم لا يجعلون لله تعالى شريكا وهم عند أبي حنيفة مشركون. وهو تناقض ظاهر. ووجه ثالث: وهو أنه لم يكن المشرك إلا ما وقع عليه اسم التشريك في اللغة - وهو من جعل الله تعالى شريكا فقط - لوجب أن لا يكون الكفر إلا من كفر بالله تعالى وأنكره جملة لا من أقر به ولم يجحده فيلزم من هذا أن لا يكون الكفار إلا الدهرية فقط وأن لا يكون اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا البراهمة كفارا لأنهم كلهم مقرون بالله تعالى، وهو لا يقول بهذا ولا مسلم على ظهر الأرض، أو كان يجب أن يكون كل من غطى شيئا كافرا فإن الكفر في اللغة: التغطية. فإذ كل

стр. 3508

هذا باطل فقد صح أنهما اسمان نقلهما الله تعالى عن موضوعهما في اللغة على كل من أنكر شيئا من دين الإسلام يكون بإنكاره معاندا لرسول الله ﷺ بعد بلوغ النذارة إليه. وبالله تعالى التوفيق». قلت: والإلزام المذكور في الوجه الثالث لم يتبين لي صوابه لأن من يقول بأن الشرك غير الكفر يجعله أخص منه، ومن المعلوم أن الأخص يدخل في الأعم كدخول النصارى واليهود في المشركين عند ابن حزم في الآية السابقة وعند غيره من سلف الصحابة والتابعين في قوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنكِحُوا الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة / ٢٢١] الآية. فكل من أشرك فقد كفر اتفاقا فالإلزام غير وارد غير أن ابن حزم يقول العكس أيضا وهو أن كل من كفر بشيء من المكفرات فقد أشرك والأدلة التي ساقها تؤيد ذلك ولا أعلم ما يباين ذلك من الكتاب والسنة بل إن ظاهر قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾ [الكهف / ٣٢] إلى قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً * لَّكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ الآيات [الكهف / ٣٤ - ٣٨] إلى قوله تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف / ٤٢]

стр. 3509

فقد أطلق سبحانه على هذا الرجل الذي أنكر البعث والحشر أنه أشرك به تعالى. هذا هو الظاهر من سياق الآيات فإنه تعالى لم يحك عنه من الكفر غير ما ذكر ثم حكى ندمه حين رأى ما حل بثمره وجنتيه بقوله: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ فأطلق الشرك على الكفر المذكور ولعل وجهه أن جحوده البعث مصير منه إلى أن الله تعالى لا يقدر عليه وهو تعجيز الرب ومن عجزه شبهه بخلقه فهو إشراك». كذا ذكره القرطبي بنحوه. والله أعلم. [الثمر المستطاب (٢/ ٧٦٩)]. من مباحات المساجد إدخال الدابة للحاجة [ذكر الإمام من مباحات المساجد]: «إدخال الدابة للحاجة لأنه ﵊ دخل المسجد الحرام طائفا على ناقته كما قال جابر بن عبد الله ﵁: «طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبين الصفا والمروة ليراه الناس وليشرف ويسألوه [ف] إن الناس غشوه». الحديث أخرجه مسلم. طاف رسول الله ﷺ في حجة الوداع حول الكعبة على بعير يستلم الركن بمحجنه. زاد مسلم: كراهية أن يضرب عنه الناس. وأخر من حديث أبي الطفيل. وفي الباب عن أم سلمة في طوافها راكبة وسيأتيان في «الحج» إن شاء الله تعالى. وقد ترجم البخاري لحديث أم سلمة في «كتاب الصلاة» ب: «باب إدخال البعير في المسجد لعلة». أي: الحاجة.

стр. 3510

قال ابن بطال: «في هذا الحديث جواز دخول الدواب التي يؤكل لحمها المسجد إذا احتيج إلى ذلك لأن بولها لا ينجسه بخلاف غيرها من الدواب. وتعقب بأنه ليس في الحديث دلالة على عدم الجواز مع الحاجة بل ذلك دائر على التلويث وعدمه فحيث يخشى التلويث يمتنع الدخول». واعترضه العيني في «شرحه» بقوله: «وفيه نظر لأن قوله ﷺ : «طوفي وأنت راكبة «يعني أم سلمة» لا يدل على أن الجواز وعدمه دائران مع التلويث بل ظاهره يدل على الجواز مطلقا عند الضرورة. وقيل: إن ناقته كانت مدربة معلمة فيؤمن منها ما يحذر من التلويث وهي سائرة. قلت: سلمنا هذا في ناقة النبي ﵊، لكن ما يقال في الناقة التي كانت عليها أم سلمة وهي طائفة؟ ولئن قيل: إنها كانت ناقة النبي ﷺ . قيل له: يحتاج إلى بيان ذلك بالدليل». [الثمر المستطاب (٢/ ٧٨٦)]. من مباحات المساجد الوضوء فيه ذكر الإمام من مباحات المساجد: «الوضوء ف «إن رسول الله ﷺ توضأ في المسجد». [إسناده حسن]. وقد صح أن أبا هريرة توضأ على ظهر المسجد. أخرجه أحمد ومسلم. وفي الحديث جواز الوضوء في المسجد قال النووي في «شرح مسلم»: «وقد نقل ابن المنذر إجماع العلماء على جوازه ما لم يؤذ به أحدا». قلت: وقال العراقي في «شرح التقريب»: «وحكى ابن بطال جوازه عن أكثر أهل العلم وحكى عن مالك وسحنون كراهته تنزيها للمسجد».

стр. 3511

قلت: والحديث حجة عليهما. نعم يجب أن لا يقترن به ما يخل شرعا كما هو الواقع اليوم في أكثر المساجد التي جر إليها ماء الفيجة لما يسمع من الصوت الشديد من أثر اندفاع الماء من «الحنفيات» واصطدامه بالبلاط مما يحصل منه ضوضاء وتشويش على المصلين فيه، ولذلك نرى أنه من الضروري جعل الميضأة في مكان محصور بجنب المساجد لا داخله كما هو الأمر في جامع «عيسي باشا» تجاه سوق الحميدية وغيره. [الثمر المستطاب (٢/ ٧٨٨)]. من مباحات المساجد الاجتماع والتحلق لدراسة القرآن والعلم ذكر الإمام من مباحات المساجد: «الاجتماع والتحلق لدراسة القرآن والعلم لحديث: بينما هو جالس في المسجد والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ وذهب واحد [فلما وقفا على رسول الله ﷺ سلما] فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها وأما الآخر فجلس خلفهم وأما الثالث فأدبر ذاهبا. فلما فرغ رسول الله ﷺ قال: «ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ » [قالوا: بلى يا رسول الله قال: ] «أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه». الحديث من رواية أبي واقد الليثي ﵁. أخرجه البخاري - والسياق له في رواية - ومسلم. قال النووي في شرح الحديث: «فيه استحباب جلوس العالم لأصحابه وغيرهم في موضع بارز ظاهر للناس، والمسجد أفضل، فيذاكرهم العلم والخير، وفيه جواز حلق العلم والذكر في

