← Фикх общий

Фикх общий · id 145204

جامع تراث العلامة الألباني في الفقه

ناصر الدين الألباني

Полный текст (8 195 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

كان لم يسمع من ابن مسعود، فهو عنه مرسل في الظاهر، إلا أنه قد صحح جماعة من الأئمة مراسيله، وخص البيهقي ذلك بما أرسله عن ابن مسعود. قلت: وهذا التخصيص هو الصواب لما روى الأعمش قال: قلت: لإبراهيم: أسند لي عن ابن مسعود، فقال إبراهيم: إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله، فهو الذي سمعت، وإذا قلت: قال عبد الله، فهو عن غير واحد عن عبد الله. علقه الحافظ هكذا في «التهذيب»، ووصله الطحاوي «١/ ١٣٣»، وابن سعد في «الطبقات» «٦/ ٢٧٢»، وأبو زرعة في «تاريخ دمشق» «١٢١/ ٢» بسند صحيح عنه. قلت: وهذا الأثر قد قال فيه إبراهيم: «قال عبد الله»، فقد تلقاه عنه من طريق جماعة، وهم من أصحاب ابن مسعود، فالنفس تطمئن لحديثهم لأنهم جماعة، وإن كانوا غير معروفين لغلبة الصدق على التابعين، وخاصة أصحاب ابن مسعود ﵁، ثم روى ابن أبي شيبة عن سالم بن أبي الجعد قال: «لا تتخذوا المذابح في المساجد». وإسناده صحيح. ثم روى بسند صحيح عن موسى بن عبيدة قال: رأيت مسجد أبي ذر، فلم أر فيه طاقا، وروى آثارا كثيرة عن السلف في كراهة المحراب في المسجد، وفي ما نقلناه عنه كفاية. وأما جزم الشيخ الكوثري في كلمته التي صدر بها رسالة السيوطي السالفة «ص ١٧»: أن المحراب كان موجودا في مسجد النبي ﷺ ، فهو مع مخالفته لهذه الآثار التي يقطع من وقف عليها ببدعية المحراب، فلا جرم جزم بذلك جماعة من النقاد، كما سبق، فإنما عمدته في ذلك حديث لا يصح، ولا بد من الكلام عليه دفعا لتلبيسات الكوثري، وهو من حديث وائل بن حجر، وهو قوله: «حضرت رسول الله ﷺ حين نهض إلى المسجد، فدخل المحراب [يعني موضع المحراب]، ثم رفع يديه بالتكبير، ثم وضع يمينه على يسراه على صدره». ضعيف. [ثم فصل الإمام الكلام على ضعفه]. السلسلة الضعيفة (١/ ٦٣٩ - ٦٤٣).

стр. 3572

حكم المحراب في المسجد، وحكم السواري، وكلمة حول بعض منهيات المساجد مداخلة: بالنسبة يا شيخنا، بالنسبة للمحراب في المسجد، ما حكمه؟ الشيخ: بدعة. مداخلة: هناك من يقول، أو سمعت يعني أنا: قائل يقول: إن المحراب يُوَفِّر صفاً؟ الشيخ: المحراب يوفر صفاً؟ ! مداخلة: نعم. الشيخ: هو واهم. مداخلة: واهم. الشيخ: إيه. مداخلة: جزاك الله خيراً وبارك الله فيك. الشيخ: لأنه عَمّ يتطور، لا بِدّي أبين لك. عم يتطور شيئين، أهَمُّهما أو أخطرهما قريب من الاستدراك على الشارع الحكيم؛ لأنه هو هذا الرجل بين أحد أمرين: إما أن يعتقد معنا أنه لم يكن في مسجد الرسول ﵇ محراب، أو أن يعتقد العكس كما يظنون اليوم جماهير الناس، فإن كان الأول هنا الخطورة، إن كان يعتقد معنا أنه مسجد الرسول لم يكن فيه محراب، فمعنى ذلك أن الرسول الذي أشرف على بناء المسجد، ما كان هو المهندس اللائق لتخطيط وبنيان المسجد، ففاته ما استدركه هذا المُتَكَلِّف. فهمت الخطورة أين تكمن؟ مداخلة: نعم، جزاك الله خيراً. الشيخ: وإما أن يعتقد معنا أنه لم يكن هناك منبر، فحينئذٍ هذا الاعتقاد يطيح

стр. 3573

بعقيدتنا جميعاً: «خير الهدى هدى محمد ﷺ ». ثم هذا الكلام إنما يستقيم بالنسبة للمساجد، وليس بالنسبة للجوامع، لعلي أخطأت حينما قلت هذا الكلام يستقيم؛ لأنه غير مستقيم، وإنما أردت أن أقول: إن هذا الكلام قد يصح بالنسبة للمساجد وليس للجوامع، المساجد التي لا تُصَلَّى فيها الجمعة، فهي بطبيعة الحال لا يكون فيها منبر يخطب عليه الخطيب. أما بالنسبة للجوامع ففيها المنابر، وحينئذٍ: هذا الرجل وأمثاله يقولون، ما يقولون لتسليك الواقع مش لدعوة يؤمنون بها، وإلا فوجود المنبر في المسجد يُحَدّد ماذا؟ القبلة. واضح؟ مداخلة: نعم. الشيخ: ثم هل يمكن المنبر الطويل الذي يقطع الصفوف، ويدل في الوقت نفسه على القبلة؟ لا يبحث هذه النواحي، وهذا من الاشتغال بالسياسة. لعلك فهمتني؟ مداخلة: جزاك الله خيراً. الشيخ: آه. ومع ذلك فهناك رسالة لطيفة جداً، وإن كان أفسدها بعض المعلقين، هي رسالة «الحافظ السيوطي» التي أسماها: «إعلام الأريب في بدعة المحاريب» أو قال: بحدوث بدعة المحاريب. فهو ذهب هناك في هذه الرسالة إلى هذا المذهب الحق، أن مسجد الرسول ﵇ لم يكن فيه محراب، وتبنى هذا بعض العلماء المتأخرين، والذي يحضرني منهم الآن «الشيخ ملا علي القاري الحنفي» فقد صَرَّحوا بأن المحراب في المسجد بدعة. يُضَاف إلى ذلك: أن هناك آثار سلفية، بأنهم كانوا يكرهون الصلاة في الطاق، والطاق هو الفتحة في المحراب؛ والسبب في ذلك: أن المحاريب بدعة نصرانية تسربت إلى المسلمين في القرون الأولى -مع الأسف- ولذلك: كان بعض العارفين بالسنة إذا صلوا في مسجد فيه طاق فيه محراب، انحرفوا عنه كما لو لم يكن هناك محراب. فلذلك الباحثون لا يترددون إطلاقاً في إنكار بدعية المحراب في المسجد،

стр. 3574

ولذلك جَرَيْت على أن أقول حينما أروي حديث ذو اليدين، الذي فيه أن النبي ﷺ صلى العصر ركعتين، ثم سَلَّم، ثم انتحى ناحية من المسجد، وجرى النقاش بينه وبين ذو اليدين حينما قال له: أَقُصِرَت الصلاة أم نسيت؟ قال: «كل ذلك لم يكن». قال: بلى يا رسول الله. فقام رسول الله ﷺ إلى مقامه. وأقول هنا ولا أقول: إلى محرابه؛ لأنه لم يكن في مسجد الرسول محراب، وإنما كان هناك مكان يصلي فيه. وقد جاء في حديث إسناده ممكن تحسينه، أن النبي ﷺ لما زار مسجداً جعل له علامة عموداً بدل المحراب؛ ليدل على القبلة. ولا يهمنا كثيراً ثبوت الحديث، بمقدار ما يهمنا مما فيه لفت النظر إلى أنه ليس من الضروري أن نتخذ المحراب دليلاً على القبلة، فممكن مثلاً يجعل الجدار القبلى مسح، ونحط مثلاً عمودين. مداخلة: شباك، نحن عملنا شباك. الشيخ: عمودين؛ عشان يدل ويوحوا أنه مكان للإمام هنا المحراب، أما التزامنا المحراب، وبخاصة هذه المحاريب الذي يتفننوا فيها في تطقيمها، في تجسيمها، في زخرفتها، في في، إلى آخره. وخير الهدى هدى محمد. مداخلة: تكملةً للسؤال، كمان بالنسبة إلى وجود الأعمدة أو السواري داخل المسجد، هل كان في مسجد النبي ﷺ يعني سواري كما هي مثلاً، كما هي موجودة الآن، أو أقل منها أو إلى آخره؟ الشيخ: طبعاً، كان في المسجد النبوي سواري ما شئت أو ما لا شئت؛ لأن المسجد كان مسجداً متواضعاً، وكان لا يُبْنَى إلا على السواري، ومع ذلك فكان ينهى الذين يصلون في هذا المسجد عن الصلاة بين السواري. وهذا يعني، وأنا كنت لما بدأت بتأليف كتاب «الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب» كنت وضعت صورةً للمسجد السلفي أنه ما يكون فيه ولا سارية] ولا

стр. 3575

عمود، ويكون له باب للرجال وباب للنساء. اليوم من الممكن كما لا يخفاك، بناء مسجد بدون أيَّ سارية وبدون أي عمود. مداخلة: هذا ما فعلناه يعني بناءً، جزاك الله خيراً بناء على توصيتك. الشيخ: الحمد لله. مداخلة: لكن لما رحت الكويت بدؤوا يقولوا: ليش ما في أعمدة، وليش ما في محراب. الشيخ: الله أكبر. مداخلة: وأخذ يستنكر هذا القائل حتى يعني يقولوا أن المحراب ليس سنة، ولكنه يعني يُقَدّم الصف أو يعني يُوفِّر صفاً، فقلت لهم: في الحالة هذه يمكن يعني يقفوا عن يمين وشمال الإمام إذا كان بِدَّك تُوَفِّر الصف، لكن يقول هذه ليست من السنة؟ الشيخ: ما هي؟ مداخلة: يعني أن يقف المصلين عن يمين الإمام وعن شماله. الشيخ: إيه. مداخلة: يعملوا صفاً، وهو جاء بكلمة أنه يوفر صف، وجود المحراب يوفر صف، يعني الإمام يصلي فيه. الشيخ: أنا أعرف، سنسأله السؤال التالي، وهذا من شؤم تسليك البدعة: أيُّهما أشد إغراقاً في مخالفة السنة: إيجاد المحراب الثابت على مَرّ الزمان والمكان، أو إذا اقتضت الحاجة وكَثُرَت الصفوف واضطر الإمام أنه يقف في منتصف الصف؟ أيُّهما أقل وقوعاً؟ لا شك الثاني أقل وقوعاً، بل في كثير من المساجد خاصة المسجد تبعكم هلاّ، أنا ما راح أتصور أنه راح يضطر الإمام يوماً ما أنه يصلي وسط الصف، وإن وقع