стр. 3512

المسجد، واستحباب دخولها ومجالسة أهلها وكراهة الانصراف عنها من غير عذر ... إلخ». قال الحافظ: «وأما ما رواه مسلم من حديث جابر بن سمرة قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد وهم حلق فقال: «ما لي أراكم عزين». فلا معارضة بينه وبين هذا لأنه إنما كره تحلقهم على ما لا فائدة فيه ولا منفعة بخلاف تحلقهم حوله فإنه كان لسماع العلم والتعلم منه». قلت: هذا الحديث ليس فيه إنكاره ﵊ تحلقهم مطلقا بل إنما أنكر عليهم تفرقهم حلقا حلقا وهذا هو معنى قوله: «عزين». قال النووي: «أي: متفرقين جماعة جماعة وهو بتخفيف الزاي الواحدة عزة معناه النهي عن التفرق والأمر بالاجتماع». قلت: ويؤيد ذلك أن أبا داود أخرج الحديث من طريق الأعمش ثم روى عقب ذلك عنه أنه قال: «كأنه يحب الجماعة». فالحديث إذن لا علاقة له بالتحلق لا سلبا ولا إيجابا. «و «خرج على حلقة من أصحابة فقال: «ما أجلسكم؟ » قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن به «وفي لفظ: «بك» علينا قال: «آلله ما أجلسك إلا ذاك؟ » قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: «أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكنه أتاني جبريل فأخبرني: أن الله يباهي بكم الملائكة». الحديث من رواية معاوية بن أبي سفيان. أخرجه مسلم - والسياق له -. «وقال ﵊: «ما اجتمع قوم «وفي لفظ: «ما من قوم يجتمعون»

стр. 3513

في بيت من بيوت الله تعالى يتلون [ويتعلمون] كتاب الله ويتدراسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده». الحديث من رواية أبي هريرة. أخرجه مسلم. قال النووي في «شرح مسلم»: «قيل المراد بالسكينة هنا الرحمة وهو الذي اختاره القاضي عياض وهو ضعيف لعطف الرحمة عليه. وقيل الطمأنينة والوقار وهو أحسن. وفي هذا دليل لفضل الاجتماع على تلاوة القرآن في المسجد وهو مذهبنا ومذهب الجمهور وقال مالك: يكره. وتأوله بعض أصحابه». قلت: ولعل التأويل المشار إليه هو أن الذي كره مالك من الاجتماع ما خالف هديه ﵊ فيه كالاجتماع على القراءة بصوت واحد فإنه بدعة لم تنقل عنه ﵊ ولا عن أحد من الصحابة، وقد كان النبي ﷺ أحيانا يأمر من يقرأ القرآن ليسمع قراءته كما كان ابن مسعود يقرأ عليه وقال: «إني أحب أن أسمعه من غيري» وكان عمر يأمر من يقرأ عليه وعلى أصحابه وهم يستمعون فتارة يأمر أبا موسى وتارة يأمر عقبة بن عامر. رواه الحافظ ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» ثم قال: «وذكر حرب أنه رأى أهل دمشق وأهل حمص وأهل مكة وأهل البصرة يجتمعون على القرآن بعد صلاة الصبح، ولكن أهل الشام يقرؤون القرآن كلهم جملة من سورة واحدة بأصوات عالية، وأهل مكة وأهل البصرة يجتمعون فيقرأ أحدهم عشر آيات والناس ينصتون ثم يقرأ آخر عشر آيات حتى يفرغوا قال حرب: وكل ذلك حسن جميل. وقد أنكر مالك ذلك على أهل الشام». قلت: وهذا الذي أنكره مالك هو الحق إن شاء الله تعالى لمخالفته السنة كما سبق.

стр. 3514

«غير أن ذلك لا يجوز قبل صلاة الجمعة خاصة كما سبق في «المناهي». [الثمر المستطاب (٢/ ٧٨٩)]. من مباحات المساجد إنشاد الشعر الحسن أحيانا ولا سيما إذا كان في الذب عن الإسلام ذكر الإمام من مباحات المساجد: «إنشاد الشعر الحسن أحيانا ولا سيما إذا كان في الذب عن الإسلام فإنه حينئذ من الجهاد فقد «كان رسول الله ﷺ يضع لحسان منبرا في المسجد يقوم عليه قائما يفاخر عن رسول الله ﷺ «وفي لفظ: «ينافح عنه بالشعر» وفي آخر: يهجو من قال في رسول الله ﷺ » ويقول رسول الله ﷺ : «إن الله [ل] يؤيد حسان بروح القدس ما نافح أو فاخر عن رسول الله ﷺ ». الحديث من رواية عائشة ﵁. [صحيح]. «وقد «مر عمر ﵁ بحسان وهو ينشد [الشعر] في المسجد [فلحظ إليه] [فقال: مه] قال: [- في حلقة فيهم أبو هريرة -]: كنت أنشد وفيه من هو خير منك [ثم التفت إلى أبي هريرة فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أجب عني اللهم أيده بروح القدس»؟ قال: نعم] [فانصرف عمر وهو يعرف أنه يريد رسول الله ﷺ ]». الحديث أخرجه البخاري ومسلم. «وقد قال ﵊: «إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه والذي نفسي بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل». [صحيح]. وفي حديث حسان: جواز الشعر الحسن في المسجد وقد ترجم له النسائي بقوله: «الرخصة في إنشاد الشعر الحسن في المسجد». وإلى هذا ذهب الكثرة من العلماء.

стр. 3515

وأما تناشد الأشعار فمنهي عنه كما سبق بيانه في «المناهي» فقرة «٦» وقد قال البيهقي: «ونحن لا نرى بإنشاد مثل ما كان يقول حسان في الذب عن الإسلام وأهله بأسا في المسجد ولا في غيره، والحديث الأول ورد في تناشد أشعار الجاهلية وغيرها مما لا يليق بالمسجد. وبالله التوفيق». [الثمر المستطاب (٢/ ٧٩٤)]. من مباحات المساجد نصب الخيمة للمريض وغيره للحاجة ذكر الإمام من مباحات المساجد: «نصب الخيمة للمريض وغيره للحاجة قالت عائشة ﵁: «أصيب سعد [ابن معاذ] يوم الخندق [رماه رجل من قريش يقال له: حبان بن العرقة] في الأكحل فضرب عليه النبي ﷺ خيمة في المسجد [ل] يعوده من قريب [فلم يرعهم - وفي المسجد [معه] خيمة من بني غفار - إلا الدم يسيل إليهم فقالوا: يا أهل الخيمة ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو جرحه دما مات عنها]». الحديث أخرجه البخاري - والسياق له - ومسلم. والحديث ترجم له البخاري بـ: «باب الخيمة في المسجد للمرضى وغيرهم». قال الحافظ: «أي: جواز ذلك». وفي «العمدة»: «قال ابن بطال: فيه جواز سكنى المسجد للعذر والباب مترجم به». وفي «شرح مسلم»: «فيه جواز النوم في المسجد وجواز مكث المريض فيه وإن كان جريحا» وفي «نيل الأوطار»: «والحديث يدل على جواز ترك المريض في المسجد وإن كان في ذلك مظنة