стр. 3576

فهو نادر جداً. مداخلة: نعم. الشيخ: بينما المحراب ثابت في ضرورة وإلا ما في ضرورة؟ عرفت كيف؟ مداخلة: نعم، جزاك الله خيراً. الشيخ: يعني هنا تأتي قاعدة: الضرورات تُبيح المحظورات، والضرورة تُقَدّر بقدرها. يعني: لو بنينا مسجد مدينة، ما يتصور أنه يصلى فيها صفوف يضطر الإمام فيها أن يقف في منتصف الصف، في حاجة حينئذٍ للمحراب؟ من شان دفع المشكلة هذه؟ ما في حاجة. فهم ما يفكروا في حاجة أو ما في حاجة، يفكروا أنه ما هيك النظام الآن وانتهى الأمر، والله المستعان. مداخلة: يا شيخنا، أنا قلت له. قلت له شيخَنا جزاه الله خيراً، يعني طلب مني خصيصاً لهذا الأمر، وقال لي: المسجد السلفي في كذا كذا، فنحن نَفَّذنا، يعني حرصاً يعني كما قال الشيخ، وفعلاً يعني بس نخلص ... إن شاء الله تكون أول من صلي فيه، هذه في نيتنا إن شاء الله، وبعدين كنا نفذنا حرفاً بحرف شيخنا جزاه الله خيراً طلب الاتصال لهذا الأمر. الشيخ: الله يجزيكم الخير. مداخلة: ويبارك فيك. وبعد ما عملنا له بعدين باب شمالي وشرقي وباب جنوبي غربي، مُتَوضّأ للنساء، مستقل تماماً عن متوضأ الرجال. الشيخ: طيب. مداخلة: ما عملنا حاجة، ما في يعني لا محراب، ولا أعهدة هناك استنكروا، يعني كأنهم ويقولوا الشيخ فلان، قلت لهم: فلان قال أنتم على هذا. الشيخ: يا جماعة! الناس في غفلة، حتى إخواننا أهل السنة.

стр. 3577

أذكر جيداً في إحدى سفراتي إلى القاهرة، طبعاً كان تَرَدُّدنا الأكثر لمقر أنصار السنة في القاهرة، فزوّروا لي قرية أو بلدة اسمها سوهاج، وأرادوا أنهم يُطْلِعوني على مسجد يبنيه أنصار السنة، فعلاً أخذوني إلى المسجد ولا يزال يعني يبنى، يسألوني: ما رأيك؟ بعدما فهمت يعني تقاطيع المسجد، وإذا المسجد له باب واحد، فقلت لهم: أين باب النساء؟ هم طبعاً عارفين، لو غيرهم يستغربوا مثل هذا السؤال، لكن هم قارئين مثلي في سنن أبي داود من حديث نافع عن ابن عمر قال: «إن النبي ﷺ دخل يوماً من باب من أبواب المسجد فقال: لو تركنا هذا الباب للنساء. قال نافع عن مولاه ابن عمر: فلم يدخل ابن عمر المسجد من ذاك الباب إلى أن مات» وكأنه ما يسمى اليوم في المسجد النبوي بباب النساء، هو يعني أثر لذلك الباب، وإن كان المسجد توسع. فأنصار السنة يعلمون هذه الحقيقة، علم ماذا؟ علم نظري، لكن مش منتبهين أن هذا ينبغي تطبيقه، ولذلك؛ وهذا الفرق بين الجماعة يكونوا على منهج، وناس مختلفين في المنهج؛ ما كادوا يسمعون هذا التفكير إلا قالوا: جزاك الله خيراً، ومن ساعتها درسوا معي وين نجعل الباب، اتفقنا على مكان باب النساء. مداخلة: يا شيخنا، جزاك الله خيراً ذَكّرتنا النساء، يكون يعني خلف الرجال؛ حتى ترى النساء حركات الإمام وتَتَبّع الإمام. الشيخ: نعم، نعم. مداخلة: ... يعني، فوجدت في بلدة تبوك يعني في مكان للنساء، حاطين حواجز ... النساء ترى الرجال والرجال لا ترى النساء. الشيخ: أخذت الجواب. نعم. نحن سُئِلنا هناك في السعودية في البلاد التي طفناها أخيراً، عن هل صلاة النساء في هذه المساجد، في أكثر المساجد في جدار أو غرفة تستقل بها النساء، والبعض الآخر في جدار يفصل بين النساء وبين الرجال ذو العيون، تعرفوا هذا؟ هذا يعني أقل ضرراً من ذاك، ذاك يفصلهم عن الإمام، يكاد يكون الفصل تاماً وهذا ما يجوز، فأنا كان كل كلامي يدور حول أنه إيجاد الجدار

стр. 3578

الفاصل بين النساء وبين رؤيتهم للإمام والجماعة، هذه بدعة في المسجد؛ لأن المسجد النبوي لم يكن فيه يومئذٍ مثل هذا الفاصل، ولو كان مشروعاً كان باستطاعته ﵇ أن يفعل ذلك ولو بخوص، شيء ما يكلفهم يعني. ولذلك: فكون النساء لازم يكونوا في المؤخرة، لا يعني أن نضرب بينهن وبين الرجال بجدار فاصل. الآن هذا الذي حكيته آنفاً، يبدو أنه يجمع بين المصلحة جمع المصلحة ودفع المفسدة، لكن ينبغي تجربة الأمر؛ لأنه يكون غرفة محفوظة تماماً، بحيث أنه يصعب أن يصل إلى آذان النساء اللاتي يصلين في هذه الغرفة صوت الإمام الطبيعي؛ بدون مكبر الصوت. مداخلة: يعني مترين ارتفاع الزجاج، فالصوت بالمسجد .... مثلاً بالمسجد من هنا إلى هنا، هذا الباب للنساء خاص، ومن هنا جاء الزجاج، النساء ترى الرجال طبيعي والإمام والصوت وكله تمام. الشيخ: إيه كويس، وبعدين من الأشياء التي يعني دندنّا حولها هناك وهنا، نادراً ما تعرضت له، وأول ما بدأت في هذا الكلام وأنا في الطائف، وسبحان الله! الظاهر الغفلة طبيعة الإنسان، يعني أن يغفل لكن بين غفلة وغفلة في فرق، أُذِّن لأذان المغرب في الطائف وأنا في الدار، وأنا أولاً: مسافر، وثانياً: كما تعلمون من وجع الركب فلا أنزل إلى المسجد، فصليت في الدار فشعرت وأنا أصلي وأنا أقرأ والإمام كمان يقرأ شَوَّش علي، من ساعتها انتبهت عن شيء كنت غافلاً عنه، فطلع معي التنبيه التالي وهو: لا يجوز إذاعة الإقامة كما يذاع الأذان، ولا يجوز إذاعة قراءة الإمام من المسجد إلى خارج المسجد. النقطتين هدول كنت أُدَنْدِن حولها، وأنا على يقين أنهم عمرهم ما سمعوها هذه الكلمات بلا شك، والسبب هنا التأمل في السنة، نحن نعلم أن المؤذن في عهد الرسول ﵊. مداخلة: .... الشيخ: المهم: أن الأذان كان على مكان مرتفع والإقامة في المسجد، فهذا الذي

стр. 3579

يساوي بين الأذان والإقامة في إعلان الصوت، يكون خالف السنة. كذلك الذي يُعْلِن قراءة الإمام في الصلاة لخارج المسجد، معناه عَمَّ يُشَوّش على الذي مشغول، والذي يلعب والذي يضحك والذي .... وإلى آخره. فينبغي القضايا تكون محصورة تماماً، أذان مسجد إعلانه إلى أبعد مكان بالآلات الموجودة اليوم هذه غاية شرعية، أما إعلان الإقامة وإعلان القراءة فهذه بدعة عصرية. (الهدى والنور/٣٢١/ ٣٠: ٣٢: ٠٠) (الهدى والنور/٣٢١/ ٠٤: ٤٥: ٠٠) (الهدى والنور/٣٢١/ ٥٣: ٥١: ٠٠) أحكام في بناء المساجد: ألا يبنيه على قبر [ذكر الإمام ضمن أحكام بناء المساجد]: «أن لا يبنيه على قبر فإنه يحرم ذلك لما روته عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» قالت: «فلولا ذلك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا» وقال ﵊: «اللهم لا تجعل قبري وثنا لعن الله قوما اتخذوا قبورأنبيائهم مساجد». الحديث الأول من حديث عائشة والآخر من حديث أبي هريرة. وكلاهما صحيح. وقد سبق تخريجهما مع أحاديث أخرى وردت في الباب في «الصلاة في المساجد المبنية على القبور». وفي هذا الأحاديث تحريم بناء المساجد على القبور فإن البناء من معاني اتخاذ المساجد على القبور كما تقدم بيانه هناك وقد جاء في بعض الروايات مصرحا بذلك بلفظ: «بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله

стр. 3580

يوم القيامة». «صحيح» أخرجاه. وقد ذهب إلى التحريم كثير من العلماء فقال الإمام محمد في كتابه «الآثار»: «ولا نرى أن يزاد على ما خرج منه «القبر» ونكره أن يجصص أو يطين ويجعل عنده مسجدا». والكراهة عنده للتحريم عند الإطلاق وأما الشافعي فقال في «الأم»: «وأكره أن يبنى على القبر مسجد قال: أكره هذه للسنة والآثار وإنه كره - والله أعلم - أن يعظم أحد من المسلمين - يعني يتخذ قبره مسجدا - ولم تؤمن في ذلك الفتنة والضلال على من يأتي بعده». وفي «المجموع»: «واتفقت نصوص الشافعي والأصحاب على كراهة بناء مسجد على القبر سواء كان الميت مشهورا بالصلاح أو غيره لعموم الأحاديث». قلت: لكن الكراهة عندهم للتنزيه. ومن الدليل على ذلك أنهم قالوا: ويكره أن يصلي على قبر. فقال النووي: «هكذا قالوا: «يكره» ولو قيل: يحرم لحديث أبي مرثد وغيره مما سبق لم يبعد». فلو أن النووي ﵀ قال مثل هذا في قول أصحابه بكراهة البناء لكان أحق وأولى لأن النهي عن البناء أشد وأرهب منه عن الصلاة إلى القبر كما لا يخفى على من وقف على الأحاديث الواردة في هذا الموضوع. ولذلك قال شيخ الإسلام في «الاقتضاء»: «فأما بناء المساجد على القبور فقد صرح عامة الطوائف بالنهي عنه متابعة للأحاديث وصرح أصحابنا وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي وغيرهما بتحريمه ومن العلماء من أطلق فيه لفظ الكراهة «كأنه يشير إلى الشافعي» فما أدري

стр. 3581

عنى به التنزيه أو التحريم؟ ولا ريب في القطع بتحريمه». ثم ساق الأحاديث الواردة في هذا الباب. وقال القرطبي في «تفسيره» ما ملخصه: «فاتخاذ المساجد على القبور والصلاة فيها والبناء عليها إلى غير ذلك مما تضمنته السنة من النهي عنه ممنوع». ثم ذكر حديث عائشة الأخير ثم قال: «قال علماؤنا «المالكية»: وهذا يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والعلماء مساجد». وقال شيخ الإسلام أيضا في «تفسير سورة الإخلاص»: «قال العلماء: يحرم بناء المساجد على القبور. ويجب هدم كل مسجد بني على قبر، وإن كان الميت قد قبر في مسجد وقد طال مكثه سوي القبر حتى لا تظهر صورته فإن الشرك إنما يحصل إذا ظهرت صورته، ولهذا كان مسجد النبي ﷺ أولا مقبرة للمشركين وفيها نخل وخرب فأمر بالقبور فنبشت وبالنخل فقطع وبالخرب فسويت فخرج عن أن يكون مقبرة فصار مسجدا. ولما كان اتخاذ القبور مساجد وبناء المساجد عليها محرما لم يكن شيء من ذلك على عهد الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولم يكن يعرف قط مسجد على قبر». هذا وقد يتوهم أن المحذور إنما هو اتخاذ المساجد على القبور بعدالدفن لا لو بني المسجد أولا وجعل القبر في جانبه ليدفن فيه واقف المسجد أو غيره. قال الشوكاني: «قال العراقي: والظاهر أنه لا فرق وإنه إذا بني المسجد لقصد أن يدفن في بعضه أحد فهو داخل في اللعنة بل يحرم الدفن في المسجد وإن شرطوا أن يدفن فيه لم يصح الشرط لمخالفته لمقتضى وقفه مسجدا. والله أعلم». فإن قيل: فما قصة قبر النبي ﷺ فإنا نراه الآن في مسجده ﷺ ؟ قلت: الجواب في شرح مسلم للنووي حيث قال:

стр. 3582

«قال العلماء: إنما نهى النبي ﷺ عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدا خوفا من المبالغة في التعظيم والافتتان به فربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية، ولما احتاجت الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله ﷺ حين كثر المسلمون وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه ومنها حجرة عائشة ﵂ مدفن رسول الله ﷺ وصاحبيه أبي بكر وعمر ﵄ بنو على القبر حيطانا مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر في المسجد فيصلي إليه العوام ويؤدي إلى المحذور ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر ولهذا قالت في الحديث: «ولولا ذلك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا». وفي ذكره الصحابة في هذه القصة نظر وإن تبعه على ذلك العيني في «العمدة» فإن ذلك لم يقع بحضور أي صحابي فقد قال ابن عبد الهادي في «الصارم المنكي»: «وكان على عهد الخلفاء الراشدين والصحابة حجرته خارجة عن المسجد ولم يكن بينهم وبينه إلا الجدار، ثم إنه إنما أدخلت الحجرة في المسجد في خلافة الوليد بن عبد الملك بعد موت عامة الصحابة الذين كانوا بالمدينة، وكان من آخرهم موتا جابر بن عبد الله وتوفي في خلافة عبد الملك فإنه توفي سنة ثمان وسبعين والوليد تولى سنة ست وثمانين وتوفي سنة ست وتسعين فكان بناء المسجد وإدخال الحجرة فيه فيما بين ذلك. وقد ذكر أبو زيد عمر بن شبة النميري في كتاب «أخبار المدينة» - مدينة الرسول ﷺ عن أشياخه وعمن حدثوا عنه: أن عمر بن عبد العزيز لما كان نائبا للوليد على المدينة في سنة إحدى وتسعين هدم المسجد وبناه بالحجارة المنقوشة وعمل سقفه بالساج وماء الذهب وهدم حجرات أزواج النبي ﷺ فأدخلها في المسجد وأدخل القبر فيه». ثم ذكر ابن عبد الهادي عن شيخ الإسلام ابن تيمية: «أن المسجد لما زاد فيه الوليد وأدخلت فيه الحجرة كان قد مات عامة الصحابة ولم يبق إلا من أدرك

стр. 3583

النبي ﷺ ولم يبلغ سن التمييز الذي يؤمر فيه بالطهارة والصلاة ومن المعلوم بالتواتر أن ذلك كان في خلافة الوليد بن عبد الملك وقد ذكروا أن ذلك كان سنة إحدى وتسعين وأن عمر بن عبد العزيز مكث في بنائه ثلاث سنين وسنة ثلاث وتسعين مات فيها خلق كثير من التابعين مثل سعيد بن المسيب وغيره من الفقهاء السبعة ويقال لها: سنة الفقهاء». وبالجملة فإنما أدخلوا قبر الرسول ﵊ إلى مسجده لحاجة توسيعه، والظاهر أنهم لم يجدوا فسحة من الجهات الأخرى ليزيدوا منها إلى المسجد، وقد كان عمر وعثمان ﵄ قد زادا فيه من جهة القبلة فاضطروا إلى أخذ الزيادة من جهة الحجرات فصار بذلك قبره في المسجد الشريف ولكنهم - مع حاجتهم إلى هذا العمل - قد احتاطوا للأمر حيث فصلوا القبر عن المسجد فصلا تاما بالجدر المرفوعة حسما للمحذور كما سبق ذكره عن النووي والله تعالى أعلم. [الثمر المستطاب (١/ ٤٧٩)]. أحكام في بناء المساجد: تقليل السواري [ذكر الإمام ضمن أحكام بناء المساجد]: «الخامس: أن يقلل فيه السواري ما أمكن وكل ما يكون سببا لقطع الصفوف لما سبق من النهي عن الصف بين السواري». [الثمر المستطاب (١/ ٤٨٥)]. أحكام في بناء المساجد: أن يُجعل فيه بابًا خاصًّا للنساء [ذكر الإمام ضمن أحكام بناء المساجد]: «أن يجعل فيه بابا خاصا بالنساء لقوله ﷺ : «لو تركنا هذا الباب للنساء» [ينظر التخريج في الأصل]. والحديث بوب له أبو داود ب «باب في اعتزال النساء في المساجد عن الرجال». [الثمر المستطاب (١/ ٤٨٥)].

стр. 3584

من أحكام المساجد: أن لا يجعل فيه خوخات وأبواب ينفذ إليه منها من حوله من ساكني البيوت [ذكر الإمام ضمن أحكام بناء المساجد]: «أن لا يجعل فيه خوخات وأبواب ينفذ إليه منها من حوله من ساكني البيوت لقوله ﵊: «لا تبقين في المسجد خوخة إلا خوخة أبي بكر» وفي لفظ: «باب» في الموضعين». الحديث من رواية أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ جلس على المنبر فقال: «عبد خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده» فبكى أبو بكر وبكى فقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا قال: فكان رسول الله هو المخير وكان أبو بكر أعلمنا به. وقال رسول الله ﷺ : «إن أمن الناس علي في ماله وصحبته أبو بكر ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن أخوة الإسلام لا تبقين ... » إلخ. أخرجه البخاري ومسلم والترمذي واللفظ لهما وأحمد واللفظ الآخر له وهو رواية للبخاري وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح». وله شاهد من حديث ابن عباس بنحوه. أخرجه البخاري وأحمد وسيأتي لفظه في «المناهي» فقرة «١٢». وفي الباب قوله ﵊: «سدوا أبواب المسجد غير باب علي». أخرجه أحمد من طريق أبي عوانة: ثنا ابو بلج: ثنا عمرو بن ميمون عن ابن

стр. 3585

عباس به مرفوعا. وأخرجه الترمذي من طريق شعبة عن أبي بلج به نحوه. وقال: «حديث غريب لا نعرفه عن شعبة بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه». ثم قال: «وأبو بلج اسمه يحيى بن سليم». قلت: وهو مختلف فيه ففي الميزان: «وثقه ابن معين وغيره ومحمد بن سعد والنسائي والدارقطني وقال أبو حاتم: صالح الحديث لا بأس به وقال البخاري: فيه نظر وقال أحمد: روى حديثا منكرا وقال ابن حبان: كان يخطئ وقال الجوزجاني: غير ثقة ومن مناكيره هذا الحديث». وقال الحافظ في «التقريب»: «صدوق ربما أخطأ». قلت: وبقية رجال أحمد ثقات رجال الشيخين فالإسناد حسن عندي وقد قال الحافظ في «الفتح»: «رواه أحمد والنسائي ورجالهما ثقات». وهو عند النسائي من طريق أبو عوانة كما في «البداية» وزادا: «فكان يدخل المسجد وهو جنب ليس له طريق غيره». وحكم الذهبي على الحديث بأنه منكر لأن أبا بلج لم يتفرد به بل له شواهد كثيرة: منها: عن سعد بن أبي وقاص قال: أمر رسول الله ﷺ بسد الأبواب الشارعة في المسجد وترك باب علي ﵁. أخرجه أحمد من طريق عبد الله بن شريك عن عبد الله بن الرقي الكناني عنه. ورجاله ثقات غير ابن الرقيم هذا لم يرو عنه سوى ابن شريك هذا ولذلك قال

стр. 3586

الحافظ في «التقريب» والخزرجي في «الخلاصة» إنه مجهول. وأما الهيثمي فزعم أنه حسن حيث قال: «رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني في «الأوسط» وزادا: قالوا: يا رسول الله سددت أبوابنا كلها إلا باب علي؟ قال: ما أنا سددت أبوابكم ولكن الله سدها. وإسناد أحمد حسن». وتبعه الحافظ في «الفتح» فقال: «وإسناده قوي ورواية الطبراني في «الأوسط» رجالها ثقات». قلت: فتناقض الحافظ فإن قوله: «إسناده قوي» يناقض قوله في بعض رواته: إنه مجهول كما سبق. وأما طريق الطبراني ومن ذكر معه فيظهر أنها طريق أخرى عن سعد فقد ساقه الحافظ ابن كثير من طريق أبي يعلى بسند آخر فيه من لم أعرفه وغالب الظن أنه وقع في أسماء رجاله تحريف مطبعي. والله أعلم. ومنها: عن زيد بن أرقم قال: كان لنفر من أصحاب رسول الله أبواب شارعة في المسجد فقال يوما: «سدوا هذه الأبواب إلا باب علي» قال: فتكلم في ذلك الناس قال: فقام رسول الله ﷺ فحمد الله تعالى وأثنى عليه. ثم قال: «أما بعد فإني أمرت بسد هذه الأبواب إلا باب علي وقال فيه قائلكم وإني - والله - ما سددت شيئا ولا فتحته ولكني أمرت بشيء فاتبعته». أخرجه أحمد: ثنا محمد بن جعفر: ثنا عوف عن ميمون أبي عبد الله عنه. ورجاله ثقات رجال الشيخين غير ميمون هذا وهو البصري مولى ابن سمرة وهو ضعيف كما في «التقريب» وفي «المجمع»: «وثقه ابن حبان وضعفه جماعة وبقية رجاله رجال الصحيح». وساق له الذهبي هذا الحديث وقال:

стр. 3587

«قال العقيلي عقبه: وقد روي من طريق أصلح من هذا وفيها لين أيضا». وأما الحافظ في «الفتح» فقال: «أخرجه أحمد والنسائي والحاكم ورجاله ثقات». كذا قال وقد تناقض أيضا وهو في «مستدرك الحاكم» من طريق أحمد وقال: «صحيح الإسناد» ووافقه الذهبي. ومنها: عن ابن عمر قال: ولقد أوتي ابن أبي طالب ثلاث خصال لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم: زوجه رسول الله ﷺ ابنته وولدت له وسد الأبواب إلا بابه في المسجد وأعطاه الراية يوم خيبر». أخرجه أحمد عن هشام بن سعد عن عمر بن أسيد عنه. وهذا إسناد حسن كما قال الحافظ. قلت: ورجاله ثقات رجال الشيخين غير هشام بن سعد فمن رجال مسلم وحده وهو صدوق له أوهام كما قال في «التقريب». وعمر بن أسيد هو عمرو بن أبي سفيان بن أسيد كما في كتب الرجال. وفي الباب عن علي نفسه وجابر بن سمرة وابن عباس أيضا لكن أسانيدها لا تستحق الذكر فاقتصرنا على ما سبق. ولحديث ابن عمر طريق أخرى رواه الطبراني في «الأوسط» وكذا النسائي كما في «التفح» من طريق العلاء بن عرار بمهملات قال: فقلت لا بن عمر: أخبرني عن علي وعثمان ... فذكر الحديث وفيه: «ورجاله رجال الصحيح إلا العلاء وقد وثقه يحيى بن معين وغيره. وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضا وكل طريق منها صالح للاحتجاج فضلا عن مجموعها وقد أورد ابن الجوزي هذا الحديث في «الموضوعات». أخرجه من حديث سعد بن أبي وقاص وزيد بن أرقم وابن عمر مقتصرا على

стр. 3588

بعض طرقه عنهم وأعله بعض من تكلم فيه من رواته وليس ذلك بقادح لما ذكرت من كثرة الطرق وأعله أيضا بأنه مخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة في باب أبي بكر وزعم أنه من وضع الرافضة قابلوا به الحديث الصحيح في باب ابي بكر. انتهى. وأخطأ في ذلك خطأ شنيعا فإنه سلك في ذلك رد الأحاديث الصحيحة بتوهمه المعارضة مع أن الجمع بين القصتين ممكن». ثم ذكر وجه الجمع بينهما وخلاصته: «أن باب علي ﵁ كان إلى جهة المسجد ولم يكن لبيته باب غيره فلذلك لم يؤمر بسده وإنهم لما سدوا الأبواب بأمره ﵊ أحدثوا خوخا يستقربون الدخول إلى المسجد منها فأمروا بعد ذلك بسدها». واستحسن الحافظ في هذا الجمع. قلت: وفيه نظر بين عندي لأنه على هذا لا منقبة لعلي ﵁ في إبقاء بابه طالما أنه لم يكن له غيره فمن أين يدخل ويخرج؟ فهو مضطر فإذنه ﵊ له يكون للضرورة ولا فرق حينئذ بينه ﵁ وبين غيره إذا كان في مثل بيته مع أن الأحاديث المتقدمة تفيد أنها منقبة لعلي ﵁ حتى إن ابن عمر ﵁ تمنى أن تكون له هذه المنقبة كما سبق فالأقرب في الجمع ما ذكره ابن كثير ﵀ حيث قال بعد أن ساق بعض طرق هذا الحديث: «وهذا لا ينافي ما ثبت في «صيح البخاري» من أمره ﵊ في مرض الموت بسد الأبواب الشارعة إلى المسجد إلا باب أبي بكر الصديق لأن نفي هذا في حق علي كان في حال حياته لاحتياج فاطمة إلى المرور من بيتها إلى بيت أبيها فجعل هذا رفقا بها، وأما بعد وفاته فزالت هذه العلة فاحتيج إلى فتح باب الصديق لأجل خروجه إلى المسجد ليصلي بالناس إذ كان الخليفة عليهم بعد موته ﵊ وفيه إشارة إلى خلافته». هذا والظاهر أن أمره ﵊ بسد الخوخات والأبواب هو من قبيل سد الذرائع لأن وجودها يؤدي إلى استطراق المسجد وهو منهي عنه كما يأتي في المناهي فقرة «١٢» ولذلك قال الحافظ في صدد ذكر ما في الحديث من الفوائد:

стр. 3589

«وأن المساجد تصان عن التطرق إليها لغير ضرورة». وسيأتي عن القرطبي نحوه فيما أشرنا إليه. [الثمر المستطاب (١/ ٤٨٦)]. جواز بناء المساجد على متعبدات الكفار بعد كسرها وتغيير معالمها ويجوز بناء المساجد على: متعبدات الكفار بعد كسرها وتغيير معالمها. قال طلق بن علي ﵁: خرجنا وفدا إلى النبي ﷺ فبايعناه وصلينا معه وأخبرناه أن بأرضنا بيعة لنا ... فقال: «أخرجوا فإذا أتيتم أرضكم فاكسروا بيعتكم ... واتخذوها مسجدا». الحديث مختصر وتمامه بعد قوله: بيعة لنا: فاستوهبناه من فضل طهوره فدعا بماء فتوضأ وتمضمض ثم صبه في إداوة وأمرنا فقال: «أخرجوا فإذا أتيتم أرضكم فاكسروا بيعتكم وانضحوا مكانها بهذا الماء واتخذوها مسجدا». قلنا: إن البلد بعيد والحر شديد والماء ينشف. فقال: «مدوه من الماء فإنه لا يزيده إلا طيبا». فخرجنا حتى قدمنا بلدنا فكسرنا بيعتنا ثم نضحنا مكانها واتخذناها مسجدا فنادينا فيه بالأذان قال: والراهب رجل من طيء فلما سمع الأذان قال: دعوة الحق. ثم استقبل تلعة من تلاعنا فلم نره بعد. [راجع تخريجه في الأصل]. [الثمر المستطاب (١/ ٤٩٣)].

стр. 3590

جواز بناء المساجد على قبور المشركين بعد نبشها «ويجوز بناء المساجد على: قبور المشركين بعد نبشها فإن النبي ﵊ لما «أمر ببناء المسجد في الحائط «البستان» كان فيه قبور المشركين فأمر بها ﷺ فنبشت» كما تقدم». والحديث من رواية أنس وقد سبق ذكره بتمامه قريبا وإنما أوردنا منه هنا. ما يناسب المقام. قال الحافظ في «الفتح»: «وفي الحديث جواز التصرف في المقبرة المملوكة بالهبة والبيع، وجواز نبش القبور الدارسة إذا لم تكن محترمة، وجواز الصلاة في مقابر المشركين بعد نبشها وإخراج ما فيها، وجواز بناء المساجد في في أماكنها». [الثمر المستطاب (١/ ٤٩٦)]. مواصفات المسجد السني مداخلة: ما هي المواصفات لبناء المسجد على السنة، وأرجو التوضيح؟ الشيخ: وهذا ما لا يمكنك أن تقوم به اليوم، ما هي الفائدة؟ مداخلة: هناك بعض الإخوة [يريدون] يبنوا مسجد. الشيخ: لا يستطيعوا، لأن وزارة الأوقاف الإسلامية، واقفة حجر عثرة في تطبيق السنة المحمدية. المسجد السلفي، كنت وضعتُ له خارطة في كتاب كنت بدأت به قديماً، ومشيت شوطاً قصيراً فيه، والذي كنت سَمَّيته «بالثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب» لما وصلت إلى كتاب المساجد، ونهي الرسول عن زخرفة المساجد، وأحاديث، منها: أنه في سنن أبي داود أن النبي ﷺ دخل يوماً إلى المسجد من باب،

стр. 3591

وكان له أبواب، فقال: «لو تركنا هذا الباب للنساء» وكان معه عبد الله بن عمر، وكانوا داخلين إلى المسجد، الرسول ﵇ يقول هذا الحديث، ويلقطه عبد الله بن عمر، يقول الرسول ﵇: «لو تركنا هذا الباب للنساء»، يعني: لا ندخل نحن الرجال منه. قال نافع مولى ابن عمر: فما دخل ابن عمر المسجد بعد ذلك من هذا الباب أبداً. مداخلة: الله أكبر، تطبيق. الشيخ: أنا أخذت من هذا الحديث: أنه ينبغي أن يكون في المسجد السلفي باب خاص بالنساء، لا يشاركها الرجال. بالجملة: سبق لي أني زرت مصر منذ عشر سنوات، وزرنا قرية أو بلدة كبيرة اسمها سوهاج، وهناك جماعة من أنصار السنة يُسَمّون هناك، فقالوا لنا: نحن نبني مسجدًا ونريد أن تشوف كيف كذا ... إلى آخره، ذهبنا معهم، وقالوا لي: هنا الباب، وهنا القبلة .. إلى آخره، بعدما وصفوا لي قلت لهم: فأين باب النساء؟ فاستفادوها وأرجو أن يكونوا قد طَبَّقوها. الشاهد: المسجد الذي تدل عليه الآثار والأحاديث الصحيحة، ينبغي أولاً: أن لا يكون فيه سارية عمود، يكون قطعة واحدة مسح، حتى لا يقطع الصفوف. وبعد ذلك: لا ينبغي أن يكون فيه محراب. وينبغي أن لا يكون فيه منبر يقطع الصفوف. ويكون منبر ثلاث درجات هو يقوم بواجب المنبر وواجب المحراب، وفيه رد عملي على الذين يقولون أن وضع المحراب يدل على القبلة، نقول لهم: المنبر كذلك يدل على القبلة، وهذا المنبر يدل على القبلة للأعمى أكثر من المحراب .. إلى آخره. لكن هذه تَحَجُّجات باطلة لتسليك هذه البدع التي ابتُلي الناس بها منذ القرن الأول، مع أن الرسول ﵇ مسجده كان خالياً من المحراب، وعلى العكس من ذلك قال لهم: «اتقوا هذه المحاريب»؛ لأنها من عادة النصارى في كنائسهم.