стр. 3516

لخروج شيء منه يتنجس به المسجد». «وقد «كان ﵇ يعتكف في العشر الأواخر من رمضان «قالت عائشة ﵁: فكنت أضرب له خباء فيصلي الصبح ثم يدخله [وإنه أراد مرة أن يعتكف في العشر الأواخر من رمضان فأمر ببنائه فضرب] [فاستأذنته عائشة أن تعتكف فاذن لها فضربت فيه قبة]، [وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها [رسول الله ﷺ ] ففعلت] [فأمرت ببنائها فضرب]، فلما رأته زينب بنت جحش ضربت خباء آخر [وكانت امرأة غيورا]، فلما أصبح رسول الله ﷺ «وفي لفظ: «فلما انصرف رسول الله ﷺ من الغداة» [إلى المكان الذي أراد أن يعتكف]» رأى الأخبية فقال: «ما هذا»؟ [قالوا: بناء عائشة وحفصة وزينب] فقال النبي ﷺ : «آلبر تردن بهن؟ «وفي رواية: «آلبر أردن بهذا؟ ما أنا بمعتكف» وفي أخرى: ما حملهن على هذا؟ آلبر؟ انزعوها فلا أراها فنزعت وفي لفظ: «فأمر ببنائه فقوض وأمر أزواجه بأبنيتهن فقوضت» فترك الاعتكاف في ذلك الشهر ثم اعتكف عشرا من شوال». الحديث أخرجه البخاري ومسلم. والحديث ترجم له النسائي كما ترجم للحديث الأول بقوله: «ضرب الخباء في المساجد». وقال الحافظ: «ومنه جواز ضرب الأخبية في المسجد». [الثمر المستطاب (٢/ ٧٩٨)]. من مباحات المساجد اللعب بالحراب ونحوها من آلات الحرب ذكر الإمام من مباحات المساجد: «اللعب بالحراب ونحوها من آلات الحرب لما فيه من التدرب على القتال والتقوي للجهاد فقد «دخل عمر ﵁ والحبشة يلعبون [في المسجد] فزجرهم عمر «وفي رواية: فأهوى إلى الحصباء

стр. 3517

يحصبهم بها» فقال رسول الله ﷺ : «دعهم يا عمر [فإنما هم بنو أرفدة]». الحديث من رواة أبي هريرة ﵁. أخرجه البخاري ومسلم. للجميع إلا مسلما والأخرى للنسائي وأحمد وهي عند أبي عوانة ايضا في «صحيحه» كما في «الفتح» «٢/ ٣٥٦» وقال: «كأنه يعني أن هذا شأنهم وطريقتهم وهو من الأمور المباحة فلا إنكار عليهم». وللحديث شاهد من رواية عائشة ﵁ وهو: «قالت عائشة ﵂: «فدعاني ﷺ [والحبشة يلعبون بحرابهم في المسجد] [في يوم عيد] [فقال لي: يا حميراء أتحبين أن تنظري إليهم؟ فقلت: نعم] [فأقامني وراءه] [فطأطأ لي منكبيه لأنظر إليهم]، فوضعت ذقني على عاتقه وأسندت وجهي إلى خده]، فنظرت من فوق منكبيه «وفي رواية: «من بين أذنه وعاتقه» [وهو يقول: دونكم يا بني أرفدة] [قالت: ومن قولهم يومئذ: أبا القاسم طيبا] حتى شبعت» «وفي رواية: «حتى إذا مللت قال: حسبك؟ قلت: نعم قال: فاذهبي» وفي أخرى: قلت: لا تعجل فقام لي ثم قال: حسبك قلت: لا تعجل قالت: وما بي حب النظر إليهم ولكن أحببت أن يبلغ النساء مقامه لي ومكاني منه [وأنا جارية] [فاقدروا قدر الجارية [العربة] الحديثة السن الحريصة على اللهو]». [صحيح]. والحديث ترجم له النسائي بقوله: «اللعب في المسجد يوم العيد ونظر النساء إلى ذلك». وقال الحافظ في شرح قوله: «والحبشة يلعبون في المسجد»: فيه جواز ذلك في المسجد، وحكى ابن التين عن أبي الحسن اللخمي: أن اللعب بالحراب في المسجد منسوخ بالقرآن والسنة: أما القرآن فقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ﴾ [النور / ٣٦] وأما السنة فحديث: «جنبوا مساجدكم صبيانكم

стр. 3518

ومجانينكم». وتعقب بأن الحديث ضعيف وليس فيه ولا في الآية تصريح بما ادعاه ولا عرف التاريخ فيثبت النسخ. وحكى بعض المالكية عن مالك أن لعبهم كان خارج المسجد وكانت عائشة في المسجد. وهذا لا يثبت عن مالك فإنه خلاف ما صرح به في طرق هذا الحديث، وفي بعضها أن عمر أنكر عليهم لعبهم في المسجد فقال له النبي ﷺ : «دعهم». واللعب بالحراب ليس لعبا مجردا بل فيه تدريب الشجعان على مواقع الحروب والاستعداد للعدو وقال المهلب: المسجد موضوع لأمر جماعة المسلمين فما كان من الأعمال يجمع منفعة الدين وأهله جاز فيه». وهذا فيه تقييد اللعب الجائز في المسجد بما فيه مصلحة عامة. وهذا هو الحق إن شاء الله تعالى. وقد تعقب ذلك الصنعاني في «سبل السلام» باللفظ الذي تقدم: «لتعلم يهود أن في ديننا فسحة ... » إلخ فقال: «وهذا يدفع قول الطبري أنه يغتفر للحبش ما لا يغتفر لغيرهم فيقر حيث ورد ويدفع قول من قال: إن اللعب بالحراب ليس لعبا مجردا بل فيه تدريب الشجعان على مواضع الحروب والاستعداد للعدو، ففي ذلك من المصلحة التي تجمع عامة المسلمين ويحتاج إليها في إقامة الدين فأجيز فعلها في المسجد». قلت: وقد علمت مما سبق أن هذا اللفظ لا يصح بل هو ضعيف، فلا يجوز الاعتماد عليه في هذا البحث لا سيما وهو مناف للإطلاق المذكور في الآية السابقة. والله أعلم. [الثمر المستطاب (٢/ ٨٠١)]. من مباحات المساجد ربط الأسير بالسارية ذكر الإمام من مباحات المساجد: «ربط الأسير بالسارية لحديث: «بعث رسول الله ﷺ خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له: ثمامة بن أثال

стр. 3519

- سيد أهل اليمامة - فربطوه بسارية من سواري المسجد» الحديث». وهو حديث صحيح متفق عليه وقد سبق تخريجه هناك مع ذكره بتمامه. وقد ترجم له بما ذكرنا البخاري والنسائي وقال البخاري: «وكان شريح يأمر الغريم أن يحبس إلى سارية المسجد». قال الحافظ: «وقد وصله معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: كان شريح إذا قضى على رجل بحق أمر بحبسه في المسجد إلى أن يقوم بما عليه فإن أعطى الحق وإلا أمر به إلى السجن». «وقوله ﵊: «إن عفريتا من الجن جعل يتفلت علي البارحة ليقطع علي الصلاة وإن الله أمكنني منه فذعته «وفي رواية: «فخنقته» فلقد هممت أن أربطه إلى جنب سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا تنظرون إليه أجمعون أو كلكم ثم ذكرت قول أخي سليمان: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي﴾ [ص / ٣٥] فرده الله خاسئا». [صحيح]. والحديث ترجم له البخاري بعدة تراجم منها: «باب الأسير أو الغريم يربط في المسجد». قال شارحه العيني: «فيه دليل على إباحة ربط الأسير في المسجد، وعلى هذا بوب البخاري الباب، ومن هذا قال المهلب: إن في الحديث جواز ربط من خشي هروبه بحق عليه أو دين والتوثق منه في المسجد أو غيره». [الثمر المستطاب (٢/ ٨٠٦)]. من مباحات المساجد القضاء واللعان ذكر الإمام من مباحات المساجد: «القضاء واللعان لحديث سهل بن سعد ﵁: «أن رجلا من الأنصار جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله

стр. 3520

أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله أم كيف يفعل؟ فأنزل الله في شأنه ما ذكر من القرآن من أمر المتلاعنين فقال النبي ﷺ : قد قضى الله فيك وفي امرأتك. قال: فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد .... الحديث». أخرجه البخاري - والسياق له - ومسلم من طريق ابن جريج قال: أخبرني ابن شهاب عن الملاعنة وعن السنة فيها عن حديث سهل بن سعد أخي بني ساعدة أن رجلا ... إلخ. وترجم له البخاري بـ: «باب التلاعن في المسجد». وذكر البخاري تعليقا: «ولاعن عمر عند منبر النبي ﷺ ، وقضى شريح والشعبي ويحيى بن يعمر في المسجد، وقضى مروان على زيد بن ثابت باليمين عند المنبر، وكان الحسن وزرارة بن أبي أوفى يقضيان في الرحبة خارجا من المسجد». وقد ذكر الحافظ في «شرحه» من وصل هذه الآثار فليرجع إليه فلا نطيل بذكر ذلك. ثم قال الحافظ: «قال ابن بطال: استحب القضاء في المسجد طائفة، وقال مالك: هو الأمر القديم لأنه يصل إلى القاضي فيه المرأة والضعيف وإذا كان في منزله لم يصل إليه الناس لإمكان الاحتجاب. قال: وبه قال أحمد وإسحاق وكرهت ذلك طائفة وكتب عمر بن عبد العزيز إلى القاسم بن عبد الرحمن أن لا تقضي في المسجد فإنه يأتيك الحائض والمشرك. وقال الشافعي: أحب إلي أن يقضي في غير المسجد لذلك. وقال الكرابيسي: كره بعضهم الحكم في المسجد من أجل أنه قد يكون الحكم بين مسلم ومشرك فيدخل المشرك المسجد. قال: ودخول المشرك المسجد مكروه. ولكن الحكم بينهم لم يزل من صنيع السلف في مسجد رسول الله ﷺ وغيره. ثم ساق في ذلك آثارا كثيرة. قال ابن بطال: وحديث سهل بن سعد حجة للجواز وإن كان الأولى صيانة المسجد، وقد قال مالك: كان من مضى يجلسون في رحاب

стр. 3521

المسجد إما في موضع الجنائز وإما في رحبة دار مروان قال: وإني لأستحب ذلك في الأمصار ليصل إليه اليهودي والنصراني والحائض والضعيف وهو أقرب إلى التواضع». قلت: وقول الكرابيسي: «ودخول المشرك المسجد مكروه». مما لا دليل على إطلاقه بل السنة تدل على جواز إدخالهم المساجد إلا المسجد الحرام كما سبق بيانه في الفقرة السابعة ويؤيد ذلك الآثار التي استدرك بها هو نفسه على قول هذا فتنبه. وفي «العمدة» ما ملخصه: «وإنما ذكر البخاري هذا الحديث مختصرا لأجل جواز القضاء في المسجد وهو عند عامة العلماء وعن الشافعي كراهيته في المسجد إذا أعده لذلك دون ما إذا اتفقت له حكومة فيه. وقال أصحابنا جميعا: والمستحب أن يجلس في مجلس الحكم في الجامع فإن كان مسجدا بجنب داره فله ذلك وإن قضى في داره جاز والجامع أرفق المواضع بالناس وأجدر أن لا يخفى على أحد جلوسه ولا يوم حكمه، وقد كان الشعبي يقضي في الجامع، وشريح يقضي في المسجد ويخضب بالسواد، وقد قضى النبي ﷺ في مسجده بين الأنصار في مواريث تقادمت». قلت: هذا الحديث لم أقف عليه الآن فليراجع. وقول الشافعي هو الأقرب إلى النظر لأنه لا يدفع ما ذكرنا من السنة كما أنه لا يلزم منه أي محذور في المسجد، بخلاف ما لو أعد للقضاء فإنه حينئذ من الصعب تنزيهه من الغوغاء والضوضاء. والله أعلم. [الثمر المستطاب (٢/ ٨٠٨)].

стр. 3522

من مباحات المساجد الاستلقاء ذكر الإمام من مباحات المساجد. «الاستلقاء لحديث عبد الله بن زيد المازني: أنه رأى رسول الله ﷺ مستلقيا في المسجد واضعا إحدى رجليه على الأخرى». أخرجه البخاري ومسلم. والحديث دليل على ما ذكرنا من جواز الاستلقاء في المسجد، وبذلك ترجم له البخاري والنسائي وعلى ذلك جرى شرح «الصحيحين» وغيرهما. وقال الحافظ في «الفتح»: «والظاهر أن فعله ﷺ كان لبيان الجواز وكان ذلك في وقت الاستراحة لا عند مجتمع الناس لما عرف من عادته الجلوس بينهم بالوقار التام ﷺ . قال الخطابي: وفيه جواز الاتكاء في المسجد والاضطجاع وأنواع الاستراحة. وقال الداودي: فيه أن الأجر الوارد للابث في المسجد لا يختص بالجالس بل يحصل للمستلقي أيضا». وأعلم أنه قد ثبت في «صحيح مسلم» وغيره من حديث جابر: أن النبي ﷺ نهى أن يرفع الرجل إحدى رجليه على الأخرى وهو مستلق على ظهره. ومن الواضح أنه لا يعارض ما ذكرنا من الاستلقاء المطلق وإنما هو بظاهره يعارض الاستلقاء بالصورة المذكورة في الحديثين، وقد جمع العلماء بينهما بأن حملوا هذا النهي حيث يخشى أن تبدو العورة والجواز حيث يؤمن ذلك. والله أعلم. وأما الحديث الذي أخرجه الطبراني من حديث قتادة بن النعمان: أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله لما قضى خلقه استلقى فوضع رجله على الأخرى وقال: لا ينبغي لأحد من خلقي أن يفعل هذا».