стр. 3592

ولذلك: كان بعض السلف ومنهم عبد الله بن مسعود كان يكره أن يصلي في الطاق، الطاق: يعني المحراب، فكان يتجنب الصلاة في المحراب؛ لأن هذا من شيم النصارى، ونهى الرسول ﵇، وأمرنا باجتنابه. مداخلة: دخلوا الطاق، يعني في عهد عبد الله بن مسعود دخلوا الطاق المسجد؟ الشيخ: أنا أقول لك من قديم ... مداخلة: الله أكبر. الشيخ: الشاهد، فينبغي أن يكون المسجد أولاً هكذا، ليس فيه أعمدة، ويكون في منبر له ثلاث درجات، وليس فيه محراب، وله باب للنساء يدخلن منه ويخرجن منه، لا يشاركهن الرجال. وينبغي أن يكون هناك مكان لصلاة النساء، لكن هذا المكان ليس من الضروري أن يكون محجوباً عن الرجال بستارة أو بجدار؛ لأن اللباس الشرعي الذي يفترض أن يكون ملبوسات النساء هو الحجاب، ولأن النساء يحسن بهن أن يشاركن الرجال في رؤية الإمام وحركات المقتدين من خلفه، وهذا كله من هديه ﵇ وسيرته. اليوم الناس يتركوا أشياء هامة، ويأتوا بأشياء غير هامة، من هذه الأشياء غير الهامة أنهم يفصلون النساء عن الرجال بالباطون، ليس هناك ضرورة لهذا الفصل، لكن الضرورة التي بتوحي ذلك إليهم أنهم يرون النساء أكثرهن متبرجات، فإذا كن سيصلين هكذا مكشوفات، معناه وقع عين الرجال على مالا يجوز، فحينئذ نقول: أوردها سعد وسعد مشتمل ... ما هكذا يا سعد تورد الإبل ما تعالج الأخطاء بأخطاء، يقال للنساء اللذي يريدوا أن يحضروا المسجد، وهذا يجوز لهن وقد يكون أفضل لهن أحياناً، على عكس القاعدة، «وبيوتهن خير لهن». يقال لهن: البسوا اللباس الشرعي، واحضروا المسجد كما أنتن، لا أحد يرى منكم عورةً محرمةً إطلاقاً.

стр. 3593

والذين لا يستطيعون أن يوجهوا النساء، فيقومون يَحْجُبُون النساء عن الرجال رغم أنف النساء والرجال معاً. فهذا مما يحضرني من المسجد. أقول: إن هذا ليس بإمكانك؛ لأن وزارة الأوقاف تشترط عليك شرط أنه لا بد أن يكون هناك محراب، لا بد أن يكون هناك مئذنة تنطح السحاب. بينما هذه المئذنة هي في اعتقادي من المصالح المرسلة، وليست سُنَّة تعبدية، المئذنة من المصادر، يعني المقصود منها .. هو تمرير صوت المُؤَذن إلى أبعد مكان ممكن. لم تكن يومئذٍ الوسائل المُبْتَكَرة الموجودة اليوم من مكبرات الصوت؛ ولذلك تعاطوا وسائل طبيعية مُيَسَّرة يومئذ، فبنوا المآذن، ثم مع الزمن تفننوا في بناء المآذن. أنا أُتِيْحَ لي السفر إلى المغرب، يمكن رأيتموها بالصُّوَر، في الرباط في مئذنة يصل عرضها إلى ستة أو سبعة أمتار، يعني ممكن أن تجعلها بيت، ولفوق لفوق، وتطلع تكشف البلد كلها. لماذا هذا التكلف، لماذا إضاعة المال؟ قال: نريد أن نُبَلِّغ الناس صوتَ المُؤَذِّن. في زمن الرسول ﵊ لم يكن هناك مئذنة، لكن في بعض الروايات الثابتة لدينا أن الرسول ﵇ مُؤَذِّنَه كان يظهر على سطح المسجد، وفي مكان مرتفع في هذا المكان، فيؤذن فيه، وأحد مُؤَذنين رسولنا ﵇ وهو عمرو بن أم مكتوم، كان ضريراً، فكان يصعد إلى ذلك المكان وهو ضرير، ويُؤَذِّن الصبح، ولا يُؤَذِّن حتى يمر الناس فيه ويروه، -وليس مختبئاً في المئذنة التي لا يراها الرائي- فيقال له: أصبحت أصبحت، فيُؤَذِّن بناء على إخبار الناس المارّين في الطريق. فالمئذنة لم تكن في عهد الرسول ﵇، لكن في صعود إلى مكان مرتفع؛ ولذلك جاء في صحيح البخاري أنه كان بين إقامة الصلاة وبين السحور مقدار ما يصعد هذا المؤذن وينزل ذاك، المؤذن الأول والثاني، في أذانين، فمعناه فيه صعود وفيه نزول، هذا يُشْعِرُنا أن بروز المؤذن وصعوده إلى مكان مرتفع هو أمر مقصود؛

стр. 3594

لأجل تبليغ الناس بالصوت. مع ذلك: فالناس جعلوا المئذنة غاية وليست وسيلة؛ لأنهم خرجوا عن كونها وسيلة، الوسيلة أنك تصعد إلى الأعلى وتُبَلِّغ الناس، لكن عادوا يبالغوا في رفع بنيانها وتشييدها ويبالغوا في نحت حجارتها، وو .. إلى آخره. حتى في زمن وجود مكبرات الصوت، نحن نرى مثلاً مسجد صلاح الدين الأيوبي، نرى طبقة وطبقة ثانية وطبقة ثالثة، لماذا كل هذا الكلفة، لأجل ماذا إضاعة هذا المال؟ ولا أحد يصعد إلى الأعلى الآن إطلاقاً؛ لأنه يُؤَذّن وهو في المسجد. إذًا: صار بناء المآذن في المساجد ليس له معنى، لا معقول ولا منقول. هذا مما حذر عنه الرسول ﵇ بقوله: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس بالمساجد». فالشاطر هو الذي يبني مسجد لا مثيل له، يبني منارة لا مثيل لها، إلى آخره. هذا من علامات قيام الساعة بنص حديث الرسول ﵇. أما زخرفة المسجد ما ذكرناها نحن آنفاً، فينبغي أن يكون المسجد ساذجاً ليس فيه زخارف؛ ولذلك عمر الخطاب ﵁ لما اضطر إلى توسيع المسجد النبوي في زمانه، قال للبَنَّاء، المهندس الذي يسمونه اليوم، قال: أَكِن الناس من الحر والقر، ولا تُحَمِّر ولا تُصَفِّر. يعني: ما هي الغاية من المسجد، أنه يُكِن الناس، يؤويهم من الحر والقر، لا تُحَمّر ولا تُصَفّر. مداخلة: في زيادة: فتفتن الناس. الشيخ: ما أذكر هذا. ولا تحمر ولا تصفر؛ لأن هذا من الزخارف، وبيوت الله يجب أن تكون مُنَزَّهة عن أمور الدنيا، هذا بيت الله.

стр. 3595

اليوم انعكست المفاهيم مع الأسف الشديد؛ بسبب ابتعاد الناس عن الالتزام بهدي الرسول ﵇، اليوم إذا أنكرت على الناس هذه الزخارف يضعوك بشبهتين: الشبهة الأولى: -وهي أخبثهما-: يقول لك: هل النصارى أحسن منا؟ انظر إلى النصارى كيف يُبَالِغون في زخرفة الكنائس، فنحن مساجدُنا أولى بالزخارف. ناس منهم يقولون: بيت الله هو مثل بيتنا نحن، بيتنا الذي نسكن فيه ونُزَخْرِفه ونَكْنُسه .. إلى آخره، بيت الله أحق .. ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]. هذا من وحي الشيطان؛ لأن الرسول ﵇ لما روى ابن عباس عنه: «ما أُمرت بتشييد المساجد» حديث سمعه ابن عباس من الرسول. «ما أُمرت بتشييد المساجد» قال ابن عباس: لتُزَخْرِفُنَّها كما زخرفت اليهود والنصارى. فالأحاديث والآثار: كلها مجتمعة على أن المسجد يجب أن يكون في صورة متواضعة، ليس فيها زخارف تُشْغِل قلوبَ الناس. يعني: الإنسان لا بد أن يكون في جو يساعده على طاعة الله ، أما هذه الزخارف والنقوش فهي تلهيه. ماذا نقول نحن عن أنفسنا إذا ما تذكرنا حديث نبينا، أنه صلى يوماً في خميصة، في ثوب له أعلام، هذه عندنا في الشام تسمى بالصاية، يكون فيه خطوط خضر وزرق وبيض وحمر .. وإلى آخره. فصلى ذات يوم في خميصة، ما كاد أن يصلي، نزع هذا الخميصة، وقال: «خذوا هذه الخميصة، وأْتوني بأنبجانية أبي جهم فإنها ألهتني» وفي رواية: «كادت أن تلهيني عن صلاتي». هذا رسول الله، فأين نحن من ذلك؟

стр. 3596

نزيد في الزخارف كأنها هي تُقَرّبنا إلى الله زلفى، عندما دخل الكعبة صلى رسول الله في جوف الكعبة، كان في جوف الكعبة قرنا كبش إسماعيل، فأمر بتخميرهما، يعني تغطيتهنا؛ لأنها تُشْغِل بال المصلي. فنحن عكسنا كل هذه التوجيهات .. (الهدى والنور / ١٦٢/ ١٦: ١٤: ٠٠) لون فرش المساجد السؤال: حول فراش المسجد ما هو برأيكم اللون المناسب الذي لا يُعَارِض السنة؟ الشيخ: نعم، هو اللون الباهت. مداخلة: مثل؟ الشيخ: الذي لا يسترعي النظر، ولا يلفت النظر، يعني اللون التُرَابي. مداخلة: يعني، مثلاً: المائل إلى البُنِّية، لو كان بُنِّياً. الشيخ: بُنِّي فاتح، ليس هناك مانع. مداخلة: يعني: ما يكون تعارض مع لا تُصَفِّر ولا تُحَمِّر أو كذا. الشيخ: هو المقصود بقول عمر ﵁: أكِن الناس، ولا تُحَمِّر ولا تُصَفِّر، يعني: لا تُزَخْرِف. شأن المسجد وكسوته شأن المرأة إذا خرجت من دارها، فلها أن تلبس ما تشاء من الثياب، الأبيض والأسود والأخضر والأزرق وال .. وال .. إلى آخره، لكن لا يكون مُزَرْكَش، ما يكون مزخرف يكون ساذج. هكذا الفراش في المسجد ينبغي أن يكون ساذجاً، لا يُلْفِت نظر المصلين، ولا يُلهيهم عن ما هم مقبلين فيه من عبادة ربهم.

стр. 3597

إذاً: المقصود بأثر عمر هو الابتعاد عن الزخرفة. أي نعم. لكن في الوقت نفسه أقول: إن الأفضل أن يكون اللون ولو كان ساذجاً، أن يكون أبعد عن البهرجة. مداخلة: نحن نبحث عن اللون الذي تراه مناسباً من خلال خبرتك. الشيخ: الذي أراه هو هذا لون التراب؛ حتى يُذَكِّرنا بمساجد السلف الأُوَل الذين كانوا يصلون في التراب، ويصلون في الحصباء. مداخلة: لأنه كنا سنختار لوناً أبيضاً، لكن اللون الأبيض يجلب أولاً الأوساخ .. الشيخ: يتسخ بسرعة. مداخلة: أي نعم، فقلنا البُنِّي الفاتح. الشيخ: الفاتح، نعم. (الهدى والنور/٢٤٦/ ٠١: ٠٠: ٠٠) المسجد المبني على السنة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١].

стр. 3598

أما بعد: فإن خيرَ الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشَرَّ الأمور محدثاتها، وكُلَّ محدثة بدعة، وكُلَّ بدعة ضلالة وكُلَّ ضلالة في النار. وبعد: فأول ما يبدي لي أن أهنئ جوار هذا المسجد المبارك إن شاء الله، والذي نرجو أن يكون قد أُسس على تقوى من الله، ولا يكون المسجد قد أسس على تقوى من الله ﵎ إلا إذا كان على سنة رسول الله ﷺ ؛ ذلك أن من سنة النبي ﷺ أنه أول ما هاجر من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، كان أول ما بدأ به هو أن بنى مسجده ﵊؛ ذلك لأن المساجد هي مأوى ومجتمع المسلمين، بل هي مدرستهم التي يتلقون فيها الدروس التي تُعَلِّمهم شريعة الله وسنة رسول الله ﷺ ، ولذلك كَثُرت الأحاديث التي تحض المسلمين على بناء المساجد، وبخاصة في الأرض أو في المحلة التي لا مسجد فيها، من ذلك أن النبي ﷺ قال: «ما من ثلاثة في بدو لا يُؤَذَّن فيهم، ولا تقام فيهم الصلاة، إلا استحوذ عليهم الشيطان»، «إلا استحوذ عليهم الشيطان» أي: أحاط بهم: «فعليكم بالجماعة، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية». ولذلك: كان من الواجب على كل مسلم مكلف أن يحافظ على أداء الصلوات الخمس في المسجد، وليس أن يصلي في داره أو في دكانه أو في معمله، بل عليه أن يدع كل شيء يُشْغِله عن الاستجابة لداعي الله ألا وهو المؤذن حينما يقول: حيَّ على الصلاة .. حيَّ على الفلاح. فحينما يسمع المسلم هذا الأمر المُنَظَّم من رسول الله ﷺ في كل يوم خمس مرات؛ ذلك لكيلا يكون لأي مسلم عذر في التَخَلُّف عن صلاة الجماعة، فقد قال ﵊: «من سمع النداء ولم يُجب ولا عذر له، فلا صلاة له»، هذا حديث يحض المسلم على أن يُجيب منادي الله حينما يقول: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح.

стр. 3599

فإذا لم يفعل ولم يكن له عذر شرعي، فصلاته تدور بين ألاَّ تُرفع مطلقاً أي: ألاَّ تكون مقبولة، وبين أن تكون مقبولة في أدنى درجات الثواب والأجر. ولذلك: أكد النبِّي ﷺ المعنى المُتَضَمَّن في هذا الحديث، الآمر كل من يسمع النداء أن يجيب بمثل قوله ﵊: «لقد هممت أن آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم آمر رجلاً فيحطب حطباً، ثم أُخَالف إلى أناس يدعون الصلاة مع الجماعة، فأُحَرِّق عليهم بيوتَهم، والذي نفس محمد بيده لو يعلم أحدهم أن في المسجد مرماتين حسنتين لشهدها». في هذا الحديث وعيد شديد جداً لمن يتخلف عن الصلاة في مسجد المسلمين دون عذر شرعي، أنه يستحق أن يُحَرَّق بالنار في الدنيا قبل الآخرة؛ ذلك لأن النبي ﷺ قد قال كما سمعتم: «لقد هممت أن آمر رجلاً فيصلي بالناس» أي: نيابة عنه: ثم هو يفعل ما يأتي، قال: «ثم أُخَالف إلى أناس يَدَعُون الصلاة مع الجماعة، فأُحَرِّق عليهم بيوتهم»، أُخالف إلى أناس يَدَعُون الصلاة مع الجماعة أي: أُبَاغتهم وأفاجِئهم؛ لأن المفروض في هؤلاء المتخلفين أن يُجيبوا منادي الله كما قلنا، والمفروض أنهم يعلمون أن الرسول ﷺ يصلي في المسجد إماماً كما هي عادته، ولكنه هَمَّ ﵊ أن يُوكِل رجلاً أن يصلي نيابةً عنه؛ ليباغت المُتَخَلِّفين عن الصلاة في المسجد، فيُحَرِّق عليهم بيوتهم. ثم قال ﵊ مُبَيِّناً البلاء الذي يصيب الكثير من الناس، وبخاصة في هذا آخر الزمان كزماننا هذا، أنهم يتخلفون عن الجماعة لأمر دنيوي مهما كان حقيراً، فقال ﵊: «والذي نفس محمد بيده لو يعلم أنه يجد في المسجد مرماتين حسنتين»، يعني: عظمتين من أسفل قدم الشاة أو المعزاية، تُرْمى عادةً في الأرض لا قيمة لها، لو يعلم أنه يجد في المسجد فائدة دنيوية كهاتين المرماتين لشهدها أي صلاة العشاء، إلى هنا ينتهي هذا الحديث، وهو من أصح الأحاديث حيث أخرجه الإمامان البخاري ومسلم في صحيحهما. وهنا سؤال قد يَرِد في خاطر بعض الناس عادةً، ألا وهو: لماذا هَمَّ ﵊ بحرق المتخلفين عن صلاة الجماعة ولم يفعل؟ قال: «لقد هممت»، لكنه ما

стр. 3600

فعل؟ ولذلك هذا الحديث يُذَكِّرنا بآية في القرآن الكريم قد يسيء فهمها بعض التالين والقارئين للقرآن الكريم، حينما يمرون بقوله ﵎ في سورة يوسف: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤]، فالهَمَّ لا يعني الفعل، وإنما هو من مقدمات الفِعل، فالعلماء يُقَسِّمون ما يخطر في بال المسلم، ثم ما ينتج من وراء ذلك من العمل إلى أقسام: القسم الأول: الخاطرة، خاطرة تخطر في بال إنسان، سواء كان خيراً أو كان شراً، فإذا قَوِيت هذه الخاطرة وأخذت مكانها من بال الإنسان صار هَمًّا، فإذا قويت وازدادت قوة هذه الخاطرة، ووصلت إلى مرتبة الهَمّ يلي ذلك العزم، وليس بعد العزم إلا الفعل، ولذلك قال تعالى في مسألة الطلاق: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، الشاهد أن العزم هو قبل الفعل ليس بعده إلا الفعل، فلما هَمَّ النبي ﷺ على التحريق فهو لم يعزم، لماذا؟ فضلاً عن أنه لم يُنَفِّذ. الجواب: أن في البيوت كما تعلمون من لا تجب عليه صلاة الجمعة أول ذلك النساء، ثم الصبيان الذين لم يدخلوا في مرتبة التكليف، [وقد] يكون أيضاً في البيوت ناس مكلفين ولكنهم من المعذورين. ولذلك: فكان من حِكْمَة الرسول ﵇ أن أوعد ولم يُنَفِّذ، فقد جمع بين تحقيق المصلحة والحض على حضور الجماعة، ودفع المفسدة، وهو عدم تحريق البيوت بمن فيها؛ لأنه لو فعل ذلك لأصاب الحريق من لا يستحق الحرق. إذاً: في هذا الحديث وعيد شديد لأولئك الذين يتخلفون عن صلاة الجماعة دون عذر شرعي، وليس هناك من الأعذار ما يُمكن أن يذكر بهذه المناسبة، إلا أن يكون الرجل مريضاً، إلا أن يكون نائماً، وأن يكون نومه أيضاً مشروعاً، وهذا له بحث طويل ولا أريد الآن الخوض فيه؛ خشية أن نَخْرُج عَمَّا نحن في صدده. فالشاهد: أن الله قد امتن على آل هذه المحلة بهذا المسجد، وهو أقول .. وهو أقرب ما يكون إلى السنة، ولا أقول -آسفاً لا أقول- إنه على السنة، فإني أرى فيه بعض الأشياء التي ما كانت تنبغي، ولكني أقول كلمة حَقٍّ: إنه أقرب

стр. 3601

ما يكون إلى السنة، بالنسبة للمساجد الأخرى التي تُبنى في هذا الزمان، وتُنْفَق في سبيل تشييدها وزَخْرَفَتِها الأموال الطائلة، في زعم أنهم يُعَظِّمون شعائر الله، والأمر ليس كذلك؛ لأن تعظيم شعائر الله ، ليس ببنيان المساجد مشيدة مزخرفة زخارف تلهي المصلين عن الإقبال في صلاتهم على رب العالمين. لقد جاء في صحيح البخاري وصحيح مسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: «لما رجعت أم سلمة وأم حبيبة من الحبشة، ذكرتا لرسول الله ﷺ كنيسة رأتاها في الحبشة، وذكرتا من حُسْنٍ وتصاوير فيها، فقال ﵊: «أولئك كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح، بنوا عليه مسجداً وصَوَّروا فيه تلك التصاوير، أولئك شرار الخلق عند الله ﵎» أولئك أي: النصارى، «كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً» وزادوا إثماً على إثم أن صَوَّروا تلك التصاوير، المقصود هنا بالتصاوير هي نقوش وزخارف. ولذلك جاء في حديث آخر في «سنن أبي داود» وغيره، أن النبي ﷺ قال: «ما أُمرت بتشييد المساجد» تشييد المساجد أي: رفع بنيانها، فوق الحاجة التي يحتاجها المصلون فيها. هذا الحديث رواه أبو داود من حديث ابن عباس مرفوعاً إلى النبي ﷺ كما سمعتم، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أُمرت بتشييد المساجد». قال ابن عباس بعد أن روى هذا الحديث عنه ﷺ ، قال: «لتُزَخْرِفُنها كما زخرفت اليهود والنصارى». هذا القول الصادر من ابن عباس في ظاهره .. في ظاهر إسناده موقوف عليه هو من كلامه، ويمكن أن يقال فيه في التعبير العلمي الحديثي: إنه موقوف في حكم المرفوع، وإما أن يقال -وهذا لابد منه، إن لم يُقَل الأول-: إنه فهمه من مجموع الأحاديث الواردة في هذا الصدد، من ذلك حديث عائشة حينما تحدث النبي ﷺ فقال: «أولئك كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً، وصوروا فيه تلك التصاوير»، فيمكن أن ابن عباس أخذ هذا القول من مثل هذا الحديث،