стр. 3523

ففي ثبوته نظر فقد قال الهيثي في «المجمع»: «رواه الطبراني عن مشايخ ثلاثة: جعفر بن سليمان النوفلي وأحمد بن رشدين المصري وأحمد بن داود المكي. فأحمد بن رشدين ضعيف والاثنان لم أعرفهما وبقية رجاله رجال الصحيح». وأنا أستبعد جدا صحة هذا الحديث لأنه يوحي بالمعنى الذي قاله اليهود المغضوب عليهم: «خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام ثم استراح في اليوم السابع» وهو يوم السبت وهم يسمونه يوم الراحة وقد رد الله تعالى عليهم في غير آية فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوب﴾ [ق / ٣٨] ويغلب على الظن أن أصل الحديث من الإسرائيليات التي تسربت إلى المسلمين من بعض أهل الكتاب ثم وهم فيه بعض الرواة فرفعه إلى النبي ﷺ كما ورد في «مسند أحمد» وهو خطأ كما بينه الحافظ ابن كثير في «التفسير» وغيره. [الثمر المستطاب (٢/ ٨١١)]. من مباحات المساجد النوم والقيلولة للمحتاج ذكر الإمام من مباحات المساجد: «النوم والقيلولة للمحتاج من الرجال ولو لغير غريب على أن لا يتخذ مبيتا ومقيلا». وفي ذلك أحاديث: «أ» عن عبد الله بن عمر ﵁: أنه كان ينام وهو شاب عزب لا أهل له في مسجد النبي ﷺ . وفي لفظ عنه قال: «كنا في زمن رسول الله ﷺ ننام في المسجد [و] نقيل فيه ونحن شباب». الحديث صحيح متفق عليه.

стр. 3524

«ب» عن سهل بن سعد قال: جاء رسول الله ببيت فاطمة فلم يجد عليا في البيت فقال: «أين ابن عمك؟ » قالت: كان بيني وبينه شيء فغاضبني فخرج فلم يقل عندي. فقال رسول الله ﷺ لإنسان: «انظر أين هو؟ » فجاء فقال: يا رسول الله هو [ذا] في المسجد راقد [في فيء الجدار] فجاء رسول الله ﷺ وهو مضطجع قد سقط رداؤه عن شقه «وفي لفظ: عن ظهره وخلص التراب إلى ظهره» فجعل رسول الله ﷺ يمسحه عنه ويقول: «قم أبا تراب قم أبا تراب». أخرجه البخاري ومسلم. وفي الحديثين وما في معناهما جواز النوم والقيلولة في المسجد على التفصيل الذي ذكرنا وقد ترجم لهما البخاري بنحو ذلك فقال: «باب نوم الرجال في المسجد». قال الحافظ: «أي جواز ذلك وهو قول الجمهور، وروي عن ابن عباس كراهيته إلا لمن يريد الصلاة، وعن ابن مسعود مطلقًا، وعن مالك التفصيل بين من له مسكن فيكره وبين من لا مسكن له فيباح». ثم قال الحافظ في شرح حديث «ب»: «فيه مراد الترجمة لأن حديث ابن عمر يدل على إباحته لمن لا مسكن له وكذا بقية أحاديث الباب إلا قصة علي فإنها تقتضي التعميم لكن يمكن أن يفرق بين نوم الليل وبين قيلولة النهار». وفي الترمذي: «وقد رخص قوم من أهل العلم في النوم في المسجد. وقال ابن عباس: لا يتخذه مبيتا ومقيلا وقوم من أهل العلم ذهبوا إلى قول ابن عباس». وقال البيهقي: «وروينا عن سعيد بن المسيب أنه سئل عن النوم في المسجد؟ فقال: فأين كان

стр. 3525

أهل الصفة؟ يعني: ينامون فيه. وروينا عن ابن مسعود وابن عباس ثم عن مجاهد وسعيد بن جبير ما يدل على كراهيتهم النوم في المسجد فكأنهم استحبوا لمن وجد مسكنا أن لا يقصد المسجد للنوم فيه». وأما قولنا: «على أن لا يتخذ مبيتا ومقيلا» فذلك لأن المساجد لم تبن لهذا فالإكثار من ذلك فيها لا سيما لغير حاجة مما يتنافى مع القصد من بنائها، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في فتوى له في هذا الصدد: «فيجب الفرق بين الأمر اليسير وذوي الحاجات، وبين ما يصير عادة ويكثر وما يكون لغير ذوي الحاجات، ولهذا قال ابن عباس: لا تتخذوا المسجد مبيتا ومقيلا». [الثمر المستطاب (٢/ ٨١٣)]. من مباحات المساجد السكن في ناحية منه لمن لا مأوى له من الرجال أو النساء ذكر الإمام من مباحات المساجد: «السكن في ناحية منه لمن لا مأوى له من الرجال أو النساء وفيه أحاديث: «أ» عن طلحة بن عمرو البصري قال: [قدمت المدينة مهاجرا و] كان الرجل [منا] إذا قدم المدينة ف [إن] كان له عريف نزل عليه وإن لم يكن له عريف نزل الصفة فقدمتها [وليس لي بها عريف] فنزلت الصفة ... الحديث» [صحيح]. «ب» عن أبي هريرة قال: «كان أهل الصفة أضياف [أهل] الإسلام لا يأوون على أهل ولا مال». هو قطعة من حديث له طويل أخرجه البخاري. «والصفة: موضع مظلل في المسجد النبوي». كذا في «الفتح».

стр. 3526

«ج» عن عائشة ﵁: أن وليدة كانت سوداء لحي من العرب فأعتقوها فكانت معهم قالت: فخرجت صبية لهم عليها وشاح أحمر من سيور قال: فوضعته أو وقع منها فمرت به حدياة وهو ملقى فحسبته لحما فخطفته قالت: فالتمسوه فلم يجدوه قالت: فاتهموني به قالت: فطفقوا يفتشون قال: حتى فتشوا في قبلها قالت: فوالله إني لقائمة معهم إذ مرت الحدياة فألقته قالت: فوقعت بينهم قالت: فقلت: هذا الذي اتهمتموني به زعمتم وأنا منه بريئة وهو ذا هو قالت: فجاءت إلى رسول الله ﷺ فأسلمت. قالت: عائشة: فكان لها خباء في المسجد أو حفش قالت: فكانت تأتيني فتحدث عندي قالت: فلا تجلس عندي مجلسا إلا قالت: ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا ألا أنه من بلدة الكفر أنجاني. قالت عائشة: فقلت لها: ما شأنك لا تقعدين معي مقعدا إلا قلت هذا؟ قالت: فحدثتني بهذا الحديث». أخرجه البخاري. قال ابن بطال: «فيه أن من لم يكن له مسكن ولا مكان مبيت يباح له بالمبيت في المسجد سواء كان رجلا أو امرأة عند حصول الأمن من الفتنة، وفيه اصطناع الخيمة وشبهها للمسكين رجلا كان أو امرأة». نقله في «العمدة». قلت: والحديثان الأولان يدلان لذلك أيضا في خصوص الرجال، وأما استيطان المسجد كله لضرورة - كما وقع في هذه الأيام حيث هاجر نحو سبعين ألفا من الفلسطينيين إلى سوريا هربا من فظائع اليهود فأنزلت الدولة بعضهم في كثير من المساجد - فأعتقد جواز ذلك بشرط أن لا يؤدي إلى تعطيل صلاة الجماعة بأن تكون الجوامع والمساجد كثيرة فينزل المهاجرون بعضها من التي لا يؤدي إغلاقها في