стр. 3602

ومن قوله ﷺ الثابت في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «لتَتَّبِعُنَّ سنن من قبلكم شبراً بشبر، وذرعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه». إذاً: قوله ﵇: «لتتبعن سنن من قبلكم» هذا معناه: يشمل كل شيء يقع اليوم وفيه تشبه باليهود والنصارى، فزخرفة المساجد قد وقعت اليوم في كثير من المساجد، وكان ذلك نبأ تنبأ به الرسول ﵇ من قبل، ثم صدقت نبوءته ﵊؛ لأنه كما قال رَبُّنا في القرآن في حقه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤]، قال ﵊ كما ترون في هذا الزمان: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس بالمساجد»، والآن ترون المساجد يتباهى القائمون على بنائها بطريقة هندسة بنيانها، وبطريقة طبع الزخارف المختلفة الأشكال والألوان عليها، وهذا مما يُلهي المصلين عن الإقبال على رب العالمين . ولذلك جاء هناك حديثان اثنان يلفتان نظر المصلين إلى أنه لا ينبغي أن يكون في مسجدهم ما يشغل بالهم، أو يُلهيهم عن الإقبال على الله بكل وجودهم. أحد هذين الحديثين: جاء في صحيح البخاري: «أن النبي ﷺ صلى يوماً في قميص يسمى بالخميصة، قال ﵊ بعد أن صلى: خذوا خميصتي هذه وأتوني بأنبجانية أبي جهم فإنها ألهتني وفي رواية كادت أن تُلْهِيني عن صلاتي»، ما الذي كادت أن تلهيه عن صلاته؟ الخميصة، ما هي الخمصية؟ هي ثوب له أعلام، له خطوط أخضر أزرق أسود إلى آخره، قال: «خذوا خميصتي هذه وائتوني بأنبجانية أبي جهم» ثوب ساذج، «فإن هذه الخميصة كادت أن تلهيني عن صلاتي». هذا الحديث الأول الذي يُلفت نبينا ﷺ أنظارنا إلى أنه لا ينبغي أن نبني مساجدنا، وأن نزخرفها زخارف تلهينا عن الإقبال على الله في صلاتنا. الحديث الثاني: «أن النبي ﷺ لما دخل مكة فاتحاً منصوراً، دخل جوف الكعبة وصلى ركعتين، فوجد في الجدار الذي صلى إليه قَرْني كبش إسماعيل عليه السلام

стр. 3603

مُعَلَّقين على الجدار، فأمر ﵇ بتخميرهما» بتغطيتهما، لماذا؟ لأنها تُلهي بال المصلي، حتى ولو كان سيد المصلين وهو رسولنا صلوات الله وسلامه عليه، فماذا نقول نحن عن أنفسنا؟ إذا كان الرسول ﷺ المقبل على الله كليته يخشى على نفسه أن تلهيه بعض الزخارف التي تليه، فنحن بلا شك أولى ثم أولى ثم أولى أن تلهينا الزخارف التي تكون حولنا؛ لذلك: لا يجوز لمساجد المسلمين أن تكون مُشَبَّهة بكنائس النصارى وغيرهم من الكفار؛ لأن هذه البيوت يجب أن تبنى ساذجاً ليس فيها ما يُلهي. أعود لأقول: إن هذا المسجد بالنسبة للمساجد الأخرى قد أُقيم على نسبة كبيرة من تقوى الله ﵎، ولذلك فأرجو أن تُتَدارك النواقص التي لم تتم في بنيان المسجد مادياً، أن تُتَدارك معنوياً في هذا المسجد المبارك إن شاء الله؛ وذلك إنما يكون بإحياء السنة في صلاتنا في هذا المسجد، في كيفية صلاتنا، في كيفية إلقائنا لدروسنا، وأول ذلك مما أرى لزاماً عليّ أن يكون الدرس في هذا المسجد يُدَنْدِن دائماً إلى أن تُرَسَّخ ثمرة هذا الدرس في أذهان جوار المسجد والمصلين في المسجد، وبعد ذلك ينتقلون إلى مرحلة ثانية، ما هي المرحلة الأولى التي يجب على كل مسلم، بل وعلى كل مسلمة؟ أن يفقه هذا الدرس الأول وهو تحقيق قول الله ﵎: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]. نعلم جميعاً أن الإسلام قام على خمس، أول هذه الأركان: هي شهادة أن لا إله إلا الله، هذه الشهادة قَلَّ -مع الأسف- من المسلمين من يعرف معناها، ثم إذا وُجِد من عرف معناها .. لو وُجِد من بعض المسلمين أنهم فهموا المعنى الصحيح لهذه الكلمة الطيبة: لا إله إلا الله، فقليل منهم من يُحَقِّقها عملياً. إن هذه الشهادة تعني باختصار: لا معبود بحق في الوجود إلا الله ﵎، لا معبود بحق في الوجود إلا الله ﵎، ومعنى ذلك أن المُوَحِّد حقاً يجب أن يُوَجِّه عبادته لله وحده لا شريك له، وهذا موضوع واسع وواسع جداً، لابد أن بعض إخوانا في هذا المسجد إما أن يكونوا شرعوا ومضوا قُدُماً في بيان هذه

стр. 3604

الكلمة الطيبة، وفي المقدمة إمام المسجد أخونا أبو أنس بارك الله فيه وفي قراءته وفي علمه، فهذا موجز معنى هذه الكلمة، أما الشرح فسيكون إن شاء الله في دروس ثانية كما أشرنا آنفاً. لا معبود بحق في الوجود إلا الله، لا معبود: ما هي العبادة؟ هي العبادة التي شرعها الله على لسان رسول الله ﷺ ، فإن فرضنا أن مسلماً شهد هذه الشهادة، لكنه توجه بشيء من هذه العبادة إلى غير الله ، يكون قد أشرك مع الله غيرَه ولم يَعْبُده وحده. إذاً: يجب أن تكون هذه العبادة خالصة لله، كما قال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]. لكن هناك شيء ثان، أريد أن أُدَنْدِن حوله شيئاً بأوسع مما سبق، أن هذه العبادة، قلنا: إذا وُجِّهت إلى غير الله، فهذا قد أشرك مع الله غيره، وهذا أمر واضح، لكن متى يكون المُوَحِّد القائل لا إله إلا الله، والمؤمن بهذا المعنى الصحيح: لا معبود في الوجود إلا الله، متى يكون عابداً لله؟ حينما يكون طائعاً لرسول الله في كيفية أدائه لعبادته لله. ولذلك فنحن نقول في هذه الشهادة: لا إله إلا الله وتمامها محمداً رسول الله، حقيقتان عظيمتان جداً جداً، لا يكون المرء مسلماً حقاً إلا إذا حقق معنى هاتين الشهادتين، أما الأولى فكما ذكرنا أن يُخْلِص في عبادته لله لا يشرك معه أحداً، الثانية: أن يعبد الله كما شرع الله على لسان رسول الله. وحينئذٍ يكون قد آمن حقاً حينما يقول: محمد رسول الله، أما إذا اتَّبع غير رسول الله، فكما أن المسلم الذي يعبد غير الله يكون قد أشرك مع الله في عبادته، فذلك المسلم إذا عبد الله على غير سنة رسول الله، وعلى غير ما شرع الله على منهج سنة رسول الله، فيكون قد أشرك مع رسول الله غيره في رسالته، ولذلك فهنا توحيدان -إذا صح التعبير- توحيد الله في عبادته، وتوحيد الرسول في اتباعه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١]، اتبعوني أنا فقط.

стр. 3605

ولذلك فلا يجوز للمسلم أن يتخذ له متبوعاً غير رسول الله، كما لا يجوز له بداهة، أن يتخذ له معبوداً غير الله؛ لذلك فإن هناك حكمة بالغة في الجمع بين الشهادتين كركن أول من الأركان الخمسة: أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ولذلك جاء في الحديث المتفق عليه -والمعلوم لديكم جميعاً- قوله ﷺ : «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم عند الله ﵎»، حَقُّ هذه الشهادة هو العمل بها على مقتضى ما جاء به رسول الله ﷺ ، إذا كانت هذه حقيقة لا يمكن أن يماري وأن يجادل فيها مسلم، هذه حقيقة تتلخص، أعيد الكلام ليرسخ في الأذهان، هي أن نعبد الله وحده لا شريك له، وأن نتبع رسول الله ﷺ لا نتبع معه غيره. هنا قد يرد سؤال: فما هو موقف المسلم بالنسبة لعلماء المسلمين، وبخاصة من كان منهم مشهوراً بالعلم والصلاح والتقوى، وهم لا أقول الأئمة الأربعة، فإن من فضل الله ﵎ أن مَنّ على المسلمين على مر الزمان والقرون بمئات بل وبألوف علماء المسلمين. فما موقف المسلم في هذا الزمان الذي يدعو الناس إلى أن يُوَحِّدوا رسول الله في اتباعه، ما موقف هذا المسلم بالنسبة لعلماء المسلمين؟ نقول: الموقف وجوب اتّباعهم، ماداموا متمسكين ودالين لنا على سنة نبيهم ﷺ ، وهنا أُلفت النظر إلى آية في القرآن يجب أن يكون معناها ماثل في الأذهان، ألا وهي قوله ﵎: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. هذه الآية تجعل الناس عامة المسلمين قسمين: عالم وغير عالم، وعلى كُلٍّ من القسمين أوجب عليه حكماً يليق به، القسم الأكبر هم الذين لا يعلمون، فخاطبهم بقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. هذا هو القسم الأكبر من المسلمين أنهم ليسوا بعلماء، فواجبهم أن يسألوا أهل الذكر، وواجب أهل العلم أنهم إذا سُئلوا أن يجيبوا، وهذا قد أخذ منهم العهد في

стр. 3606

القرآن الكريم أن يُبَلِّغوا العلم إلى الناس وألَّا يكتموه، وجاءت السنة تُؤكِّد ذلك تمام التأكيد، من ذلك الحديث المشهور: «من سُئِل عن علم فكتمه، أُلْجِم يوم القيامة بلجام من نار». فإذاً: عامة المسلمين واجبهم أن يَسْعَوا لهذا العلم، فإذاً هؤلاء لا غنى لهم إلا أن يرجعوا عند الحاجة وعند الملمات إلى العلماء؛ لأن الله أمرهم بذلك: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]. ولكن أهل العلم ليسوا في المنزلة عندنا كمنزلة نبينا ﷺ ، المعصوم والمبلغ عن الله والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ لأنه معصوم، أما العلماء فليسوا كذلك، إنما هم مُبَلِّغون عن رسول الله ﷺ ، فقد يصيب أحدهم وقد يخطئ ولا عصمة لأحد بعد رسول الله ﷺ ، خلافاً لبعض الفرق التي تَدَّعي العصمة لأهل البيت، فهذا من الانحراف عن الكتاب والسنة، فلا عصمة لأحد بعد رسول الله لا لعلي ولا لأبي بكر ولا لغيرهم من الصحابة الأجلاء، فضلاً عن العلماء الذين جاؤوا من بعدهم. وإلى هذه الحقيقة أشار النبي ﷺ بالحديث الصحيح، قال: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد». إذاً: العالم يخطئ ويصيب، أما نبينا فلا يخطئ في الشرع مطلقاً، بل هو معصوم كما ذكرنا آنفاً. من هنا يجب أن نجعل تَعَصُّبنا في ديننا فقط لرجل واحد ألا وهو رسول الله ﷺ ولا نتعصب لعالم من علماء المسلمين، وإنما نستعين بهم ونسترشد بهم، ليدلونا على ما كان عليه رسول الله ﷺ هذا شيء، وشيء ثانٍ: قد أخبر النبي ﷺ بحقيقة نلمسها الآن في هذا الزمان لمس اليد كما يقال؛ ذلك قوله ﷺ : «إن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً فطوبى للغرباء»، «إن الإسلام بدأ غريباً -أي: كما بدأ- وسيعود غريباً فطوبى للغرباء». هذا الحديث هكذا في صحيح مسلم، ثم جاء في بعض الروايات الأخرى