стр. 3527

وجوه المصلين إلى التعطيل المشار إليه. والله تعالى أعلم. [الثمر المستطاب (٢/ ٨١٧)]. من مباحات المساجد قسمة المال ذكر الإمام من مباحات المساجد: «قسمة المال لحديث: أتي النبي ﷺ بمال من البحرين «وفي رواية: أن العلاء بن الحضرمي بعث إلى رسول الله ﷺ من البحرين بثمانين ألفا» فقال: «انثروه في المسجد» - وكان أكثر مال أتي به رسول الله ﷺ «وفي الرواية الأخرى: فأمر بها فنشرت على حصير ونودي بالصلاة» فخرج رسول الله ﷺ إلى الصلاة ولم يلتفت إليه فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه [وجاء الناس حين رأوا المال وما كان يومئذ عدد ولاوزن ما كان إلا قبضا فما كان يرى أحدا إلا أعطاه إذ جاءه العباس فقال: يا رسول الله أعطني فإني فاديت نفسي وفاديت عقيلا [يوم بدر ولم يكن لعقيل مال] فقال له رسول الله ﷺ : «خذ» فحثا في ثوبه «وفي الرواية الأخرى: في خميصة كانت عليه» ثم ذهب يقله فلم يستطع [فرفع رأسه إلى رسول الله ﷺ ] فقال: يا رسول الله مر بعضهم برفعه إلي قال: «لا» قال: فارفعه أنت علي [فتبسم رسول الله ﷺ حتى خرج ضاحكه أو نابه] قال: «لا» [لكن أعد في المال طائفة وقم بما تطيق] فنثر منه ثم ذهب يقله [فلم يرفعه] فقال: يا رسول الله مر بعضهم يرفعه علي قال: «لا» قال: فارفعه أنت قال: «لا» فنثر منه ثم حمله فألقاه على كاهله ثم انطلق [وهو يقول: أما إحدى اللتين وعدنا الله فقد أنجزها ولا أدري ما يصنع في الأخرى يعني قوله: ﴿قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال / ٧٠] فهذا خير مما أخذ مني ولا أدري ما يصنع في المغفرة]- فما زال رسول الله ﷺ يتبعه بصره حتى خفي علينا عجبا من حرصه فما

стр. 3528

قام رسول الله ﷺ وثم منها درهم». الحديث أخرجه البخاري هكذا مطولا ومختصرا وهو معلق حيث قال: وقال إبراهيم بن طهمان عن عبد العزيز ابن صهيب عن أنس ﵁ قال ... فذكره. ثم إن الحديث قد ترجم له البخاري بـ: «باب القسمة وتعليق القنو في المسجد». وقال الحافظ: «فيه جواز وضع ما يشترك المسلمون فيه من صدقة ونحوها في المسجد، ومحله ما إذا لم يمنع مما وضع له المسجد من الصلاة وغيرها مما بني المسجد لأجله، ونحو وضع هذا المال وضع مال زكاة الفطر، ويستفاد منه وضع ما يعم نفعه في المسجد كالماء لشرب من يعطش، ويحتمل التفرقة بين ما يوضع للتفرقة وبين ما يوضع للخزن فيمنع الثاني دون الأول وبالله تعالى التوفيق». قلت: ولم يذكر البخاري في هذا الباب حديثا في تعليق القنو مع أنه ترجم له فكأنه أشار بذلك إلى بعض الأحاديث الواردة في ذلك كما يأتي ولم يذكرها وإن كانت صحيحة لأنها ليست على شرطه. [الثمر المستطاب (٢/ ٨٢٠)]. من مباحات المساجد تعليق العذق أو العنقود للفقراء ذكر الإمام من مباحات المساجد: «تعليق العذق أو العنقود للفقراء فقد «أمر ﷺ من كل حائط بقنو للمسجد». [صحيح]. «ولذلك «كانت الأنصار تخرج - إذا كان جذاذ النخل - من حيطانها أقناء البسر فيتعلقونه على حبل بين إسطوانتين في مسجد رسول الله ﷺ فيأكل منه فقراء المهاجرين ... الحديث».

стр. 3529

وتمامه: «فيعمد أحدهم فيدخل قنوا فيه الحشف يظن أنه جائز في كثرة ما يوضع من الإقناء فنزل فيمن فعل ذلك: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة / ٢٦٧] يقول: لا تعمدوا للحشف منه تنفقون ﴿وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة / ٢٦٧] يقول: لو أهدي لكم ما قبلتموه إلا على استحياء من صاحبه غيظا أنه بعث إليكم ما لم يكن لكم فيه حاجة ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ﴾ عن صدقاتكم ﴿حَمِيد﴾. [صحيح]. «وقال عوف بن مالك الأشجعي: «خرج علينا رسول الله ﷺ ومعه العصا وفي المسجد أقناء معلقة فيها قنو فيه حشف فغمز القنو بالعصا التي في يده قال: «لو شاء رب هذه الصدقة تصدق بأطيب منها إن رب هذه الصدقة ليأكل الحشف يوم القيامة». [إسناده جيد]. وفي هذين الحديثين دليل على جواز تعليق القنو - بكسر القاف وسكون النون- وهو العذق وهو العرجون بما فيه. ومثله في الحكم العنقود ونحوه. وقد سبق كلام الحافظ في ذلك في الفصل الماضي وفي «العمدة»: «وقال ابن القاسم: وسئل مالك عن الأقناء في المسجد وما يشبه ذلك فقال: لا بأس بها. وسئل عن الماء الذي يسقى في المسجد أترى أنه يشرب منه؟ قال: نعم إنما جعل للعطش ولم يرد به أهل المسكنة فلا أرى أنه يترك شربه ولم يزل هذا من أمر الناس». [الثمر المستطاب (٢/ ٨٢٣)]. من مباحات المساجد السؤال من المحتاج والتصدق عليه ذكر الإمام من مباحات المساجد: «السؤال من المحتاج والتصدق عليه لحديث: «هل منكم أحد أطعم اليوم مسكينا؟ » فقال أبو بكر ﵁: دخلت المسجد فإذا أنا بسائل يسأل فوجدت كسرة خبز في عبد الرحمن فأخذتها [منه] فدفعتها إليه». [حسن لغيره]. وفيه دليل على ما ذكرنا من جواز السؤال والتصدق في المسجد وقد ترجم له

стр. 3530

ببعض ذلك أبو داود حيث قال: «باب المسألة في المساجد». وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن هذه المسألة فأجاب ﵀ بما نصه: «أصل السؤال محرم في المسجد وخارج المسجد إلا لضرورة، فإن كان به ضرورة وسأل في المسجد ولم يؤذ أحدا بتخطيه رقاب الناس ولا بغير تخطيه ولم يكذب فيما يرويه ويذكر من حاله ولم يجهر جهرا يضر الناس مثل أن يسأل الخطيب والخطيب يخطب أو وهم يسمعون علما يشغلهم به ونحو ذلك جاز والله أعلم» «فتاوى» له «١/ ١٢٣ - ١٣٤». وقال السيوطي في رسالة بذل العسجد لسؤال المسجد من الحاوي «٢/ ١١٠٩» ما ملخصه: «السؤال في المسجد مكروه كراهة تنزيه وإعطاء السائل فيه قربة يثاب عليها وليس بمكروه فضلا عن أن يكون حراما. هذا هو المنقول والذي دلت عليه الأحاديث». ثم نقل عن النووي أنه قال: «لا بأس بأن يعطى السائل في المسجد لهذا الحديث». قال السيوطي: «والحديث الذي أورده فيه دليل للأمرين معا: أن الصدقة عليه ليست مكروهة، وأن السؤال في المسجد ليس بمحرم لأنه ﷺ اطلع على ذلك بإخبار الصديق ولم ينكره ولو كان حراما لم يقر عليه بل كان يمنع السائل من العود إلى السؤال في المسجد. وبذلك يعرف أن النهي عن السؤال في المسجد - إن ثبت - محمول على الكراهة والتنزيه وهذا صارف له عن الحرمة قال: وما وقع في «المدخل» لابن الحاج من حديث: «من سأل في المساجد فاحرموه» فإنه لا أصل له وإنما قلنا بالكراهة أخذا من حديث النهي عن نشد الضالة في المسجد وقوله: «إن المساجد لم