стр. 3607

الثابتة عن النبي ﷺ تفسير هؤلاء الغرباء. والتفسير جاء على نوعين: أحدهما: لما قيل له: «من هم الغرباء يا رسول الله؟ قال: هم ناس قليلون صالحون بين ناس كثيرين، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم»، وهذه الحقيقة لا يشترك في معرفتها خاصة الناس وهم العلماء، بل بعض العلماء، وإنما كل المتدينين يلمسون هذه الحقيقة؛ وذلك يتضح من السؤال التالي: هل أكثر المسلمين اليوم يطيعون الله في أحكام دينهم، أم يعصونه؟ يعصونه، الأكثرون هم المخالفون. فإذًا: صدق هذا الحديث: «الغرباء: هم ناس قليلون صالحون، بين ناس كثيرين من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم»، الذين لا يصلون أكثر من الذين يصلون، الذين لا يتقون الله في أنفسهم وفي ذويهم ونسائهم وبناتهم وأولادهم أكثر من الذين يتقون وهكذا. لكن هناك شيء آخر الغرباء ناس قليلون صالحون بين ناس كثيرين، من يعصيهم أكثر ممن يُطيعهم، المعصية قسمان: قسم الأمر معروف فيه باتفاق المسلمين كالأمثلة السابقة كالصلاة مثلاً، تبرج النساء، فهذا فرض وذاك محرم كل هذه الأحكام متفق عليها بين المسلمين، مع ذلك فأكثر الناس لها تاركون ومخالفون. لكن هناك أحكام أخرى، يختلف فيها علماء المسلمين أنفسهم، يخرج مثلاً خلافهم في البدع الحسنة والبدع السيئة، مع أن النبي ﷺ قد صَرَّح في أكثر من حديث واحد فقال: «وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»، وقال في الحديث الآخر: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد» مع هذه الأحاديث وغيرها تسمعون اليوم بعض من يُنْسَب إلى العلم يقول: هناك بدع حسنة، فهنا خلاف بين طائفتين من خاصة المسلمين وهم العلماء، فطائفة تقول بقول الرسول: «كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»، وطائفة تقول: لا، هذا الحديث ليس على عمومه، وإنما هناك بدعة حسنة، وأيضاً هذا يحتاج إلى درس خاص ولا أستطيع الخوض فيه الآن، وإنما التذكير بمعنى هذا

стр. 3608

الحديث؛ حديث الغربة فيه روايتان، نحن الآن في صدد الرواية الأولى: «الغرباء: هم ناس قليلون صالحون بين ناس كثيرين، من يعصيهم أكثر ممن يُطيعهم»، الحديث الثاني سَيُجَلِّي لنا معنى ثانٍ في الحديث الأول لا يتنبه له كثير من الناس، لما قيل له ﵇: «من هم الغرباء؟ قال: هم الذين يُصلحون ما أفسد الناس من سُنَّتي من بعدي». إذاً: هنا غربتان: غربة الصالحين بين الجمهور الطالحين، وغربة ثانية: غربة الصالحين في الصالحين؛ لأن الصالحين هنا قسمان: صالحين اتجهوا إلى عبادة الله قسم منهم على سنة رسول الله، وقسم منهم خرجوا عن سنة رسول الله، من حيث لا يشعرون أو يشعرون، حسابهم عند الله ﵎. فالرسول ﷺ أخبر عن واقعنا في هذا الزمان، قال: «الغرباء: هم الذين يُصْلِحون ما أفسد الناس من سنتي من بعدي». والآن أختم هذه الكلمة بمثال، لعل غيرَنا من إخواننا الحاضرين يشاركوننا في بيان ما يحكيه إن شاء الله أضرب لكم مثالاً واحداً، يبين لكم الخلاف الآن بين من يَدْعُون إلى إحياء السنة وإماتة البدعة، وبين الذين يناصرون البدعة على حساب إماتة السنة، لا نذهب بكم بعيداً، عندكم الآن الأذان، فهل الأذان في كل البلاد الإسلامية إلا البعض القليل منها، هل هو على السنة؟ الجواب: لا؛ لأن الأذان في كثير من البلاد له مقدمة وله مؤخرة، في بلاد أخرى وهذا الأكثر لابد لها من مؤخرة، والأذان كما نعلم جميعاً في السنة يبدأ: بالله أكبر .. الله أكبر، وينتهي: لا إله إلا الله ... هذا هو أذان بلال، وأذان ابن أم مكتوم وأذان أبي محذورة ... هؤلاء من أشهر مؤذني الرسول ﷺ كانوا يُؤَذِّنون في زمانه، لا يُقَدِّمون شيئاً ولا يُعَقِّبون على الأذان شيئاً آخر، هذا هو السنة بالاتفاق. لكن الذين يناصرون البدعة، يقولون: هذه البدعة حسنة، أي: زيادة على الأذان سواء كان من قبل أو من بعد، وهذا أمر كتب فيه رسائل بين أنصار السنة وأنصار البدعة، ولا أُريد أيضاً أن أقف هنا كثيراً؛ لأني أعتقد أن الحاضرين إن شاء

стр. 3609

الله جميعاً يعلمون هذه الحقيقة، أن السنة في الأذان هو فقط كما قلنا: الله أكبر .. الله أكبر .. لا إله إلا الله، لكن أريد أن أُذَكِّر الآن ببدعة اختص مع الأسف بلدكم هذا دون بلاد الإسلام كلها، وهو ما يسمونه بالأذان المُوَحَّد، الأذان الموحد ينافي التوحيد؛ لأن التوحيد كما قلنا بَيَّنه الرسول ﷺ ، فقد جعل في كل مسجد أذاناً وفي كل محلة مسجداً، وأنتم تعلمون أن المسجد الجامع في عهد النبي ﷺ في المدينة إنما كان مسجده ﷺ ، وهناك كان يجتمع المسلمون من كل المساجد التي كانت حول المدينة في العوالي ونحوها، أما مسجده ﵇ فقد كان مسجداً جامعاً، أي: تصلى فيه صلاة الجمعة، دون المساجد الأخرى التي كانت حوال العوالي، والتي من تلك المساجد مسجد معاذ بن جبل ﵁، الذي جاء حديثه في صحيح البخاري، أنه كان يصلي صلاة العشاء الآخرة وراء النبي ﷺ يكسب فضيلتين اثنتين؛ فضيلة الصلاة في المسجد النبوي أولاً، التي هي بألف صلاة مما سواه من المساجد؛ مساجد العوالي مثلاً، وفضيلة الصلاة خلف النبي نفسه ﷺ ، فكان يصلي صلاة العشاء الآخرة خلفه، ثم يأتي إلى مسجد قومه فيؤمهم، يصلي بهم إماماً صلاة العشاء، هي له نافلة؛ لأن الفريضة كان قد أَدَّاها خلف النبي ﷺ ، وهي له نافلة، لم يكن هناك أذان مُوَحَّد، وإن كان قد يقال هنا: إن الوسيلة لم تكن متيسّرة كما هو مُتَيَسِّر اليوم بإذاعة الأذان من مكان واحد إلى سائر أقطار الدنيا، كما تفعل الإذاعات العالمية اليوم، لكننا نقول: لا مانع من إذاعة الأذان بأوسع دائرة ممكنة، بمثل هذه الوسائل التي خلقها الله ، ويَسَّرها الله لعباده، ولكن في حدود التزام السنة. إذا كان من السنة لكل مسجد أذان وإقامة، فلا يجوز توحيد الأذان في البلد الواحد وفي مساجد كثيرة، لاسيما أن بلدنا هذا يختلف عن كثير من البلاد الأخرى، حيث فيه الهضاب وفيه الجبال وفيه الوديان، وربما يكون هناك بعض السهول، فالأوقات الشرعية للصلوات الخمس تختلف من الجبل إلى الهضبة إلى السهل إلى الوادي، فلا يجوز توحيد الأذان والحالة هذه. ولذلك: تقع هنا مشاكل ومخالفة للشرع والأحكام الشرعية، مخالفة جذرية،

стр. 3610

فناس مثلاً يفطرون قبل غروب الشمس بالأذان المُوَحَّد، وناس يتأخرون عن الإفطار في رمضان إلى ما بعد عشر دقائق ينتظرون الأذان الموحد، وناس يُصلون الفجر قبل الوقت؛ لأن الأذان الموحد يؤذن بالنسبة لجبل ما، بينما الفجر لم يطلع بعد بالنسبة لهضاب أو سهول أو وديان وهكذا، فهذا كله جاء من توحيد الأذانات هذه إذا صح التعبير، هذا بلا شك بدعة، لم يكن ولا يكون حتى هذه الساعة في أي بلد إسلامي إلا في هذا البلد، ما ندري ما الذي بدا للذين ابتدءوا هذه البدعة في هذا البلد، وما الذي زين لهم هذه البدعة، وأملي ورجائي أن المسؤولين الذين يهتمون بأحكام الدين وإعادتها إلى السنة دون خروج عنها ومشاكسة لها، أن يُلغوا هذا الأذان وأن يُكَلِّفوا المؤذنين أن يُؤَذِّن كل مؤذن في مسجده، مراقباً الأوقات الشرعية حسب النظام الإسلامي. هذا المثال أردت أن أقف عنده، لنفتح المجال لبعض إخواننا لنسمع منهم ما يفيدنا إن شاء الله، كمثال كيف أن الإسلام اليوم أصبح في غربة، والأمثلة ليس بالعشرات ولا بالمئات، بل هي بالألوف المؤلفة تحتاج إلى مجلدات في بيان تفاصيل ومفردات هذه البدع التي عمت وطمت في كل بلاد الإسلام، وحسبنا الآن هذا المثال الموحد في الأذان الموحد الذي ليس له أصل في الشرع، وبهذا القدر كفاية. والحمد لله رب العالمين. (الهدى والنور/٦٥٥/ ٥٠: ٠٠: ٠٠) (الهدى والنور/٦٥٥/ ٥٢: ٤٢: ٠٠) السنة في بناء المساجد مداخلة: لو سمحت ذكرت أن هذا المسجد هو أقرب إلى السنة. الشيخ: نعم. مداخلة: فما هي السنة في بناء المساجد؟
следующие страницы →