стр. 3531

تبن لهذا». ويدل على جواز التصدق في المسجد الحديث الآتي أيضا وهو مما فات السيوطي فلم يورده في رسالته بل ولا أشار إليه وهو: «ودخل رجل المسجد [في هيئة بذة] فأمر النبي ﷺ أن يطرحوا له ثيابا فطرحوا فأمر له منها بثوبين ثم حث على الصدقة فجاء فطرح أحد الثوبين فصاح به «وفي لفظ: «فانتهره» وقال: «خذ ثوبك». وفي الباب عن جرير بن عبد الله قال: كنا في صدر النهار عند رسول الله ﷺ فجاءه قوم عراة مجتابي النمار متقلدي السيوف ... فتمعر وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة فدخل وخرج فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى ثم خطب الناس فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ... ﴾ إلى آخر الآية: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء / ١] والآية التي في الحشر: ﴿اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر / ١٩]: تصدق رجل من ديناره ... الحديث وفيه أن رجلا من الأنصار ابتدأ الصدقة ثم تتابع الناس بعده وفيه قال رسول الله ﷺ : «من سن في الإسلام سنة حسنة ... » الحديث. أخرجه مسلم وغيره. [الثمر المستطاب (٢/ ٨٢٦)]. من مباحات المساجد الكلام المباح أحيانا بحيث أن لا يجعل ذلك ديدنه ذكر الإمام من مباحات المساجد: «الكلام المباح أحيانا بحيث أن لا يجعل ذلك ديدنه لقول جابر ابن سمرة ﵁: شهدت النبي ﷺ أكثر من مائة مرة [في المسجد] وأصحابه يتذاكرون الشعر

стр. 3532

وأشياء من أمر الجاهلية فربما تبسم معهم». [صحيح]. وفي «الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية ما نصه: «مسألة في النوم في المسجد والكلام والمشي بالنعال في أماكن الصلاة هل يجوز ذلك أم لا؟ الجواب: أما النوم أحيانا للمحتاج مثل الغريب والفقير الذي لا مسكن له فجائز، وأما اتخاذه مبيتا ومقيلا فينهون عنه، وأما الكلام الذي يحبه الله ورسوله في المسجد فحسن، وأما المحرم فهو في المسجد أشد تحريما، وكذلك المكروه، ويكره فيه فضول المباح. وأما المشي بالنعال فجائز كما كان الصحابة يمشون بنعالهم في مسجد النبي ﷺ لكن ينبغي للرجل إذا أتى المسجد أن يفعل ما أمره به رسول الله ﷺ فينظر في نعله فإن كان بهما أذى فليدلكهما بالتراب فإن التراب لهما طهور. والله أعلم». قلت: وأما الحديث المشهور على ألسنة الناس والمعلق على جدران كثير من المساجد: «الكلام في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب أو كما تأكل البهائم الحشيش» فقال الحافظ العراقي في «تخريج الإحياء»: «لم أقف له على أصل». وقال الصغاني في «موضوعاته»: «ومن الأحاديث الموضوعة قولهم: «من تكلم بكلام الدنيا في المساجد أو في المسجد أحبط الله أعماله أربعين سنة» ومنها الأحاديث الموضوعة في فضيلة السراج والقناديل والحصير في المسجد لم يثبت منها شيء بل كانت الصحابة يتكلمون في بعض الأحايين في المسجد وينامون فيه أيضا لكن بالأدب التام والحشمة والاحترام وكذا في المقابر وخلف الجنازة». [الثمر المستطاب (٢/ ٨٣٢)]. من مباحات المساجد الأكل والشرب أحيانًا ذكر الإمام من مباحات المساجد: «الأكل والشرب أحيانا لحديث عبد الله بن

стр. 3533

الحارث بن جزء الزبيدي ﵁ قال: كنا يوما عند رسول الله ﷺ في الصفة فوضع لنا طعام فأكلنا فأقيمت الصلاة فصلينا ولم نتوضأ. وفي رواية عنه قال: كنا نأكل على عهد رسول الله ﷺ في المسجد الخبز واللحم». [صحيح]. وفي الباب عن ابن عمر: أن النبي ﷺ أتى بفضيخ في مسجد الفضيخ فشربه فلذلك سمي. أخرجه أحمد: ثنا وكيع ثني عبد الله بن نافع عن أبيه عنه. ورجاله ثقات رجال الستة غير عبد الله بن نافع وهو ضعيف كما في «التقريب». ومن طريقه أخرجه أبو يعلى ولفظه: أن النبي ﷺ أتى بجر فضيخ بسر وهو في مسجد الفضيخ فشربه فلذلك سمي مسجد الفضيخ. ذكره في «المجمع». قال الشوكاني ما مختصره: «والحديث يدل على المطلوب منه وهو جواز الأكل في المسجد وفيه أحاديث كثيرة: منها سكنى أهل الصفة فإن كونهم لا مسكن لهم سواه فيستلزم أكلهم للطعام فيه، ومنها ربط الرجل الاسير بسارية من سواري المسجد، وفي بعض طرقه أنه استمر مربوطا ثلاثة أيام، ومنها ضرب الخيام في المسجد لسعد بن معاذ كما تقدم وللسوداء التي كانت تقم المسجد، ومنها إنزال وفد ثقيف المسجد وغيرهم والأحاديث الدالة على جواز أكل الطعام في المسجد متكاثرة». قلت: وكل هذه الأحاديث المشار إليها قد سبق ذكرها في مواطنها اللائق بها في هذا الفصل فلتراجع. [الثمر المستطاب (٢/ ٨٣٤)].

стр. 3534

صلاة المأموم خارج المسجد

стр. 3535

حكم صلاة المأموم خارج المسجد مداخلة: [يسأل سائل عن حكم الصلاة خارج المسجد خلف الإمام]؟ الشيخ: يعني: ما بيجوز أنت تصلي هنا، إلا إذا انْسَدَّ الطريق أن تصلي في المسجد، كذلك الطريق الذي قلنا، ما بيجوز تصلي في الطريق وبعد فيه فراغ في المسجد، لكن عندما تتصل الصفوف يميناً أو يساراً أو خلفاً، هذه قبلة المسجد وهذه الصفوف، فهي امتدت إلى شارع أو شوارع، فهنا الصلاة صحيحة في ذلك، لكن أن يصلي الإنسان خارج المسجد ويستطيع أن يدخل في المسجد، فهذا لا يجوز. (الهدى والنور / ٢٤/ ٤٢: ٢١: .. )

стр. 3536

الملحقات بالمسجد

стр. 3537

الصلاة في مكان تابع للمسجد، مع العلم أن طريقاً يقطع بينهما السائل: إذا ضاق المسجد بأهله فهل تجوز الصلاة في مكان تابع للمسجد مع العلم أن طريقاً يقطع بينهما؟ الشيخ: للضرورة يجوز. ومن الضرورة أن يكون المسجد قد امتلأ بالمصلين , أما إذا كان في المسجد لا يزال فراغ فلا يجوز الصلاة خارج المسجد، إلا بعد تشغيل وتملئة هذا الفراغ. (الهدى والنور / ١٣٣/ ١٤: ٣٩: ٠٠) الغرفة أو الملاصقة للمسجد التي بابها إلى المسجد هل تعد من المسجد ؟ الملقي: الغرفة الملاصقة للمسجد التي بابها إلى المسجد، هذه هل تُعَدُّ من المسجد أم لا؟ الشيخ: إذا كانت في دائرة بنيان المسجد، فكل ما في هذه الدائرة هي من المسجد، أما إذا كانت خارج بناء المسجد فليست من المسجد. الملقي: ملصقة بالمسجد لا يصلح. الشيخ: نعم. الملقي: إذا كانت ملصقة بجدار المسجد، لا تكون من المسجد. الشيخ: والدخول إليها من خارج المسجد، فهي ليست من المسجد، ليست من المسجد، إلا إذا أوقفها، كما أنه هنا لا بد من تفصيل، إلا إذا أوقفها الباني بحيث لا يجوز التصرف فيها، كما لا يجوز التصرف في المسجد فهي من المسجد. (الهدى والنور /٥٣٠/ ٣٠: ٠٠: ٠١)

стр. 3538

الغرفة التي تكون داخل المسجد وبابها داخل المسجد هل تُعطى أحكام المسجد ؟ السؤال: الغرفة التي تكون داخل المسجد وبابها داخل المسجد، فهل تُعطى أحكام المسجد: من صلاة تحية المسجد، وتحريم البيع فيها .. إلخ؟ الشيخ: نعم، ما دام هي جزء من المسجد، فلا يجوز أن تُعَامل إلا بحكم المسجد في كل شيء. السائل: يعني ... الشيخ: لا يجوز البيع، ولا يجوز أن يجلس قبل التحية، فهو من المسجد. السائل: وإذا كان بابها خارج المسجد؟ الشيخ: بابها، يختلف حينئذٍ الحكم يكون غرفة. السائل: وإذا كان لها بابان باب خارجي وداخلي؟ الشيخ: يعود الحكم الأول. (الهدى والنور /٣٠١/ ٣٠: ٠٤: ٠٠) هل يشرع إنشاء المرافق مع المسجد، وكلمة حول عدم مشروعية فصل مصلى النساء بفاصل عن باقي المسجد السائل: يقول: بالنسبة لإنشاء المرافق مع المسجد، مثل: المُتَوَضّأ، ومصلى النساء، ودار للقرآن، والمصاريف هذه كلها، هل يُشرع مثل هذه المرافق مع المسجد؟ الشيخ: إذا لم تخالف السنة يُشْرَع، ذلك من مثل بناء المراحيض في البيوت،

стр. 3539

حيث لم تكن من قبل. مداخلة: دار للقرآن مثلاً؟ الشيخ: الجواب عن كل ما سألت الجواز، إلا إذا كان هناك مخالفة للشريعة. مداخلة: مثل كيف مخالفة؟ الشيخ: نعم. مداخلة: يعني مثال كيف؟ الشيخ: لعل صاحب الدار أدرى بما فيها، يعني: مسألة اتخاذ دار للقرآن مربط، يعني: مأوى للعجزة، يعني: يخرج عن الغاية التي بني هذا، واضح؟ لعله نحن نتلقى منك بعض التفصيلات نستعين بها على التَفَقُّه في الدين. مداخلة: والله أنا الذي رأيته أستاذي أنها غالباً تُسْتَعْمَل في غير طاعة الله. الشيخ: ... فصدق من قال: صاحب الدار أدرى بما فيها. مداخلة: [وحكم مصلى النساء]؟ الشيخ: ماذا تعني أنت بمصلى النساء؟ مداخلة: يعني: هذا المكان، المسجد الذي يصلوا فيه ويسموه مُصَلَّى النساء، مسجد هم يعملوه منفصل عن مصلى الرجال، مع أنه ثابت في السنة أن الرسول ﵇ كان يُقَدِّم الرجال ويؤخر النساء. الشيخ: ونحن هذا ذكرنا في كثير من المجالس، أن وضع الستارة بين الرجال والنساء هذا طبعاً خلاف السنة، والداعي إليه مخالفة السنة. وهذا مثال صالح يتعلق بموضوع المصالح المرسلة التي نشرح فيها، ونقول: إنه ليس كل وسيلة تُحَقِّق هدفاً شرعياً يجوز استعمالها، بأنه لابد من التفصيل، من ذاك التفصيل: أن هذه الوسيلة التي حدثت وحققت مصلحة شرعية، يجب أن ننظر

стр. 3540

هل كان الدافع والباعث على إخراجها إلى حَيِّز الوجود هو تقصير المسلمين في القيام ببعض أحكام الدين أم لا؟ فإن كان الأول لم تكن وسيلة مشروعة، وإن كانت الأخرى فهي جائزة. الآن: لماذا وُجِدَت هذه المصليات كما تقول؟ لأن كثيراً من النساء يخرجن من بيوتهن غير متجلببات بالجلباب الشرعي، ثم يدخلن المسجد ويُصَلِّين كذلك، وقد تَتَخذ بعضهن من الجلابيب والألبسة حيث إذا دخلت في الصلاة تكون متسترة الستار الشرعي، لكن مع ذلك هذا أيضاً لا يجوز، لكن هذا نتركه الآن جانباً. الذي حمل الناس على وضع هذه الحُجُب من الجدر، من الأسمنت، يفصل مصلى النساء عن الرجال، هو؛ لكي لا تقع أنظار وأبصار الرجال على النساء، فما هو المحذور من وقوع أبصار الرجال على النساء والحالة هذه؟ نقول: المحذور أن الأبصار أبصار الرجال، ستقع على ما لا يجوز النظر إليه؛ لأن النساء في المصلى لسن متحجبات الحجاب الشرعي، أما لو كُنّ متجلببات الجلباب الشرعي، فوقع بصر الرجال على النساء، وبخاصة في الخلف، فسوف لا يقع بصر الرجال على مُحَرَّم؛ لأن المفروض أن هذه النسوة اللاتي حضرن المسجد هم على صورتين: فضلى وجائزة، الفضلى: أن يكُنّ متجلببات متحجبات لا يظهر منهن شيء إطلاقاً لا الوجه ولا الكفين، أي: إما متنقبات على الطريقة المعروفة قديماً، أو متبرقعات بالبرقع المعروف اليوم، ثم هن متقفزات فلا يظهر منهن شيء، هذا هو الأفضل، والصورة الأخرى أن تكون هذه النسوة لا يظهر منهن شيء أبداً إلا قرص الوجه وإلا الكفين، ثم بالإضافة إلى ذلك يكون لباسهن ليس زينة في نفسه، ولا يُحَجِّم عضواً من أعضائهن. فحينئذٍ: إذا وقع بصر الرجل على بعضهن فسوف لا يرى محرماً؛ لأن الله -وأرجو الانتباه لهذه المسألة؛ لأني أعلم أنني قلما أتعرض لها-؛ حينما قال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: ٣٠] .. ﴿وَقُلْ
следующие страницы →